أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

في الحقيقة “الدينية” القاتلة/ حسام الدين درويش

19 نوفمبر 2025

قد لا يكون من المبالغة القول إنّ الجدل بين الإلهي والإنساني، هو (من) أهم المواضيع وأخطرها في الفكر العربي (و) الإسلامي المعاصر. وعلى الرغم من ظهور ذلك الجدل بكلماتٍ أو عباراتٍ مختلفةٍ في مئات الكتب والنصوص، على الأقل، في الفكر العربي (و) الإسلامي المعاصر، مثل المقدّس والدنيوي، الدين والتديّن، الدين والفكر الديني، الديني والعلماني، الشريعة والفقه، النصّ والتأويل، (إسلام) النص و(إسلام) التاريخ، الأصول أو الوحي والتاريخ، الروحي والزمني، … إلخ – يمكن القول إنّ الإشكالية النظرية، و/ أو المشكلة العملية، تبقى هي ذاتها، في الجوهر: التمييز، أو إظهار التمايز، بين رؤية الدين الإلهية و/ أو الإله الدينية المقدّسة وشريعته المبثوثة في النصوص الأصلية المؤسّسة، من جهةٍ، والتديّن والفكر أو الفهم أو التأويل أو البعد العلماني/ الديني أو الإنساني الفقهي وغير الفقهي التاريخي، من جهةٍ أخرى.

وفي مفارقةٍ تجعل من هذا التمييز/ التمايز المنشود أقرب إلى ما يمكن تسميته بالمعضلة، يمكن القول، مبدئيًّا، إنه يبدو بالغ الضرورة والأهمية، نظريًّا وعمليًّا، دينيًّا وسياسيًّا ومعرفيًّا واجتماعيًّا، من ناحيةٍ، بقدر ما يبدو بالغ الإشكالية وموضع اختلافٍ وخلافٍ، نظريٍّ وعمليٍّ، إلى أبعد حدٍّ ممكنٍ، بما يجعله أقرب إلى أن يكون مستحيلًا، من ناحيةٍ أخرى.

وانطلاقًا من الإدراك، الضمني أو الصريح، لأهمية وجود التمييز، أو إيجاد التمايز، المذكورين، يجرؤ كثيرون على التصدي لهذه المهمة، على الرغم من إدراكهم لصعوبة هذه المسألة أو (شبه) استحالتها، و/ أو لاعتقاد بعضهم، على الأقل، أنّ صعوبة هذه المهمّة لا تصل إلى جعلها ممتنعةً أو مستحيلةً، وبأنّ أهمية المسألة أو ضرورتها تبرّران (شرف) المحاولة لإنجازها، أو لتسليط الضوء عليها، على الأقل.

لماذا تبدو مهمّة إقامة التمييز، أو إبراز التمايز، بين الإلهي والإنساني، مهمّةً وضروريةً، من جهةٍ، وصعبةً أو مستحيلةً أيضاً، من جهةٍ أخرى؟

المهمة مهمةٌ وضروريةٌ، لأنّ المؤمنين يريدون معرفة الدين الصحيح، الدين كما أرسله إليهم الله، بدقةٍ وموضوعيةٍ، بعيدًا عن أيّ تدخل إنساني (يمكن أن) يسمح بإزالة أو نفي، أو بالأحرى، إنكار قداسته وألوهيته وحقيقته المطلقة. ومن حيث المبدأ، لا غرابة ولا ضرر ولا مشكلة في ذلك، بغضّ النظر عن استحالته، فالبحث عن الحقيقة المطلقة أمرٌ مشروعٌ ومفيدٌ، حتى لو كانت تلك الحقيقة مستحيلة المنال، فإن السعي إليها يعني جعلها أقرب إلى المثال أو النموذج الذي نسعى إلى الاقتراب منه، قدر المستطاع، من دون إمكانية بلوغه عمومًا.

المشكلة (الحقيقية أو الأساسية) تبدأ مع الزعم بامتلاك تلك الحقيقة وتمثيل السلطة الإلهية والتحدّث باسمها والتنعّم بسلطتها ومحاولة فرض تلك الحقيقة بالقوّة على الآخرين، رغمًا عن أنوفهم وعيونهم وشفاههم أيضًا. وانطلاقًا من اختزال طرفٍ ما للحقيقة الدينية الإلهية في حقيقةٍ واحدةٍ لا شريك لها، والزعم بامتلاك تلك الحقيقة، يمكن أن يسمح ذلك الطرف لنفسه بأن يخطِّئ كلّ المعتقدات والآراء المُخالفة له، بل يكفِّر كلّ المخالفين له، أو حتى المُختلفين عنه، ومن ثمَّ، قد يبيح لنفسه، أو يوجب عليها، استباحة الآخرين، وممارسة أقصى أشكال العنف تجاههم. ويمكن للزاعمين بامتلاك الحقائق الإلهية المقدّسة، وبامتلاك المشروعية أو الشرعية في تمثيل الإله، والتصرّف بموجب الحقائق المذكورة، وفرضها على الآخرين، اقتراف أفظع الجرائم، بضميرٍ مرتاحٍ، يغطّ في سباتٍ، حتى لو كان فجًّا، وفي فجٍّ عميقٍ.

لمواجهة الأخطار الناتجة عن زعم طرفٍ ما امتلاكه لتلك الحقيقة، وتمثيله للإله أو الإلهي، ولشرعية أو مشروعية التحدّث الحصري باسمه، وفرض رؤيته، الفعلية أو المزعومة والموهومة، على الآخرين، ثمّة من يسعى إلى مواجهة ذلك الزعم، نظريًّا، والحدّ من أخطاره عمليًّا. ويمكن لتلك المواجهة أن تتضمّن استراتيجياتٍ مختلفةً، تبدأ بإظهار زيف أو خطأ المضمون المعرفي الذي يتبناه الطرف الزاعم لامتلاكه الحقيقة الإلهية، وتمرّ عبر تأكيد أنّ الحقيقة الإلهية متعدّدةٌ في تجلياتها لدى البشر، بالضرورة، وأنّ الحقيقة الإلهية (المزعومة) هي حقائق بشريةٌ أو إنسانيةٌ مُتعدّدةٌ، ومدعومةٌ بسلطة ما تسعى إلى فرضها على الآخرين لغاياتٍ دنيويةٍ ما. وقد يصل الأمر إلى وضع أو إظهار وجود هوّةٍ لا يمكن جسرها أو عبورها بين الحقائق الإنسانية والحقيقة الإلهية المُطلقة، والمحاجَّة باستحالة الوصول إلى تلك الحقيقة، أو التأكّد من حصول ذلك الوصول، في حال حصوله الفعلي أو المزعوم الموهوم.

ويمكن لمتبني الاستراتيجية الأخيرة، و/ أو الاستراتيجيتين الأخريين، إقامة التمييز أو إظهار التمايز بين الإلهي والإنساني، لكنهم، عمليًّا، يرون أنّ الحقائق التي في متناولنا، نحن البشر، حقائق إنسانيةٌ دائمًا، بمعنى إنّها ليست حقائق إلهيةً، ولا تبيح لأصحابها التحدّث باسم الإله، ولا تشرعن قيامهم بفرض تلك الحقائق على الآخرين، بزعم أنها الحقيقة الموضوعية المُطلقة التي يجب على الجميع الخضوع لها، طوعًا أو كرهًا.

الحديث عن الجدل بين الإلهي والإنساني يتقاطع مع الاستراتيجيات الثلاث الأخيرة، ويمكن أن يتمثَّل في القول إنّ العلاقة بينهما، في المعرفة البشرية، لا يمكن أن تكون علاقةً بين طرفين، يمكن لكلّ منهما أن يكون منفصلًا عن الآخر، بحيث نستطيع تعيين الإلهي غير الإنساني والإنساني غير الإلهي في تلك العلاقة. فليس ثمة دينٌ من دون تدينٍ، وليس ثمة تدينٌ من دون دينٍ يتداخل ويتشابك معه، والمقدّس يمرّ عبر الفهم الدنيويّ، بالضرورة، والدنيوي يتحدّد بتحدُّد المقدس وبالتضايف معه. ولا يكتمل معنى النص الديني المقدّس، والمؤسّس والمتضمِّن للحقيقة الإلهية، إلا بتوسّط الفهم أو التأويل البشري. وليس هناك شريعةٌ مستقلةٌ عن الفقه والاجتهاد البشري في الفهم والتأويل، والفقه هو رؤيةٌ أو رؤى إنسانيةٌ أو بشريةٌ لتلك الشريعة… إلخ.

قد تكون استعادة إنسانيتنا مرهونةً أو مشروطةً، جزئيًّا ونسبيًّا، بالإقرار ببشرية معارفنا وحقائقنا، وقبول، بل تقبّل، أنّ الاختلاف فيها حتميٌّ، وأنه ينبغي الاحتفاء والاغتناء به، عمومًا، لا محاربته والعمل على إقصائه. ومن دون ذلك، تكون الحقيقة أسوأ من الباطل والخطأ، بل تكون هي الخطيئة ذاتها، أو أسوأ منها، أيضًا.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى