الأقليات المخطوفة وخطاب تمثيلها/ أحمد الشمام

2025.07.30
إن أحد أهم أركان الدولة في الدستور الألماني بعد الأرض والشعب هو الإرادة؛ أي إرادةُ الشعبِ ونُخَبه تشكيلَ الدولة أو تمكينها، وتقترن بمفهوم مواز هو السيادة أي تحقيق السيادة وإرادة الاستقلال للدولة بما فيها من أرض وشعب قبالة أي دولة أخرى، وسيادة جهازها الإداري – السلطة- كذلك.
يأتي الدستور بعد ذلك ليشكل إطارا مرجعيا قانونيا ينظم الحياة السياسية والاجتماعية، وأرضية تؤثث للعمل المشترك؛ بما في ذلك الضوابط العامة للعلاقات في المجتمع وبين السلطة والمجتمع. كما تقونن العمل السياسي، وتُعيِّنه بحدود ناظمة للتمييز بين ما هو حق أو واجب، وبين ما هو محظور من شتى أنماط العمل السياسي مما ينتهك السيادة والاستقلالية، و تم تضمينه في كل قوانين ودساتير الدول وثقافاتها بمفهوم الوطنية. بطبيعة الحال تضم أغلب الشعوب بنى اجتماعية ما دون دولتية، وتعتبر الدولة بما هي بنية فوقية متعالية على الانتماءات الجماعاتية، وصراع القوى والطبقات؛ نظاما يحقق قوة تتركز في جهاز إداري يحتكر العنف ويضبط اختلاف المصالح. وفي قلب هذا التنظيم يكمن مفهوم الوطنية، الذي وُضِع لضمان تماسك الشعب /الجماعة السياسية؛ رغم تعدد الانتماءات والتباينات الثقافية والاجتماعية. فالدولة الحديثة، في الغالب، تتكون من بنيات اجتماعية معقدة تتجاوز الانتماءات التقليدية (القبلية، الطائفية، الإثنية)، لكنها في الوقت ذاته تُعلي من شأن الانتماء إلى الكل الوطني. وهكذا تُبنى الدولة بوصفها كيانًا فوقيًا، لا يُعبِّر عن القوى ما دون الدولة، بل يُعيد تشكيلها ضمن منظومة قانونية ومؤسسية، تحتكر العنف المشروع وفقا لماكس فيبر، وتعمل على تنظيم تضارب مصالح الجماعات في الدولة، بما يضمن استقرار النظام العام، ويحفظ توازن الحريات والسيادة، وتحقيق تلك الإرادة.
بالنظر إلى الواقع السوري بعد سقوط الأسد؛ نجد بلادا مدمرة على مستوى المؤسسات و المجتمع، هتكها الأسد عبر خمسين عاما، ويظهر مطلب الحقوق والحريات قبل ضرورة رفع الأنقاض وبناء الدولة؛ من حيث ضمان السيادة وترسيخ إرادة تحقيق وتمكين الدولة؛ خصوصا وأن سيادتها منقوصة لوقوع جزء من رقعتها تحت سلطات أمر واقع تفرض وجودها، وتحاول تمكين نفوذها باتفاقات فوق الدولة وخارج الوطنية السورية، وتقوم بتحشيد ماقبل دولتي؛ تظهر الاستعصاءات التي تطال الدولة والسلطة كتعبيرات عن مناطق نفوذ واستحواذ من جماعات ما دون دولتية متلبسة بإطار سياسي وخطاب سياسي.
يقول د. مضر الدبس معلنا نفسه كسوري يتعالى على انتمائه المذهبي كدرزي أن “السويداء ليست رأس حربة للمطالبة بالديمقراطية؛ فالأخيرة مجالها العمومية السورية والساحة السياسية السورية عموما”، ومنه فلا يمكن لجماعة ماقبل دولتية استخدام حالة عصيان مسلح؛ لتحقيق مطلب سياسي دولتي كما في الهجرية السياسية وفقا لمصطلح الباحث الدبس، ولا يحق لحزب أو مليشيا تستأثر بالقوة على رقعة اغتصبتها من الدولة مثل مليشيات حزب العمال الكردي فعل ذلك أيضا.
يمثل الخطاب في الفقه السياسي أداة لإنتاج السلطة والمعرفة؛ متمثلا بجملة المفاهيم والقيم والمبادئ (عدالة، سيادة، حرية)، وتمثيل الواقع أو تصوره، الجماعة السياسية، الشرعية، الآخر، الهدف السياسي. بعد سقوط النظام يمكن قياس الجماعات ماقبل الدولة في كونها جماعات اجتماعية ذات خصائص ثقافية ودينية تميزها ويجب احترامها؛ وبين جماعات تنشط سياسيا محاولة تلبس دور ليس مناطا بها، بل بالعمومية السورية، ولتعيين ذلك نتساءل: هل حملت أو ارتجلت كل الأقليات في سوريا خطابا سياسيا يميزها كجماعات ماقبل دولتية؟ للإجابة على ذلك نجد:
لم تطرح الطائفة العلوية خطابًا خارج الوطنية السورية، بل انخرطت في مشروع الدولة مع مطالب محدودة تتعلق برفع المظالم السابقة التي حصلت إبان مكافحة الفلول، رغم محاولات مشيخة موالية للنظام، كغزال غزال، احتكار تمثيل الطائفة من دون شرعية حقيقية، خاصة مع توسع قاعدة المؤيدين للدولة. وفي مواجهة شبكات النظام الطائفية الساعية لصرف الأنظار عن المحاسبة، برز المثقف اليساري “نصر داهو سعيد” مثالًا على دور الفاعلية الثقافية العابرة للطوائف، حين شارك في استقبال الشيخ العرعور، داعيًا لبناء دولة تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية والدينية، ما يؤكد تفوق دور المثقف على المرجعيات الطائفية.
في الطائفة الإسماعيلية والمكون المسيحي عموما والتي تمتلك شبكة علاقات واسعة خارج الدولة نجد أن كلا منها عمل كشريك وطني، ورفضت إلا أن تكون جزءا من مشروع الدولة؛ رغم وقوع بعض التجاوزات على بعض من أفرادها من عناصر منفلتة، ولا تحمل أي منهما خطابا خاصا بها يخرج عن خطاب الدولة الحديثة؛ سوى مطالب العدل وتوسيع دائرة الثقة وبناء أواصر الشراكة.
في الخطابين الهجري والقسدي نجد أن جملة ما يطرح، لا يعدو كونه يمثل اختطافا للجماعة وافتعالا لأي صدام يستدرج السلطة للقتال، ما يرفع من طاقة تحشيد الجماعة بناء على دوافع الخوف والدفاع عن الجماعة؛ واعتبار ذلك خطا دفاعيا فاعلا للدفاع عن النفس، هنا يغيب الفرد وتحضر الجماعة وتحضر لغة الحشد والقطيع بالمفهوم النفسي، وبتحليل ما يمكن تسميته خطابا نجد غيابا أو تلفيقا لكثير من أركانه؛ غياب للمبادئ والمعرفة وحضور للسلطة المراد ترسيخها لدى قادة الجماعة؛ وممثليها الراغبين باحتكار تمثيلها إكمالا لمفهوم الخطف الذي تم تطبيقه، ولا تحضر القيم والمبادئ التي يتطلبها الخطاب بل تحضر السرديات والمظلوميات، وتحضر المطالب – ما دون دولتية في إطار سياسي، وتقام تحالفات ومطالبات فوق الدولة وخارجها.
أما الآخر وتعريفاته ضمن الخطاب فتحول إلى رؤى متبادلة بين قواعد هائجة تأثرا بنزعة القتال والتحشيد، وظهر صوت المقاتل المدجج نسخة عن خطاب المشيخة التي تعلن قيادتها للمشروع، وإذا سلمنا جدلا بتساوي الانتهاكات بين قوى الأمن وقوى الحشد المقابلة نجد خطاب السلطة مختلفا عما بدر من الجماعات المنفلتة؛ بل ومتوعدا بالمحاسبة والمحاكمة. يحضر الآخر كداعشي أو سني إرهابي لدى المشيخة ولدى المقاتل، بل ويتم التبرؤ ممن لا يتعاضد ولايخدم “فورة” الجماعة، ووضع كل من لا يتبنى خطابها من بقية الطوائف في خانة العدو الداعشي كذلك.
يقول المعارض حبيب صالح “من هي داعش بعرف الهجري وقطيعه؟ كل سني هو داعشي، العشائر دواعش، المحافظات، الحكومة بكل موظفيها ووزرائها حتى غير المسلمين هم دواعش، كل علوي أو قومي لا يؤيد مشروع الهجري الانفصالي هو داعشي، كل مسيحي لم ينسق للفتنه هو داعشي”. هذا الركن من الخطاب إن جاز تسميته خطابا يتفق تماما وسردية النظام ضد الثورة، فالأعداء إرهابيون ودواعش ولا غرابة في غياب تهمة العمالة للخارج عن لغة الخطاب باعتبارهم متورطون بها.
أما في ركن مبادئ الخطاب تُطرح شعارات مثل العلمانية والعدالة وحقوق المرأة؛ إما من مشيخات دينية تبرأت من المثقفين الوطنيين المعارضين لها، وأقصتهم وهددت بتصفية من يطرح نفسه كممثل للجماعة خارج احتكارها، أو من مليشيات عابرة للحدود رفعت شعارات “أخوة الشعوب” قبل أن تُحوّل مطالبها إلى مصالح كردية خالصة، متجاهلة تاريخها الإقصائي. كلا المشروعين احتكر تمثيل جماعته، وأقصى الأصوات الرافضة، بينما تناقض خطابهما حول الحريات مع ممارسات قمعية، كعسكرة النساء وخطف القاصرات وتجنيدهن، وطلب الدعم من قوى أجنبية، بما فيها إسرائيل، في تجاهل تام لقضية فلسطين ومعاناة غزة.
في ظل الاصطفاف العصبوي، تفتقر الأطراف المتنازعة إلى الشفافية والقدرة على مواجهة قواعدها بحرية، مما يدفعها إلى التمترس خلف القتال والتعنت كوسيلة للتحشيد والخوف. بالتوازي، نشأ نمط من المثقفين يمارس دور “جيش موازٍ”، مدفوعًا بهاجس سلطة الكونتونات، ومتصورًا ذاته ضمن هويات أقلوية متضخمة، ما أفقدهم التوازن النقدي. أما المثقف المحايد، فيبدو رهانه على هذه الجماعات نفعيا، ورهان تلك الجماعات عليه أداتيًا، يخدم مصلحة آنية من دون رؤية سياسية متماسكة، وغالبًا ما يتجاهل عمدًا الأصوات الوطنية المستقلة، كصوت ليث البلعوس وقيادات كردية أخرى غُيّبت من قبل القوى المسيطرة
تلفزيون سوريا



