تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

عن تشكيل الحكومة السورية -مقالات مختارة-

تخبط حكومي… من وحي تجربة إدلب/ عبسي سميسم

24 اغسطس 2025

لا تزال الحكومة السورية تقوم في إدارتها على تجسيد تجربة حكومة الإنقاذ في محافظة إدلب، شمالي البلاد، وسحبها على مستوى سورية، معتبرة إياها التجربة الأكثر نجاحاً في إدارة شؤون البلاد، رغم الاعتراضات التي كانت تواجهها في إدلب ذاتها، ورغم عدم ملاءمة الكثير من تفاصيل هذه التجربة على مستوى سورية.

ويبرّر بعض المراقبين الاعتماد على تجربة إدلب خلال فترة حكومة تصريف الأعمال التي استمرت ثلاثة شهور، لأسباب تتعلق بعدم الثقة لدى الإدارة الجديدة التي استلمت مقاليد الحكم، بأي شخص من خارج إطار “هيئة تحرير الشام”، فاعتمدت في تشكيل الحكومة على أعضاء من حكومة الإنقاذ فقط، وهم بطبيعة الحال لا يمتلكون الخبرة الكافية لإدارة وزارات على مستوى دولة، قبل أن تعلن عن حكومة أخرى بعد فترة.

إلا أن تكريس تجربة إدلب، بكل ما تحمله من أخطاء وحتى إشارات استفهام، بعد مضي أكثر من ثمانية شهور على تحرير البلاد وأكثر من خمسة شهور على تسلم الحكومة الانتقالية التي يفترض أنها حكومة تكنوقراط، مهامها، يطرح العديد من التساؤلات حول السياسات الداخلية التي تنتهجها الحكومة. فعلى مستوى الإدارة المالية والنقدية، لا يزال تطبيق غامض الملامح بمثابة محفظة إلكترونية يدعى “شام كاش” هو ما يتحكم بالسياسة النقدية والمالية في الحكومة، فهو يطرح نفسه بمقام المصرف المركزي من خلال تحكمه بمنح رخص خدمات تحويل الأموال، ويتحكم بكل العمليات المالية من جهة أخرى من خلال تحكمه بالمصارف الخاصة ومنافستها بطريقة غير عادلة. فهو التطبيق الوحيد الذي يمكن من خلاله إيداع أي مبلغ فيه وسحبه منه بأي وقت، فيما يفرض على المصارف حبس السيولة وعدم السماح لها سوى بسحب مبلغ لا يتجاوز الستين دولاراً في الأسبوع مهما كان المبلغ المودع. كما تفرض الحكومة على موظفيها التعامل الحصري مع هذا التطبيق.

ولكن الأغرب من كل هذا أن “شام كاش”، ورغم أن من يديره هم منتسبو “تحرير الشام”، إلا أنه من غير المعروف ما إذا كان هذا التطبيق شركة خاصة “بحسب ما يصرّح عن نفسه”، أم شركة حكومية “بحسب أدائه”. وفي حال كانت شركة خاصة، من يمتلكها؟ وما هو ترخيصها؟ وهل تخضع لنظام حوكمة؟ وهل يسمح لأي شركة مماثلة بتقديم الخدمة نفسها؟

وعلى مستوى السياسات الخدمية، هناك شركات مشابهة لشركة “شام كاش” وبصلاحيات مماثلة تدير كل الشؤون الخدمية، فهناك شركة غامضة التوصيف والصلاحيات تدير شؤون الكهرباء (غرين إنرجي)، وأخرى غامضة تدير شؤون المحروقات (طيبة)، وثالثة تتعهد الطرقات (الراقي الهندسية)، ورابعة تتعهد خدمات النظافة (أي كلين)، الأمر الذي يتعارض مع أهم المبادئ التي يعتمد عليها اقتصاد السوق التنافسي، والذي يرتكز على قوانين منافسة ومنع احتكار وأنظمة حوكمة شفّافة.

العربي الجديد

—————————-

الكفاءة المالية للحكومة السورية… هل يتقدّم الولاء على أصحاب المؤهلات؟ / محمد مصطفى عيد

الاثنين 25 أغسطس 2025

في مرحلة تُوصف بأنها انتقالية بكل ما تحمله الكلمة من هشاشة وإمكانيات، تبدو التعيينات في مؤسسات الدولة السورية واحدةً من أكثر المؤشرات تعبيراً عن كفاءة إدارتها، إذ لم تعد المسألة مرتبطةً بمن يشغل المنصب فحسب، بل بما تعنيه هذه التعيينات من رسائل أو تساؤلات رمزية حول معايير المرحلة المقبلة: هل هي مرحلة ولاءات جديدة؟ أو بداية لسياسة إدارية مختلفة قوامها الكفاءة والإصلاح؟ وما أثر هذه السياسات على الاقتصاد السوري، خاصةً في ظل الحديث عن بيئة استثمارية ومالية جديدة ورفع تدريجي للعقوبات؟

بين مؤشرات السوق، ومخاوف التكرار، وأزمات الكفاءة، يبرز سؤال جوهري: كيف تعيد الدولة إنتاج نفسها في مرحلة ما بعد البعث والأسد؟

التعيينات… كمؤشر أوّلي ضخم

مع تغييب الكفاءات، وتآكل الثقة بالمؤسسات من منظور الإدارة والشرعية الاجتماعية، يقرأ بعض الباحثين التعيينات من زاوية تأثيرها على علاقة الدولة بمواطنيها. هنا يقول الدكتور طلال عبد المعطي، الباحث في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”، إنّ تغييب شرائح مهنية واسعة عن مؤسسات الدولة لا يُعدّ فقط خطأ إدارياً، بل خطوة لها تبعات عميقة على العلاقة بين الدولة والمجتمع.

    تبدو سوريا في مرحلة ما بعد البعث والأسد وكأنها تقف على مفترق طرق: التعيينات الإدارية لم تعد مجرد وظائف، بل رسائل سياسية مشحونة بالرموز. فهل نحن أمام ولادات جديدة لشبكات الولاء أم أن هناك رغبة حقيقية في إدخال الكفاءة كمعيار؟ هذا السؤال وحده كفيل بكشف ملامح الدولة المقبلة

يقول عبد المعطي، لرصيف22: “هذا التغييب يُنتج فجوةً متناميةً بين الدولة ومجتمعها المهني، ويقوّض مبدأ تكافؤ الفرص، ما ينعكس سلباً على الأداء العام، ويكرّس شعوراً عاماً بالغبن واللامساواة”.

ويضيف أنّ الدولة، حين تُقصي الكفاءات لصالح المحسوبيات، تخلق بيئةً تشعر فيها فئات واسعة بعدم الانتماء، وتنتج تمثيلاً زائفاً للواقع السوري المتنوّع.

ويحذّر عبد المعطي من أنّ “التعيينات المنحازة تعمّق الانقسام داخل الدولة نفسها، وتخلق حالة تنافس غير عادلة، فبدلاً من أن تكون الدولة مساحةً مشتركةً للجميع، تصبح أداةً بيد فئة ضيّقة، ما يُضعف التماسك الاجتماعي ويهدد وحدة النسيج الوطني”.

من يحرّر يقرّر… في الاقتصاد كما في السياسة

ماذا عن التعيينات كمؤشر اقتصادي أو معيق للاستثمار داخل بنية القرار الاقتصادي؟ هنا يظهر سؤال الخبرة كمعضلة متجددة، وفي هذا الشأن يرى الصحافي والخبير الاقتصادي معمر عوّاد، أنّ واحدةً من أكبر أخطاء السلطة في المرحلة الانتقالية كانت إقحام أشخاص بلا خبرة في مواقع القرار تحت شعار “من يحرّر يقرّر”.

يقول لرصيف22: “هذه التعيينات من خارج الخبرة كانت عبئاً على الإدارة، وسبّبت بطئاً في وتيرة الإنتاج، وأضعفت ثقة رجال الأعمال المحليين والدوليين، خاصةً في ظل غياب من يشرح القوانين ويفسّرها”.

ويحذّر عواد من أنّ استمرار هذا النهج، في وقت تستعد فيه سوريا لانفتاح اقتصادي بدعم إقليمي ودولي، يعني تضييق فرص جذب رؤوس الأموال، وإعادة إنتاج أزمات الإدارة والبيروقراطية التي عرفها السوريون لعقود.

    استثناء الكفاءات لا يفرّغ مؤسسات الدولة من خبراتها فقط، بل يخلق فجوة ثقة مع المجتمع ويكرّس الشعور باللامساواة، وكأن الدولة تتحول إلى ناد مغلق لفئة ضيقة، مما يهدد فكرة الانتماء الوطني ذاتها.

ويجد أنّ مرحلة ما بعد الحرب كانت فرصةً لمراجعة السياسات الإدارية، لكن ما حدث فعلياً هو استمرار النمط القديم من التعيينات، والذي تَمثّل في إقحام شخصيات لا تملك الخبرة اللازمة في مواقع القرار، واصفاً هذه المرحلة بأنها “فرصة أُهدرت جزئياً”، بسبب تغييب الكفاءات الوطنية عن صياغة السياسات الجديدة.

وبحسب عواد، فإنّ تغلغل المحسوبية في التعيينات ساهم في تعقيد الإجراءات البيروقراطية، وفي إضعاف قدرة مؤسسات الدولة على جذب الاستثمارات، وبرغم صدور قوانين جديدة، مثل قانون إعادة الإعمار، إلا أنّ البيئة الإدارية، برأيه، بقيت غير قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة.

ويتابع: “رؤوس الأموال -المحلية والخارجية- ما زالت مترددةً، لأنّ الإدارة الاقتصادية لا توفّر حتى الآن الشفافية أو التفسير الواضح للقوانين”.

فمن وجهة نظر الاقتصاديين وأصحاب رؤوس الأموال، النوايا ليست ذات وزن، بل الإشارات الرمزية المتراكمة. لذلك يرى الكاتب والصحافي مالك داغستاني، أنّ الاستثمار في “سوريا ما بعد الأسد” ليس فعلاً اقتصادياً فحسب، بل هو تصويت غير معلن على نصّ سياسي جديد.

ويشرح لرصيف22: “حين تبدأ الأموال بالتدفق نحو سوريا، فإنها لا تعني فقط فرص عمل ومشاريع تنموية، بل تعني إعلاناً عن بداية سردية مختلفة، من الفوضى إلى إمكانية الحياة”. ويضيف أنّ المستثمرين لا يتحرّكون بدافع وطني أو أخلاقي، بل لأنهم يملكون حاسةً خاصةً لقراءة المستقبل، وقد رصدوا علامات على تحوّل قادم لم نقرأه جيداً كسوريين بعد.

لكن هذا “التصويت” الاقتصادي ليس مضموناً. وفق داغستاني، فإنّ تراكم البيروقراطية، وغياب الكفاءات في مراكز القرار، قد يشكّلان عائقاً كبيراً أمام استدامة هذا الزخم الاستثماري المحتمل.

إصلاح بلا أدوات؟ الاقتصاد الزراعي والمالي

وفي حين يُركّز الخطاب الرسمي على فرص الإعمار والتدفقات المالية المنتظرة، يغيب أحياناً الحديث عن البنية الاقتصادية العميقة القادرة على استيعاب هذا الإعمار وتحويله إلى واقع منتج. فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى قاعدة زراعية وصناعية متينة، ونظام مالي قادر على مواكبة المرحلة.

من هنا، يطرح الدكتور سمير العيطة، رئيس منتدى الاقتصاديين العرب، تساؤلات جوهريةً حول طبيعة الاقتصاد الذي يمكن أن ينهض بسوريا، محذّراً من اختزال الإصلاح في الشعارات أو المناسبات دون أدوات حقيقية للتنفيذ.

كما يتساءل حول شكل الاقتصاد الذي يمكن أن تنهض به سوريا، مشبّهاً الوضع الحالي بما شهدته الولايات المتحدة بعد أزمة 1929. لكنه يرى أنّ أيّ “نهوض” لا يمكن أن يتم من دون إستراتيجية واضحة لإعادة إحياء القطاعَين الزراعي والصناعي، ووقف النزيف المالي.

ويقول إنّ كثيراً من السدود الزراعية مهدد بالانهيار، بسبب غياب الصيانة، وإن القحط يهدد الأمن الغذائي السوري في ظل موسم زراعي هو الأسوأ منذ سنوات. ويرى أنّ السياسات الحالية، التي تعتمد على الإعلانات والمهرجانات بدل إصلاح الهياكل، غير قادرة على خلق ثقة أو بيئة إنتاج حقيقيتين.

    السؤال الأشد خطورة اليوم: هل تستطيع سوريا بناء اقتصاد حقيقي بلا أدوات إنتاج حقيقية وبلا خبرات مؤسساتية؟ فالزراعة مهددة، والصناعة مترنحة، والقطاع المالي يعيش في فوضى نقدية… ودون إصلاح جذري لهذه البنى، سيبقى كل حديث عن الإعمار مجرد ديكور سياسي ينهار عند أول اختبار برأي كثير من الاقتصاديين السوريين

وعلى الصعيد المالي، يثير الدكتور العيطة ملف تطبيق “شام كاش”، المرتبط ببنك مقره خارج مناطق سيطرة النظام سابقاً، عادّاً أنّ ربط الرواتب به يخلق ما يشبه “أداةً موازيةً تهدد وحدة القرار النقدي”، ويقوض سيادة البنك المركزي السوري. ويضيف: “لا يمكن الحديث عن اقتصاد حقيقي في ظل كبح السيولة وحرمان السوريين من تحويلات المغتربين، وتحويل البلاد إلى اقتصاد كاش”.

من الجدير بالذكر أنّ تطبيق “شام كاش” يُعدّ ذراعاً رقميةً لبنك الشام، ويقدّم خدمات الدفع والتحويل الإلكتروني، ولا يخضع لإشراف مباشر من مصرف سوريا المركزي، ويُستخدم كواجهة مالية جديدة للسلطة الحالية لتعزيز السيطرة على الحركة النقدية الرقمية في المناطق التابعة لها.

ويدعو عواد إلى ضرورة العمل على تثبيت سعر الصرف، وطرح أدوات دين محلية من خلال البنوك، وأن تقوم هذه البنوك بأدوار أكبر من دورها التقليدي في عملية الإيداع والإقراض، وطرح أدوات استثمارية جديدة، لذلك يحتاج الأمر إلى إدارة واعية في مركز الإشراف على أدوات السياسة النقدية، وكذلك في التعامل مع وزارة المالية، ويعتقد أنّ هذا القطاع يحمل كثيراً من الفرص، لكن أيضاً أمامه تحديات كبيرة، خاصةً أنّ العالم دخل مرحلة التكنولوجيا المالية والفنتك (Financial Tech) والتحويلات الرقمية، لكنه يرى أنّ هذا القطاع ما زال متخلّفاً، وأمامه الكثير من الفرص على مستوى التأهيل والتدريب لكوادره الحالية.

البنوك السورية… صورة أكثر تعقيداً

من جانبه، يلفت الخبير الاقتصادي أنس الفيومي، إلى مفارقة لافتة: عشرات القوانين تُسنّ كل عام، لكنها لا تُترجم إلى تحسن ملموس في حياة السوريين. ويقول إنّ الواقع المصرفي لا يزال يفتقر إلى الثقة.

يقول: “هناك تصريح قديم لأحد رؤساء مجلس الوزراء تباهى فيه بأنّ سوريا وخلال عام واحد أصدرت أكثر من 120 قانوناً ومرسوماً. يومها في تعليق لي على هذا التصريح قلت: إذا كان حجم التشريعات التي صدرت لم يصنع ابتسامةً أو فرحةً على وجه المواطن البسيط فجميع هذه التشريعات ليس لها أي تواجد على أرض الواقع. وهذا ينسحب على مجمل الأخبار التي وردت في الآونة الأخيرة حول رفع العقوبات عن سوريا، فإلى الآن لم يلمس المواطن العادي أثراً إيجابياً لهذا الرفع حتى وصل إلى مرحلة الشك في أنّ هناك رفعاً حقيقياً”.

والمناخ العام حتى الآن -بحسب فيومي- لا يشجع على الاستثمار، خاصةً مع غياب البنية التقنية، وتردد البنوك الدولية في تنفيذ التحويلات، برغم إعلان الانضمام إلى نظام “SWIFT”.

ويضيف: “القاعدة التقنية للمصارف ضعيفة، والتشريعات وحدها لا تكفي ما لم تقترن بكفاءات بشرية مدرّبة وقادرة على العمل مع النظام المالي العالمي وفق معايير الشفافية والمكافحة”.

ويؤكد أنّ دعم مرحلة الانفتاح يحتاج إلى أربعة أعمدة: نظام SWIFT فعّال، قوانين استثمار ضامنة، قاعدة برمجية متينة، وكفاءات مدرّبة. وكلها، حتى الآن، إما غير مكتملة أو غير مفعّلة.

من يجيب عن الأسئلة المركزية؟

بين الخوف من التكرار وأمل التغيير ربما يكون أكبر تحدٍّ يواجه سوريا في مرحلة ما بعد الأسد ليس في إعادة الإعمار المادي، بل في إعادة بناء مفاهيم الدولة نفسها: ما هي الدولة؟ من يُمثّلها؟ ولمن تعمل؟ هذه الأسئلة لم تعد ترفاً فكرياً، بل أصبحت مركزيةً لأيّ تصوّر مستقبلي مستدام.

التعيينات ليست مجرد قرارات إدارية، بل مؤشرات على العقل السياسي الذي يدير المرحلة، وإن بقيت تحكمها الولاءات أو الحسابات الأمنية أو الإقصاء المبطن، فإنّ النتيجة ستكون إعادة تدوير الماضي بثياب جديدة، لا قطيعة معه.

أما الاقتصاد، فإنه يظل مرآةً دقيقةً لما يجري في العمق، فإن لم تُرافق السياسات الاقتصادية خطوات حقيقية نحو الشفافية، والكفاءة، وتمكين الناس من فرص متكافئة، فلن يُقنع أيّ مؤتمر استثماري أو أي وعود إعمار، أحداً بأن شيئاً تغيّر حقاً.

هكذا، تظل لحظة التحوّل السورية رهينة معادلة صعبة: دولة تُولد من رحم الصراع، لكنها لا تزال مترددةً في اختيار ملامحها، وإن كان التاريخ لا يُعيد نفسه، فإنه كثيراً ما يُقلّد ذاته بإخلاصٍ مؤلم، إن لم يُدرك الفاعلون لحظة القرار الحقيقي.

