
21 ديسمبر 2025
في بلدٍ أنهكته سنوات طويلة من الحرب والعقوبات وتراجع التمويل الصحي، تبدو أي مبادرة طبية واسعة النطاق أشبه بمحاولة لالتقاط أنفاس المرضى قبل فوات الأوان. في هذا السياق، انطلقت حملة “شفاء 3” برعاية وزارتي الصحة والتعليم العالي والبحث العلمي، لتنضم إلى سلسلة مبادرات طبية تطوعية سابقة سعت إلى سدّ جزء من الفجوة المتزايدة في الرعاية الصحية داخل سورية، خصوصاً للفئات الأشد فقراً واحتياجاً.
تُنفّذ الحملة، التي أُعلِنت رسمياً هذا الأسبوع، بتنظيم من فريق شفاء الطبي، وبالتعاون مع منظمة الأطباء المستقلين، وتهدف إلى تقديم خدمات طبية وجراحية تخصصية مجانية في عدد من المحافظات السورية، عبر سبع مبادرات صحية تغطي اختصاصات نادرة ومكلفة، من جراحة الأطفال والعيون، إلى أورام الدماغ، والجراحة القلبية والترميمية. ووفق البرنامج المعلن، تمتد أعمال الحملة من العشرين من ديسمبر/ كانون الأول وإلى العاشر من يناير/ كانون الثاني، مع الاعتماد على طواقم طبية متخصصة لإجراء العمليات وتقديم الاستشارات والمتابعة الصحية.
وتُمثل الحملة فرصة علاجية ربما لا تتكرر لكثير من المرضى من بينهم، شادي عثمان، شاب من ريف دمشق في منتصف الثلاثينات، كان يعاني منذ سنوات مشكلة معقدة في العين. يقول لـ”العربي الجديد” إن كلفة العملية التي يحتاج إليها كانت تفوق قدرته المادية بأضعاف. ويضيف: “راجعت أكثر من طبيب، وكل مرة كنت أسمع الرقم نفسه تقريباً. مع وضعي المعيشي الحالي، كان القرار مؤجلاً إلى أجل غير مسمى، رغم أن بصري كان يتراجع”.
ويروي شادي أنه سجّل اسمه في حملة “شفاء” منذ أشهر، ولم يكن يتوقع أن يتم استدعاؤه فعلياً، موضحاً “حين اتصلوا بي شعرت أن باباً أُغلق طويلاً قد فُتح أخيراً. العملية ستُجرى مجاناً، والمتابعة ستكون جيدة، والأهم أنني أشعر أن هناك من يفكر بنا كمرضى لا كأرقام”.
قصة شادي تتقاطع مع تجربة وفاء الصالح، وهي سيدة خمسينية من دمشق ستخضع لعملية جراحة ترميمية ضمن الحملة. تقول لـ”العربي الجديد” إن إصابتها تعود إلى سنوات سابقة، وإنها اعتادت التعايش مع الألم والتشوّه بسبب عدم قدرتها على تحمّل تكاليف العلاج. قائلة: “لم أكن أبحث عن رفاهية، فقط عن حياة طبيعية من دون نظرات أو ألم دائم”، معتبرة أن الحملة أعادتها إلى دائرة الاهتمام الطبي بعد سنوات من الإهمال القسري. وتشير إلى أن تعامل الأطباء والمتطوعين كان “إنسانياً قبل أن يكون مهنياً”، وهو ما يترك أثراً نفسياً لا يقل أهمية عن الجانب العلاجي.
وتعكس هذه الشهادات الفردية جانباً من أثر حملات “شفاء”، التي بدأت مرحلتها الأولى في مارس/ آذار الماضي، مستهدفة مرضى في عدد من المستشفيات الحكومية، قبل أن تتوسع في مرحلتها الثانية لتشمل 11 محافظة و40 مستشفى، مع إجراء أكثر من 1500 عملية جراحية مجانية في اختصاصات متعددة. ومع إطلاق النسخة الثالثة، تبدو الحملة أكثر تنظيماً واتساعاً من حيث التوزيع الجغرافي ونوعية التدخلات.
مسؤول الحملات والبعثات في وزارة الصحة، أحمد المصري، يرى أن “شفاء 3″ تمثل تتويجاً لتراكم الخبرات التي اكتسبتها الفرق الطبية في النسختين السابقتين. ويقول لـ”العربي الجديد” إن الحملة الحالية “أكثر شمولاً على مستوى المحافظات وعدد العمليات، وتشكل نقلة نوعية في العمل الصحي الخيري داخل سورية”، لافتاً إلى إدخال اختصاصات جديدة، وتحول بعض نشاطاتها إلى استجابة إسعافية، خصوصاً في الجنوب، نتيجة الظروف الأمنية الأخيرة.
ويشرح المصري أن أحد أبرز عناصر القوة في الحملة يتمثل في الهيكل الإداري الذي ربط بين المركز والقطاعات الميدانية، بالتعاون مع مديريات الصحة في المحافظات، ما أتاح توجيه الفرق الطبية وفق الحاجة الفعلية لكل منطقة. ويضيف أن “هذا التنسيق خفف من العشوائية التي كانت ترافق بعض المبادرات السابقة، وساعد على استثمار الموارد المحدودة بأكبر قدر ممكن من الفاعلية. لكن الطريق لم يكن خالياً من التحديات. فالنقص في المعدات الحديثة، وقلة الكوادر الطبية المتخصصة، وطول قوائم الانتظار، كلها عوامل ضغطت على الفرق العاملة”.
ويقرّ المصري بأن بعض العمليات النوعية لم يكن من الممكن إجراؤها لولا الدعم اللوجستي والمعدات الدقيقة التي تبرع بها أطباء مغتربون، إضافة إلى تسهيلات رسمية لإدخال هذه المعدات إلى البلاد. ويشير إلى أن الأولوية كانت تُمنح دائماً للحالات الحرجة، والأطفال، والمرضى المنتظرين منذ سنوات، مؤكداً أن بعض التدخلات التي أُنجزت ضمن الحملة نُفذت للمرة الأولى داخل سورية.
ولا يقتصر أثر “شفاء 3” على الجانب العلاجي فقط، بحسب المصري، إذ تشمل الحملة أيضاً ورشات تدريبية ومحاضرات أكاديمية للكوادر الطبية الشابة. ويعتبر أن هذا البعد التدريبي لا يقل أهمية عن العمليات الجراحية نفسها، لأنه يساهم في رفع جودة الخدمات الصحية على المدى المتوسط، ويعزز استدامة الخبرات داخل البلاد.
ويختم المصري حديثه بدعوة المجتمع المدني والمؤسسات المحلية إلى دعم هذه المبادرات، سواء عبر التطوع أو التسهيلات اللوجستية، معتبراً أن استمراريتها مرهونة بـ”الشراكة المجتمعية والتنسيق الحقيقي بين القطاعين العام والخاص”.
العربي الجديد



