العدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العدالة الانتقالية تحديث 08 كانون الثاني 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية

———————————

عام من التغييب القسري.. آفة سوريا قبل الأسد وبعده/ طارق علي

لا يزال مئات العائلات ينتظرون معرفة مصير أولادهم سواء أحياء أم أمواتاً

الثلاثاء 6 يناير 2026

الوقائع الفعلية على الأرض منذ حملات حمص مطلع عام 2025، ومقتل 10 آلاف سوري بحسب توثيقات أممية خلال الأشهر الثمانية الأولى ما بعد سقوط النظام، كشفت عن وجه آخر يناقض ما كان يرمى للعمل به فعلياً، فصار هناك اصطدام قاس بين الوعود والوقائع الفعلية، وهذه الفجوة لم تفسر عملياً، ولم يتبرع أحد لتبريرها، مما جعلها تتخذ صفة الأمر الواقع فقط.

لم يكد ينقضي شهر على وصول “هيئة تحرير الشام” إلى حكم سوريا مطلع عام 2025، حتى أعلنت حملة تمشيط ودهم شاملة، تحديداً في أحياء حمص التي كانت تمثل الخزان البشري لنظام بشار الأسد، كان عنوان الحملة يستهدف البحث عن الفلول ومجرمي الحرب والمتورطين بها والفارين من العدالة، في خطوة بدت في حينها مبكرة للغاية لعدم امتلاك الأجهزة الأمنية الوليدة قاعدة معلومات استخبارية حيوية تتيح لها التدقيق الفعلي في الشخصيات المراد البحث عنها، ليتخذ الأمر طابع التفتيش بحثاً عن سلاح لا عن مطلوبين في مكان لا يجوز لساكنيه في مرحلة ما بعد الأسد امتلاك أية قطعة سلاح.

شاركت في تلك العمليات قوات أمنية وعسكرية كبيرة من الفصائل، التي لم تكن منضمة لحينها في قوام الجيش، وغلب عليها “فصائل العصائب الحمراء” المعروفة ببطشها كما يجري التداول، التي ما زالت قائمة جزئياً حتى الآن، واستغرقت الحملة من ثلاثة إلى أربعة أيام مع مطلع عام 2025، وانتهت بانتهاكات واسعة شملت تكسير محال وسيارات وأثاث منازل واعتداء بالضرب على السكان واعتقال مئات وغالبهم من المدنيين، حتى راحت التقديرات المحلية والحقوقية للحديث عن أكثر من ألف معتقل من الأحياء العلوية غالبيتهم من غير العسكريين.

منذ ذلك الوقت وحتى اليوم لم توجه تهم رسمية للمعتقلين ولم ينالوا حقوقهم في العرض على قضاء مستقل، ولم تقدم السلطات لوائح بالأسماء والتهم وأماكن الاحتجاز التي تنقل محتجزوها بين سجون حمص وريف دمشق، وصولاً إلى سجون عفرين شمال حلب وحارم وسرمدا شمال إدلب وغيرهم، ولا يزال مئات العائلات ينتظرون مصير أولادهم، بخاصة حين يضاف إليهم آلاف من العسكريين الذين رموا سلاحهم طواعية في القاطع الشرقي من البلاد وفروا إلى العراق قبل أن يعودوا بعد أيام وفق ضمانات بعدم المحاسبة، ولكنهم الآن يخضعون للمحاسبة فعلياً، للسجن في الأقل.

تجاوز توصيف الإجراء الموقت

السلطات وعدت في حينها أن تكون تلك الإجراءات موقتة وضرورية، لأنها ترتبط بمرحلة حساسة، وأن الإفراج سيكون سريعاً عن كل شخص لم يثبت تورطه بشيء سابق، والأهم أن ذلك الإجراء لن يكون طويل الأمد أو مفتوح المهلة الزمنية لعدم إنتاج سياسات اعتقال أمنية سابقة في عهد ولى.

بناء على ذلك استبشرت عوائل المختطفين خيراً، ظنوا أن القصة ستنتهي سريعاً بالإفراج عن الموقوفين أو العرض على القضاء، بخاصة أن تطمينات كثيرة وصلت إليهم في تلك المراحل المبكرة من الاعتقال، وبأن الإجراءات كلها في الإطار الروتيني لا العقابي لمن لم يتورط بانتهاكات مثبتة، فالموضوع مسألة وقت قبل عودتهم، لكن عاماً كاملاً قد مر وتبين أن تلك التطمينات لم تكن دقيقة تماماً.

الحقوقي جلال إبراهيم من حمص يقول في هذه القضية، “الأمر تجاوز كونه تدابير احترازية متعلقة بخلل إداري أو إجرائي أو تحقيقي محض، بل صار مرتبطاً بغياب رؤية شفافة تكمن في روح العمل المؤسساتي نفسه لإدارة شؤون التوقيف قانونياً، والاحتجاز هنا هو حجب للحرية، وهو ما يناقض أصول المحاكمات التي هي حق للموقوف، وما يعزز تالياً غياب الرقابة الحقوقية أو السماح بها أصلاً، مما يؤدي لمنع ربط الشهادات أو التواصل مع الموقوفين لتضمينها في سياق قانوني يمكن البناء عليه ضمن سجل متكامل للحالة بعينها فردياً وجماعياً للمعتقلين”.

بدوره يرى المحامي عمر عزام المتابع لقضية الموقوفين أنه “حتى الآن تغيب الشفافية تماماً في هذا الملف، عن المحامين والمهتمين وأسر المعتقلين، إذ لا وجود لدعاوى حقيقية ولا جهة قضائية للمواجهة، وبالتالي الأمر كاملاً يدور في فراغ قانوني محكم، وبعد عام من الواقعة الأمر أصبح بمثابة توقيف انتقائي مفتوح لا يراعي أياً من قيم قانون العقوبات وأصول المحاكمات والإجراءات المرعية في حالات مشابهة، سيما عند الحديث عن مئات المدنيين المعتقلين لا العسكريين الذين سيكون لهم وضع آخر بالتأكيد”.

الأمر الواقع

شيئاً فشيئاً فهم الأهالي أن الآمال تتبدد مع انقضاء الوقت، وبأن الوعد بالاعتقال الموقت صار مفتوحاً حتى مدة زمنية غير معلومة، باستثناء حالات إفراج قليلة لبضعة أشخاص تحصل على فترات متباعدة، فيما لم تظهر مؤشرات إيجابية تتعلق ببقية المعتقلين.

الأمر كله سار بصمت مريب، لا توضيحات، لا إعلان رسمياً، لا وعود حقيقية، فقط نقاط تسجل للجان السلم الأهلي المرتبطة بالسلطة في سعيها إلى الإفراج عن موقوفين بين فترة وأخرى، وبطبيعة الحال تكون الأعداد قليلة نسبياً، وغالباً ما تأتي في سياق امتصاص غضب واقع في الشارع اتجاه قضايا مغايرة. الأهالي تحدثوا لـ”اندبندنت عربية” بأن الأجوبة التي كانت تأتيهم دائماً تتعلق بكون “التحقيقات لم تنته، إجراءات روتينية، سينالون حريتهم في النهاية، بانتظار التوجيهات العليا”، وغيرها من مبررات استمرار التوقيف الذي يرون أن لا طائل منه.

في ظل كل ذلك القلق باتت الأسئلة التي يطرحها الأهالي تحوم حول جدية التحقيقات ووضع أولادهم، هل ما زالوا جميعهم على قيد الحياة؟ كيف يعيشون؟ هل يأكلون؟ هل هناك قضاء ينظر في ملفاتهم أم أنهم متروكون لمفاوضات أخرى وعمليات تهدئة منتظرة كورقة ضغط شعبية؟ على ما يقولون.

يقول الناشط أحمد سليم من سكان حمص إن “ملف توقيف هذا العدد من أبناء المدينة لم يعد موضع نقاش علني بين الناس نظراً إلى المخاوف والتعب والإرهاق الذي يعصف بنية المجتمع، والأهم هو الخوف من الحديث للإعلام، وحينها يصير الصمت خياراً لا مفر منه، وهذا ما أسهم في تهميش الملف، على رغم تأثيره المباشرة في حياة تلك العوائل، وبالضرورة فإن تهميشه لا يعني نسيانه أو التنازل عنه”.

مسار مجهول

حتى اليوم لا يستطيع أحد الجزم بالعدد الفعلي لمعتقلي حمص وحدهم، الأمر يعتمد على اجتهادات مرهقة من جمع شهادات الأهالي والحقوقيين والناشطين ومراكز الأبحاث والمهتمين بمتابعة الأمر إلى جانب تسريبات غير علنية من أفراد في السلطة نفسها بصورة غير رسمية، والعامل الأهم يكمن في البحث عن مفرج عنه لسؤاله عن ظروف توقيفه ومع من تشارك مدة سجنه، والمفرج عنهم قلال قياساً بمن لا يزال قيد الاعتقال.

إلى جانب ذلك يبرز السؤال عن مكان الاحتجاز عينه كقضية محورية ومركزية، فمنذ انتهاء حملات التمشيط، أو الاعتقالات المستمرة حتى اليوم، تغيب الشفافية في إعلان أماكن الاحتجاز. “اندبندنت عربية” تتقفى أثر بعض المحتجزين فلاحظت نقلهم غير مرة بين سجون مختلفة للمعتقل نفسه “سجن الأمن العسكري – سجن أمن الدولة – سجن البالونة – السجن المركزي وهذه السجون وغيرها في حمص، بعضهم جرى اقتياده نحو دمشق لاحقاً، وآخرون نحو سجون إدلب وحلب (حارم – عفرين) وغيرهما”.

بعض الأهالي وهم قلة أشاروا بالسماح لهم وعلى فترات متباعدة بزيارة أولادهم وتمرير ملابس أو طعام لهم، وبعضهم أشار إلى تنقل أولاده بين سجون متعددة، خصوصاً نحو سجن حارم في إدلب، ولا جواب فعلياً حول تلك التنقلات أو إبلاغ ذوي الموقوف بتطورات موقفه ومكان احتجازه، كل ذلك جعل التوقيف نفسه مساراً مفتوحاً انطلق من حمص ليصب في سجون متناثرة على مساحة خريطة سوريا من دون مسوغ قانوني أو إداري أو إجرائي واضح، حتى أن مدينة النبك في ريف دمشق صار فيها سجن مكتظ بحسب روايات الأهالي. وبطبيعة الحال ثمة سجون يعد الاعتقال فيها نعمة قياساً بسجون أخرى، فالمركزي في دمشق وحمص أقل قسوة بمرات كثيرة من سجون في الشمال السوري، أو حتى سجن البالونة شرق حمص الذي كان تابعاً للشرطة العسكرية في عهد النظام السابق.

يبين القاضي المتقاعد معين شرف أن “المشكلة اليوم ليست في الاعتقال كإجراء تدبيري يمتلك موجبات ومقومات وأسباباً، بل إن المشكلة هي طبيعة ونوعية وآلية التوقيف نفسه وما يترتب عليها وفق الأسلوب المعتمد حالياً من إخفاء المعلومات ومجانبة الشفافية وعدم إعلان تعداد الموقوفين الفعلي وأماكن توزعهم وطرق معاملتهم والمسارات القانونية التي سيخضعون لها ومصيرهم، في ظل هذه المعطيات فإن أي حديث قانوني – قضائي – وطني هو منقوص، لأن انتفاء شرط الحق في المعرفة يعطل كل ما دونه”.

عائلات تنتظر المجهول

أحلام العائلات بأن اعتقال أولادهن أو أزواجهن هو أمر موقت مات تباعاً مع مرور الوقت، إذ أدركوا أنه صار عبئاً عوض أن يكون عاملاً مساعداً، فزاد الإرباك والحمل والمخاوف عليهم.

عائلات عديدة تحدثت أيضاً عن مراجعتها لجهات رسمية أمنية أو قانونية أو قضائية لالتماس معرفة مصير أبنائهم والتهم الموجهة إليهم ومدد احتجازهم المفترضة ومدى إمكان عرضهم على القضاء المختص ليصار إلى توكيل محام للدفاع عنهم، وفي معظم الحالات كانت تأتي الأجوبة عامة أو ناقصة أو متناقضة، فأصبح مصير تلك العائلات معلقاً بأخبار غير مؤكدة تصل من هنا وهناك، وأهمهما أولئك القلة الذين وجدوا طريقهم للخروج، وفي الوقت ذاته فتح الأمر باباً واسعاً للوسطاء غير القانونيين للتدخل في الأمر.

منى حازم امرأة ستينية، والدة أحد الشباب المعتقلين من حي وادي الذهب في حمص في الثاني من ديسمبر (كانون الثاني) عام، تقول “ابني مدني، لم ينخرط يوماً بالعسكرة، عمره فقط 19 سنة، كان عمره حين بدأت الحرب نحو خمس سنوات فقط، اعتقلوه من دون تهمة بعد تفتيش منزلنا، ومن حينها لم أسمع شيئاً عنه، بعضهم يقول إنه في سجون إدلب الآن. في الأقل هذه أدق معلومة حصلنا عليها من أحد المفرج عنهم من هناك، ومنذ فترة قريبة حصلنا على وعد بإمكان زيارته في الأيام المقبلة، ونحن ننتظر، قبل ذلك كنا نعيش في سراب تام من تيه المعلومات ونقصها أو حجبها بالكامل، منذ عام نحن لا نعيش حياتنا، نحن نبكي فقط”.

رستم. ج شقيق أحد المعتقلين في حملات حمص المبكرة، قال أيضاً في تصريح خاص، “كان لدينا أمل في الأسابيع الأولى أن الإفراج عن أخي سيجري سريعاً، هكذا كانت الوعود، بخاصة أنه كان يخدم إلزامياً (خدمات ثابتة)، أي إداري بحكم عجز جزئي يعاني منه وتسرح بعد بداية الحرب بقليل، لكن الأشهر مضت تباعاً من دون أثر، نحن قلقون بسبب وضعه الصحي، وبسبب ثلاثة أطفال وزوجة تركهم خلفه، ولا ندري كيف ومن أين سنتابع الملف وكل الطرق مسدودة أمامنا”.

بين الوعود والوقائع

منذ تسلم السلطات الجديدة زمام قيادة سوريا أكد الرئيس أحمد الشرع أن ما حصل هو “نصر بلا ثأر”، وأن “الثورة انتهت وحان أوان بناء الدولة”، وهي شعارات أرخت بثقل من الارتياح على الشارع لما تحمله في طياتها من نسيان السوريين لعهد عبودية كان عنوانه القبضة الأمنية القاهرة، وإلغاء دور القوانين، والركون إلى محاكم الإرهاب والميدان وتجريم السوريين بلا هوادة على الشبهة والتقارير التعسفية.

كان السوريون ينتظرون انتهاء كل ذلك، بخاصة أن خطاب السلطة الجديدة وضع خريطة طريق لاحترام حقوق المواطنة، لكن الاعتقالات التي لا تزال مستمرة بصورة يومية حتى الآن تنسف شيئاً من المعلن ومن الإعلان الدستوري نفسه وتعيد سوريا لدائرة قانون الطوارئ المريرة ولو من دون إعلان صريح عنها.

الوقائع الفعلية على الأرض منذ حملات حمص مطلع عام 2025، ومقتل 10 آلاف سوري بحسب توثيقات أممية خلال الأشهر الثمانية الأولى ما بعد سقوط النظام، كشفت عن وجه آخر يناقض ما كان يرمى للعمل به فعلياً، فصار هناك اصطدام قاس بين الوعود والوقائع الفعلية، وهذه الفجوة لم تفسر عملياً، ولم يتبرع أحد لتبريرها، مما جعلها تتخذ صفة الأمر الواقع فقط.

منار عبدالهادي محامية تعمل مع تلك العائلات في السعي للوصول إلى معرفة مصيرهم، تقول في معرض حديثها، “الآن هناك أثر نفسي عميق ترتب على عقول وأذهان العائلات المنتظرة، من منطلق إنساني القصة أكبر بكثير حين مقارنتها بمسارها القانوني نفسه، التقي أمهات تبكي لأنها لا تعرف إن كان أولادها أحياء أم أمواتاً، بخاصة بعد العثور على مقابر جماعية عدة أخيراً تحوي جثامين معتقلين في عمليات التمشيط، وكانت تصل تطمينات بين وقت وآخر أنهم بخير، أحدهم كان أهله يوصلون إليه الملابس وخلافه على أساس أنه بخير من دون رؤيته، ثم وجدوه جثة هامدة وقد أكدت الطبابة الشرعية أنه فعلياً لقي حتفه قبل مدة زمنية ليست قصيرة. والعائلات اليوم أمام صدمات مفاجئة وغير متوقعة في كل لحظة، ولا يمكن التكيف مع هذه الصورة في الحياة، إلا لو كان الهدف إعادة إنتاج نظام بشار الدموي، ولا أعتقد أن سلطاتنا الحالية تسعى إلى هذا النموذج بأية صورة”.

ذاكرة الألم

لا يمكن بأية صورة قراءة ملف معتقلي حمص في العهد الجديد بمعزل عن آلاف أو عشرات آلاف المعتقلين في العهد السابق، حين كانت ترزح المدينة تحت وطأة عسكرية وأمنية جارفة وقاتلة ومدمرة، كان عنوانها الاعتقالات الجماعية من دون جرم أو تهمة.

حمص كثيراً ما كانت أم الاعتقالات والقصف والدمار والحرب القاسية التي هجرت أكثر من نصف سكانها في مقابل تغول القوى العسكرية والأمنية داخل منازل ومصالح الناس، التغييب القسري كان شعاراً رافق المدينة لأكثر من عقد، ورافقه أيضاً، وبشناعة أكثر، غياب المسارات القانونية والقضائية، إذ كانت محكمة الإرهاب خصم أولئك المعتقلين، وكانت التهم جاهزة بطبيعة الحال، لذا لا يزال الناس يحملون الخوف في ثناياهم وإن تغير الحاكم، ولكن المهم في ذلك أن تتغير طريقة الحكم، فالناجي سابقاً صار الضحية اليوم، ولا يمكن لسوريا أن تقاد بمنطق السلطة الرشيدة، والشعب المتهم، كما يقول مهتمون بالشأن السوري.

إعادة إنتاج القمع

في سياق إعلان سوريا الجديدة وتوجهاتها وانفتاحها نحو شعبها والعالم معاً كانت الناس تشع أملاً بوعود فعلاً قابلة للتطبيق، وقد توسم كثر خيراً بالبداية التي انطلقت مع الوعود بإغلاق السجون المريبة “المسالخ البشرية” كما كانت توصف كمثل سجن صيدنايا (شمال دمشق) مثلاً، وغيره وبالفعل جرى إغلاق السجن المخيف، الذي قضى داخله آلاف وآلاف من المسجونين الجنائيين والمدانين بالإرهاب فعلاً أو تزويراً، ولحقته سجون أخرى.

كانت تلك بادرة أمل مرادة، لكن لم يكن متوقعاً أن تعيد السلطات تنشيط المقار الأمنية للأفرع السابقة كمراكز احتجاز وتعذيب، بحسب شهادات لناجين، كما أن المتابعة على أرض الواقع أظهرت فعلياً ذلك، فالسجون الأمنية باتت مكتظة بالموقوفين، علاوة على ذلك، جرى افتتاح سجون جديدة، وافتتاح مراكز احتجاز سرية وغير معلنة، وفي ظل تلك السرية بات من الصعب جداً التفريق بين السجون المعتمدة والمراقبة رسمياً وبين ما أغلق تماماً أو أعيد تشغيله بصفات مختلفة.

———————————

اللامركزية في ميزان الوحدة والعدالة/ رامي شفيق

سوريا الجديدة وخيارات الحكم: هل تشكّل اللامركزية عتبة للثقة بين السوريين؟

2026-01-05

تجد سوريا نفسها أمام لحظة سياسية مفصلية غير مسبوقة منذ عقود، لحظة تتقاطع فيها أسئلة الدولة والسلطة والهوية مع واقع اجتماعي ممزق وإرث طويل من الاستبداد والحرب. فالدولة التي أنهكتها سنوات النزاع، وتآكلت مؤسساتها، وانقسم نسيجها المجتمعي، تواجه اليوم سؤالاً مركزياً لا يقل خطورة عن أسئلة السلم الأهلي أو إعادة الإعمار: أي نموذج حكم يمكن أن يحفظ وحدة البلاد، ويعيد إنتاج الشرعية، ويؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمجتمع؟

في هذا السياق، لم يعد النقاش حول اللامركزية ترفاً فكرياً أو جدلاً أكاديمياً معزولاً، بل بات جزءاً من صلب السجال السياسي السوري حول مستقبل الدولة. وبين من يرى في اللامركزية مدخلًا لإعادة بناء الثقة وتوسيع المشاركة، ومن يخشى أن تتحول إلى بوابة تفكك أو صراع جديد، تتعدد الطروحات وتتشابك المفاهيم، في مشهد يعكس حجم الإرباك الذي يرافق مرحلة ما بعد سقوط النظام.

إشكالية المفاهيم والخلط الاصطلاحي

في مقاربة هذا الجدل، يشير الباحث طارق وطفه إلى أن النقاش الدائر حول اللامركزية يعاني من غموض مفاهيمي واضح، موضحًا في حديثه لـ”963+” أن “اللامركزية الإدارية تعني تقاسم الوظيفة الإدارية فقط بين الحكومة المركزية والوحدات الإدارية المحلية”.

ويقابل ذلك بالفيدرالية، التي يعرّفها بأنها “وضع دستوري يقوم على توزيع وظائف الحكم الثلاث: التشريعية، والتنفيذية، والقضائية، بين الحكومة المركزية وحكومات الأقاليم”.

ويشرح وطفه أن هذا التوزيع في النظام الفيدرالي لا يقتصر على نقل بعض الصلاحيات التنفيذية، بل يمنح الأقاليم سلطات دستورية كاملة، بحيث “يمتلك كل إقليم دستورًا وسلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية يحدد الدستور الاتحادي اختصاصاتها”.

كما يلفت إلى أن الأقاليم “تمتلك حق المساهمة في اتخاذ القرارات الاتحادية ذات المنفعة المشتركة، وأهمها العملية التشريعية عبر الغرفة الثانية في البرلمان”.

وفي هذا الإطار، يوضح وطفه أن مصطلحات مثل “اللامركزية الموسعة” أو “اللامركزية السياسية” ما تزال مفاهيم إشكالية، “لم يستقر علم القانون والإدارة على تعريف موحّد لها”، مرجّحًا أنها تُستخدم للدلالة على مدى استقلالية الوحدات الإدارية وسعة صلاحياتها، لا كنماذج دستورية واضحة المعالم.

ويتقاطع هذا الطرح مع ما يذهب إليه الباحث في قضايا الحوكمة زيدون الزعبي، الذي يصف المشهد الاصطلاحي المتداول بأنه يشهد “خلطاً رهيباً في المصطلحات”.

ويؤكد الزعبي في حديثه لـ”963+” أنه “لا يوجد شيء اسمه لامركزية إدارية أو معدّلة أو موسعة أو سياسية بهذا الشكل المتداول”، معتبراً أن هذه التصنيفات غير دقيقة علمياً.

أنماط اللامركزية وأبعادها

يوضح الزعبي أن اللامركزية، وفق الأدبيات الإدارية والقانونية، تنقسم إلى “ثلاثة أنماط رئيسية: أضعفها اللامركزية الحصرية، وأوسطها التفويض، وأقواها النقل، الذي يتم تنظيمه عبر الدستور والقانون”.

ويرى أن جوهر النقاش لا ينبغي أن ينحصر في التسميات، بل في مضمون الصلاحيات المنقولة وحدودها.

ويحدّد الزعبي ثلاثة أبعاد أساسية تقوم عليها اللامركزية؛ أولها “البعد السياسي المتعلق بمن يمثل المجتمع المحلي: هل هي سلطات منتخبة أم معينة؟، وثانيها البعد المالي المتمثل في قدرة السلطة المحلية على تحصيل الموارد عبر الضرائب والرسوم، وثالثها البعد الإداري المرتبط بتمكين السلطات المحلية من وضع الخطط والموازنات وإجراء التعيينات”.

وفي توصيفه للواقع السوري، يقدّم الزعبي مثالاً عملياً، قائلاً: “اليوم في سوريا المحافظ معيّن، لكنه غير قادر على تعيين مدير للصحة أو السياحة، لأن الوزارة هي التي تتولى التعيين”.

ويضيف: “ولدينا أيضاً مجالس محافظة منتخبة، لكنها بلا صلاحيات مالية أو إدارية حقيقية”، ليخلص إلى أن “النظام في سوريا ما يزال مركزياً إدارياً ومالياً وسياسياً”.

نماذج الحكم بين الإداري والسياسي

من جهته، يوضح السياسي السوري أكرم شمو لـ”963+” الفروق بين نماذج اللامركزية من زاوية سياسية، معتبراً أن “اللامركزية الإدارية تعني نقل صلاحيات خدمية وتنفيذية محدودة إلى الوحدات المحلية، مع احتفاظ السلطة المركزية بالقرار السيادي والتشريعي”.

ويشدّد على أن هذا النموذج “يستهدف أساساً تحسين كفاءة الإدارة دون المساس بوحدة الدولة أو بنيتها السيادية”.

وفي السياق ذاته، يبيّن شمو أن “اللامركزية الإدارية المعدّلة أو الموسعة تمثل نموذجاً وسيطاً يمنح الإدارات المحلية صلاحيات مالية وتخطيطية أوسع، ويعزز دور المجالس المنتخبة، مع بقاء السيادة والقرار السياسي العام موحدين”.

ويُنظر إلى هذا النموذج، بحسب شمو، بوصفه أكثر قدرة على الاستجابة للتنوع المجتمعي، دون خلق صدام سياسي أو تهديد لوحدة البلاد.

أما اللامركزية السياسية، فيشير شمو إلى أنها “تمنح الأقاليم صلاحيات سياسية وتشريعية ودستورية ضمن إطار الدولة الواحدة، وقد تتخذ شكل الفيدرالية أو الحكم الذاتي الواسع”.

ويرى أنها “من حيث المبدأ الصيغة الأكثر عدالة واستدامة لإدارة الدول المتعددة القوميات والمكوّنات”، شريطة أن تُضبط “بدستور واضح ومؤسسات سيادية موحدة تمنع الانزلاق نحو التفكك”.

ما بعد سقوط النظام والواقع السياسي الجديد

في ربطه بين هذا النقاش والتحولات السياسية الأخيرة، يلفت طارق وطفه إلى أن سقوط نظام الأسد الابن فتح الباب أمام صراع رؤى حول شكل الدولة. ويشير إلى أن السلطة الحالية “تميل إلى إقامة نظام مركزي، وترى في الفيدرالية دعوة للتقسيم”، في حين “تنادي سلطات الأمر الواقع الأخرى بالفيدرالية أو اللامركزية وتعتبرهما الحل الوحيد للحفاظ على وحدة سوريا”.

ويحذّر وطفه من أن “إقامة نظام مركزي اليوم، في ظل انعدام أو ضعف الثقة بين الحكومة الحالية وبعض القوى والمكونات والمناطق، قد يهدد البلاد بالحرب الأهلية والتقسيم”.

لكنه في المقابل يرى أن “إقامة نظام لامركزي موسع أو فيدرالي قد يؤدي إلى الفشل في بناء الدولة وإعادة الإعمار، نتيجة ضعف الخبرات السياسية والإدارية، وتفاوت الإمكانات المالية، وحجم الدمار بين المناطق”.

نقاش انفعالي أم مسار مؤسسي؟

بدوره، يربط الكاتب السوري محمد حلاق الجرف تصاعد النقاش حول اللامركزية بسقوط النظام في كانون الأول/ديسمبر 2024، مشيراً إلى أن “عوامل سياسية وأمنية ومجتمعية عديدة دفعت السوريين إلى طرح مسألة اللامركزية على طاولة النقاش”. إلا أنه يرجّح أن هذا النقاش “ما يزال انفعالياً مشحوناً أكثر منه نقاشاً مؤسسياً هادئاً”.

ويحذر الجرف من تقديم اللامركزية بوصفها حلًا سحريًا، موضحًا أن “أشكالها وتداعياتها تختلف اختلافاً عميقاً”، وأن “عدم ضبط المفاهيم قد يفتح الباب أمام سوء الفهم السياسي والجدل المجتمعي غير المنتج”.

التحديات الداخلية والخارجية

وعن التحديات، يحدد وطفه جملة من العوائق، أبرزها “طبيعة السلطة الحالية بوصفها سلطة أحادية الميل ومن خلفية عسكرية لا تثق بالآخر”، إضافة إلى “خطاب الكراهية، والعمليات الانتقامية والإرهابية، وتجذّر الانقسام المجتمعي، وتأخر العدالة الانتقالية”.

كما يشير إلى عوامل خارجية، أبرزها “الصراع الإقليمي والدولي على سوريا وما يستتبعه من تدخلات وهيمنة”، فضلاً عن “إسرائيل التي تسعى إلى بقاء سوريا ضعيفة أو مقسّمة”.

وفي الاتجاه ذاته، يرى الجرف أن “ضعف الدولة، وعسكرة معظم الأطراف الجهوية، وغياب الثقة بين الفاعلين المجتمعيين”، تجعل من الضروري “تعزيز الدولة المركزية، وإعادة بناء الجيش على أسس وطنية، وضمان المواطنة المتساوية وسيادة القانون”، بالتوازي مع “اعتماد لامركزية إدارية معدّلة مدعّمة بصرامة الدستور ووضوحه”.

+963

—————————

 التستّر بوصفه سياسة دولة.. هندسة طمس جرائم الأسد بين الوثيقة والمقبرة/ فضل عبد الغني

2026.01.03

يُعدّ التحقيق الاستقصائي الذي نشرته جريدة نيويورك تايمز بعنوان «داخل مؤامرة إخفاء جرائم الأسد» من أبرز التحقيقات التي تناولت سوريا في عام 2025؛ ومن هنا جاءت هذه المادة التي تستند بصورة رئيسية إلى ما ورد فيه، وما يتقاطع معه من معلومات وبيانات لدى الشبكة السورية لحقوق الإنسان. إذ إن التستّر الممنهج على الفظائع الجماعية يُمثّل أحد أخطر المساعي التي يمكن لأجهزة الدولة أن تنخرط فيها، لما ينطوي عليه من تدمير طويل الأمد للمجتمع وإضعاف لمرتكزات العدالة والثقة العامة.

في ظل حكم بشار الأسد، اختفى أكثر من 100 ألف شخص في سوريا وفق الحصيلة التي استند إليها التحقيق، وهي حصيلة قديمة كانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد شاركتها مع الأمم المتحدة، في حين ارتفع العدد حاليا ليقارب 160 ألف مختفٍ قسرًا على يد نظام الأسد وحده. ويضع هذا الحجم الهائل من جريمة الاختفاء القسري سوريا ضمن أكبر موجات الاختفاء القسري التي ارتكبها نظامٌ سياسي في العصر الحديث. غير أن المسؤولية لا تقف عند حدود ارتكاب الجريمة، بل تمتد إلى بُعدٍ موازٍ لا يقل خطورة: الجهد البيروقراطي المنسّق لطمس الأدلة في أثناء ارتكاب الفظائع وفي أعقابها.

فلم يكتفِ نظام الأسد بممارسة قمع واسع النطاق، بل خصّص موارد مؤسسية كبيرة لإخفاء الأدلة، والتلاعب بالمؤشرات الجنائية، وصياغة ذرائع قانونية لحماية كبار المسؤولين من المساءلة القضائية، بما حوّل الإخفاء من فعلٍ إجراميّ منفصل إلى سياسة دولة متكاملة الأركان.

من التوثيق الدقيق إلى المسؤولية الاستراتيجية

لم تكن أجهزة الأمن السورية تعمل دائمًا في الخفاء؛ ففي المراحل الأولى من النزاع الذي أعقب الحراك الشعبي عام 2011، احتفظت السلطات بسجلات دقيقة لأنشطتها: دوِّنت الاستجوابات، ووُثّقت حالات الوفاة، وصُوِّرت الجثث. وكان الحلفاء الروس والتونسيون (كان صادما بالنسبة لي أن تورد الوثائق التي اعتمد عليها التحقيق النظام التونسي كمستشار قمعي أساسي لنظام الأسد) قد نصحوا الأسد باتباع هذا النهج، معللين ذلك بأن اعترافات السجناء والإجراءات الموثقة يمكن أن توفر غطاءً قانونياً لأفعال النظام.

تغيرت المعادلة جذريًا في يناير/كانون الثاني 2014، عندما هُرّبت من سوريا صورٌ لأكثر من 6000 جثة من سجون سرية، تحمل كثيرٌ منها آثار تعذيب واضحة، عبر مصور عسكري عُرف بالاسم الرمزي «قيصر». وقد شكّلت هذه الصور أبرز دليل مفصل على التعذيب والإعدامات خارج نطاق القضاء التي ارتكبتها حكومة الأسد منذ بداية النزاع. وعندما قدمت فرنسا هذه الصور إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بعد أشهر، تحولت الوثائق التي كانت تُعدّ سابقًا إجراءً وقائيًا إلى تهديدٍ مباشر لمنظومة الإفلات من العقاب.

استجابت الأجهزة الأمنية بتشكيل دفاع منسّق؛ ففي أغسطس/آب 2014، اجتمع كبار المسؤولين العسكريين والسياسيين والاستخباراتيين مع قانونيين سوريين لوضع استراتيجية مواجهة. ووفقًا لمذكرة تصف المداولات في مكتب الأمن القومي، تآمر المشاركون على تشويه سمعة الصور المسربة عبر الادعاء بأن عددًا محدودًا منها فقط يُظهر سجناء سياسيين، وأن جزءًا آخر يعود إلى متمردين قُتلوا في المعارك أو لمجرمين. كما أوصت المداولات بـ«تجنب الخوض في التفاصيل وتجنب محاولات إثبات أو نفي أي حقائق»، والتركيز بدلًا من ذلك على «تقويض مصداقية» قيصر، بعدما كانوا قد تحققوا من هويته الفعلية.

التلاعب البيروقراطي والوثائق المزورة

بحلول عام 2018، انقلبت موازين النزاع لصالح قوات الأسد التي استعادت السيطرة على المدن الرئيسية؛ وفي ظل ضغط الحلفاء الروس لإعادة سوريا إلى المشهد الدولي بعد سنوات من العزلة، ظل مسؤولو نظام الأسد يتوجسون من أن يؤدي الانفتاح الدبلوماسي إلى وصول محققين دوليين قادرين على كشف أدلة الفظائع. وفي الوقت ذاته، واصلت منظمات حقوق الإنسان نشر تقارير تكشف تفاصيل جسيمة عن عنف الدولة، ما زاد ضغط عائلات الضحايا الساعية لمعرفة مصير أقاربها المختفين.

في خريف عام 2018، وصل رؤساء الأجهزة الأمنية إلى القصر الرئاسي لمناقشة التسريبات المتزايدة حول المقابر الجماعية ومراكز التعذيب. وخلال الاجتماع، اقترح كمال حسن، الذي كان يدير فرع فلسطين سيئ السمعة في جهاز الأمن، محو هويات السوريين الذين لقوا حتفهم في السجون السرية من السجلات الرسمية، بما يزيل أي أثر ورقي يمكن تتبعه. ووافق علي مملوك، كبير مسؤولي الأمن، على دراسة الاقتراح.

شهدت الأشهر اللاحقة تدخّلًا ممنهجًا في سجلات الأدلة؛ فقد عمد بعض المسؤولين الأمنيين إلى تزوير الأوراق لمنع إسناد الوفيات إلى فروع أمنية بعينها، في حين حذف آخرون بيانات تعريفية مثل أرقام الفروع أو رموز تعريف المحتجزين. وقبل عام 2019، كانت الجثث المنقولة من الأجهزة الأمنية في دمشق إلى المستشفيات العسكرية تحمل عادة رقمين مكتوبين على الجبهة: رقمًا يحدد الجهاز الأمني، ورقم تعريف السجين. ابتداءً من عام 2019، بدأ جهازان على الأقل، الفرع 248 وفرع فلسطين، بإغفال بعض هذه المعلومات أو كلها.

ولعل أكثر عناصر استراتيجية التستر جرأة تمثلت في تزوير الوثائق القانونية على نطاق واسع؛ فقد أمر مملوك الأجهزة الأمنية بتزوير اعترافات لأفراد توفوا في أثناء احتجازهم، مع اصطناع تواريخ لتلك الاعترافات بهدف إضفاء مظهر من الشرعية القضائية. وتضمنت بعض هذه الاعترافات المزورة إقرارات بالانتماء إلى منظمات إرهابية دولية، بما يُنتج تبريرًا قانونيًا شكليًا لوفيات وقعت نتيجة التعذيب أو الإعدام بإجراءات موجزة.

أما الإشكال التقني المتعلق بالتوقيعات، فقد عولج بأسلوب يكشف مقدار البرودة البيروقراطية في إدارة الجريمة: إذ وُقّعت الاعترافات الأصلية ببصمات أصابع بحبر شديد الخفة، ثم صُوّرت نسخ بالكاد تُرى فيها العلامات، وأُتلفت النسخ الأصلية، وحُفظت النسخ المصورة وحدها في الأرشيف.

وتظهر المداولات الداخلية حسابات النظام بوضوح؛ فعندما اقترح ضباط في مديرية استخبارات القوات الجوية تسجيل وفيات المعتقلين لدى السجل المدني بهدف تهدئة عائلاتهم وتخفيف الضغط الشعبي، رُفض الاقتراح. وردّ رئيس دائرة القضاء العسكري بأن مشاركة هذه التفاصيل «قد تكون غير آمنة»، في حين عبّر مسؤولون في وزارة الدفاع عن خشيتهم من احتمال تسريب قوائم بالأسماء واستخدامها أداةً للضغط الدولي.

عمليات المقابر الجماعية وإخفاؤها

إلى جانب التلاعب بالوثائق، بذل النظام جهودًا مادية لإخفاء أدلة الفظائع الجماعية. ففي دمشق، أشرف العقيد مازن إسماعيل على عمليات دفن الجثث في مقابر جماعية، ونظّم فرقًا لجمع الجثث من المستشفيات العسكرية ودفنها في مواقع متفرقة حول العاصمة. وعندما حصل ناشطون معارضون وصحفيون على معلومات عن وجود مقبرة جماعية في القطيفة شمالي دمشق مطلع عام 2019، تلقى إسماعيل أوامر بنقل الجثث إلى موقع جديد.

جسّدت عملية إعادة الدفن، التي امتدت قرابة عامين، التزام النظام بتدمير الأدلة، فقد استخدمت فرقٌ حفارات لاستخراج الرفات، ثم حُمّلت على شاحنات قلّابة ونُقلت إلى موقع في صحراء الضمير شمال شرقي دمشق. ودُفعت المخاوف من الشهود المدنيين إلى اتخاذ تدابير إخفاء إضافية، شملت تغطية أحواض الشاحنات ووضع طبقات من التراب فوق الرفات لإخفاء وجودها في أثناء النقل. وبحسب شهود عيان، ضمّت الرفات مدنيين وأفرادًا يرتدون لباسًا عسكريًا وكبار سن وجثثًا عارية، بما يعكس طابعًا واسعًا وعشوائيًا لعنف الدولة.

مفارقة العقوبات والمسار نحو المساءلة

اعتُبر إقرار الولايات المتحدة لقانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا أواخر عام 2019 خطوة مهمة باتجاه المساءلة، إذ استهدف أفرادًا وكيانات متورطة في فظائع نظام الأسد؛ غير أن المعطيات الواردة تشير إلى أثر رادع محدود على أرض الواقع. فقد أفاد محققون في عدة أجهزة أمنية بأنهم وزملاءهم ازدادوا قسوة مع السجناء بعد فرض العقوبات، مدفوعين جزئيًا بالاستياء من تدهور الأجور مع انهيار الاقتصاد. ولم يشر أي من المسؤولين الأمنيين الذين أُجريت معهم مقابلات إلى تلقيهم تعليمات بوقف التعذيب أو الحد منه استجابة للعقوبات.

والأشد إثارة للقلق أن نظام العقوبات ولّد حوافز سلبية تتعلق بالإفراج عن المحتجزين؛ إذ عبّر مسؤولون عن مخاوف من أن يدلي المفرج عنهم بشهادات لاحقة حول ما تعرضوا له، بما قد يفضي إلى إجراءات دولية أشد صرامة. ونقل التحقيق عن أحد المحققين الذين عملوا في الفرع 248 حتى عام 2020 أن بعض مسؤولي السجن كانوا يفضلون الاحتجاز غير المحدد حتى وفاة السجناء بدلًا من المخاطرة بالإفراج عن شهود محتملين.

وبحلول عام 2023، بدأت الإجراءات القانونية الدولية تضيق الخناق على شخصيات بارزة في النظام؛ فقد أصدر قضاة التحقيق الجنائي الفرنسيون مذكرات توقيف بحق ثلاثة مسؤولين كبار، من بينهم علي مملوك، بتهم التعذيب والاختفاء القسري وقتل مواطنين سوريين فرنسيين. واستهدفت مذكرات لاحقة بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد ومسؤولين آخرين على خلفية استخدام الأسلحة

الكيميائية ضد المدنيين عام 2013. كما أقرت وثائق داخلية صدرت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بأن النهج التقليدي القائم على نعت هذه الاتهامات بأنها «ذات دوافع سياسية» لم يعد كافيًا ولا مقنعًا.

خاتمة

لم تنجح أجهزة التستر التي اعتمدها نظام الأسد في منع سقوطه في نهاية المطاف؛ ففي ديسمبر/كانون الأول 2024، اجتاح تحالف من الثوار دمشق، ما أدى إلى نفي الأسد ومملوك وحسن وغيرهم من كبار المسؤولين إلى روسيا. وفرّ العقيد مازن إسماعيل ليلة دخول الثوار، ويُقال إنه وزّع بطاقات هوية لأشخاص متوفين على رجاله في محاولة يائسة لتسهيل هروبهم.

ومع ذلك، لا يزال إرث التستر قائمًا؛ فالتشويش المتعمد للأدلة الجنائية وتزوير الوثائق يعقّدان مسارات محاسبة كبار المسؤولين، ولا سيما عن الجرائم المرتكبة في السنوات الأخيرة من النزاع. كما أسهم تدمير المعلومات التعريفية على الجثث، وتلفيق الاعترافات، ونقل المقابر الجماعية، في خلق بيئة أدلة تُعيق الإجراءات القضائية وتُحبط الحاجة الإنسانية الأساسية إلى الحقيقة.

وبالنسبة لعائلات المختفين قسرًا، يمثل التستر جرحًا ثانيًا: ليس فقط فقدان الأحبة، بل محو متعمد لوسائل معرفة المصير واستعادة الكرامة عبر كشف الحقيقة. وتظل الأسئلة التي عبّر عنها سوري اختفى شقيقه عام 2013 تطاردهم: «أين أُخذ؟ كيف قُتل؟». لقد صُممت آلية التستر تحديدًا لضمان بقاء هذه الأسئلة بلا إجابة، بما يحوّل الاختفاء القسري من فعل عنف إلى حالة دائمة من عدم اليقين تؤلم ذوي المختفين طوال حياتهم.

تلفزيون سوريا

——————–

الملاحقة العابرة للحدود: ركيزة للعدالة الانتقالية وحماية السلم الأهلي/ منصور العمري

يناير 4, 2026 

المحاسبة الجنائية أحد الأركان الجوهرية للعدالة الانتقالية في المجتمعات التي تسعى للاستقرار والسلم الأهلي، وللتعافي من النزاع. لا تقتصر هذه المحاسبة على النطاق المحلي فحسب، بل تشمل ملاحقة المرتكبين الفارين خارج الحدود، وهو مسار ضروري لضمان عدم إفلات الجناة من العقاب، ولتقديم العدالة للضحايا، وأيضاً لتحصين البلاد في مواجهة التهديدات الأمنية المستمرة.

لملاحقة الجناة في الخارج أهمية استراتيجية تتجاوز مجرد العقاب القانوني، فهي تعزز سيادة القانون الدولي وتؤكد للضحايا أن العدالة لا توقفها الحدود الجغرافية. كما توجه رسالة رادعة للجناة أنهم ليسوا في مأمن من العقاب. في الحالة السورية، أثبتت التجربة أن الملاحقة الدولية هي الأداة القضائية الأكثر فعالية في ظل تعطل مسارات التقاضي الداخلية تحت حكم نظام الأسد.

ملاحقة الشخصيات المتورطة في انتهاكات جسيمة تكسر الحصانة التي يتمتعون بها، وتقلص قدرتهم على تمويل أو قيادة مخططات إجرامية تهدد الاستقرار المستقبلي. كما أن بقاء رموز الإجرام طلقاء في الخارج، وبحوزتهم موارد مالية ونفوذ متعدد الأشكال، يشكل تهديداً مستمراً للسلم المجتمعي واستقرار البلاد.

فالمخططات التي تقودها شخصيات مرتبطة بمنظومات القمع والفساد، أمثال رامي مخلوف وأذرعه العسكرية والأمنية كغيات ذلة وسهيل الحسن وغيرهم، تظل خطراً قائماً ما لم تُجفف منابع نفوذهم عبر الملاحقة القانونية الدولية. ملاحقة الأذرع المالية لرجال الأعمال المرتبطين بالجريمة السياسية يضمن عدم تحول الأموال المنهوبة أصلاً إلى وقود لصراعات مستقبلية أو ميليشيات إجرامية.

الحاجة إلى مكتب مستقل للملاحقة القانونية الخارجية

تحتاج تدابير العدالة الانتقالية إلى عمل منظم متخصص، والتحضير الوافي والوقت الكافي للمرحلة التأسيسية التي لا ينبغي التسرع فيها رغم الضغوط، فبناء الأرضية السليمة هو ما يضمن التنفيذ الناجح لتدابير العدالة الانتقالية، ولا تخرج عن هذه القاعدة البديهية ملاحقة الجناة خارج سوريا. فهذا النوع من العمل يحتاج إلى تنظيم وتأسيس صائب.

تختلف أدوات الملاحقة القانونية الدولية جذرياً عن الإجراءات المحلية، ومعظم رموز الإجرام في عهد الأسد وكبارهم فروا خارج البلاد، ولا يبدو أنهم مستعدون للتوقف عن المخططات الإجرامية. كل ذلك، يستوجب بالضرورة تنظيم مجموعة متخصصة في ملاحقة الجناة في الخارج.

لذلك، يمكن إنشاء مكتب مستقل لأداء هذه المهمة، يعمل بالتنسيق الوثيق مع وزارة الخارجية. يمكن أن يضم المكتب أقساماً محددة بينها قسم تتبع وتحديد أماكن تواجد المرتكبين، وقسم متخصص في ملاحقة الأصول المالية، وقسم قانوني لبناء الملفات القضائية وتحريكها. تشمل مهام هذا المكتب وأدواته التخصصية العمل في مجالات محددة، منها:

– الولاية القضائية العالمية، والاستفادة من القوانين في الدول التي تلزم الدول بملاحقة ومقاضاة مرتكبي الجرائم الدولية المتواجدين في أراضيها.

– الاتفاقيات الثنائية والدولية المختصة بتسليم المجرمين والتعاون القضائي، كاتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي، والاتفاقية العربية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (اتفاقية باليرمو)، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وغيرها.

– العقوبات الدولية: العمل على فرض عقوبات على أشخاص وجهات ومؤسسات وشركات، كأداة ضغط لتجميد الأصول والحد من التحركات الدولية للجناة.

– الاتفاقيات المتعلقة بالجرائم الدولية الجسيمة، كاتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقيات جنيف، واتفاقية الحماية من الإخفاء القسري.

دور المجتمع المدني السوري

لا يمكن للدولة أو السلطات الانتقالية الانطلاق من الصفر في هذا الملف، فتبعات العامل الزمني خطيرة، وبكل الأحوال يجب إشراك المجتمع المدني السوري والمنظمات الحقوقية السورية ذات الباع الطويل في هذا العمل، وهي التي أسست بالفعل سابقات قانونية تاريخية في هذا المجال. استطاع الحقوقيون السوريون بناء ملفات أدلة استثنائية، مكنت من إصدار مذكرات توقيف دولية وأحكام قضائية في أوروبا وعقوبات دولية.

يمكن لمكتب الملاحقة الخارجية الاستفادة من مخرجات وأرشيف وخبرة هذه المنظمات، بوصفها الشريك الخبير بتعقيدات القانون الدولي والملاحقة القضائية والعقوبات الدولية.

بعد سنوات من عمل المجتمع المدني السوري في الخارج لملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية، يمكن أن يكتسب هذا العمل قوة دفع استثنائية وغير مسبوقة عندما تتحول العلاقة بين السلطات الوطنية والمنظمات الحقوقية السورية من حالة التصادم إلى حالة التعاون والجهود المشتركة. فبعد سنوات طويلة عمل فيها نظام الأسد بكل أدواته القمعية والدبلوماسية لعرقلة جهود هذه المنظمات والعمل ضدها، يفتح التعاون الجديد الضروري بين السلطات الحالية والمجتمع المدني أفقاً لتوحيد الجهود بين الشرعية الدولية للدولة وأدواتها الدبلوماسية والسياسية والخبرة التراكمية للمجتمع المدني.

سيعزز هذا البعد الجديد فعالية الملاحقة بشكل هائل عبر دمج الوثائق والأدلة والخبرة لدى المنظمات، مع القوة الإجرائية والسياسية والشرعية القانونية الدولية والأدلة الهائلة التي تملكها السلطات الرسمية، مثل القدرة على تفعيل الاتفاقيات الثنائية وطلبات التسليم عبر القنوات الدبلوماسية، والقدرات الاستخباراتية.

ملاحقة المجرمين خارج البلاد ليست مجرد خيار قانوني، بل هي ضرورة أمنية وسياسية لضمان استدامة الانتقال والسلم والاستقرار في البلاد، وإنشاء مكتب متخصص يجمع بين خبرة المجتمع المدني الحقوقية، وأدوات الدولة الدبلوماسية يمثل إجراءً تاريخياً لملاحقة الجناة الفارين وتفكيك شبكاتهم الإجرامية العابرة للحدود، بما يحمي البلاد من مخططات الفوضى، ويقدم عدالة تتجاوز حدود الجغرافيا لتنصف الضحايا أينما فر الجناة.

الثورة السورية

——————————–

وزارة العدل تؤكد تجريم الخطاب الطائفي والانفصالي قانونياً.. كيف تواجه سوريا دعوات الانقسام وتعيد إنتاج خطاب وطني جامع؟/ راغب العطية

يناير 1, 2026 

لا يمكن لأي مجتمع أن يستقر أو يتقدم من دون تحقيق توازن واضح بين واجبات الدولة تجاه مواطنيها وواجبات المواطن تجاه وطنه. فالعلاقة بين الفرد والدولة تقوم على مبدأ التبادل والتكامل: الدولة هي الإطار التنظيمي والمؤسسي المسؤول عن حفظ الأمن والنظام، وتحقيق العدالة، وتقديم الخدمات العامة، بينما يترتب على المواطن دورٌ أساسي في المساهمة الفاعلة ببناء دولته، وفي مقدمة ذلك احترام القانون والعمل للصالح العام. إذ إن الإخلال بالقانون يهدد الاستقرار ويعيق التطور ويفتح ثغرات أمام المتربصين بالدولة، في حين أن التفاعل الإيجابي والتعاون المنسجم بين الطرفين يفضي إلى بناء دولة قوية ومستقرة ومزدهرة.

والحالة السورية لا تخرج عن هذه القاعدة العامة التي تنطبق على مختلف الدول، مهما اختلفت نظمها السياسية. غير أن الخصوصية السورية تفرضها مرحلة التغيير الجذري التي صنعتها ثورة الشعب السوري منذ أكثر من عام، بإسقاط أحد أكثر الأنظمة الدكتاتورية قسوة في المنطقة.

وأمام ما شهدته بعض مناطق حمص وحماة والساحل مؤخراً من احتجاجات، وما رافقها من شعارات طائفية وانفصالية وأعمال عنف أودت بحياة مدنيين وعناصر من قوى الأمن الداخلي التي حضرت لحماية التظاهر انسجاماً مع واجبات الدولة القانونية، صدر عن وزارة العدل بيان أكدت فيه أن الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها مبدأ دستوري ثابت لا يقبل المساس أو التجاوز، بما يعكس جانباً من مسؤوليات الدولة السورية في حماية المصلحة الوطنية العليا عبر مؤسساتها السياسية والعسكرية والأمنية.

حرية الرأي والتعبير حق مصون

وأوضح بيان الوزارة، أنه انطلاقاً من التزام الدولة بمبدأ سيادة القانون واحترام الحقوق والحريات العامة التي كفلها الدستور، فإن حرية الرأي والتعبير حق مصون، يمارس ضمن الأطر القانونية المحددة، وبما يضمن تحقيق المصلحة العامة ويحفظ السلم الأهلي. وأشار البيان إلى أن التشريعات النافذة نظّمت ممارسة هذه الحقوق عبر ضوابط وإجراءات قانونية ملزمة، هدفها ضمان سلامة المواطنين، وحماية الممتلكات العامة والخاصة، ومنع أي أفعال من شأنها الإخلال بالأمن أو تعطيل مرافق الحياة العامة، وأن أي ممارسة تخالف هذه الضوابط تعد خرقاً صريحاً لأحكام القانون.

وفي السياق نفسه، وجّه وزير الداخلية المهندس أنس خطاب إنذاراً أخيراً لفلول النظام المخلوع، محذراً من مصير محتوم ينتظر كل من يصر على نهج العبث ونشر الفوضى والقتل والتخريب، مؤكداً أن هذه الرسالة تمثل تحذيراً نهائياً للكف عن تلك الممارسات.

وقال خطاب عبر منصة “إكس” إن وزارة الداخلية أثبتت منذ الأيام الأولى للتحرير أنها الدرع الحصين لأبناء الشعب السوري في مواجهة مختلف التحديات الأمنية، من خلال التعاون والتنسيق مع باقي الوزارات والمؤسسات، بالشراكة مع عموم الشعب. وأوضح أن الوزارة عملت على ترسيخ مفهوم جديد للأمن يقوم على حماية الناس وخدمتهم لا تخويفهم، مشيراً إلى إقرار “مدونة السلوك” التي تضبط العمل الأمني وتؤطره ضمن الأسس القانونية والضوابط المهنية اللازمة.

وأشار وزير الداخلية إلى أن المواطنين باتوا يلمسون تغيراً جوهرياً في الأداء الأمني، حيث أصبح رجل الأمن والشرطة خادماً لأهله بعد أن كان مصدراً للخوف. وأضاف: “إلا أن بعض الحمقى والمغفلين من فلول النظام البائد، ممن ربطوا أنفسهم بمجرمين فارين ومطلوبين للعدالة، ظنوا أن التزامنا بالقيم والأخلاق وضبط النفس ضعف وتهاون، رغم أننا منذ اليوم الأول قلنا: سنكون ملجأ لكل مظلوم صاحب حق، وسيفاً مسلطاً على كل من أراد العبث بأمن بلادنا”.

وختم خطاب بالتأكيد أن “سوريا الجديدة، سوريا البناء، لن تعود لحظة إلى الوراء بسواعد أبطالها في كل الاختصاصات وفي كل الميادين، وإن الدولة الجديدة هي الضامن الوحيد للجميع في حفظ أمنهم وصون كرامتهم وضمان حقوقهم”.

الإعلان الدستوري: الحقوق ووحدة البلاد

ونصّ الإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025، في باب الحقوق والحريات، على أن الدولة تصون حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وتكفل حقوق المواطن وحرياته، وأن الحقوق والحريات الواردة في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صادقت عليها الجمهورية العربية السورية جزء لا يتجزأ من هذا الإعلان، كما تكفل الدولة حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة.

1741543634819 وزارة العدل تؤكد تجريم الخطاب الطائفي والانفصالي قانونياً.. كيف تواجه سوريا دعوات الانقسام وتعيد إنتاج خطاب وطني جامع؟

وفي الأحكام العامة، أكد الإعلان التزام الدولة بالحفاظ على وحدة الأرض السورية، وتجريم دعوات التقسيم والانفصال وطلب التدخل الأجنبي أو الاستقواء بالخارج، كما أكد التزام الدولة بتحقيق التعايش والاستقرار المجتمعي وحفظ السلم الأهلي ومنع الفتنة والانقسام وإثارة النعرات والتحريض على العنف، ومكافحة جميع أنواع التطرف العنيف، مع احترام الحقوق والحريات.

وشددت وزارة العدل في بيانها على التمييز الحاسم بين التعبير السلمي المشروع عن الرأي، وبين الأفعال التي تنطوي على تحريض أو إساءة أو تهديد للسلم الأهلي، بما في ذلك الخطاب الطائفي أو المذهبي، أو أي شكل من أشكال الكراهية والانقسام، معتبرةً أن هذه الأفعال محظورة ومجرّمة قانوناً وتستوجب المساءلة والملاحقة لما تشكله من خطر مباشر على وحدة المجتمع واستقراره.

وأكدت الوزارة أن مؤسسات الدولة لن تتساهل مع أي خروج على القانون أو ارتكاب أفعال مجرّمة، وأن القانون يطبق على الجميع دون استثناء أو تمييز بغض النظر عن الصفة أو الانتماء أو الدوافع، وأن الجهات المختصة ستتخذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين وستطبق أحكام القانون بحزم ومسؤولية، بما يصون النظام العام ويحفظ السلم الأهلي ويضمن وحدة المجتمع وأمن الدولة، داعية المواطنين إلى الالتزام بأحكام القانون عند ممارسة حقوقهم وتحمل مسؤولياتهم الوطنية.

بين الداخل والتدخلات الخارجية

وقال المحامي والناشط الحقوقي ميشال شماس، في حديث لـ”الثورة السورية”، إن ما شهدته بعض مناطق الساحل من توترات واعتداءات طالت المدنيين وقوى الأمن يفرض التمسك بالمسار السلمي للتعبير عن الرأي، وحماية حق السوريين في إيصال مطالبهم المشروعة وفق ما نص عليه الإعلان الدستوري. وأضاف أنه لا يمكن فصل المشهد الداخلي عن العوامل الإقليمية والدولية التي تستثمر في التوتر، موضحاً أن إيران ترى في الانقسام الطائفي وسيلة لإدامة الفوضى وتأخير العدالة، بينما تنظر إسرائيل إلى الانقسام بوصفه الضمانة الأهم لإبقاء سوريا ضعيفة ومجزأة، وأن هذه الأطراف تحاول إشعال الصراع لتوظيفه في أجنداتها، وهي غالباً خارج دائرة المحاسبة مهما كانت الكلفة على السوريين.

وشدد شماس على ضرورة الابتعاد عن الشعارات الطائفية والتمسك بالخطاب الوطني الجامع، والإصرار على العدالة الانتقالية بوصفها الطريق الأوثق لمنع الانتقام وبناء الثقة وحماية الجميع، ولا سيما الفئات التي جرى الاستثمار السياسي باسم حمايتها عبر عقود. ورأى أن على الدولة، بصفتها الجهة المخولة دستورياً بحماية المجتمع، أن توازن بين حماية حرية التظاهر وبين اتخاذ إجراءات صارمة بحق كل اعتداء أو تحريض أو تخريب أياً كان مصدره، وأن تضبط خطاب بعض المؤيدين لها، وتفرض عقوبات مشددة بالسجن والغرامات على مروجي خطاب الكراهية، وتوجه الإعلام الرسمي نحو خطاب وطني مسؤول يحترم التعدد ويحمي السلم الأهلي، مع ضرورة سحب كل سلاح خارج يد الدولة باعتباره خطراً على الدولة والسلطة معاً.

وأشار شماس إلى ضرورة إعادة النظر في الأطر التشريعية الناظمة لحرية التظاهر، موضحاً أن القانون رقم 54 لعام 2011، وإن بدا منظماً للتظاهر شكلياً، إلا أنه في التطبيق يحد منه إلى مستوى المنع. ومع انتقال سوريا من حقبة الدكتاتورية إلى مرحلة جديدة، تصبح مراجعة هذا القانون ضرورة بروح مختلفة، بحيث يتحول من أداة ضبط إلى وسيلة حماية، ومن قيد احترازي إلى إطار منظم لممارسة الحق.

وأكد أن الالتزام بالإجراءات القانونية ليس شكلاً إدارياً، بل ضمانة لمنع انزلاق الاحتجاجات إلى العنف أو الفوضى أو الاستغلال الخارجي، ومن هنا تبرز أهمية منع التظاهرات المضادة في الزمان والمكان نفسيهما، لأن مواجهة شارع لآخر لا تعبر عن رأي بقدر ما تفتح الباب للاحتكاك والعنف وتعطل قدرة الدولة على حماية الجميع دون تمييز.

وختم شماس بالقول إن الطريق الآمن للتعبير يبدأ بالالتزام بالقانون وينتهي بالحوار المسؤول، وبينهما مساحة واسعة يمكن للسوريين أن يمارسوا فيها حقوقهم كاملة دون خوف ودون فوضى، ودون أن يتحول صوتهم إلى أداة في مشاريع لا تخدم المصلحة الوطنية.

المهنية والسلاح ضد الخارجين عن القانون فقط

وأكدت وزارة الداخلية أن التعامل مع أحداث الساحل يتم بمهنية عالية ووفق مبادئ القانون. وقال المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا، إن الاعتداءات التي نفذتها فلول النظام المخلوع بحق متظاهرين سلميين في اللاذقية وطرطوس تكشف حقيقة هذه المجموعات، وتعد انتصاراً لقيم الثورة السورية القائمة على رفض القمع والعنف. وأشار إلى أن قوى الأمن الداخلي تتعامل مع التطورات بانضباط ومسؤولية، وأن بعض الاحتجاجات جاءت نتيجة دعوات انفصالية تسعى إلى زعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى.

وشدد البابا على أن استخدام السلاح الناري يقتصر على مواجهة فلول النظام البائد التي تستهدف قوى الأمن والجيش والمدنيين، وأن هذه المجموعات تحاول استغلال التحركات لتحقيق مكاسب سياسية عبر الابتزاز والضغط. وأوضح أن النظام البائد حرم الساحل لسنوات من أبسط الخدمات وحول أبناءه إلى وقود لمشاريعه القمعية، وأن وراء ما يجري رؤوساً محددة تحرك الأحداث للإضرار بأبناء المنطقة وبالشعب السوري عموماً.

وأشار إلى أن التفجير الإرهابي الذي استهدف مسجد علي بن أبي طالب في حمص لم يكن موجهاً ضد مكون بعينه، بل استهدف مكونات عدة في محاولة لضرب السلم الأهلي وبث الفتنة بين السوريين. وختم بالتأكيد أن بشار الأسد سقط ومعه سقط الحكم الطائفي، وأن الزمن لن يعود إلى الوراء، وأن وزارة الداخلية تنطلق في عملها من مبادئ الثورة وأحكام القانون.

وأسفرت اعتداءات نفذتها مجموعات خارجة عن القانون تابعة لفلول النظام المخلوع عن وفاة ثلاثة أشخاص وإصابة ستين آخرين من المدنيين وعناصر قوى الأمن الداخلي، خلال احتجاجات شهدتها مدينة اللاذقية مؤخراً.

الثورة السورية

———————————

تساؤلات حول “ترسانة الأسد القانونية”/ عمّار المأمون

05.01.2026

غياب مصدر تشريع واضح غير أحمد الشرع وسلطاته، يترك الكثيرين في تخوّف ربما، أبرز المخاوف، تلك الخاصّة بالقانون رقم 49 للعام 1980، الذي وصفه أحد المنفيّين السوريين في فرنسا بأنه “سيّف مصلت على الرقاب”.

نشر مظهر الويس وزير العدل السوري، مقالاً في صحيفة “الثورة السورية”، حمل عنواناً بصيغة سؤال بسيط: “هل تأخّر مسار العدالة الانتقالية؟”.

المقال يشرح في قسم منه ما وصفه بـ”الإنجازات والإجراءات العلمية”، التي اتّخذتها القيادة السورية الجديدة في سبيل العدالة الانتقالية، متحدّثاً عن إعادة تنظيم المحاكم والقضاء، و”إنهاء العمل بالأحكام والإجراءات الاستثنائية”، مؤكّداً الالتزام بالإعلان الدستوري.

