صفحات الحوار

برهان غليون: الطائفيّة ظاهرة سياسية حديثة وليست موروثة

أشرف الحساني

ينتمي المُفكّر السوري، برهان غليون، إلى قلّة من المُفكّرين العرب الذين أغنوا الفكر العربي المعاصر بسيل من الرؤى والأفكار والمواقف والأطاريح، التي من شأنها أن تساعد المجتمعات العربيّة على التحرّر من إسار السُلط الديكتاتورية القمعية خلال الحقبة المعاصرة. ظلّ غليون حريصًا على البقاء إلى جانب الشعب السوري، وما شهده إبان الربيع العربي من أهوال ومآزق وتصدّعات. وخرج أكثر من مرّة للدفاع عن أحلام الربيع العربي، وقوّة جماهيره في إسقاط كل مشاعر الخوف، وإعلاء قيمة الفرد وحريته وكرامته وأحقيّته في العيش الكريم داخل المجتمع العربي.

استندت أفكار غليون في هذه المرحلة على تحليل عيني للواقع، فهو يخضع الواقع العربي إلى تحليل عيني ومباشر، لا يقوم على استظهار واستحضار نظريات مفهوم الدولة واليسار والسلطة والطبقة والكتلة، بل تبقَى العملية الفكريّة مُرتبطة بسياقها العربي. وإنْ كان التاريخ يحضر في فكر غليون كركيزة رئيسية بالنظر إلى منهجه السوسيولوجي الحفري، فإنّه يجعل من التاريخ مجرّد سياق يُموقع الفكر في مساره من دون اللجوء إلى محاولات إسقاط فكر غربي على السياق السياسي العربي، لا سيما في مرحلة حرجة ومركزية في تاريخ العرب المعاصر، كالربيع العربي.

وبالرغم من أنّ كتابات غليون لا تُقدّم ملاحظات جاهزة لتجاوز واقع سياسي/ اجتماعي ما، فإنّ كتاباته تنزع صوب الاهتمام بالتأمّل الفلسفي والتحليل الاجتماعي، اللذين يجعلان من القضية/ الواقع/ المفهوم/ المسألة مُختبرًا للتفكير، كما هو الشأن مع مفهوم “الطائفيّة”، بحيث يتجاوز في أحيان كثيرة التأمّل الفلسفي المُجرّد لصالح كتابة فكرية تقرأ الطائفيّة في ضوء تاريخها العربي الإسلامي.

وإنْ كان غليون قد انتبه إلى كون مفهوم الطائفية مفهومًا حديثًا، فإنّ ذلك لم يمنعه في كتابه “نظام الطائفيّة: من الدولة إلى القبيلة” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017) من إخضاع المفهوم إلى تحليل كرونولوجي على أساس منهج اجتماعي معاصر، يتماهى إلى حد كبير مع نظريات علم الاجتماع السياسي.

عن مفهوم الطائفيّة وترسّباتها داخل الحياة السياسية العربيّة المعاصرة في ضوء آخر المستجدات في عالمنا العربي، كان لنا هذا الحوار الخاصّ مع برهان غليون:

(*) ‪  لماذا في نظرك لم تطرح مسألة الطائفية داخل التراث العربي الإسلامي منذ صدر الإسلام إلى الفترة الحديثة، أو بعبارة أخرى، لماذا ظلّ الفكر العربي الإسلامي في العصر الوسيط في منأى عن التفكير بمسألة الطائفيّة، وما تحبل به من مآزق وتناقضات؟

ميزت في كتابي “المسألة الطائفية”، الذي صدر عام 1978، بين الطائفة كانتماء لمذهب، أو دين، أو عقيدة، وباختصار، الجماعة الدينية، أو المذهبية، والطائفة بوصفها جماعة سياسية، أو فاعلًا سياسيًا لا يصارع على أرضية الدين والمذهب، ولا يدافع عن عقيدة، وإنما يوظف العصبية الطائفية، الشبيهة بالعصبية القبلية في هذه الحالة، في الصراع على السلطة السياسية. وهذا لم يحصل من قبل لأن السلطة كانت محسومة لصالح الأسرة الحاكمة، ولم تكن هنالك منافسة بين الأفراد والجماعات على احتلال مناصب السلطة. أي ببساطة لأنه لم يكن هنالك حقل سياسي مفتوح للصراع، أو لتداول السلطة، لا بين الأفراد، ولا الأحزاب، ولا أي فاعل آخر. والأسرة، أو القوة التي استولت على السلطة، تتبنى بالضرورة، كي تضفي الشرعية على سلطتها، وتحافظ على ولاء الناس، وتضمن طاعتهم وخضوعهم لها، العقيدة، أو الدين السائد، أو تفرض ديانتها. هذه كانت القاعدة. وفي الإمبراطوريتين الإسلاميتين، الأموية والعباسية، وكل ما تبعهما من سلطنات بعد ذلك، بما فيها السلطنة العثمانية، كانت العلاقات قائمة على تعايش الطوائف، وحرية الاعتقادات الدينية، والفصل الكامل بين هذه الاعتقادات الخاصة، وتبقى ممارسة السلطة حكرًا على الأسرة الحاكمة. من كان يتعرض للاضطهاد أكثر من الأديان المختلفة هي الحركات المنشقة داخل الدين السائد، أو الدين الرئيسي، والتي كانت تسمى هرطقات، أو زندقة، لأنها تبث الشك في صدقية الدين السائد وشرعية سلطاتها الرسمية.

في العصر الحديث، نجمت الطائفية، كممارسة سياسية، أي تحويل الطائفة إلى فاعل سياسي، أو حزب، وشبه حزب، من أمرين مترابطين: الأول هو نشوء حقل مفتوح للسياسة، بما يعني تعميم الحق بالوصول إلى السلطة، أو النزاع عليها من حيث هي سلطة الشعب في الدولة الحديثة، أي جعل السياسة أمرًا عموميًا ومطلبًا وممارسة شرعيتين يمكن لكل فرد التطلع إلى المشاركة فيهما. وهذا من أبرز سمات الدولة الحديثة ومنتجاتها. والأمر الثاني المرافق له، في مجتمعاتنا، وفي غيرها أيضًا، هو أنه في الوقت نفسه الذي أصبحت فيه السياسة بضاعة عامة، حصل تحريم لها، وسدت السبل والوسائل الشرعية لتحقيق التطلع الشرعي أيضًا إلى المشاركة، أو التنافس على مناصب السلطة والمسؤولية. الطائفية، إذًا، هي نتيجة تعميم الحقوق السياسية على الأفراد، وإغلاق السبل الطبيعية لممارستها. فالصراع الطائفي يصبح هنا التعويض غير الشرعي، لكن الواقعي عن تحريم، أو إعاقة الصراع السياسي الشفاف والشرعي، مما يدفع النخب المتنافسة على السلطة إلى توظيف رصيد الجماعة الدينية، أو ثقلها، في الصراع السياسي، كما لو كانت حزبًا سياسيًا، أو بديلًا منه. وهذا النزوع يزداد طردًا مع تنامي احتكار السلطة، ومنع تداولها. وهو ما يستدعي، أيضًا، في الغالب، الرهان من قبل النخبة الحاكمة على العصبية الطائفية، أو القبلية.

لهذا وصفت في كتابي الثاني (نظام الطائفية، من الدولة إلى القبيلة)، الطائفية بأنها استخدام للعملة المزيفة (التي تطرد العملة السليمة المفقودة بسبب احتكارها من قبل أصحاب السلطة) في سوق سوداء نجمت هي نفسها عن تحريم السياسة والسوق الشرعية لتداولها وللتداول فيها. مما يعني أن الطائفية ليست إرثًا تاريخيًا ولا دينيًا، أي مرتبطة بهذا الدين، أو ذاك، وإنما هي علاقة شاذة تنشأ نتيجة المأزق الذي تضع فيه النظم الاستبدادية السياسة وتحرم الآخرين من حق ممارستها الشرعية. لكنها وهي تعطل السياسة لا تستطيع أن تلغي وظيفتها، أي التعبير عن تنازع المصالح والتسويات المطلوبة لتجنب القطيعة وبناء توازنات القوى التي هي جزء لا يتجزأ من منظومة الدولة الحديثة التي لا تقوم شرعيتها إلا على مشاركة الجمهور فيها. هكذا تحل الصراعات الطائفية محل الصراعات السياسية المحرمة، أو تبطنها، أو تغطي عليها. لذلك، متى ما فك الحظر عن ممارسة السياسة، وصارت من جديد نشاطًا عامًا وشرعيًا يشارك فيها الجمهور، وتتنازع فيها النخب على السلطة بحرية وشفافية، وبالسبل السياسية والوسائل الشرعية، تنحسر الطائفية من تلقاء نفسها، ولا يبقى من الطائفة إلا الانتماء المذهبي والديني البارد. أي تفقد الطائفة القيمة التبادلية السياسية لتحتفظ بحقيقتها الجوهرية، وهي القيمة الانتفاعية، وتلبية المطالب الروحية للأفراد.

(*) في كتابك “نظام الطائفيّة: من الدولة إلى القبيلة”، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، تقدّم تحليلًا ضافيًا ونوعيًا على مستوى تفاعلك مع الموضوع، لا لإيجاد حل للطائفيّة، بل لتقديم منطلقات فلسفية نظرية تحاول العثور على بعض التفسيرات الممكنة كمدخل للتفكير في المسألة. كيف اهتديت إلى ذلك؟

هي مسألة تحليل ومنهج في التحليل الاجتماعي، كما ترى.

(*) بالنظر إلى مؤلفات الفكر العربي المعاصر، يشعر القارئ وكأنّ موضوع الطائفية أسال كثيرًا من المداد، منذ ثمانينيات القرن الماضي، ولا يزال اليوم يطرح بالحدّة نفسها التي طرح فيها مسبقًا. كيف تفسّر هذا البقاء المخيف، رغم ما شهده الواقع العربي في السنوات القليلة الماضية من شروخ وتصدّعات؟

صحيح. والسبب أن المجتمعات العربية عمومًا، والمشرقية خاصة، لم تعرف نمط الاستبداد الأسود الذي يغلق كل نوافذ المشاركة والتداول في الشأن العام على جميع المستويات الفكرية والسياسية، ويحل ترويع النشطاء المحتملين، وإرهابهم بالقتل، أو السجن والتعذيب الهمجي، محل البحث عن الشرعية، أو بناء أي حد من الشرعية السياسية، إلا بعد السبعينيات. وهذا النمط من الاستبداد الأسود، وإعدام السياسة، لم يتبلور إلا بعد أن أدركت النخب الحاكمة أنها فقدت كل مورد للشرعية، وأمل في استعادة ولو جزء يسير منها، بسبب خسارتها النهائية والكاملة لجميع رهاناتها القوموية والتنموية والاستراتيجية. فتخلت عندئذ عن جميع أوهامها عن نفسها، وشعبية حكمها، وبدأت بتطوير نظام الاحتكار الكامل لجميع السلطات، والقمع الدائم والهمجي لجميع أشكال التعبير الفكري، أو السياسي، وفرض نظام الحظر الشامل على كل أشكال التداول والتبادل والتواصل التي يمكن أن يشتم منها أثر في إحياء روح السياسة الحديثة ومعانيها.

لذلك، كانت الظاهرة الطائفية شبه غائبة، أو محدودة جدًا، في العقود الطويلة السابقة التي اتسمت بحياة شبه ديمقراطية، أو على الأقل تعددية. وهذا ما يؤكد فرضيتي السابقة. فالسوق السوداء لا تظهر إلا في سوق احتكارية تخضع التداول لسلطة وقوانين تعسفية وغير مطابقة للقيم الحقيقية للسلع والحاجات.

(*) تتّخذ الطائفيّة دلالات متشعّبة على مستوى استعمالها في القاموس السياسي داخل العالم العربي. وفي كتابك المذكور، قمت بتشريح المفهوم تاريخيًا وفكريًا. إلى أيّ حد يستطيع الباحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية الاطمئنان إلى هذه التفسيرات أمام واقع عربي متحوّل في الزمان والمكان؟

ليست هنالك وسيلة للاطمئنان إلى احتمالية صحة أية فرضية إلا الاقتناع العقلي والثقة بجدية الحجج العقلية وكفاءتها في تقديم فهم فعال ومنتج للواقع القائم، أو للظاهرة المدروسة.

(*) هل من الممكن اعتبار أنّ الطائفيّة أضحت اليوم سلاحًا في يد الأنظمة الديكتاتورية القمعية العربيّة لإحكام قبضتها على الاجتماع العربي عن طريق الانقسامات السياسية والعصبوية والأقوامية وتفاقم الأحزاب السياسية؟

نعم. بل هي اليوم السلاح الأمضى في تفكيك المجتمعات وتقسيمها لتقويض ثقة الجماعات والأفراد ببعضهم بعضًا، وللحيلولة دون نشوء وعي عام بالمشاكل الحقيقية التي يعاني منها المجتمع، ومن تكوين رأي عام يراقب ويسائل ويحاسب المسؤولين في مناصب السلطة العمومية عن أعمالهم وفسادهم ونهبهم للمال العام، وخيانتهم للمسؤولية العمومية.

(*) من أهم ما خلصت إليه في موضوع الطائفيّة داخل الفكر العربي المعاصر، أنّها ترجع إما إلى الماضي العربي التليد وترسّباته داخل المجتمع المعاصر، أو إلى طابع أيديولوجي. إلى أي حد يمكن الحديث عن وجود نمط من التفكير الطائفي في تاريخ المجتمعات العربيّة خلال العصر الوسيط؟

الطائفية، بعكس الطائفة، بدعة سياسية، أو استراتيجية سياسية، وليست عقيدة ترد على حاجات روحية. ولذلك، هي كما ذكرت للتو ظاهرة حديثة برزت مع تعميم مبدأ السياسة في إدارة الدولة والمجتمعات، وأكثر ما تبرز، كما يمكن المعاينة ببساطة كبيرة، في النظم الجمهورية لا الملكية. وحتى مفردة الطائفية لم تكن مستخدمة بالدلالات الراهنة. فقد كانت مفردة الطائفة لغويًا تعني ببساطة مجموعة من البشر، فمن الممكن الحديث عن طائفة من العرب، أو المسلمين، أو التجار، أو الصناعيين، أو طائفة من الفقراء والأغنياء، أو طائفة من المثقفين، أو طائفة من العلماء. وبالمعنى البسيط نفسه، استخدمت في القرون الوسطى عبارة ملوك الطوائف، التي يمكن أن نستخدم مكانها اليوم أمراء الحرب. ولا علاقة لها بالفرق والشيع الدينية التي كانت المصطلحات التي تستخدم للتعبير عنها: الملل والنحل والشيع والمذاهب والفرق… إلخ.

(*) ماذا عن المرحلة الكولونيالية. كيف استطاعت أنْ تُؤجّج فكرة الطائفيّة؟

استخدمت السلطات الاستعمارية، تمامًا كسلطات الاستبداد اليوم، الاستثمار في الانقسامات الدينية والقومية، أو الإثنية، للهدف نفسه. وهي التي أطلق المحللون على قاعدة سياساتها عبارة: فرِّق تسدْ. ولم تكن وراء ذلك أية أهداف دينية. كما لم يقتصر تطبيق القاعدة على أصحاب المذاهب الدينية، ولكن، أيضًا، على الانقسامات الإثنية، والأنثروبولوجية.

(*) في خصوص الإسلام، هل له أية علاقة بالمفهوم، خاصّة وأنّ بعض الباحثين والمستشرقين يلحون على أنّ انقسام العرب ناتج عن غياب البنية القومية التي تُؤطّر خصوصية الإسلام وتجعله يُعالج الموضوع؟

طرح الإسلام نفسه منذ البداية دينًا عالميًا، ولم يوجه خطابه للعرب، ولكنه خاطب الناس، وخاطب العرب، من حيث هم بشر وناس. وهو من بين الأديان القليلة التي اعترفت بالتعددية الدينية التي شرعها الاعتقاد بدين التوحيد الواحد، وأطلق على الأديان السماوية الثلاثة اسم أهل الكتاب. في ما بعد، اعترف عمليًا بالصابئة، وسمح لجميع الأديان التي وجدت قبله بالاحتفاظ بهويتها. ولم تكن في الإسلام سياسة تبشيرية، كما هو عليه الحال اليوم. لكن أكثرية الناس أسلمت في ما بعد مع الوقت، وعلى سبيل الاندماج في مدنية وحضارة سائدة ساهمت فيها، أو تطورت من صهر الثقافات والشعوب الأقدم في ظل سلطة وثقافة واحدة أصبح الإسلام، من حيث هو إطار مرجعي روحي ومدني، ثقافي ومادي، أي حضاري، الدال الشامل لها. وعندما يشار إلى الحضارة العربية الإسلامية، فالمقصود ليس الدين، وإنما هذا الإطار التاريخي الحضاري الذي أتاح تفاعل الثقافات والأديان والمذاهب المتعددة، وأنتج مدنية جديدة شاركت فيها ثقافات وشعوب شتى غيرتها وتغيرت معها أيضًا.

وهذا ما يفسر أن المسيحيين استمروا يشكلون الأكثرية في سورية حتى الحروب الصليبية، وربما حتى القرن الثاني عشر الميلادي، وأن أديانًا لا يعترف بها الإسلام رسميًا استمرت في الحياة إلى اليوم، وكذلك فرق من المذاهب الإسلامية التي خرجت على التيارين الرئيسيين السنة والشيعة، وحتى التيار الثالث الممثل بالخوارج. لكن هذا لا ينفي بالطبع الحروب الأهلية بين المسلمين وفرقهم المختلفة. وهي حروب على السلطة من وراء الصراع على الخيارات المذهبية.

(*) ما أثار انتباهي في الكتاب هو خصوصية المنهج الذي اشتغلت به، وقاربت به الموضوع، إذْ يصعب حصره في الفلسفة أمام صفحات كثيرة يغلب عليها النفس التاريخي الأركيولوجي، ثم الاجتماعي، من خلال السفر في طبقات التفكير العربي لممارسة نوع من الحفر الإبستمولوجي القائم على مناهج معاصرة. كيف اهتديت إلى منهج بحثي علمي أسعفك في تحليل المفاهيم والمقولات النظرية لتشريح مفهوم الطائفيّة داخل تاريخ المجتمعات العربيّة؟

هذه أمور تكتسب بالتعلم. تعلم قراءة الواقع والمقارنة بين الأحوال والمجتمعات والنظم والحقب التاريخية المختلفة، وبتمثل المناهج النقدية. كل باحث لديه تجربته، وهي مبنية على اختيارات بحثية، وتوجهات أخلاقية أيضًا.‪

(*) ما هي الملامح التي ترسمها لهذا المفهوم داخل بلد كلبنان، بحكم ما شهده منذ ما سُمي بحراك 17 تشرين إلى حدود الآن، مقارنة ببعض الدول العربيّة الأخرى؟

في لبنان، الأمر مختلف عن البلاد العربية الأخرى، لأن التوزيع الطائفي للمناصب هو أساس النظام السياسي، وبالتالي القاعدة التي تقوم عليها وحدة السلطة والسلام الاجتماعي في دولة لبنان الحديثة. والأزمة التي يعيشها لبنان اليوم ليست نابعة من الطائفية، ولكن من تقويض النظام الطائفي التعددي نتيجة الحرب الأهلية والاحتلالات الأجنبية، والتي انتهت، أو أسفرت عن السيطرة الأحادية لطرف واحد عمليًا على السلطة، وفرغت هذا النظام الطوائفي التحاصصي من مضمونه. وفي ظل هذه السيطرة الأحادية الفعلية لحزب الله الخاضع هو نفسه لقواعد صراع إقليمية ودولية، بعيدًا عن الحسابات والتوازنات اللبنانية الداخلية، لم تعد هنالك إمكانية لإعادة وضع النظام الطائفي على قدميه، وأقل من ذلك إصلاحه. وفي ظل حكم الحزب الواحد غير المعلن وسطوته، وسلاحه المتفوق، وحساباته الإقليمية الطاغية، لم يبق للقادة السياسيين الممثلين للطوائف أي فرصة للتفاهم، بل أي وزن. وفقد القسم الأكبر منهم ثقة طوائفهم بهم. وفي المقابل، فرغت الساحة، أو الحقل السياسي، إلا ممن قبلوا أن يعملوا إلى جانب سلطة حزب الله، أو في الهامش الضيق الذي تسمح به هذه السلطة الاحتكارية.

هكذا ماتت الحياة السياسية اللبنانية، وانفتحت الساحة أمام طرفين: الأول الجمهور الشعبي الذي فقد الثقة بالأحزاب الطائفية ولم تعد لديه وسيلة للتعبير عن رأيه ونفسه إلا بالنزول إلى الشارع والتظاهر لإعلان صرفها من الخدمة.

وهو التعبير المباشر عن تمرده على هذه القيادات والأحزاب. والثاني تهلهل ما تبقى فاعلًا من “النخبة” السياسية التي أصبحت تضم مجموعة من السياسيين الذين قبلوا بالعمل تحت سقف الحزب، وفي حمايته، والتعاون معه. والحال أن هذا الحزب نفسه لا يملك سياسة للبنان بمقدار ما إن سياسته وسبب وجوده مرتبطان بتلبية أجندة سياسة إيران الإقليمية. وهذا ما يدعوني إلى القول إن لبنان أصبح تمامًا في وضع سورية. فكلاهما يخضعان لسلطة حزب الأمر الواقع الواحد، الذي لا يهمه مصير بلده، كونه يعمل تحت إمرة طرف خارجي، ومن أجل أجندة خارجية. نحن هنا، إذًا، أمام حالة أعقد بكثير من الطائفية، أو الصراعات الطائفية على توزيع السلطة والمناصب بالمعنى القديم، أو البسيط المتعارف عليه. إننا أمام حالة من تفكك الدولة القائمة وانهيارها بشكلها الطائفي الرسمي في لبنان وبشكلها الوطني المزيف في سورية.

(*) ما مدى الانعكاس السلبي للطائفيّة على خصوصية المجتمع العربي في علاقته بمفهوم القومية، لا سيما أنّ الطائفيّة تُستخدم داخل بعض الأدبيات الصحافية في كونها أشبه بتيار مواجه للقومية الوطنية؟

المعادلة في نظري معكوسة. أنا أعتقد أن استفحال المنطق الطائفي، وسيطرته على الحياة السياسية في بلدان المشرق، جاء بسبب فشل الحركات والنظم والسياسات القومية، ولا أقصد بها القومية العابرة للحدود فحسب، كالقومية العربية، التي لم تمثل دولة ونظامًا إلا خلال الفترة القصيرة لوحدة سورية ومصر في الخمسينيات والستينيات، ولكن القومية بالمعنى الوطني الداخلي. وليست الطائفية هي سبب هذا الفشل، ولكن عوامل أخرى سياسية واقتصادية وجيوسياسية واستراتيجية تتجاوز حدود سيطرة النخب المحلية في معظم الاحيان.

(*) صدرت للمُفكّر عزمي بشارة دراسة فكرية مميّزة بعنوان “الطائفة، الطائفيّة، الطوائف المتخيّلة”، التي عمل فيها على مقاربة الموضوع من الزاوية النظرية والتاريخيّة على امتداد 928 صفحة. كيف تنظر وتُقيّم إسهامات الآخرين في موضوع الطائفيّة في علاقتها بكتابك، أو بعبارة أخرى إلى أي حد تستطيع هذه الكتابات الفكرية الجادّة الخروج بالعرب من حالة الطائفيّة والتشرذم والانقسامات العصبوية، التي تتعمّد الأنظمة العربيّة الدفع بها صوب واجهة المشهد السياسي العربي؟

كما ذكرت في أكثر من مناسبة، فإنه في فهم العالم الاجتماعي، كلما تعددت الإسهامات وزوايا النظر إلى الموضوع ذاته، كلما زادت قدرة القارئ والرأي العام، وبالتالي المجتمع نفسه، على تكوين رؤية أفضل وأكثر إقناعًا، ومن ثم تكوين الوعي الجديد القادر على محاصرة الظاهرة السلبية، والتغلب عليها.

“لبنان أصبح تمامًا في وضع سورية. فكلاهما يخضعان لسلطة حزب الأمر الواقع الواحد، الذي لا يهمه مصير بلده، كونه يعمل تحت إمرة طرف خارجي”

غير أن القضاء على الحالة الطائفية والانقسامات العصبوية ليست معركة معرفية وفكرية فحسب، إنما هي في الأساس معركة سياسية. فلا يمكن تغيير تصورات الناس عن وجودهم الاجتماعي، وعلاقاتهم ونزاعاتهم وانقساماتهم، من دون تغيير قواعد عمل السلطة المركزية والدولة التي تتحكم بمصيرهم، أي بشروط حياتهم المادية، ومواقعهم وأدوارهم وثقافتهم، وما يرونه من الواقع، وما لا يسمح لهم برؤيته. وأخص بالذكر هنا نظام التسلط الاستبدادي والطغيان الفردي الذي هو المستهلك وصاحب الطلب الأول والأكبر على الطائفية، والمؤسس لقاعدة اللعب على الانقسامات العصبوية، أكثر بكثير من النخب المعارضة التي تحاول تقليده واللعب على ساحته.

ضفة ثالثة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى