العالم من دوننا/ عبير داغر اسبر

17 فبراير 2026
انشغل العالم أخيراً بالحديث عن منصة رقمية جديدة تُدعى Moltbook؛ فضاء تتبادل فيه روبوتات الذكاء الاصطناعي الحوار في ما بينها، وكأنها مجتمع قائم بذاته، فيما يراقب البشر من خارج الدائرة، غير مدعوين، نمط حياةٍ لآخرين يتفاعلون بلغة لا يتحدثونها. الحدث بدا للبعض طريفاً، ولآخرين مخيفاً، باعتباره علامة على انتقال الذكاء الاصطناعي من أداة تفاعلية إلى وعي تفاعلي يعيش داخل الفضاء المعرفي.
ماذا يعني هذا للسوريين؟ في بلد ما زال يصارع أسئلة البقاء وإعادة الإعمار، قد يبدو هذا السؤال ميّالاً للإتيان بفرضية ما أو لهدف بلاغي بحت، لكن إن تعمّقنا في امتدادات السؤال الزمانية، لا بد أن هذا التساؤل كان مشروعاً عند اكتشاف النار، وفي عصر النهضة، والثورة الصناعية، والحرب النووية، والثورة الجينية، والتكنولوجيا الحيوية. ولا بد أن يظل هذا السؤال محقّاً وذا أحقية إلى أن يقفز الكون قفزته الجديدة نحو مجهول آخر، دوننا أيضاً. غير أن التحولات التكنولوجية لا تنتظر أحداً؛ فهي تعيد رسم الاقتصاد وسوق العمل واللغة التي يُدار بها العالم. الخطر هنا ليس في أن “تتحدّث الروبوتات إلى بعضها”، بل في أن تتشكل قواعد اللعبة الجديدة من دون حضورنا كما اعتدنا في سنوات كثيرة، فنصل متأخّرين إلى زمن صار واقعاً. حيث يمضي الزمن بنا بتؤدة، ويتحرّك العلم بنزق، ناسفاً على الدوام وعينا باللحظة وبالحاضر، وملتحقاً بالمستقبل، حتى لو لم يحمل هذا المستقبل شكلاً مفهوماً، محدّد الملامح، بوصلةً أو حتى إشارة تقود إلى وجهة ما. إذ لم تمرّ سنوات كثيرة منذ رمى لنا العلم باكتشافاته الرقمية وخرائطه الجينية الإعجازية. ولم يمرّ وقت طويل منذ حككنا رؤوسنا وهززناها تعجّباً وعجزاً عن الإدراك، عند ذكر صواريخ ومركبات ستحتل المرّيخ وتبني مستعمراتها الأولى دوننا. لم نتحدّث بعد عن شرائح إلكترونية تُزرع في جبهات الميسورين كي يعيشوا معافين، وللأبد.
نعم، كلّ بضعة أعوام تقود مجموعة من العلماء “المهووسين” الكون باتجاه غير متوقّع، مجهول ومخيف بطبيعته، قافزين بنا سنوات ضوئية إلى زمن لم نختبره من قبل، محمّلاً بمعطيات خارجة عن سيطرتنا. ومع كل قفزة نحو ذلك المجهول، تعود الأسئلة والمخاوف المشروعة، محمّلة بالشك نفسه، مرة بعد أخرى: متى سنفقد السيطرة على هذا العالم؟ متى سيتصرّف الكون من دوننا نحن البشر؟ متى سيطوّر حساسيته ووعيه الخاصّين، خالقاً منطقه، ومنتصراً على العقل البشري الذي أنتجه وأنتج كل ما نراه ونعيشه اليوم؟ لكن البشر ليسوا كتلة واحدة، لا في الحروب، ولا عند الجوع، ولا أمام الأوبئة.
ها نحن نقف اليوم على عتبة عالية، تطلّ من ارتفاعها على مشهدية مألوفة لعالم ثالث، مشهدية تمسّنا في هويتنا، تضربها في العمق، تضرب خاصية الإبداع ومفاهيم الابتكار، وتعيد تعريفهما من جديد. إنها تمزّق الأنا الخلّاقة، تلك الملتحفة بالإبداع، الصارخة في وجه التكرار والبلادة والاعتياد؛ الأنا التي لطالما وجدت ما يريحها ويطمئنها في ملاعب الخيال والفردية المطلقة، إلى أن أتى ما يقوّض هذا العالم الجميل المُسوَّر ويهدّده بالتلاشي، لضيق الأدوات واحتكار المعارف.
المخاوف التي يثيرها دخول الذكاء الاصطناعي إلى عالمنا “الصغير” في سورية ما زالت بلا معالم، لم يتشكّل حجم تهديداتها بعد، ولم تتشكّل صورتها المهدِّمة والمثيرة للأسى، فالذي يخيفنا حقاً ليس أن يسبق الذكاء الاصطناعي ذكاءنا، ولا أن يقفز العلم قفزته الجديدة، بل أن تظلّ سورية خارج مدى هذه الضربات أصلاً، عالقة في طبقة زمنية أقدم، لا تصل إليها ارتدادات الحداثة إلا بوصفها أصداء.
العربي الجديد



