سوريا وحرب الكبتاغون: ما الذي تغيّر خلال عام؟/ اسماعيل درويش

فككت الحكومة الجديدة منذ ديسمبر 2024 نحو 15 مختبراً صناعياً و13 منشأة أصغر كانت تستخدم في تخزين الكبتاغون
الاثنين 9 فبراير 2026
ملخص
كانت سوريا أكبر دولة لإنتاج المخدرات في العالم، وعمل النظام السابق على تصديرها للدول العربية والإقليمية، لكن سقوطه فتح باباً جديداً في تعاون إقليمي واسع النطاق توج بتراجع تهريب المخدرات من سوريا بنسبة وصلت إلى 80 في المئة، وعلى رغم ذلك تواجه الدولة الوليدة تحديات أبرزها ابتكار المهربين طرقاً جديدة للتهريب.
الداخلية السورية لـ”اندبندنت عربية”: سوريا الجديدة لم تعد بلداً مصنعاً أو منتجاً للكبتاغون
منتصف مايو (أيار) 2021، بعد مضي نحو 10 أعوام على اندلاع الانتفاضة السورية ضد حكم “البعث”، أصدرت صحيفة “الغارديان” البريطانية تقريراً موسعاً حمل عنوان “الكبتاغون… حوّل سوريا إلى دولة مخدرات”. يتحدث التقرير عن الرعاية الرسمية التي تقوم بها حكومة النظام السوري السابق بشار الأسد لتصنيع وإنتاج وتهريب المخدرات بمختلف أنواعها. وقد انتشرت المعامل والمصانع، التي كانت تحت إشراف ضباط من الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، في جنوب ووسط وشرق سوريا، خصوصاً في مناطق تنتشر فيها المجموعات التابعة لإيران، التي تعمل هي الأخرى بالصناعة ذاتها.
الأراضي الأردنية، كانت هي الجسر الذي يستخدمه النظام السابق وحلفاؤه في تهريب “السموم” إلى المنطقة، مستهدفاً بالدرجة الأولى دول الخليج العربي ومصر، قبل أن تتطور التجارة ليصل التصدير إلى دول الاتحاد الأوروبي. وبينما كان الجيش الأردني يكافح على الحدود مع سوريا لمواجهة المهربين، عمل على مسار سياسي آخر يقوم على التقارب مع النظام على أمل وقف التهريب، لكن من دون جدوى. وعلى رغم قيام العلاقات الرسمية بين النظام وعمان في الفترة ما بين 2023 و2024، فإن الأردن أصدر بيانات رسمية عدة اتهم فيها “جهات في الجيش السوري بتسهيل عمليات تهريب المخدرات إلى الأردن”. وبالمحصلة ارتبط اسم سوريا على مدى أكثر من عقد من الزمن، في أذهان أجهزة الأمن الدولية وأجهزة المراقبة الحدودية بمركز عالمي لصناعة وتهريب المخدرات، لا سيما مادة الكبتاغون التي كانت تُنتج بكميات هائلة وتُهرب إلى الأسواق، مسجلة أرقاماً ضخمة في التدفق غير المشروع للمواد المخدرة قبل اندلاع معركة “ردع العدوان” التي غيرت تاريخ سوريا الحديث.
تراجع إنتاج المخدرات بنسبة 80 في المئة
في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2025، وبعد مرور عام واحد على انتصار الانتفاضة السورية، أصدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة “UNODC” تقريراً حول واقع إنتاج مادة الكبتاغون في سوريا، حيث أوضح التقرير أن “الحكومة السورية الجديدة فككت، منذ ديسمبر 2024، نحو 15 مختبراً صناعياً و13 منشأة أصغر كانت تستخدم في تخزين الكبتاغون، في إطار الجهود المبذولة لمكافحة إنتاجه والاتجار به”.
ولفت مكتب الأمم المتحدة إلى أن “الإنتاج اليومي من الكبتاغون في سوريا كان يبلغ قبل ديسمبر 2024 ملايين الأقراص، لكن في غضون عام واحد فقط بعد التغيير السياسي، انخفض إنتاج الكبتاغون في سوريا بصورة حادة بنحو 80 في المئة، وهو انخفاض غير مسبوق في بلد لطالما كان يعتبر في صدارة دول التصدير غير المشروع”.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن “تدمير المختبرات الضخمة ومداهمات واسعة استهدفت مخابئ وشبكات توزيع وتعاون استخباراتي مع دول الجوار، كلها أدت إلى تعطيل كبير لسلاسل الإنتاج التي كانت تنشط سابقاً في الريف الدمشقي ومناطق قرب الحدود اللبنانية”.
إسقاط إمبراطورية الكبتاغون
إدارة مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية السورية، توضح لـ”اندبندنت عربية” أن “سوريا الجديدة لم تعد بلداً مصنعاً أو منتجاً للكبتاغون أو بقية أنواع المخدرات، الكميات التي ضبطت خلال الأشهر الماضية أنتجت قبل سقوط نظام الأسد، وكانت معدة للتهريب للخارج، وبعد تحرير سوريا تمكنا من إنهاء المرحلة الأخطر وهي مرحلة التصنيع، هدفنا كان إسقاط إمبراطورية الكبتاغون التي بناها النظام السابق”.
وتضيف وزارة الداخلية أن “آخر العمليات النوعية التي جرى تنفيذها هي عملية محكمة نفذتها إدارة مكافحة المخدرات في مناطق الجنوب، استهدفت من خلالها شبكة إجرامية متخصصة في تجارة وتهريب المواد المخدرة.
وأسفرت هذه الجهود عن إلقاء القبض على عدد من كبار تجار المخدرات، إضافة إلى ضبط كمية ضخمة من المواد المخدرة كانت معدة للتهريب إلى الأردن، إضافة إلى أدوات متقدمة للتهريب، هذه المضبوطات الأخيرة شملت نحو مليونين و50 ألف حبة كبتاغون، و605 كفوف من مادة الحشيش المخدر يقدر وزنها بـ151 كيلوغراماً، إضافة إلى 10 أسطوانات من غاز الهيليوم و75 بالوناً هوائياً و30 قذيفة هاون بلاستيكية ومدفعاً يستخدم لإطلاق هذه القذائف المعبأة بالمواد المخدرة وطائرة مسيرة وأجهزة اتصال.
صودرت جميع المضبوطات بالكامل، وأُحيل المقبوض عليهم إلى القضاء المختص لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم”.
تعاون إقليمي لمواجهة المخدرات
وتتابع الداخلية السورية أنه “قبل أيام، أعلنا عن نتائج جهود مكافحة المخدرات في سوريا خلال النصف الثاني من العام الماضي 2025، حيث جرى خلال ستة أشهر ضبط نحو 25 مليوناً و200 ألف حبة كبتاغون و1750 كيلوغراماً من مادة الحشيش ضمن جهود المكافحة داخل الأراضي السورية، بينما أسفرت جهود المكافحة الدولية عن ضبط نحو 23 مليون حبة كبتاغون و500 كيلوغرام من المواد الأولية لصناعة المخدرات ونحو 54 كيلوغراماً من مادة الكريستال و229 كيلوغراماً من الحشيش.
لكن الضربة الأكبر لجهود المكافحة الخارجية أو الدولية كانت بين سوريا وتركيا، التي نجحت في ضبط 14 مليون حبة كبتاغون واعتقال نحو 26 شخصاً من أفراد شبكات التهريب، أما بين سوريا والعراق، فقد جرى ضبط نحو 6 ملايين حبة و119 كيلوغراماً من مخدر الحشيش، إلى جانب اعتقال نحو 31 شخصاً من أفراد شبكات التهريب”.
ونوهت وزارة الداخلية إلى “ضبط نحو مليون و200 ألف حبة كبتاغون ونحو 100 ألف حبة لاريكا بين سوريا والكويت، ومليون و94 ألف حبّة و153 كيلوغراماً من الكوكائين قادمة من البرازيل وذلك بين سوريا والأردن، وفي ما يتعلق بالتعاون بين سوريا والسعودية، فقد نجحت الجهود في ضبط نحو 230 ألف حبة كبتاغون واعتقال ثلاثة أشخاص من أفراد شبكات التهريب”.
عوائق أمام الحلول
من جانب آخر، يقول الصحافي السوري عبدالله مسلم إن “جميع المعطيات تشير إلى تراجع كبير في نشاط تجارة المخدرات، مقارنة بما كانت عليه الحال في عهد النظام السابق.
وبالتأكيد يُعزى هذا التراجع إلى حملات أمنية وتشديد الرقابة على بعض المعابر والمناطق التي كانت تُستخدم سابقاً كمراكز تصنيع أو تخزين أو عبور، ومع ذلك، لا يمكن اعتبار هذه الجهود نهاية لهذه الظاهرة الخطرة، فلا تزال هناك تحديات بنيوية تعوق القضاء الكامل على تجارة المخدرات، أبرزها غياب الترسيم الواضح للحدود مع لبنان، مما يخلق ثغرات جغرافية تستغلها شبكات التهريب، إلى جانب ضعف الإمكانات التقنية والتكنولوجية في مراقبة الحدود الذي يحدّ من قدرة السلطات على ضبط عمليات التسلل والتهريب، وبخاصة في المناطق الجبلية والوعرة التي يصعب تأمينها بالوسائل التقليدية”.
ويرى الصحافي السوري أن “معالجة ملف المخدرات لا تقتصر على الحلول الأمنية فقط، بل تتطلب مقاربة شاملة تشمل التعاون الإقليمي وتطوير البنية التكنولوجية للمراقبة، إضافة إلى معالجة العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع بعض الفئات للانخراط في هذه التجارة، بمعنى آخر، يمكننا القول إنه على رغم المؤشرات الإيجابية المرتبطة بتراجع نشاط المخدرات في سوريا خلال المرحلة الأخيرة، فإن الطريق ما يزال طويلاً لضمان القضاء على هذه الظاهرة بصورة جذرية، ويظل نجاح أي استراتيجية مستقبلية مرتبطاً بقدرة الجهات المعنية على تحويل الإنجازات الأمنية إلى سياسات مستدامة تعالج جذور المشكلة بالكامل”.
هل يكفي التركيز على الأرقام؟
في المقابل، ترى الصحافية الحقوقية بشرى صالح أن “التركيز على الأرقام وحده لا يكفي، بل يجب موازنة ذلك مع سياسات الوقاية والعلاج الاجتماعي للإدمان، إذ إن القواعد الشعبية المتضررة من التهريب في الداخل لا تزال تعاني تبعات تلك الصناعة غير القانونية على مستوى الصحة العامة والاستقرار الأسري”.
وتضيف صالح أن “الجهود الأمنية مهمة، لكنها تحتاج إلى أن تُكملها برامج لإعادة تأهيل المجتمعات التي تضررت من أعوام المخدرات والاحتلال غير الرسمي لشبكات المهربين في المدن والقرى السورية”.
حرب متعددة الجبهات
في المحصلة، يرى مراقبون أن تحول سوريا خلال عام واحد من أكبر مصدري المخدرات في المنطقة إلى قيادة تقود حرباً واسعة ضد شبكات التهريب، يعد من التحولات الأكثر دراماتيكية في الملف الأمني والاقتصادي في تاريخ البلاد الحديث، إذ استطاعت الدولة الجديدة خلال فترة وجيزة -وفق الأمم المتحدة- تبديد منظومة إنتاج غير مشروعة كانت تربط اقتصاد الحرب بعمليات التمويل، وتفكيك قواعد تصنيع كانت حديثة ومتطورة.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأبرز حول مدى استدامة هذا التحول أمام تحديات الطرق الجديدة للتهريب، والحاجة إلى ضمان عضوية مجتمعية حقيقية في جهود مكافحة المخدرات خارج الخريطة الأمنية التقليدية