كلمة الأحكام والإجراءات الاستثنائية تحوي غموضاً. نعم، هي تشمل المحاكم الاستثنائية وغيرها من أدوات نظام الأسد للقتل وشرعنة التحكّم بمصائر السوريين، لكن في الوقت نفسه، نحن أمام ترسانة قانونية ومراسيم وتشريعات، صمّمها نظام الأسدين وما زال بعضها فعّالاً، وأحياناً يُطبّق.

غياب دستور ومجلس شعب (مجلس تشريعي)، يتركنا أمام ما يشابه حالة الاستثناء، أو حالة الطوارئ، حيث يتمّ “الاختيار” من القوانين السابقة التي يتمّ تطبيقها التي لا صيغة واحدة لأسلوب تطبيقها، وربما المثال الأوضح هو استخدام قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية الأسدي، الصادر في عام 2022، الذي وصفته “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” بأنه “كرّس قمع حرّية الرأي، والتعبير، وتسبّب في عشرات حالات الاعتقال التعسّفي والتعذيب”، وذلك في تعميم لوزارة العدل حول نشر وتبادل وثائق من عهد نظام الأسد، كما استُخدم مرّة ثانية في اتّهام الصحافي إياد شربجي بتهمة “إثارات النعرات الطائفية”.

ردّ حمزة مصطفى وزير الإعلام السوري، على الجدل الذي أثاره استخدام هذا القانون، مشيراً إلى أنه “يواجه عوائق أخلاقية وإجرائية تحدّ من تطبيقه بشكل عادل وفعّال، ما دفع الوزارة إلى البحث عن بدائل عملية”.

هذا التخوّف من تفعيل قوانين سابقة، أو عدم تعديلها، اتّضح في تعميم وزارة العدل بخصوص حقّ الأمّ في استخراج جواز سفر لابنها، الشأن الذي بالأصل يمسّ قانون الأحوال الشخصية، كما يفتح الباب أمام تطبيق قوانين أخرى، والمفارقة أن أحمد الشرع الرئيس المؤقّت في المرحلة الانتقالية، يمتلك صلاحيات غامضة، هو يصدر مراسيم تُعيد هيكلة بناء الدولة، كسلسلة الشركات القابضة التي أمر بإنشائها، لكنّ بعض القوانين لا يتمّ الحديث عنها، وحين السؤال، تكون الإجابة أن هكذا قوانين بحاجة إلى مجلس شعب، في حين يمكن للشرع مخالفة الإعلان الدستوري وإصدار مراسيم من اختصاص هذا المجلس غير الموجود!

أحد أخطر هذه القوانين هي تلك الخاصّة بمكافحة الإرهاب، التي أصدرها بشّار الأسد في عام 2012 بعد رفع حالة الطوارئ، “السلاح” الذي وظّفه الأسد لاعتقال آلاف السوريين، نطرح هذا السؤال الآن، كون سوريا تعهّدت بـ”مكافحة الإرهاب”، وألقت القبض على العديد من المتورّطين في “أعمال إرهابية”، سواء من مسلّحين محسوبين على النظام أو منتمين إلى تنظيم الدولة، لكنّ السؤال، في ظلّ أيّ قانون ستتمّ محاكمتهم؟

بعض هذه القوانين والمراسيم ما زالت آثارها ملموسة إلى الآن، وتتجاهل السلطة مطالب المظلومين، كالمرسوم التشريعي رقم 66 الذي ما زال سكّان “بساتين الرازي” يتظاهرون مطالبين بإلغائه، على الرغم من الأخذ والردّ مع محافظة دمشق.

درج

————————–

فيدرالية” غزال غزال في مواجهة المركزية: ديناميات التعبئة الطائفية ومأزق العدالة الانتقالية في الساحل السوري/ نوار شعبان

نشر في 29 كانون الأول/ديسمبر ,2025

شكّلت التظاهرات والاشتباكات التي شهدتها مدينتا اللاذقية وطرطوس، يوم الأحد 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025، ذروة مسار تصعيدي قاده المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سورية والمهجر، برئاسة الشيخ غزال غزال، في مواجهة الحكومة السورية الانتقالية برئاسة الرئيس أحمد الشرع، وسط تقاطعات واضحة مع تحركات وشبكات نفوذ مرتبطة بشخصيات عسكرية وأمنية من النظام السابق، أسهمت في التعبئة والحشد الميداني. وجاءت هذه التحركات استجابة لدعوة مباشرة أطلقها غزال، عقب التفجير الدامي الذي استهدف مسجد الإمام علي بن أبي طالب، في حي وادي الذهب بمدينة حمص، يوم الجمعة 26 كانون الأول/ ديسمبر، وقد عدّه المجلس دليلًا قاطعًا على عجز الدولة عن حماية الأقليات، محمّلًا السلطات القائمة المسؤولية المباشرة عنه، ومقدّمًا الحادثة بوصفها حلقة ضمن سلسلة تهديدات منظمة تستهدف البيئة الاجتماعية في مناطق حسّاسة، جرى توظيفها -سياسيًا وأمنيًا- لتوسيع نطاق الاحتجاج ودفعه نحو مواجهة مفتوحة مع السلطة المركزية.

ولا تأتي خطورة هذه الأحداث من حجمها الميداني فحسب، بل من التحوّل الجذري في طبيعة الشعارات والمطالب التي رافقتها، إذ لم يعد الحراك محصورًا في المطالبة بالخدمات أو تحسين الإجراءات الأمنية، بل انتقل إلى طرحٍ سياسي واضح يدعو إلى الفيدرالية السياسية والحماية الدولية، بما يضع مشروع الدولة المركزية الموحدة الذي تسعى دمشق إلى ترسيخه أمام اختبار وجودي يمسّ شكل الدولة وحدود سلطتها. ومن ثم تقدّم هذه الورقة تحليلًا معمّقًا لديناميات هذا الحراك، عبر تفكيك مقاربة غزال القائمة على تقويض مسار الاستقرار وتعطيل فرص التسوية، من خلال رفع سقف المطالب ودفع الصراع نحو خيارات قصوى، وتسلّط الضوء على الثغرات البنيوية في أداء الحكومة الانتقالية، ولا سيّما في ملف العدالة، لتخلص إلى استشراف المآلات المحتملة لهذا الصدام في المدى المنظور.

أولًا: ريادة الأزمات: كيف يصنع “غزال غزال” الفوضى؟

لفهم ما جرى اليوم في دوّار الأزهري بمدينة اللاذقية، لا يكفي النظر إلى الشيخ غزال بوصفه رجل دين يتفاعل مع حدث أمني طارئ، بل ينبغي مقاربته كنقطة ارتكاز ضمن شبكة أوسع من الفاعلين الذين ينشطون في لحظات الانتقال الهشّ، ويجيدون تحويل المخاوف الجماعية إلى أدوات نفوذ سياسي. فغزال لا يتحرّك من موقع الوعظ الديني التقليدي، بل من موقع قيادة تعبويّة تستثمر في القلق الوجودي الذي يعيشه جزءٌ من المجتمع العلوي بعد سقوط النظام السابق، وتسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين هذا المجتمع والدولة الجديدة على أساس الصدام لا الاندماج. وفي هذا السياق، تبرز مؤشرات على وجود قوى وشخصيات أمنية وعسكرية محسوبة على النظام السابق، تتحرك من خلف هذا الخطاب أو تتقاطع معه، من دون أن تظهر في الواجهة، لكونها تدرك أن انكشاف دورها العلني قد يُفضي إلى انقسام داخل الصف العلوي نفسه، ويقوّض شرعية الحراك في نظر قاعدته الاجتماعية، ما يجعل الاعتماد على واجهات دينية أو مدنية أقل تكلفة وأكثر قدرة على التعبئة.

في هذا السياق، برز تفجير مسجد الإمام علي بن أبي طالب، في حي وادي الذهب بحمص، بوصفه لحظة مفصلية استثمرها غزال بعناية[1]. فبدلًا من التعامل مع التفجير كجريمة إرهابية تستدعي التهدئة وتغليب منطق التحقيق والمحاسبة، جرى إدماج الحدث ضمن سردية أوسع عن استهداف منهجي للأقليات. ولم يكتفِ البيان الصادر عقب التفجير بالإدانة، بل أعاد ربط الحادثة بسلسلة من الوقائع السابقة، من استهداف أماكن دينية إلى تفجيرات شهدتها مدن أخرى، ليقدّم صورة متكاملة عن خطر وجودي مزعوم[2]. ولا يهدف هذا البناء السردي إلى توصيف الواقع، بقدر ما يسعى إلى إعادة تشكيل وعي الجمهور، عبر الإيحاء بأن الدولة الجديدة ليست مجرد سلطة عاجزة عن الحماية، بل كيان غير موثوق، وربما معادٍ، ما يجعل البحث عن بدائل خارج إطارها خيارًا “منطقيًا” للبقاء.

ضمن هذا الإطار، انتقل خطاب غزال من موقع استحضار المظلومية، إلى طرح مشروع سياسي واضح المعالم. فالتظاهرات التي خرجت في 28 كانون الأول/ ديسمبر لم تكن مجرد انفجار عاطفي ناتج عن صدمة التفجير، بل حملت شعارات سياسية متماسكة تدعو إلى الفيدرالية واللامركزية، وهي شعارات سبق أن روّج لها غزال في مناسبات سابقة، خصوصًا في لقاءاته التي تحدث فيها عن ضرورة تنسيق الأقليات في مواجهة مركزية الحكم. وهذا التطور يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة الحراك؛ إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على المطالبة بالحماية أو الاحتجاج على تقصير أمني، بل بات يتجه نحو التشكيك في شكل الدولة ذاته، وفي قدرتها على تمثيل جميع مكوناتها ضمن إطار وطني جامع. وهنا، لا يظهر غزال كفاعل يسعى إلى تحسين شروط المشاركة داخل الدولة، بل كطرف يعمل على تقويض بنيتها المركزية، وطرح بدائل تتعارض جوهريًا مع المشروع الذي تسعى الحكومة الانتقالية إلى ترسيخه[3].

أما على المستوى العملي، فقد اعتمد غزال على الشارع بوصفه الأداة الرئيسية لفرض حضوره السياسي وكسر احتكار الدولة للمجال العام. وقد أظهرت الدعوة إلى التظاهر، وما تلاها من اشتباكات بين مجموعات متعارضة داخل المدينة، أن الصراع لم يعد محصورًا بين سلطة ومحتجين، بل بدأ يتخذ طابع انقسام اجتماعي داخلي. وقد كشفَ تدخّل قوات الأمن لفض هذه الاشتباكات، وظهور مجموعات ترفع شعارات مؤيدة للحكومة في مواجهة أنصار غزال، عن تصدع عمودي داخل المجتمع الساحلي نفسه، الذي يضم بطبيعة الحال مكونات سورية أخرى غير المكون العلوي، وهو تصدع يغذّي حالة عدم الاستقرار، ويمنح غزال فرصة لتكريس نفسه بوصفه الطرف الذي لا يمكن تجاوزه. ويزداد هذا المشهد تعقيدًا مع بروز مؤشرات على حضور عناصر وخطابات مرتبطة بالنظام السابق داخل بعض التظاهرات، سواء عبر كتابات وشعارات علنية تمجّد مرحلة ما قبل السقوط، أو من خلال ظهور مسلّحين في أوساط المحتجين، الأمر الذي يربك توصيف الحراك ويقوّض ادعاءاته بوصفه تعبيرًا صرفًا عن مظلومية راهنة. هذا الحضور، وإن لم يكن مهيمنًا أو معلنًا على مستوى القيادة، يسهم في تعميق الانقسام داخل البيئة العلوية نفسها، بين من ينظر إلى الحراك كوسيلة ضغط لتحسين شروط الاندماج في الدولة الجديدة، ومن يرى فيه فرصة لإعادة تدوير شبكات النفوذ القديمة أو الاحتماء بها. وهو يوفّر للحكومة سردية مضادة تختزل الاحتجاجات في كونها امتدادًا لفلول النظام السابق، وهو اختزال لا يعكس الواقع المركّب، لكنه يجد أرضية جزئية بسبب هذا التداخل، ويغذّي بدوره مناخ الشك والاصطفاف المتبادل.

من خلال هذا المسار، يسعى غزال إلى تثبيت معادلة جديدة مفادها أن أيّ معالجة للأزمة، سواء كانت سياسية أم أمنية، لا يمكن أن تتم عبر مؤسسات الدولة وحدها، بل يجب أن تمرّ عبره، باعتباره ممثلًا حصريًا لبيئة اجتماعية يشعر جزء كبير منها بالخوف والقلق. وبهذا المعنى، لا تقتصر خطورة ما جرى في دوار الأزهري على كونه حدثًا أمنيًا أو احتجاجيًا، بل تكمن في كونه مؤشرًا على صراع أعمق، حول الشرعية والتمثيل، وحول مدى قدرة الدولة السورية الجديدة على استيعاب مخاوف مكوناتها المختلفة ضمن عقد اجتماعي جامع، وعلى مواجهة موجات متتالية من التعبئة القائمة على الهويات الفرعية، بما يحمله ذلك من مخاطر على وحدة البلاد واستقرارها في المرحلة الانتقالية.

ثانيًا: الفجوات الحكومية: لماذا يجد خطاب الفوضى صدًى؟

على الرغم من إصرار الخطاب الرسمي للحكومة السورية الانتقالية على توصيف الشيخ غزال غزال ومحيطه بوصفهم “فلولًا للنظام السابق” أو “خارجين عن القانون”، فإن الوقائع الميدانية، ولا سيما حجم الاستجابة الشعبية لدعواته في الساحل، تكشف عن خلل أعمق في مقاربة الدولة لهذه المنطقة، وفي قدرتها على إدارة مرحلة ما بعد السقوط. فنجاح خطاب الفوضى في كسب التأييد لا يعود فقط إلى مهارة صاحبه في التعبئة، بل يرتبط مباشرة بثغرات بنيوية في أداء الحكومة، أبرزها ما يتصل بملف العدالة، وسياسات الاحتواء، والواقع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور.

تُعدّ قضية العدالة الانتقالية إحدى الثغرات الأساسية التي ينفذ منها خطاب الشيخ غزال، وإن لم تكن ناتجة عن فراغ كامل أو غياب كلي للإجراءات الرسمية. فمن الناحية القانونية، كان الإعلان الدستوري قد حصر نطاق العدالة الانتقالية صراحة بجرائم النظام البائد، وهو ما انعكس لاحقًا في تصميم الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية التي شُكّلت بموجب المرسوم رقم 20 لعام 2025[4]، وجعل ولايتها تتركز على معالجة إرث الانتهاكات السابقة لسقوط النظام. وعلى الرغم من منطقية هذا التحديد من زاوية تأسيسية، فقد أوجد فجوة إدراكية وسياسية لدى شرائح واسعة في الساحل، رأت فيه تجاهلًا لمعالجة الانتهاكات التي وقعت بعد السقوط، ولا سيما أحداث آذار/ مارس 2025.

في المقابل، لم تكن الدولة غائبة تمامًا عن هذا الملفّ، إذ جرى بالفعل تشكيل لجنة تحقيق خاصة بانتهاكات الساحل، وقد أصدرت تقريرًا وُصف بأنه جريء في السياق السوري[5]، كما بدأت محاكمات فعلية في مدينة حلب بحقّ عدد من المتورطين في تلك الانتهاكات قبل الشروع في محاكمات أوسع. غير أن هذه الخطوات، على أهميتها، لم تُدمج ضمن سردية عدالة شاملة ومتماسكة، ولم تُقدَّم للرأي العام الساحلي بوصفها جزءًا من مسار واضح ومتكامل، ما حدّ من قدرتها على استعادة الثقة.

هذا التباين بين الإطار الدستوري الضيق للعدالة الانتقالية من جهة، والإجراءات الجزئية لمعالجة انتهاكات ما بعد السقوط من جهة أخرى، أسهم في ترسيخ شعور لدى قطاعات من المجتمع العلوي بأن العدالة تُدار بمنطق مجزأ وغير متوازن. وقد استثمر غزال هذا الالتباس، ليس عبر إنكار وجود لجان تحقيق أو محاكمات، بل عبر الطعن في كفايتها وجدواها السياسية، وتقديمها على أنها خطوات غير قادرة على ضمان الإنصاف أو منع التكرار. وبهذا المعنى، لم تنبع قوة خطابه من غياب العدالة بالكامل، بل من فشل الدولة في تحويل إجراءاتها القانونية إلى رصيد ثقة اجتماعية، ما أتاح له التشكيك في شرعية المؤسسات الوطنية والدفع باتجاه المطالبة ببدائل خارجية، بما يحمله ذلك من مخاطر على تماسك الدولة، في واحدة من أكثر القضايا حساسية في المرحلة الانتقالية.

إلى جانب ذلك، اتسمت سياسة الحكومة تجاه الساحل بما يمكن وصفه بالاحتواء المتردد، في سياق بالغ التعقيد تختلط فيه مطالب مشروعة بإرث ثقيل من الانتهاكات والمسؤوليات الجنائية. فمحاولات امتصاص الغضب، مثل الإفراج عن عشرات الموقوفين في اللاذقية قبيل احتجاجات 28 كانون الأول/ ديسمبر، جاءت متأخرة ومحدودة الأثر، ولم تُقدَّم ضمن رؤية شاملة أو مسار واضح لبناء الثقة. ولا يمكن مقاربة هذا الملف على أساس افتراض براءة جماعية؛ إذ تسود في المقابل مخاوف جدية لدى بعض الدوائر الرسمية والمجتمعية من أن عددًا من الموقوفين أو المطلوبين هم من المتورطين فعليًا في انتهاكات جسيمة خلال سنوات الصراع، أو من الشخصيات الأمنية والعسكرية المحسوبة على النظام السابق، ما يجعل مسألة الإفراج أو الملاحقة شديدة الحساسية، قانونيًا وأخلاقيًا.

غير أن غياب معايير معلنة وشفافة تميّز بين الموقوفين على خلفيات جنائية مثبتة، وبين من جرى توقيفهم في سياق أمني واسع أو بدافع الاشتباه الجماعي، أسهم في تعميق الالتباس لدى الرأي العام الساحلي. ويضاف إلى ذلك استمرار الغموض حول مصير مئات المفقودين في أحداث آذار/ مارس 2025، وتباطؤ الإعلان عن نتائج التحقيقات والإجراءات القضائية المرتبطة بها، وهو ما أبقى الجرح مفتوحًا في الذاكرة الجماعية. في ظل هذا الفراغ التفسيري، يجد خطاب غزال، القائم على تصوير ما جرى بوصفه استهدافًا ممنهجًا، آذانًا مصغية، لا لأن الدولة غابت بالكامل عن المحاسبة، بل لأنها لم تنجح بعد في تقديم رواية رسمية متماسكة تقوم على الوضوح، والتمييز القانوني، والاعتراف، وتوازن بين متطلبات العدالة وعدم الإفلات من العقاب من جهة، وضرورات الطمأنة وبناء الثقة المجتمعية من جهة أخرى.

أمّا البعد الاقتصادي، فيشكّل عاملًا مركزيًا في تفسير جاذبية خطاب الفوضى، ولا يمكن فصله عن أنماط إدارة اقتصادية أعادت، ولو جزئيًا، إنتاج منطق مألوف من المرحلة السابقة. فعلى الرغم من التحسّن النسبي في بعض المؤشرات العامة، لا يزال الساحل السوري يعيش حالة قلق اقتصادي عميق، تفاقمت مع إلغاء عقود استثمارية كبرى، وغياب رؤية واضحة ومعلنة لمستقبل المرافئ والقطاعات المرتبطة بها. هذا الغموض لم يقتصر أثره على الشركات أو النخب الاقتصادية، بل امتد إلى شرائح اجتماعية واسعة كانت تعتمد في معيشتها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على اقتصاديات تلك المرافق.

في هذا السياق، يظهر خلل بنيوي في مقاربة الدولة للاقتصاد المحلي، يقوم على قرارات فوقية غير مسبوقة بنقاش مجتمعي أو بدائل تنموية واضحة، وهو نمطٌ يعيد إلى الأذهان سياسات النظام السابق التي اعتمدت إدارة مركزية مغلقة للاقتصاد، وأنتجت شبكات اعتماد هشّة بدلًا من تنمية مستدامة. هذا التشابه لا يمرّ من دون أثر سياسي، إذ يُغذّي شعورًا بأن التغيير الذي شمل البنية السياسية لم يواكبه تحول موازٍ في فلسفة الحكم الاقتصادي.

ضمن هذا الفراغ، ينجح الشيخ غزال في ربط التدهور الاقتصادي بالسياسة المركزية، مقدّمًا خطابًا يُحمّل الدولة مسؤولية مباشرة عن تراجع فرص العمل وتآكل سبل العيش، ومروّجًا لفكرة أن السيطرة المحلية على الموارد وإدارتها خارج إطار المركز هي الضمانة الوحيدة للاستقرار والرفاه. وبهذا، تتحول المطالب الاقتصادية من قضايا معيشية قابلة للمعالجة ضمن سياسات عامة عادلة، إلى مداخل سياسية تمسّ شكل الدولة ذاته وتوزيع السلطة فيها، في مسار يعيد إنتاج العلاقة نفسها بين التهميش الاقتصادي والتعبئة الهوياتية التي طالما شكّلت أحد مرتكزات الاستقرار القسري في العهد السابق.

بذلك، لا يمكن فهم صدى خطاب الفوضى بمعزل عن هذه الفجوات المتراكمة. فحين تفشل الدولة في تقديم عدالة شاملة، وتتعامل مع الغضب الاجتماعي بأدوات جزئية ومترددة، وتترك الاقتصاد المحلي رهينة الغموض، فإنها تفتح المجال أمام فاعلين بديلين لملء الفراغ. في هذه اللحظة، لا يبدو غزال مجرد محرّض، بل يتحول في نظر أنصاره إلى تعبير عن عجز الدولة نفسها، وهو ما يجعل مواجهته الأمنية أو الخطابية غير كافية، ما لم تُعالج الأسباب البنيوية التي سمحت لخطابه بالانتشار والتجذر.

ثالثًا: السيناريوهات المحتملة لمسار الأزمة

استنادًا إلى تصاعد حدة الخطاب في 28 كانون الأول/ ديسمبر، وما رافقه من تفاعلات حكومية وأهلية، يمكن استشراف ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل هذا الصراع، لكل منها شروطه وتداعياته المختلفة.

    السيناريو الأول: الاحتواء عبر تسوية شاملة

يفترض هذا المسار أن تنجح الحكومة في تحييد الشيخ غزال غزال سياسيًا، عبر الاستجابة المباشرة لمطالب الحاضنة الاجتماعية في الساحل، من دون الذهاب إلى تبنّي الفيدرالية أو أي صيغة تمس وحدة الدولة. ويتطلب ذلك مقاربة جادة لملف العدالة، تقوم على البناء على ما أُنجز بالفعل من تشكيل لجان تحقيق خاصة، والشروع في محاكمات بحق متورطين في انتهاكات وقعت في الساحل، مع تعزيز هذه الجهود بمستويات أعلى من الشفافية، وتقديم معلومات منتظمة للرأي العام، وضمانات إجرائية واضحة لمحاكمات عادلة ومستقلة يستفيد منها جميع المتضررين. وإن تحويل هذه الإجراءات إلى مسار موثوق ومفهوم اجتماعيًا من شأنه أن يحدّ من الشكوك حول انتقائية العدالة، ويسحب الذرائع التي تُستخدم للطعن في نزاهة القضاء أو تصويره بوصفه أداة منحازة. ويستلزم هذا المسار الإسراع في الإفراج عن الموقوفين الذين يثبت عدم تورطهم في أي انتهاكات، وفق إجراءات قانونية واضحة وجدول زمني معلن، بالتوازي مع توضيح أن هذا المطلب يصطدم بمزاج شعبي واسع في الساحل يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يرفض المساس بأي علويّ، بصرف النظر عن درجة تورطه، ويدعو إلى الدفاع عن جميع الموقوفين بوصفهم ضحايا جماعيين، وكأن الجرائم التي ارتُكبت على امتداد سنوات الثورة لم يكن لها فاعلون محددون أو مسؤوليات فردية. هذا التوتر بين منطق العدالة الفردية ومطلب الحماية الجماعية يجعل إدارة ملف الموقوفين شديدة الحساسية، ويضاعف من أهمية أن تقترن أي خطوة بالإفراج أو المحاكمة بحضور أمني منضبط يركز على حماية دور العبادة والأحياء المختلطة، ومنع انزلاق هذا الملف إلى صدام أهلي أو توظيف طائفي. نجاح هذا السيناريو مشروط أيضًا بقدرة الحكومة على ضبط خطابها السياسي والإعلامي، وتحييد أي نبرة طائفية قد تصدر عن مسؤولين فيها. في حال تحقق ذلك، من المرجّح أن يتراجع زخم الاحتجاجات تدريجيًا، وأن يفقد غزال موقعه بوصفه ممثلًا حصريًا للمظلومية، لينحسر تأثيره إلى دائرة محدودة.

    السيناريو الثاني: الجمود المتوتر واستنزاف الدولة

يقوم هذا المسار على استمرار حالة المراوحة، حيث لا تنزلق الأوضاع إلى مواجهة مسلحة شاملة، ولا تنجح الحكومة في فرض تسوية سياسية أو اجتماعية حقيقية. في هذا الإطار، يحافظ غزال على وتيرة احتجاجات متقطعة، أسبوعية أو شهرية، تكفي لإبقاء التوتر قائمًا ولاستنزاف الموارد الأمنية والإدارية للدولة. وتتحول مدن الساحل، ولا سيما اللاذقية وطرطوس، إلى مناطق هشّة أمنيًا، تتسع فيها دعوات العصيان المدني، وتتراجع قدرة الحكومة على فرض القانون أو تحصيل الإيرادات بصورة كاملة. هذا الوضع لا يهدد الدولة بالانهيار الفوري، لكنه يرفع كلفة الحكم ويقوّض هيبته تدريجيًا، ويمنح غزال هامش مناورة مستمرًا لابتزاز تنازلات إدارية أو مالية، من دون تحمّل تبعات المواجهة المباشرة.

    السيناريو الثالث: الانفجار الأمني والتحول نحو نموذج الإدارة المنفصلة

يفترض هذا المسار أن يؤدي حادث أمني جديد، كاغتيال شخصية بارزة أو سقوط عدد كبير من الضحايا خلال تفريق احتجاجات، إلى كسر الخطّ الفاصل بين الاحتجاج السلمي والعنف المنظم. وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن الساحل السوري، ولا سيّما مدينتي اللاذقية وطرطوس، ليس فضاءً أحادي المكوّن، بل يضم جماعات دينية واجتماعية متعدّدة، ما يجعل أي انزلاق نحو العنف خطرًا لا يقتصر على مواجهة بين السلطة وحراك احتجاجي، بل يهدد باندلاع صدام شعبي أفقي بين المكوّنات نفسها، وهو أكثر السيناريوهات كارثية.

في ظل الانتشار الواسع للسلاح في الساحل، قد يتطوّر الحراك سريعًا إلى تمرّد مسلّح، ويدفع غزال أو محيطه إلى إعلان شكل من أشكال الإدارة الذاتية من جانب واحد، مستلهمين نماذج قائمة في مناطق أخرى من البلاد. وقد يترافق ذلك مع بناء تحالفات تكتيكية مع قوى داخلية أو خارجية تشترك في القلق من المركزية. هذا المسار سيضع الحكومة أمام خيار عسكري بالغ الكلفة، سياسيًا وإنسانيًا، وسيعيد البلاد إلى مناخ صدام أهلي مفتوح متعدد الأطراف، بما يحمله من مخاطر تدويل الصراع، وتفكك ما تبقى من المسار الانتقالي الهش، وتهديد السلم الأهلي، في واحدة من أكثر المناطق حساسية اجتماعيًا.

خاتمة

كشفت أحداث 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025، بما حملته من احتجاجات واسعة واشتباكات محدودة في مدن الساحل، أن ما يُسمّى بـ “مشكلة الساحل” لا يمكن اختزاله في اضطراب أمنيّ عابر أو جيب جغرافي قابل للاحتواء عبر صفقات ظرفية أو تسويات محلية محدودة، وأنّ جوهر الأزمة أعمق من ذلك بكثير؛ إذ يرتبط مباشرة بمسألة الدولة السورية الجديدة: كيف تُدار، ولمن تُدار، وعلى أي تعريف للمواطنة تُبنى؟ وقد أظهرت هذه الأحداث أن مرحلة ما بعد سقوط النظام لم تُنتج بعدُ إطارًا جامعًا يشعر فيه جميع المكونات بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات، بل كشفت عن استمرار فجوات عميقة في الثقة بين المركز وأطرافه، ولا سيّما في البيئات التي خرجت من التحوّل وهي مثقلة بالخوف والذاكرة الدموية. وفي هذا السياق، تطرح الأزمة سؤالًا يتجاوز الساحل ليشمل المجتمع السوري بأكمله: هل ستنقاد كل جماعة، عند أول اختبار أمني أو سياسي، إلى الدفاع الأعمى عن المنتمين إلى مكوّنها، بغضّ النظر عن قواعد العدالة والمساءلة القانونية الواجبة بحقّ من ارتكبوا جرائم وانتهاكات، أيًا كانت هويتهم، وضدّ أي مكوّن كان الضحايا؟ أم أن الدولة الجديدة ستكون قادرة على ترسيخ منطق مختلف، يقوم على المسؤولية الفردية، لا الحماية الجماعية، وعلى محاسبة عادلة لا تميّز بين مواطن وآخر؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط مآلات أزمة الساحل، بل ترسم أيضًا مستقبل العقد الاجتماعي السوري برمّته، وإمكانية الانتقال من منطق الجماعات المتقابلة إلى منطق الدولة الجامعة.

في هذا السياق، استطاع غزال غزال أن يملأ فراغًا سياسيًا ونفسيًا تركته الدولة، لا عبر تقديم مشروع مؤسسي متكامل، بل من خلال استثمار هذا الفراغ وتحويله إلى منصّة تعبئة؛ حيث قدّم نفسه بوصفه حامي الهوية، وناطقًا باسم جماعةٍ تشعر بأن الدولة الجديدة لم تطمئنها ولم تُنصفها، وطرَح الفيدرالية بوصفها الحل السحري القادر على تبديد المخاوف الأمنية والاقتصادية والاجتماعية دفعة واحدة. ولا تكمن خطورة هذا الطرح في مضمونه فحسب، بل في السياق الذي يُطرح فيه، سياق دولة انتقالية لم تستكمل بعد بناء مؤسساتها، ولا تمتلك رواية جامعة قادرة على منافسة خطاب الخوف والاصطفاف.

إن استمرار الحكومة في التعامل مع مطالب الساحل من زاوية أمنية ضيقة، أو عبر توصيف الحراك بلغة التخوين، لن يؤدي إلا إلى تعميق القطيعة وإلى تعزيز شرعية الفاعلين الذين يبنون نفوذهم على هذا الشعور بالتهميش. وإن تجاهل فجوة العدالة، سواء عبر الاكتفاء بمقاربات انتقائية أو تأجيل ملفات الانتهاكات التي وقعت بعد سقوط النظام، يترك المجالَ مفتوحًا أمام سرديات بديلة تشكك في شرعية الدولة ذاتها، وتحوّل العدالة من قيمة جامعة إلى أداة صراع سياسي وهوياتي.

ولا يمرّ الطريق إلى تفكيك هذا “اللغم الطائفي” عبر المواجهة الأمنية ولا عبر المساومات المؤقتة، بل عبر مسار أكثر تعقيدًا وطولًا، يبدأ ببناء مؤسسات عدالة ذات صدقية وشمولية، تعترف بالضحايا جميعًا، وتضع حدًّا لمنطق المنتصر والمهزوم. ويتطلب هذا المسار أيضًا تبني نموذج حكم لامركزي إداري حقيقي، يركز على التنمية المتوازنة وتوزيع الموارد والسلطات الخدمية، من دون الانزلاق إلى لامركزية سياسية تفتح الباب أمام التفكك. وإن تشكيل دولة قادرة على الجمع بين العدالة والتنمية، وضمان الأمن المتساوي، يمكن أن يسحب البساط من تحت خطاب الفوضى، قبل أن يتحوّل هذا الخطاب، مع مرور الوقت، إلى واقع جغرافي وسياسي يصعب احتواؤه أو التراجع عنه.

[1] Syrian Alawites protest in coastal heartland after mosque bombing, published on December 28, accessed on December 28, 2025, https://english.alarabiya.net/News/middle-east/2025/12/28/syrian-alawites-protest-in-coastal-heartland-after-mosque-bombing

[2] Alawite Council Head urges protests for federalism in Syria, Shafaq News, published on December 27, accessed on December 28, 2025, https://shorturl.at/fe7w2

[3] مظاهرات في اللاذقية وطرطوس.. قتلى وجرحى من قوات الأمن والمدنيين، تلفزيون العربي، 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025، الرابط: https://shorturl.at/UD1ul

[4] المرسوم 20 لعام 2025: تأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، الذاكرة السورية، 17 أيار/ مايو 2025، شوهد في 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025، الرابط: https://shorturl.at/UzjZL

[5] اختبار الحقيقة والمساءلة: قراءة في تجربة لجنة تقصّي أحداث الساحل السوري، المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، 17 آب/ أغسطس 2025، شوهد في 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025، الرابط: https://shorturl.at/IGG72

تحميل الموضوع

مركز حرمون

—————————–

 إصلاح العملة في سوريا ما بعد الأسد.. الشرعية الرمزية ومسار العدالة الانتقالية/ فضل عبد الغني

2025.12.29

إن الانتقال من الحكم الاستبدادي إلى نظام سياسي تعددي لا يكتمل من دون إعادة بناء الأسس الرمزية التي تتأسس عليها شرعية الدولة، وفي سياقات العدالة الانتقالية، تحتل العملة مكانة خاصة بوصفها عقداً بصرياً سيادياً، وربما الرمز الأكثر حضوراً في الحياة اليومية للمواطنين، ومن ثم فإن إزالة رموز النظام السابق عن العملة الوطنية، كما أُعلن في مرحلة “ما بعد الأسد” في سوريا، تمثل فرصة بالغة الأهمية تتجاوز بكثير الجوانب الفنية للسياسة النقدية.

ويمنح إطار إصلاح العملة التشاركي الأولوية للشرعية الإجرائية على حساب السرعة، ويتعامل مع إعادة التصميم لا باعتبارها مهمة إدارية محضة، بل بوصفها تعويضاً رمزياً وآلية للحوار الوطني، وبهذا المعنى، يحوّل هذا النهج الإصلاح النقدي إلى ركيزة في مسار العدالة الانتقالية، بما يعكس أن الدولة الناشئة تُقدر أصوات مواطنيها بالقدر نفسه الذي تُقدر به مواردها.

سيركز هذا المقال على هذه الدلالات القانونية والانتقالية، بعيداً عن التداعيات الاقتصادية التي لا تندرج ضمن اختصاصي في القانون الدولي والعدالة الانتقالية.

الهيكل المؤسسي ومتطلبات الحوكمة

يتطلب هيكل الحوكمة الداعم لإصلاح العملة التشاركي معايرة دقيقة توازن بين حماية العملية من الاستغلال ​​السياسي وبين الحفاظ على الكفاءة الفنية، فلا يمكن للبنك المركزي أن يتصرف منفرداً في مسألة تنطوي على هذه الكثافة الرمزية، بل يتعين عليه إنشاء هيئة مؤقتة مستقلة تشرف على الأبعاد الرمزية والاستشارية للإصلاح، مع إبقاء الاختصاصات الفنية المتعلقة بالسياسة النقدية ضمن ولايته.

ويحقّق إنشاء لجنة لإصلاح العملة هذا الهدف المزدوج، وينبغي أن تعمل هذه الهيئة بموجب ميثاق متعدد الأطراف يضم جهات معنية متنوعة، مع تفويض محدد يتمثل في اختيار صور العملة بما يعكس هوية وطنية تعددية في مرحلة ما بعد الاستبداد.

ويقارب هذا التصميم المؤسسي مناهج مطبقة في سياقات أخرى، مثل اعتماد منطقة اليورو مجموعة استشارية مستقلة تُكلف باقتراح أطر موضوعية تتجنب تفضيل أي منظور وطني منفرد.

ويتمثل المبدأ الحاكم في أن تضم اللجنة خبرات تتجاوز المجال الاقتصادي، عبر الاستعانة بممثلين عن المجتمع المدني، ومؤرخين، ومتخصصين ثقافيين قادرين على مقاربة تعقيدات الذاكرة الجماعية والتمثيل الرمزي.

الآلية التشاركية من القرار إلى الحوار

كان الفشل الجوهري في الحقبة الاستبدادية هو فرض الرموز من دون موافقة المجتمع، ويقتضي إصلاح العملة التشاركي قلب هذا المنطق عبر دورة منظمة للتشاور والتصميم والتحقق، وتؤسس العملية المقترحة ثلاث مراحل مترابطة تُرسخ ضمانات إجرائية تعزز الشرعية عبر الإدماج لا الإكراه.

تُخصص المرحلة الأولى لمشاورات وطنية تأسيسية تحدد الأطر الموضوعية قبل إنتاج التصاميم، وبدلاً من طلب صور بعينها مباشرة، تدعو هذه المرحلة إلى ترشيح موضوعات عامة مثل المعالم الوطنية، والمناظر الطبيعية، والرموز الثقافية التاريخية.

ويقلل هذا المدخل من الاستقطاب المبكر حول أسماء أو صور محددة، ويتيح مشاركة واسعة في تعريف القيم التي ينبغي أن تجسدها العملة، ومن الضروري أن تتسم هذه المشاورة بالشمول الجغرافي لتصل إلى جميع المحافظات بغض النظر عن مواقع السيطرة خلال النزاع.

وتنتقل المرحلة الثانية من تحديد الموضوعات إلى إنتاج التصاميم عبر مسابقة منظمة، وتعد إجراءات التقديم المجهولة، التي تُحجب فيها هوية المشاركين، شرطاً لازماً لضمان النزاهة والحد من المحسوبية، بما يسمح بتقييم الأعمال على أساس الجدارة.

وتختار اللجنة قائمة مختصرة وفق معيارين متلازمين: الجدوى التقنية والجودة الفنية، ثم تُعرض التصاميم للجمهور عبر آليات استطلاع رأي وحوار مجتمعي.

وينبغي أن تُفهم مشاركة الجمهور هنا على أنها أداة تقييم وكشف للمآخذ المحتملة لا استفتاء ملزماً يحسم بالأغلبية، إذ يحمي هذا التمييز العملية من موجات الشعبوية، مع المحافظة على وظيفة المشاركة بوصفها آلية إنذار مبكر تكشف الجدل غير المتوقع أو التأويلات المسيئة.

أما المرحلة الثالثة فهي مراجعة للتوضيح البصري، تُفحص فيها الرموز المختارة من منظور حقوقي وقانوني واجتماعي لضمان ألا تُسهم، ولو من دون قصد، في إعادة إنتاج الانقسام، ويقتضي ذلك استبعاد أي شخصية تاريخية قد تُستقبل بوصفها رمزاً بطولياً لدى جماعة، في حين تُقرأ لدى جماعة أخرى بوصفها رمزاً للعدوان أو الإقصاء.

ويقوم المبدأ الحاكم هنا على تجنب الضرر، بحيث يُصار عند ثبوت الانقسام إلى اعتماد صور محايدة مثل الطبيعة والعمارة والأشكال الهندسية المجردة، بما يخفف من فرص تحويل العملة إلى ساحة صراع هوياتي.

سيميائية التحول ومعايير الاختيار

إن إزالة صورة الدكتاتور الأسدي من العملة تُعد قطيعة بصرية مع الماضي الاستبدادي، لكنها لا تحسم وحدها سؤال الدلالة؛ فاختيار البديل قد ينتج مخاطر جديدة إن لم يُضبط بمبادئ واضحة، ويجب أن تشير الصورة البديلة إلى الدولة التي تطمح الأمة إلى بنائها، لا إلى إعادة إنتاج الماضي أو تدوير صراعاته.

ويُعد حظر تصوير الشخصيات الحية أهم ضمانة وقائية ضد نشوء عبادة شخصية جديدة؛ وينبغي تقنين هذا المبدأ في ميثاق اللجنة باعتباره قاعدة حاكمة غير قابلة للاستثناء، فالشخصيات السياسية الحية، مهما بلغت شرعية تمثيلها الراهن، تحمل دوماً خطر تحويل العملة إلى أداة لترسيخ النفوذ السياسي بدل تعزيز الوحدة الوطنية.

وإلى جانب ذلك، ينبغي اعتماد مبدأ التمثيل متعدد المراكز في توزيع الصور عبر فئات العملة، ويُفهم تسلسل الأوراق النقدية باعتباره لوحة بصرية واحدة تُجسد عليها البلاد بأكملها رمزياً، فإذا حملت إحدى الفئات معْلماً من الشمال، وجب أن تحمل فئة أخرى معْلماً من الجنوب، وإذا طغى التراث الحضري على بعض الفئات وجب أن تُقابلها رموز تعكس الريف والمناظر الطبيعية.

وتؤدي هذه الجغرافيا البصرية وظيفة توحيدية، إذ تربط المناطق التي فتتها الصراع ضمن سردية وطنية مشتركة، فتغدو العملة تذكيراً يومياً بالسلامة الإقليمية والتماسك الوطني بدل أن تتحول إلى مرآة لهيمنة مركز على الأطراف.

تفعيل استبدال العملة بوصفه أداة لبناء الثقة

تنطوي العملية اللوجستية لاستبدال العملة القديمة بالجديدة على مخاطر عالية إذا أُسيء تصميمها أو تنفيذها، إذ قد تُقرأ اجتماعياً بوصفها مصادرة للثروة أو آلية للتمييز، وهو ما يقوض الثقة التي يسعى الإصلاح إلى بنائها، لذلك يجب أن يتضمن الإطار التشغيلي ضمانات تحمي الفئات الأضعف وتسمح بالتبني التدريجي للعملة الجديدة.

وتتمثل الضمانة الأبرز في فترة تداول متوازٍ تظل فيها العملتان القديمة والجديدة عملتين قانونيتين لفترة ممتدة من ستة إلى اثني عشر شهراً؛ يخدم هذا النهج وظيفة العدالة الانتقالية إلى جانب مبرراته الاقتصادية: إذ يُمكن للمواطنين “التصويت بأموالهم”، وتبني الرموز الجديدة طواعيةً كفعل يومي لاستعادة سيادتهم.

ويحترم التخلص التدريجي من العملة القديمة الواقع العملي للاقتصادات التي تعتمد على النقد، مع السماح للعملة الجديدة باكتساب القبول بشكل طبيعي.

كذلك، ينبغي إدراج آلية لحماية الحيازات الصغيرة تعالج واقع الاقتصاد غير الرسمي، وواقع احتفاظ كثير من المواطنين بمدخرات نقدية خارج المنظومة المصرفية نتيجة لفقدان الثقة أو غياب الخدمات.

ويمنع وضع حدود صرف لا تتطلب أي وثائق، لمبالغ متواضعة تعادل بضع مئات من الدولارات الأميركية، من أن تُلحق عملية مبادلة العملات ضرراً بالفقراء أو من لا يملكون وثائق هوية رسمية. وهذا يُمثل اعتباراً بالغ الأهمية لحقوق الإنسان: إذ لا ينبغي أن يُصبح الإصلاح النقدي آليةً لاستبعاد الفئات المهمشة أصلاً من المشاركة الاقتصادية.

وأخيراً، يتعين أن تترافق عملية الإطلاق مع حملة توعية عامة ذات بعدين متكاملين: تقني ومدني، فمن الضروري شرح السمات الأمنية كالعلامات المائية والخيوط الأمنية لمكافحة التزييف، لكن ينبغي في الوقت ذاته تفسير سبب تغيير الرموز وربط ذلك بقيم الشفافية والمساءلة والقطيعة مع منطق الإكراه.

ويحوّل هذا الدمج التوعية التقنية إلى تربية مدنية، بما يساعد على فهم إعادة تصميم العملة بوصفها جزءاً من انتقال وطني شامل.

خاتمة

يمثل إصلاح العملة التشاركي في سياق ما بعد النزاع أكثر من ممارسة فنية في إدارة النقد، إذ إن العملة بوصفها الرمز الأكثر حضوراً لسلطة الدولة تحمل دلالات عميقة على الشرعية والهوية والتماسك الوطني.

ويُعيد هذا الإطار نقل الإصلاح من كونه مهمة إدارية إلى كونه أداة انتقالية تُسهم في التعويض الرمزي وبناء الثقة، فمن خلال إنشاء لجنة مستقلة متعددة الاختصاصات، واعتماد آلية تشاركية ثلاثية المراحل تبدأ بالمشاورات الموضوعية ثم مسابقة التصميم ثم المراجعة الحقوقية للتوضيح البصري، وضمان تمثيل متعدد المراكز، وتصميم عملية استبدال تدريجية محمية بضمانات اجتماعية، تُظهر الدولة الناشئة التزاماً بالشرعية الإجرائية وبمشاركة المواطنين، وبهذه الطريقة تصبح العملة دليلاً مادياً يومياً على منطق الحوار والتشاركية.

————————————–

العدالة الانتقائية لن تكفي/ حايد حايد

آخر تحديث 29 ديسمبر 2025

في الوقت الذي كان فيه السوريون يحتفلون بالإلغاء الكامل لقانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا، أعلنت المملكة المتحدة حزمة جديدة من العقوبات، في تذكير صارخ بأن صفحة الإجراءات العقابية لم تُطوَ بعد. فمن خلال استهدافها شخصيات مرتبطة بالنظام السابق، إضافة إلى قادة وفصائل مسلحة باتت اليوم جزءا من قوات الأمن الانتقالية، مع الإشارة الصريحة إلى دورهم في العنف الساحلي في مارس/آذار، وجّهت لندن رسالة واضحة: الاندماج في مؤسسات الدولة الجديدة لا يمحو المسؤولية عن الانتهاكات.

جاء التوقيت مدروسا. فقد أُعلنت العقوبات بالتزامن مع شروع السلطات الانتقالية في محاكمات علنية لمتهمين بالتورط في العنف الساحلي، في خطوة هدفت إلى الإيحاء بقطيعة مع الماضي. لكن قرار لندن يوضح أن الرمزية وحدها– وليس المقاضاة الانتقائية– لن تكفي. فالعواصم الغربية لا تكتفي باختبار قدرة دمشق على فتح باب المحاسبة، بل تراقب قدرتها على مأسستها: أي تطبيق القانون بمعايير ثابتة ومتسقة، تشمل أيضا القادة المندمجين في البنية الأمنية الجديدة.

ولا تتعامل العقوبات مع العنف الساحلي كتعثر أمني عابر، بل ترفعه إلى مستوى اختبار لجدية الانتقال ومعاييره. وبذلك تعيد توجيه الأنظار إلى الطريقة التي تسعى بها دمشق لترسيخ سلطتها: هل تُبنى على محاسبة ضيقة ومجزأة، أم على إرساء قواعد واضحة وموحدة للمسؤولية داخل مؤسسات الدولة الناشئة؟ في هذا التصور، ليست المحاسبة خيارا ولا ترفا يمكن ترحيله إلى ما بعد استقرار المرحلة الانتقالية؛ بل شرط ملازم لها وجزء بنيوي من نجاحها.

استهدفت العقوبات البريطانية المعلنة في 19 ديسمبر/كانون الأول عددا من الأفراد المتهمين بانتهاكات وقعت في عهد الأسد، وأخرى خلال المرحلة الانتقالية. من بين هؤلاء محمد الجاسم، قائد فصيل سليمان شاه، وسيف بولاد، قائد فرقة الحمزة. كما شملت العقوبات ثلاث مجموعات مسلحة: فرقة السلطان مراد، وفرقة سليمان شاه، وفرقة الحمزة، المتهمة جميعها بارتكاب فظائع خلال الحرب، وبالتورط في الاشتباكات الساحلية الأخيرة التي يقال إنها أودت بحياة نحو 1400 شخص.

وتكتسب هذه التصنيفات وزنا سياسيا خاصا بالنظر إلى مواقع القادة المعاقبين داخل البنية العسكرية الجديدة. فعلى الرغم من أن هذه الفصائل لم تعد قائمة رسميا بعد دمجها في وزارة الدفاع، فإن هياكلها الداخلية– إلى حد كبير– ما تزال على حالها. فـ”لواء سليمان شاه”، مثلا، أُدمج في الفرقة 25 التي لا يزال يقودها محمد الجاسم، المعروف بأبي عمشة، فيما أُلحقت فرقة الحمزة بالفرقة 76 بقيادة سيف بولاد، المعروف بأبي بكر.

وباختيارها شخصيات متورطة في انتهاكات تعود إلى عهد الأسد وأخرى أحدث عهدا، عززت المملكة المتحدة مبدأ يلقى دعما متزايدا في العواصم الغربية: الاندماج في مؤسسات الدولة لا يعفي من المسؤولية، بل يضاعفها. كما يؤكد هذا التحرك أن رفع العقوبات الاقتصادية الواسعة التي فُرضت بسبب النظام السابق لا يعني أن ملف العدالة قد أُهمل. فالمحاسبة، في هذا التصور، ليست ملحقا بالاستقرار، بل شرطه الأساسي.

تعهدت السلطات الانتقالية في سوريا بمحاسبة المرتكبين بغض النظر عن رتبهم أو انتماءاتهم، واتخذت خطوات محدودة في هذا الاتجاه. فالمحاكمة العلنية الجارية لأربعة عشر رجلا متهما بالتورط في سفك الدماء الساحلي– نصفهم من عناصر القوى الأمنية– تهدف إلى إظهار أن مسار المحاسبة قد انطلق فعليا، حتى داخل مؤسسات الدولة.

غير أن هذه المحاكمة، على الرغم من وزنها الرمزي، تكشف حجم المساومات السياسية التي ترسم مقاربة الحكومة للعدالة. فالمسؤولون يقولون إن القادة الخاضعين للعقوبات لم ترد أسماؤهم صراحة في خلاصات لجنة تقصي الحقائق الحكومية، وهو ما يبرر– في نظرهم– الامتناع عن اتخاذ إجراءات بحقهم. في المقابل، يرى منتقدون أن التحقيق انحصر في تعقّب المنفذين المباشرين، وتغافل عن مسؤولية القيادة وعن البيئة المتساهلة التي وفّرت الغطاء لوقوع انتهاكات واسعة النطاق.

والأهم أن للقائدين المعاقبين سجلين واسعين وموثقين جيدا من الانتهاكات لا صلة لهما بالعنف الساحلي. وترقيتهما إلى مناصب عليا، رغم العقوبات والاتهامات ذات المصداقية، تبدو أقرب إلى خيار سياسي محسوب منها إلى تقدير قانوني.

ويمتد هذا المنطق إلى ما هو أبعد من القادة المرتبطين بالمعارضة، ليشمل شخصيات متورطة في فظائع تعود إلى عهد الأسد. فقد أعطت السلطات الانتقالية الأولوية لملاحقة الجرائم الحديثة، فيما أجّلت المحاسبة عن الانتهاكات الأقدم، في استراتيجية تبدو مصممة لتعزيز المصداقية على المدى القصير، لا لبناء إطار شامل للعدالة. ويعود هذا التأجيل إلى الخشية من أن تؤدي ملاحقات واسعة لمسؤولي النظام السابق أو لشخصيات معارضة سابقة إلى زعزعة انتقال هش أصلا.

وهذا الحساب السياسي تحديدا هو ما يمنح توقيت العقوبات البريطانية ثقله ودلالته. فإعلانها مع دخول المرحلة الانتقالية عامها الثاني لم يكن تفصيلا عارضا ولا محض مصادفة. الرسالة واضحة: لا يجوز ترحيل المحاسبة بذريعة الحفاظ على الاستقرار. فالعدالة حين تُعامل كملف مؤجل، نادرا ما تفضي إلى سلام مستدام.

إن السماح لأشخاص متهمين بارتكاب جرائم حرب بتولي مناصب عليا، يترتب عليه ثمن ملموس. فهو ينسف ادعاءات الحياد في المحاسبة، ويغذي دوامات الانتقام وأخذ الحق باليد، ويقوض ثقة الناس بالدولة. أما المجتمعات التي دفعت كلفة عنف مقاتليها– من أكراد وعلويين ودروز– فإن عودة الجناة المعروفين تحت رايات مؤسسات جديدة لا تبعث على الطمأنينة، بل تعمق الخوف وتعيد إنتاج الهواجس.

تحقيق العدالة في مجتمع خارج لتوه من صراع ليس مهمة سهلة. لكن تأجيلها ليس خيارا محايدا، إنه رهان محفوف بالمخاطر على استقرار بعيد المنال. الوعود بالمحاسبة ضرورية، غير أن الوفاء بها– مبكرا، وبمصداقية، ومن دون استثناء– هو ما يصنع الفارق الحقيقي.

وبالنسبة لدمشق، لم يعد الخيار نظريا. فالمحاسبة ليست مسألة ملاءمة أو توقيت سياسي، بل مسألة معايير. واختيار العدالة على حساب البرغماتية يتيح للسلطات الانتقالية توجيه رسالة أقوى من أي خطاب أو عقوبة بأن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى فعلا، أيا كان الانتماء. عندها فقط، يمكن لمسار الانتقال السوري أن يتبلور بوصفه منعطفا حقيقيا نحو بداية جديدة.

————————-

مأزق الكشف عن هويات الجناة في سوريا/ فضل عبد الغني

الكاتب: الكشف العلني يوجه إلى الجناة المحتملين رسالة واضحة، مفادها أن الانتهاكات لن تبقى بلا تبعات، حتى عندما تتعثر العدالة الجنائية أو تتأخر (وكالات)

ينبع التوتر في مسألة الإفصاح عن هويات الجناة من تعارض مبادئ أخلاقية وقانونية متساوية في الأهمية والشرعية النظرية. فمن جهة، يعد الحق في معرفة الحقيقة من الحقوق الإنسانية الأساسية التي رسخها القانون الدولي؛ وهو لا يقتصر على معرفة ما وقع من أحداث، بل يمتد ليشمل معرفة هوية مرتكبي الانتهاكات ودوافعهم والأنماط التي حكمت ارتكابها.

ومن جهة مقابلة، يشكل مبدأ افتراض البراءة ركنا مركزيا في النظم القانونية الحديثة، غايته حماية الأفراد من الإدانة الاجتماعية، أو من أي تبعات ضارة قبل ثبوت الذنب قضائيا وفق ضمانات المحاكمة العادلة.

ويتضاعف تعقيد هذا التوتر في السياقات الانتقالية التي تفعّل فيها آليات تقصي الحقائق في ظل ضعف المؤسسات القضائية أو تسييسها، وتقلص فرص المساءلة الجنائية أو انعدامها.

وفي مثل هذه الظروف قد ينظر إلى الإفصاح العلني عن أسماء الجناة المزعومين بوصفه المسار الوحيد المتاح لتحقيق قدر من المساءلة العامة، بما يمنحه قيمة أخلاقية تتجاوز مجرد الاستجابة للاهتمام العام.

وقد تطورت هذه الإشكالية بصورة بارزة خلال العقود الأربعة الماضية، بالتوازي مع اتساع دور التحقيقات الدولية وتنوع أدواتها: من بعثات الأمم المتحدة لتقصي الحقائق، إلى لجان الحقيقة الوطنية، وصولا إلى المحاكم الدولية والآليات المختلطة.

ورغم تراكم خبرات ومعارف غنية في كيفية التعامل مع هذه المعضلة، فإنها لم تنتج حلولا قاطعة ونهائية، بقدر ما بلورت أطرا تحليلية ومنهجيات تعين على اتخاذ قرارات مدروسة ومتوازنة تراعي اختلاف السياقات.

الأساس القانوني للحقوق المتعارضة

تستند الحقوق المتعارضة في مسألة الإفصاح إلى مبادئ راسخة في القانون الدولي لحقوق الإنسان؛ فقد تبلور الحق في معرفة الحقيقة عبر اجتهادات المحاكم الإقليمية لحقوق الإنسان وممارسات هيئات المعاهدات الدولية، بوصفه عنصرا جوهريا في الحق في الانتصاف الفعال، وشرطا لاستعادة الثقة العامة بالمؤسسات ومنع تكرار الانتهاكات.

وفي المقابل، يمثل مبدأ افتراض البراءة- المنصوص عليه في المادة 11 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية- ضمانة أساسية ضد التعسف والظلم.

ولا ينحصر أثر هذا المبدأ في الإجراءات الجنائية الرسمية فحسب، بل يمتد، في جوهره، إلى أي إجراء مؤسسي يمكن أن يترتب عليه مساس جوهري بسمعة الفرد أو حقوقه، بما يفرض احترازا مضاعفا عند نشر معلومات محددة للهوية.

وفي هذا الإطار، يؤدي الكشف العلني عن هويات الجناة وظائف متعددة لا تختزل في إرضاء الفضول أو تغذية نزعات انتقامية. فهو، يعبر عن اعتراف مؤسسي بمعاناة الضحايا وتثبيت رسمي لرواياتهم.

وفي الحالات التي شهدت إنكارا ممنهجا للانتهاكات لسنوات طويلة، تكتسب قيمة هذا الاعتراف بعدا رمزيا وتعويضيا قد يفوق أحيانا أثر التعويضات المادية. كما يسهم الإفصاح في بناء سجل تاريخي موثوق ودائم، يشكل مرجعا للأجيال القادمة، ويحصن الذاكرة العامة ضد محاولات الإنكار أو تحريف الوقائع.

الردع والوقاية: الأبعاد الإستراتيجية للإفصاح

تتجاوز أهمية الإفصاح عن أسماء الجناة الوظيفة الرمزية أو التوثيقية لتأخذ بعدا إستراتيجيا مباشرا يتصل بالردع والوقاية من تكرار الانتهاكات.

فالكشف العلني يوجه إلى الجناة المحتملين رسالة واضحة، مفادها أن الانتهاكات لن تبقى بلا تبعات، حتى عندما تتعثر العدالة الجنائية أو تتأخر.

وفي البيئات التي تضعف فيها سيادة القانون وتتراجع فيها فاعلية المؤسسات، قد يغدو العزل الاجتماعي وفقدان الشرعية العامةـ بما يشمله ذلك من نبذ مجتمعي وتقييد فرص النفوذـ الأثر الأكثر واقعية على المدى القصير، بوصفه بديلا مؤقتا عن الردع القضائي الكامل.

وفضلا عن ذلك، قد يفتح الإفصاح مسارات إضافية نحو المساءلة القانونية وطنيا ودوليا، عبر تحويل المعرفة العامة إلى ضغط قابل للترجمة إلى إجراءات. فقد يدفع ضغط الرأي العام السلطات المحلية إلى تحريك دعاوى أو توسيع نطاق التحقيقات، كما يمكن أن يعزز قابلية توظيف المعلومات في أطر المساءلة الدولية، بما في ذلك العقوبات الموجهة والتدابير التقييدية وغيرها من الآليات التي تسهم في تضييق هوامش الإفلات من العقاب، ولو بصورة تدريجية، إلى حين توافر شروط المحاكمة الفعالة.

وفي مقابل هذه الوظيفة الردعية، يظل التمييز بين وظيفة التحقيق ووظيفة المحاكمة الجنائية عنصرا حاسما في ضبط نطاق صلاحيات ومسؤوليات هيئات تقصي الحقائق. فهذه الهيئات، على الرغم من امتلاكها صلاحيات واسعة في جمع المعلومات وتوثيق الوقائع وتحليل الأنماط، لا تتمتع بالولاية القضائية التي تخولها الفصل في المسؤولية الجنائية الفردية وإصدار أحكام إدانة.

ويرتبط ذلك بطبيعتها بوصفها آليات شبه قضائية تعمل عادة ضمن أطر إجرائية ومعايير إثبات لا ترقى إلى الصرامة المعتمدة أمام المحاكم الجنائية، ولا تتيح بالضرورة ضمانات التقاضي الكاملة التي تعد شرطا لازما لإسناد الإدانة.

ويقتضي هذا التمييز درجة عالية من الدقة والانضباط في صياغة النتائج المتعلقة بالمسؤولية الفردية. فحتى عندما تكون المؤشرات قوية على تورط أشخاص بعينهم، ينبغي التعبير عنها بصيغ تحافظ على الفصل بين الاستنتاج التحقيقي والإدانة القضائية، وتجنب لغة القطع والنهائية، مع اعتماد تعبيرات تعكس مستوى الترجيح المدعوم بالأدلة المتاحة وحدودها.

ويحقق ذلك غايتين متلازمتين: احترام المبادئ القانونية الأساسية، وحماية فرص المساءلة القضائية لاحقا عبر عدم تلويث الإجراءات المستقبلية بأحكام مسبقة، أو توصيفات قد تستغل للطعن في العدالة أو نزاهة المسار القضائي.

ضمانات حقوق الدفاع والمواجهة وحماية الشهود

تثير ممارسة الإفصاح عن أسماء الجناة المزعومين في تقارير التحقيق تحديات جوهرية تتصل بحقوق الدفاع، بما في ذلك حق الشخص المعني في الإحاطة بما ينسب إليه والرد عليه، وحق الاستعانة بمحامٍ، وحق مواجهة الشهود واستجوابهم.

ورغم أن هيئات التحقيق ليست ملزمة بتطبيق كامل الضمانات الإجرائية التفصيلية للمحاكم الجنائية، فإن مقتضيات العدالة الطبيعية والإنصاف الإجرائي تفرض توفير حد أدنى من هذه الضمانات متى ترتب على النشر مساس بالغ بالسمعة أو الحقوق، أو المركز القانوني للأفراد. ويزداد هذا المطلب إلحاحا حين يفهم الإفصاح، في الوعي العام، بوصفه حكما ضمنيا لا مجرد استنتاج تحقيقي قابل للمراجعة.

وفي هذا الإطار، طورت بعض هيئات التحقيق ترتيبات توفيقية تسعى إلى المواءمة بين حق الرد ومتطلبات حماية المصادر. ومن أمثلة ذلك تمكين الأشخاص المعنيين من تقديم ردود مكتوبة قبل النشر، أو إدراج ملاحظاتهم ضمن التقرير بصياغات منضبطة، أو منحهم فرصة الاطلاع على خلاصات المزاعم والمعطيات الأساسية دون كشف مواد قد تمكن من تحديد هوية الشهود، أو تعرضهم للخطر.

ومع ذلك، تبقى هذه التدابيرـ من حيث نطاق الضمانات وعمقهاـ أضيق بكثير من ضمانات المحاكمة الجنائية الكاملة، ولا يجوز تقديمها بوصفها بديلا مكافئا، بل بوصفها حدا أدنى يخفف من مخاطر الإضرار غير المبرر بالحقوق.

وتعد حماية الشهود والضحايا أولوية قصوى في أي تحقيق بشأن انتهاكات حقوق الإنسان، وتتضاعف هذه الأولوية عندما يحتفظ الجناة المزعومون بنفوذ فعلي أو قدرة على التأثير.

وقد يؤدي الكشف العلني عن الأسماء إلى تعريض الشهود أو أسرهم لمخاطر انتقامية، ولا سيما عندما يمكن استنتاج الصلة بين شهادات بعينها وبين هوية المشتبه به، سواء عبر سياق الوقائع أو موقعها الجغرافي أو طبيعة العلاقات الاجتماعية.

ومن ثم، يتعين اعتماد بروتوكولات أمنية محكمة لا تقتصر على تقدير المخاطر الفورية، بل تمتد إلى تقدير الآثار طويلة الأمد على الشهود وبيئاتهم الاجتماعية، بما في ذلك احتمالات الوصم والتهديدات المتراكمة وتبدل موازين القوة محليا.

تطور ممارسات الأمم المتحدة

شهدت ممارسات بعثات الأمم المتحدة لتقصي الحقائق تطورا ملحوظا خلال العقود الثلاثة الماضية، عبر الاستفادة من دروس تجارب متباينة. وقد أسفر هذا التطور عن مقاربة عملية تسعى إلى الموازنة بين الشفافية والمساءلة من جهة، ومتطلبات الحماية وضمانات الإجراءات القانونية من جهة أخرى.

ويتمثل أحد تعبيرات هذه المقاربة في نموذج “النقل السري الموجه”، حيث تعد بعثات تقصي الحقائق قوائم مفصلة بأسماء الجناة المزعومين مدعومة بالمواد التوثيقية، ثم تحال بصورة سرية إلى جهات مختصة مثل المفوض السامي لحقوق الإنسان أو سلطات ادعاء وطنية ودولية.

ويتيح هذا النموذج حفظ المعلومات لاستخدامها في مسارات قضائية لاحقة، مع تجنب المخاطر المترتبة على الكشف العلني المباشر.

تجارب لجان الحقيقة: التنوع قاعدة لاستخلاص الدروس

توفر تجارب لجان الحقيقة في العالم مختبرا غنيا لفهم أثر السياقات المحلية على قرارات الإفصاح؛ فمن نموذج الشفافية العالية الذي عرف به مسار جنوب أفريقيا، إلى نماذج أكثر تحفظا في بعض دول أميركا اللاتينية وأفريقيا، يظهر تباين واضح يعكس اختلاف البيئة السياسية والقانونية والثقافية لكل حالة.

وتؤكد هذه الخبرات أن لا نموذجَ واحدا يصلح لجميع السياقات، وأن نجاح أي مقاربة رهين بعوامل متداخلة: طبيعة الصراع أو النظام السابق، قوة القضاء واستقلاله، مستوى الدعم السياسي والاجتماعي، والتوازنات التي تحكم المرحلة الانتقالية. كما تظهر أن قرار الإفصاح ينبغي أن يكون جزءا من إستراتيجية عدالة انتقالية متكاملة، لا إجراء معزولا أو منفصلا عن بقية المسارات.

النموذج التسلسلي: التدرج الزمني بوصفه حلا توفيقيا

يمثل اعتماد النماذج التسلسلية أحد أبرز الابتكارات المنهجية في معالجة معضلة الإفصاح عن هويات الجناة؛ وتقوم هذه النماذج على فرضية مفادها أن بلوغ أهداف العدالة الانتقالية يصبح أكثر واقعية وفاعلية حين ترتب زمنيا وفق أولويات قابلة للتحقق، بدل السعي إلى إنجازها دفعة واحدة، وما يستتبعه ذلك من تعارضات عملية وأمنية وقانونية.

وبمقتضى هذا النهج، تخصص المرحلة الأولى لتوثيق الانتهاكات وتحليل أنماطها وتثبيت الاعتراف بالضحايا، مع إبقاء هويات الجناة سرية أو مقيدة التداول ضمن نطاق مهني ضيق. ثم تفتح مرحلة لاحقة للإفصاح المنضبط عن الهويات وتفعيلها في مسارات المساءلة، متى تحسنت البيئة المؤسسية وتوافرت الضمانات الإجرائية والأمنية اللازمة.

ويتيح هذا التدرج تحقيق توازن بين الحق في الحقيقة من جهة، ومتطلبات السلامة وقرينة البراءة من جهة أخرى، دون التضحية بمقومات العدالة أو تعريض الأشخاص المعنيين والشهود لمخاطر غير محسوبة.

وفي السياق ذاته، شهدت السنوات الأخيرة تطورا ملحوظا في منهجيات اتخاذ القرار بشأن الإفصاح، تجلى في بروز أطر “التناسب” بوصفها مقاربة معيارية لتعزيز الاتساق وقابلية التبرير.

وتقوم هذه الأطر على تقييم منهجي لعوامل محددة في كل حالة، من أهمها قوة الأدلة ومصداقيتها، جسامة الانتهاكات واتساع نطاقها، مستوى المسؤولية والسلطة لدى الشخص المعني، حجم المخاطر الأمنية على الشهود والمحققين، مدى إمكانية الإحالة إلى محاكمة في الأفق المنظور، الأثر المحتمل على مسارات السلام والمصالحة، والقيمة المضافة للإفصاح مقارنة ببدائل أقل ضررا.

ومن خلال وزن هذه العوامل بصورة منهجية، تستطيع الهيئات المختصة الوصول إلى قرارات أقرب إلى الموضوعية والشفافية، مع الإبقاء على المرونة الضرورية للتعامل مع الحالات الاستثنائية التي لا تستقيم مع قوالب جامدة.

وعلى هذا الأساس، يبرز ميل متزايد نحو نماذج هجينة تجمع بين مزايا المقاربات المختلفة وتخفف من نقائصها، عبر تصميم آليات مركبة تستجيب لخصوصية السياقات وتباين احتياجات أصحاب المصلحة. ومن أمثلة ذلك الإفصاح التدريجي عن الهويات وفق مستويات المسؤولية، بحيث يعلن عن أسماء كبار المسؤولين عندما تتوافر أدلة حاسمة أو تستكمل متطلبات الإثبات القضائي، مع الإبقاء على السرية أو القيود الصارمة فيما يتصل بالمستويات الأدنى أو الحالات الأضعف من حيث السند الإثباتي.

كما يمكن اعتماد “الإفصاح المشروط”، بحيث لا تكشف معلومات محددة إلا عند تحقق معايير معلنة تتعلق بضمانات أمنية وإجرائية واضحة، بما يقلل من أخطار الإضرار بالحقوق أو تعريض الشهود للخطر.

التحديات القائمة وآفاق المستقبل

على الرغم من مزايا النماذج القائمة على السرية أو النقل الموجه، فإنها تواجه تحديا جوهريا يتمثل في محدوديتها في تلبية حاجة الضحايا إلى اعتراف علني وفوري بمعاناتهم وبالمسؤولين عنها. وتبين الخبرات العملية أن الاعتراف العلني عنصر مؤثر في التعافي النفسي والاجتماعي، وأن غيابه قد يقوض ثقة الضحايا بمسارات العدالة الانتقالية ويضعف مشاركتهم فيها.

وللتخفيف من هذه الفجوة، يمكن تطوير آليات موازية تحقق التصديق والاعتراف دون اشتراط الكشف عن الهويات، مثل جلسات الاستماع العلنية للضحايا، وإصدار تقارير تفصيلية تثبت الوقائع دون أسماء، واعتماد برامج ذاكرة عامة كالنصب التذكارية والمتاحف، أو إدراج تاريخ الانتهاكات ومعاناة الضحايا في برامج تعليمية منهجية.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، حاصل على الماجستير في القانون الدولي، ومتوّج بالجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان عام 2023

الجزيرة

—————————

اكتشفها ميكانيكي.. حراسة مشددة على مقبرة جماعية من عهد الأسد

الرياض – العربية.نت

29 ديسمبر ,2025

فرضت الحكومة السورية حراسة مشددة على مقبرة جماعية حفرت لإخفاء الفظائع في عهد رئيس النظام السابق، بشار الأسد.

وأفادت مصادر مطلعة بأن السلطات السورية فتحت تحقيقًا جنائيًا، عقب تقرير لوكالة رويترز كشف عن مؤامرة استمرت سنوات من قبل النظام السابق لإخفاء آلاف الجثث في تلك المقبرة الواقعة في صحراء الضمير شرق دمشق، والتي كانت تستخدم سابقاً كمستودع أسلحة عسكرية، وفق ما أكد ضابط سابق في الجيش السوري مطّلع على العملية.

نقل الجثث

لكن في عام 2018، تم إخلاء الموقع من الأسلحة من أجل تنفيذ مخطط سري حمل اسم “عملية نقل الأتربة”، وقضى باستخراج جثث آلاف الضحايا المدفونين في مقبرة جماعية بضواحي دمشق ونقلها عبر الشاحنات لمسافة ساعة إلى الضمير.

أما اليوم، فيتمركز العديد من الجنود في موقع الضمير، لكن هذه المرة بأمر من الحكومة التي أطاحت بالأسد.

كما أعيد تفعيل المنشأة العسكرية في الضمير كمقر وثكنة ومستودع أسلحة في نوفمبر، بعد سبع سنوات من التوقف، وفقًا لضابط متمركز هناك، ومسؤول عسكري، وشيخ أبو عمر طوّاق، رئيس أمن الضمير.

علماً أن هذا الموقع كان بلا حماية تمامًا خلال الصيف، عندما زار صحافيو رويترز المكان عدة مرات بعد اكتشاف وجود المقبرة الجماعية.

تصاريح دخول

لكن في غضون أسابيع، أنشأت الحكومة نقطة تفتيش عند مدخل المنشأة العسكرية التي تضم الموقع، بحسب جندي متمركز هناك. وأصبح الزوار بحاجة إلى تصاريح دخول من وزارة الدفاع.

في حين أظهرت صور الأقمار الصناعية منذ أواخر نوفمبر نشاطًا جديدًا للمركبات حول المنطقة الرئيسية للقاعدة.

وقال المسؤول العسكري، الذي تحدث شرط عدم الكشف عن هويته، إن إعادة تفعيل القاعدة جزء من جهود “لتأمين السيطرة على البلاد ومنع الأطراف المعادية من استغلال هذه المنطقة الاستراتيجية المفتوحة”. إذ يربط الطريق عبر الصحراء أحد آخر معاقل تنظيم داعش في سوريا بدمشق.

وفي نوفمبر، فتحت الشرطة تحقيقًا في المقبرة، وصوّرتها، وأجرت مسوحات أرضية، واستجوبت شهودًا، وفقًا لجلال طبّاش، رئيس مركز شرطة الضمير.

ميكانيكي اكتشفها

ومن بين من استجوبتهم الشرطة أحمد غزال، المصدر الرئيسي الذي كشف المقبرة الجماعية.

وقال غزال، وهو ميكانيكي كان يصلح الشاحنات التي تعطلت أثناء نقل الجثث إلى موقع الضمير: “أخبرتهم بكل التفاصيل وما شهدته خلال تلك السنوات”.

كما أكد أن المنشأة العسكرية كانت تبدو خالية باستثناء الجنود المشاركين في مرافقة القوافل خلال فترة نقل الجثث.

من جهتها أكدت اللجنة الوطنية للمفقودين، التي تأسست بعد الإطاحة بالأسد للتحقيق في مصير عشرات الآلاف من السوريين الذين اختفوا في عهده، أنها بصدد تدريب كوادر وإنشاء مختبرات لتلبية المعايير الدولية لعمليات استخراج المقابر الجماعية.

ومن المقرر أن تبدأ عمليات استخراج الجثث من المقابر الجماعية التي تعود لعهد الأسد، بما في ذلك موقع الضمير، في عام 2027.

يذكر أنه بحسب وثائق عسكرية وشهادات من مصادر مدنية وعسكرية، تولى العقيد مازن إسمنذر إدارة اللوجستيات لـ”عملية نقل الجثث”.

وعندما وُضعت المؤامرة أو هذه الخطة عام 2018، كان الأسد على وشك تحقيق النصر في الحرب الأهلية وكان يأمل في استعادة الشرعية أمام المجتمع الدولي بعد سنوات من العقوبات والاتهامات بالوحشية.

لذلك صدر أمر من القصر الرئاسي مفاده: “احفروا موقع القطيفة وأخفوا الجثث في المنشأة العسكرية بصحراء الضمير”.

وعلى مدى أربع ليالٍ في الأسبوع لمدة عامين تقريبًا، من 2019 إلى 2021، أشرف إسمنذر على العملية، وفقًا لرويترز.

إذ كانت الشاحنات تنقل الجثث والتراب من المقبرة المكشوفة إلى المنشأة العسكرية المهجورة في الصحراء، حيث امتلأت الخنادق بالجثث أثناء حفر موقع القطيفة.

———————————

سوريا تحقق في شأن المقبرة الجماعية بصحراء “الضمير

أطلق النظام السابق على نقل الجثث التي تم نبشها من القطيفة اسم “عملية نقل الأتربة”

الاثنين 29 ديسمبر 2025

قالت “الهيئة الوطنية للمفقودين” التي تأسست بعد إطاحة الأسد للتحقيق في مصير عشرات آلاف السوريين المختفين في عهده إنها تجري عمليات تدريب للأفراد وتؤسس مختبرات لتفي بالمعايير الدولية لنبش المقابر الجماعية. وأضافت الهيئة أن عمليات نبش واستخراج الرفات من مواقع مقابر جماعية عدة من عهد الأسد مقررة للبدء في 2027.

أمرت الحكومة السورية جنوداً من الجيش بفرض حراسة على مقبرة جماعية حفرت لإخفاء فظائع وقعت في عهد بشار الأسد، وفتحت تحقيقاً جنائياً بعد تقرير لوكالة “رويترز” كشف عن مؤامرة نفذها النظام السابق وأبقاها طي الكتمان لسنوات ​لإخفاء آلاف الجثث في موقع صحراوي ناءٍ.

وذكر ضابط سابق في الجيش السوري مطلع على العملية أن الموقع في “صحراء الضمير” إلى الشرق من دمشق كان مستودعاً للأسلحة خلال فترة حكم الأسد، وجرى لاحقاً إخلاؤه من العاملين عام 2018 لضمان سرية المؤامرة التي تضمنت استخراج آلاف الجثث لضحايا الديكتاتورية المدفونين في مقبرة جماعية في ضواحي دمشق ونقلها بالشاحنات لموقع يبعد ساعة بالسيارة، إلى “الضمير”.

“عملية نقل الأتربة”

وأطلق على العملية التي خططت لها الدائرة المقربة من بشار الأسد اسم “عملية نقل الأتربة”. وانتشر جنود في موقع “الضمير” مرة أخرى، لكن هذه المرة بأمر من الحكومة التي أطاحت الأسد.

وقال ضابط في الجيش أصبح موقعه في “الضمير” في أوائل الشهر الجاري ومسؤول عسكري، والمسؤول الأمني في المنطقة الشيخ أبو عمر الطواق، إن منشأة الضمير العسكرية عادت أيضاً إلى العمل كثكنة عسكرية ومستودعاً للأسلحة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بعد هجرها بسبع سنوات.

ولم يكن موقع “الضمير” ‌يخضع لأي حراسة في ‌الصيف، عندما قام صحافيون من “رويترز” بزيارات متكررة بعد اكتشاف مقبرة جماعية هناك.

وقال جندي ‌في ⁠الموقع تحدث ​إلى رويترز ‌في منتصف ديسمبر (كانون الأول) الجاري إن الحكومة الجديدة أقامت نقطة تفتيش عند مدخل المنشأة العسكرية التي يوجد فيها الموقع بعد أسابيع من نشر تقرير الوكالة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. ويحتاج من يرغبون بزيارة الموقع الآن إلى تصاريح دخول من وزارة الدفاع.

وتظهر صور أقمار اصطناعية اطلعت عليها “رويترز” منذ أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، نشاطاً جديداً للمركبات حول منطقة القاعدة الرئيسة.

وقال المسؤول العسكري الذي طلب عدم ذكر اسمه إن إعادة تشغيل القاعدة العسكرية جاء في إطار جهود لتأمين السيطرة على البلاد، ومنع أي أطراف “معادية” من استغلال تلك المنطقة الاستراتيجية المفتوحة. ويربط الطريق الذي يقطع الصحراء، إحدى مناطق تنظيم “داعش” المتشدد المتبقية في سوريا، بالعاصمة دمشق.

تحقيق الشرطة

وقال رئيس مخفر شرطة الضمير جلال طبش في نوفمبر الماضي إن الشرطة فتحت تحقيقاً ⁠في أمر المقبرة والتقطت صوراً للموقع وأجرت مسحاً للأراضي ومقابلات مع شهود. ومن بين من قابلتهم الشرطة أحمد غزال الذي كان مصدراً رئيساً لتحقيق “رويترز” الذي كشف عن أمر المقبرة الجماعية.

وأكد غزال ‌الذي يعمل ميكانيكياً لإصلاح الشاحنات وشارك في إصلاح مركبات حملت الرفات والجثث للموقع أنه أبلغ الشرطة بكل التفاصيل التي ذكرها لـ”رويترز” عن العملية وما ‍شاهده خلال السنوات. وأشار غزال إلى أن المنشأة العسكرية وقت “عملية نقل الأتربة”، بدت خاوية باستثناء الجنود المصاحبين للمركبات التي دخلت الموقع ‍لهذا الغرض.

ولم ترد وزارة الإعلام السورية بعد على طلبات للحصول على تعليق على إعادة تشغيل القاعدة العسكرية والتحقيق في أمر المقبرة الجماعية.

وقالت “الهيئة الوطنية للمفقودين” التي تأسست بعد إطاحة الأسد للتحقيق في مصير عشرات آلاف السوريين المختفين في عهده لـ”رويترز” إنها تجري عمليات تدريب للأفراد وتؤسس مختبرات لتفي بالمعايير الدولية لنبش المقابر الجماعية. وأضافت الهيئة أن عمليات نبش واستخراج الرفات من مواقع مقابر جماعية عدة من عهد الأسد مقررة للبدء في 2027.

وأحالت الشرطة تقريرها في شأن موقع “​الضمير” إلى القاضي زمن العبدالله النائب العام في منطقة عدرا. وقال العبدالله لـ”رويترز” إن عملية مراجعة وتدقيق لوثائق حصلت عليها الأجهزة الأمنية بعد سقوط الأسد في الثامن من ديسمبر 2024 تجري للتعرف على معلومات عن ⁠مشتبه في ضلوعهم في عملية “الضمير” من عهد الأسد داخل وخارج سوريا، لكنه أحجم عن وصف المشتبه فيهم وعزا ذلك لاستمرار التحقيق.

وأظهرت وثائق عسكرية، اطلعت عليها “رويترز”، وشهادات من مصادر مدنية وعسكرية أن من تعامل بالأساس مع لوجيستيات “عملية نقل الأتربة” هو العقيد مازن إسمندر.

ولدى التواصل معه عبر وسيط أحجم إسمندر عن التعليق على تقرير “رويترز” الأول وعلى التحقيق الأحدث في المقبرة الجماعية.

مقبرة القطيفة

وفي عام 2018 كان الأسد على وشك تحقيق النصر الكامل في الحرب الأهلية، ويأمل في استعادة الشرعية في المجتمع الدولي بعد عقوبات واتهامات بالوحشية على مدى سنوات. واتهم باعتقال وقتل آلاف السوريين. وأبلغ نشطاء محليون معنيون بحقوق الإنسان وقتها عن موقع مقبرة جماعية في القطيفة على مشارف دمشق،

ولذلك صدر أمر من القصر الرئاسي بنبش القطيفة وإخفاء الرفات والجثث في منشأة عسكرية في صحراء الضمير.

وخلصت “رويترز” إلى أن إسمندر أشرف على العملية التي كانت تنفذ لأربع ليالٍ أسبوعياً لمدة عامين تقريباً من 2019 وحتى 2021. ونقلت شاحنات الجثث والأتربة والرفات من المقبرة الجماعية التي انكشف أمرها إلى موقع المنشأة العسكرية المهجورة في الصحراء وامتلأت فيها حفر وخنادق بالجثث والرفات تزامناً مع الحفر في موقع القطيفة.

ولكشف تلك المؤامرة تحدثت “رويترز” مع 13 شخصاً على معرفة مباشرة بتلك العملية على مدى عامين، وحللت أكثر من 500 صورة التقطتها الأقمار الاصطناعية للموقعين. وبإشراف خبراء في الجيولوجيا الجنائية، استخدمت “رويترز” صوراً بطائرات مسيرة لإنشاء صور مركبة عالية الدقة أسهمت في تأكيد نقل الجثث بإظهار تغير لون التربة ونبشها حول خنادق وحفر دفن في موقع “الضمير”.

—————————-

«نشعر أننا منسيون»: عن أوضاع المعتقلين المُحرَّرين بعد عام على سقوط نظام الأسد/ زينة شهلا

27-12-2025

        على أطراف بلدة كفربطنا في غوطة دمشق الشرقية، يقود محمد الحراكي (36 عاماً) دراجته الهوائية عائداً إلى منزله الصغير المُستأجَر، بعد يومٍ طويل من العمل في ورشة الخياطة القريبة. «العمل منيح الحمدلله، لكنه غير كافي لنأمِّن معيشتنا. أوضاعنا صعبة وحاجاتنا كبيرة»؛ يتحدث للجمهورية.نت أثناء لقاء معه في منزله، إلى جانب زوجته وابنتيه.

        خرج الحراكي من سجن صيدنايا ليلة الثامن من كانون الأول (ديسمبر) 2024، بعد أن قضى هناك خمس سنوات، وقبلها نحو ثلاث سنوات في أفرع أمنية مختلفة إثر انشقاقه عن الخدمة العسكرية. ينحدر الرجل من محافظة درعا، لكنه كان يعيش ويعمل في غوطة دمشق الشرقية، وانضمَّ فيها لإحدى فصائل الجيش الحر وأُسِرَ في إحدى المعارك عام 2017، لتبدأ رحلة طويلة من المعاناة، انتهت أقسى فصولها مع سقوط نظام الأسد، لكن تبعاتها ما زالت مستمرة بالنسبة له ولعائلته.

        «توقعنا إنو يكونوا المعتقلين أولوية بهي المرحلة الجديدة. نحن طلعنا لنبدأ حياتنا من الصفر. معقول ما نقدر نحصل على سكن لائق، أو فرصة عمل مناسبة لأوضاعنا؟ بدنا الدولة تحسّ بهي العالم اللي طلعت وانظلمت. ما بدنا شي من حدا تاني. لكن اللي صار بعد خروجنا كان كَسرة خاطر كبيرة».

        تُشير بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى أن «عدد جميع المُفرَج عنهم من كل السجون ومراكز الاحتجاز مع نهاية معركة ردع العدوان بلغ 24.200 شخص».

        «ابنتاي دفعتا الثمن الأكبر»

        يُعاني محمد الحراكي، وكثيرون غيره ممن أمضوا سنوات طويلة في السجون، من أوضاع صحية متدهورة، فالسنة التي مضت لم تكن كافية لاستعادة عافيته بشكل كافٍ وملحوظ. إذ ما زال الرجل يشكو من مُشكلات في السمع وآثار كسور في الصدر، وجميعها عائدة لما تَعرَّضَ له من تعذيب.

        «استغرقَ الأمر خمسة أشهر بعد خروجي من المعتقل كي أعثر على عمل من جديد. خسرنا منزلنا في الحرب واضطررنا لاستئجار منزل ببدل إيجار مليون ليرة (قرابة مئة دولار) في الشهر، واستطعنا تدبير بعض الأغراض الأساسية فقط، كما أنني أحتاج إلى عملية في أذني اليسرى لكن يستحيل أن أتمكن من تأمين تكاليفها»، يقول الحراكي، وينوّه بأنه لم يحصل حتى اليوم سوى على مساعدة مالية بسيطة من إحدى المؤسسات: «مع أنه كتير منظمات عم تجي تصورنا، وتوعدنا بتقديم دعم مادي أو بمشاريع شغل مناسبة لأوضاعنا، بس ما شفنا شي لحد اليوم».

        يحزن الرجل وزوجته لأن طفلتيهما تدفعان الثمن الأكبر لكل ما مرّت به العائلة: «نتمنى أن نوفر لهما ظروفَ دراسة أفضل، خاصة وأننا لم نتمكن من الالتفات إلى تدريسهما بالشكل المطلوب خلال السنوات الماضية، مع اضطرار زوجتي للعمل. عندما اعتُقِلت كان عمر أمل سنتين وأربعة أشهر وبتول ثلاثة أشهر فقط. سنحتاج إلى ما لا يقل عن ثلاثمئة ألف ليرة شهرياً إن أردنا تأمين دروس خصوصية لهما، عدا الملابس وغيرها من الاحتياجات، ومع انتظارنا لمولودة جديدة يبدو الوضع أكثر صعوبة».

        «أتمنى أن أعيش بسلام»

        بصوت تشوبه بحّة واضحة وسعال متكرر، تحدَّثَ إليّ عبر الهاتف عمر الحريري المُقيم في ريف درعا، الذي خرج أيضاً من سجن صيدنايا ليلة سقوط نظام الأسد بعد اعتقاله تعسفياً عام 2018 واتهامه بـ«الإرهاب والتحريض على قتال الجيش السوري»، وكان حكمه الإعدام ثم خُفِض بعد ذلك إلى السجن 20 عاماً، وكان ينتظر الإفراج عنه «إن بقي على قيد الحياة».

        «أُعاني من أمراض صدرية مزمنة وكسر في المفصل، وما زالت لدي حتى اليوم وبعد عام كامل على خروجي، مشكلات في المشي والتنفّس، خاصة في الشتاء»، يقول الرجل الأربعيني، ويُضيف أنه كان يعمل قبل اعتقاله في تصليح الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، لكنه اليوم عاجزٌ عن متابعة عمله: «حاولت أرجع على محلي أقعد على طاولتي. جبت العدّة الأساسية. صار يصيبني وجع راس من اللِّحام، وما قدرت كمل. حَصَلت بعدها على وظيفة إدارية مؤقتة في معبر نصيب، وما عم أقدر ألتزم بالدوام بسبب وضعي الصحي».

        مع ذلك، فإن راتب هذه الوظيفة بالكاد يكفي عمر لتأمين نفقات كشوف الأطباء والأدوية، وهو اليوم يفكّر في الانتقال إلى دمشق ليفتح محل أدوات صحية وكهربائية ضمن عقار تمتلكه العائلة في منطقة الحجر الأسود، لعلّ أوضاعه المادية تتحسن قليلاً.

        لكن أحوال عمر النفسيّة تبدو أكثر سوءاً: «حتى اليوم تنتابني نوبات توتر شديدة، ولا أعيها إلا بعد أن تزول. وقد أضرب ابني من دون سبب. أشعر أنني لا أعامل زوجتي كما يجب. أحب العزلة كثيراً، وأحياناً أستيقظ ليلاً وأنا أصرخ».

        تلقت عائلة عمر مساعدات محدودة جداً، وهي عبارة عن مبلغ مادي بسيط وبعض المواد الطبية والصحية: «سألَنَا المسؤولون في إحدى الجمعيات عن أحوالنا النفسية، وأخبرتهم أنني وابني الكبير نشعر أننا لسنا على ما يرام، لكننا لم نحصل على أي خدمة. صرت أخجل من السؤال عن الجهات التي يمكن أن تتكفل بالمعتقلين المُحرَّرين، وما عدتُ أرغب سوى في العيش بسلام بغض النظر عن المكان».

        «حتى اليوم أنا عاطل عن العمل»

        «عندما خرجتُ من سجن صيدنايا ليلة الثامن من كانون الأول كنت في عداد الأموات. مكثتُ في المشفى يومين وبعدها ذهبت إلى منزلي وعدت إلى حياتي، وزوجتي وأولادي الأربعة. اليوم أشعر أنني بحال أفضل الحمدلله، لكن ما زلت أُعاني من وهن عام وفقر دم وأمراض جلدية، إضافة إلى آلام شديدة في الظهر نتيجة ضربة قوية تعرضتُ لها أثناء الاعتقال، وأتناول أدوية مضادة للاكتئاب بشكل دوري»؛ يُحدثني أحمد سليمان الحمد (38 عاماً) عندما التقينا في دمشق قبل أيام من الذكرى الأولى لسقوط نظام الأسد. اعتُقِلَ أحمد عام 2018 بعد أن كان مقاتلاً في صفوف الجيش الحر في ريف دمشق، وكان حينها يحاول السفر تهريباً إلى الشمال السوري أو إلى تركيا. مكثَ نحو عام في أفرع أمنية مختلفة، ثم حُوِل لاحقاً إلى سجن صيدنايا الأحمر.

        نتيجة وضعه الصحي، لا يتمكن أحمد من العمل في أي مهنة: «اشتغلت فترة على بسطة بنزين، بطالع كل يوم 25 أو 30 ألف ليرة بس ما بتكفّي شي. صار عليي كتير ديون، وهي تالت أسبوع ما بحاسب مُعتمَد الخبز، وما عم أقدر خلّي ولادي يكملوا تعليم بسبب أحوالي المادية، وحتى أوضاعهم النفسية سيئة كتير»؛ يتحدث أحمد بحزن، ويتمنى لو أن بإمكانه أن يفتح مشروعه الخاص في الزراعة أو تربية المواشي، أو أن يمتلك سيارة جوالة لبيع المواد الغذائية، لكن كل ذلك يتطلب رأس مال لا يمتلكه.

        «بيني وبين حالي ببكي على العيشة اللي عايشها. نحنا مظلومين. لازم الدولة تكون مسؤولة عننا. الدولة والمنظمات والتجار. عم نشوف مشاريع كبيرة بكل مكان، ونحنا بعد كل السنوات اللي عشناها بالسجن ما حدا اعترف علينا»؛ يقول الرجل بحسرة، ويُشير إلى أن بعض المعتقلين المحررين يسعون لتنظيم أنفسهم وتوحيد مطالبهم، لكن حتى الآن ليس هناك تَحرُّك ملموسٌ على أرض الواقع.

        «وَضعُنا تحت الصفر»

        عبر الهاتف تحدثتُ إلى ناديا (اسم مستعار)، وهي من خان شيخون في ريف إدلب. اعتُقلت السيدة مع زوجها عام 2014، ووُجِّهت لها تهمة «ارتكاب أعمال إرهابية»، ومكثت في عدد من الأفرع الأمنية ومن ثم نقلت إلى سجن عدرا المركزي حتى خرجت ليلة سقوط نظام الأسد.

        «ولدتُ من جديد في تلك الليلة، رأيتُ أهلي مرة أخرى، لكن ما عشته بعدها يجعلني أحياناً أتمنى لو أنني لم أخرج من السجن»؛ تقول السيدة الثلاثينية بصوت حزين.

        تصف السيدة وضعها بأنه «تحت الصفر»، إذ لم تتمكن هي ولا زوجها – الذي خرج بدوره من سجن صيدنايا في اليوم ذاته والتقيا وتزوجا بعد تحريرهما – من تأمين أي فرصة عمل ملائمة، تقول: «كل ما بحاول روح على محل أشتغل وبيعرفوا إني كنت مُعتقلة بيرفضوا يشغلوني. زوجي طلع من شهرين على تركيا ليشتغل ووضعه كتير صعب. نحنا بحاجة كل شي، مصروف أكل وشرب وتياب وأدوية»؛ وتُضيف بأنها تعاني ارتفاعاً في السكر وآلاماً شديدة في الأسنان.

        يبدو على ناديا التعب والإرهاق من تكرار الحديث عن حالها، سواء مع الإعلام أو مع بعض المنظمات التي لم تحصل منها سوى على مساعدات متقطعة ومؤقتة، تقول: «نحتاج إلى الاتكال على أنفسنا. لا نريد أن ننتظر هذه المعونات غير المجدية» وتُشير إلى أن هذا هو حال معظم النساء المُحرَّرات من السجون، آملة بأن يصل «صوتها ومطالبها إلى السلطات والرئيس».

        ظروف اعتقال «رهيبة»

        بالطبع، لا ينسى كل من تحدثنا إليهم تلك الأيام الرهيبة التي قضوها في السجون والأفرع الأمنية. يتحدثون عن معاناة عائلاتهم في معرفة مكان احتجازهم وزيارتهم في حال أمكنَ ذلك، وعن الشروط المُذلَّة بحد ذاتها للوصول إلى سجن صيدنايا، والمبالغ الكبيرة التي كانوا يضطرون لدفعها كرشاوى للحصول على «كرت الزيارة» وإدخال بعض الحاجات البسيطة، التي كان معظمها يتعرض للنهب حتى بعد الدفع.

        يتذكر أحمد الحمد: «في سجن صيدنايا، كنّا 7 أشخاص في الزنزانة المنفردة، وكنا نرى من يُتَوفُّون جراء التعذيب، عدا الإعدامات اليومية. ماذا أذكر لكم عن أساليب التعذيب التي شهدناها؟ هل أتحدث عن الضرب بالأكبال الكهربائية بعد وضعِنا داخل دواليب مطاطية كبيرة، أو الإجبار على المكوث داخل خزانات المياه حتى الاختناق، أو الإذلال لنسحب أرغفة الخبز من تحت أحذيتهم؟».

        أمّا «ليلة التحرير» فهي حكاية أخرى. إذ إن معظم من كانوا في السجون والأفرع الأمنية، لم يَدرُوا بما يحدث خارجاً. في حالات نادرة كانت تتسرب إليهم لمحات من أخبار «ردع العدوان»، دون أن يمتلكوا أي قدرة على تَوقُّعِ ما سيحدث.

        يتحدث عمر الحريري عنها: «في الساعة الثانية ليلاً سمعتُ صوت طيران واعتقدتُ بأنني أهلوس. بعدها بنحو ساعتين بدأنا نسمع أصوات فتح أبواب وصراخ من الحرس ومن ثم إطلاق نار. وعندما فُتح باب الجناح، أيقنا بأن موتنا اقترب معتقدين بأن الحراس قادمون لإعدامنا. اختبأ معظم سجناء زنزانتنا في دورة المياه، لكني كنتُ غير قادر على الحركة فبقيتُ مكاني. عندما فُتحِتَ النافذة الصغيرة في الباب الحديدي السميك تشاهدتُ ووضعت يدي على عيني، لكني سمعت صوتاً يقول: ’لا تخاف، نحنا الجيش الحر، مشان الله نزل إيدك‘. بدأوا بطرق الأبواب لفتحها، وفي الساعة السادسة تقريباً كنتُ خارج مبنى السجن. أرادوا نقلي إلى المشفى لكن رفضت. كل ما كنت أريده هو أن أرى أولادي، وأبي وأمي لأطمئن عليهم».

        يروي محمد الحراكي أيضاً ما يتذكره من تلك الليلة: «كنّا نشعر بحركة غير معتادة وأصوات غريبة في السجن. صرنا نصلي وقد تملكنا الخوف. حاولنا النوم واستيقظنا نحو الثانية ليلاً على أصوات إطلاق نار كثيفة وتكبيرات، واعتقدنا بأن استعصاءً حصل في قسم المساجين الجنائيين، فقرَّرنا عدم الخروج مهما حصل خوفاً من تصفيتنا. بعدها عرفنا بأن أبواب بعض الزنزانات بدأت تُخلع، وقررنا كسر باب زنزانتنا، فنحن – على أية حال – أموات لا محالة. بدأ بعض المساجين يبكون وآخرون كانوا يضمّون بعضهم بعضاً. نظرتُ من فتحة الباب لأحاول فهم ما يحدث، وصرختُ: ’عم يقولوا سقط بشار!‘. قررتُ ارتداء كنزة جديدة حصلتُ عليها مؤخراً في إحدى الزيارات، وعندما تمكنا من الخروج ركضتُ حتى باب المبنى وسجدتُ شكراً لله، ثم وصلت إلى بلدة منين المجاورة واتصلت بأهلي».

        احتياجات صحية ونفسية واقتصادية

        تعمل بعض المنظمات اليوم على تقديم العون للناجين والناجيات من المعتقلات الأسدية، لكن الاحتياجات كبيرة جداً على حد قول حنان حليمة، وهي مديرة البرامج في «رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا»، التي تقدم أنواعاً مختلفة من الدعم لهذه الفئة.

        «معظم الحالات التي نعمل معها تعاني من مرض السل، وتحتاج تدخُّلات طبية طارئة في مجالات منها علاج الأسنان والحالات العظمية والعصبية، نتيجة فترات الاعتقال الطويلة والتعذيب. أمّا عن العلاج النفسي، فنحن نعمل مع حالات كثيرة بعضها صعبٌ للغاية، وفي كل ذلك نتعاون مع منظمات منها الهلال الأحمر والصليب الأحمر وسامز»؛ وتُشير حنان حليمة إلى الحاجة المُلحّة لأنواع دعم أخرى، منها القانوني لاستخراج وثائق وثبوتيات وحلِّ معضلة الحجز على الممتلكات، إلى جانب تلبية الحاجات الاقتصادية الهائلة، مع انقطاع المعتقلين لسنوات طويلة عن العمل والتعليم وتالياً صعوبة العثور بسهولة على فرصة عمل دائمة.

        بالطبع، لا قدرة للرابطةُ على تلبية كل الاحتياجات أو تغطية جميع الحالات وعددها بالآلاف، وهنا تكمن فجوة لا بد من سدّها، خاصة في المناطق الأبعد عن مراكز المدن الكبيرة، ويحتاج الأمر مزيداً من التنسيق بين كل المنظمات العاملة على الملف بما يخص نظام الإحالة وتوزيع الخدمات بشكل أكثر عدلاً. وفي هذه الأثناء، يمكث آلاف المعتقلين المحررين، وقد مضى على خروجهم من السجون عام كامل، في انتظار تحرُّك رسمي يُعيد إليهم الاعتبار وبعضاً من حقوقهم ومن مقومات العيش الكريم.

موقع الجمهورية

————————————-

 حين تغدو الذاكرة سلاحًا والعدالة رهانًا/ محمد برو

2025.12.26

من المؤكد أن الحروب والثورات لا تنتهي بانتهاء الاقتتال العسكري وتوقف صوت الرصاص؛ فالجولة التالية تكون قد بدأت أصلًا قبل انتهاء الجولة الأولى، وهي تمدّ المتحاربين والمقتتلين بالمشروعية المسوِّغة للقتال.

وفي الحالات التي عانت فيها البلاد من استبداد منهجي مديد رسّخ مبادئه وآلياته في الضمير الاجتماعي المقهور، يصبح الصراع في أروقة الذاكرة صراعًا على تأسيس سردية تمنح صاحبها حق الدفاع وخوض الصراع والتمسّك بمبررات السيادة دون الآخرين. وتغدو الشهادات الموثّقة والصور والنصوص المؤرشفة أدوات لإدانة طرف دون آخر، ومنح أحقية القيادة وتمثيل المنتصرين لجهة دون أخرى، وهذه الجهة ستكتسب مشروعية ثورية تبرّر لها بعض العنف والإقصاء، وكثيرًا ما يرخي هذا الإقصاء ظلاله على فصائل وشرائح كانت في بؤرة الشراكة الحقيقية لهذا الانتصار.

من الصعوبة بمكان أرشفة الألم؛ فهو مسألة معقّدة لا تخضع لأدوات القياس والمعايير الفيزيائية. ومع ذلك فإن شهادات المعذّبين والمعتقلين والضحايا الناجين، ومن يعيشون الفقد العميق، قد تشكّل مقاربة ممكنة في هذا الجانب الإنساني الحساس. وفي الحالة السورية شكّلت كثير من المقابر الجماعية المكتشفة، وآلاف الصور ومقاطع الفيديو التي سُرّبت—إضافة إلى كونها ذات بعد قانوني يمكن اعتمادها أدلّة متينة، ولا سيما إذا تعددت الروايات وساند بعضها بعضًا—فعلًا سيكولوجيًا يمكّن الضحايا والناجين من مواجهة عذاباتهم التي بقيت لردحٍ زمني طويل في عتمات النفوس. يملك هذا البعد الاستشفائي أبعادًا متعددة، لكنه في وجهٍ رئيسٍ من أوجهه يقرّر عبر حال الضحية الناجية: «إنني أنا من انتصر وبقي في نهاية الحكاية، وأن عليك الرحيل ونيل ما تستحقه من العقاب».

يبقى الخطر ماثلًا ما لم تتناوله أيدٍ نافذة وخبيرة، في أن تتمركز الذاكرة وتتجمّد في لحظة الألم تلك، ويغدو الإنسان ينظر إلى نفسه فقط من زاوية الضحية؛ فهذا—إضافة إلى ما يفعله في تحطيم شخصية الضحية وتوقّف سرديتها المستمرة عند هذه النقطة المشحونة بالألم—يدفع، بشكل أو بآخر، إلى سيطرة فكرة الانتقام وإن لم يكن ذلك مباشرًا. في الوقت الذي يركّز فيه معظم المنادين بالعدالة الانتقالية على حقّين رئيسين: حق المعرفة وكشف الحقائق دون تجميل، وحق النسيان الذي يعني تجاوز الأحقاد بغية بناء المستقبل.

في الآونة الأخيرة ظهر ما يمكن أن نطلق عليه اسم «العدالة العابرة للحدود»، وذلك بتحويل الأرشيف والوثائق إلى بُنى رقمية يمكن التعامل معها بيسر كبير عبر منصّات عابرة للحدود لا تتطلّب حضور المهتم أو المختص أو انتقاله إلى مكان بعينه لمعاينة التفاصيل. وهذا ما قدّمته التكنولوجيا الرقمية؛ فالأرشيف الرقمي السوري يمكن اعتباره الأضخم في التاريخ الحديث. واليوم، بعد أن كسرت الذاكرة السحابية احتكار السلطات المحلية لحركة هذا الأرشيف واستقراره، وبعد أن دخلنا عصر الذكاء الاصطناعي، بات من السهل جدًا مقارنة الأدلة والأصوات والصور والوقائع ومقاطعتها للخلوص إلى نتائج عالية الدقة، تسهم في صقل الأدلة وتمتين دلالاتها لمحاصرة وملاحقة مرتكبي الجرائم بحق الإنسانية، بل وكشف الشبكات المرتبطة وآليات اتخاذ القرار وغيرها كثير من التفاصيل التي تعزّز سير وإجراءات العدالة.

ومن واقع الإحاطة الواسعة بتعقيد التفاصيل في المسألة السورية—التي عمل عليها النظام السابق طويلًا بتوسيع رقعة وأعداد المغمّسة أيديهم بالدم السوري ومختلف أشكال الفساد والجريمة، بحيث يصبح السير في مسارات العدالة أمرًا أقرب إلى المحال—قد يدفع الواقع الممسكين بهذا الملف الشائك إلى القبول بالعدالة الترميمية التي تكتفي بمحاسبة شريحة محدّدة من رؤوس الجريمة وكبار المجرمين. وهذا سيخلق إشكاليات متعددة؛ فعند أي حد ستتوقف هذه المحاسبة؟ وما القواعد التي سيتم عبرها فرز من سيوجَّه إليه الاتهام والعقاب، ومن سيتم التغاضي عنه ومسامحته؟ وهل سيكتفي ذوو الضحايا بردّ الاعتبار الشكلي لضحاياهم؟ أسئلة صعبة لن يكون من اليسير الحصول على إجابات مرضية عنها، لكن كما يبدو فإن إطالة أمد المساءلة والتباطؤ المتعمّد في البدء بإجراءاتها قد يثمر تخفيفًا لحدّة المطالبين أو الشطر الأكبر منهم، ما يجعل الوصول إلى تسويات ممكنة أمرًا وشيك الحصول.

يعزّز هذا الاتجاه ويجعله أكثر قبولًا طلبُ الاعتراف الاجتماعي الواسع بالضحايا وبعدالة حقوقهم، وتخليد ذكراهم في الساحات العامة وفي متاحف الذاكرة، وعبر كثير من الأفلام والمسلسلات والأعمال الفنية على تنوّعها، التي تمنح استمرارية للحضور في الذاكرة العامة. فإلى اليوم، وبعد مرور أكثر من خمس وسبعين سنة، ما تزال الأفلام التي أدانت النازية والستالينية وغيرها من الأدوات المهمة التي تحفظ الذاكرة وتستدعي تعاطفًا عالميًا مع الضحايا، وتُدخلهم جزءًا من التاريخ الذي ينبغي تدريسه في المناهج المدرسية، كي لا يتكرر هذا «الهولوكوست» مرة ثانية.

تلفزيون سوريا

—————————-

==================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى