تحديات المرحلة الانتقالية في سوريا.. الفجوة بين القول الرسمي والفعل الميداني/ أغيد حجازي

12 يوليو 2025
مع بدء المرحلة الانتقالية في سوريا، تبرز تحديات كبيرة أمام السلطة الجديدة في سعيها لتحقيق الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة. من بين هذه التحديات، يلفت مراقبون الانتباه إلى الفجوة المتزايدة بين الخطابات الرسمية التي تُروّج للانضباط والإصلاح، وبين ممارسات ميدانية تبدو في كثير من الأحيان متعارضة معها. في هذا الإطار، قدّم كل من د. حسام الدين درويش، الباحث والمحاضر في جامعة كولن، والباحث فراس حاج يحيى من المؤسسة السورية للدراسات وأبحاث الرأي العام، لـ “الترا سوريا” رؤيتين تحليليتين تسلطان الضوء على التفاوت بين الخطاب الرسمي والممارسات الميدانية كواحد من أبرز الإشكاليات التي تواجه السلطة الجديدة.
تفاوت الأقوال والأفعال: إشكالية متجذرة
قال د. حسام الدين درويش إن التفاوت بين الأقوال والأفعال موجود بدرجات نسبية لدى السلطة القائمة، معتبرًا أن هذا التفاوت يمكن تفسيره بعدة عوامل، وليس دائمًا بسبب عامل واحد. وأوضح أن النتيجة الثابتة هي وجود تفاوت، لكن أسبابه متعددة.
وأشار درويش إلى أن بعض الوعود تُطلق دون وجود قدرة فعلية على تنفيذها، لافتًا إلى مثال الوعود بزيادة الرواتب بنسبة 400%، والتي تأجلت مرارًا، رغم أن العوامل المؤدية لذلك كانت معروفة وموضوعية. وأضاف أنه كان من المفترض أخذ هذه العوامل بالحسبان قبل إطلاق الوعود، ليتم في النهاية تنفيذ زيادة بنسبة 200% فقط.
وأوضح أن من بين العوامل الأخرى عدم امتلاك السلطة للسيطرة الكاملة على الأفعال. ولفت إلى أن الحديث عن فصائل غير منضبطة أو فصائل تعمل خارج إطار السلطة أو التنظيمات القانونية يشكّل مثالًا على ذلك.
كما أشار إلى استمرار بعض الظواهر رغم صدور قرارات بمنعها، مثل ارتداء اللثام من قبل عناصر الأمن، مؤكدًا أن الظاهرة بقيت لفترة طويلة بعد إصدار التوجيهات.
وشدد درويش على أن الأخطر هو وجود خطابات تبدو وطنية في التعامل مع الأطراف والمناطق المختلفة، بينما تتناقض الأفعال معها، مستشهدًا بما جرى في الساحل وجباله.
وسأل درويش عن مدى ضرورة التوافق بين القول والفعل، مؤكدًا أن الخطاب الوطني الشكلي لا يكفي طالما أن الممارسات تعارض معناه الحقيقي.
رؤية موازية من الداخل
من جانبه، أشار فراس حاج يحيى إلى أن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني ليست جديدة على الدول الخارجة من الصراع، لكنها تطرح اليوم في سوريا بصيغة أكثر إلحاحًا، في ظل إجراءات استثنائية تمليها المرحلة الانتقالية.
ورأى أن القرارات الصادرة عن الرئاسة أو الحكومة الانتقالية تعبّر غالبًا عن رؤية إصلاحية، إلا أن ضعف الخطاب الإعلامي في شرحها يسهم في غموضها. كما أشار إلى أن البُنى الموروثة من المرحلة السابقة لا تزال تعمل بعقليات منفصلة أو مقاومة للتوجه الجديد، ما يعمّق الفجوة بين التوجه السياسي والتطبيق العملي.
التفاوت المقصود والـ “شو” الإعلامي
وفي تحليله، لفت درويش إلى أن التناقض لا يمكن تبريره باعتباره خارج إرادة السلطة، معتبرًا أن بعض الأفعال المناقضة تصدر من داخل السلطة نفسها. وأضاف أن ضعف السيطرة والخبرة يدفع السلطة لاعتماد “الشو الإعلامي” والخطابات والصور على حساب الواقع.
ورأى درويش أن التفاوت الأمني والعسكري قد يكون أحيانًا مقصودًا، عبر رفع شعارات مثل “الجيش الوطني”، في مقابل قبول عملي لأطراف ذات طابع ديني أو طائفي. كما انتقد ما وصفه بمأسسة دورات عقائدية تُنظَّم من قبل جهات غير مؤهلة، تتناقض مع الخطاب الرسمي، مشيرًا إلى استمرار استخدام الرموز الطائفية والفصائلية، رغم إنكارها أو رفضها نظريًا في الخطاب الرسمي.
من الثورة إلى الدولة: سيناريوهات التحول
وتحدث درويش عن احتمالين لمسار المرحلة المقبلة: إما نحو انسجام أكبر بين القول والفعل، أو نحو اتساع الفجوة. وأوضح أن الانتقال من “حالة الثورة” إلى “حالة الدولة” لم يتحقق بعد، مشيرًا إلى أن بناء مؤسسات تنفيذية حقيقية تمثّل قيم الثورة لا يزال هدفًا بعيد المنال.
وفي هذا السياق، أكد حاج يحيى أن السبب الجوهري للفجوة لا يقتصر على التناقض الظاهري، بل يمتد إلى التحديات البنيوية العميقة، وضيق الوقت السياسي المتاح للحكومة الانتقالية. ورفض الفرضية القائلة بأن التفاوت مقصود، معتبرًا أن السلطة تعمل بالفعل على استعادة السيطرة التدريجية في ظل تداخل المصالح والضغوط.
واقع الدولة بعد الانهيار
من جانبه، أشار درويش إلى أن السلطة تسلّمت زمام الأمور في ظل انهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة، ولا سيما الأمنية والعسكرية، بما في ذلك الشرطة والجمارك. وأكد أن القرارات الصادرة بحل هذه المؤسسات جاءت في سياق غياب شبه تام للسيطرة.
وذكر أن المؤسسات التعليمية والخدمية كانت أيضًا في حالة تفكك، وأن هذه الظروف خلقت حالات فوضى أقل مما كان متوقعًا، لكنها عكست سلوك فصائل وسلطات أمر واقع، لا سلوك دولة.
وأشار إلى ما جرى في الساحل بعد هجوم ما سُمِّي بالفلول في 6 من آذار/ مارس، والذي خلّف آثارًا جسيمة وسلبية جدًا، معتبرًا أن رد الفعل لم يكن منسجمًا مع منطق الدولة، لا من حيث القانون، ولا من حيث احتكار العنف، ولا حتى من حيث الخطاب الوطني أو التفاعل مع الحدث، مضيفًا أن ردود الفعل كانت تتجاوز القانون، وتعاملت مع الأطراف وكأنها أجنبية أو عدوة، لا كأطراف تنتمي إلى الدولة وتقع ضمن مسؤوليتها.
ضغوط الداخل والخارج: فرص الإصلاح وحدوده
ورأى درويش أن الأفق لا يزال مفتوحًا أمام عدة احتمالات، موضحًا أن العوامل الداخلية والخارجية قد تلعب دورًا حاسمًا. وأكد أن ترك الأمور بيد السلطة وحدها لا يبعث على التفاؤل.
وشدد على أن الأطراف المحلية يمكن أن تمارس ضغطًا إيجابيًا لتحفيز التحول نحو سلوك الدولة، لكنه حذر من الأدوار السلبية لبعض المتشددين أو الداعمين الذين يتصرفون بدوافع طائفية أو انتقامية.
أما بشأن العوامل الخارجية، فبيّن أنها قد تشكّل عاملًا دافعًا نحو المؤسساتية، أو على العكس قد تمنح السلطة ضوءًا أخضر لتعزيز نفوذها بطرق لا تخدم الصالح العام.
حلول مطروحة
في ختام مداخلته، طرح فراس حاج يحيى ثلاث توصيات أساسية لمعالجة الفجوة القائمة:
1 ـ تسريع عملية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والعسكرية وربطها مباشرة بمركز القرار السياسي الجديد.
2 ـ تفعيل الرقابة الشعبية والقانونية لضمان محاسبة من يفرغ القرارات من مضمونها.
3 ـ توحيد الخطاب الرسمي والميداني، وجعل الجهات التنفيذية مسؤولة أمام الرأي العام.
وختم حاج يحيى بالتشديد على أهمية عدم تحميل الحكومة الانتقالية أكثر مما تحتمل في هذه المرحلة الحساسة، مشددًا في الوقت ذاته على ضرورة الحفاظ على الشفافية والمكاشفة مع المواطنين، معتبرًا أن الثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالأفعال المنسجمة مع الأقوال.
يبقى التفاوت بين القول والفعل واحدًا من أكثر مظاهر المرحلة الانتقالية السورية تعقيدًا، وسط تعدد التحديات البنيوية والأمنية والسياسية. وبينما تختلف القراءات حول دوافع هذا التفاوت، تتقاطع الرؤى حول ضرورة الانتقال من الخطابات الشكلية إلى سلوك مؤسساتي حقيقي، يحقق تطلعات السوريين في دولة عادلة وفاعلة.
الترا سوريا