رصيف 22

—————————-

ذهنية التحريم الاقتصادية في سورية بين “لا” و”لن”/ عدنان عبد الرزاق

22 اغسطس 2025

قلما يخضع الاقتصاد، علماً وتعاطياً، للحدية والحسم كتلك التي يمارسها الساسة، رغم الترابط الهائل بين السياسة والاقتصاد وتحريك كل منهما الآخر بالاتجاه الذي يخدم الاستراتيجية والمصالح العامة. لأن الاقتصاد وبأبسط مفاهيمه وتعريفاته، هو علم التدبير ومواءمة الدخل مع الإنفاق واستغلال أمثل للإمكانات والفرص والموارد المتاحة، ووفق أعقد مفاهيمه، بعد طغيان الآلة والتقنية، هو علم أرقام وسوق وقوانين، يفرض آليات ونظماً وأشكال علاقات، أو حتى علم كئيب، كما يصفه البعض إن شئتم.

ولكن، على واقعيته وصرامته وحتى كآبته، يؤثر منظروه وصناعه، الابتعاد عن الإطلاق والنفي، لأن التبدل المستمر، بالموارد ومؤشرات الأرقام والنسب، يفرض تبدل بالمواقف والقرارات، حتى وإن مست الخطة العامة للدولة، أي دولة. لكننا بسورية، ومنذ تحريرها وهروب النظام البائد في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، نرى الإطلاق بقضايا اقتصادية، سمة شبه عامة وصيغة مستمرة لصناع القرار السياسي.

وهذه نقطة أولى ومهمة، يمكن الإشارة إليها سريعاً، رغم عقابيلها الخطرة، فأن يسن الساسة قوانين الاقتصاد ويملي الساسة أشكال التعاطي، فالمآل إعاقة ولا شك، إن لم نقل كارثة وتغيير مستمر للقرارات والقوانين، ما يؤثر على السمعة والحريات وحتى استقطاب الرساميل والاستثمارات، وربما المثال الأبلغ بالجارة تركيا، حينما آثر صناع السياسة، وفي مقدمتهم الرئيس رجب طيب أردوغان، التدخل في صناعة القرار الاقتصادي وتحديد نسب الفائدة والتحدث، باستمرار، في قضايا الاقتصاد والسياسة النقدية.

وهذا لا يعني البتة ابتعاد الساسة وقادة البلاد عن القرار الاقتصادي، بل يعني عدم التدخل بتفاصيل العمل الاقتصادي وسن قوانينه وفق الرؤية، أو حتى المصلحة السياسية، ويعني رسم الساسة والقادة، الملامح العامة والهدف البعيد، وترك أهل مكة يخططون لشعابها. والمسألة الثانية، وهي مربط الفرس، أننا نسمع، وللأسف نرى ترجمة على الأرض، لذاك الحسم، فأن يعلن القادة السياسيون ومنذ التحرير نهج اقتصاد السوق و”لبرلة” البلاد، وهي بحال الخراب الكامل، فهذا يعني، فيما يعني، القضاء على الصناعة الناشئة وتحويل سورية لسوق استهلاكية واقتصاد ريعي، ينتظر موارد الثروات الباطنية ويكرر “يا ذا العطاء اسق العطاش تكرماً” ليجني ما تنتجه الأرض.

أما بقية الحسم، فلن نقدم على الخصخصة وهذا قرار، ففي ذلك الإطلاق ظلم أيضاً، للاقتصاد والعباد وإبقاء البلاد بملامح الاشتراكية، وهو يتناقض مع الحسم السابق بتحويل النهج لاقتصاد حر، فضلاً عن تعطيل وشلل، مواقع وإمكانات، لشركات وجدت أصلاً خلال نهج التحول الاشتراكي، ولم تعد صالحة حتى بمعاقل الاشتراكية والشيوعية في العالم. فأن تخطو سورية نحو الليبرالية ولديها منشآت لصناعة أقلام الرصاص أو العلكة، فتلك هي السريالية الاقتصادية بأبهى أشكالها.

وكذا، وهو الأهم في ما نرمي إليه، لن نستدين من الخارج ولن نمد يدنا للمؤسسات الدولية، من دون البحث في مصدر الدين ومطارح استخدامه وخدماته، لتبقى “لن” شعاراً مقدساً غير قابل للبحث والمقارنة أو حتى النتائج ومدى الحاجة. قصارى القول: ربما لا يصح البحث بالاقتصاد، كما قلنا عند تعريفه، من دون الوقوف على أرقام وبيانات ومؤشرات صحيحة، وكبرى المشاكل بسورية اليوم خلوها من قاعدة بيانات وإحصاءات تساعد راسم السياسة على وضع خطة أو اتخاذ قرار، ما يعني أن ملف الديون السورية، الخارجية أولاً، ملتبس ومتداخلة فيه مساعدات بقاء نظام الأسد مع أموال رهن المقدرات السورية مع ديون غائية ومقايضات بسلع وشركات وثروات.

ولكن وفق ما قال وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال السورية، السابقة، محمد أبا زيد، فإن الدين الأجنبي للبلاد يتراوح بين 20 و23 مليار دولار، فضلاً عن مليارات الديون المحلية. لكن تلك الديون مؤجلة أو مشكوك في صحتها أو ربما موضع خلاف، لأنها لدول ساعدت بشار الأسد في قتل السوريين وحلمهم وسخرت لآلة تهديم البلاد، وليست ديوناً لدول خارجية “عدا روسيا وإيران” أو لمؤسسات مالية دولية، كصندوق النقد والبنك الدوليين. والدليل ما قاله البنك الدولي وقت سوّت سورية ما عليها من مستحقات في منتصف مايو/ أيار الماضي، حين سددت الشقيقتان السعودية وقطر تلك المستحقات البالغة 15.5 مليون دولار، ضمن مساعي تلك الفترة المتزامنة مع رفع العقوبات عن سورية وفتح الأبواب والطرق إليها، لتلتقط أنفاسها وتبدأ بالإعمار والنهوض.

إذاً، سورية تكاد تكون دونما ديون خارجية تُرهق اقتصادها بالفوائد والخدمة، وفي ذلك نقطة قوة عامل إضافي لسرعة وصلابة الانطلاقة، ولا شكّ. ولكن نقطة قوة بالمفهوم العاطفي العام أو حسب النظرة السلبية المكوّنة عن الديون وما سببته من ارتهان دول وإعاقة تطلعات واستمالة قرارات، ونقطة ضعف في عدم استخدام الحصة بالبنك الدولي، وغيره من الصناديق، عدا صندوق النقد الدولي الذي يفرض وصفاته قبل أن تصل الأموال خزائن المصرف المركزي. ويمكن إيجاز التعليل الذي يسوقه علم الاقتصاد ويتفق عليه المنظرون والمتخصصون بأن التعاطي مع الدين يكون وفق توظيفه وعائداته ومدى الحاجة إليه، بمعنى آخر، توظيف غير خدمي وترفي أو لتسديد ديون أخرى، فالسر المتفق حوله يكمن في عائدات الدين الذي سيوظف بمواقع تنموية وإنتاجية، تشغّل العمالة وتستثمر القيم المضافة للمواد الأولية، فتزيد الإنتاج والتصدير وتوازن السوق، وتزيد العائدات عن خدمة وفائدة الدين، فهو أمر حميد، بل ومطلوب.

ولكن، إن جرى توظيف الديون الخارجية بقضايا خدمية أو تمويل الشق الجاري بالموازنات العامة، كتسديد أجور الموظفين مثلاً، فهو طامة وكارثة، ستوقع المستدين بفخ الديون التي ستزيدها الفوائد، ما يوصل للبيع والارتهان وربما أكثر. نهاية القول: بين لا للديون من دون التعاطي الاقتصادي معها والبحث بفوائدها، أو حتى معرفة أن أغنى الدول تزيد نسبة الديون فيها عن 30% من ناتجها المحلي الإجمالي، وبين لا للخصخصة وبقاء بطالة مقنعة وآلات عفى عليها الزمن وإنتاج غير منافس وبمواصفات سيئة، لم يزل سوريون بالمخيمات، بعد تسعة أشهر على تحرير سورية، ولم تزل نسبة الفقر تصل إلى نحو 90% والبطالة أكثر من 80% رغم رفع جلّ العقوبات وتهافت الاستثمارات، وإن نظرياً.

بل وأكثر، إذ تشير آخر تقارير برنامج الغذاء العالمي إلى أن سورية تواجه شبح أزمة غذائية بعدما تسبب أسوأ جفاف منذ 36 عاماً في انخفاض إنتاج القمح بنحو 40%، لتزيد الضغوط على الحكومة التي تعاني من نقص السيولة، ولم تتمكن من تأمين مشتريات بكميات كبيرة، وأن نحو ثلاثة ملايين سوري قد يواجهون الجوع الشديد، ليضافوا إلى أكثر من نصف السكان البالغ عددهم نحو 25.6 مليون نسمة، والذين بطبيعة الحال، يعانون حالياً من انعدام الأمن الغذائي.

إذاً، وعوداً على بدء، لا حسم نهائياً أو تحريم مطلقاً بالتعاطي الاقتصادي، كما يفعل الساسة أو يروق لهم أن يسحبوا قناعاتهم وأداءهم السياسي على الاقتصاد، طبعاً، من دون الحدية على الحافة الأخرى والدعوة لمد اليد وطلب القروض والمساعدات للهروب من الأزمات عبر أزمات أكبر، وإن مؤجلة. فالاقتصاد وقراراته ينطلقان من الواقع والمفاضلة والمصالح، والقرار يكون وفق الحاجة وما يخلص له الاقتصاديون، بعد البحث والمسح والضرورة، وليس وفق ما يقوله رجال الدولة لتكريس نظرة ما أو إرسال رسالة وتمرير موقف.

العربي الجديد

————————————-

 جلسة مع تاجر دمشقي.. “خبِّ قرشك الأبيض لليوم الأسود!”/ أحمد جاسم الحسين

2025.08.26

للاقتصاد لغة غير لغة السياسة، وللفاعلين الاقتصاديين مجسّات تختلف كلياً عما يراه صحفي أو متابع للشأن العام السوري في مشهد الحياة اليومية، فالتجار حذرون، ويرفض كثير منهم كلمة “رأس المال جبان” ويقولون لك: رأس المال هو الشجاع، لكنه حذر وذكي ويعرف متى يُفرد أوراقه، أو يلمّها ويمشي، لأن التاجر جزء من السياسة من حيث كونه مؤشراً للاستقرار أو داعياً للانفتاح والمغامرة، أو للانكفاء والانقباض وربما المغادرة!

يحدثك التاجر عن ركود في الأسواق وحين تسأله عن السبب يقول لك: الناس تفكر باللباس بعد أن تشبع الخبز!

ترفع حاجبيك مستغرباً؛ فيتابع شارحاً: لا أقصد أن الناس جياع، بل أقصد أنها لاتزال تخبِّئ اليوم جزءاً من قروشها للأيام السود!

: وهل بقيت أيام سود؟ تعب السوريون من كثرة الأيام السود في حياتهم!

يقول لك: الأمر أبعد من أسود وأبيض، التاجر لا يفرد بضاعته في السوق إنْ لم يشعر بالأمان، والتاجر اليوم يخاف من الحكومة، لا أعني أنه يخاف من أسلحتها، أو مخابراتها، بل يخاف من قراراتها التي قد تتخذها من دون استشارته فجأة، قد ترتجل، أو تستعجل أو تتهور في قراراتها، فاقتصاد سوريا يختلف جذرياً عن اقتصاد إدلب، واقتصاد مراحل ما بعد النزاع مثل الحب الأول حسّاس وقابليته للاستمرار صعبة لأن كمّ الحماس فيه أعلى من خبرة المحبين!

يضرب لك مثلاً عن المكدوس والجوز والاستيراد والتصدير: افترض أنك تاجر، واستوردت مئة طن من الجوز في موسم المكدوس، ثم نتيجة لعلاقات خاصة حصلت على قرار من الحكومة بإيقاف استيراد الجوز لمدة شهرين، هذا يعني أنك ستصبح ملوينيراً خلال هذين الشهرين! لكنك قد تصبح مديونيراً إن لم تكن البضاعة قد وصلت البلد، حيث إنك وقتها ستبحث لها عن سوق آخر مهما كان السعر!ّ

تحدَّثَ عن تخبط في إدارة الاقتصاد وما هو الخيار الذي ستسلكه الحكومة هل هو الاقتصاد الحر حيث حرية الاستيراد والتصدير المفتوحة؟ أم أنها ستترك التجار يتورطون وفجأة ستتخذ قرارات لا أحد يعرف لماذا تم اتخاذها من مثل وقف استيراد السيارات! وتابعَ إنْ شعرتَ أن عدداً من المنتجات الزراعية عليك أن تمنع استيرادها فيجب أن يكون ذلك واضحاً قبل شهور لأن مثل هذه الهزات تفقد الثقة بين التاجر والحكومة، وعلاقة الثقة هذه مركزية، وما أصعب فقدان الثقة في العمل التجاري!

استفزني الحديث عن فقدان الثقة من تاجر، لأن لفقدان الثقة في العمل التجاري آثاراً طويلة الأمد، وهو يؤثر على حركة الأسواق والبلاد، فسألته: غريب أن تتحدث عن فقدان الثقة ونحن حالياً نعيش في مرحلة لا أتاوات فيها، والبضائع متوفرة، والحكومة ممدودة الأيادي نحو الشعب، وبصراحة: لم أتوقع أن تتحدث عن فقدان ثقة بعد النظام البائد!

ابتسم ثم ردّ علي بالقول: في حركة الأسواق هناك عامل اسمه استقرار الهشاشة، واستقرار الهشاشة هذا يرتكز على أسس صعيفة لكنها مستمرة، وخضاتها معروفة واعتاد السوق أن يجد لها حلولاً من مثل: أتاوة هنا أو رشوة هناك، لكنها تبقيك أنت التاجر المسيطر والمسير للقرار الاقتصادي، قد يحملك السياسي أو الأمني أعباء إضافية لكن إرادة السوق هي التي تمشي!

اليوم، نحن لا نعرف غدنا الاقتصادي، ولا نتحكم به، ولا خارطة طريق نمسك بها، ولا أحد يصارحنا أو نضمن أنه سيستشيرنا ويأخذ ما نريد بعين القرار، لا نعرف مصدر القرار الاقتصادي، تاريخياً في سوريا لغرف التجارة والصناعة والزراعة مكان ودور في أي قرار مركزي!

رددتُ عليه : أنا لست خبيراً اقتصادياً وإن كنت عملت في مجال ريادة الأعمال في العقد الأخير من خلال الاستثمار في التعليم في هولندا، والاقتصاد الهولندي لديه أبجدية مختلفة كلياً، إلا أنني قد لا أشاطرك الرأي، وإن كنتَ أنتَ أخبر مني في الاقتصاد السوري، لكن لا أرى أن الأمور وصلت إلى هذه الدرجة!

قال: تذكرتُ، كنت قد قرأت لك مقالاً تتحدث فيه عن الوقف وما قامت به وزارة الأوقاف تجاه التجار، وقد لمست مما قرأت أنك سعيد باستعادة حق الدولة!

ابتسمت: بصراحة نعم، ومن لا يكون سعيداً بعودة موارد بلده إلى الدولة التي ستديرها بما ينعكس على المواطنين جميعاً بدلاً من أن تثري مجموعة أشخاص على حساب الآخرين بل تستغل عملاً وقفياً وضع تحت هذا المسمى ليكون في خدمة الشعب!

قال: وأنا كذلك سعيد بأن تستعيد الدولة والشعب حقهما إن كان لهما حق! غير أنه ما هكذا تورد الإبل! هل تعرف الأثر الذي تركه تهور وزارة الأوقاف في هذه القرارات المستعجلة، على الأسواق والحركة والتجارة والاستثمار والثقة؟

لا أحد ضد أن تستعيد الدولة حقها: هذا مبدأ شرعي وأخلاقي، غير أن الدولة وخبراءها يعرفون أن هناك كثيراً من القصص خلف الكواليس وأن الأوقاف كانت باباً للتهرب أو عدم التسجيل أو عدم دفع الضرائب وأن كثيراً من المحلات بيعت بأضعاف الأضعاف غير أن ذلك تم مشافهة ولم يسجل!

وبعيداً عن كل هذا التفاصيل فإن الثقة اهتزت كثيراً نتيجة لصدور مثل هذا القرار، نحن نعلم أن الدولة اليوم ذات موارد بسيطة ومن حقها أن تبحث عن موارد جديدة غير أنه ما هكذا تورد إبل الموارد!

أنت كنت تعيش في أوروبا وأنت تعلم ان هناك ما يدعى “فترة تبليغ”، وفي حالة مثل الحالة السورية: هذا شيء ليس وقته الآن، الآن وقت القرارات التي تلمّ الناس حول الدولة وليس أن تفرقهم، وقت محاسبة من ارتكبوا الجرائم. أما التجار فملاحقتهم ممكنة وسهلة لكن ليس وقتها الآن، التجار السوريون يحتاجون إلى إعلان دستوري تجاري مؤقت، مدته سنتان مثلاً أو أكثر ريثما يرتبون أوراقهم وتفاصيلهم، كي لا نخسر ثقتهم!، وكي تورد الإبل بالطريقة المناسبة!

أعلم أن مسؤولين كثيرين يريدون أن يثبتوا لمن عيَّنهم أنهم أهل للمسؤولية، وأنهم صادقون مخلصون للسلطة الجيدة وهذا حقهم ما دامت لديهم طموحات بأن يترقوا، لكن الحكمة تنتظر من صاحب القرار النهائي، كي لا نخسر التجار، وأنا هنا لا أحذر ولا أهدد بل أقول إن خسارة التجار تتمثل في انكفائهم وصمتهم وخيبة أملهم وأحياناً في سرعة تحويل نقودهم إلى الدولار بدلاً من الاحتفاظ بها في العملة الوطنية حيث يصبح القرش الأبيض هو الدولار واليوم الأسود هو القرارات الارتجالية!

تلفزيون سوريا

——————————————-

 شبكات الفساد في سوريا.. تفكك بطيء أم إعادة إنتاج بمستويات جديدة؟/ بتول الحكيم

2025.08.26

لم يكن الفساد في سوريا ظاهرة عابرة أو مرتبطة بظرف طارئ، بل تحوّل بفعل منظومة الحكم السابقة إلى سلوك علني مألوف. فمن ممارسات سرّية تدار في الخفاء، نشأت شبكات مرتبطة بالسلطة وأجهزتها الأمنية، مارست الفساد برعاية وحماية مباشرة. وهكذا أصبح المشهد متكرراً: موظف فاسد محمي يمارس سلطته بلا رادع، ومواطن لا يرى سبيلاً للحصول على حقه سوى بدفع الرشوة، ليتحول الفساد إلى جزء من تفاصيل الحياة اليومية، ومعه يغيب المعنى الحقيقي للمواطنة.

وفي هذا السياق، شدد رئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش عامر العلي على أن مكافحة الفساد بجميع أشكاله أولوية قصوى في “سوريا الجديدة”، داعياً السوريين إلى المشاركة في مواجهته وعدم التستر عليه. وأوضح أن النظام المخلوع خلّف وراءه مؤسسات متهالكة ينخرها الفساد الإداري والمالي.

وتكشف الشهادات الميدانية أن شبكات الفساد التي رسّخها نظام الأسد ما تزال حاضرة اليوم، وإن تغيّرت أشكالها في ظل الحكومة الجديدة، فعلى سبيل المثال؛ يروي رئيس اتحاد الطلبة في حمص، المهندس عمر حمام، لموقع تلفزيون سوريا أن بيع المواد الجامعية تحوّل إلى تجارة علنية لبعض المدرسين، إذ وصلت “تسعيرة المادة” لدى أحد دكاترة جامعة حمص إلى ما بين 150 و200 دولار.

وأشار حمام إلى أنّ الاتحاد قرر، مع تصاعد شكاوى الطلاب، رصد مكافأة بقيمة خمسة ملايين ليرة (نحو 500 دولار) لأي طالب يقدم دليلاً موثقاً على بيع مادة دراسية، في محاولة للحد من هذه الظاهرة.

وبالفعل، تعاونت إحدى الطالبات مع الاتحاد، حيث اشترت أسئلة مادة من أحد الدكاترة وقدمتها قبل دقائق من بدء الامتحان، بحضور رئيس الجامعة، لتكون دليلاً قاطعاً على الفساد. وعلى إثر ذلك، أوقف الامتحان وتم تحويل الأستاذ إلى التحقيق. ويؤكد حمام أن هذه الواقعة مجرد مثال على حجم الفساد المستشري في المؤسسات التعليمية، نتيجة لإرث النظام البائد، مشيراً إلى وجود شكاوى كثيرة مشابهة يسعى الاتحاد لمعالجتها عبر المكافآت والتوعية.

وفي شهادة أخرى نقلها موقع تلفزيون سوريا، قالت محامية (رفضت الكشف عن اسمها) إنها حصلت على حكم قضائي مبرم في شهر آذار 2025، موجَّه لدائرة الأحكام التنفيذية لإلقاء القبض على أحد المتهمين. ورغم وجود الدورية والعناصر بانتظار التنفيذ، واجهت أعذاراً واهية من قبيل: “لا توجد سيارة.. لا يوجد بنزين”، ما اضطرها في النهاية لدفع 200 دولار كرشوة حتى تتحرك القوة وتنفذ الحكم.

وتضيف المحامية أن الرشاوى ما زالت تطال حتى أبسط الإجراءات الإدارية، مثل تسجيل الولادات. فقبل سقوط النظام كان بعض المطلوبين أمنياً في الخارج يلجؤون إلى دفع مبالغ عبر محامين لتسجيل أولادهم، واليوم لم يختلف الوضع كثيراً، إذ يواجه الأهالي صعوبة في الحصول على مواعيد من السفارات لإنجاز الوكالات، في حين يتقاضى السماسرة أموالاً لقاء تسريع هذه الإجراءات. وهكذا يجد المواطن نفسه مضطراً لدفع مبالغ مالية لمحامٍ أو قريب له كي يتمكن من تسجيل الولادة.

وروت شابة سورية (رفضت ذكر اسمها) مقيمة في الخارج وزارت سوريا في الشهور القليلة الماضية أنها كانت تقود سيارتها في شارع الجمارك في العاصمة دمشق حين فوجئت بازدحام مروري فسلكت طريقا معاكسا، ليوقفها شرطي المرور ويبدأ بكتابة ضبط مخالفة بحقها.

وتوضح الشابة لموقعنا أنها حاولت تبرير الموقف بقولها إنها كانت على عجلة من أمرها، ليقاطعها الشرطي صراحة قائلاً: “يمكنك حل الأمر هنا”، طالباً منها مبلغ 5000 ليرة، دفعته ومضت في طريقها.

أما الصناعي “عدنان. ع.” (فضّل عدم ذكر اسمه الكامل)، فروى لموقع تلفزيون سوريا أنه حين تقدم لاستخراج براءة ذمة لعقار تجاري استأجره في المدينة الصناعية بعدرا، طُلبت منه وثائق وطوابع دفع ثمنها أضعاف قيمتها الحقيقية. ويضيف أن الموظف المسؤول عن معاملته في الديوان أخبره بضرورة إرسال الأوراق إلى مديرية المالية في دمشق، في إجراء قد يستغرق أياماً، في حين عرض عليه في الوقت نفسه تسهيل الأمر عبر اتصال هاتفي يختصر الانتظار والتنقل، مقابل مبلغ مالي وصفه الموظف بأنه مجرد “إكرامية”. ويؤكد عدنان أنه اضطر للدفع بعد المعاناة التي واجهها طوال فترة إنجاز معاملة الاستئجار.

ويذكر أنه في بداية التحرير انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع مصور لسيدة تدفع رشوة للموظف، وحين تم تصويرها ادعت أن الموظف زوج صديقتها وأنها تعطيه مبلغا لا علاقة له بالمعاملة، ليتم فيما بعد توقيف الموظف رسميا بتهمة تقاضي الرشوة.

شبكات الفساد تتواءم مع التغيرات

تقول المحامية الأستاذة عهد قوجة من فرع المحامين بدمشق إن شبكات الفساد ما تزال مفعلة اليوم رغم سقوط النظام، مؤكدة أن النظام المخلوع سمح للموظفين  في الدوائر الحكومية بالانتفاع من الفساد.

وتضيف قوجة في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا أن منظومة الفساد أعادت تشكيل نفسها، بطرق أكثر موائمة للوضع الراهن، وما تزال الأصوات المطالبة بمحاسبة الفاسدين تتعرض للتهديدات والإسكات من قبل  المنتفعين من شبكات المنظومة.

وتشير “قوجة” من خلال عملها في سلك المحاماة، إلى وجود محامين فاسدين، كانوا عناصر أساسية في شبكات الفساد في كل الدوائر الحكومية مؤكدة وجود سماسرة أقوى تأثيراً ونفوذاً من المحامين، وهم قادرون على الحل والربط داخل أروقة القضاء، إضافة إلى وجود “مكاتب” بجانب قصر العدل، ويمكنها منح وثائق، مقابل مبالغ مادية في وقت قصير وتمارس عملها إلى اليوم بأريحية مطلقة.

وتفصّل قوجة بأن هذه “المكاتب” تستطيع استخراج ورقة “لا حكم عليه” في نصف ساعة، في حين قد يتطلب استخراجها بشكل قانوني يوما كاملا أو يومين، أو “بيان أسبقيات” وهي وثيقة لازمة لأي قضية جزائية، يمكن استخراجها عن طريق هذه المكاتب بطرق غير قانونية بكلفة مابين 750 ألف ومليون ليرة.

مكاتب الشكاوى.. شكلية

وتوضح “قوجة” أن مكاتب الشكاوى التي تم استحداثها ما تزال شكلية ومحدودة الفعالية، وأن الشعب بحاجة لتوعية في هذا السياق، فأغلبية الشعب لا يمتلك ثقافة الشكوى، وليس لديه ثقة بجدواها، إذ طالما تحولت الضحية على زمن النظام إلى الجاني وتمت معاقبتها، فالخوف ما يزال يتملك الناس في هذا السياق، في ظل عدم تأمين الحماية لمقدمي الشكاوى وإمكانية تعرضهم للخطر، موضحة أن الحد من الفساد يحتاج لمقدرات كبيرة وكوادر وسرعة في العقاب.

وفي ذات السياق تتفق المحامية فاطمة الحواصلي مع الأستاذة قوجة بأن الفساد مستمر، مشيرة إلى أنّ الموظفين المرتشين يتذرعون بتدني الرواتب وغلاء المعيشة.

وتضيف “الحواصلي” في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا أن المساءلة شبه منعدمة، ويعود ذلك لعدة أسباب أولها أن الشكاوى خاصة حيال الموظفين الفاسدين والمرتشين مفهوم غائب عن مجتمعاتنا، في ظل غياب الوعي القانوني وضعف آلية الرقابة، إضافة إلى وجود عناصر أمنية جديدة تفتقد إلى الخبرة في التعاطي مع قضايا الفساد، ما يجعل سير العمل أكثر تعقيدا.

الواقع الاقتصادي حلقة في سلسلة الفساد

وعلى صعيد متصل يوضح المحلل الاقتصادي “أدهم قضيماتي” أن العلاقة بين الوضع الاقتصادي المتردي وانتهاج الفساد وتقاضي الرشاوي علاقة ترابط وثيقة، شارحا أن نظام الأسد ساهم باعتياد الموظفين على الرشاوي لتغطية العجز في رواتبهم.

ويضيف “قضيماتي” في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا أن منظومة الفساد المتجذرة طوال العقود الماضية من الطبيعي أن يحتاج مكافتحتها لجهود مضاعفة من الحكومة الجديدة، وتبدأ الجهود من رفع مستوى الحد الأدنى للأجور، وتأمين مستوى معيشي كريم للموظفين من خلال رواتبهم، كخطوة أولى.

ويرى “قضيماتي” أن شبكات الفساد بدأت بالتفكك بالفعل، لكن تفككها يحتاج وقتا، نظرا لنسبة المستفيدين منها، مشيرا إلى أن فساد “الرشاوى والمحسوبيات” تحول إلى جزء من طبيعة المجتمع وأصبح مشهدا اعتياديا، ما يعني الحاجة الملحة للمساءلة وترسيخ مبادئ العدالة في كل مفاصل الدولة.

انعكاس الفساد على المجتمع

من جهتها توضح المختصة في الإعلام الاجتماعي “ليلاس دخل الله” أن تنامي ظواهر الفساد في المجتمع بعد الحروب يرتبط بضعف مؤسسات الدولة والرقابة، فغياب الاستقرار الأمني والاقتصادي، يفتح المجال للاستغلال والفساد بأشكاله، مضيفة أن حاجة الناس لتأمين احتياجاتهم في ظل الظروف المعيشية القاسية، تدفعهم للطرق غير المشروعة، بالإضافة إلى ما تفرضه الأزمات والحروب من قلة للموارد، إلى جانب انشغال السلطات بالأزمات الكبرى، ما يجعل من مكافحة الفساد أمرا ثانويا.

وحول انعكاس تفشي الفساد على المجتمع، تؤكد “دخل الله” في حديث لموقع تلفزيون سوريا أن الفساد يصنع شرخا بين المواطنين والدولة، فيفقد المواطن ثقته بالمؤسسات والقانون، ويشعر بعدم جدوى العمل الشريف أمام المحسوبيات، فتضعف بنية المجتمع وتتلاشى مرجعيته الأخلاقية، ومن جهة أخرى تتشكل حالة من القهر عند الأفراد غير القادرين على دفع الرشوة.

وفي إطار الحلول توضح “دخل الله” أن تعزيز الشفافية في عمل المؤسسات أداة لمكافحة الفساد، مشيرة إلى أهمية سن قوانين صارمة تجرم الرشاوى والمحسوبيات، وضرورة تقوية دور القضاء المستقل ودعمه لمحاسبة الفاسدين، ونشر ثقافة المواطنة والنزاهة من خلال التعليم والإعلام وتفعيل مبدأ المساءلة.

دور الإعلام الاجتماعي في مواجهة الفساد

وعن دور الإعلام الاجتماعي في مواجهة ظواهر الفساد، تلفت “دخل الله”، إلى أن منصات التواصل الاجتماعي، أصبحت وسيلة قوية لفضح الممارسات الفاسدة، كما تمنح الناس فرصة لإيصال أصواتهم ونشر قضايا الفساد على نطاق واسع، فالضغط الشعبي الذي تحدثه السوشيال ميديا، يدفع المسؤولين للتحرك، موضحة أهمية حملات التوعية لتعميم ثقافة النزاهة والشفافية.

ويبدو أن سقوط النظام لم ينهِ منظومة الفساد التي رسخها الأسد لعقود، بل أعادت تشكيل نفسها بطرق جديدة، ما يجعل الإصلاحات خطوة أولى فقط في معركة طويلة لبناء دولة القانون. وبين الوعود الرسمية والواقع الميداني، يبقى الفساد أحد أكبر التحديات أمام الحكومة الجديدة.

تلفزيون سوريا

——————————-

=====================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى