متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية -مقالات وتحليلات مختارة- تحديث 15 نيسان2026

تابع الملف في الروابط التالية
متابعة حثيثة للحرب على ايران وتأثير ذلك على الاوضاع في سورية -مقالات وتحليلات مختارة–
–
تحديث 15 نيسان 2026
لماذا ستفشل إيران في ابتلاع هرمز؟/ مروان قبلان
15 ابريل 2026
عندما بدأت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران كان هدفها توجيه ضربة قاصمة للنظام، عبر تحييد قيادته السياسية والأمنية والعسكرية، بما يؤدّي إلى استسلامه، كما أملت إدارة ترامب، أو إطاحته بثورة شعبية، كما تمنّت إسرائيل. لكن استيعاب النظام الإيراني الصدمة، وتوجهه إلى إغلاق مضيق هرمز، مكّنه من أداة ضغط قوية ساهمت في انتزاع موافقة أميركية على وقف إطلاق النار، والعودة إلى طاولة المفاوضات، مع إمكانية الحصول على صفقة أفضل. لكن مقاربة النظام الإيراني للمضيق أخذت تتغيّر، إذ صار ينظر إليه باعتباره “كنزاً استراتيجياً” لفترة ما بعد الحرب (الإوزّة التي تبيض ذهباً)، بعد أن كان مجرّد أداة ضغط لوقفها. وعليه، بدأت طهران مسعاها إلى تغيير الوضع القانوني للمضيق من ممرّ مائي دولي يخضع لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والتي تضمن حرية الملاحة للسفن العابرة، إلى ممرّ إقليمي تتشارك الدول المتشاطئة السيطرة عليه، ويخضع لقوانينها الوطنية. وإذا تمكّنت إيران من فرض دولار واحد رسم عبور على كل برميل نفط يعبر المضيق، كما تأمل، فهذا يعني أنها قد تحصّل إيرادات من رسوم عبور المضيق تفوق ما تبيعه من نفط سنوياً. فوق هذا، إذا نجحت إيران في السيطرة على المضيق، وفرضت قوانينها الوطنية عليه، فهذا يعني أننا بصدد نظام أمن إقليمي جديد في الخليج تحتلّ موقع الرأس فيه، بعد أن كانت على هامشه، وصارت، إضافة إلى هذا، تقرّر سياسات دوله، عبر التحكّم بصادراتها من الطاقة ووارداتها من السلع والبضائع والمواد التموينية، بما فيها الغذاء والدواء، وحتى السلاح. سوف يصبح بمقدور إيران أيضاً استغلال حاجة الدول إلى الطاقة، فتكافئ من يسايرها وتعاقب من يقف ضدّها. دول كثيرة ستعمد هنا إلى خطب ود إيران لضمان مرور سفنها الخارجة من المضيق محمّلةً بالطاقة أو الداخلة، بالسلع والبضائع، إليه.
يمكن لإيران أيضاً أن تتحكّم بأسعار الطاقة العالمية من خلال تحديد كمية النفط والغاز التي تُنتج وتُصدّر عبر المضيق. وهذا يعني أن إيران سوف تمتلك نفوذاً اقتصادياً وسياسياً أكبر بكثير مما يستطيع العالم احتماله. حتى اللحظة، ما زالت أكثر الدول تنظر إلى أزمة المضيق مشكلة أميركية، نظراً إلى مسؤولية إدارة ترامب عن التسبّب بها. لكن هذه النظرة بدأت تتغيّر مع إدراك حجم المخاطرة بترك إيران تسيطر عليه، فوق أنّ هذا يفتح الباب أمام دول أخرى لادّعاء السيطرة على المضائق المائية التي تشرف عليها، مثل اليمن وجيبوتي وإرتيريا التي تشرف على مضيق باب المندب، وماليزيا وإندونيسيا وسنغافورا المطلة على مضيق ملقا، وإسبانيا وبريطانيا اللتين تتشاركان الإطلالة على مضيق جبل طارق… إلخ. هذا يقوّض أسس النظام الليبرالي الدولي الذي يقوم على حرية التجارة، وسوف ترفضه الصين، واليابان، وأوروبا لأسباب تجارية وقانونية، بمقدار ما سترفضه الولايات المتحدة لأسباب استراتيجية.
شكّل مضيق هرمز في مفاوضات إسلام أباد إحدى أبرز نقاط الخلاف التي أفشلتها، إذ تعتبر إيران السيطرة عليه أبرز مكسب يمكن أن تخرج به من الحرب، وهو تماماً ما دفع واشنطن إلى فرض حصار على إيران والمخاطرة برفع إضافي لأسعار الطاقة، نتيجة خسارة نحو 1,6 مليون برميل من النفط الذي تضخّه إيران يومياً في عروق الاقتصاد العالمي. يؤشّر هذا المسلك إلى تحوّل في الاستراتيجية الأميركية التي كانت تسمح لإيران بتصدير نفطها حفاظاً على استقرار الأسعار، رغم أن إيران تمنع دول الخليج من تصدير نفطها وغازها. وهذا يعني تبنّي العمل بالقاعدة التي ابتدعتها إيران نفسها: “إما أن يكون الجميع قادراً على تصدير نفطه أو لا أحد”. تأمل إدارة ترامب أن تدفع هذه الخطوة إيران إلى التخلي عن ورقة المضيق. لكن ماذا لو تمسكت إيران بموقفها، هل تذهب واشنطن إلى أبعد، وتحاول فتح المضيق بالقوة؟ لا تبدو إيران في وضع يسمح لها باستئناف الحرب، كما باتت تدرك أن العالم لن يستطيع الصبر كثيراً على استمرار إغلاق هرمز، دع جانباً مسألة سيطرة إيران عليه، مع تبلور مبادرة فرنسية – بريطانية مشتركة، قد تنضم إليها دول أخرى، لاستعادة الأمن في المضيق، ولا تعارضها الصين؛ أحد أكبر المتضرّرين من إغلاقه. في المحصلة، سوف تكتشف إيران قريباً، ربما، أنها تحاول ابتلاع لقمة أكبر بكثير من قدرتها على المضغ.
العربي الجديد
—————————-
بين الحرب والمفاوضات/ علي العبدالله
15 ابريل 2026
جاء إعلان نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، فشل المفاوضات مع إيران ليثير أسئلة كثيرة وصعبة: هل ذهبت الإدارة الأميركية إلى المفاوضات تحت ضغط تطورات المواجهة العسكرية، وما ترتّب على الرد الإيراني، من قصف الكيان الصهيوني والقواعد الأميركية في دول الخليج العربية، وقصف بنى تحتية لهذه الدول، وإغلاق مضيق هرمز والتهديد بإغلاق مضيق باب المندب، وفي الاقتصاد الدولي، ارتفاع أسعار الطاقة والتأمينات على ناقلات النفط والغاز واضطراب الأسواق والتضخم، وما يمكن أن يترتب على استمرار الوضع لفترة أطول من تبعات جيواقتصادية وجيوسياسية وجيواستراتيجية؟ أم ذهبت هذه الإدارة إلى إسلام أباد للاتفاق على حل يمتصّ الحرج الأميركي، ويخرج الرئيس، دونالد ترامب، من حفرةٍ أوقعه فيها رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو؟ أم ذهبت لتبرّر مواصلة الحرب/ العدوان، بعد أن بدأ الرأي العام الأميركي في التعبير عن استيائه من انعكاساتها على وضعه المعيشي بدفع إيران إلى الرفض عبر رفع سقف المطالب، صفر تخصيب وتسليم اليورانيوم المخصب إلى درجة 60% وفتح مضيق هرمز؟
لا يمكن الجزم في ذلك، لكن وضع إعلان ترامب “أن إيران رفضت التخلي عن برنامجها النووي” إلى جانب قول فانس: “إن إيران رفضت التعهد بعدم إنتاج أسلحة نووية”، يشي بأن الذهاب إلى المفاوضات طُعم قُدّم إلى الرأي العام الأميركي، كي يتقبل استمرار الحرب وتبعاتها، وقصر مدة المفاوضات، 14 ساعة وفق مسؤول إيراني، ومغادرة الوفد الأميركي العاصمة الباكستانية فوراً بعد انتهاء الجلسة، وقرار فرض حصار على مضيق هرمز، تأكيد عملي لذلك.
يرتبط توقف الحرب/ العدوان على إيران بتحقيق أهدافها أو بالتسليم باستحالة هذا، خصوصاً بالنسبة إلى الرئيس الأميركي الذي يدير المواجهة لتحقيق أهداف عديدة: السيطرة على نفط إيران واستخدامه في الضغط على الصين وعرقلة صعودها، تنفيذاً لرؤيته التي يسمّيها “الهيمنة الأميركية في مجال الطاقة”، قال إنه يريد الاستحواذ على موارد الطاقة الإيرانية بعد انتهاء النزاع، وأضاف: “الغنائم تكون من نصيب المنتصر”، وتحويل إيران إلى دولة حليفة وقاعدة للتحرّك الأميركي في آسيا الوسطى لقطع طريق الحرير والسيطرة على موارد الإقليم من النفط والغاز والمعادن النادرة. وقالت تعليقات أميركية وأجنبية إن ثمة هدفاً ذاتيّاً لترامب، يتمثل بإشغال الرأي العام الأميركي عن ورود اسمه في ملفات عميل الموساد جيفري إبستين، وإن ما فعله منذ عودته إلى البيت الأبيض، حملة فرض الجمارك على السلع المستوردة والمطالبة بقناة بنما ودعوة كندا إلى الانضمام إلى الولايات المتحدة لتصبح الولاية الواحدة والخمسين، والمطالبة بشراء جزيرة غرينلاند من الدنمارك واختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو وزوجته، هدفه التغطية على هذه الملفات، لأن إدانته في التورّط في هذه الملفات لا تسمح بإقالته فقط، بل وبإحالته على القضاء وسجنه.
غير أن ما حصل: صمود إيران تحت القصف 40 يوماً، وردّها الذي طاول دولاً، وإغلاق مضيق هرمز، وما ترتّب على هذا من خسائر مباشرة للكيان الصهيوني ودول الخليج العربية، وانهيار أسواق الطاقة، قد فرض البحث عن مخرج دبلوماسي مع الاحتفاظ بأهداف العدوان. لذلك، أخذت المفاوضات في إسلام أباد صيغة تقديم عرض أميركي نهائي، والانسحاب بالتوازي مع حشد قوات برمائية ورفع جاهزية القوات الموجودة في الدول المجاورة والبحار والمحيطات وسيلة ضغط على الجانب الإيراني لدفعه إلى قبول العرض.
لا يشكل الصمود الإيراني العامل الوحيد الذي ضغط على ترامب، ودفعه إلى التفاوض. هناك اهتزاز صورته على خلفية شيوع تعليقات في الإعلامين، الأميركي وغير الأميركي، تقول إنه يحارب عن الكيان الصهيوني، وليس للولايات المتحدة مصلحة في هذه الحرب، بالإضافة إلى رد فعل أعضاء في الكونغرس والنخبة السياسية الأميركية التي استفزّها ما نشر عن الدور الذي لعبه كل من رئيس وزراء الكيان الصهيوني، بنيامين نتنياهو، ورئيس الموساد، دافيد برنياع، في إقناع ترامب بحصول تغيير سريع للنظام الإيراني خلال الحرب، وقد أعلن عضو الكونغرس رو خانا استياءه من وجود نتنياهو في غرفة العمليات في البيت الأبيض، بعد نشر صحيفة نيويورك تايمز تقريراً أفاد بأن “نتنياهو زار البيت الأبيض في 11 فبراير/ شباط الماضي، وشارك في عرض سرّي عالي المستوى مع ترامب ومسؤولين أميركيين داخل غرفة العمليات، وهي خطوة نادرة لقائد أجنبي”، اعتبرها خيانة للأميركيين.
تفيد تقديرات كثيرة بتعادل فرصتي التوصل إلى اتفاق سياسي والعودة إلى الحرب، فالتوصل إلى اتفاق حاجة أميركية ودولية، لإعادة الاستقرار إلى أسواق الطاقة، وخصوصاً الغاز، لارتباطه بصناعة الأسمدة التي تحتاجها الزراعة، فارتفاع الغاز يقود إلى ارتفاع ثمن الأسمدة، وارتفاعها يقود إلى ارتفاع تكلفة إنتاج الغذاء، ولجم التضخم وما يثير من ردود فعل شعبية على ارتفاع الأسعار، وحاجة أوروبية خاصة، كي يعود الاهتمام بأوكرانيا واستئناف تزويدها بالأسلحة والذخائر، بالإضافة إلى حرمان روسيا الفوائض المالية التي حصلت عليها نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز. فيما تقف خلف استئناف الحرب دول، الكيان الصهيوني الذي لم يحقق أهدافه التي تمثلت بإسقاط النظام الإيراني وتدمير قدراته النووية والصاروخية والبنية الصناعية المرتبطة بها، وخوفه من استئناف إيران نشاطها في مجالات تخصيب اليورانيوم وصناعة الصواريخ والمسيّرات وتطويرها، لتكون أكثر دقة وقوة تدميرية، بالتركيز على رفض مقولتي “لا يوجد حل عسكري لـ”الصراع”” و”كل حرب تنتهي بنوع من الاتفاق أو التفاهم”، تدعمه في هذا جماعات ضغط صهيونية في الولايات المتحدة وأوروبا، ودول خليجية باتت تخشى العيش مع إيران وما لديها من صواريخ ومسيّرات، بعد أن غدت أكثر جرأة، كذلك فإنها لا تستطيع التغاضي عن سيطرة إيران على مضيق هرمز، الممرّ الرئيسي لمعظم تجارتها، ما يسمح لها بخنق الخليج متى شاءت.
واقع الحال أن أمام نجاح المسار الدبلوماسي عقبات كثيرة وكبيرة، بدءاً برغبة ترامب في تحقيق إنجاز عسكري أو اقتصادي يعزّز فرص حزبه، الجمهوري، في انتخابات الكونغرس النصفية في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، إنجاز يمكن أن ينسبه إلى نفسه يخفّف من البطالة والتضخم، ويحسّن سوق الأسهم في البورصة. وهذا سيدفعه إلى التشدّد مع إيران على أمل دفعها إلى الاستسلام أو القبول بطلباته الرئيسة، صفر تخصيب وتسليم اليورانيوم عالي التخصيب، وفتح مضيق هرمز.
القيادة الإيرانية الجديدة، قيادة الحرس الثوري، هي الأخرى عقبة أمام نجاح المسار الدبلوماسي لأنها بحاجة إلى تسويق نفسها والحصول على شعبية وطنية. لذا، تقمّصت موقف المنتصر وتريد صرف انتصارها مقابل مكاسب مباشرة، خصوصاً أنها أمام استحقاقات ضخمة: إعادة الإعمار، وإعادة ترميم القدرات العسكرية وحل مشكلات المواطنين المعيشية والخدمية، ما يعني أنها بحاجة إلى أموال طائلة، ولذا ستتمسك بموقفها في عدة نقاط: حقّ التخصيب، فرض السيادة على مضيق هرمز، ما يمنحها حق فرض رسوم عبور، حصل واستوفت من ناقلات عبرت المضيق مبلغ مليوني دولار. من طرائف ترامب أنه ألمح إلى المطالبة بحصة من هذه الرسوم، رفع العقوبات وإعادة الأموال المجمّدة في البنوك الأجنبية، قدّرتها القيادة الإيرانية بـ 120 مليار دولار. روسيا والصين من الدول التي تراهن، من دون إعلان مباشر، على استمرار الحرب لاستنزاف الولايات المتحدة وأخذ دروس من إدارتها الحرب والأسلحة التي استخدمتها، خصوصاً روسيا التي استفادت من ارتفاع أسعار الطاقة ومن تحويل الأسلحة والذخائر التي كانت مخصّصة لأوكرانيا إلى الشرق الأوسط، وتوظيف تخبّط الولايات المتحدة واهتزاز صورتها وخسارة حلفائها في الترويج لسياساتها.
اتفقت تقديرات سياسية على ثلاثة سيناريوهات: استئناف التفاوض تحت الضغط، العودة إلى التصعيد واستئناف الحرب بصورة أوسع أو تنفيذ عمليات محدودة، وخصوصاً في مضيق هرمز والجزر الإيرانية، إنهاء الحرب من دون اتفاق.
العربي الجديد
—————————
النظام الإيراني لم يسقط بل أصبح أكثر دموية في الداخل/ روبرت فوكس
بالغ هيغسيث في توصيف ما سماه “الأيام الأخيرة” للنخبة الحاكمة في طهران وهو ما ينذر بمأساة لشعب البلاد
الأربعاء 15 أبريل 2026
من المؤكد أن التصريح الأخير لوزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث في ما يتعلق بإيران يضفي على مصطلح الشعبوية معنى جديداً تماماً (أ ب)
ملخص
النظام الإيراني لم يسقط على رغم الحرب، بل ازداد شراسةً في قمعه، مع تصاعد الإعدامات وتعزيز قبضة “الباسيج” بميليشيات أجنبية. وبينما تروّج واشنطن لانتصارها، يرى مراقبون أن طهران تخوض معركة بقاء قد تقرّب نهايتها، في ظل احتقان داخلي متصاعد.
في الوقت الذي كان يعلن فيه “وزير الحرب” الأميركي بنبرة احتفالية اكتمال المهمة في حرب أميركا على إيران التي استمرت 40 يوماً، وجه في الوقت نفسه دعوة سخية الطابع إلى الأشخاص الذين دمرت القنابل منازلهم وسبل عيشهم.
فقد خاطبهم في أول ظهور إعلامي له بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في منطقة الخليج قائلاً: “أود أن أرى الشعب الإيراني يغتنم هذه الفرصة”.
مع ذلك، وعلى رغم محاولة الوزير الأميركي تحريف الواقع ليشير إلى عكس ذلك، فإن النظام الخبيث في طهران لم يسقط – بل ما جرى لم يكن سوى إزالة بضعة الأسماء من رأس الهرم عن طريق اغتيالات موجهة. ويبدو أيضاً أن هذا النظام أصبح الآن أكثر تصميماً وقسوة من أي وقت مضى، في معركته من أجل البقاء.
فعلى مدى الأسابيع الثلاثة الأخيرة، عمد إلى تنفيذ جولة إضافية من الاعتقالات التعسفية والمحاكمات والإعدامات. كما جرى تعزيز قوات شرطة “الباسيج” – وهي ميليشيا ضخمة يرتدي عناصرها ملابس مدنية، وتُعرف بتغلغلها العميق في المجتمع الإيراني لقمع المعارضة – بعناصر من ميليشيات شيعية انتقلت إلى داخل إيران من العراق وباكستان وأفغانستان، وقد صُنف معظمها كجماعات إرهابية من قبل الأمم المتحدة وعواصم غربية.
“الوضع سيّئ للغاية، فالنظام لا يزال مصمماً على محاربة شعبه”، هذا ما قاله لي أحد مستشاري الحكومة البريطانية، الذي تحدث شرط عدم الكشف عن هويته.
في نهاية مارس (آذار) الماضي، جرى تصوير قافلة كبيرة من الشاحنات وسيارات البيك أب التابعة لـ”هيئة الحشد الشعبي”، أثناء عبورها من العراق. وأقامت وحدات تابعة لـ”الحشد الشعبي” – مثل “كتائب حزب الله” – معسكرات لها في مدينتي خرمشهر وعبادان الاستراتيجيتين على ساحل الخليج. وذكر أحد سكان عبادان لموقع “أصوات إيران” Voices of Iran الإلكتروني المعارض، أن تلك العناصر انتشرت في قواعد “الباسيج” و”الحرس الثوري الإيراني”، مضيفاً “لذا نتوقع حدوث مجزرة جديدة في حق الشعب الإيراني”.
وقال شخص آخر من سكان عبادان إن “هذه القوات جاءت لقتل الناس. لم ننسَ بعد أحداث القتل التي وقعت في يناير (كانون الثاني)، عندما استخدمتها الحكومة [الإيرانية] لقتل الناس”.
وتساءل شخص آخر: “لماذا ينبغي على الجمهورية الإسلامية أن تدفع أموالاً لإرهابيي ’الحشد الشعبي‘، بل وأن تؤوي أسرهم وتطعمهم مجاناً؟”.
على رغم اللهجة المتشددة، يبدو أن “الحرس الثوري الإيراني” قد وقع في حال ذعر عندما استدعى ميليشيات شبكة “حزب الله” الشيعية الأوسع نطاقاً. فالقادمون من العراق معظمهم من العرب، ومن الشرق مقاتلون بشتون من أفغانستان وباكستان. ولا يكاد أي منهم يتحدث الفارسية، اللغة الرئيسة في إيران.
ومن المتوقع أن تعزز هذه القوات صفوف “الباسيج” التي يبلغ قوامها نحو 100 ألف عنصر (مع أن النظام يقول إن عددها يقارب 250 ألفاً). وقد أسست هذه القوة عام 1979 على يد المرشد الأعلى الأول آية الله الخميني، وهي أشبه بجيش غير نظامي، يثير الخوف والازدراء في آنٍ معاً على المستوى المحلي.
في العراق، ساعدت قوات “الحشد الشعبي” في البداية حكومة بغداد على مواجهة التهديد المتزايد الذي شكلته الجماعات السنّية المسلحة، خصوصاً بعدما أعلن زعيم تلك الجماعات أبو بكر البغدادي عن قيام تنظيم “داعش” في منطقة الموصل في يونيو (حزيران) عام 2014. إلا أنه مع مرور الوقت، تراجعت صلات “الحشد الشعبي” بالنظام ذات الغالبية الشيعية في بغداد، وعندما اندلعت الحرب التي قامت بها الولايات المتحدة وإسرائيل قبل ستة أسابيع، أعلن “الحشد” دعمه لإيران.
وفي الحادي عشر من مارس (آذار) الماضي، أعلن قياديون في “كتائب حزب الله” أنهم هاجموا 291 قاعدة أميركية -عراقية مشتركة في العراق منذ بداية الحرب. وفي اليوم التالي، نفذت الولايات المتحدة 32 غارة جوية استهدفت قواعد تابعة لـ”الحشد الشعبي” على الأراضي العراقية.
الميليشيات الأفغانية والباكستانية دخلت من الشرق وتولّت مواقع “الباسيج” في نقاط استراتيجية مهمة. وقد سيطر مقاتلون من “لواء زينبيّون” الباكستاني و”لواء فاطميون” الأفغاني على حواجز تفتيش، بعدما وجدوا أنها تُدار من قبل أطفال في الثانية عشرة من العمر جرى تجنيدهم ضمن وحدات “الباسيج”.
أحد سكان طهران قال تعليقاً على وجود مقاتلين أطفال في صفوف “الباسيج”: “هذه هي ورقة النظام الأخيرة. إنها تظهر أنه دخل في مرحلة البقاء على قيد الحياة، ولم يعد يملك أي أوراق أخرى”.
مع ذلك، لم تثنِ الحرب أو الأحداث الخارجية النظام في طهران عن مواصلة إعدام متظاهرين. فقد أقدم على تنفيذ 14 عملية إعدام شنقاً في غضون ثلاثة أسابيع. أما التهم التي وجهت إلى هؤلاء فتفاوتت ما بين إضرام النار في مركز شرطة تابع لـ”الباسيج”، و”محاربة” أو “التمرد على الله”. ومن بين الضحايا كوروش كيواني، الذي كان يحمل الجنسيتين الإيرانية والسويدية، وصالح محمدي بطل المصارعة الوطنية الذي كان في سن المراهقة.
تجدر الإشارة هنا إلى أن النظام الإيراني يمتنع عن الكشف عن أماكن تنفيذ الإعدامات أو العدد الإجمالي للإعدامات التي حصلت فعلاً أو تلك التي قد تحدث قريباً. وقد أكدت وزارة العدل في البلاد للتو أن ما لا يقل عن 9 آلاف لائحة اتهام هي قيد النظر في الوقت الراهن. وكما تعلّق “منظمة العفو الدولية” بتهكم، فإن “إيران هي ثاني أكثر دولة تنفيذاً لأحكام الإعدام بعد الصين”.
على رغم حملة القمع الجديدة – التي يدعمها حلفاء مرتزقة من شبكة “حزب الله”، وربما بسببها – يعتقد كثير من الإيرانيين والمراقبين أن هذه الأيام القاتمة تنذر بنهاية نظام “الجمهورية الإسلامية”. وقد يتحقق ذلك خلال خمسة أشهر أو خمسة أعوام، وفقاً لما يقول البروفسور علي أنصاري من جامعة سانت أندروز. وبرأيه، فإن القتال الذي يخوضه “الحرس الثوري” و”الباسيج” ضد شعبهما معركة محدودة الزمن، ولا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية.
الورقة الوحيدة التي يملكها النظام الإيراني هي إبقاء قبضته على مضيق هرمز عبر قواته المباشرة، وعلى مضيق باب المندب في البحر الأحمر من خلال وكلائه الحوثيين. إنها مهمة صعبة، خصوصاً بالنسبة إلى قوات الحرس الثوري وميليشيات “الباسيج” التابعة له، التي تواجه معارضة مستمرة في داخل البلاد وخارجها على حد سواء.
أما اليقين الوحيد في ما يتصل بآخر تباهٍ أطلقه بيت هيغسيث في شأن إيران، فهو أنه يضفي معنى جديداً تماماً على مصطلح “الشعبوية”. ففي الحال الإيرانية، لم تعنِ الشعبوية تمكين الشعب، بل نقيض ذلك تماماً. فمحنة الإيرانيين لا تزال في أسوأ حالاتها، حتى بعد 40 يوماً من القصف والتفاخر من قبل دونالد ترمب وبنيامين نتنياهو. ووفقاً لأحدث استطلاعات الرأي في أوساط حركة “ماغا”، فإن الحرب لم تُسهم أيضاً في تحسين مزاج الشارع الأميركي.
—————————
مواقف السوريين من الحروب الشرق أوسطية/ رياض معسعس
على غير المتوقع عمت المدن السورية مظاهرات ضخمة تدين قانون الكنيست لدولة الاحتلال بإعدام الأسرى الفلسطينيين، وتحولت الهتافات إلى نصرة غزة وحماس والفلسطينيين.
وهذا الموقف ليس غريبا على السوريين الذين يعتبرون القضية الفلسطينية قضيتهم الأولى منذ بدايات الهجرة اليهودية وتشكيل الميليشيات الإرهابية الصهيونية لقتل وتهجير الفلسطينيين إلى اليوم، ولا يزال اسم الشيخ السوري عز الدين القسام الذي أطلق ثورة 36 يرفع على رايات الحركة الإسلامية “حماس”، وهذه المظاهرات التي انطلقت من شمال سوريا إلى جنوبها كانت محظورة في عهد النظام الأسدي البائد، فخلال سنتين من الحرب الصهيونية الهمجية على غزة لم يجرؤ السوريون بالخروج إلى الشوارع لنصرة غزة كما فعلت معظم الشعوب العربية والعالمية، فالنظام البائد كان يخشى خروج المظاهرات كي لا تنقلب ضده بعد القمع الوحشي بالحديد والنار للمظاهرات التي انطلقت بعد الثورة وتطالب بإسقاطه.
ويتساءل كثيرون لماذا لا يتظاهر السوريون ضد الحرب الهمجية لدولة الاحتلال على لبنان، أو الحرب الصهيو أمريكية على إيران؟ ولماذا يكرهون حزب الله والنظام الإيراني؟ حتى أن بعضهم احتفل يوم اغتيال أمين عام حزب الله حسن نصر الله، وأيضا عندما تم اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وحتى هناك من يفضل سقوط النظام الإيراني، أو بمعنى آخر لم يعد “عدو عدوي صديقي” وهنا تكمن المفارقة الكبيرة بتفضيل انتصار دولة الاحتلال على حزب الله، والهجمة الصهيو أمريكية على إيران، وانكسارها في الحرب على الفلسطينيين. رغم أن قبل اندلاع الثورة السورية كان معظم السوريين يرون في حسن نصر الله قائدا مميزا يقف في وجه دولة الاحتلال، ولم يعادون إيران، بل كانوا يحبذون الموقف الإيراني من القضية الفلسطينية ومعاداة دولة الاحتلال. لكن المواقف اختلفت بعد الثورة السورية وتحديدا في العام 2013 عندما كان النظام السوري البائد يترنح تحت ضربات الجيش السوري الحر وسقوطه كان قاب قوسين أو أدنى، قبل أن يقوم بشار الأسد بالاستنجاد بإيران التي قامت بنجدته سريعا بقوات من حزب الله أولا، ثم بميليشيات شيعية باكستانية وأفغانية وعراقية (فاطميون، زينبيون، أبو فضل العباس، الحشد الشعبي، النجباء.. )، ثم الحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني (الذي قام دونالد ترامب باغتياله في بغداد). هذه الميليشيات دخلت سوريا تحت شعار حماية الأماكن المقدسة (مقام السيدة زينب، ومقام رقية مع أن السوريين كانوا يحافظون على كل المقدسات ويجلونها ولم يتعرض لها أحد منذ واقعة كربلاء ومقتل الحسين). لكن هذا الغطاء الطائفي سرعان ما تبدد عندما بدأت هذه الميليشيات تهاجم الجيش السوري الحر، وتقتل الكثير من المدنيين السوريين، بل قاموا بتدنيس المقدسات، وارتكاب الكثير من الاستفزازات الطائفية “بحق السوريين السنة” من” لطميات” في المسجد الأموي، وفي الشوارع الدمشقية، التهجم وتدنيس قبر معاوية بن أبي سفيان، وشتائم بحق الخلفاء (أبو بكر، وعمر، وعثمان..)، نبش قبر خالد بن الوليد في مسجد حمص… هذه الأفعال أججت الشعور بالكراهية، لكن أحدا لم يكن يجرؤ على التصدي لهذه الاستفزازات خشية القمع الرهيب الذي كان يمارسه النظام.
ولا ينسى السوريون المجازر التي ارتكبت بحقهم من هذه الميليشيات (مجزرة الحولة في العام 2012 قتل فيها 112 سوريا مدنيا بينهم نساء وأطفال ذبحا بالسكاكين والحراب، مجزرة بلدة العتيبة بريف دمشق، حيث نفّذ عناصر حزب الله هذه المجزرة وقتل فيها أكثر من 175 مدنياً كانوا يحاولون مغادرة الغوطة المحاصرة، هذا على سبيل المثال لا الحصر)، وقد عمل حزب الله على احتلال معظم البلدات المحاذية للحدود اللبنانية من القصير شمالا حتى وادي بردى جنوبا ومحاصرة بلدة مضايا وتجويع أهلها، وطرد السكان من أراضيهم ليحل محلهم عناصر الميليشيات، وهذا فيض من غيض.
في حين قام الحرس الثوري الإيراني بالتمركز في أكثر من منطقة سورية وخاصة في دمشق وحلب ومناطق الشيعة (كفر نبل والزهراء وكفريا والفوعة) وبعض القواعد في دير الزور ليتم عبرها نقل الأسلحة لحزب الله، لكن هذا التدخل في الشأن السوري كان خطأ فادحا ومكلفا على إيران وكل الميليشيات الموالية له أيضا، فقد خسر حزب الله لا يقل عن 1700 مقاتل في سوريا، وحوالي 3000 مقاتل من المليشيات الأجنبية ولا يقل عن 1000 مقاتل من الحرس الثوري يضاف إليهم كل الاغتيالات التي قامت بها دولة الاحتلال من خلال القصف المتكرر الذي استهدف ضباطا ودبلوماسيين في سوريا. وللأسف الشديد أن هذا الخطأ الفادح في الرؤية الاستراتيجية لإيران قد أساء لها بقدر ما أساء للسوريين، فمحاولة إنقاذ نظام الأسد المتهالك من ثورة شعبية عارمة ضده لم تكن نظرة صائبة وقد اكتشف حزب الله والحرس الثوري متأخرا أن النظام المخلوع تخلى عنهما وصار يسعى للتخلص من وجودهما في سوريا بعد عمليات القصف الإسرائيلية شبه اليومية لمواقعهما في سوريا، ويضعه في موقف حرج داخليا وعربيا ودوليا. وتبين أيضا بعد تحقيق قام به حزب الله وعناصر من الحرس الثوري على إثر استهداف دولة الاحتلال مبنى للقنصلية الإيرانية في دمشق في 1 نيسان/ أبريل 2024 وأدى إلى مقتل فريق كامل من المسؤولين الإيرانيين الذين عقدوا فيه اجتماعا سريا أن مخابرات النظام البائد كانت تسرب المعلومات لدولة الاحتلال إلى أماكن تواجد الضباط والمسؤولين الإيرانيين (وقد رفض بشار الأسد إجراء أي تحقيق بعد أن طلبت منه إيران القيام به). وسحبت إيران كل ضباطها بعد أن تيقن الإيرانيون أن هذا النظام قد خانهم. وهذا كان سببا أساسيا في تخلى إيران وحزب الله عنه بعد أن خسرت في سوريا أكثر من 50 مليار دولار، الأمر الذي أودى إلى سقوطه المدوي في 8 كانون الأول/ 2024 بتوافق تام أيضا مع روسيا، وفسح المجال أمام تركيا لدعم هيئة تحرير الشام لدخول دمشق بموافقة أمريكية، ومعارضة إسرائيلية التي كانت تجد في النظام البائد أفضل نظام حافظ على أمنها لزهاء نصف قرن، والمخلوع هرب إلى موسكو وليس طهران لأنه يعلم علم اليقين أن الإيرانيين لن يستقبلوه أو إذا استقبلوه سيحاكمونه ويطالبونه باسترداد كل الأموال التي دفعوها لإنقاذ نظامه .
اليوم يتخذ النظام السوري الجديد موقف النأي بالنفس عن التدخل في الهجمة الصهيو أمريكية على لبنان وفلسطين وإيران، وأكده الرئيس أحمد الشرع في زيارته الأخيرة لألمانيا وبريطانيا، لأنه يعطي الأولوية للبناء الداخلي وإعادة الإعمار، ولا يحاول التصدي لكل الاعتداءات التي تقوم بها دولة الاحتلال على الأراضي السورية (آخرها مقتل مدني بقذيفة دبابة إسرائيلية في ريف القنيطرة)، واحتلالها بعض المناطق داخل خط اتفاق فصل القوات الموقع في العام 1974 ويطالب بتدخل المجتمع الدولي لمحاسبة محتل لم يتخل يوما عن احتلال الأراضي السورية والفلسطينية، ولم تنفع معه كل قرارات الأمم المتحدة التي تدينه. ويصرح جهارا نهارا أن مشروعه الأبدي هو ابتلاع كل سوريا ومن حولها لتحقيق حلمه في إنشاء إسرائيل الكبرى، لكن السوريين لهم رأي آخر عبروا عنه في مظاهرات نصرة غزة والأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال.
٭ كاتب سوري
القدس العربي
—————————
مفاوضات لإخضاع إيران وإلا فعودة إلى الحرب؟/ عبد الوهاب بدرخان
نشر في: 15 أبريل ,2026
هدنة أم عودة إلى الحرب؟ انتكاسة للمفاوضات أم فشل نهائي؟ هل إن مهلة الأسبوعين تصلح كهامش زمني لإنقاذها، أم أن دونالد ترمب لن يرى أن الانتظار مجدٍ؟.. دعا وزير الخارجية الباكستاني إلى الحفاظ على الوقف المؤقّت لإطلاق النار، لكن مغادرة نائب الرئيس الأمريكي إسلام آباد كانت مؤشرًا سلبيًا. غير أن جي دي فانس ترك الباب مواربًا بإشارته إلى «مقترح بسيط للغاية، وهو آلية تفاهم تُعدّ عرضنا النهائي والأفضل، وسنرى ما إذا كان الإيرانيون سيقبلونه». ويتعلّق المقترح بالتزام إيران «على المدى البعيد» عدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي. هل يعني ذلك أن «النووي» هو العقدة الرئيسية والوحيدة، وأن 21 ساعة من التفاوض اقتصرت عليها؟ أم أنها «الاختبار» الذي حدّدته واشنطن كمدخل ل «حلّ» العقد الأخرى؟
كانت التوقعات المسبقة قد صنّفت الملف النووي بأنه الأقل صعوبة، بالنظر إلى الحرب ونتائجها. فهناك ما هو أكثر تعقيدًا، كضمانات عدم استئناف الحرب، وعدم السعي إلى «تغيير النظام» أو إلى زعزعته بتحريض الأقليات عليه، ناهيك بالعقوبات وإمكانات رفعها، وغير ذلك من ملفات كلّها صعبة وملحّة… لكن ما حصل أظهر أن النهج التفاوضي للطرفين لم يتبدّل. فأميركا – ترمب لا تفاوض بندّية بل بميزان القوى، ولإثبات ذلك أرسلت سفينتين حربيتين إلى مضيق هرمز مع انطلاق المفاوضات في إسلام آباد من دون التنسيق مع طهران. أما إيران، التي تعرّضت دولةً وجيشًا لأضرار جسيمة لم يُكشف عنها بعد، فلم يكن متوقعًا أن تعترف بأن الحرب أضعفتها، لكنها أرادت بشروطها التفاوضية إظهار أنها لا تزال تملك عناصر قوة ونفوذ ينبغي أن يُعاملها الطرف الآخر على أساسها.
لم يوافق ترمب على وقف إطلاق النار لأنه اقتنع بالنقاط التي أرسلتها طهران، وإنما لأنه التقط فرصةً كان يبحث عنها لوقف الحرب ثم لإنهائها، ولاستكمال أهدافه بالتفاوض. لم يهتمّ كثيرًا بما في الرسائل، بل بما يستطيع تحقيقه أو انتزاعه بالتحدّي. كان إغلاق مضيق هرمز الورقة الأقوى في يد المفاوض الإيراني، وكان التهديد بقصف منشآت الطاقة ومحطاتها، وب «محو الحضارة الفارسية»، مقدّمةً لعملية اختراق أمريكي للمضيق وفتحه بالقوّة. لكن النتائج المتوقعة لم تكن لتوحي بالثقة والأمان للدول والشركات كي تحرّك السفن التجارية وناقلات النفط والغاز.
تلقّف ترمب استعداد إيران لفتح المضيق بالترحيب، وهي قالت إنها مصمّمة على فرض رسوم للعبور (ربما مقابل التخلّي عن شرط التعويضات)، حتى إنه تحدث عن مشروع «مشترك» معها لتأمين الملاحة. لم يكن جادًا، بل أراد تمرير الهدنة، لكنه مع بدء التفاوض وضع الإيرانيين أمام الأمر الواقع: إما القبول بمهمة إزالة الألغام التي بدأتها السفينتان، أو تتوقف المفاوضات، ما يعني احتمال العودة إلى الحرب. كان فريق التفاوض الإيراني قد خطط لانتزاع اعتراف بسيطرة إيرانية دائمة على المضيق، فإذا به يفاجأ بأن «ورقة هرمز» تهتزّ بين يديه.
أما النقطة الأخرى التي حاولت إيران فرضها، وهي وقف الهجمات على وكلائها، بدءًا ب «حزبها» في لبنان، فلم يرفضها ترمب، ما أتاح لرئيس وزراء باكستان شهباز شريف أن يؤكد «شمول» لبنان باتفاق وقف إطلاق النار. غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، المنزعج أصلًا من وجود وسطاء إقليميين يصغي ترمب إليهم، عمد إلى إطلاق النار على ذلك الاتفاق، محاولًا قتله في مهده، فدفع بجيشه في حملة وحشية حصدت مئات القتلى والجرحى من المدنيين اللبنانيين.
كادت المجازر أن تهدد مفاوضات إسلام آباد، إذ اعتبرت طهران أن ترمب تنصّل «مما وافق عليه»، وأكد دعمه لإسرائيل طالما أنها تحارب «حزب إيران» اللبناني، لكنه طلب لاحقًا من بنيامين نتنياهو تقليص الهجمات، ثم حسم الرجلان موافقتهما على «مفاوضات مباشرة» كان الرئيس اللبناني جوزف عون قد اقترحها، قبل أن يعاود «حزب إيران» إشعال جبهة جنوب لبنان، لكن إسرائيل رفضتها آنذاك، وواشنطن لم تتحمس لها. وتعني العودة إلى هذه المفاوضات أن إيران فقدت عمليًا إمكان التفاوض على «ورقة لبنان»، أو طرح مساومة لتمكين «الحزب» من الاحتفاظ بسلاحه.
عمليًا، وجد الفريق الإيراني نفسه، مجددًا، أمام الشروط الأمريكية المعروفة التي سبق لطهران أن اعتبرتها «شروط استسلام»، سواء بالنسبة إلى برنامجيها النووي والصاروخي، أو إلى العلاقة مع «أذرعها». ثمة صيغ كانت متداولة للقيود التي سيتضمنها أي اتفاق نووي جديد، من تسليم كمية اليورانيوم عالي التخصيب إلى وقف نهائي للتخصيب، أو بنسبة متدنية للأغراض المدنية، ورقابة صارمة ومتواصلة على مختلف الأنشطة، لكنها لم تُناقش، على ما يبدو… أما القدرات الصاروخية التي يُنظر إليها على أنها بخطورة السلاح النووي، فإن القاعدة الرئيسية للحدّ منها هي تقليص مداها «لئلا تهدّد إسرائيل» أو تُطوّر لتصبح خطرًا عابرًا للقارات.
*نقلاً عن “الوطن”.
—————————————-
خياران لحصار «هرمز»… تنازل وصفقة أو حرب جديدة/ إيلي يوسف
خبراء لـ«الشرق الأوسط»: إيران لا تظهر استعداداً للتخلي عن التخصيب
14 أبريل 2026 م
لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كانت واشنطن وطهران ستعودان إلى التفاوض، بل أي تفاوض هذا الذي يمكن أن يصمد تحت حصار بحري وتهديدات عسكرية متبادلة؟
فإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بدء حصار يستهدف حركة السفن المرتبطة بالموانئ الإيرانية، بالتوازي مع حديث عن جولة ثانية محتملة من المحادثات خلال أيام، يكشف عن أن الإدارة الأميركية لا تتحرك على مسار دبلوماسي خالص، بل على مسار مزدوج: إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، مع رفع كلفة الرفض الإيراني إلى أقصى حد.
لكن هذا النهج لا يضمن اختراقاً سريعاً، بقدر ما ينقل الصراع إلى ساحة جديدة عنوانها اختبار القدرة على الاحتمال السياسي والاقتصادي، في واشنطن كما في طهران.
وتشي تفاصيل العرض الأميركي الأخير، والرد الإيراني عليه، إلى أن فجوة الخلاف ما زالت عميقة، حتى لو بدت اللغة العلنية أقل انسداداً مما كانت عليه في ذروة الحرب.
تفاوض دون اختراق
المؤشرات المتاحة حتى الآن تدعم فرضية أن جولة ثانية من التفاوض ممكنة، لكنها لا تدعم بعد فرضية قرب التوصل إلى اتفاق. فوكالتا «رويترز» و«أسوشييتد برس» أشارتا إلى اتصالات قائمة لترتيب جولة جديدة بعد محادثات إسلام آباد، فيما قال جي دي فانس إن واشنطن حققت «تقدماً كبيراً» لكن الكرة الآن في ملعب طهران.
غير أن جوهر الخلاف لم يتغير: الولايات المتحدة طرحت تعليقاً للنشاط النووي الإيراني لمدة 20 عاماً، بينما تمسكت إيران بعرض أقل كثيراً، تراوح في التسريبات بين خمس سنوات وأقل من عشر، مع رفض إخراج مخزون اليورانيوم عالي التخصيب من البلاد.
هذه ليست فجوة تقنية فقط، بل فجوة سياسية وسيادية: واشنطن تريد صيغة تمنع إعادة إنتاج أزمة لطالما هاجمها ترمب في اتفاق 2015، فيما تسعى طهران إلى تجنب أي تنازل يبدو استسلاماً دائماً لشروط الحرب.
لهذا، يبدو الحديث عن «صفقة قريبة» مبالغاً فيه. ما يجري أقرب إلى تفاوض تحت الإكراه، لا إلى تفاوض ناضج عن تسوية مكتملة. وتكفي قراءة التسريبات عن العُقد الأخرى؛ من إعادة فتح مضيق هرمز إلى مصير اليورانيوم المخصب والدعم الإيراني للفصائل الإقليمية، لفهم أن النووي ليس سوى العقدة المركزية داخل حزمة أوسع بكثير من الشروط المتشابكة. لهذا أيضاً، قد تكون المحادثات المقبلة استمراراً لشراء الوقت أكثر من كونها جسراً سريعاً إلى اتفاق نهائي، خصوصاً أن كل طرف يعتقد أن بإمكانه تحسين شروطه قبل التوقيع.
الحصار أداة تفاوض
ترمب يتصرف هنا على أساس أن الحصار البحري يمكن أن يحقق ما لم تحققه الضربات وحدها: خنق شريان الإيرادات النفطية، وإظهار أن كلفة التعنت الإيراني لن تقتصر على الخسائر العسكرية، بل ستصل إلى قلب الاقتصاد والدولة.
وقد ربط البيت الأبيض صراحة بين «فاعلية» الحصار وزيادة «يأس» الإيرانيين من أجل إبرام اتفاق، بينما ذهب ترمب إلى حد التهديد بتدمير أي زوارق إيرانية سريعة تقترب من خط الحصار.
لكن هذا التصعيد يكشف في الوقت نفسه عن أن واشنطن لا تزال غير واثقة من أن إيران ستستجيب سريعاً للضغط، ولذلك تحاول رفع منسوب الردع الميداني مع إبقاء قناة التفاوض مفتوحة.
في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، يقول فرزين نديمي، كبير الباحثين في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إن مشاركة الإيرانيين والأميركيين في جولة أخرى «مرجحة»، لكن بلوغ اتفاق «لا يبدو مرجحاً جداً الآن»، مضيفاً أنه يرى «عملية لوجيستية عسكرية أميركية غير مسبوقة» لنقل مزيد من الأصول العسكرية إلى الشرق الأوسط، قد تشمل «مكوناً برياً» في حال استئناف العمليات ضد النظام الإيراني.
أهمية هذا التقدير لا تكمن فقط في تشاؤمه التفاوضي، بل في أنه يربط بين استمرار الدبلوماسية وتراكم الاستعدادات العسكرية؛ أي أن التفاوض هنا ليس بديلاً عن القوة، بل غطاء لإمكان العودة إليها على نحو أوسع.
هذا هو جوهر المعادلة الحالية: الحصار ليس نهاية الحرب، بل طريقة لتغيير شكلها؛ فبدلاً من القصف اليومي المكثف، تنتقل المواجهة إلى حرب خنق اقتصادي واختبار إرادة، مع بقاء احتمال الانزلاق مجدداً إلى القتال المباشر قائماً في أي لحظة، بحسب نديمي.
النفط مقابل السياسة
المسار الحالي يقوم على رهانين متقابلين؛ واشنطن تراهن على أن خنق النفط الإيراني سيُرغم طهران على التراجع. أما إيران فتراهن على أن ترمب نفسه لن يتحمل الكلفة السياسية المترتبة على إطالة هذا المسار. فكلما طال أمد الحصار، زاد خطر ارتفاع أسعار النفط والطاقة، وتضخم الأثر على الأسواق والمستهلك الأميركي، خصوصاً مع حساسية هذا الملف في الداخل الأميركي. لذلك، لا تنظر طهران إلى المواجهة الحالية فقط بوصفها اختباراً عسكرياً أو دبلوماسياً، بل أيضاً بوصفها اختباراً لقدرة الرئيس الأميركي على تحمّل الألم الاقتصادي والسياسي.
وهذا بالضبط ما يشرحه أليكس فاتنكا، الباحث في معهد الشرق الأوسط، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»؛ فهو يرى أن الحصار «من غير المرجح أن ينتج اختراقاً سريعاً»، لكنه سيُبقي الدبلوماسية حية تحت ضغط أكبر. فإيران، بحسب تقديره، لا تبتعد عن المحادثات، وتوجد إشارات إلى استمرار الانخراط غير المباشر وربما جولات جديدة قريباً، لكنها في الوقت نفسه غير مستعدة للتنازل في القضايا الجوهرية: التخصيب، وتخفيف العقوبات، والضمانات.
لذلك، فإن الحصار، في رأيه، لا يحل النزاع بل «يُقسيه»، وينقل الصراع إلى اختبار للتحمل الاقتصادي والسياسي. واشنطن تراهن على الضغط على النفط الإيراني، بينما تراهن طهران على قدرتها على رفع الكلفة على الولايات المتحدة، عبر أسواق الطاقة وأوراقها الإقليمية، بسرعة أكبر مما يستطيع البيت الأبيض تحمله سياسياً. النتيجة، بحسب فاتنكا، ليست صفقة قريبة، بل مساومة طويلة وهشة تتقدم فيها الدبلوماسية والتصعيد معاً.
أخطار المسار الحالي
أخطر ما في هذا المسار أنه لا يقف عند حدود الضغط التفاوضي؛ فإذا لم ينتج الحصار تنازلاً إيرانياً فقد يتحول إلى منصة لتوسيع الصراع. نديمي يحذر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، من مجموعة أخطار واضحة: استمرار «المستنقع» في مضيق هرمز والخليج، واحتمال استئناف القتال على بعض الجبهات أو جميعها، ثم العودة إلى الحرب مع استهداف أكثر حزماً للبنية التحتية الاقتصادية في المنطقة، فضلاً عن خطر تمدد الأزمة إلى باب المندب، سواء عبر الألغام أو أدوات غير مباشرة لا تستلزم تورطاً معلناً.
هذه القراءة تعني أن فشل التفاوض في ظل الحصار لن يعيد الوضع فقط إلى ما كان عليه قبل المحادثات، بل قد يفتح مرحلة أكثر خطورة على الممرات المائية وأسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.
كما أن خطر سوء الحساب يبقى مرتفعاً للغاية؛ فالمفاوضات قد تستمر شكلياً، فيما التوتر العسكري يتصاعد ميدانياً، وهو ما يجعل أي حادث بحري، أو أي اعتراض لسفينة، أو أي محاولة إيرانية لاختبار حدود الحصار، شرارة محتملة لتوسيع المواجهة. وإضافة إلى ذلك، فإن بقاء الملفات الأخرى معلقة؛ من حرية الملاحة إلى مخزون اليورانيوم والعقوبات والدعم الإقليمي للفصائل المسلحة، يعني أن أي تقدم جزئي سيبقى هشاً وقابلاً للانهيار السريع.
في المحصلة، يبدو الأرجح أن إيران ستعود إلى طاولة التفاوض، لكن ليس لأن الحصار حسم أمرها، بل لأنها تريد تجنب الأسوأ، وكسب الوقت، ومحاولة إدارة التصعيد بشروط أقل كلفة. وفي المقابل، يبدو الأرجح أيضاً أن ترمب لن يحصل سريعاً على «الصفقة الكاملة» التي يريدها. ما نحن أمامه إذن ليس اختراقاً حاسماً، بل مرحلة جديدة من عضّ الأصابع: واشنطن تضغط على شريان النفط، وطهران تضغط على أعصاب السياسة والأسواق. وبينهما تبقى الدبلوماسية ممكنة، لكنها شديدة الهشاشة، تسير هذه المرة فوق مياه مضيق هرمز الملتهبة لا فوق أرض تفاهم صلبة.
————————————–
من التصعيد العسكري إلى الحصار البحري.. تحول أميركي استراتيجي يضع إيران أمام منعطف حرج/ أغيد أبو زايد
أبريل 15, 2026
بعد فشل المسار الدبلوماسي بين واشنطن وطهران في إسلام آباد، انتقلت إيران من حالة التصعيد العسكري إلى مرحلة الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، ما يشير إلى نية الولايات المتحدة ضرب شريان الاقتصاد الإيراني الذي يعتمد بشكل أساسي على تصدير نحو مليوني برميل نفط يوميا، إلى جانب سلع صناعية وزراعية أخرى.
حيث بدأت القوات البحرية الأميركية فرض حصار على كل السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية أو المغادرة منها، اعتبارا من الساعة العاشرة صباحا بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بموجب توجيهات القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حصار مضيق هرمز، بينما تعمل دول أخرى على منع إيران من بيع النفط.
ويمثل القرار الأميركي تحولا في قواعد الاشتباك الاقتصادي والجيوسياسي في المنطقة، بينما ترغب واشنطن في الضغط على النظام الإيراني للعودة إلى طاولة المفاوضات والقبول بالشروط الأميركية، خاصة فيما يتعلق بعدم امتلاك طهران اليورانيوم المخصب ووقف تمويل وكلائها في الإقليم، ما يعني إنهاء الدور الإيراني في الشرق الأوسط، وهذا ما ترفضه طهران، ويبقيها أمام حرب استنزاف مفتوحة.
فشل المحادثات
بعد 21 ساعة من المفاوضات المباشرة والتاريخية بين وفدي الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد، غادر الوفدان باكستان دون التوصل إلى اتفاق ينهي حالة التصعيد، بينما كان العالم يترقب انفراجة عقب عمليات عسكرية استمرت نحو 40 يوما، وأدت إلى نتائج سلبية في أسواق النفط نتيجة توقف الصادرات الخليجية عبر مضيق هرمز.
إذ إن انتهاء المفاوضات المباشرة دون اتفاق كان متوقعا في ظل الشروط الأميركية الصارمة، لكن إيران ذهبت إلى المسار الدبلوماسي بغية كسب الوقت لإعادة ترتيب صفوفها الداخلية بعد الضربات العسكرية الموجعة ومقتل عشرات القادة.
وقال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إن “الحقيقة البسيطة هي أننا بحاجة إلى رؤية التزام مؤكد بأنهم لن يسعوا إلى الحصول على سلاح نووي، ولن يسعوا إلى الحصول على الأدوات التي تمكنهم من تطوير سلاح نووي بسرعة، وهذا هو الهدف الأساسي لرئيس الولايات المتحدة، وهذا ما حاولنا تحقيقه من خلال هذه المفاوضات”.
وأضاف فانس، الذي قاد وفد بلاده في المحادثات، للصحفيين عقب اختتام المحادثات في إسلام آباد، إن “الخبر السيئ هو أننا لم نتوصل إلى اتفاق. وأعتقد أن هذا خبر سيئ لإيران أكثر بكثير مما هو خبر سيئ للولايات المتحدة. لذلك نعود إلى أميركا دون التوصل إلى اتفاق”.
ووفق المسؤول الأميركي، فإن الولايات المتحدة لم تر “التزاما جوهريا” من جانب الإيرانيين بعدم تطوير سلاح نووي على المدى الطويل. وأضاف: “أعتقد أننا كنا مرنين للغاية، وكنا متعاونين للغاية. لقد أبلغنا الرئيس أنه يجب علينا القدوم إلى هنا بحسن نية وبذل قصارى جهدنا للتوصل إلى اتفاق”.
وعلى الجانب الآخر، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي كان يترأس وفد بلاده في المحادثات، في بيان بعد ساعات على انتهاء المحادثات في باكستان: “زملائي في الوفد الإيراني طرحوا مبادرات بناءة، لكن في نهاية المطاف لم يكن الطرف الآخر قادرا على كسب ثقة الوفد الإيراني في هذه الجولة من التفاوض”.
جولة مفاوضات ثانية
رغم القرار الأميركي بفرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية وشل اقتصاد طهران، إلا أن ذلك لا يعني نهاية المطاف وإغلاق ملف المحادثات مع النظام الإيراني، الذي ما يزال يتمسك بامتلاك اليورانيوم المخصب ويلجأ إلى التصعيد، معتبرا نفسه ما يزال في موقف قوة، بينما الحقيقة أن طهران غير قادرة على الصمود إذا واصلت الولايات المتحدة الحصار البحري.
إلى جانب ذلك، فإن العمليات العسكرية يمكن أن تستأنف في وقت لاحق إذا لم يجبر الحصار البحري الأميركي إيران على تغيير مسارها، إذ يريد ترامب منع إيران من استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط في المحادثات، وفق ما نقل موقع “أكسيوس” الأميركي عن مصادر لم يسمها، مشيرا إلى أن الأهداف الإيرانية التي قد تهاجمها الولايات المتحدة قد تشمل بنى تحتية هددت باستهدافها سابقا.
وبحسب المصدر ذاته، سيواصل الوسطاء المحادثات مع واشنطن وطهران لسد الفجوات والتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، ما يعني أن فرض الحصار يأتي بهدف تطبيق المزيد من الضغوط على النظام الإيراني للرضوخ للشروط الأميركية، في حين أن طبيعة النظام الإيراني لا تشير إلى ذلك، ولن تتنازل عن طموحاتها النووية.
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأحد الماضي إن الطموحات النووية لطهران كانت السبب الرئيسي في فشل المحادثات، مضيفا أنه “تم الاتفاق على معظم النقاط، لكن النقطة الوحيدة المهمة حقا، وهي الملف النووي، لم يتم الاتفاق عليها”. وأضاف عبر منصته “تروث سوشال” أن معظم قادة إيران، بمن فيهم المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، قتلوا نتيجة طموحهم النووي.
وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن جولة ثانية من المحادثات بين واشنطن وطهران قد تعقد خلال أيام، رغم عدم التوصل إلى اتفاق خلال الجولة التي استضافتها باكستان نهاية الأسبوع الفائت بشأن وقف إطلاق النار. ونقلت الصحيفة عن مصادر مطلعة أنه على الرغم من التصريحات المتشددة الصادرة عن الجانبين الإيراني والأميركي، فإن باب الدبلوماسية ما يزال مفتوحا، بينما تسارع دول في المنطقة إلى إعادة الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع مزيد من التصعيد الإقليمي.
المفاوضات.. خطوة إجرائية
على إثر فشل المفاوضات، أعلن ترامب حصار مضيق هرمز الذي بدأ اعتبارا من يوم أمس الاثنين، مشيرا إلى أن دولا أخرى تعمل على منع إيران من بيع النفط، بينما سيتم تصحيح الوضع الحالي في المضيق في القريب العاجل، وأنه لا يهتم بعودة إيران إلى المفاوضات من عدمها، في إشارة إلى أن الولايات المتحدة كانت ترجح عدم التوصل إلى اتفاق مع إيران، لكنها ذهبت إلى إسلام آباد لإرساء الشرعية الدبلوماسية لاتخاذ إجراءات أوسع ضد طهران من خلال تطبيق الحصار البحري، إضافة إلى معرفة ما إذا كانت القيادة الإيرانية مستعدة لتقديم تنازلات، أم أنها ستتمسك بتخصيب اليورانيوم والتحكم بمضيق هرمز.
فبينما كانت المحادثات جارية في إسلام آباد، كانت البحرية الأميركية في الخليج العربي وبحر العرب تواصل إتمام تموضع السفن الحربية اللازمة لبدء الحصار البحري، لكن التنفيذ الفعلي كان بغطاء سياسي نتيجة تعثر المفاوضات وعدم تقديم وفد طهران لتنازلات، لكنه قدم تبريرا لمرحلة جديدة من التصعيد الاقتصادي والعسكري.
وأعلنت القوات البحرية الأميركية، بموجب توجيهات القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم”، فرض حصار على كل السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية أو المغادرة منها، اعتبارا من الساعة العاشرة صباحا بتوقيت شرق الولايات المتحدة، موضحة أن الحصار سيطبق على “جميع السفن البحرية الداخلة أو المغادرة للموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية، بما في ذلك كافة الموانئ الإيرانية على الخليج العربي وبحر عمان”.
وفي منشور عقب دخول الحصار حيز التنفيذ، كتب ترامب: “البحرية الإيرانية ترقد في قاع البحر، وقد دمرت بالكامل 158 سفينة. وما لم نستهدفه هو عدد قليل من سفنهم، التي يسمونها سفن الهجوم السريع، لأننا لم نعتبرها تهديدا كبيرا”.
وكشفت تقديرات اقتصادية حديثة أن الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة على مضيق هرمز، بدءا من يوم الاثنين 13 نيسان 2026، قد يكبد إيران خسائر يومية تقدر بنحو 435 مليون دولار، في ضربة قاسية لاقتصاد طهران الذي يعتمد بشكل كبير على حركة الملاحة في هذا الممر المائي الحيوي.
وبحسب تحليلات لخبراء عقوبات أميركيين سابقين، تتوزع هذه الخسارة بين 276 مليون دولار يوميا جراء توقف الصادرات، النفط والبتروكيماويات والسلع الأخرى، وحوالي 159 مليون دولار إضافية نتيجة تعطل الواردات وتداعياتها على السوق المحلية.
وتأتي هذه الإجراءات بعد انهيار محادثات السلام في إسلام آباد، حيث أعلن الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” أن البحرية الأميركية ستبدأ “بعملية حصار لأي وجميع السفن التي تحاول دخول أو مغادرة مضيق “هرمز””.
ويمر أكثر من 90 بالمئة من تجارة إيران السنوية، البالغة قيمتها حوالي 110 مليارات دولار، عبر مياه الخليج، ويعتبر النفط والغاز المصدر الرئيسي لإيرادات الحكومة، حيث يشكلان حوالي 80 بالمئة من عائدات التصدير ونحو 23.7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وتشير التقديرات إلى أن إيرادات الطاقة الإيرانية قد تصل إلى 78 مليار دولار سنويا في الظروف الطبيعية، لكن الحصار الأميركي يهدد بتجفيف هذا المصدر الحيوي بالكامل.
وأشار المحللون إلى أن المخزون الإيراني من النفط قد يمتلئ خلال نحو 13 يوما فقط بسبب محدودية سعة التخزين، مما قد يجبر طهران على إغلاق آبار النفط والمخاطرة بأضرار طويلة الأمد في الحقول النفطية.
ولا يقتصر تأثير الحصار على الجانب المالي فقط، بل يمتد ليشمل تداعيات إنسانية خطيرة، حيث يحذر الخبراء من أن توقف الواردات سيفاقم أزمة الغذاء في إيران، ويدفع الأسعار إلى الارتفاع، ويسرع من انهيار العملة المحلية، الريال، الذي يعاني أصلا من تدهور حاد.
ويعتبر الحصار البحري أداة عسكرية واقتصادية استراتيجية تستخدم لتقييد الوصول البحري إلى سواحل دولة أو منطقة، بهدف قطع مصادر الدخل والإمدادات الأساسية للخصم. ويتم ذلك عبر نشر قوة عسكرية مركزة تشمل عادة حاملات طائرات ومدمرات مزودة بصواريخ وسفن إنزال، لمراقبة واعتراض جميع السفن الداخلة إلى المنطقة أو الخارجة منها، بحسب موقع “ويندوورد” (Windward).
ووفق ما يظهر في التصعيدات الجيوسياسية الأخيرة، يمكن للحصار البحري الشامل أن يجمد صادرات النفط لدولة ما، ما يشل ميزانيتها ويدفع نحو تغيير سياسي. وتعد الحصارات الحديثة عمليات استخباراتية متكاملة، إذ يعتمد تنفيذها على اعتراض السفن لمنع تدفق سلع محددة مثل النفط الخاضع للعقوبات أو المخدرات غير المشروعة.
إذ يحمل القرار الأميركي بفرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية كلفة كبيرة وفورية على الاقتصاد الإيراني، ما يفاقم الضغوط على الإيرادات، في حين أن طهران تعاني في الأساس من أزمة اقتصادية أدت إلى حراك شعبي قبل أشهر. وتعتمد إيران بشكل مفرط على عائدات النفط، التي ستتوقف مع تطبيق الحصار.
ولا تتوقف آثار الحرب على إيران فقط، حيث تمتد إلى دول العالم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد خلال الأسابيع الستة للحرب الإيرانية، حيث أدى إغلاق إيران لمضيق هرمز إلى انقطاع إمدادات النفط والغاز عن الاقتصاد العالمي.
وحذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من انزلاق أكثر من 32 مليون شخص حول العالم إلى براثن الفقر جراء التداعيات الاقتصادية للحرب الإيرانية، ومن المتوقع أن تكون الدول النامية الأكثر تضررا.
أخيرا، فإن طهران أمام مفترق طرق، إما أن تقدم تنازلات كبرى وتتخلى عن طموحاتها النووية، أو تقف في مواجهة ضغوط اقتصادية يمكن أن تؤدي إلى انفجار شعبي، إلى جانب بقائها في حالة عدم استقرار نتيجة استمرار الضربات الجوية بين الحين والآخر، أي إنها ستدخل في حرب استنزاف طويلة الأمد.
الثورة السورية
—————————
حرب إيران بين أرباح “الأسلحة الفاخرة” وقلق مخزون صواريخ الدفاع الأمريكي/ عبد الحليم حفينة
تقف وراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية مصالح اقتصادية ضخمة تقودها شركات السلاح المنتجة لكافة مكونات باترويت وثاد ومنظوماتها الدفاع.
2026-04-15
وسط الحرب الأخيرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 6 مارس 2026 رؤساء كبرى شركات السلاح الأمريكية في البيت الأبيض. وكان من بين هذه الشركات “آر تي إكس كوربريشن” (ريثيون سابقاً) و”لوكهيد مارتن” و”بوينغ” و”نورثروب غرومان” و”بي إيه إي سيستمز” و”إل 3 هاريس تكنولوجيز” و”هانيويلر”. بعد الاجتماع أعلن ترامب في منشور على منصته “تروث سوشال” أنهم خرجوا من الاجتماع بتعهّد جماعي: “مضاعفة الإنتاج أربع مرات” لفئة ما وصفه “الأسلحة الفاخرة”. يعني صواريخ الدفاع الجوي “باتريوت” و”ثاد” والصواريخ الجوالة مثل “توماهوك”، والمنظومات الجوية والبحرية التي تُستخدم في قصف إيران وحماية القواعد الأمريكية في المنطقة.
كذلك كشف ترامب أن خطط التوسعة بدأت قبل الاجتماع بنحو ثلاثة أشهر، وأن ولايات أمريكية عدة تتنافس على استضافة المصانع الجديدة، بما يفتح أمام هذه الشركات آفاق أرباح مستقبلية هائلة.
انتعشت أسهم غالبية شركات السلاح الأمريكية في سوق الأسهم “وول ستريت” خلال الحرب مع إيران. ودعمت معركة اعتراض الصواريخ والمسيرات الإيرانية في الشرق الأوسط باستخدام منظومات دفاعٍ جوي متنوعة سوقاً صناعية وعسكرية كاملة تدور فيها مليارات الدولارات بما يمكن تسميته “اقتصاد الاعتراض”. فكل صاروخ يُطلق لاعتراض تهديد جوي لا يستهلك مخزوناً عسكرياً وحسب، بل يُفعّل أيضاً سلسلة إنتاج تمتد من الرادارات ومنظومات القيادة والسيطرة إلى صواريخ الاعتراض نفسها وما يرتبط بها من عقود صيانة وتحديث وتوسعة. ومع تعمق الاستنزاف في وسائل الدفاع الجوي، يزداد الطلب عليها وتتوسع عجلة الإنتاج وأرباحها. وكذا يُفتح الباب أمام أساليب تفكير جديدة في سُبل اعتراض أنجع وأسرع انتاجاً وأقل تكلفة، مع بقاء المكسب الاقتصادي دافعاً محورياً.
في مارس 1983 ظهر الرئيس الأمريكي الأسبق، رونالد ريغان، على شاشة التلفزيون من المكتب البيضاوي، بربطة عنق داكنة ونبرة واثقة مألوفة في خطابات الحرب الباردة. وما قاله تلك الليلة كان أبعد من خطاب تعبئة تقليدي. فبعد استعراض خطر الترسانة السوفييتية ومنطق “الردع النووي”، توقّف لحظة وسأل الأمريكيين: “أليس من الأفضل أن ننقذ الأرواح بدلاً من أن نثأر لها؟”.
بهذا طرح ريغان رؤيته لمشروع دفاعي واسع، يهدف إلى تطوير أنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات قادرة على اعتراض الصواريخ الباليستية السوفييتية قبل أن تبلغ الأراضي الأمريكية أو أراضي الحلفاء. وهو ما أسفر عما عرف لاحقا باسم “مبادرة الدفاع الاستراتيجي”، المشروع الأمريكي الذي وصفه الإعلام آنذاك بمصطلح “حرب النجوم”، وهو اسم سلسلة أفلام خيال علمي أمريكية. وقد مثّل هذا المشروع مرحلة جديدة في سباق التسلح وفتحَ مساراً جديداً لاستثمار حكومي طويل الأمد لدعم برامج الدفاع الصاروخي مالياً وتقنياً، أثمر لاحقاً منظومات مثل باتريوت وثاد المنتشرة اليوم في دول كثيرة، منها ألمانيا وبولندا وكوريا الجنوبية وتايوان ودول الخليج وإسرائيل.
وعلى ما بدا عليه من أهمية، لم يأتِ خطاب ريغان تصوراً جديداً ضمن سباق التسلح أثناء الحرب الباردة. فالجيش الأمريكي كان قد بدأ في منتصف الستينيات مشروع دفاع جوي طورته شركة “ريثيون”، أطلق عليه آدز‑سفِنتي (اختصاراً لمصطلح “منظومة الجيش للدفاع الجوي”). تحول لاحقاً إلى برنامج “سام‑دي” بإدارة مركز الصواريخ في قاعدة ريدستون بولاية ألاباما جنوب شرق الولايات المتحدة. وكان هدفه محاولة تطوير نظامٍ قادرٍ على حماية القوات والمنشآت من الطائرات المقاتلة المتقدمة، ومختلف التهديدات الجوية التي كان متوقعاً ظهورها في السبعينيات والثمانينيات.
اختيرت شركة ريثيون منفذاً رئيساً لهذا المشروع سنة 1967، ليدخل البرنامج بعد ذلك مرحلة تطوير طويلة شهدت أول إطلاق تجريبي لصاروخ سام-دي سنة 1969. تبع ذلك سلسلة من الاختبارات في ميدان وايت ساندز، وهي منطقة شاسعة مخصصة لاختبار الصواريخ والأسلحة والتقنيات العسكرية في ولاية نيو مكسيكو، أظهرت قدرة النظام على تتبع أكثر من هدف والعمل في بيئة تشويش إلكتروني. وقد ظل “سام-دي” في تلك المرحلة مشروعاً للدفاع الجوي الميداني، لا لبناء درع صاروخي استراتيجي واسع لاعتراض الصواريخ الباليستية العابرة القارات. أي أن المشروع كان يتحرك حتى منتصف السبعينيات داخل منطق الدفاع، لا ضمن الرؤية الأشمل التي طرحها رونالد ريغان لاحقاً.
ثم في يناير 1976، بعد سلسلة اختبارات ناجحة على مفهوم التوجيه عبر الصاروخ، أعاد البنتاغون إطلاق المشروع في مسار تطوير كامل، ومنحه اسماً جديداً هو “باتريوت” (وطني). قد حمل الاسم دلالة سياسية ورمزية، إذ أرادت الإدارة الأمريكية تقديمه نظاماً دفاعياً حديثاً لحماية القوات الأمريكية وحلفائها في أجواء الحرب الباردة. وبذلك كان الأساس التقني لباتريوت قد بدأ يتشكل قبل سنوات من خطاب ريغان، وإن منح ريغان برامجَ الدفاع الصاروخي الأمريكية زخماً سياسياً وتمويلاً أوسع.
في أكتوبر 1980 حصل البرنامج على عقد إنتاج محدود، ثم تسلم الجيش الأمريكي أول صاروخ باتريوت في ديسمبر 1981، قبل أن يفعّل أول كتيبة تشغيلية في مايو 1982. وبعد اجتياز اختبارات تشغيلية مهمة في 1984، أوصى الجيش الأمريكي بنشر المنظومة في أوروبا. بعدها بنحو عام، أصبحت أول كتيبة باتريوت أمريكية في أوروبا، تحت قيادة الدفاع الجوي الثاني والثلاثين في ألمانيا، جاهزة للعمل بعد تقييم الناتو. وفي الوقت نفسه، كانت تحديثات “باك-1″ و”باك-2” لباتريوت قيد التطوير لتوسيع مهام المنظومة، بحيث لا تبقى مقتصرة على الدفاع ضد الطائرات، بل تتجه تدريجياً نحو أداء دور أكبر في مواجهة التهديد الصاروخي. وهو المسار الذي بلغ ذروته مع نهاية الحرب الباردة نهاية الثمانينيات وبعدها، حين تحولت باتريوت من منظومة دفاع جوي تقليدية إلى أحد أعمدة الدفاع الصاروخي الأمريكي.
ومع غزو العراق الكويتَ صيف 1990، تحولت السعودية إلى قاعدة رئيسة لحشد القوات الأمريكية استعداداً لتحرير الكويت، فيما تصاعدت المخاوف من استخدام صواريخ سكود العراقية ضد القواعد والتجمعات العسكرية والمدن الخليجية. لذا نُقلت منظومة باتريوت على عجل إلى منطقة الخليج بعد دخول تحديثاتها الجديدة الخدمة. وبعد أشهر قليلة، تحديداً في 18 يناير 1991، اعترضت المنظومة صاروخ سكود عراقي فوق السعودية، في سابقة قدمها الجيش الأمريكي أول نجاح لنظام دفاع جوي ضد صاروخ باليستي معادٍ.
غير أن المنظومة واجهت اختباراً قاسياً في 25 فبراير 1991، حين فشلت في اعتراض صاروخ سقط على ثكنة عسكرية قرب الظهران شرق السعودية، ما أسفر عن مقتل ثمانية وعشرين جندياً أمريكياً وإصابة العشرات. وقد هزّ الحادث واشنطن، وفُتح على الأثر تحقيق عاجل مهّد لمرحلة طويلة من الإنفاق المكثف على تطوير النظام، الذي ظل مع ذلك يتحول تدريجياً من مشروع دفاع جوي إلى ركيزة أساس في بنية الدفاع الصاروخي الأمريكي.
أطلق الجيش الأمريكي بعدها برنامج “الاستجابة السريعة” لإدخال تعديلات عاجلة على الرادار والبرمجيات استناداً إلى الدروس التي تعلمها في الحرب. ثم اتجه الأمريكيون منتصف التسعينيات إلى تطوير صاروخ “باك-3″، اعتماداً على تقنية “إرينت” المخصصة لاعتراض الصواريخ الباليستية بعد أن بدأ الجيش الأمريكي تطويرها نهاية الثمانينيات.
وعبر هذه المسيرة الممتدة ثلاثةَ عقود، تحول باتريوت من نظام مضاد الطائراتِ إلى عنصر رئيس في منظومة دفاع صاروخي متعددة الطبقات، يعمل في المدى والارتفاع المنخفض. وفي المقابل برزت الحاجة إلى طبقة أعلى لاعتراض الصواريخ في مراحل متقدمة من مسارها، وهو ما أدى إلى تطوير منظومة “ثاد”.
وكانت المنظومة قد بدأت اقتراحاً أواخر الثمانينيات، ثم في 1990 قدم الجيش الأمريكي طلباً رسمياً لتطوير نظام قادر على اعتراض الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى في الطبقة العليا من الغلاف الجوي. وبعد نحو عامين، اختيرت شركة لوكهيد مارتن منفذاً رئيساً لإنتاج ثاد، قبل أن تنجح أول اختبارات الاعتراض الفعلية في أواخر التسعينيات، ويدخل النظام مرحلة التطوير الإنتاجي مطلع الألفية. ثم بدأ نشر بطاريات المنظومة في مواقع حساسة حول العالم سنة 2008، من كوريا الجنوبية إلى بعض دول الخليج، وصولاً إلى أول استخدام قتالي ناجح للنظام عندما اعترض صاروخاً باليستياً حوثياً فوق إمارة أبوظبي سنة 2022.
هكذا باتت منظومة ثاد الطبقة الأعلى التي تُكمّل السلم الطبقي للدفاعات، وتحول التصور الدفاعي الذي طرحه ريغان مطلع الثمانينيات إلى منظومة دفاعية متكاملة تتجسد في الحرب الأخيرة في مظلات الاعتراض الكثيفة فوق دول المنطقة منذ نهاية فبراير 2026. وقد أعادت صواريخ إيران ومسيراتها في هذه الحرب اختبار الشبكة الدفاعية وأنظمة الدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة في المنطقة.
تبدو خريطة الدفاع الجوي في بعض دول الخليج اليوم شبكة طبقية متداخلة. إذ تشكّل منظومة باتريوت العمود الفقري للمنظومة في السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين، حيث تتمركز البطاريات حول العواصم والقواعد الجوية وحقول النفط. بينما تضيف ثاد طبقة اعتراض أعلى فوق السعودية والإمارات وقطر بمواقع قريبة من قواعد رئيسة، مثل قاعدة الأمير سلطان الجوية ومحيط أبوظبي والدوحة. وتدعم هذه المنظومات رادارات إنذار مبكر بعيدة المدى، موزعة بين الأردن وقطر والسعودية والإمارات، تعمل على رصد التهديدات الجوية من مسافات بعيدة وفي وقت مبكر ومن ثم إرسال بياناتها إلى بطاريات ثاد وباتريوت الأمريكية والخليجية المنتشرة في القواعد الكبرى لتوجيه عملية الاعتراض.
وخلف هذا المشهد المزدحم بالصواريخ والرادارات، يبرز جانب من التكامل الدفاعي مع إسرائيل، باعتبار أنّ منظومات الدفاع أمريكية الصنع. وبحسب تقارير صحفية ووثائق مسربة، منها ما نشره الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين بالتعاون مع صحيفة واشنطن بوست في أكتوبر 2025، تبدو إسرائيل جزءاً من هذه المظلة الأمريكية عبر شبكتها الرادارية ومنظوماتها الدفاعية المرتبطة بالقيادة الأمريكية. وبحسب المعلن، تستضيف إسرائيل بطارية ثاد أمريكية واحدة نُشرت في أكتوبر 2024 ويشغلها جنود أمريكيون. وتذكر تقارير إسرائيلية نشر بطارية أمريكية ثانية في أبريل 2025.
أما منظومات باتريوت التي شغلّتها إسرائيل عقوداً، فقد أُخرجت من الخدمة سنة 2024 ضمن خطة لاستبدالها بالشبكة الإسرائيلية الأحدث متعددة الطبقات، وفي مقدمتها “مقلاع داود” في الطبقة الوسطى، و”آرو 2″ و”آرو 3″ في الطبقة العليا. هذا إلى جانب “القبة الحديدية” للتهديدات قصيرة المدى والمسيّرات.
ومع تنوع هذه الأنظمة إلا أن جوهر المظلة الدفاعية الإسرائيلية لا يكمن في الصواريخ نفسها، بل في شبكات الإنذار المبكر ومنظومات القيادة والسيطرة التي تربط الطبقات المختلفة وتحدد شكل الاشتباك مع التهديدات ووقته. يُظهر هذا تقاطعاً عربياً إسرائيلياً خرج إلى العلن تدريجياً في السنوات الخمس الأخيرة.
ففي سنة 2021 دفع وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق بيني غانتس إلى إنشاء برنامج تعاون دفاعي مع البنتاغون، يهدف إلى ربط إسرائيل بعدد من الدول العربية ضمن شبكة دفاع جوي مشتركة تعمل تحت المظلة الأمريكية. وبعد عام واحد، أعلن غانتس دخول هذا البرنامج حيّز التشغيل، مشيراً إلى نجاحه في إحباط محاولات هجوم إيرانية على إسرائيل ودول أخرى، في أول إقرار علني بوجود هذا التنسيق. وأعرب غانتس آنذاك عن أمله في أن تفضي زيارة الرئيس جو بايدن إلى السعودية في يوليو 2022 إلى توسيع هذا التحالف الإقليمي، بحيث يشمل السعودية أيضاً تحت مظلة دفاع جوي أوسع تقودها واشنطن.
وبحسب تحقيق الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، استناداً إلى وثائق صادرة عن القيادة المركزية الأمريكية، تعمل في المنطقة بنية تعاون أمني إقليمي تقودها واشنطن وتضم إلى جانب إسرائيل عدداً من الدول العربية، بينها قطر والسعودية والإمارات والبحرين. يشكل الدفاع الجوي ضد الصواريخ والمسيرات الإيرانية أحد محاوره الرئيسة.
ويُشار إلى هذا التعاون في الصحافة الأمريكية والإسرائيلية أحياناً باسم “تحالف الدفاع الجوي في الشرق الأوسط”، أو اختصاراً “ميد”. والفكرة الجوهرية في هذه المنظومة ليست إنشاء قيادة موحّدة علنية، بل ربط الرادارات والمستشعرات ومنظومات الاعتراض العربية والإسرائيلية رقمياً عبر منصّات القيادة الأمريكية، خاصة في القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم”. إذ تُدمج بيانات الإنذار المبكر في “مشهد إنذار مبكر مشترك” تُستخدم لاكتشاف أي صواريخ أو طائرات مسيّرة في أسرع وقت ممكن.
يعني ذلك أن راداراً في دولة خليجية أو الأردن أو إسرائيل قد يلتقط التهديد أولاً، فيشارك إحداثياته آنياً مع باقي الشركاء عبر وصلات بيانات مؤمنة. ثم تتولى كل دولة، أو بطاريات أمريكية متمركزة في أراضيها، قرار الاعتراض من داخل مجالها الجوي.
ومع الطابع غير المعلن لهذا التعاون، إلا أن مؤشرات متعددة كشفت عن ملامحه. من بينها مقال المساعد السابق لوزير الخارجية الأمريكي لشؤون الشرق الأدنى، ديفيد شينكر، نشره معهد واشنطن في سبتمبر 2022. كشف شينكر أن هذا المسار تطور في صورة تعاون أمني إقليمي تدعمه الولايات المتحدة يشمل تبادل معلومات الرادار وتكامل طبقات الدفاع الصاروخي والتمارين المشتركة ومبيعات معدات إسرائيلية لبعض دول المنطقة.
فوفق بيانات صادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، تسلّمت الإمارات في 2022 منظومتين من طراز “سبايدر-إم آر” من إسرائيل، إلى جانب مئة وخمسين صاروخ “ديربي” ومئة وخمسين صاروخ آخر من طراز “بايثون 5”. وهما صاروخان اعتراضيان تقوم عليهما عائلة “سبايدر” التي طورتها شركة رفائيل الإسرائيلية. وهو ما قد يعزز فرضية دخول دفاعات جوية إسرائيلية إلى الخدمة الإماراتية ضمن مسار التعاون الدفاعي الأوسع بين البلدين.
كذلك أشارت ورقة صادرة عن مركز فينابل في نوفمبر 2023، وهو هيئة تنسيق عسكرية أوروبية غير حكومية، إلى أن الاتفاقات الإبراهيمية تجاوزت مسار التطبيع الدبلوماسي والاقتصادي، لتشمل منطقاً أمنياً متصاعداً قوامه إدراكٌ مشترك التهديدَ الإيراني بين إسرائيل وبعض الدول العربية. وتوضح الورقة أن هذا المناخ فتح المجال أمام تسارع التعاون العسكري وتجارة السلاح، بما في ذلك الأمن البحري والدفاع الجوي والدفاع الصاروخي، في إطار سعي أمريكي أوسع لبناء بنية أمنية إقليمية أخف كلفة وأكثر اعتماداً على الشركاء.
وفي الحرب الأخيرة كشفت استهدافات إيران في بعض دول الخليج وإسرائيل عن ما يبدو فهم الإيرانيين طبيعةَ الشبكة الدفاعية التي تربط جيرانهم العرب بإسرائيل. فقد عمدت إيران إلى محاولة تعطيل قدرة هذه المظلّة على اكتشاف الأهداف الجوية وتبادل البيانات في اللحظة ذاتها، أي سعت لتعطيل قدرتها على العمل شبكةً متكاملة.
فبحسب تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 4 مارس 2026، لم تستهدف الضربات الإيرانية قواعد استضافة القوات الأمريكية في المنطقة، بل فقأت أعين المنظومة الدفاعية عندما أصابت (أو حاولت) منشآت الاتصالات والرادار المرتبطة بالإنذار المبكر الأمريكية، في البحرين وقطر والكويت والسعودية والإمارات والأردن. بما في ذلك منشآت حيوية مثل مقر الأسطول الخامس في المنامة وقاعدة العديد في قطر.
وقد أظهر تحليل لاحق للصحيفة أن ما لا يقل عن سبعة عشر موقعاً عسكرياً ودفاعياً أمريكياً تضرر بدرجات متفاوتة، ضمن موجات قصف كثيفة شملت آلاف الصواريخ والمسيّرات. ومع نجاح الدفاعات في اعتراض نسبة كبيرة منها، إلا أن نحو نصف الأهداف أصيبت.
خلف المشهد العسكري المعقّد، تقف عملية اقتصادية مهولة تُحرّكها شركات السلاح الكبرى التي تصنع كل مكوّنات منظومتي باتريوت وثاد. من الرادارات بعيدة المدى ومراكز القيادة والسيطرة إلى قواذف الصواريخ وصولاً إلى صواريخ الاعتراض نفسها وقطع الغيار، ومنظومات الاتصالات والدعم، كلها بدأت تتكشف كلفتها مع اشتعال الحرب.
قُدَّرت كلفة الساعات المئة الأولى من العمليات ضد إيران بنحو 3.7 مليار دولار للقوات الأمريكية وحدها. وبحلول اليوم السادس وصلت التكاليف لحوالي 11.3 مليار دولار، حسبما أحالت وزارة الدفاع الأمريكية للكونغرس. وكذلك قدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، في تقرير في 5 مارس 2026، كلفة الذخائر المستهلكة بنحو 758 مليون دولار يومياً، شاملاً ذلك الصواريخ والقنابل.
أعلن معهد باين للسياسات العامة الأمريكي أن المرحلة الافتتاحية شهدت إطلاق نحو أربعين صاروخاً من ثاد، وتسعين صاروخ باتريوت من طرازي “باك‑2″ و”باك‑3 إم إس إي”. إضافة إلى نحو مئة وثمانين صاروخاً بحرياً من طرازات “إس إم‑2″ و”إس إم‑3″ و”إس إم‑6” لاعتراض الرشقات الإيرانية المتزامنة التي استهدفت القواعد الأمريكية والبنية التحتية الخليجية والإسرائيلية في آن واحد.
وتظهر هذه الأرقام معادلة الكلفة غير المتكافئة التي حكمت الحرب في أيامها الأولى. فتكلفة المسيّرة الإيرانية من طراز “شاهد” بحدود خمسة وثلاثين ألف دولار تقريباً، والصاروخ الباليستي متوسط المدى ما بين مئات الآلاف من الدولارات للنماذج القديمة غير الدقيقة إلى مليون ومليوني دولار للنماذج الأحدث. في المقابل يقدَّر ثمن صاروخ ثاد الاعتراضي الواحد بنحو 12.7 مليون دولار، وقد تصل التكلفة إلى 15 مليون دولار. ويكلف صاروخ باتريوت من طراز “باك‑3 إم إس إي” بين أربعة ملايين وسبعة ملايين دولار للقطعة الواحدة بحسب العقود وبلد الشراء.
من هنا يفرض كل دولار تنفقه إيران على هجوم بالمسيّرات على الدفاعات الأمريكية والخليجية إنفاقاً يتراوح تقريباً بين خمسة عشر وخمسة وثلاثين دولاراً في الاعتراض. ولا يعني ذلك أن كل مسيّرة أو صاروخ إيراني يُواجه تلقائياً بصاروخ من ثاد أو باتريوت. إذ تعمل شبكات الدفاع الجوي وفق منطق متعدد الطبقات يوزع الاشتباك بين أنظمة مختلفة بحسب نوع التهديد ومساره وأولويته. لكن الهجمات الكثيفة تدفع هذه الشبكات، في كثير من الحالات، إلى استهلاك صواريخ اعتراض باهظة الثمن لإسقاط الأهداف الأخطر.
هذه الفجوة لخّصها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو حين قال إن إيران تنتج “أكثر من مئة صاروخ شهرياً” مقابل قدرة أمريكية لا تتجاوز “ستة أو سبعة صواريخ اعتراض جديدة في الشهر”. وهي نسبة إنتاج خمسة عشر إلى واحد لصالح إيران، في معادلة تستنزف المخزونات الأمريكية بسرعة وتنعش في المقابل عقود التذخير وإعادة الإنتاج وقطع الغيار لشركات السلاح الأمريكية.
وفي قلب هذه السلسلة تقف “آر تي إكس”، الشركة التي تتكفّل بعيون المنظومة وأعصابها، عبر رادارات “إيه إن/إم بي كيو‑65″ الخاصة بالباتريوت، و”إيه إن/تي بي واي‑تو” التي تُعد قلب منظومة ثاد وحلقات القيادة والسيطرة المرتبطة بها. وتقود لوكهيد مارتن صناعة صواريخ الاعتراض نفسها، من “باك‑3 إم إس إي” في الباتريوت إلى صاروخ ثاد الاعتراضي، مع توسعة سنوية طاقةَ الإنتاج إلى مئات الصواريخ لتلبية طلب جبهات أوكرانيا والخليج وآسيا.
إلى جوار هاتين الشركتين تتحرك شركات أخرى مثل “إل 3 هاريس” التي توفّر أنظمة الدفع والتوجيه لصواريخ ثاد إضافة إلى وصلات البيانات “لينك‑16” وحلول القيادة والسيطرة المنتشرة في دول الخليج. وكذلك شركتي “بوينغ” و”نورثروب غرومان” المساندة في أنظمة الدفع والربط الشبكي بين الرادارات والقواذف وغرف العمليات، فتتحول كل عملية تحديث أو توسعة لمنظومات الدفاع الجوي في دول الخليج إلى سلسلة عقود متشابكة.
وخلف التفصيلات التقنية، وعلى وقع دوي الصواريخ في المنطقة، انتجت الحرب الأمريكية على إيران منذ بداياتها أرباحاً لشركات الأسلحة في سوق الأسهم الأمريكية.
قفز سهم لوكهيد مارتن في الأيام الأولى من الحرب أكثر من 4 بالمئة، مسجلاً مستوىً قياسياً جديداً. وارتفع سهم نورثروب غرومان بنحو 6 بالمئة، وسهم آر تي إكس بنحو 5 بالمئة. وجاء ارتفاع الأسهم مقروناً بظهور مخاوف عسكرية واقتصادية من الاستنزاف السريع لمخزوناتِ صواريخ باتريوت وثاد وتوماهوك والصواريخ البحرية، وما يستتبعه ذلك من موجة جديدة من عقود التذخير لهذه الشركات.
فعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، كانت أسهم هذه الشركات تتحرك في مسار صاعد تغذّيه حرب أوكرانيا والاستعداد لمواجهات جديدة في الشرق الأوسط. وبين مارس 2023 ومارس 2026 تضاعف سعر سهم آر تي إكس أكثر من 110 بالمئة، وارتفع سهم نورثروب غرومان نحو 60 بالمئة، وجنرال دايناميكس نحو 57 بالمئة، ولوكهيد مارتن نحو 37 بالمئة.
وتشير أرقام شركة آر تي إكس في بيان نتائجها السنوية سنة 2025 إلى نمو مبيعات قطاع رايثيون بنحو 5 إلى 7 بالمئة، مدفوعاً بزيادة الطلب على أنظمة الدفاع الجوي والأرضي، وفي مقدمتها باتريوت. مع استفادة واضحة من استئناف عقود مع زبون في الشرق الأوسط، لم تفصح عن جهته، في الربع الأخير قبل اندلاع الحرب الحالية.
ذكر ترامب في حسابه على تروث سوشال في 6 مارس 2026 أن استعدادات الشركات لزيادة الطلب سبق الحرب بثلاثة أشهر، وأظهرت بيانات وزارة الخارجية الأمريكية مسار تعاقدات خليجية كثيفة على نفس منظومات الاعتراض التي تستهدفها الزيادة في الإنتاج في يناير 2026. إذ وافقت وزارة الخارجية الأمريكية على صفقة تذخير للسعودية تشمل سبعمئة وثلاثين صاروخ “باك‑3 إم إس إي” بقيمة تقارب تسعة مليارات دولار، مع حزم قطع غيار وبرمجيات ودعم هندسي. بالتزامن مع استكمال تدريب البطارية الرابعة من ثاد ضمن صفقة سبع بطاريات وثلاثمئة وستين صاروخاً اعتراضياً بدأ تنفيذها منذ 2017.
بالتوازي مع سباق التذخير هذا، كانت السعودية تعمّق شراكاتها التقنية حول “مظلّة الاعتراض” نفسها. فقد وقّعت وزارة الدفاع السعودية في فبراير 2026 اتفاق تعاون جديد مع شركة “إل 3 هاريس” للتقنية الدفاعية يركّز على إدخال قدرات القيادة والسيطرة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في منظومات الدفاع الجوي والصاروخي للمملكة، مع خطة لتوطين أكبر قدر ممكن من سلسلة القيمة داخل السعودية. وهي خطوة تستهدف تحسين إدارة الاعتراضات وتوسيع المكون المحلي في الصيانة والدعم والتشغيل.
وإلى جانب السعودية وافقت الخارجية الأمريكية في يناير 2026 على صفقة مماثلة للكويت، تتضمن بيع حزمة دعم واستدامة وبرمجيات لمنظومة باتريوت بقيمة تقديرية تصل إلى ثمانمئة مليون دولار، تشمل قطع غيار وبرامج الفحص والمتابعة وتدريب الأطقم. كذلك شملت الصفقة دعماً هندسياً طويل الأمد يضمن بقاء بطاريات الكويت في أعلى مستويات الجاهزية التشغيلية في السنوات المقبلة، بمشاركة مباشرة من آر تي إكس التي ترتبط أعمالها بكل من والثام في ولاية ماساتشوستس، وهنتسفيل في ولاية ألاباما، وشركة لوكهيد مارتن، التي يقع مقرها في بيثيسدا بولاية ماريلاند. إلى جانب شركة ليدوس، ومقرها ريستون في ولاية فرجينيا، ولها أيضاً نشاط في هنتسفيل بألاباما. وكذلك شركة كي بي آر، التي يقع مقرها في هيوستن بولاية تكساس، ولها حضور في هنتسفيل.
على نفس المنوال، ثبّتت الإمارات موقعها أحد أعمدة الطبقة العليا للدفاع الصاروخي في منطقة الخليج بعقد دعم جديد لمنظومة ثاد. إذ حصلت لوكهيد مارتن مطلع 2026 على تعديل عقد بقيمة 142.6 مليون دولار لتمديد خدمات الاستدامة والتحديث لبطاريتَي ثاد المنتشرتين على أراضيها، ليرتفع إجمالي عقد الدعم إلى نحو 876.7 مليون دولار.
يشمل الاتفاق حزمة واسعة من الخدمات تمتد من الصيانة والإصلاح وتحديث العتاد والبرمجيات إلى التدريب والمراقبة الميدانية. وتُنفَّذ بين مواقع إنتاج رئيسة في كاليفورنيا وتكساس وأركنساس وألاباما، وبين مواقع تشغيل المنظومة داخل الإمارات. ويضمن ذلك بقاء ثاد في قلب شبكة الدفاع الجوي المشتركة التي تُبنى لمواجهة التهديدات المتصاعدة في المنطقة.
لكن الصفقة الإماراتية الأبرز جاءت في أتون الحرب مع إيران في 19 مارس 2026، حين وافقت الولايات المتحدة على بيع رادار بعيد المدى مدمج بمنظومة ثاد للإمارات، ضمن حزمة قيمتها تقدر بنحو أربعة مليارات وخمسمئة مليون دولار. وقد شملت الصفقة أيضاً معدات للربط والقيادة والتحكم، إلى جانب خمس سنوات من الدعم الفني والتدريب والصيانة. وبحسب بيان وزارة الخارجية الأمريكية عن الصفقة، تهدف الحزمة إلى توسيع التغطية الدفاعية للإمارات في جميع الاتجاهات، بما يعزز قدرتها على رصد التهديدات الصاروخية والجوية والتصدي لها.
وللصفقة أهمية إضافية بعدما كشفت صور أقمار صناعية تعرض موقعين راداريين في الإمارات، قرب أبوظبي وفي السدر، لضربات في 1 مارس 2026، ضمن ما لا يقل عن عشرة مواقع رادارية استهدفت دولاً في الخليج. ويعزز ذلك فرضية أن الصفقة لا تستهدف إضافة قدرة جديدة وحسب، بل سد ثغرات محتملة في شبكة الإنذار المبكر وتطويرها في الوقت نفسه.
وبينما كان ترامب يفاخر على تروث سوشيال بأن رؤساء كبرى شركات السلاح تعهّدوا له بمضاعفة إنتاج “الأسلحة الفاخرة” أربع مرات، كان جزء كبير مما يتحدث عنه يتجسّد بالفعل في توسعات على أرض الواقع. فقد أعلنت لوكهيد مارتن في 29 يناير 2026 وضع حجر الأساس لمركز جديد لتسريع إنتاج الذخائر في كامدن بولاية أركنساس. يضاف لذلك اتفاق لرفع إنتاج صواريخ ثاد من ستة وتسعين صاروخاً إلى أربعمئة صاروخ اعتراضي سنوياً، أي أكثر من أربعة أضعاف المستوى الحالي، ومع خطة استثمارية تكلف مليارات الدولارات لتوسيع الإنتاج وتحديث أكثر من عشرين منشأة. وهذا يدعم أيضاً تسريع إنتاج صاروخ “باك‑3 إم إس إي” باستخدام تقنيات التصنيع المتقدم والآليات والأنظمة الرقمية.
وفي بلدة كامدن في ولاية ألاباما، مضت شركة إل 3 هاريس، في مسار توسعة متدرج تسارع في 2025. وقد شمل ذلك إنشاء منشآت جديدة لإنتاج المحركات الصاروخية الصلبة إلى إطلاق مشروع منشآت أركنساس المتقدمة للدفع الصاروخي لترفع مساحتها التصنيعية إلى أكثر من مليون وخمسمئة ألف قدم مربعة (أي ما يعادل نحو مئة وأربعين ألف متر مربع). وهو ما يعزز الموقع أحد العقد الرئيسة في القاعدة الصناعية الأمريكية للمحركات الصاروخية التي تغذي برامج دفاعية من بينها باتريوت وثاد.
وعن المكونات الدقيقة التي تغذي صواريخ الاعتراض، قالت شركة بوينغ في أكتوبر 2025 إن استثماراتها في تحديث خطوط الإنتاج وتعزيز شبكة الموردين – مع استكمال توسعة جديدة في هنتسفيل بألاباما – رفعت قدرتها على إنتاج الباحثات الرادارية لصواريخ “باك-3” المستخدمة في باتريوت. وأضافت الشركة أن هذه القفزة جاءت بالتوازي مع عقود متعددة السنوات بقيمة مليارين وسبعمئة مليون دولار لإنتاج ثلاثة آلاف باحث راداري، وبمعدل يصل إلى سبعمئة وخمسين وحدة سنوياً حتى سنة 2030.
وعلى تعقيداتها، تأخذنا حالة الحرب الأخيرة من التوسعات المستقبلية المدفوعة بعقود الشراء السخية إلى سؤال الوضع العملياتي القائم، المرتبط بحجم المخزون الاستراتيجي من الصواريخ الاعتراضية ومدى قدرته على الصمود في حرب طويلة الأمد.
بحسب المفوض الأوروبي لشؤون الدفاع والفضاء، أندريوس كوبيليوس، في الأيام الثلاثة الأولى من الحرب استهلكت القوات الأمريكية وحلفاؤها في دول الخليج نحو ثمانمئة صاروخ باتريوت اعتراضي. فيما استهلكت أوكرانيا في أشد حملات القصف الروسي شراسة في الفترة من نوفمبر 2025 إلى فبراير 2026 قرابة سبعمئة صاروخ فقط. وقد حذر كوبيليوس أن “الأمريكيين لن يتمكنوا من توفير ما يكفي من هذه الصواريخ لدول الخليج ولجيشهم ولأوكرانيا أيضاً”، في إشارة إلى حدود القدرة الإنتاجية الحالية حتى مع موجة التوسع الجارية.
ومع السرية التي تحيط بحجم المخزون الأمريكي من صواريخ الاعتراض، إلا أن الأرقام المتاحة ترسم صورة مقلقة. فبحسب تحليل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في الخامس من ديسمبر 2025، تسلمت الولايات المتحدة 534 صاروخاً من منظومة ثاد حتى نهاية 2025. فيما تشير تقديرات المركز نفسه لاستخدام المنظومة في الهجمات على إيران في يونيو 2025 ما بين مئة صاروخ ومئة وخمسين صاروخاً، أي ما يقارب نحو خُمس هذا الإجمالي. وتزداد خطورة ذلك لأن هذا المخزون لا يتاح كله احتياطاً حراً، بل إن جزءاً منه يكون مخصصاً للبطاريات المنتشرة في الميدان، ما يجعل هامش التعويض السريع أضيق مما توحي به الأرقام وحدها.
أما في منظومة باتريوت، فنقلت وكالة بلومبِرغ الإخبارية عن وثائق أمريكية أن ما اشتراه الجيش من صواريخ “باك-3 إم إس إي” بلغ 2491 صاروخاً حتى 2025. لكن هذا الرقم لم يعد كافياً في نظر المؤسسة العسكرية، إذ رفعت لجنة متطلبات التسليح في أبريل 2025 هدف الاقتناء الكلي لهذا الطراز من 3376 إلى 13773 صاروخاً. ومع ذلك، فإن رفع سقف الاحتياج لا يعني تلقائياً توافر مخصصات مالية أو عقود إنتاج سريعة بالوتيرة نفسها.
ولم يقتصر الأمر على رفع الأهداف المستقبلية، إذ طلب الجيش أيضاً تمويلاً لشراء 224 صاروخاً إضافياً للسنة الضريبية 2026، فضلاً عن ستة وتسعين صاروخاً أخرى أقر تمويلها الرئيس ترامب مطلع يوليو 2025. بما يعكس اتساع الفجوة بين وتيرة الاستهلاك والاحتياجات الجديدة من جهة، والقدرة على التعويض السريع من جهة أخرى. وهو أيضاً ما فتح شهية أطراف دولية، منها أوكرانيا، لمحاولة الاستفادة من هذه الفجوة بمخزون الصواريخ الاعتراضية بوسائل بديلة أقل تكلفة.
سارع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي في الأيام الأولى للحرب على إيران إلى عرض المساعدة في مواجهة المسيرات الإيرانية، مستنداً إلى سنوات من الخبرة في التصدي لمسيرات شاهد التي استخدمتها روسيا بكثافة ضد المدن الأوكرانية. فقد أعلن زيلينسكي في أكثر من تصريح أنه مستعد لإرسال “أفضل الخبراء” في إسقاط المسيرات إلى الخليج والشرق الأوسط. بل ولوّح بإمكانية تزويد الحلفاء بطائرات مُعترِضة مُسيّرة طوّرتها بلاده مقابل الحصول على مزيد من صواريخ الدفاع الجوي الغربية، وعلى رأسها صواريخ باتريوت.
وعلى ما في المعادلة المقترحة التي تقوم على تصدير الخبرة والأنظمة الأقل كلفة مقابل الصواريخ الاعتراضية الأعلى كلفة من حلول ممكنة، إلا أنها أظهرت حجم العجز الذي تعاني منه أوكرانيا نفسها. إذ أكدت تقارير صحافية، برز منها تقرير لشبكة سي إن إن في الخامس من مارس 2026، أن مخزون أوكرانيا من صواريخ باتريوت يواجه استنزافاً حاداً بعد موجات القصف الروسي الأخيرة، وأن قدرتها على مواصلة صدِّ الهجمات تعتمد مباشرة على وتيرة ما تحصل عليه من ذخائر اعتراضية من الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي تطور للعروض التي قدّمها الرئيس الأوكراني، تحركت أمريكا خارج حدود التصريحات أو المناورات السياسية، وترجمت الحلّ الأوكراني ميدانياً عبر الدفع بمسيرات اعتراضية جديدة إلى ساحة دول الخليج. وبحسب وكالة بلومبيرغ أرسل الجيش الأمريكي نحو عشرة آلاف مسيّرة اعتراضية من طراز “سيرفيور” التابعة إلى منظومة “ميروبس” – التي طُورت واختُبرت في أوكرانيا – إلى الشرق الأوسط في خمسة أيام فقط من بدء العملية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. في خطوة بدت أنها أظهرت استعجالاً في بناء طبقة دفاع منخفضة الكلفة أمام أسراب المسيّرات الإيرانية.
في هذا السياق، تمثل منظومة “ميروبس” محاولة لكسر المعادلة الاقتصادية المختلّة للحرب، إذ تُقدَّر كلفة الواحدة منها بنحو خمسة عشر ألف دولار، مع توقعات بهبوط كلفتها إلى ما بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف دولار عند شراء كميات كبيرة. وهي أرقام تقل حتى عن كلفة بعض مسيّرات شاهد الإيرانية، وتبتعد كلفةً جداً عن صواريخ باتريوت وثاد التي قد يتجاوز ثمن الاعتراض الواحد بها أربعة ملايين دولار.
تقوم منظومة “ميروبس” التي طوّرها مشروع “بروجكت إيغل” المدعوم من إريك شميت، الرئيس التنفيذي السابق لغوغل، على فكرة استبدال الصواريخ الباهظة بمنصات اعتراضية صغيرة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وتعمل هذه المنصات ضمن منظومة أوسع من الرادارات والمستشعرات والبرمجيات لتتبع المسيّرات الانتحارية والانقضاض عليها أو تفجير شحنة صغيرة قربها.
وبحسب تقارير ميدانية، نقلتها شبكة “يونايتد 24 الإخبارية” في نوفمبر 2025، حققت المسيرة “ميروبس” مئات عمليات الإسقاط لمسيّرات شاهد ومشتقاتها في أوكرانيا من تكتيك “درون ضد درون”، مستفيدة من قدرة عالية في التمييز البصري للأهداف والعمل في بيئات تشويش كثيف. فيما تذهب الخطط المستقبلية إلى تعميق دمج المسيّرة في شبكات دفاع جوي أوسع في أوروبا وبعض دول الخليج، وتحديث خوارزمياتها لتغطية طيف أكبر من التهديدات الجوية، من المسيّرات الصغيرة منخفضة الارتفاع إلى الأسرع والأبعد مدى. وهو ما قد يحوّلها تدريجياً إلى طبقة ثابتة في أنظمة الدفاع الجوي الحديثة، وبالتالي تخفيف الضغط عن صواريخ الاعتراض الأعلى كلفة مثل باتريوت وثاد.
ووفقاً لرويترز في تقريرها المنشور في 17 مارس 2026، جذبت المسيّرات الاعتراضية الأوكرانية، ومنها “ستينغ”، اهتماماً من زبائن في الشرق الأوسط، مع إرسال أوكرانيا ثلاث فرق من مختصي الدفاع الجوي إلى المنطقة.
وأعلن زيلينسكي في نهاية مارس 2026 توقيع اتفاقٍ مع السعودية، وآخرَ مماثلٍ لعشر سنوات مع قطر، فيما يستعد لتوقيع اتفاق إضافي لعشر سنوات مع الإمارات. ونقلت رويترز عن شركة “وايلد هورنتس” المصنعة أن مسيّرتها أسقطت أكثر من ثلاثة آلاف مسيّرة روسية من طراز شاهد منذ دخولها الخدمة المنتظمة في يونيو 2025، مع إنتاج شهري يتجاوز عشرة آلاف وحدة وكلفة تقارب ألفي دولار فقط للمسيّرة الواحدة. ويضيف التقرير أن جيلاً ثانياً أسرع دخل أيضاً مرحلة التطوير لملاحقة النسخ النفاثة الأحدث، فيما يعزز من أهمية المسيّرات طبقة دفاعية أرخص وأكثر مرونة أمام الهجمات الكثيفة.
وبهذا تحول الطرح الأوكراني إلى تعاون بعيد المدى مع بعض دول الخليج، ما يجعل من تقنيات الاعتراض الأقل كلفةً ومن الخبراء الأوكرانيين والإنتاج المشترك، جزءاً من إعادة تشكيل طبقات الدفاع الجوي. يحدث هذا في وقت يتزايد فيه الضغط على المخزون الأمريكي من منظومات الاعتراض الأعلى كلفة.
جوهر المعادلة لم يتغير كثيراً، من اللحظة التي خرج فيها رونالد ريغان على الأمريكيين في ثمانينيات القرن الماضي بوعد “حرب النجوم” القائم على إبطال مفعول الصواريخ السوفيتيية بالتقنية، حتى لحظة انطلاق أسراب “ميروبس” الأقل كلفة نسبياً فوق سماوات بعض دول الخليج سنة 2026 لإسقاط مسيّرات شاهد. فالأمن يُسوَّق غالباً درعاً واقياً، والحروب تتحوّل إلى حقول تجارب لأجيال متعاقبة من المنظومات، بينما تواصل القاعدة الصناعية المالية مراكمة أرباحها كلما اتّسعت فجوة الكلفة بين الهجوم والاعتراض.
وفي هذا المسار الطويل، لم تكن باتريوت وثاد وأخيراً ميروبس مجرد أدوات عسكرية وتقنية، بل حلقات في سلسلة واحدة تربط بين عقيدة الردع وعقود التسليح وأسعار الأسهم في سوق وول ستريت. سلسلة تجعل من كل صاروخ يعبر ومن كل مسيّرة تنفجر جزءاً من ميزان أرباح وخسائر يتجاوز ساحات المعارك إلى اقتصاد الحرب الأمريكي.
مجلة الفراتس
——————————-
أهلاً بكم في إيران الجديدة/ شاي شبتاي
ملخص تنفيذي: رغم أن تقييم آثار عملية “الغضب الملحمي/زئير الأسد” على الوضع الداخلي في إيران لا يزال مبكراً، فإنه يمكن القول إن هذه العملية كانت نقطة تحول حاسمة نقلت إيران من نظام ديني قوي إلى دكتاتورية ضعيفة. وفي هذا السياق، يمكننا الحديث عن انهيار فكرة حكم رجال الدين، وتشرذم القيادة العليا للنظام، وتطرف نهجه الاستراتيجي تجاه المنطقة، وتزايد وحشية قمع النظام للشعب، وتقديم الدعم الاقتصادي لأنصار النظام على حساب عامة الشعب، ما سيتحول إلى صراع من أجل البقاء، وسيؤدي إلى تراجع الاحتجاجات وتصاعد العنف. إيران اليوم دولة مختلفة تمامًا عن تلك التي حللناها قبل الصراع الأخير. إنها الآن دولة تحمل في طياتها مخاطر وفرصًا تتطلب تقييمًا وتخطيطًا جديدين كليًا للوضع.
تغيير جذري
لم تنتهِ عملية “الغضب الملحمي/ زئير الأسد” بعد، وقد تحدث تطورات هامة أخرى. سيتعين علينا الانتظار أسابيع أو حتى أشهراً قبل أن تتضح الأمور ونرى الوجهة التي تتجه إليها إيران. ما يمكننا فعله الآن هو طرح أسئلة أولية، وتحديد اتجاهات التفكير، وطرح أفكار حول التداعيات.
ما يمكن قوله إن ما كان يُشكّل إيران في السابق لم يعد موجودًا في معظمه، وأن الأنظمة -داخل إيران وخارجها- يجب أن تتكيف مع “إيران الجديدة”. يمكن القول إن العملية حوّلت إيران من دولة دينية قوية إلى دكتاتورية ضعيفة. هذه العملية مستمرة منذ عقدين على الأقل، لكن العملية أحدثت تغييرًا لا رجعة فيه.
ما مظاهر هذا التغيير؟
أولاً، نهج النظام:
*انهيار فكرة ولاية الفقيه: أظهر الجيل الأول من الزعماء الدينيين (المؤسس الخميني ونائبه منتظري) وكبار قادة الجيل الثاني (رفسنجاني، وخاتمي، وغيرهما) نهجًا متوازنًا تجاه فكرة الربط بين الدين والحكومة. فالدين قائم على إيمان الجماهير، لذا كان من المهم بالنسبة لهم أن يحظى النظام بشرعية شعبية. علي خامنئي، الذي يمكن وصفه بالبيروقراطي ذي التفسير المتطرف للدين، انحرف تدريجيًا عن هذا النهج، وبلغ ذلك ذروته في التزوير الصارخ لنتائج انتخابات عام 2009. أما ابنه، مجتبى، فلم يعد لديه ما يقدمه فيما يتعلق بإيمان الجماهير. ربما كان حسن الخميني قادرًا على فعل ذلك، لكن تنحيه جانبًا يشير إلى أن كبار قادة النظام قد فقدوا الرغبة في ترسيخ ولو مظهرًا من مظاهر الإيمان الواسع بهذه الفكرة. وهذا يعني أن الحكومة في إيران أصبحت الآن استبدادية وديكتاتورية بالمعنى الأيديولوجي العميق.
* تقويض تماسك القيادة العليا للنظام: تمكّن علي خامنئي، ذو الخبرة الواسعة، من التوسط بين الفصائل، مقترباً من نقطة التوازن في القيادة العليا للنظام. وبناءً على ذلك، استطاع إلى حد كبير احتواء الخلافات وقمع المعارضة الداخلية. وقد خلّف رحيله فراغاً يصعب معه إيجاد شخصية أو مجموعة شخصيات من داخل النظام قادرة على سدّ هذه الفجوة. ثمة حاجة إلى شخصيات قيادية قادرة على الحوار مع جميع الأطراف وفرض سلطتها في آنٍ واحد. ثمة حاجة إلى توحيد الصفوف في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، إلا أن القدرة على تحقيق ذلك بالتوافق قد تضاءلت بشكل ملحوظ.
* تعزيز مكانة الحرس الثوري: إن الحاجة المتزايدة إلى القمع الداخلي العنيف، فضلاً عن مواجهة التهديدات الخارجية، تُعزز مركزية الحرس الثوري في صنع القرار. ومن أهم تبعات ذلك، التوسع في استخدام الأدوات العسكرية على حساب الأدوات المدنية والاقتصادية في إدارة شؤون الدولة.
* الانتقال إلى الجيل القادم: تُشير اغتيالات كبار قادة النظام إلى انتقال من جيلٍ تشكّل بفعل الحرب العراقية الإيرانية إلى جيلٍ ينصبّ اهتمامه الرئيسي على القمع الداخلي وبناء القدرات الاستراتيجية، ولكنه استخدمها باعتدال حتى نيسان 2024. وتتمثل التجربة الحربية التكوينية لهذا الجيل في عمليات “الأسد الصاعد” و”الغضب الملحمي” و”زئير الأسد”. وستكون نقطة ارتكاز ردّهم هي التهديد الناري الغربي المتقدم، إلى جانب التخريب الداخلي الذي يُهدد جوهر الدولة والنظام. وهذا يعني أنه سيُطلب منهم التخلي عن الأفكار القديمة المُتأصلة وصياغة عقيدة أمنية مُحدّثة.
*وحشية قمع الشعب: للحفاظ على مظهر الشرعية الشعبية، طوّر النظام مفهومًا مُعقدًا للقمع يُفضّل العنف الخفي على العمل الدموي العلني. وقد أُزيلت أخيراً “القفازات الحريرية” التي كانت تُغطي القبضات الحديدية خلال قمع المظاهرات في كانون الثاني 2026. وقد أدّى الضرر الذي لحق بآليات قمع النظام خلال “الغضب الملحمي” إلى تسريع استخدام العنف الوحشي العلني.
* فقدان الدعم الاقتصادي لأنصار النظام: إن الضرر الذي يلحق بالاقتصاد الإيراني وصناعات النظام يضر في المقام الأول بأنصاره. سيضطر النظام إلى اتخاذ إجراءات للحفاظ على هذا الدعم مع تدهور أوضاعه. وهذا يعني أنه سيضطر إلى استخدام موارد الدولة أولاً وقبل كل شيء لإعادة بناء سلطته وقاعدة دعمه الأساسية. سيأتي هذا على حساب معظم المواطنين الإيرانيين، وسيؤثر سلباً على فرص تحقيق مستقبل اجتماعي واقتصادي إيجابي.
الأثر الواقع على النهج الاستراتيجي:
* السعي وراء الأسلحة غير التقليدية: يُمثل التهديد الوجودي للنظام، على المستويين الشخصي والمؤسسي، نقطة تحولٍ تم فيها تجاوز الحواجز الدينية والأخلاقية التي كانت تحول دون اقتناء الأسلحة غير التقليدية، بل وحتى استخدامها. ويُفترض أن عملية الاقتناء ستعتمد الآن على القدرة التقنية، أي الجدوى التكنولوجية والقدرة على تنفيذها دون رصدها أو مهاجمتها أو تدميرها مسبقًا.
* استخدام القوة على المستوى الإقليمي: قبل هذا الصراع، نادرًا ما كان النظام الإيراني يهاجم دول المنطقة بشكل مباشر، مفضلًا بدلًا من ذلك اتباع نهج غير مباشر، متخفيًا وراء وكلائه. وقد انكشف هذا القناع نتيجةً للتهديد الوجودي، وربما كان ذلك قرارًا متعمدًا. في الوقت نفسه، تضررت القدرات العسكرية الإيرانية بشدة، واضطرت إلى التحول إلى أساليب حرب العصابات البحرية والجوية لتنفيذ تهديداتها. ومن المرجح أن تستمر إيران في استخدام جميع القدرات التي تستطيع حشدها في المنطقة لتلبية احتياجاتها الاقتصادية والأمنية.
* الاستراتيجية الإقليمية المُحدَّثة: خلال عهد قائد فيلق القدس قاسم سليماني، الذي اغتيل مطلع عام 2000، وطوال فترة خلفائه، عملت إيران وفق استراتيجية إقليمية مُنظَّمة لبناء تحالف داعم وإضعاف خصومها استنادًا إلى خطاب “إبادة إسرائيل” لجذب المقاتلين. فوجئ الإيرانيون، الذين سعوا إلى تنفيذ استراتيجيتهم بشكل مُنظَّم، بتحرّك حماس في 7 أكتوبر، والذي نُفِّذ قبل الموعد المُحدَّد في خطتهم الزمنية. تخوض إيران الآن معركةً من أجل البقاء داخليًا وخارجيًا، وتستخدم جميع الوسائل المُتاحة لتحقيق النصر. من المُرجَّح أن نشهد الآن تحركاتٍ أقل اعتمادًا على التخطيط طويل الأمد، وأكثر استجابةً للاحتياجات المُستجدة.
التأثير على عامة الشعب:
* أنصار النظام في عزلة تامة: يعتمد بقاء وحياة أنصار النظام بشكل كبير على بقائه. وفي الوقت نفسه، تُضللهم وسائل الإعلام التابعة للنظام بأكاذيب حول وضع الدولة. ومن المرجح أن تدعمهم هذه الأفكار المغلوطة بعنف أكبر، مما يزيد من عزلتهم عن بقية الشعب. وهذا يعني تعزيز آليات قمع النظام.
* بقية الشعب في صراع من أجل البقاء: سيؤدي الضرر الواسع النطاق الذي لحق بالاقتصاد الإيراني، وحاجة النظام إلى حشد أنصاره ودعمهم، إلى أزمة اقتصادية حادة بين عامة الشعب الإيراني.
* التحول من الاحتجاج إلى العنف: في ظلّ وضعٍ يُكافح فيه معظم المواطنين الإيرانيين من أجل البقاء، ويتزايد فيه القمع الوحشي، يُرجّح أن تتراجع الاحتجاجات المنظمة واسعة النطاق بشكلٍ ملحوظ، بينما يزداد الغضب والاستعداد للعنف. لذا، يُرجّح أن نشهد فوضى وعنفًا في الشوارع بدلًا من احتجاجاتٍ منظمة من قِبل مجموعاتٍ كبيرة.
* سلوكٌ أكثر استقلالية للأقليات: ستُجبر الأزمة الاقتصادية الحادة، وتزايد القمع الوحشي، وتهميش الأقليات في أولويات النظام، الأقليات على تعزيز اعتمادها على نفسها وتكاتفها الداخلي. يُرجّح أن نشهد نشاطًا أكثر استقلالية من جانب الأقليات مقارنةً بالسابق، لكن يبقى التساؤل قائمًا حول ما إذا كانت ستكون راغبةً أو قادرةً على تحويل ذلك إلى تحركاتٍ منظمة ضد النظام.
إذا تحقّقت الاتجاهات المذكورة أعلاه في إيران، فستصبح دولةً مختلفةً تمامًا عن تلك التي حلّلناها حتى الآن – دولةً تنطوي على مخاطر، لكنها تُتيح فرصًا لا تقلّ أهميةً.
* إعادة تقييم الوضع في إيران: يجب إعادة تقييم المعرفة الواسعة والرؤى العميقة المتوفرة حول إيران. علينا التخلي عن الاستمرارية التحليلية، والابتعاد عن الثوابت الراسخة، ودراسة عمق التغيير من منظور جديد.
* تعزيز التغيير الإيجابي في إيران: تتطلب إيران الجديدة طريقة تفكير مختلفة تمامًا حول كيفية إحداث تغيير جذري فيها. من المحتمل أن بعض الجهود المبذولة حتى الآن لم تعد مجدية، وأن استمرارها سيُعدّ خسارة فادحة.
* هذا ليس عام 1979: الواقع الجديد يجعل سيناريو الثورة أقل احتمالًا بكثير. من المناسب التخلي عن النظرة “الرومانسية” لتجربة 1979 باعتبارها تجربة يُحتمل تكرارها.
* تصاعد العنف: من المرجح أن يكون الواقع الجديد في إيران أكثر عنفًا بكثير بالنسبة للشعب الإيراني. قد تكون مجزرة يناير مجرد بداية لعنف أوسع نطاقًا يمارسه النظام. مع ازدياد العنف، من الضروري تسريع التفكير في كيفية تزويد الشعب الإيراني بالأدوات اللازمة لحماية نفسه وإيجاد سبل لدعمه.
* أهمية العقوبات: مع تدهور الوضع الاقتصادي في إيران، ستصبح العقوبات أكثر فعالية. لذا، من الضروري السعي لضمان استمراريتها ومنع أي أفكار قد تُطرح لتخفيفها بدافع القلق غير المبرر على الشعب الإيراني.
* استجابةً لبناء القدرات: سيتطلب الأمر نهجًا أكثر يقظةً لحرمان الإيرانيين من تطوير قدراتهم الهجومية، لا سيما غير التقليدية منها، واستخدامها في المنطقة.
ورقة بحثية/ مركز بيغن – السادات للدراسات الاستراتيجية BESA 14/4/2026
كلمات مفتاحية
القدس العربي
—————————–
الحروب المتعددة الجبهات تقوّض موقع إسرائيل الإستراتيجي
يرى الكاتب ديفيد روزنبورغ أن الحروب التي تخوضها إسرائيل على أكثر من جبهة، لا سيما الحرب الجارية على إيران وحلفائها الإقليميين، كشفت عن حدود هيكلية عميقة في قدرات إسرائيل العسكرية ومتانة اقتصادها ومكانتها الدبلوماسية.
وفي مقال بمجلة فورين بوليسي، قال روزنبورغ -وهو محرر الشؤون الاقتصادية وكاتب رأي بالنسخة الإنجليزية لصحيفة هآرتس- إن الحروب المتعددة الجبهات ستكون لها تداعيات طويلة الأمد على إسرائيل بعد أن بدأت تقوّض تدريجيا موقعها الإستراتيجي.
وبخصوص الحرب على إيران، قال الكاتب إن إسرائيل لم تحقق أهدافها بعد ستة أسابيع من القتال، رغم إلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الإيرانية واستهداف قياداتها.
وأوضح الكاتب أن النظام الإيراني لا يزال قائما، ويحتفظ بعناصر من برنامجه النووي، إضافة إلى ترسانة من الصواريخ والطائرات المسيّرة. والأهم من ذلك أن إيران أثبتت قدرتها على تعطيل التجارة العالمية عبر إغلاق مضيق هرمز، مما أوجد نقطة ضعف إستراتيجية جديدة.
أقوى أم أضعف؟
وتساءل الكاتب إن كانت إسرائيل قد خرجت من هذه الحرب أقوى أم أضعف، وقال إنه رغم التفوق التكتيكي فإن الموقع الإستراتيجي العام لإسرائيل تراجع.
واستند الكاتب في تقييمه إلى ثلاثة أعمدة رئيسية للقوة الإسرائيلية، هي القوة العسكرية والقدرة الاقتصادية والتحالف مع الولايات المتحدة، وقال إنها جميعا تواجه ضغوطا متزايدة.
فعلى الصعيد العسكري، يرى الكاتب أن كلفة الحرب كانت باهظة، لأن النزاعات السابقة كلفت الاقتصاد الإسرائيلي نحو 116 مليار دولار من الإنفاق الدفاعي المباشر، وأضافت الحرب مع إيران مليارات أخرى إلى هذه الفاتورة.
من جهة أخرى، يعاني الجيش الإسرائيلي -بنظر الكاتب- ضغطا ميدانيا كبيرا، مع انتشار قواته في غزة وجنوب سوريا والضفة الغربية، فضلا عن احتمال استمرار الوجود في جنوب لبنان.
إعلان
ويشير روزنبرغ إلى أزمة متفاقمة في عدد الجنود، مع نقص يُقدَّر بنحو 15 ألف فرد. كما أن محاولات معالجة هذه الفجوة، مثل تمديد الخدمة الإلزامية أو إنهاء إعفاء المتدينين، تعثرت سياسيا.
ونتيجة لذلك، يجري استدعاء جنود الاحتياط لفترات طويلة ومتكررة، مما يثير مخاوف بشأن الاستدامة. وقد حذر مسؤولون عسكريون كبار من أن الجيش قد ينهار إذا استمرت الضغوط الحالية.
أما اقتصاديا، فإن الكاتب يحذر من أن مرونة الاقتصاد الإسرائيلي تتعرض للاختبار، لأن الحكومة تمول الحرب بشكل أساسي عبر الاقتراض بدلا من زيادة الضرائب أو خفض الإنفاق المدني، مما أدى إلى ارتفاع الدين العام المتوقع أن يتجاوز 70% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية 2026.
كما أن خطط رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لزيادة الإنفاق الدفاعي على مدى العقد المقبل (إلى نحو 6% من الناتج) قد تفرض ضغوطا إضافية على المالية العامة، وتجبر الدولة على الاختيار بين الأمن والإنفاق الاجتماعي.
العلاقة مع أمريكا
لكنَّ الجانب الأكثر إثارة للقلق -بحسب روزنبرغ- هو تطور العلاقة مع أمريكا، لأن الحرب على غزة وإيران عززت التعاون بين البلدين، ووفرت دعما عسكريا وماليا غير مسبوق، لكنه قد يمثل -بنظر الكاتب- ذروة العلاقة وليس وضعا مستقرا.
ولاحظ الكاتب أن التداعيات السياسية للحرب بدأت تنعكس داخل الولايات المتحدة، خصوصا مع تأثيراتها الاقتصادية مثل ارتفاع أسعار الطاقة، إضافة إلى ظهور مؤشرات بأن إسرائيل ونتنياهو تحديدا قد يتحولان إلى عبء سياسي في واشنطن.
وأظهرت استطلاعات الرأي تراجعا ملحوظا في صورة إسرائيل لدى الأمريكيين خاصة بين الشباب والديمقراطيين، وحتى داخل الحزب الجمهوري بدأ بعض الشباب المحافظين في إبداء مواقف أكثر نقدية.
كما بدأت أصوات مؤثرة داخل تيار ماغا (لنجعل أمريكا عظيمة مجددا) بالتشكيك في جدوى الحرب، موضحة أن التدخل الأمريكي خدم المصالح الإسرائيلية أكثر من المصالح الأمريكية. وأشار الكاتب إلى أنه رغم أن تلك الآراء ما زالت أقلية، فإن تأثيرها يتزايد.
دوامة من الالتزامات
ومع هذه التحديات، يشير الكاتب إلى أن نتنياهو يواصل اتباع نهج عسكري هجومي قائم على الردع والاستباق بدلا من الدبلوماسية، ويشير إلى أن التفوق العسكري الإسرائيلي لم ينجح في إخضاع خصوم إسرائيل في المنطقة، وضرب مثلا بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وقال إنها لم تستسلم حتى الآن.
وشكك الكاتب في مدى قدرة إسرائيل على خوض “حروب بلا نهاية”، وقال إنه في حال عدم التحول نحو المسار الدبلوماسي أو إعادة تعريف أهدافها الإستراتيجية، فإن إسرائيل قد تجد نفسها عالقة في دوامة من الالتزامات المتصاعدة التي قد تعجز عن تحمُّلها.
المصدر: فورين بوليسي
—————————
=====================
تحديث 14 نيسان 2026
——————————–
بعد إسلام آباد/ بكر صدقي
انقضى الأسبوع الأول على بداية الهدنة الهشة في الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وبقي أسبوع. وانتهت المفاوضات بين طهران وواشنطن بإعلان فشلها في التوصل إلى أي اتفاق، لتدخل التاريخ باعتبارها أول اجتماع رسمي بهذا المستوى بين ممثلي البلدين منذ ثورة الخميني في العام 1979. من مفارقات هذا الاجتماع أن يرأس نائب الرئيس الأمريكي فانس وفد بلده، وهو المعروف بمعارضته للحرب؛ وأن يرأس الوفد الإيراني رئيس البرلمان قاليباف الذي دخل اسمه التداول بصفته “الشخصية الخفية” التي زعم ترامب أنه يتواصل مع الأمريكيين من وراء ظهر النظام.
غير أن بروز اسم فانس، في الآونة الأخيرة، مرة وهو يظهر في بودابست لإعلان دعمه لفيكتور أوربان في الانتخابات العامة المجرية، وأخرى في إسلام آباد لخوض مفاوضات صعبة مع طهران، قد أثار تساؤلات حول ما إذا كان يعد نفسه، إعلامياً، لخلافة ترامب الذي ليس من المستبعد أن يدفع الفاتورة السياسية لحربه سواء بإرغامه على الاستقالة أو بعزله قانوناً. قاليباف، بالمقابل، يبدو رجل إيران القوي بعد انطواء حقبة خامنئي الذي اغتالته إسرائيل في أول أيام الحرب، ممثلاً للحرس الثوري الذي تجمع التحليلات على أنه بات المؤسسة الحاكمة فعلياً في إيران بدلاً من ولاية الفقيه.
بكلمات أخرى يمكن القول إن النظام الإيراني قد تغيّر فعلاً بتغير مركز القرار فيه، وإن لم يتعرض للانهيار، وسنرى في الأيام المقبلة في أي وجهة سيمضي هذا التغيير. لا يمكن للنخبة الجديدة طبعاً أن تعلن استسلام النظام الفوري أمام المطالب الأمريكية، حفاظاً على تماسك قاعدته الاجتماعية، كما أنه يريد الحصول على ضمانات بعدم تكرار الحرب مقابل التنازلات التي سيضطر لتقديمها، وبوصلته الوحيدة هي الاستمرار في السلطة.
ولكن على ماذا اختلف الجانبان حقيقةً؟
من السذاجة الركون إلى التصريحات الرسمية بهذا الخصوص. فقد أشار فانس إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره سبب فشل المفاوضات! هذه نكتة بالنظر إلى أن الجانب الإيراني سبق وأعلن مراراً أنه لا نوايا لديه لتصنيع أسلحة نووية، قبل الحرب وأثناءها، وطوال السنوات السابقة. هذا فضلاً عن إعلان ترامب عن قضائه على منشآت إيران النووية مرتين! ربما ليس بلا دلالة أن موضوع مضيق هرمز قد طغى على كل ما عداه من عناصر الحرب وأهدافها. فها هو ترامب يعلن، في أعقاب فشل المفاوضات، أنه سيبدأ بفرض حصار على المضيق وعلى الشواطئ الإيرانية. ترى هل الهدف الحقيقي من الحرب هو فرض وصاية دولية على المضيق للتخلص بصورة نهائية من الابتزاز الإيراني لأسواق النفط والغاز في العالم؟ وهل يستطيع نظام ما بعد خامنئي في إيران التخلي عن هذا السلاح الأخطر من السلاح النووي؟ إذا تذكرنا أن بوصلة النظام الوحيدة هي، مثل أي نظام استبدادي مشابه، البقاء في الحكم مهما بلغت الكلفة، سيبدو خضوعه لترتيبات دولية بشأن قواعد العبور محتملاً، لأنه لا يملك ترف مواجهة المجتمع الدولي. رفضت الدول الأوروبية المشاركة في الحرب على إيران، وبدت واشنطن، ومعها تل أبيب، معزولتين بشأنها، لكنها ستكون معنية ومنخرطة بصورة فعالة حين يتعلق الأمر بمضيق هرمز، كقضية فرعية قائمة بذاتها بسبب تأثير وضعها الكارثي على اقتصادات تلك الدول. وحدها روسيا بوتين سعيدة باحتمال إغلاق المضيق لأنها رفعت من مداخيلها من تصدير النفط والغاز. حتى الصين التي قيل إنها تزود إيران بوسائل دفاع جوي، ضغطت على قادة إيران للموافقة على الانخراط في المفاوضات، وهي من أكثر الدول تضرراً بارتفاع أسعار النفط. يبقى لإيران فقط السعي للتخفيف من الشروط القاسية التي ستفرض عليها في إطار ترتيبات دولية بشأن قواعد العبور في المضيق. أي محاولة الخروج من التفاوض بشأنها بأقل الخسائر الممكنة.
بالعودة إلى ترامب، فهو تحت ضغط مختلف عما تواجهه إيران. إنه ضغط الوقت المتاح أمامه للخروج بإنجاز ما يسمح له بالقول إنه انتصر على إيران، قبل دخول البلاد أجواء الانتخابات النصفية في الكونغرس. فخسارة هذه الانتخابات، إذا حدثت، ستفتح الباب أمام إجراءات عزله بدعوى افتقاره لملكات القيادة. الخروج باتفاق دولي بشأن مضيق هرمز يحيده عن التجاذبات والصراعات السياسية سيكون إنجازاً كبيراً حقاً يمكن لترامب أن يتبجح به أمام خصومه في الداخل والخارج على حد سواء. ومن المحتمل أن يوافق على بعض الشروط الإيرانية مقابل ذلك، كإطلاق الودائع ورفع العقوبات. الأمر الذي ستكون القيادة الإيرانية الجديدة بحاجة ماسة إليه لتعلن بدورها أنها حققت نصراً. فقد تعودنا أن تحقق الأطراف المتصارعة النصر على جانبي الصراع، والحقيقة هي أن الطرفين يخسران، باستثناء حالات خاصة كالذي حصل للرئيس الفنزويلي في بداية العام.
قال فانس بلهجة زعيم مافيا: “قدمنا آخر وأفضل عرض للإيرانيين، ونأمل أن يوافقوا عليه”. وهو ما يعني أن فشل مفاوضات إسلام آباد لا يعني نهاية التفاوض. سيكون على قادة إيران الجدد أن يشربوا كأس سم جديد تحت ضغط الحصار البحري والتهديد باستئناف الضربات.
٭ كاتب سوري
القدس العربي
——————————–
لحظة إسلام آباد في لعبة شد الحبل بين واشنطن وطهران/ عبد الله مكسور
2026.04.13
لا تكمن العقدة في المفاوضات الأميركية الإيرانية في باكستان بشكل الطاولة، ولا في الوسطاء، ولا في الخرائط التي تُبسط أمام الدبلوماسيين. المسألة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها راسخة في طبيعة الصراع ذاته، في تلك البنية الخفية التي لم تبلغ بعد لحظة النضج، أو ما يُعرف باللحظة المواتية، حين تبلغ الأطراف حدّاً من الإرهاق المتبادل يدفعها إلى البحث عن مخرج.
التاريخ يُظهر أن التسويات الحقيقية تُولد أولاً في وعي الأطراف، حين يدرك كل منها أن كلفة الاستمرار في الصراع- سياسياً وعسكرياً واقتصادياً واجتماعياً – باتت أثقل من كلفة التنازل. غير أن المشهد الراهن يكشف غياب هذا الإدراك في أميركا وإيران. فالولايات المتحدة لا تزال ترى في أدوات الضغط إمكاناً لم يُستنفد، في حين تراهن الجمهورية الإسلامية على قدرتها على الصمود والتكيّف بوصفها رصيداً قابلاً للتوظيف. وفي ظل هذا التباين، لا يصبح التفاوض ضرورة، بل خياراً تكتيكياً، أو مساحة للمناورة، لا مساراً للحسم. هكذا يدخل كل طرف المفاوضات وهو يعتقد أن لديه ورقة لم تُلعب بعد، وأن الزمن يعمل لصالحه، لا ضده. يدخل الأميركي تحت سقف تصريحات ترمب النارية، ويدخل الإيراني واضعاً أمامه صور الأطفال الذين قُتِلوا بالغارات الأميركية والإسرائيلية.
وفي سياق التفاوض الحالي تبدو “الصفقة الشاملة” فكرة آسرة أو مغرية، لكنها في الواقع تمر عبر مراحل معقدة، جرى تجاوز بعضها أو إضعافها إلى حدّ الاختلال. فمرحلة ما قبل التفاوض، حيث تتشكل المواقف وتُختبر النوايا وتُرسل الإشارات غير المباشرة، تحوّلت في الحالة الأميركية الإيرانية إلى ساحة صراع بحد ذاتها، امتدت أكثر مما ينبغي، وتجلّت في رسائل عبر الوسطاء، وتصعيد محدود، ثم تهدئة، يعقبها إعادة تموضع. أما مرحلة التفاوض، حيث تُطرح القضايا وتُحدّد الأجندات وتبدأ المقايضات، فهي مثقلة بقدر عميق من انعدام الثقة، زادته تعقيداً تجربة اندلاع الحرب خلال مفاوضات سابقة، ما يجعل الشك حاضراً في أصل العملية، لا في تفاصيلها. وفي ظل تمسك الأطراف بسقوفها العليا بوصفها حدوداً نهائية، يغدو التفاوض عرضاً للمواقف أكثر منه سعياً لتعديلها. أما مرحلة الحسم، التي يُفترض أن تُترجم فيها التفاهمات إلى اتفاق، فهي لا تتطلب تقارباً في الطروحات فحسب، وإنما تحولاً في إدراك طبيعة الصراع ذاته. وهذا التحول لم يحدث بعد. فما تزال واشنطن وطهران تنظران إلى الصراع من زاوية القدرة على إدارته من موقع قوة، لا بوصفه مأزقاً مشتركاً يستدعي الخروج منه.
هذا التعقيد يتعمق مع تباين البنية الداخلية للموقفين. فالولايات المتحدة تتأرجح بين أهداف يعاد تعريفها وفق إيقاع اللحظة وضغط الداخل، بينما تبدو إيران أكثر ثباتاً في صياغة مطالبها وبناء خطاب تفاوضي متماسك حولها. وهذا التباين لا يعكس اختلافاً في المواقف فحسب، ولكن يكشف خللاً في نقطة الانطلاق نفسها. ووفقاً لنظريات فض النزاعات فإنه حين لا يتفق الطرفان على تعريف المشكلة، يصبح الاتفاق على حلّها مسألة بالغة التعقيد، ويغدو الحديث عن صفقة شاملة أقرب إلى وهم سياسي؛ لأن ما تراه واشنطن تهديداً ينبغي احتواؤه، تراه طهران حقاً سيادياً وموقعاً إقليمياً يجب تثبيته.
غياب لحظة الحسم
التوازن غير المكتمل يفسر غياب لحظة الحسم. فالأطراف لا تزال تسعى إلى تحسين شروطها، لا إلى إنهاء الصراع. وحتى ضغط الوقت لا يتحول إلى عامل حاسم، لأن الشعور بالعجز المتبادل لم يكتمل بعد. وما لم يصل الطرفان إلى تلك النقطة التي يتعذر فيها الاستمرار أو الانسحاب باعتباره خياراً مكلفاً، فإن التفاوض سيظل يدور في دائرة المراوحة. فإلى جانب الشروط المعلنة، تلعب الافتراضات غير المعلنة دوراً حاسماً؛ إذ يقرأ كل طرف إشارات الآخر عبر عدسة الشك، لا عبر مضمونها الظاهر، فتُفسَّر مبادرات بناء الثقة أحياناً كعلامات ضعف، ما يعمّق انعدام اليقين بدلاً من تقليصه. ويزداد المشهد تعقيداً مع دخول أطراف أخرى تؤثر في مسار التفاوض من خارج طاولته. فإسرائيل، على سبيل المثال، تتعامل مع المفاوضات بوصفها امتداداً للضغط العسكري، لا مساراً مستقلاً، وتسعى إلى دفع واشنطن نحو اتفاق أكثر صرامة دون تقديم تنازلات مقابلة. وهذا التداخل بين المسارين العسكري والتفاوضي يجعل الفصل بينهما شبه مستحيل، ويضفي هشاشة إضافية على أي تفاهم يُبنى في ظل استمرار العمليات. كما أن توسيع نطاق القضايا -بإدخال ملفات كلبنان أو اليمن- يحوّل التفاوض إلى بنية معقدة من الصراعات المتشابكة، حيث يرتبط كل تقدم في ملف بتعقيدات ملفات أخرى، فيغدو التفاوض محاولة للإمساك بخيوط متعددة دون القدرة على ضبط إيقاعها.
الموقف الإسرائيلي
بالحديث عن الموقف الإسرائيلي فإننا أمام تصريحين، الأول لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يؤكد أنَّ تل أبيب تحت قيادته ستستمر في محاربة نظام إيران الإرهابي، في حين تقول القناة الثالثة عشر العبرية نقلاً عن مصدر إسرائيلي إنّ الأميركيين يتوافقون تماما مع المطالب الإسرائيلية مع الإشارة لعدم الثقة الراسخ في تقديم الإيرانيين لأي تنازلات. قراءة هذه التصريحات لا تكتمل إذا أُخذت بوصفها مواقف إعلامية منفصلة، وإنما يجب إدراجها ضمن منطق أعمق يحكم السلوك الاستراتيجي الإسرائيلي، وهو منطق يقوم على إدارة التهديد لا إنهائه، وعلى التأثير في مسارات التفاوض حتى من خارج الطاولة. حين يقول بنيامين نتنياهو إن إسرائيل ستستمر في محاربة نظام إيران، فهو لا يعلن فقط موقفاً سياسياً، إنه يعيد تثبيت معادلة مركزية في التفكير الإسرائيلي: أن الصراع مع طهران ليس ملفاً تفاوضياً قابلاً للإغلاق، يرقى ليكون تهديداً وجودياً طويل الأمد يجب احتواؤه عبر مزيج من القوة والضغط المستمر. وهذه بطبيعة الحال ليست لغة لحظية، إنها لغة استراتيجية تسعى إلى منع أي تحول في الوعي الدولي قد يُفضي إلى تطبيع فكرة التعايش مع إيران بصورتها الحالية كقوة إقليمية.
أما التسريب الذي تتبناه القناة الثالثة عشر فيحمل دلالتين متوازيتين. الأولى تتعلق بمحاولة تل أبيب تثبيت نفسها كطرف مرجعي في تعريف سقف التفاوض الأميركي، أي نقل موقعها من لاعب إقليمي متأثر إلى شريك ضمني في صياغة الشروط. والثانية تتعلق بإرسال رسالة مزدوجة: إلى إيران بأن هامش المناورة ضيق، وإلى الداخل الإسرائيلي بأن الحكومة تمسك بخيوط التأثير في القرار الأميركي. وفي بنية العقل الاستراتيجي الإسرائيلي، يُنظَر إلى المفاوضات باعتبارها امتداداً لمفهوم القوة وإحدى ممارساتها. أي أن التفاوض يجب أن يجري دائماً تحت سقف ضغط عسكري قائم أو محتمل. ومن هنا، فإن التشديد على عدم الثقة في طهران ليس توصيفاً بقدر ما هو أداة؛ هدفها تقويض أي زخم تفاوضي قد يؤدي إلى اتفاق لا يحقق الشروط القصوى، أو يمنح إيران شرعية سياسية دون تفكيك عناصر قوتها.
هذه الرؤية تتقاطع مباشرة مع ما يجري في باكستان. فإسرائيل تدرك أن المفاوضات لم تبلغ بعد لحظة النضج، وبالتالي فإن أفضل ما يمكن فعله هو منعها من التحول إلى تسوية مستقرة. يعني إبقاءها في حالة سيولة، حيث تستمر الضغوط، وتبقى احتمالات التصعيد قائمة، بما يضمن عدم خروج الاتفاق المرتقب عن الإطار الذي تراه إسرائيل مقبولاً، وهذا ما أكّده مراراً المبعوث الخاص للرئيس الأميركي ستيف ويتكوف في تصريحاته بأنَّ إدارة البيت الأبيض تعرف تماماً المصالح الإسرائيلية وبأنها تعمل على تحقيقها.
التعليقات الإسرائيلية حول المفاوضات تكشف عن قلق ضمني من تل أبيب: ليس من فشل المفاوضات، ولكن من نجاحها الجزئي. فالاتفاقات غير الكاملة، من وجهة النظر الإسرائيلية، أخطر من غياب الاتفاق، لأنها قد ترسخ وضعاً يسمح لإيران بالاحتفاظ بجزء من قدراتها، مع اكتساب شرعية سياسية تخفف عنها الضغوط. لذلك، فإن رفع سقف الخطاب والتشكيك المسبق في أي تنازلات إيرانية، يهدف إلى تضييق مساحة الحلول الوسط، ودفع العملية التفاوضية نحو خيارين حادين: إما اتفاق صارم جداً، أو استمرار الصراع. وهذا يعيدني إلى القاعدة الأعمق التي تعمل بها إسرائيل التي لا تسعى إلى إنهاء الصراع مع إيران عبر التفاوض، وإنما إلى إعادة تشكيل شروطه باستمرار، بحيث يبقى تحت السيطرة، دون أن يتحول إلى واقع مستقر يُقيد حريتها في الحركة. ومن هنا، فإن حضورها في مفاوضات باكستان، وإن كان غير مباشر، يظل حاضراً بقوة في تحديد حدود الممكن، ومنع الوصول إلى ما يتجاوزها.
كل هذه المواقف لا يمكن فصلها عن مسار أكثر تعقيداً يتعلق بالضغوط الداخلية التي يعيشها طرفا المفاوضات. ففي واشنطن، تتداخل الحسابات السياسية مع مسار التفاوض، ما يجعل المواقف عرضة للتبدل، بينما في طهران يتحول الصمود إلى عنصر من عناصر الشرعية، ما يقيّد هامش التنازل. وهكذا، لا يتفاوض الطرفان مع بعضهما فحسب، بل مع جماهيرهما أيضاً.
غياب النتائج الحاسمة
في ضوء هذه المعطيات، لا تبدو نتائج المفاوضات في إسلام آباد حاسمة. أقصى ما يمكن أن تفضي إليه هو تهدئة مؤقتة، ربما في صورة وقف إطلاق نار هش، يقوم على توازن عابر في المصالح، لا على اتفاق صلب. هدنة تُفرض بحكم الضرورة، ولا تُبنى على تسوية حقيقية. وهذا النوع من النتائج يحمل في داخله بذور عدم الاستقرار، لأنه لا يعالج الجذور وإنما يؤجل انفجارها فحسب.
لذلك تكشف لحظة إسلام آباد التفاوضية عن حقيقة أساسية: الصراع لم يبلغ بعد درجة النضج التي تسمح بحله. وما يحدث هو تعبير عن صراع ما يزال في طور التشكل، يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة، دون أن يصل إلى النقطة التي يصبح فيها الحل ضرورة لا مفر منها. وفي هذا المقام قد يبدو أن الوقت يضغط، وأن اللحظة حاسمة، غير أن الزمن في الصراعات لا يُقاس بالساعات، ولكن بدرجة الاستنزاف. لأن اللحظة الحاسمة لا تولد من ضيق الوقت، إنما من توازن العجز: حين يعجز كل طرف عن الحسم، ويعجز في الوقت ذاته عن الاستمرار. وهذه اللحظة لم تأتِ بعد في تقديري؛ لم تُكسر إيران بما يكفي لتقبل بشروط خصمها، ولم تُستنزف الولايات المتحدة إلى الحد الذي يدفعها إلى تغيير قواعد اللعبة.
وعليه، يبدو أن الفشل هو المآل الأرجح لهذه الجولة، غير أن البديل لن يكون بالضرورة انفجاراً شاملاً، فهذا مؤجل في المدى المنظور لأن كلفته عالية، قد نشهد عودة إلى حالة أكثر برودة: تصعيد محسوب، يعقبه تراجع محسوب، ثم استقرار هشّ فوق طبقات من التوتر. وهكذا يُدار الصراع دون أن يُحلّ، وتبقى جذوره حيّة، كامنة تحت السطح، تنتظر لحظة أخرى، قد تكون أكثر قسوة أو أكثر نضجاً. ليبقى السؤال أمامنا، يتعلق بمنطقتنا قبل أي شيء آخر: ماهي الفاتورة التي ستدفعها الجغرافيا العربية إن حصَل الاتفاق؟ وما هي الفاتورة التي ستدفعها إن لم يحصل الاتفاق بين واشنطن وطهران؟
تلفزيون سوريا
——————————–
هل فشلت المفاوضات بين إيران وأميركا؟/ عمار ديوب
13 ابريل 2026
لم يسقط النظام الإيراني كما توقّع ترامب، ولم يتكرّر سيناريو فنزويلا ببروز قيادة إيرانية جديدة تتفاوض معه، وتتوقف الحرب سريعاً. طالت الحرب 40 يوماً، ولم يتوقّف النظام في طهران عن المواجهة، على الرغم من فارق القوة. ثم نجحت المبادرة الباكستانية، وبدأت المفاوضات في إسلام أباد، وسقط خيار تغيير النظام بذلك، وتحقّق لإيران الاعتراف بنظامها من جديد عبر التفاوض معه. يقوم سيناريو التفاوض الأميركي، كما أوضحه جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي الذي قاد المفاوضات، على التفاوض بشأن فتح مضيق هرمز بشكل كامل، والالتزام “المطلق” بعدم حيازة الأسلحة النووية، إذاً حتى تغيير شكل النظام لم يكن على الطاولة الباكستانية. تتمسّك إيران بأن تبقى لاعباً إقليمياً، وبوقف الحرب على لبنان، وببقاء سيطرتها على مضيق هرمز، وتتجاهل الضعف الشديد الذي أصبحت عليه بعد الحرب المدمّرة.
من الخطأ النظر إلى المفاوضات بأنها فشلت، وهي التي بدأت وتعثّرت، فتوقفت، بسبب عدم استجابة إيران بشكل واضح للطلبات الأميركية، وربّما هناك شروط غير معلنة. لم تنته المفاوضات، ولا سيّما أنّ فانس أكّد أنّ هناك “عرضاً نهائياً” لم توافق عليه إيران، ولكن لم ترفضه بشكل نهائي. إذاً، لا بدّ من حوار داخل النظام الإيراني بصدده، والأمر نفسه يخصّ الوفد الأميركي تجاه الشروط الإيرانية. هل تتجدّد المفاوضات؟ على الأغلب. هل تتجدّد الحرب؟ هنا القضية المعقّدة، فهي لم تتوقّف ضدّ لبنان، ولكن تجدّدها ضدّ إيران يتطلّب حسابات جديدة، وربّما تكرار ترامب القول إنّه انتصر عسكرياً يتضمّن أنّ الحرب لن تتجدّد مباشرة، وبالتالي هناك إمكانية للعودة إلى التفاوض.
ما يقف عائقاً أمام التفاوض بالمعنى الجاد، إضافةً إلى ما أوضحت السطور أعلاه، ويتعلّق بالطرفَين، أنّ إيران تتمسّك بدور إقليمي وبالإشراف على مضيق هرمز الذي يمرّ عبره خمس النفط العالمي، وهو أحد خطوط التجارة العالمية. وكذلك تتمسّك بوقف الحرب ضدّ لبنان، وهذا ما ترفضه الدولة الصهيونية بشكل كامل، وجزء من حربها ضدّ إيران هو لـ”قطع” أذرعها في محيطها. وبالتالي، لن تقبل، وهذا أحد أسباب تجدّد الحرب، وتريد إسرائيل إضعاف حزب الله أكثر فأكثر، وصولاً إلى تجريده من سلاحه، وبتعذّر ذلك سيستمرّ التوسّع في جنوب لبنان وإيجاد منطقة آمنة، وربّما اللعب بالساحة اللبنانية وإشعال الحرب الطائفية، ولا سيّما بعد الفشل في توريط سورية في قتال حزب الله في لبنان.
لن تقبل الإدارة الأميركية بقاء إيران حليفةً للصين، ومع تعثّر المفاوضات والانتقال إلى علاقات أفضل، وتحويل إيران إلى دولة للاستثمار الأميركي، ستتقدّم خيارات الحصار كذلك، وربّما بدءاً من احتلال جزيرة خارج مثلاً، وعزل إيران أكثر فأكثر. وبالتالي هناك خيارات متعدّدة وليست الحرب خياراً وحيداً، خصوصاً أنّ غاية الدولة الصهيونية تحقّقت بفصل المسارات واستمرار الحرب ضدّ لبنان. وفي مفاوضات مرتقبة بين إسرائيل السلطة اللبنانية، فإنّ مسألة حزب الله هي العقدة الأكبر، والمستندة إلى الاحتلال الصهيوني الجديد للأراضي اللبنانية. هنا عقدة كبيرة تقف أمام المفاوضات: فكيف سيتمّ تجريد حزب الله من سلاحه؟ وكيف ستتراجع الدولة الصهيونية عن احتلال أراضٍ لبنانية؟ وهذا يدخل في حسابات اللعبة السياسية الداخلية في هذه الدولة. إذاً الأمور نحو مزيد من التعقيد، وفي غياب التفاوض الجادّ، وباستمرار حزب الله في المواجهة، فإنّ الحرب الصهيونية على هذا البلد مستمرّة، ولنقل إنّ هناك تعقيداتٍ كثيرة تتيح عدم التوصّل إلى اتفاق واستمرار الحرب، وبأشكال متعدّدة، وإن بشكل متقطّع كذلك.
صمود النظام الإيراني هو ما فرض التفاوض، ولكن هناك خسارات هائلة حصلت في الداخل، ولا تبدو أميركا في وارد الاستجابة للشروط الإيرانية بالتعويض أو بالموافقة على شروط إيران بالإشراف على مضيق هرمز أو البدء برفع العقوبات. وجود رغبة أميركية، وخليجية ايضاً، في التفاوض لا يعني أبداً إمكانية عودة العلاقات بين الخليج وإيران إلى طبيعتها؛ فقد تضرّرت منشآت في بنيتها التحتية بشكل كبير، وكانت الحرب ضدّها بمثابة “عدوان”، وليس لأسباب حقيقية. نقصد هنا أنّ إيران معنية بطرح مبادرة، وبغض النظر عن “عرض فانس” للمنطقة بأكملها، وبدءاً من الخليج، والتمسّك بالتفاوض مع الإدارة الأميركية. وحسناً فعلت الأخيرة بأنّها لم تشترط وجود وفد للدولة الصهيونية، وهنا نشير إلى ضرورة وجود وفد خليجي، وليس فقط سعودياً أو مصرياً، لأنّ كل تلك الدول تضرّرت، وهي مجاورة لإيران، ويجب إرساء أسس جادّة للعلاقات المستقبلية بعيداً من عقلية الهيمنة المتوهّمة إيرانياً، وهي العقلية ذاتها التي تتحكّم في الدولة الصهيونية، وإلى حدّ ما في تركيا.
لم تنته خيارات الحرب، والقوات الأميركية مستمرّة في القدوم والتمركز في المنطقة، ولهذا يجب أن تتقدّم إيران بمبادرة تحفظ فيها حقوقها دولةً وازنةً في المنطقة وتراعي مصالح بقية دولها. يقع على إيران التخلّي كلّياً عن دعم هذه الأذرع، فهناك، غير الرفض الصهيوني لها، رفض عربي كذلك، وخليجي بشكل خاص، ولكلٍّ أسبابه. يهمّ كاتب هذا المقال الرفض العربي، فالدولة الصهيونية استيطانية ويجب أن تتفكّك، وأمّا العرب والأتراك والإيرانيون والأكراد فهم شعوب المنطقة، واليهود ممّن يعترف بذلك. ومن هنا فإنّ إيران، التي انتهجت سياسات خاطئة بخصوص العالم العربي، معنية (وهي التي قد تواجه تجدّد الحرب) بإطلاق مبادرة حقيقية تمنع إمكانية التجدّد.
تخطئ إيران كثيراً بتهميش مصالح الدول الخليجية والعربية في مفاوضاتها مع الإدارة الأميركية، وقد أوجدت هذه الدول لنفسها مساحةً من عدم التطابق مع الإدارتين الأميركية والصهيونية في أثناء الحرب، وهذه رسالة تطمين لإيران، فهل تعي أهميتها وتتخلّص نهائياً من فكرة الهيمنة؟
لم تفشل المفاوضات بشكل نهائي بعد، ولكنّ جولتها الأولى لم تنجح كذلك. إيران معنية بتدوير الزوايا، وبتلك المبادرة، ومعنية كذلك بانتهاج استراتيجية جديدة مع الدول العربية، ومع الداخل الإيراني الذي رفض التظاهر في ظلّ الحرب كما توهّم ترامب. لا يفيد العناد مع الفاشية الأميركية التي شنّت الحرب رغم الرفض الأوروبي والبريطاني لها؛ فالإدارة الأميركية لم تقاتل إيران في إيران، بل الصين كذلك، وهذا لن يتغيّر، وتريد فرض هيمنتها على المنطقة بأكملها في سياق محاولتها تجديد الهيمنة على العالم. وإذ نعيد تأكيد المبادرة الإيرانية، هناك ضرورة أيضاً لدبلوماسية عربية وتركية نشطة تضمن مصالح شعوب المنطقة، وتبنّي مبادرة عربية تجاه القضية الفلسطينية، والتمسّك بحقوق الفلسطينيين في أنّهم أصحاب الأرض كذلك، وهذا ما سيعيد حسابات الإدارة الأميركية في دعمها للدولة الصهيونية في فرض سيطرتها على المنطقة.
صحيح أنّ المنطقة تمرّ حالياً بمناخات إمكانية تجدّد الحرب، ولكنّ هدف هذا المقال فيما يطرحه الوصول إلى الاستقرار الجادّ والراسخ؛ إنّ قضية الحرّيات الداخلية في إيران والمنطقة، وبناء علاقات خارجية على أسس الندّية والمصالح المشتركة، وعلى حقّ الفلسطينيين في تشكيل دولتهم، قضايا مركزية لوقف التدهور. وفي هذا كلّه سيكون من الصائب أن تتخلّى إيران عن فكرة إنتاج الأسلحة النووية بشكل كامل، وهذا سيبرّد أسباب الخلاف، وكذلك إن فعلت بإنهاء دعمها “أذرعها” في المنطقة، هذا وذاك قد يدفعان الإدارة الأميركية إلى انتهاج خيار التفاوض بشكل نهائي.
دلالات
العربي الجديد
—————————–
هل تفاوضوا حقّاً في إسلام أباد؟/ معن البياري
13 ابريل 2026
صحيحٌ أن ترامب مُضجرٌ في كثرة ثرثراته وتصريحاته، إلا أنه، في هذه وتلك، طريفٌ أحياناً، من قبيل قوله، فيما كان وفدُه في إسلام أباد يجادل وفداً إيرانياً، قبل نحو ساعتيْن من انتهاء مداولاتهم هناك، إنهم قد يتوصّلون إلى اتفاقٍ وقد لا يتوصّلون إلى اتفاق. لم يكن يمزَح، وهو الذي يعرف أن نائبه جي دي فانس ورجله ويتكوف وصهره كوشنر غادروا إلى العاصمة الباكستانية، مصحوبين بنحو ثلاثمائة من الخبراء والمعاونين والسكرتاريا ورجال الأمن (في طائرتين)، لأمرٍ آخر غير التفاوض، بل لإبلاغ الجانب الآخر، مباشرةً ومن خلال الوسطاء الباكستانيين، شروطاً ومطالب متعيّنة، ثم يعودون باتفاق إذا وافق الإيرانيون عليها، أو بدونه إذا رفضوها. ولأن الأميركيين، في العموم، مغرمون بصناعة التشويق والإثارة (لذلك يعدّون صانعي السينما الأكثر كلفةً وبراعة)، جعلونا، تلك الليلة الأسبوع الماضي، نترقّب الجحيم الذي توعّد به ترامب إيران إذا لم تفعل ما طولبت به، ثم لم يحدُث شيءٌ منه. تالياً، أخذوا حواسّنا إلى إسلام أباد، عساهم المتفاوضون هناك يُبلغون العالم بشيءٍ من التفاؤل، أو بمقدارٍ من التفاهم، أو أقلّه بقسطٍ من تبريد التأزّم الحاد. ولم يكن أحدٌ يتوقّع أن يخرج قاليباف ودي فانس متصافحيْن باسميْن أمام العدسات، غير أن المنتظر، أو ما كان مرجّحاً في قراءاتٍ واسعة، أن تكون جلسات التفاوض، الطويلة والصعبة، في ضيافة رئاسة الحكومة الباكستانية، جدّية. وكان هذا سيصيرُ كافياً، وفي وُسعها تلك المداولاتُ لو اتّصفت بالجدّية وحدَها أن تشيع مزاجاً آخر، قد تنبني عليه آفاقٌ للوصول إلى تفاهمات الحد الأدنى في جلساتٍ أخرى، موصولةٍ بالساعات العشرين السبت الماضي المرهقة، أو تُستأنف لاحقاً.
ما أفضى به فانس عن عدم الوصول إلى أي اتفاق، بمعنى فشل المفاوضات في تعبيرٍ أكثر وضوحاً، ومغادرة الفريق الأميركي إسلام أباد، لم يدلّ على أن طهران رفضت ما تقدّمت به واشنطن من شروط (وهذا قول فانس نفسِه)، وإنما على أن إدارة ترامب باقيةٌ في المطرح نفسه، لا تريد أن تغادر منطق الشروط والمطالب التي على إيران أن تخضع لها من دون أخذٍ وردّ، فإذا كانت الأخيرة قد التزمت، في مسقط وجنيف سابقاً، بعدم امتلاك سلاحٍ نوويٍّ، فهذا غير كافٍ في منظوريْ ترامب ونتنياهو، بل النموذج القذّافي هو المطلوب، التخلّي التام عن أي مقدّرات وإمكانات ومواد نووية، من اليورانيوم وغيره (لستُ مختصاً بهذا كله)، وتسليمها إلى الولايات المتحدة. وإيران ليست الدولة التي يرضى الحاكمون فيها بإذلالٍ كهذا، سيّما أن زعاماتٍ وقياداتٍ وكفاءاتٍ عسكريةً ومدنيةً وعلميةً خسرتها في اعتداءاتٍ وجرائم مشهودة اقترفها العدو الإسرائيلي بإسنادٍ أميركي.
أمّا وأن ملفّ مضيق هرمز من الملفّات العويصة التي استحكم الخلاف بشأنها في جولة إسلام أباد، الاستعراضية في وصفٍ جائزٍ لها، فهذا مفهوم، لكن تعنّت ترامب وصهاينة فريقه بشأن لبنان شاهدٌ جديدٌ على ارتهان المقيمين في البيت الأبيض لإرادة نتنياهو. وافق المذكورون على شمول بلد الأرز في وقف إطلاق النار الجاري، على ما صدق القول رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، غير أن رئيس حكومة الدولة اللعنة على البشرية (بوصف وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف محقّاً)، واسمُه نتنياهو، أفلح تالياً في إقناع صديقه ترامب بأن الترخيص له بارتكاب المذابح في لبنان لا يجوزُ أن يكون على صلةٍ بالحرب في بلاد فارس، فيردّ الأخير بالموافقة، وإنْ يطلب التخفيف ما أمكن من وتيرة هذه الأفعال.
صحيحٌ أنها نحو عشرين ساعة من المداولات في ثلاث جلسات، تخلّلتها استراحاتٌ، ولم يكن جائزاً لفانس وويتكوف وكوشنر، للاعتبارات الأمنية العتيقة، المبيت في إسلام أباد، إلا أن الناظر في الذي رشح من أنباءٍ أنها لم تكن جلسات تفاوض، وإنما مجادلاتٌ كلامية، ذهبت إلى تخوم التفاصيل في غير نقطة، لكنها في القضايا الجوهرية والمركزية بقيت حرثاً في بحر… ولئن من المبكّر أن يخوض واحدُنا في الممكنات التي ستنصرف إليها تطوّرات ما بعد هذا الفشل في إسلام أباد: هل سيجلس نتنياهو إلى ترامب، كما فعل عشية الحرب، وأقنعه بشنّها، وبنجاحها في إسقاط النظام في طهران! (التفاصيل في تحقيق “نيويورك تايمز”)، أم سيعمَد الرئيس الأميركي إلى خياراتٍ انتحارية، أو أقلّ انتحارية، لكسر ثمرة الجوْز القاسية؟ سنسهر ليلة العشرين من إبريل/ نيسان الجاري، فيبلُغَنا الخبر اليقين.
العربي الجديد
—————————-
من مضيق هرمز إلى بيروت: رهانات ترامب والحرس الثوري على الشرق الأوسط/ راغدة درغام
أبريل 13, 2026
منطقياً، يفترض ألّا تنهار المحادثات الأمريكية الإيرانية التمهيدية لإجراء مفاوضات الفرصة الأخيرة لأن كل من الوفدين توقّع من الآخر رفع السقف قبل وصوله إلى إسلام آباد، فترك مساحة للمناورة التفاوضية. ليس هناك بعد اختراقاً جذرياً في العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، لكن هناك شبه اعتراف من إدارة دونالد ترامب بشرعية حكم الحرس الثوري الراديكالي العقيدة والهوية مهما حاول دونالد ترامب أن يصف رجال النظام الجدد بالعقلانية زاعماً أن العمليات العسكرية الأمريكية أسفرت عن تغيير النظام في طهران.
شراء الوقت حاجة مشتركة بين الطرفين الأمريكي والإيراني من أجل دراسة واستدراك الأخطاء الاستراتيجية والتكتيكية وإعادة التموضع عسكرياً وسياسياً. كلاهما يحتاج فسحة التنفس واستراحة المحارب لأن كلًّ منهما اصطدم بمنطق الآخر في حسابات الانتصار والهزيمة: منطق الجبروت العسكري مقابل منطق الانتحار. خرج كل منهما في الجولة الأولى بلا هزيمة مطلقة للنظام في طهران، وبلا انتصار قاطع لدونالد ترامب.
جني الأموال بات هدفاً مشتركاً بين واشنطن ترامب وطهران الحرس الثوري. الجديد والمثير للاهتمام والقلق هو أن الرئيس الأمريكي تحدث بلغة الشراكة الأمريكية الإيرانية لجني الأموال عبر مضيق هرمز قبل أن يتراجع ويستدرك تداعيات هذه الفكرة المسيئة لحلفاء الولايات المتحدة من الدول العربية في الخليج والشرق الأوسط وكذلك للحلفاء الأوروبيين.
لافت أن حديث الشراكة الأمريكية الإيرانية في إدارة مضيق هرمز دغدغ تطلعات الحرس الثوري ليس حباً بما يسميه “الشيطان الكبير” وإنما لأن الفكرة الجهنمية تنصب الجمهورية الإسلامية الإيرانية قوةً عالمية في الشرق الأوسط، أولاً. وثانياً، لأن مثل هذه الشراكة تنسف الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والدول الخليجية العربية.
وثالثاً، لأن الشراكة بين “الشيطان” الأمريكي في نظر طهران مع النظام “الإرهابي” في نظر واشنطن يشكل أرضيةً لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بتلاقي فوقية القومية الفارسية مع فوقية القومية الأمريكية المنعطفة على فوقية القومية اليهودية لإسرائيل بتهميش متعمّد للرؤية والمشاريع التنموية في المنطقة العربية، بالذات في دول الخليج.
قد يزعم رجال طهران أنهم تمكنوا من كسب أمريكا إلى صفوفهم وإحداث انشقاق في التلاحم الأمريكي الإسرائيلي وهم يبررون الصفقات المعلنة والخفية التي في أذهانهم. يريدون تهيئة الأرضية لتبرير الصفقات من اجل البقاء في السلطة ومن اجل جني القدر الضخم من الأموال.
رجال طهران يراهنون على إجبار دونالد ترامب لبعض دول مجلس التعاون الخليجي على دفع فاتورة التعويضات التي تطالب بها إيران، وهم يبنون تفكيرهم على قاعدة أن القاسم المشترك بين إيران وإسرائيل هو السعي لتقزيم الوزن العربي في الشرق الأوسط. يريدون إحياء تلك العلاقة التهادنية التاريخية بين الفرس واليهود كاستراتيجية للشرق الأوسط الجديد.
لن يتخلى رجال طهران عن اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية مع كل من الصين وروسيا لأن لا حاجة بهم إلى الاستغناء عن هذين الشريكين المهمين لهم عسكرياً واقتصادياً وكسند في النفوذ الإقليمي. الفكرة بسيطة في حساباتهم وهي أن تكون الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحدها الشريك الاستراتيجي للدول الكبرى في الشرق الأوسط.
معظم القيادات الخليجية العربية استبقت المفاجآت والاعتباطية وبنت علاقات مع الصين وروسيا وأوروبا استعداداً لها. لكن العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية تبقى أساساً إستراتيجياً للدول العربية الخليجية مهما نوّعت في العلاقات. واليوم تجد هذه الدول نفسها أمام مراجعة ضرورية لاحتمال الانقلاب الأمريكي الإيراني في موازين القوى، كما لاحتمال تلقي المزيد من الانتقام الإيراني منها في حال الفشل في النقلة النوعية في العلاقات الأمريكية الإيرانية بعد محطة إسلام آباد.
الوفد الإيراني إلى محادثات إسلام آباد ترأسه رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وهو الرجل الذي أشرف على القمع الدموي للمتظاهرين في إيران الذين وعدهم دونالد ترامب بنصرتهم. يمكن لترامب أن يقول لهم أنه دمر قدرات إيران العسكرية، وسحق الصف الأول من القيادة الإيرانية بشراكة مع إسرائيل، وقلّص قدرات النظام على الاستمرار في البطش، وبالتالي سهّل أمامهم إمكانية تغيير النظام.
لكن تأهيله للحرس الثوري قائداً “عقلانياً” لإيران- بحسب وصفه- انما يخوّن وعده للمعارضة الإيرانية ويضعه أيضاً أمام مفاجآت متوقعة وهي رفض رجال النظام الجدد التخلي عن الأسس الرئيسية لعقيدة النظام النووية والصاروخية وتلك المتعلقة بالوكلاء.
ولكن. لكن إغراءات المال والاعتراف الأمريكي بشرعية رجال الحكم في طهران قد تؤدي برجال النظام الجدد إلى التأقلم هنا وهناك. فهم يتقنون فنون المماطلة والبازار.
ما لن يتخلوا عنه هو السيطرة التامة على إيران لأن بقاء النظام أولوية والمعارضة في رأيهم مجموعة خونة.
قد يتقدمون بتنازلات طفيفة لها وطأة إعلامية كبرى في المجال النووي تمكّن دونالد ترامب من أن يزعم الانتصار ويبرر دوافع الحرب.
قد يوافقون على تعديلات تجميلية في مسألة الصواريخ البالستية وليس في مسألة المسيّرات.
ما لن يتخلوا عنه هو تلك الترتيبات الجديدة التي تدر عليهم الفوائد المالية الكبرى في مضيق هرمز.
وما لن يضحوا به هو الوكلاء والميليشيات التابعة لهم في العراق ولبنان واليمن. هذا ما لم تشترط إدارة ترامب جدياً وبصورة حاسمة ضرورة تفكيك هذه الميليشيات، وليس مجرد التوسل لطهران أن تخفف تمويلها وتسليحها لها. عدا ذلك كل ما يبدو أنه تعاون إيراني في مسألة الوكلاء ليس سوى الترتيبات الانتقالية المرحلية وليس تعديلاً جذرياً للعقيدة الأساسية.
لعل لبنان نجا من الوقوع في الفخ الإيراني الذي اشترط ربط وقف النار بين إسرائيل وحزب الله ببدء المفاوضات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد وكأن للجمهورية الإسلامية الإيرانية صلاحية مصادرة السيادة اللبنانية.
تراجع رجال طهران عن هذا الشرط رغماً عنهم نتيجة لدبلوماسية أمريكية ناجحة حيث انطلقت وساطة أمريكية لمفاوضات مباشرة بين دولة لبنان وإسرائيل لوقف النار وللتوصل إلى سلام.
اتخاذ الدولة اللبنانية قرار تأمين بيروت كان ضرورياً وهي تستحق التشجيع والدعم ليقوم الجيش اللبناني بمهامه وواجباته نحو العاصمة بلا خوف أو تخويف من حزب الله أو الحرس الثوري الإيراني أو بعض القيادات اللبنانية.
قرار بدء التفاوض المباشر مع إسرائيل قرار شجاع يستحق أن تضغط إدارة ترامب على إسرائيل للبناء عليه بإيجابية وليس بفوقية، وأن يضغط الوفد الأمريكي المفاوض في إسلام آباد بصورة جدية وحازمة على الوفد الإيراني ليكف كلياً عن استخدام لبنان ساحة مباحة لعقيدته ومصالحه وحروبه بالنيابة.
بكلام آخر يجب أن لا تفشل الولايات المتحدة بالفرض على إيران التخلي التام عن استراتيجية الأذرع والوكلاء والميليشيات لأنها غير شرعية. فإذا تعاطت إدارة ترامب مع هذه العقيدة على أنها ثانوية معتبرة انه يجب عدم التمسك بها من اجل أنجاح المفاوضات، فإنها ترتكب بذلك الخطأ الاستراتيجي الفادح الذي ارتكبه الرئيس السابق باراك أوباما وانتهى بنا إلى حيث نحن الآن.
الرئيس ترامب ما زال غير منتصر في هذه الحرب، والحرس الثوري ما زال غير مهزوم.
محادثات إسلام آباد امتحان وميزان لمستقبل العلاقات الأمريكية الايرانية، كما لصدقية دونالد ترامب، كما لنائبه جاي دي فانس الذي ترأس وفد التفاوض على مستقبل الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج والشرق الأوسط.
النهار العربي
——————————–
من إسلام آباد إلى دمشق.. مفاوضات القوة وحدود الحياد/ صهيب جوهر
2026.04.14
ليست المفاوضات الجارية اليوم مجرّد مسار تقني لاحتواء حرب، بل هي لحظة كاشفة لإعادة توزيع الأدوار داخل الإقليم وخارجه. ما يجري في إسلام آباد بين واشنطن وطهران لا يُقاس فقط بما قد ينتهي إليه من تفاهمات، بل بما يكشفه عن طبيعة التحولات داخل النظامين الأميركي والإيراني، وعن شكل المرحلة المقبلة في المنطقة. في هذا السياق، تتحول طاولة التفاوض إلى مساحة اختبار مزدوجة: اختبار للقيادة السياسية، واختبار لإعادة تعريف الموقع والدور.
في الجانب الأميركي، يدخل نائب الرئيس جي دي فانس إلى هذا المسار من موقع غير تقليدي. فهو لا يمثل مدرسة التدخل العسكري الكلاسيكية، بل يعكس توجهاً أكثر حذراً، يميل إلى تقليص الانخراط المباشر وتفضيل أدوات الضغط السياسي والتفاوضي. لكن هذا الخطاب، الذي يبدو جذاباً في الداخل الأميركي، يواجه الآن امتحانه الحقيقي: هل يمكن تحويله إلى سياسة فعالة في واحدة من أعقد ساحات الصراع في العالم؟
المعضلة التي يواجهها فانس لا تتعلق فقط بإيران، بل بالبيئة السياسية التي يتحرك ضمنها في واشنطن. فهو يعمل تحت سقف قيادة تجيد توظيف التفاوض كأداة تكتيكية، لا كمسار استراتيجي بالضرورة. في هذا الإطار، يصبح النجاح محدوداً بقدر ما هو ضروري: يكفي تحقيق إنجاز جزئي يمكن تسويقه داخلياً، مثل تجنب حرب واسعة، لكن أي تعثر قد يتحول بسرعة إلى عبء شخصي عليه. إنها معادلة قاسية: أن تقود المفاوضات بما يكفي لتحصد ثمارها، من دون أن تتحمل وحدك كلفة فشلها.
في المقابل، يبدو المشهد الإيراني مختلفاً في الشكل، لكنه لا يقل تعقيداً في الجوهر. محمد باقر قاليباف لا يدخل التفاوض بصفته مجرد ممثل رسمي، بل كجزء من عملية إعادة تموضع داخل النظام الإيراني نفسه. فمع تراجع أو غياب عدد من الشخصيات المؤثرة، تتسع المساحة أمامه لتقديم نفسه كواجهة براغماتية قادرة على إدارة التوازن بين الثوابت الأيديولوجية ومتطلبات الواقع.
غير أن هذه المساحة محفوفة بالمخاطر. فالتفاوض مع الولايات المتحدة، في السياق الإيراني، لا يُقاس فقط بنتائجه، بل بكيفية تقديمه داخلياً. أي انزلاق نحو تقديم تنازلات ملموسة قد يُفسَّر كمساس بجوهر النظام، في حين أن التشدد المفرط قد يفوّت فرصة إعادة التموضع. لذلك يتحرك قاليباف ضمن هامش ضيق: أن يبدو مرناً من دون أن يُتّهم بالضعف، وأن يحقق مكاسب من دون أن يدفع أثماناً سياسية داخلية.
ما يجمع الرجلين، رغم اختلاف السياقين، أنهما يتحركان في لحظة انتقالية. فانس يمثل توجهاً أميركياً يسعى لإعادة تعريف دور الولايات المتحدة في العالم، وقاليباف يعكس محاولة إيرانية للتكيف مع بيئة إقليمية أكثر ضغطاً وتعقيداً. من هنا، لا تعود المفاوضات مجرد وسيلة لإنهاء صراع، بل تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الشرعية السياسية داخل كل نظام.
لكن ما يحدث على طاولة إسلام آباد لا ينفصل عن التحولات الجارية في الإقليم، حيث تبرز سوريا كنموذج معقد لمحاولة التموضع في قلب العاصفة. فدمشق، التي سعت منذ بداية الحرب إلى تبني سياسة “الحياد الحذر”، وجدت نفسها عملياً داخل معادلة لا تسمح بالحياد الكامل. موقعها الجغرافي، وتماسها مع بؤر التوتر، يجعلانها جزءاً من المشهد حتى عندما تحاول الابتعاد عنه.
هذا الواقع فرض على سوريا تبني مقاربة متعددة المسارات: من جهة، السعي إلى الاندماج مجدداً في النظام الإقليمي العربي، ومن جهة أخرى، محاولة الحفاظ على استقلالية القرار الداخلي وتجنب الانخراط في الصراع. لكن التحدي يكمن في أن هذه المقاربة تصطدم ببيئة إقليمية متفجرة، حيث يصعب الفصل بين الأمن الداخلي والتوازنات الخارجية.
التحدي الإسرائيلي يبقى العامل الأكثر حساسية في هذا السياق. فإسرائيل لا تتعامل مع سوريا كطرف محايد، بل كساحة محتملة لتوسيع نطاق الصراع. من خلال الضربات المتكررة، ومحاولات دفع دمشق إلى الانخراط في المواجهة، تسعى تل أبيب إلى إعادة رسم البيئة الأمنية في الجنوب السوري، بما يخدم استراتيجيتها الأوسع في المنطقة. هذا يضع سوريا أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على عدم الانخراط، من دون الظهور بمظهر العاجز عن الرد.
في موازاة ذلك، تشهد علاقات سوريا مع دول الجوار، وخصوصاً لبنان والعراق، إعادة تشكيل تحت ضغط الحرب. في لبنان، يتقاطع المسار السوري مع واقع داخلي معقد، حيث تسعى الدولة إلى حصر السلاح بيدها في ظل توازنات دقيقة تمنع الانزلاق إلى مواجهة داخلية. أما في العراق، فقد انتقل البلد من ساحة لتبادل الرسائل إلى ساحة لإدارة الصراع نفسه، ما يفرض على دمشق تنسيقاً أمنياً وسياسياً أكثر تعقيداً لضبط الحدود ومنع ارتدادات التصعيد.
وسط هذه التحولات، تبرز الجغرافيا السورية كعامل حاسم في معادلة ما بعد الحرب. فإغلاق مضيق هرمز أعاد إحياء التفكير بممرات بديلة للطاقة، ما أعاد وضع سوريا على خريطة الإمداد الإقليمي. مشاريع نقل النفط عبر الأراضي السورية، وإعادة تأهيل خطوط الأنابيب القديمة، ليست مجرد خطوات اقتصادية، بل مؤشرات على إمكانية تحول سوريا إلى عقدة لوجستية في النظام الإقليمي الجديد.
في المحصلة، نحن أمام مشهد مترابط تتداخل فيه المستويات الدولية والإقليمية. المفاوضات في إسلام آباد ليست معزولة عن تحولات دمشق، كما أن محاولات الحياد السورية ليست منفصلة عن نتائج تلك المفاوضات. المنطقة بكاملها تعيش لحظة إعادة تعريف: للأدوار، وللتحالفات، وللمعادلات التي حكمتها لعقود.
قد لا تنتج هذه المرحلة اتفاقات نهائية أو حلولاً جذرية، لكنها ترسم ملامح التوازنات القادمة. وفي عالم كهذا، لا يكون الأهم دائماً من ينتصر بشكل واضح، بل من ينجح في التموضع داخل المنطقة الرمادية، حيث تُصنع السياسة الحقيقية.
تلفزيون سوريا
—————————–
لماذا أصبح الشارع الهاجس الأول للنظام الإيراني؟/ ضياء قدور
أبريل 14, 2026
باتت طهران تتعامل مؤخراً مع الشارع الإيراني كجبهة حاسمة لا تقل خطورة عن جبهات الحرب نفسها. ففي الفترة الأخيرة، تكررت في الخطاب الرسمي الإيراني عبارة واحدة بصيغ متعددة: لا تتركوا الشارع. لم تكن هذه مجرد استعارة، بل تعبيراً عن عقيدة أمنية كاملة ترى أن الشرعية والسيطرة تُحسم في الفضاء العام، وليس داخل المؤسسات الرسمية.
لذلك، يعامل النظام الإيراني الشارع على أنه مرآة القوة الاجتماعية، وعنق الزجاجة الذي إن انكسر فتح الطريق أمام موجات احتجاج يصعب احتواؤها، خاصة بعد الخبرة الكبيرة التي راكمها الشعب الإيراني من خلال انتفاضاته المتتالية.
واللافت أن النظام لم يكتفِ بأدواته التقليدية داخل المدن من حرس ثوري وباسيج وشرطة، بل بدأ يدفع بعناصر من ميليشيات مرتبطة بفيلق القدس مثل لواء زينبيون ولواء فاطميون، وكذلك مجموعات من الحشد الشعبي العراقي، بل وحتى عناصر من حزب الله اللبناني، نحو الداخل الإيراني.
المفارقة الكبرى أن هذه التشكيلات تُروَّج خارجياً على أنها أدوات لمواجهة أمريكا وإسرائيل، بينما يستخدمها النظام في الواقع داخل المدن كقوة إسناد لتعزيز قبضته على الأحياء والشوارع.
وتتحدث الشهادات المحلية والمعلومات المتداولة عن إسكان بعض هذه العناصر في مبانٍ عامة وحتى مدارس، وتكليفها بإقامة حواجز ونقاط تفتيش في مناطق حساسة مثل زاهدان وزابل وتشابهار وكنارك وسيريك وميناب.
كما انتشرت مشاهد لقوافل عسكرية طويلة تدخل المدن في استعراض علني، وهذا يشير بوضوح إلى أن الهدف ليس السرية، بل إرسال رسالة ردع نفسية قوية للداخل تقول: نحن موجودون في الشارع وبقوة.
ويجري هذا كله بالتوازي مع توسيع نقاط التفتيش والحواجز داخل المدن المختلفة، ومع خطاب تعبوي مكثف يومي يطلقه قادة النظام وإعلامه. فرئيس البرلمان الإيراني الحالي محمد باقر قاليباف دعا صراحة إلى عدم ترك الشارع، ووصفه بأنه مرآة القوة الاجتماعية للنظام. أما وكالة تسنيم المقربة من الحرس الثوري، فقد صورت الشارع على أنه ساحة نفوذ وأعداء وعوامل خارجية، لتبرير استمرار التمركز العسكري باعتباره واجباً تاريخياً حتى رفع الخطر كله، بحسب وصفها.
وفي الوقت نفسه، يتصاعد خطاب القضاء والأجهزة الأمنية بالتهديد والإعدامات، مستخدمة إياها كأداة ردع لكسر إرادة العودة إلى الشارع.
فلماذا كل هذا التركيز المكثف الآن؟ التفسير الأكثر منطقية يقول إن النظام يدرك جيداً أن الحرب الخارجية، خاصة بعد الضربات الإسرائيلية الأميركية في حزيران 2025، والتي بلغت ذروتها في آذار 2026، مهما طال أمدها ستتوقف أو تتغير قواعدها يوماً ما. أما المواجهة الحقيقية والحاسمة فستعود حتماً إلى الداخل، وإلى الشعب، وموجات الاحتجاج، واتساع نطاق الفعل المقاوم المنظم الذي يحول الغضب إلى حركة تغيير.
ويأتي هذا الخوف أقوى بعد أن اندلعت موجة احتجاجات واسعة في نهاية ديسمبر 2025، إثر انهيار حاد في قيمة الريال وتفاقم الأزمة الاقتصادية التي أعقبت الحرب، إذ واجه النظام هذه الموجة بقمع دموي شديد في يناير 2026، لكنه اكتشف أن قواته المحلية قد تتردد أو تنشق، فاستعان بالميليشيات الأجنبية التي لا تربطها روابط عائلية أو وطنية مع الإيرانيين، وبالتالي لا تتردد في إطلاق النار.
والأهم من ذلك كله أن النظام، مهما كثف الحواجز ووسع الانتشار، لن يستطيع إيقاف دينامية الانتفاضة إلى الأبد. فبعد سبعة وأربعين عاماً من النضال المتواصل للشعب الإيراني، مروراً بانتفاضات 2017 التي انفجرت بسبب الغلاء، و2019 التي اندلعت احتجاجاً على رفع أسعار الوقود، و2022 التي حملت شعار “امرأة، حياة، حرية” بعد مقتل مهسا أميني، ثم الموجة الأخيرة في نهاية 2025 وبداية 2026، وبعد آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين، يظل احتمال تجدد الشارع قائماً بقوة، لا سيما بعد انحسار الحرب وعودة التناقضات الداخلية أقوى مما كانت، مع استمرار التضخم المجنون والبطالة وانهيار الخدمات العامة.
من منظور المعارضة الإيرانية، فإن برنامج السيدة مريم رجوي ذي البنود العشرة يقدم حلاً واقعياً لهذه الأزمة. يدعو البرنامج إلى إقامة جمهورية ديمقراطية علمانية، وفصل الدين عن الدولة، وتحقيق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، وحرية التعبير والتجمع، وإلغاء حكم الولي الفقيه، وتفكيك الحرس الثوري والباسيج، وإجراء انتخابات حرة، ورفض البرنامج النووي العسكري. كما يطرح مرحلة انتقالية قصيرة مدتها ستة أشهر فقط، يديرها مجلس انتقالي يضمن الاستقرار ويعيد السيادة إلى الشعب.
ويرد هذا البرنامج على فزاعة “الفراغ الأمني” التي يروجها النظام، ويؤكد أن البديل ليس الفوضى، بل انتقال منظم يفتح الطريق أمام إيران حرة ومزدهرة.
في الخلاصة، كلما زاد النظام من عسكرة الشارع، فإنه يعترف، من دون قصد، أن شرعيته لم تعد تعتمد على مؤسسات طبيعية، بل على السيطرة اليومية بالقوة على الفضاء العام. وهذا ليس دليل قوة، بل علامة خوف عميق. خوف من اللحظة التي تأتي بعد الحرب، حين يعود السؤال الأساسي إلى الواجهة. من يملك الشارع يملك مستقبل التغيير في إيران.
الثورة السورية
——————————–
كل ما نعرفه عن الحصار البحري الأمريكي لمضيق هرمز
عربي بوست
2026/04/13
أثار إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، فرض حصار بحري على مضيق هرمز في أعقاب فشل المفاوضات بين طهران وواشنطن بشأن إنهاء الحرب، ردودَ فعلٍ دوليةً واسعةً، وسط مخاوف من أن تؤدي الخطوة الأمريكية إلى اندلاع صراع إقليمي أوسع نطاقاً وارتفاعاتٍ غير مسبوقة في أسعار النفط العالمية.
وخلال المحادثات التي جرت في إسلام آباد، شكّلت عدةُ قضايا، من أبرزها فتح المضيق وتخصيب اليورانيوم، أبرزَ نقاط الخلاف بين الجانب الإيراني والأمريكي، وهو ما تبعه إعلانٌ أمريكي بفرض السيطرة على جميع حركة الملاحة البحرية الداخلة إلى الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية والخارجة منها.
وأظهر تتابع الأحداث منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران كيف أصبح إعادةُ فتح مضيق هرمز دون قيود “الأولوية العاجلة” لإدارة ترامب، بدلاً من الأهداف الأولية لشن الحرب، والتي تفاوتت بين منع طهران من امتلاك سلاح نووي، والقضاء على قدراتها الصاروخية الباليستية، وتغيير النظام.
وفي حين سمحت إيران لبعض السفن بالمرور عبر الممر المائي – ربما مقابل رسوم – فقد استخدمت سيطرتها على المضيق لتعطيل الاقتصاد
ما الذي أعلنه ترامب بشأن حصار مضيق هرمز؟
قال الرئيس ترامب، الأحد 12 أبريل/ نيسان، إن القوات الأمريكية ستعترض كل سفينة في المياه الدولية دفعت رسوم عبور لإيران.
وكتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي: “لن يتمتع أيّ أحد يدفع رسوم عبور غير قانونية بمرور آمن في أعالي البحار… أي إيراني يطلق النار علينا، أو على السفن السلمية، سيلقى به في الجحيم!”
وأضاف أن البحرية الأمريكية ستبدأ في تدمير الألغام التي ألقى بها الإيرانيون في مضيق هرمز، وهو ممر ضيق يمر عبره حوالي 20% من إمدادات الطاقة العالمية.
كيف ردت إيران؟
قال متحدث باسم القوات المسلحة الإيرانية، الاثنين 13 أبريل/ نيسان، إن فرض الولايات المتحدة لقيود على السفن في المياه الدولية أمر غير قانوني و”يصل لدرجة القرصنة”، مضيفاً أن إيران ستنفذ بحزم “آلية دائمة” للسيطرة على مضيق هرمز في أعقاب التهديدات الأمريكية بالسيطرة عليه.
وأضاف أن موانئ الخليج يجب أن تكون متاحة للجميع أو لا تكون متاحة لأحد، مشيراً إلى أنه لن يكون هناك أي ميناء في الخليج أو في خليج عمان بمأمن إذا تعرضت الموانئ الإيرانية للخطر.
وقال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إن إيران “واجهت التطرف والتقلب في المواقف وفرض السيطرة” عندما كانت على بعد مسافة بسيطة من “مذكرة تفاهم إسلام آباد”.
ونشر رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، خريطة لأسعار البنزين في منطقة واشنطن، معلقاً: “استمتعوا بأرقام أسعار البنزين الحالية. ما يسمى ‘الحصار’ سيجعلكم تشتاقون قريباً إلى أسعار البنزين التي كانت تتراوح بين 4 و5 دولارات”.
كيف سيتم تطبيق الحصار؟
قالت القيادة المركزية الأمريكية إن فرض أمريكا لسيطرتها، الذي يبدأ في الساعة 10 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة (1400 بتوقيت غرينتش)، سيتم “تطبيقه بشكل محايد على سفن جميع الدول التي تدخل أو تغادر الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية، بما في ذلك جميع الموانئ الإيرانية على الخليج وخليج عمان”.
وقال الجيش الأمريكي إن السفن التي تعبر مضيق هرمز من وإلى موانئ غير إيرانية لن يتم إعاقتها. وأضاف أنه سيتم تزويد البحارة التجاريين بمعلومات إضافية من خلال إشعار رسمي قبل فرض السيطرة على حركة الملاحة.
وصرح ترامب لقناة فوكس نيوز بأن الحلفاء، الذين انتقد الكثير منهم لعدم دعمهم الحرب، يرغبون في المساعدة في عملية حصار المضيق.
ومع ذلك، تشير صحيفة الغارديان إلى أن المملكة المتحدة لن تشارك في أي حصار للمضيق، وأن رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيز، صرح بأن بلاده لم يُطلب منها المشاركة.
ويقول خبراء إنه من غير المرجح أن يطلق الجيش الأمريكي صواريخ أو أسلحة أخرى على ناقلات النفط، نظراً لمخاطر وقوع كارثة بيئية.
ويرجح الخبراء أن تحاول البحرية الأمريكية إجبار السفن على تغيير مسارها عبر التهديدات، وإذا لم ينجح ذلك، فسترسل فرقاً مسلحة للصعود إلى السفن والسيطرة عليها فعلياً.
ويمكن لحاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن”، المتمركزة في بحر العرب، أن تُستخدم كقاعدة عمليات للصعود على متن السفن، وفق صحيفة وول ستريت جورنال.
وتساءلت وكالة رويترز عمّا إذا كانت الولايات المتحدة مستعدةً لاعتلاء السفن التي تحمل الخام للصين أو لشركاء الولايات المتحدة مثل الهند أو كوريا الجنوبية؟
ما هي أبرز التحديات؟
بينما يمتلك الجيش الأمريكي الموارد والقدرات اللازمة لتنفيذ مثل هذا الحصار، يقول مسؤولون ومحللون أمريكيون حاليون وسابقون إن الحفاظ على السيطرة على الممر المائي قد يكون أكثر صعوبة بكثير.
وقالت دانا سترول، التي شغلت من قبل منصباً كبيراً في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في إدارة الرئيس السابق جو بايدن وتعمل الآن في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى: “ترامب يريد حلاً سريعاً. الحقيقة هي أن هذه المهمة يصعب تنفيذها بشكل منفرد ومن غير المرجح أن تستمر على الأمدين المتوسط والطويل”.
من جانبه، أشار جيمس كراسكا، أستاذ القانون البحري الدولي في كلية الحرب البحرية الأمريكية، إلى أنه قد لا تزال هناك ألغام في المضيق، وأن إيران لا تزال تحتفظ بالقدرة على إطلاق الصواريخ والطائرات بدون طيار، بحسب ما نقلت عنه صحيفة نيويورك تايمز.
وقال برايان كلارك، الضابط البحري المتقاعد والباحث البارز في معهد هدسون، لصحيفة وول ستريت جورنال: “من المؤكد أن القوات الموجودة قادرة على فرض حصار. أما إذا بدأت إيران بإطلاق النار عليهم أو على الأشخاص الذين يشغلون هذه الأنظمة، فمن الواضح أن الأمر سيصبح أكثر صعوبة… يجب حمايتهم بالسفن”.
وحذر الأميرال المتقاعد جاري رفهيد، القائد السابق للعمليات البحرية الأمريكية، في حديثه لوكالة رويترز، من أن إيران قد تطلق النار على السفن في الخليج أو تهاجم البنية التحتية لدول الخليج التي تستضيف القوات الأمريكية.
ماذا يعني الحصار بالنسبة لإيران؟
رجحت تقارير أن يؤدي الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية إلى إعاقة مرور السفن الإيرانية عبر مضيق هرمز.
وسيمثل هذا تحولاً جذرياً في النهج الأمريكي المتبع حتى الآن، وفق صحيفة نيويورك تايمز. فبينما كانت الولايات المتحدة تشنّ هجماتها على إيران، اتخذ المسؤولون الأمريكيون خطواتٍ مكّنت من تدفق النفط الإيراني للحد من الضغط على أسعار الطاقة في جميع أنحاء العالم.
وفي الشهر الماضي، صرّح وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، بأن الولايات المتحدة سمحت لناقلات النفط الإيرانية بعبور المضيق للحفاظ على الإمدادات العالمية. كما رفعت الولايات المتحدة مؤقتاً العقوبات المفروضة على النفط الإيراني في البحر، ما سمح ببيعه لمعظم الدول، بما فيها الولايات المتحدة، لمدة شهر.
وعبرت نحو 100 ناقلة نفط مضيق ملقا منذ بدء الولايات المتحدة وإسرائيل قصف إيران، معظمها تحمل منتجات نفطية إيرانية متجهة إلى الصين والهند.
ودعا بعض المحللين الاقتصاديين الولايات المتحدة إلى منع تدفق النفط الإيراني كوسيلة لإنهاء سيطرتها الفعلية على المضيق.
وجادل روبن ج. بروكس، الباحث البارز في معهد بروكينغز، بأن اعتماد إيران على صادرات النفط يعني أنها لن تتمكن من تحمل تكلفة مواصلة مهاجمة السفن بمجرد أن يتضرر اقتصادها.
وقال في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إن الحصار “سيؤدي إلى انهيار نموذج الأعمال الإيراني”.
ماذا يعني ذلك لأسواق الطاقة العالمية؟
توقع خبراء أن يؤدي الحصار إلى ارتفاع أسعار النفط، لكن الكثير يعتمد على “نطاقه وكيفية تنفيذه”.
وقال كيفن بوك، المدير الإداري للأبحاث في شركة الأبحاث “كليرفيو إنرجي بارتنرز”، لصحيفة الغارديان إن انخفاض كميات الإنتاج يعني عموماً أسواقاً أكثر ضيقاً وأسعاراً أعلى.
وأضاف بوك: “كيفية رد طهران مهم أيضاً. فالردود الإيرانية و/أو الحوثية ضد الطرق البديلة التي يسلكها منتجو الخليج قد تدفع الأسعار إلى مزيد من الارتفاع”.
وارتفعت أسعار النفط الخام القياسية بأكثر من 7% لتتجاوز 100 دولار للبرميل في تعاملات صباح اليوم الاثنين في آسيا، في حين قفز الدولار وانخفضت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية عقب إعلان فرض السيطرة على الملاحة البحرية.
في المقابل، تقول صحيفة نيويورك تايمز إنه وفي حال أدى الحصار الأمريكي على السفن المتجهة من وإلى إيران إلى حرية الملاحة للسفن التي تعبر الممر المائي حاملةً النفط من دول الخليج العربي، فقد يعني ذلك انخفاض الأسعار، وإن كان من غير الواضح مدى سرعة حدوث ذلك.
ومع ذلك، فمخاطرة مشغلي السفن بعبور المضيق في هذه المرحلة قد تعتمد على رد إيران على الحصار. كما أن قدرة الولايات المتحدة على التحكم في مرور السفن تبقى مسألة مفتوحة، كما تضيف نيويورك تايمز.
وبعد أن أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها لن تعيق حرية الملاحة للسفن التي تعبر مضيق هرمز من وإلى الموانئ غير الإيرانية، أعرب متتبعو السفن عن شكوكهم بشأن تطبيق القانون، مشيرين إلى الحيل التي استخدمتها السفن، مثل تغيير بيانات تعريفها، للتهرب من الإخطار.
ونشرت شركة “تانكر تراكرز” تعليقاً جاء فيه: “سيصبح الأمر معقداً، إذ تقوم عدة ناقلات مرتبطة بإيران بالرسو في موانئ وهمية في السعودية والعراق باستخدام تقنية انتحال نظام التعريف الآلي (إيه آي إس)”.
ما هو مصير وقف إطلاق النار الآن؟
منذ انهيار المحادثات بين واشنطن وطهران، لم يُعلن أي من الجانبين انتهاء وقف إطلاق النار.
وفي أعقاب تصريحات ترامب، الأحد 12 أبريل/ نيسان، حذر الحرس الثوري الإيراني من أن السفن العسكرية التي تقترب من المضيق ستُعتبر منتهكة لوقف إطلاق النار وسيتم التعامل معها بصرامة وحسم، ما يؤكد خطر حدوث تصعيد خطير.
فيما ألمح ترامب إلى إمكانية استئناف الضربات الأمريكية داخل إيران، مشيراً إلى مصانع الصواريخ كأحد الأهداف المحتملة. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن إدارته تدرس استئناف الضربات كوسيلة لكسر الجمود في محادثات السلام.
وذكرت وسائل الإعلام الرسمية في إيران أن البلاد نشرت قوات خاصة تابعة للبحرية على طول ساحلها الجنوبي، في إشارة إلى استعداداتها لغزو بري محتمل من قبل القوات الأمريكية، بعد انهيار المحادثات.
———————————-
ما بعد الحرب… تفكيك الصراع بين العرب وإيران/ عمرو حمزاوي
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط، لم يعد ممكنًا التعاطي مع قضايا الأمن والاستقرار بمنطق الدولة المنفردة أو عبر استدعاء تحالفات ظرفية ومؤقتة. فالتحديات التي تواجه الدول العربية اليوم تتسم بالتشابك والتعقيد، وتتجاوز حدود الجغرافيا الوطنية لتطال بنية النظام الإقليمي بأسره. من هنا تبرز ضرورة التفكير الجاد في ترتيبات جماعية للأمن والاستقرار، ترتكز إلى تعاون عربي-عربي وثيق، وتنفتح في الوقت ذاته على علاقات استراتيجية وأمنية متوازنة مع أطراف إقليمية ودولية، بما يحقق المصالح المشتركة ويقلل من احتمالات الصراع.
لقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن الاعتماد على القوى الخارجية وحدها لضمان الأمن لم يكن خيارًا ناجحًا على المدى الطويل. فهذه القوى، مهما بدت ملتزمة، تحكمها في نهاية المطاف حسابات مصالحها الخاصة، وقد تعيد ترتيب أولوياتها أو تنسحب من أدوارها في لحظات مفصلية، تاركة فراغًا أمنيًا خطيرًا. كما أن الرهان على الردع العسكري وحده، دون بناء منظومة تعاون إقليمي، يؤدي في كثير من الأحيان إلى سباقات تسلح واستقطابات حادة، تزيد من احتمالات المواجهة بدلًا من تقليصها.
في المقابل، فإن بناء ترتيبات جماعية للأمن العربي يتيح للدول العربية أن تتحول من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل، وأن تبلور رؤية مشتركة لمصادر التهديد وكيفية التعامل معها. وهذا يتطلب، أولًا، الاعتراف بأن الأمن في المنطقة هو أمن مترابط، وأن استقرار أي دولة عربية يتأثر، سلبًا أو إيجابًا، بما يجري في الدول الأخرى. كما يتطلب، ثانيًا، تطوير آليات مؤسسية للتشاور والتنسيق، سواء في المجالات السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية، بما يسمح بإدارة الأزمات بشكل جماعي ويحد من تداعياتها.
غير أن الحديث عن ترتيبات جماعية للأمن لا يمكن أن يقتصر على الفضاء العربي وحده، بل ينبغي أن ينفتح على الإقليم بمكوناته المختلفة، وعلى النظام الدولي. فالجغرافيا السياسية للشرق الأوسط تفرض تداخلًا عميقًا بين الدول العربية وغير العربية، كما أن قضايا الأمن في المنطقة، مثل أمن الممرات المائية والطاقة ومكافحة الإرهاب ومنع انتشار الأسلحة، تتطلب تعاونًا واسع النطاق. ومن ثم، فإن بناء علاقات استراتيجية مع أطراف إقليمية ودولية ينبغي أن يكون جزءًا لا يتجزأ من أي رؤية عربية للأمن الجماعي.
في هذا السياق، تبرز أهمية إعادة النظر في طبيعة العلاقة مع إيران. فالتوترات والصراعات التي طبعت هذه العلاقة في العقود الأخيرة لا يمكن إنكارها، كما لا يمكن التقليل من المخاوف المشروعة لدى العديد من الدول العربية إزاء السياسات الإيرانية. غير أن تحويل هذه المخاوف إلى قناعة راسخة باستحالة التعايش، أو إلى خطاب يقوم على استدعاء سرديات العداء التاريخي بين العرب والفرس، لا يسهم في بناء الأمن، بل يعمق الانقسامات ويغلق أبواب الحلول.
إن التاريخ، مهما حمل من صراعات، لا ينبغي أن يكون سجنًا للحاضر والمستقبل. فالمنطقة شهدت أيضًا فترات من التفاعل والتعاون بين العرب والفرس، كما أن العلاقات بين الشعوب لا تختزل في صراعات الأنظمة أو تنافساتها. والأهم من ذلك أن التحديات الراهنة، من أزمات اقتصادية إلى تهديدات بيئية وأمنية، تفرض على جميع الأطراف البحث عن مساحات مشتركة للتعاون بدلًا من الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة.
من هنا، فإن المطلوب ليس تجاهل الخلافات مع إيران أو التقليل من خطورتها، بل إدارتها ضمن إطار سياسي ودبلوماسي يسعى إلى تقليل التوترات وبناء الثقة تدريجيًا. ويمكن في هذا الإطار العمل على ملفات محددة تشكل مصالح مشتركة، مثل أمن الملاحة في الخليج، واستقرار أسواق الطاقة، ومكافحة التنظيمات المتطرفة، بما يفتح الباب أمام حوار أوسع حول قضايا أكثر حساسية. كما أن الانخراط في ترتيبات إقليمية تضم إيران ودولًا عربية وأطرافًا دولية يمكن أن يوفر آليات لضبط السلوك وتفادي التصعيد.
في الوقت ذاته، ينبغي أن يكون الانفتاح على إيران جزءًا من رؤية أوسع للعلاقات الإقليمية، تشمل أيضًا تركيا، وفقًا لمصالح كل دولة عربية وحساباتها. فالأمن الجماعي لا يقوم على استبعاد أطراف بعينها، بل على إيجاد توازنات تتيح الحد من الصراعات وتعزيز فرص التعاون. وهذا يتطلب قدرًا عاليًا من البراغماتية السياسية، والابتعاد عن المقاربات الأيديولوجية التي تقسم المنطقة إلى معسكرات متناحرة.
أما على المستوى الدولي، فإن بناء علاقات استراتيجية مع قوى كبرى ينبغي أن يتم على أساس تنويع الشراكات، وتجنب الارتهان لطرف واحد. فالتعددية في العلاقات الدولية تتيح للدول العربية هامشًا أكبر من الحركة، وتمكنها من تحقيق توازن في علاقاتها بما يخدم مصالحها. كما أن الانخراط في المؤسسات الدولية والإقليمية، والمساهمة الفاعلة في صياغة قواعد النظام الدولي، يعزز من قدرة الدول العربية على حماية مصالحها والدفاع عن قضاياها.
غير أن كل ما سبق يظل مرهونًا بوجود إرادة سياسية عربية حقيقية لتجاوز الخلافات البينية، وبناء حد أدنى من التوافق حول أولويات الأمن والاستقرار. فبدون هذا التوافق، ستظل أي مبادرات للتعاون عرضة للتعثر، وسيبقى النظام الإقليمي عرضة للاختراقات والتجاذبات. ومن هنا، فإن إصلاح العلاقات العربية-العربية، وتعزيز الثقة بين الدول، يشكلان شرطًا أساسيًا لنجاح أي مشروع للأمن الإقليمي الجماعي.
كما أن الأمن لا ينفصل عن التنمية. فالدول التي تعاني من أزمات اقتصادية واجتماعية عميقة تكون أكثر عرضة للاضطرابات الداخلية، وأقل قدرة على مواجهة التحديات الخارجية. ومن ثم، فإن ترتيبات الأمن الجماعي ينبغي أن تتضمن أيضًا أبعادًا اقتصادية وتنموية، تقوم على تعزيز التكامل بين الاقتصادات العربية، وتطوير البنى التحتية المشتركة، وخلق فرص عمل، بما يسهم في تحقيق الاستقرار على المدى الطويل.
في النهاية، فإن البحث عن ترتيبات جماعية للأمن والاستقرار في العالم العربي ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة التحديات الراهنة. غير أن هذا البحث لن يؤتي ثماره إذا ظل أسيرًا لرؤى تقليدية تقوم على الإقصاء والصراع الصفري، أو إذا استمر في استدعاء سرديات تاريخية تعمق الانقسامات. المطلوب هو تبني رؤية جديدة، واقعية وبراغماتية، تعترف بتعدد الفاعلين في المنطقة، وتسعى إلى إدارة الخلافات بدلًا من تأجيجها، وتضع أسسًا لتعاون إقليمي ودولي يحقق الأمن والاستقرار للجميع.
٭ كاتب من مصر
القدس العربي
——————————–
الدبلوماسية الصينية مقابل نظيرتها الأمريكية في سياق الحرب على إيران/ لمى قنوت
في 1 من نيسان الحالي، كتبت مجلة “الإيكونوميست” على غلافها، وبجانب صورتي الرئيسين، الأمريكي دونالد ترامب، والصيني شي جين بينغ، مقولة مفادها “لا تقاطع (حديث أو عمل) عدوك عندما يرتكب خطأ”، كإطار تفسيري لرؤية الصين تجاه الحرب التي شنتها كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضد إيران، فالحرب التي وصفها ترامب في بدايتها بـ”النزهة القصيرة” هي خطأ تاريخي ستسرع من انحدار واشنطن، بينما ستوفر للصين فرصة استراتيجية، بحسب المجلة.
بعد مرور أكثر من شهر على هذه الحرب، فإن الصورة التي كرسها ترامب وإدارته بالمقارنة مع السياسة الصينية، أظهرت نمطين مختلفين في إدارة القوة، حيث دعمت الصين بدبلوماسية هادئة مع باكستان، وجهود دول أخرى، مبادرة من خمس نقاط بداية نيسان الحالي، كوقف إطلاق النار، وعودة حرية الملاحة في مضيق “هرمز”، والدعوة للحوار بين واشنطن وطهران. ومارست حق النقض في مجلس الأمن، مع روسيا، ضد قرار قدمته البحرين يجيز استخدام القوة في مضيق “هرمز” والخليج وخليج عمان لضمان المرور ومنع التدخل في الملاحة الدولية، بعد أن عدلت مسودته الأولى التي كانت تحت الفصل السابع، إلى نسخة، أدرجت فيها إمكانية استخدام “جميع الوسائل اللازمة“، والتي سعت فيها كل من الصين وروسيا، حليفتي إيران، إلى كبح جماح التصعيد العسكري، وبحسب السفير الصيني فو كونغ، فإن مشروع القرار فشل في التقاط الأسباب الجذرية للصراع، وتقديم رؤية شاملة متوازنة.
بالمقابل، فإن ترامب ورط المنطقة والاقتصاد العالمي في حرب أرادها نتنياهو، وعبّر عنها رئيس الكيان، إسحاق هريتسوغ، بأن هدفها ليس تغيير النظام الإيراني وحسب، وإنما تغير كامل في منطقة الشرق الأوسط، وهو هدف يتسق أيضًا مع نهم نتنياهو وحكومته لحروب لا تنتهي، ورغبة شاملة في تدمير إيران، وإيذاء دول مجلس التعاون الخليجي، واحتلال المزيد من الأراضي في لبنان وسوريا. وقد تطال حروب إسرائيل التي لا تنتهي تركيا لاحقًا، كما عبّر عن ذلك عدد من قادة الكيان في سلسلة تصريحات، كرئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، بأن “تركيا هي إيران الجديدة” باعتبارها “تهديدًا استراتيجيًا” لهم، وخاصة بعد سقوط نظام الأسد في سوريا، بالإضافة إلى رغبة نتنياهو بتأسيس محور يواجه “المحور الشيعي المتداعي والمحور السني الآخذ بالتشكل”.
تدفع الأبعاد التوسعية لإسرائيل، وسعيها المتواصل للهيمنة، الحكومة التركية إلى المزيد من العسكرة تحت شعار الردع، فهي تدرك مخاطر السياسة الإسرائيلية التي عبّر عنها وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، بأن “إسرائيل تجر المنطقة إلى داخل لعبة تديرها وتتحكم بها”، ما دفع تركيا إلى تعزيز دفاعاتها الجوية، والسعي لبناء نظام دفاعي صارخي أطلقت عليه “القبة الفولاذية” على غرار “القبة الحديدية” الإسرائيلية.
وبينما تسعى الصين لتعزيز حضورها على الساحة الدولية، وتدعم حليفتها إيران، لا ينكفئ ترامب عن مهاجمة حلفائه والتنمر على قادتهم مثل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ويستخدم تعابير مبتذلة في خطابه ومنشوراته على صفحته عبر منصة “تروث سوشال”، كمنشوره الذي طالب فيه الإيرانيين بفتح مضيق “هرمز”.
ويتسق خطاب ترامب في نزع الأنسنة عن الإيرانيين، والقول بأنهم “ليسوا بشرًا” و”حيوانات” مع التهديد الإبادي لإيران بإعادتها إلى “العصر الحجري” و”محو حضارتها”، مع التبرير الاستعماري الذي سبق واستخدمه قادة إسرائيل مع الفلسطينيين بعد “7 من أكتوبر” لتسويق حرب الإبادة على قطاع غزة، والتطهير العرقي في الضفة. وفي واقع الحال، لقد قام الحليفان، ترامب ونتنياهو، بترجمة التهديدات الإبادية فعليًا عبر تدمير الاقتصاد والبنى التحتية المدنية، ومنها منشآت طبية وتعليمية، كعقاب جماعي شامل، يفكك قدرة الدولة على القيام بدورها، ويطمس الحد الفاصل بين ما هو عسكري ومدني لتسويق تدميره، كإعادة تعريف أكبر جسر مدني في إيران، يربط بين طهران والكرك، كهدف عسكري.
وفي إطار العلاقات الدولية، فقد أعاد ترامب صياغة علاقته مع حلفاء واشنطن، من التزامات إلى صفقات مشروطة، ورسخ دور واشنطن كفاعل انتقائي أعاد تسعير الأمن والنفوذ، وتوزيع الأعباء بشكل أحادي، الأمر أدى إلى فقدان ثقة بعض حلفاء الأمس بواشنطن، والبحث عن خيارات بديلة.
ويعد تصريح ترامب التالي نموذجًا لخطابه مع الدول التي رفضت الانخراط معه في هذه الحرب: “الدول التي لا تستطيع الحصول على وقود الطائرات بسبب مضيق هرمز، مثل المملكة المتحدة، والتي رفضت الانخراط في قطع رأس إيران” عليها “أولًا، اشتروا من الولايات المتحدة، فلدينا الكثير. وثانيًا، تحلّوا بشيء من الشجاعة المتأخرة، واذهبوا إلى المضيق، وانتزعوه ببساطة. سيتعين عليكم أن تبدؤوا تعلّم كيف تقاتلون دفاعًا عن أنفسكم. الولايات المتحدة لن تكون هناك لمساعدتكم بعد الآن، تمامًا كما أنكم لم تكونوا هناك لمساعدتنا. لقد جرى، عمليًا، تدمير إيران. والجزء الأصعب قد أُنجز. اذهبوا واحصلوا على نفطكم بأنفسكم”.
وهو نموذج تبسيطي لخطاب استعماري شعبوي، واستغلال لتداعيات الحرب التي أشعلها وحليفه للترويج لصادرات الطاقة الأمريكية، واستثمار الأزمات الجيوسياسية كسوق تجارية، ودعوة لانتزاع المضيق كفعل إمبريالي مباشر، بدل الدبلوماسية والحوار، في حين أن ترامب أبدى سعادته مع فكرة إنشاء “مشروع مشترك” بين الولايات المتحدة وإيران يضمن فرض رسوم عبور للمرور عبر مضيق “هرمز” قائلًا، إنه “أمر جميل” وذلك بعد إعلانه عن هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين.
يواجه ترامب وإدارته مأزقًا استراتيجيًا في حربهم ضد إيران، فجميع السيناريوهات المطروحة، كالتي نشرتها “THE ATLANTIC” في نهاية آذار الماضي، لا توفر له مخرجًا منخفض التكلفة، وخاصة مع زوال أوهام إسقاط النظام بعد “قطع الرأس”، فهذه الحرب التي تجنبها رؤساء سابقون للولايات المتحدة، يخوضها اليوم ترامب وإسرائيل، وهي حرب غطرسة هوجاء تتسبب بأكبر صدمة طاقة في التاريخ، وتسهم في إنتاج كوارث إنسانية وبيئية ومناخية آنية وطويلة الأمد.
عنب بلدي
—————————-
سورية ولبنان مجدّداً/ معن البياري
14 ابريل 2026
قد يعدّ تقليدياً بيانُ وزارة الخارجية (والمغتربين) السورية، المعلن في الثامن من أبريل/ نيسان الجاري، إدانة الجمهورية العربية السورية “العدوان الإسرائيلي على جمهورية لبنان الشقيقة”. وقد يُؤخَذ من باب المجاملات البروتوكولية التي بادرت إلى مثلها دولٌ عربيةٌ وأجنبيةٌ غير قليلة تضامنت مع لبنان، ووَصفت، كما فعلت دمشق، ذلك العدوان الذي أوقع عشرت القتلى والجرحى، انتهاكاً واضحاً للقانون الإنساني الدولي وميثاق الأمم المتحدة. ولكن النظر إلى البيان السوري يحسُن أن يخرج عن هذا الاعتبار، بل من بالغ الضرورة أن تبادر الحكومة السورية إلى ما هو أبعد من تضامنٍ معلنٍ في بيان رسمي، ذلك أن العلاقات بين شعبي البلدين أعمقُ من أي وصف، فضلاً عن يديهيّة أن استحقاقات الجوار تفرض نوعاً خاصّاً من العلاقات. ولكن هذا الكلام سيكون في الهواء، وبلا معنى، من دون التفاتٍ إلى التعقيد العويص الذي طبع العلاقات اللبنانية السورية عقوداً، سيما في زمن حافظ الأسد الذي أخذته منظوراتُه الجيوسياسية في المنطقة إلى محاولته إلحاق لبنان في منظومة القرار السوري، أو قراره الشخصي على الأصح، ما أوجد حالة شاذّةً في شكل تلك العلاقات، وترك مواريث ضاغطةً في ذاكرة اللبنانيين، جعلتهم يقيمون على تحسّبٍ لا يطمئن تماماً إلى وصلاتٍ من حُسن النية، ومن الندّية المفترضة، فوقائع غير قليلة بقيت شواهد على وصايةًٍ سوريةٍ منظورةٍ على الدولة اللبنانية. وليس المقام هنا سردُ المسار الذي انعطفت فيه العلاقات إلى غير طوْر ولوْن ومزاج، في الأعوام الثلاثين الأخيرة، وفي البال إن الأسد الأب ظلّ يمتنع عن وجود سفارتين للبلدين في بيروت ودمشق، حتى إذا صار ما صار تالياً اضطرّ نجلُه الساقط إلى أن تكون السفارتان. ومع العهد الجديد الذي عبرت إليه سورية مع انتصار الثورة قبل أكثر من عام، وتوازى مع مستجدّاتٍ غير هيّنةٍ أحدثت تأثيراتها الواسعة في الداخل اللبناني، فلنا أن نطمح (أو نطمع) في صيغةٍ سوريةٍ لبنانيةٍ مغايرةٍ لسابقاتها التي كثيراً ما انطبعت بالتكاذُب والإنشائيات. وما عوين من مداولاتٍ واتصالاتٍ وزياراتٍ بين الجانبين في شهور ما بعد الانعطافة الكبرى في دمشق يمكّن من توقّع الصيغة المشتهاة على أكفأ ما يأمله السوريون واللبنانيون، وقد تحرّر اثناهما من أثقالٍ فادحةٍ كانت تطوّق كل اجتهاد يدفع باتجاه شفافيةٍ أكثر، وصراحةٍ أوضح، وتعاون أمثل.
لا يزاول الحكم الراهن في سورية نفعية ثأرية أو انتقامية عندما يأتي بيانُ التضامن مع لبنان ضد العدوان الإسرائيلي أخيراً على “دعم جهود الحكومة اللبنانية في بسط سلطتها على كامل أراضيها وحصر السلاح بيد الدولة”، فهذا هو منطوق كل الدول التي تناصر لبنان في محنته التي لا تنفكّ تتجدّد، جرّاء الاستهدافات الوحشية الإسرائيلية. ولم يعُد ثمّة، باستثناء إيران، من يراوغ أو يداور في هذا الشأن، فقد صار من حقوق المواطن في لبنان أن ينعُم بدولةٍ لها وحدها قرار السلم والحرب، دولةٍ لا يعاند سفير دولة أخرى فيها قرارَها بمغادرته. ولم يخرُج البيان السوري، الموجز، عن إسناد الدولة اللبنانية في هذا، بلغة واثقةٍ، ونبرة طبيعية.
وفي غضون ما يتعرّض له لبنان، وطناً ودولة وشعباً، من استهداف إسرائيلي عدواني، وفي غضون مفاوضاتٍ مباشرة، برعاية أميركية في واشنطن، بين الدولة المعتدية والمُعتدى عليها، ربما يكون مناسباً، أو ضرورياً ربما، أن تبادر السلطة في دمشق إلى تقديم كل عوْن وغوْث ممكنين، وكل دعم إنساني، فضلا عن الإسناد السياسي، ولو من المعلوم أن إمكانات سورية ليست في تلك السّعة التي تمكنها من تأدية دور عريضٍ في هذا وذاك، غير أن الارتباط الإنساني والعاطفي والوجداني، العروبي في وصفٍ واجب آخر له، يحتّم، على الأرجح، من صانع القرار في دمشق أن يولي هذا الأمر مكانه في صدارة مشاغله الراهنة. سيّما وأن لا حاجة للحديث عن القيمة التي يحوزها لبنان في أجندات السياسة الخارجية السورية، بل والداخلية من قبل ومن بعد..
سلم الله لبنان وحماه وأبقى سورية نعم السند والعضد.
العربي الجديد
——————————–
لبنان بين خيار الدولة وسلاح “حزب الله”: من يملك قرار المفاوضات؟/ أحمد الجابر
المفاوضات وسلاح “حزب الله”: صراع القرار بين الدولة وإيران
2026-04-14
في ظل تصاعد المواجهة بين “حزب الله” وإسرائيل منذ آذار/مارس 2026، وما رافقها من ضربات عسكرية واسعة وسقوط مئات القتلى وتفاقم الأزمة الإنسانية في لبنان، عاد ملف المفاوضات إلى الواجهة بوصفه أحد أبرز مسارات احتواء التصعيد.
وفي هذا السياق، تشير التطورات الأخيرة إلى تزايد الضغوط الدولية لدفع لبنان نحو مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل، بهدف التوصل إلى ترتيبات أمنية دائمة تشمل وقف الأعمال القتالية وضبط الحدود، وسط طرح مسألة سلاح حزب الله كأحد أبرز بنود النقاش.
إلا أن هذا المسار يواجه تعقيدات كبيرة، إذ يرفض “حزب الله” الانخراط في مفاوضات مباشرة، ويشدد على ضرورة وجود إجماع لبناني مسبق، في وقت خرجت فيه تظاهرات داخلية رفضاً لهذه المحادثات، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية والتوتر الميداني.
كما يتقاطع الملف اللبناني بشكل متزايد مع المفاوضات الأوسع بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، حيث يُنظر إلى الساحة اللبنانية، ولا سيما دور “حزب الله”، كإحدى أوراق الضغط الإقليمية في تلك المباحثات، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويطرح تساؤلات حول استقلالية القرار اللبناني.
وبين ضغوط الخارج وانقسام الداخل، يجد لبنان نفسه أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع التوازنات السياسية، ما يجعل مسار المفاوضات محوراً أساسياً للصراع على القرار والسيادة في المرحلة المقبلة.
المفاوضات بيد من؟
يقول حنا صالح، كاتب صحفي لبناني لـ”963+”، إن “حزب الله” لا يرفض المفاوضات أبداً، بل يرى أن كل الشغب في الشارع وكل المواقف التي يطلقها، والتي يُخوِّن فيها السلطة وخصوصاً رئيس الحكومة، تتمحور حول عنوان أساسي، وهو: من هي الجهة المفاوضة؟ ويضيف أن “حزب الله” يريد أن تفاوض إيران عن لبنان، ولا يعترف بالدولة اللبنانية ومكانتها ولا باسترجاعها للقرار، معتبراً أن هذا هو الموقف الحقيقي لحزب الله.
ويتابع موضحاً أن إيران فاوضت عن لبنان لسنوات طويلة، كما أن النظام السوري فاوض، حين كان يحتل لبنان، لسنوات طويلة أيضاً. ويشير إلى أن “حزب الله” دخل في اتفاقات، ومنها الترسيم البحري، حيث كان الحزب مع نبيه بري هم من فاوضوا آموس هوكشتاين وإسرائيل عملياً.
كما يلفت إلى أنه في اتفاق وقف النار، فاوض نبيه بري عبر هوكشتاين إسرائيل، ووافق نعيم قاسم بالصورة والصوت على طلبات إسرائيل.
ويؤكد أن الموضوع ليس رفض المفاوضات، بل يعتقد أن هذه الحرب من جانب “حزب الله” كان هدفها، بشكل واضح، أن يصبح لبنان ورقة أكثر فأكثر بيد إيران. ويعلل أن القرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية قطع عملياً هذا المسار، وحرم الطرف الإيراني من استخدام لبنان كورقة لخدمة مصالحه.
وينوه إلى أن “حزب الله”، منذ تأسس وأعلن رسمياً ذلك في 16 شباط 1985، هو حزب إيران في لبنان، لافتاً إلى أن أحد قادته آنذاك، إبراهيم أمين السيد، أعلن: “نحن إيران في لبنان”. ويعتبر أن حزب الله ليس له أي برنامج لبناني أو برنامج سياسي لبناني مستقل.
ويتابع شارحاً أنه منذ انسحاب إسرائيل بقرار من إيهود باراك عام 2000 من الجنوب اللبناني، والذي يعزوه إلى طلب إيراني وحماية لمصالحها، أخذ حزب الله لبنان إلى سلسلة حروب مدمرة.
ويشير إلى أن حرب 2006 كانت بقرار إيراني وأدارها قاسم سليماني، كما يضيف أن حرب إسناد غزة جاءت بقرار أُبلغ إلى حسن نصر الله.
ويلفت إلى أن نعيم قاسم يعلن اليوم ما يسميه “حرب إسناد إيران”، حتى تتمكن إيران من أن يكون لديها أوراق قوة، معتبراً أن حزب الله يسلم قراره إلى علي خامنئي، وأنه لا توجد سياسة لبنانية لـ”حزب الله”.
ويعتقد أن لبنان انطلق في مسار واضح، وهو استعادة الدولة والقرار، مشيراً إلى أنه منذ الثاني من آذار بات الجناح العسكري والأمني لـ”حزب الله” محظوراً من العمل.
ويوضح أن ما يجري حالياً هو عمل خارج عن القانون، وأن الدولة لا تريد في هذا الوقت أي احتكاك، لكن هذا الطرف يصبح أكثر فأكثر معزولاً وخارجاً عن القانون، متوقعاً ألا يتأخر الوقت كثيراً لإحالة الرؤوس الحامية إلى القضاء.
سلاح الحزب والعزلة
يقول يوسف دياب، كاتب وباحث سياسي يقيم في بيروت لـ”963+”، إن “حزب الله” يرفض المفاوضات لسببين، موضحاً أن السبب الأول هو رفضه لأي مفاوضات تفضي إلى نزع سلاحه، حيث يرى أن أي مفاوضات اليوم بين إسرائيل ولبنان ستؤدي إلى هذا المسار، وهو أمر لا يقبله الحزب.
ويضيف أن السبب الثاني هو أن “حزب الله” يريد أن تكون إيران هي المفاوضة عن لبنان، أو أن يكون لبنان ورقة في المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية وليس العكس، مشيراً إلى أنه لا يريد للبنان أن يكون مستقلاً في هذا الموضوع، طالما أن الحزب يربط مصلحة لبنان بمصلحة إيران، فيصبح لبنان ورقة على طاولة المفاوضات الإيرانية.
ويشير إلى أن هذا الأمر يضع الدولة اللبنانية في موقف ديبلوماسي حرج، لافتاً إلى أن كل دول العالم تدرك أن “حزب الله” يرهن قرار الدولة اللبنانية بيده، ويرفض التنازل عن أن يكون هو المقرر في موضوع المفاوضات.
ويتابع موضحاً أن “حزب الله”، رغم إعلانه رفض المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، لا يرفض المفاوضات غير المباشرة، ولا المفاوضات التي تجري بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، حيث تتفاوض عنه عملياً، وهو ما يعكس، بحسب رأيه، تناقضاً في الموقف. ويلفت إلى أن الولايات المتحدة، التي تعد بالنسبة لإيران “الشيطان الأكبر”، تتفاوض معها وجهاً لوجه، ما يدل على أن المسألة ليست مبدئية بل مصلحية، حيث تتقدم مصلحة إيران على مصلحة لبنان بالنسبة لـ”حزب الله”.
ويؤكد أن موقف “حزب الله” يتعارض مع موقف الدولة اللبنانية والسياسة اللبنانية بشكل كبير، موضحاً أن طروحات الدولة، سواء في خطاب القسم لرئيس الجمهورية أو في البيان الوزاري أو في قرارات الحكومة، تتحدث عن حصر السلاح بيد الدولة وعن أن يكون قرار الحرب والسلم بيدها، وهو ما يرفضه الحزب بشكل مطلق.
ويرى أن لبنان متمسك بعلاقاته الخارجية مع الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة، مثل دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، أما على صعيد الاستقرار الداخلي، فيعتقد أن “حزب الله” قد يلوّح بورقة الأمن الداخلي من خلال مظاهرات أو محاولات تطويق مؤسسات الدولة، ومنها مقر رئاسة الحكومة، كما حدث في اليومين الماضيين، لكنه لم ينجح في ذلك.
ويعتقد أنه قد يذهب الحزب إلى محاولة قلب الطاولة من أجل التعويض عن خسائره أمام إسرائيل، وهو أمر متوقع، لكنه يلفت إلى أن “حزب الله” يعرف أنه سيكون وحيداً في هذه المواجهة، وقد يجد نفسه منبوذاً من كل الأطراف اللبنانية، حتى من حلفائه ضمن ما يُعرف بالثنائي الشيعي، حيث يشير إلى أن نبيه بري وحركة أمل ليسا معه في هذا الطرح.
ويختم معتبراً أن الحكومة اللبنانية قد لا تكون قادرة على تغيير قناعات “حزب الله”، لكنها مطالبة بأن تمضي قدماً في قراراتها، سواء في التفاوض أو في حصر السلاح بيدها أو في التأكيد على أن قرار الحرب والسلم بيد الدولة، حتى لو أدى ذلك إلى نتائج سلبية على وضعها، مؤكداً أنها تستند إلى دعم واسع من الشعب اللبناني وإلى دعم عربي ودولي، وهو ما يمنحها المصداقية في قراراتها.
+963
—————————
السياسات الخارجية والأمنية الإيرانية وحرب الاثني عشر يومًا: واقعية أم مثالية أم سياسة داخلية؟/ مهران كامرافا
يتسم الخطاب المرتبط بسياسة إيران الخارجية، في كثير من الأحيان، بنوع من الحدّة. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه السياسة تتصف ببراغماتية شديدة، وتسترشد باعتبارات وأهداف عملية واستراتيجية. وبعد نهاية الحرب مع العراق عام 1989، تبنّت الإدارات المتعاقبة في طهران سياسات خارجية غير أيديولوجية إلى حد بعيد، موجّهة بمنطق المصالح الوطنية كما تمليها الظروف المتغيرة، بدلاً من مبادئ ثورة 1978-1979.
وعلى الرغم من أن المرشد الأعلى هو المسؤول، من الناحية الدستورية، عن العلاقات الدولية للبلاد، فإن المبادئ التوجيهية التي وضعها آية الله خامنئي لإدارة السياسة الخارجية (الكرامة، والحكمة، والمصلحة) جاءت واسعة على نحو كافٍ لتشمل طيفًا متنوعًا من الخيارات السياسية المحتملة. ومع انغماس الجمهورية الإسلامية في أزمات إقليمية ودولية متتالية، أصبحت البراغماتية سياسة احتياطية يجري استدعاؤها كلما دعت حاجة إليها. إن هذه الواقعية المتشددة، التي تُعد إرثًا من الحرب مع العراق في الفترة 1980-1988، من المرجح أن تتعزز مع استمرار تداعيات حرب الاثني عشر يومًا في تشكيل السياسات الخارجية والأمنية الإيرانية في السنوات المقبلة.
لتحميل هذه المادة كاملة اتبع الرابط التالي
https://siyasatarabiya.dohainstitute.org/ar/issue079/Documents/Siyassat79-2026-Kamrava.pdf
يرأس وحدة الدراسات الإيرانية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. وهو أستاذ في جامعة جورجتاون، قطر. نشر عددًا من الدراسات المحكّمة والكتب بما في ذلك كتابيه الصادرين حديثًا: تاريخ موجز للثورة (2020) وداخل الدولة العربية (2018).
* هذه الدراسة منشورة في العدد 79 (آذار/ مارس 2026) من دورية “سياسات عربية”، وهي دورية محكّمة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية، يصدرها المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا كل شهرين.
المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات
————————————-
لا يمكن لإيران الاعتماد على مضيق هرمز… لماذا؟/ بوبي غوش
صمد النظام لكن نجاته لا تعني أنه يملك تلك القوة التي يتوهمها
14 أبريل 2026
لا يُعرف عن مجتبى خامنئي ولعه برياضة الغولف، ولا استعراضه قوته برفع الأوزان الثقيلة. لكن في عالم المبالغة والتباهي، قد لا يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الحرب بيت هيغسيث من ينافسهما سوى الزعيم الأعلى في إيران. فبمجرد أن توقفت القنابل الأميركية والإسرائيلية عن الهطول على إيران، سارع خامنئي، الذي اعتلى المنصب عقب مقتل والده في الضربة الافتتاحية في الحرب، إلى إعلان أن الجمهورية الإسلامية حققت “النصر النهائي”. ولم يبتعد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني كثيرا عن هذا الخطاب، إذ أكد أن “معظم أهداف الحرب” تحققت. وسرعان ما أخذت وسائل الإعلام الرسمية، على عادتها، تروج لصورة بلد دخل طورا جديدا من القوة.
وفي الغرب أيضا، يروج بعض المعلقين لرواية تقول إن إيران خرجت من هذه الحرب أكثر قوة مما كانت عليه قبل ستة أسابيع فقط. ووفق هذا التصور، نجح الإيرانيون في امتصاص الحملة الجوية الأميركية-الإسرائيلية، ثم ردوا بضربة حاسمة عبر إغلاق مضيق هرمز، فأحدثوا هزة في الاقتصاد العالمي دفعت الولايات المتحدة إلى السعي لعقد لقاء في باكستان.
يخلط هذا التحليل بين مجرد البقاء ومظاهر القوة. نعم، كما رأى كثيرون، وأنا منهم، تخسر الولايات المتحدة في هذا النزاع إذا عجزت عن تحقيق نصر واضح، فيما تكسب إيران بمجرد قدرتها على الصمود. لكن ما لا خلاف عليه هو أن حملة القصف الأميركية الإسرائيلية ألحقت بالجمهورية الإسلامية أضرارا جسيمة. ولا يحتاج التعافي من هذا الوضع إلى الوقت والمال وحدهما، بل يتطلب أيضا قدرا كبيرا من الاستقرار السياسي والجيوسياسي، وهي أمور لا تملك طهران، حتى في أفضل الظروف، سوى هامش ضيق للتأثير فيها.
أما ورقة هرمز، فعلى رغم جدواها في سياق هذه الحرب، فلا شيء يضمن أن يبقى تكرارها في أي مواجهة مقبلة ممكنا، أو أن يفضي إلى الأثر نفسه.
والآن، ومع استمرار وقف إطلاق نار هش، تبدو اللحظة مواتية لإجراء مراجعة واقعية وهادئة لما آلت إليه الأمور.
لنبدأ بحجم الخسائر التي تكبدتها إيران، فالقائمة هنا طويلة. شكّل استهداف قمة الهرم القيادي ضربة قاسية للنظام. إذ قُتل الزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي في 28 فبراير/شباط، ومعه عشرات من أبرز رموز السلطة، بينهم قادة بارزون في الجيش وأجهزة الاستخبارات. ثم تواصل سقوط المزيد من القتلى منذ ذلك الحين.
قد يفهم انتقال المنصب من “مرشد أعلى” أمضى عقودا في ترسيخ هيمنة المؤسسة الدينية والسياسية إلى نجله الأقل حضورا، مجتبى خامنئي، الذي نُصب خلال أيام قليلة في اجتماع طارئ لـ”مجلس خبراء القيادة، على أنه دليل على قدر من التماسك المؤسسي، لكنه لا يوحي أبدا بمشهد قوة.
ثم هناك فصول الدمار التي طاولت البنية العسكرية الإيرانية وكوادرها. وحتى على افتراض أن أطراف الحرب بالغت في بعض رواياتها، يصعب إنكار أن القدرات التقليدية لإيران في سلاحي البحر والجو تلقت ضربات قاسية، وكذلك قطاع واسع من منظومتها الدفاعية الجوية، بما يشمل الرادارات ووسائل الرصد والإنذار. أما ترسانة الصواريخ الباليستية، التي قُدرت بنحو ثلاثة آلاف صاروخ عام 2022، فقد كانت تراجعت أصلا بعد حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل في العام الماضي، قبل أن تنحسر أكثر في المواجهة الراهنة. وإلى جانب ذلك، واصلت الولايات المتحدة وإسرائيل طوال ستة أسابيع استهداف منشآت تصنيع الصواريخ ومخازنها والبنية المرتبطة بإطلاقها على نحو منتظم.
تتعمد طهران إخفاء الكلفة البشرية للحملة العسكرية. إذ اكتفت وزارة الصحة الإيرانية بنشر أرقام تخص المدنيين وحدهم، فيما حجبت أي حصيلة موثوقة لقتلى الجيش. وما يسعى النظام إلى حجبه هو الحجم الحقيقي لخسائره في صفوف العسكريين. وبالنظر إلى كثافة القصف وطبيعة الضربات التي استهدفت عناصر القوة العسكرية الإيرانية، يمكن الافتراض بأن عدد القتلى يتجاوز بفارق كبير رقم 3,000 الذي أعلنه كبير مسؤولي الطب الشرعي في البلاد.
ثم يأتي الضرر الذي أصاب البنية التحتية المدنية، من الجسور إلى الجامعات، والقاعدة الصناعية للبلاد. فالاقتصاد الإيراني، الذي يعاني الضعف أصلا، بات مثقلا الآن بأعباء إضافية هائلة لإعادة الإعمار، ومن المستبعد أن تكفي الرسوم المفروضة على السفن العابرة لمضيق هرمز لتغطية هذه الكلفة. ولا تملك إيران فرصة حقيقية لتأمين أموال كبيرة إلا إذا وافقت إدارة ترمب على تخفيف عقوباتها الاقتصادية، وهو أمر لا يمكن التعويل عليه.
كذلك لا تستطيع طهران أن تنتظر دعما كبيرا من جيرانها، بعدما أغضبت كثيرين منهم طوال الحرب. وهذه خسارة قد لا تقاس بالدولار، لكنها لا تقل وطأة عنها.
مع بداية الحرب، راهنت إيران في حساباتها الاستراتيجية على أن قصف عواصم الخليج العربية بالصواريخ والطائرات المسيرة، من أبوظبي والكويت إلى الدوحة، سيدفع تلك الحكومات إلى ممارسة ضغط على واشنطن للتراجع. لكن هذا الرهان أخفق، بل انقلبت نتائجه عليها تماما. ولم يسع أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات وأحد أكثر الاستراتيجيين تقديرا في الخليج، إلى تلطيف موقفه. إذ قال لصحيفة “ذا ناشيونال” إن إيران “خدعت جيرانها قبل الحرب بشأن نواياها، وكشفت عن عدوان مبيت رغم جهودهم الصادقة لتفاديه”. وأضاف أن إطلاق آلاف الصواريخ والطائرات المسيرة على البنية التحتية المدنية ومنشآت الطاقة لا يعكس قوة، بل يجسد “غرورا وفشلا استراتيجيا”.
وأفضت هذه الحملة إلى ترسيخ اصطفاف دول الخليج إلى جانب واشنطن. ويظهر ذلك من خلال ما أظهرته دولة الإمارات من استعداد واضح للانضمام إلى ائتلاف عسكري في مواجهة تهديد إيران لمضيق هرمز. كذلك خلص مجلس التعاون لدول الخليج العربية إلى موقف موحد يطالب بأن يتضمن أي اتفاق سلام كبحا دائما لقدرات إيران الصاروخية وقدراتها في مجال الطائرات المسيرة.
على مدى أربعة عقود، سعت طهران إلى إبقاء الخليج في منطقة رمادية، عبر مزيج من الترهيب والانفتاح المتقطع، في محاولة لثني جيرانها عن الارتماء الكامل في الحضن الأميركي. لكن هذه الضبابية تبددت اليوم.
في مقابل كل ذلك، تبدو خانة “الانتصار” في ميزان المكاسب والخسائر شبه خالية على نحو لافت. فالإنجاز الاستراتيجي الوحيد الواضح الذي يمكن لإيران أن تستند إليه في هذه الحرب هو إغلاق مضيق هرمز. ولوقت طويل، ظلت القدرة على خنق 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية مجرد تهديد نظري تلوح به طهران. أما الآن، فقد غدت واقعا مؤكدا. وقد وصفت الوكالة الدولية للطاقة ذلك بأنه “أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمية”.
لكن هل يمكن التعويل على استخدام سلاح هرمز مرة أخرى؟ لقد نجح الإغلاق إلى حد بعيد لأنه باغت خصما لم يكن مستعدا. فلم يكن ترمب يملك خطة طوارئ، ولا تصورا متفقا عليه سلفا لتقاسم الأعباء مع حلفائه في الخليج، ولا آلية استجابة منسقة. غير أن طهران لا تستطيع أن تراهن دائما على هذا القدر من الارتباك لدى خصومها.
استهانت إدارة ترمب باحتمال أن تقدم إيران على إغلاق هرمز، وتصرفت بطيش حين لم تتهيأ لهذا السيناريو. لكن من غير المرجح أن يتكرر هذا الخطأ. فعندما يبدأ المخططون العسكريون في الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية رسم تصوراتهم لأي حرب مقبلة، سيفترضون منذ البداية أن طهران قد تتحرك سريعا لخنق الملاحة في المضيق، وسيعملون على إعداد خطط استباقية وإجراءات مضادة. ويمكن أن يشمل ذلك مواجهة بحرية أشد حزما، وضربات وقائية تستهدف بطاريات الصواريخ التي تمثل التهديد الأكبر لطرق الشحن، إلى جانب توظيف الطائرات المسيرة في مواجهة الزوارق الإيرانية السريعة.
ولن يقتصر الاستعداد لأسوأ الاحتمالات على المخططين العسكريين وحدهم. فمستهلكو السلع الحيوية التي تعبر المضيق، من الهيدروكربونات إلى الأسمدة والألومنيوم، سيعيدون هم أيضا ترتيب حساباتهم. كما ستراجع الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند تصوراتها الخاصة بإمدادات الطوارئ، على أساس أن إغلاق هرمز لم يعد احتمالا ثانويا، بل فرضية أساسية ينبغي البناء عليها. ونتيجة لذلك، ستتجه الاستثمارات إلى التوسع في قدرات التخزين، وسيرتفع الإنفاق على مصادر الوقود البديلة.
وبالمثل، سيتحرك المنتجون والموردون استعدادا لأي إغلاق مقبل. فالخياران المتاحان حاليا لتجاوز المضيق في نقل النفط، وهما خط الأنابيب السعودي بين الشرق والغرب وصولا إلى ينبع، وخط حبشان الفجيرة في الإمارات، لا تتجاوز طاقتهما القصوى المشتركة ما بين 8 ملايين و9 ملايين برميل يوميا. ومن المرجح أن يجري توسيع هذين المسارين بأقصى سرعة تسمح بها الموارد السعودية، بالتوازي مع ضخ استثمارات إضافية لتحصينهما من الصواريخ الإيرانية والطائرات المسيرة. كذلك ستتجه الوكالة الدولية للطاقة، التي أشرفت في الأسبوع الثاني من هذه الحرب على أكبر عملية سحب من الاحتياطيات الاستراتيجية، إلى إعداد خطط طوارئ خاصة بأي مواجهة مقبلة.
ثمة معضلة أعمق في سلاح هرمز لا يستطيع صناع القرار في طهران تجاهلها، فهو سلاح يرتد على مستخدمه. فإيران نفسها تصدر نفطها عبر هذا المضيق، والنظام في أمسّ الحاجة إلى تلك العائدات. في هذه الجولة، سمحت إدارة ترمب لناقلاتها بمواصلة الإبحار داخل الخليج، لأنها كانت تسابق الوقت لاحتواء القفزة الحادة في أسعار النفط. لكن خصما أكثر جاهزية وأطول نفسا يمكنه أن يختار ببساطة التريث حتى تستنفد إيران حصارها لهرمز، أو يمضي إلى تطويق صادراتها وخنقها، كما يحاول ترمب الآن أن يفعل، ولكن من دون إعداد كاف.
لطالما انطلق كثيرون من فرضية أن إيران أقدر من جيرانها على تحمل الألم، وأنها تستطيع الصمود في وجه حصار طويل. لكن هذه الفرضية لم تُختبر فعليا على هذا النحو. ومع تداخل جميع العوامل المذكورة آنفا، من اقتصاد بات في وضع أسوأ مما كان عليه قبل اندلاع الحرب، إلى عدو أكثر استعدادا وسوق أشد تأهبا، فإن مستوى الألم الذي ستواجهه إيران سيتغير، وكذلك حدود الصبر لدى خصمها.
في المحصلة، قامت العقيدة الأمنية الإيرانية منذ عام 1979 على سلسلة أدوات غير متماثلة نجح كل منها في مرحلة، ثم جرى تحييده تدريجيا وبصورة منهجية. وكانت بدأت إسرائيل تفكيك شبكة الوكلاء التي تضم “حزب الله” و”حماس” والحوثيين وقوات “الحشد الشعبي” في العراق قبل اندلاع هذه الحرب. كذلك خضعت استراتيجية إنهاك الدفاعات بوابل من الصواريخ، أي الفكرة القائلة إن إيران قادرة على إرباك الدفاعات الإسرائيلية والأميركية بمجرد الكثافة العددية، للاختبار في أبريل/نيسان وأكتوبر/تشرين الأول 2024، لكنها بدت عاجزة عن تحقيق ما وعدت به. وخلص تحقيق نشرته صحيفة “هآرتس” إلى أن الصواريخ الباليستية الإيرانية تعاني كثافة في المكونات متدنية الجودة، إلى حد دفع أحد المحللين إلى التساؤل عما إذا كانت “صواريخ ألعاب للأطفال”.
يمكن لمضيق هرمز أن يمنح طهران بالفعل أداة ردع بصيغة جديدة. لكن إذا تكرر المسار نفسه، فالأرجح أن هذا السلاح سيفقد بدوره فاعليته بعد استخدامه الأول. فقد استنفد عنصر المفاجأة الاستراتيجية، والعالم سيبحث عن وسائل تحد من الكلفة التي تستطيع إيران فرضها.
قد يضاهي مجتبى خامنئي ترمب في لغة التباهي، لكن الدولة التي ورثها عن والده خرجت مثقلة بدمار واسع، فيما تبدو فرص التعافي قاتمة. فجميع الأزمات التي كانت قائمة قبل 28 فبراير/شباط ما زالت على حالها، بل ازدادت تعقيدا بفعل ما خلفته الحرب.
قد ينجو، لكن ذلك لا يعني أنه خرج من هذه الحرب أقوى.
Foreign Policy
فورين بوليسي
ينشر بموجب اتفاق مع مجلة “فورين بوليسي”
© 2026 Foreign Policy . All rights reserved
المجلة
—————————–
ترامب ومتعة اللهو بكوكب الأرض/ عمر قدور
الثلاثاء 2026/04/14
عقب فشل المفاوضات في إسلام آباد بين وفده والوفد الإيراني، صرّح ترامب بأنه لا يريد 90%، ولا 95%، بل يريد كل شيء من طهران! وأعرب أيضاً، في اليوم نفسه، عن عدم اكتراثه بتوقيع اتفاق مع الإيرانيين، بما أنه انتصر على كل حال، وحققت الحرب أهدافها في تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، أو حتى ما هو أبعد منها…
لمزيد من الاطلاع، يمكن البحث على الإنترنت عن تصريحات ترامب لوسائل الإعلام، وما يكتبه على حسابه في منصته تروث سوشيال. ولمن يريد الاختصار، يمكن مراجعة صفحات الأخبار العاجلة في العديد من وسائل الإعلام للحصول على المقتطفات الأبرز من أحاديثه وتدويناته اليومية. وحضور تصريحاته يومياً غير مرتبط فقط بمواكبة الحرب الحالية، فهو الرئيس الأميركي الأكثر ولعاً بالبقاء تحت الأضواء، بإثارة اهتمام المتابعين بواسطة أقوال خارجة عن المألوف الدبلوماسي. قبل أيام، مثلاً، تناول الرئيسَ الفرنسي ماكرون بالسخرية منه بسبب مزاعم عن تعرّضه لعنف زوجي، ثم عاد وأبدى ثقته بأنوثة عقيلة ماكرون على خلفية دعوى تشكك بها!
لنتخيّل تمريناً نجمع به تصريحات وتدوينات ترامب لمدة أسبوع، ولا نحتاج مخيَّلة نشطة لنتوقع كمية الطرائف والتناقضات التي ستصادفنا؛ أحياناً خلال ساعات اليوم الواحد لا خلال أسبوع. سيحتوي المجموع على كمية كبرى من التصريحات التي ذهبت إلى النسيان، وعلى تصريحات أخرى لا يُعرف حقاً ما الذي تبقّى منها، وما إذا سيكون لها أثر لاحق، أم أن صاحبها سينساها، وسيتخذ قرارات أو إجراءات مناقضة لها.
يستطيع ترامب، بلا أي ضابط، أن يهدد بتدمير الحضارة الإيرانية، ثم يتراجع عن تهديده ليقبل بالتفاوض، ثم يذهب إلى فرض حصار على السفن التي تعبر مضيق هرمز ليتسبب بأزمة إضافية في النفط فوق أزمته المتفاقمة منذ بدء الحرب. ما الذي سيحدث غداً؟ أو بعد ساعات؟ لا أحد يمتلك الإجابة عن السؤال سوى ترامب نفسه، وهذا افتراض لا يوجد ما يدعمه حقاً، مثلما لم يعد يوجد ما يدعم فرضية وجود نظام، أو دولة عميقة، تلجم الرئيس إذا قرر الخروج عن السياسات المرغوبة، أو ذهب إلى الاستفراد بالقرار.
الصورة التي يقدّمها ترامب بنفسه هي صورة مراهق، أو مَن في حكمه، يلهو بكوكب الأرض. فهو يملك القرار في القوة العظمى التي لا تدانيها قوة أخرى من حيث التأثير في مجمل أنحاء الكوكب، سواء في مضمار الحرب أو مضمار السلم. ولا يخفي ترامب نيته العبث باستقرار الكوكب، والانقلاب على السياسات الأميركية التقليدية قبل أي شيء آخر. إذن هو أشبه بولد غاضبٍ يلهو بالكوكب، ولا يُعرَف ما يرضيه حقاً، ويقدّم طوال الوقت دلائل على أنه هو نفسه لا يَعرف بالضبط ما يريد.
لا يتعلق الأمر بقدرتنا، نحن أبناء الكوكب، على تحليل الظاهرة الترامبية، وأسباب صعودها… إلخ. ذلك يبدو إلى حد معقول في المتناول، لكنه لا يقول لنا شيئاً وافياً عن الساعات القليلة المقبلة مثلاً، وبالطبع لا يقول لنا شيئاً محدداً عن الفترة الممتدة منذ الآن حتى نهاية ولاية ترامب، على افتراض أن انقلابه على النظام الأمريكي للترشّح مرة ثالثة للرئاسة غير وارد. لا أحد يستطيع الجزم بالمدة التي سيستمر بها الحصار النفطي، وهذه المرة ليس لأن ذلك من ضمن أسرار الأمن القومي الأمريكي، أو بسبب تدخل لوبيات النفط والسلاح…
تخالف الظاهرة الترامبية ما هو مألوف لجهة أن فهم أية مسألة بمثابة الشطر الأعظم من حلّها، فالفهم العمومي هنا ليس على الإطلاق مدخلاً للتنبؤ بالسياسات، حتى إذا لم نضِف إليها بعض أسس الترامبية الني تم التراجع عنها، من قبيل النزوع إلى عدم التدخل العسكري، وإلى الانكفاء على الذات. هكذا تكون الظاهرة مكشوفة للفهم، وعصيّة على ما يتبعه من سياسات واحتياطات.
الأمر لا يتوقف عند أسلوب تعامل ترامب مع بؤر ساخنة، مثل أوكرانيا وغزة وأخيراً إيران ولبنان، إنه يذهب أبعد إلى تأثير تلك السياسات على واقع مليارات البشر، بينما يُبدي هو هوساً باحتساب بضع مليارات من الدولارات في الميزان المباشر للربح والخسارة. فمن المؤكد أن معيشة مليارات من البشر قد تأذّت منذ استهلّ ولايته الرئاسية الثانية، سواءً بسبب سياسات اقتصادية هبطت عمداً بقيمة الدولار، أو بسبب سياسات وحروب خارجية كالتي تحدث الآن.
في المحصّلة، ليست لعبة ذهنية أن يصعب التنبؤ بما سيصدر عن سلطان الأخبار العاجلة؛ الأمر يقع في صميم الفهم العالمي العام، وفهم صانعي السياسات المختلفة، وفي مقدمها الحسابات الاقتصادية التي لا يمكن فصلها مع آثارها عن السياسة بالمعنى الضيق. ليس مهماً ومؤثّراً أن يرتكب ترامب مفاجأة ما، فيكذّب تحليلات صحافية مبنية على تصريح له قبل ساعات، المهم والمؤثّر أن دوائر صنع القرار هنا وهناك ليس لديها معطيات أفضل لبناء سياسة تختلف أو تتماشى مع السياسة الأميركية، ما يجعلها أسيرة ردود الأفعال والارتجال.
قد يحلو للبعض تبرير عدم اليقين الناجم عن ترامب بأنه سياسة متعمّدة، رغم عدم وجود مؤشّرات إلى كونه منهجياً. في كل الأحوال، السياسة شأن مختلف عن الفهلوة، وحالياً ثمة معضلة حقيقية فيما يخص أكثر من ثلاثين شهراً متبقّية على ولاية ترامب الحالية، وتزداد المعضلة تعقيداً مع نيّته استنزاف ولايته لأقصى حد ممكن من حيث تنفيذ رغباته، وكلما اقتربت نهاية ولايته قد نكون مع موعد لحماقات أخيرة كبرى قبل أن يُنتزع منه كوكب الأرض.
ربما ينظر كثير من المتضررين إلى ترامب كقدر متنمّر شرير لا بد من تحمّله، مع تعزية النفس بأن سنوات قليلة من حكمه لن تكون ذات وزن في تاريخ البشرية. بعض العزاء يأتي من النظر إليه كطفرة في الحياة السياسية الأميركية، والاقتناع بأن النظام الأميركي سيسترد عافيته سريعاً. لكن لم يعد مؤكداً على الإطلاق أن حقبة ترامب لن تكون بلا آثار مستدامة داخلياً وخارجياً، خصوصاً أن جزءاً مهماً من قراراته وسعيه مكرَّسٌ لجعل الارتداد عنهما عسيراً على خلفه في المنصب. النجاة من ترامب تقتضي ما هو أجدى من الانتظار، ومن الركون إلى البدائل المجرَّبة. في الغضون، يستحق المجرّيون الاحتفال بالخلاص من ترامبـ/هم الصغير، إذا أغلقوا وراءه الباب جيداً.
المدن
————————
“العرض الأخير” الأميركي لم تقبله إيران… ما الخطوة المقبلة؟/ عمر حرقوص
12 أبريل 2026
إحدى وعشرون ساعة من المفاوضات الأميركية-الإيرانية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، انتهت من دون التوصل إلى اتفاق. كانت الآمال كبيرة بإمكانية التوصل إلى حل، والسبب حضور نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس (الطرف الرافض في الإدارة الأميركية للأعمال العسكرية)، ويقابله رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي يقود مع آخرين “إيران الجديدة”. كان كثرٌ يعتقدون أن اليوم الأول سيفضي إلى خطة عمل لأسبوعين، لكن ماراثون التفاوض توقف خلال أقل من يوم واحد.
وكانت المحادثات التي جرت في إسلام آباد أرفع لقاء مباشر بين الولايات المتحدة وإيران منذ أكثر من عقد من الزمان، وأعلى مستوى من المناقشات منذ “الثورة الإسلامية” عام 1979. وقد تحدد نتائج هذه المحادثات مصير وقف إطلاق النار الهش، الذي يستمر أسبوعين، وإعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لنحو 20 في المئة من إمدادات الطاقة العالمية، والذي أغلقته إيران منذ بدء الحرب. وقد تسبب هذا الصراع في ارتفاع أسعار النفط العالمية ومقتل الآلاف من الأشخاص.
وجاءت تصريحات فانس لتزيد من أجواء التشاؤم، رغم أنه لم يعلن انسحاب واشنطن من المحادثات. لكن فانس قال إن وقف المحادثات “أخبار سيئة لإيران أكثر بكثير مما هي سيئة للولايات المتحدة. لقد أوضحنا بشكل جلي خطوطنا الحمراء، وهم اختاروا عدم قبول شروطنا”، وبرأيه أن هذه “المناقشات كانت جوهرية”، لكنها لم تتمكن من ردم الفجوات بين الوفد الأميركي الصغير وجيش المفاوضين الإيرانيين.
وبينما كان فانس يتحدث عن أن الولايات المتحدة تريد التزاماً إيجابياً طويل الأمد من إيران بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي أو الوسائل التي تمكنها من إنتاجه بسرعة، أكد مصدر إيراني لـ”المجلة” أن بعض الخلافات تتعلق بمطلب إيران تأكيد سيطرتها على مضيق هرمز ورفضها التخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب.
وكانت القيادة المركزية الأميركية قد أعلنت تسيير سفينتين في مضيق هرمز من دون تنسيق مع الجانب الإيراني، إضافة إلى بدء عملية لـ”تنظيف” المضيق من ألغام زرعها “الحرس الثوري” في مياهه. وانتقدت طهران هذه الخطوة وهددت بمنع حصول ذلك.
وما فعله فانس بخروجه من الغرفة وذهابه إلى واشنطن يشبه إلى حد كبير ما فعله وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف خلال مفاوضات عام 2015، حين خرج من غرفة التفاوض تاركاً وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق جون كيري، قائلاً للصحافيين إنه “لا يوجد اتفاق”، فلحق به كيري مسرعاً ليعيده. فيما خرج فانس هذه المرة من غرفة التفاوض وحيداً، من دون أن يلحق به المفاوض الإيراني، فقاليباف يعتمد على عقلية تاجر السجاد في المساومة ودفع الأمور إلى حافة الهاوية، بينما يجلس في واشنطن رئيس يدفع نائبه للمغادرة، حيث يتعامل أيضاً كتاجر يدرك أن البيع والشراء هو الاقتراب من الهاوية والخروج منها من دون خسائر.
وقال فانس إن فريق التفاوض الأميركي تحدث مع الرئيس دونالد ترمب ما لا يقل عن ست مرات خلال ساعات المحادثات، كما تحدث مع وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، وقائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال براد كوبر. وصرح ترمب في واشنطن بأنه لا يهمه إذا كان الوفد سيتوصل إلى اتفاق مع إيران: “نحن نربح على أي حال. لقد هزمناهم عسكريا”.
واللافت أن فانس قال: “نغادر من هنا بمقترح بسيط جداً، آلية تفاهم تمثل عرضنا النهائي والأفضل. سنرى ما إذا كان الإيرانيون سيقبلونه”، تاركاً الباب مفتوحاً لإمكانية العودة إلى الطاولة.
بينما يقول مسؤولون في إيران إن فريق طهران التفاوضي “قدم مبادرات ومقترحات معقولة، والكرة الآن في ملعب أميركا، وعليها أن تنظر إلى القضايا بواقعية”.
وبينما لم يكن أحد يتوقع التوصل إلى اتفاق نهائي خلال يوم التفاوض، فإن الجانب الأميركي كان يأمل في تحقيق زخم كافٍ لمواصلة المحادثات، حتى لو استدعى ذلك تمديد وقف إطلاق النار.
هذا التجميد التفاوضي المفاجئ يزيد الخوف من أن يؤدي إلى انهيار وقف إطلاق النار المعلن عنه لأسبوعين، الذي تم الاتفاق عليه الأسبوع الماضي، كما يزيد احتمال تجدد القتال وتصاعده، على الرغم من أن الجانبين الأميركي والإيراني عقدا جولات عدة من الاجتماعات بصيغ مختلفة، إضافة إلى احتمال تجديد جهود استئناف المفاوضات خلال ما تبقى من فترة الأسبوعين.
وكما يبدو، فإن التفاوض تجمد حتى الآن، لكن الحرب متوقفة، والولايات المتحدة تعتبر أن مضيق هرمز مفتوح أمام السفن والناقلات. وإيران أمام خيارين: إما ترك السفن تعبر، وإما إغلاق المضيق، ما يهدد وقف إطلاق النار ويفتح مشكلة مع الدول التي رفضت المشاركة سابقاً في فتحه. ويلوح ذلك بتحويل الوضع من حرب يقودها ترمب إلى حملة دولية لتحرير الاقتصاد العالمي من هجمات “الحرس الثوري”، وهو أيضاً رمي كرة النار بيد الحلفاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والمستفيدين من فتح الممر البحري مثل الصين والهند. ومن المقرر أن تستضيف لندن في الأيام المقبلة اجتماعاً دولياً لبحث آليات فتح مضيق هرمز.
كان لافتا أن ترمب شارك على حسابه في “تروث سوشيال” أمس مقالا يتحدث عن سيناريو فرض الحصار البحري على إيران إذا رفضت عرضها النهائي، مستندا إلى تجربة سابقة في فنزويلا. ومع تعزيز الوجود البحري الأميركي في الخليج، تسعى واشنطن للسيطرة على مضيق هرمز، وخنق الاقتصاد الإيراني، وزيادة الضغط على الصين والهند.
ويبدأ الجيش الأميركي حظر حركة الملاحة إلى الموانئ الإيرانية في الخليج أو المُبحِرة منها. ويبدأ الحصار الساعة 14:00 بتوقيت غرينيتش، يوم الاثنين. ونقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية عن مسؤولين أن الرئيس ترمب يدرس مع مستشاريه استئناف شن ضربات عسكرية محدودة على إيران وفرض حصار أميركي على مضيق هرمز.
من جهته، قال المتحدث باسم القيادة الموحدة للقوات المسلحة الإيرانية، ان طهران ستقرض “آلية دائمة للسيطرة” على مضيق هرمز في أعقاب التهديدات الأميركية.
—————————–
عودة الحربِ أو الحصار/ عبد الرحمن الراشد
14 أبريل ,2026
الخطوة التالية بعدَ فشلِ المفاوضاتِ في إسلام آباد هيَ في يدِ واشنطن التِي أصبحت تواجهُ تحدياتٍ مختلفة. أوَّلُ التحديات فكُّ الشّيفرةِ الإيرانيةِ حيث إنَّه ليسَ كلُّ «نعم» موافقةً، وليسَ كلُّ «لا» رفضاً نهائيّاً. قد يكونُ الرَّفضُ الإيرانيُّ مناورةً تتبعُها رسائلُ بالتنازلاتِ الجزئية. كمَا أنَّ من العواملِ التي تضغطُ على القرارِ الإيراني خطابَها وصورتَها أمامَ أتباعِها وهي من الأسبابِ التي قادت إلى الحرب الأخيرة.
هناك كتلةٌ من مؤيدي النّظام في الدَّاخل يستندُ إليها، وإن لم تعدَّ الغالبية، نتيجة تآكلِ رصيدِها من وراء الحصار الاقتصادي والانخراطِ العسكري الطويل في المنطقة، يضافُ إليها جمهورُ إيرانَ في محيطِه الخارجي. هذه الفئاتُ التي تشبهُ النظامَ يحاول النظامُ إيهامَها بأنَّه المنتصرُ والمتسيّدُ في المفاوضات، فالدعايةُ جزءٌ من وسائلِ السيطرة على الوضع. ليس جديداً على طهران أن تتعمَّدَ الرَّفضَ وإرباكَ المفاوضات.
وكذلك هناكَ منهجُ وزارةِ الخارجية الإيرانية الماكر، كلاعبِ بوكر لا يمكنُ أن تقرأَ تعابيرَ وجهِ المفاوض إن كانَ ينوي التقدم أو التراجعَ أو الانسحاب الجاد. التكتيكُ التقليدي لدبلوماسيي التفاوضِ الإيراني هوَ تعقيدُ المفاوضات واللعب على حافة الهاوية. وهذا ما حدثَ في جنيف عندمَا رفضَ التَّفاوضَ على النقاطِ الرئيسية وأدَّى إلى الانسحاب. الرئيس ترمب الغاضبُ فاجأهم بشنّ الحربِ في أقلَّ من 48 ساعة من انسحابهم. لم يكونوا يتوقَّعونَ ذلك رغم الحشدِ العسكري والتهديدِ بالحرب.
لن يكونَ مفاجئاً لو طلبت إيرانُ العودةَ عارضةً تنازلاتٍ مهمةً مثلَ التخصيب النَّووي في الخارج أو فتحِ مضيق هرمز.
وفي حالِ لم تتراجع طهرانُ أو لأنَّ واشنطن لم ترَ التنازلاتِ كافية، سيكونُ العالم أمام أحدِ احتمالين هدفهُما تغييرُ الحكم في طهران. الأولُ: العودة إلى استراتيجية الحرب. والخيارُ الثاني: تشديدُ الحصارِ على منافذِ مضيق هرمز.
خيارُ استئناف الحربِ لأشهر عدة يُعتقد أنَّه قادرٌ على إنهاء النّظامِ من خلال التَّدمير الواسعِ لمؤسساتِه وقياداته.
إذن لماذا أوقفت واشنطن الحربَ إن كانَ استئنافُها محتملاً؟ الدافعُ لذلك جسُّ نبضِ قيادة إيرانَ الجديدة إن كانَ لها تفكيرٌ مختلف. قد تميلُ إلى سياسة جديدة والتنازل عمّا تبقَّى من أدواتِها الخادمة لمشروع التَّوسع في المنطقة، مثل التخصيبِ والمنظومة الصاروخية والوكلاء، والتَّحول إلى نظامٍ مسالم.
هذا التَّصورُ قررت إدارة ترمب أن تختبرَه حتى لا يقال إنَّ إيرانَ كانت مستعدةً للتغيير وترمب مالَ إلى القتال.
مفاوضاتُ إسلام آباد، مثل مفاوضات جنيف، برهنت على أنَّ قرارَ استئنافِ الحرب لو يُتَّخذ لن يكونَ خاطئاً. فقد قَبِلَ ترمب وأعطى النّظامَ الفرصة بتمكينه من أمواله المحتجزة، وأوقفَ القصفَ على أهداف «حزب الله» في بيروت. في باكستان عنادُ إيرانَ ظهر برفض التَّخلي عن التخصيب النَّووي، الذي هو أساسُ النّزاع، والدافع الأول للحرب. اتَّضح أنَّ سياسةَ خامنئي لا تزال حيةً رغم مقتله.
الخيارُ الثاني عند الإدارة الأميركية، هو التَّخلي عن الحرب والعودة إلى محاصرة إيرانَ إلى درجة تتسبّب في زعزعة الأوضاع الداخلية، جراء نقصِ الموارد المالية.
ترمب يهدّدُ بوقف مرورِ ناقلات نفط إيرانَ التي تستمتع حالياً وحدَها بإغلاق المضيقِ على ناقلات خصومِها. وستعودُ واشنطن لدعم الاحتجاجاتِ الكبرى إلى مستوى جديدٍ على أمل أن يتسبب ذلك في تقويضِ النّظام.
هذه الاستراتيجية من ناحية ستبعد الحربَ عن دول الخليج والعراق والأردن، وربَّما تعيد الحياة في مضيق هرمز ويرجّح أنَّ الدولَ المتضررة مثل الصين والهند ستضغطانِ على طهرانَ لفكّ تطويقِ المضيق.
الحصارُ الاقتصاديّ يبدو خياراً مريحاً للجانبين، لكنَّه قد لا يمنع ذلك من نشوبِ الحرب من جديد. فالإدارةُ الأميركية لم تتخلَّ عن فكرةِ معاودة القصفِ، وطهرانُ التي خسرت أوراقَها التفاوضية السابقة قد تتمسَّك بورقة إغلاقِ المضيق متحديةً القواتِ البحرية الأميركية ومتجاهلةً الدعوات العالمية. التَّدهورُ المتلاحقُ سيتسبَّبُ في جولاتٍ من المواجهات العسكرية.
ولا ننسى أنَّ النَّظامَ الإيراني يدير الأزمةَ بشكل غيرِ عقلاني، لأنَّه يصارعُ من أجلِ البقاء.
نقلا عن الشرق الأوسط
——————————
لماذا تعثرت مفاوضات “إسلام آباد”؟/ فاطمة الصمادي
12 أبريل 2026
تكشف جولة المفاوضات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد أن تعثر المسار التفاوضي لا يمكن تفسيره بعامل واحد أو بخلاف محدود حول تفاصيل الملف النووي بل ينبغي فهمه بوصفه نتيجة لتداخل عوامل سياسية وإستراتيجية وتفاوضية متعددة. فالمشكلة لم تكن فقط في تعقيد القضايا المطروحة وإنما أيضًا في وجود فجوة بين طبيعة المهمة التفاوضية المطروحة وحجم الخبرة والقدرة السياسية المطلوبة لإدارتها، بما أضعف القدرة الأميركية على التعامل مع ملف يتجاوز في حساسيته وحدوده الإطار الدبلوماسي التقليدي.
وقد بدا واضحًا أن واشنطن دخلت هذه الجولة وهي تحاول الجمع بين ملفات شديدة التعقيد في وقت واحد: احتواء التداعيات المرتبطة بمضيق هرمز وانعكاساتها على الاقتصاد العالمي، والتعامل مع واحد من أكثر ملفات السياسة الخارجية الأميركية استعصاءً، وهو الملف الإيراني النووي، إضافة إلى الدور الإقليمي لإيران. هذا التداخل بين البعد الأمني والبعد النووي والبعد الجيوسياسي جعل من الصعب تحويل المفاوضات إلى مسار تقني قابل للحسم السريع، وحوَّلها إلى ساحة اختبار أوسع لموازين القوة والإرادات السياسية.
في المقابل، لم تساعد طبيعة المقاربة الأميركية على خلق بيئة تفاوضية مواتية. فقد ظهرت واشنطن وكأنها تدخل المفاوضات بعقلية الإملاء لا بعقلية الراغب بإيجاد حل، عبر طرح شروط مرتفعة السقف ومطالب تمس عناصر تَعُدُّها طهران جزءًا من سيادتها وأوراق قوتها الإستراتيجية. وبدل أن تُبنى العملية التفاوضية على مبدأ التدرج والبحث عن مساحات وسط، اتجهت نحو محاولة فرض تنازلات تتعلق بمستقبل التخصيب النووي الذي تصر إيران على حفظ أصله حقًّا من حقوقها الوطنية التي لا يجوز التنازل عنها، وكذلك مصير مخزون اليورانيوم المخصب، وموقع إيران في معادلة أمن المضائق والممرات الحيوية. ومن شأن مثل هذا النهج أن يضعف فرص الاتفاق منذ البداية، لأن التفاوض يتحول عندئذ إلى اختبار لإرادة الصمود أكثر منه بحثًا عن تسوية متوازنة.
وفي هذا السياق، قدَّم الخطاب الإيراني الرسمي هذا التعثر بوصفه نتيجة مباشرة لفشل واشنطن في معالجة أزمة الثقة التي تسبق المفاوضات نفسها. فقد شدَّد رئيس مجلس الشورى، محمد باقر قاليباف، في تغريدات له على أن إيران دخلت المحادثات وهي تمتلك حُسن النية والإرادة اللازمة لكنها لا تمتلك ثقة بالطرف المقابل بسبب خبرات الحربين السابقتين. ووفق هذا المنظور، فإن جوهر الأزمة لا يتعلق فقط بمضمون العروض المطروحة بل بقدرة الولايات المتحدة على إثبات أنها مستعدة للانتقال من منطق الضغط إلى منطق بناء الثقة. كما ينسجم ذلك مع التأكيد الإيراني على أن الوفد الإيراني طرح مبادرات ذات طابع استشرافي وتطلعي، غير أن الطرف المقابل أخفق في تحويل التفاوض إلى مسار يبدد الشكوك الإيرانية المتراكمة.
إلى جانب ذلك، يبدو أن الخلاف لم يكن نوويًّا خالصًا؛ فالمسار التفاوضي اتسع ليشمل قضايا إقليمية أخرى، وبخاصة ما يتصل بالساحة اللبنانية وترابطها مع حسابات التهدئة والتصعيد في المنطقة؛ إذ أصرَّت إيران على سريان وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية أيضًا.
وقد أسهم هذا الاتساع في تعقيد المشهد، لأن كل طرف دخل التفاوض وفق تعريف مختلف لطبيعة الملفات التي ينبغي بحثها. فبينما نظرت طهران إلى التفاوض ضمن إطار إقليمي مترابط، سعت واشنطن إلى إبقاء بعض الملفات خارج المسار الأساسي أو التعامل معها بوصفها مسائل منفصلة. هذا الاختلاف في تعريف موضوع التفاوض ذاته جعل من الصعب إنتاج جدول أعمال مستقر أو صيغة اتفاق واضحة المعالم.
1جدارية في طهران تحمل عبارة “المضيق سيبقى مغلقا” (أ.ف.ب)
ثلاث ديناميات مفسِّرة
ويمكن تفسير تعثر المفاوضات من خلال ثلاث ديناميات رئيسية، يفصِّل فيها الباحث آرش رئيسي نجاد:
أولى هذه الديناميات أن الطرفين دخلا المحادثات وهما يحملان شعورًا نسبيًّا بالنجاح؛ فإيران رأت أنها استطاعت الحفاظ على التماسك والصمود، وأنها لم تُدفع إلى تغيير إستراتيجي جذري رغم الضغوط. وفي المقابل، عَدَّت الولايات المتحدة -ومعها إسرائيل- أن الضربات العسكرية والضغط المتواصل منحاها موقعًا تفاوضيًّا متقدمًا. وعندما يذهب الطرفان إلى الطاولة وهما يتصرفان من منطلق الإحساس بعدم الهزيمة بل بقدر من الثقة بالقدرة على الاستمرار، فإن فرص التنازل المتبادل تتراجع، لأن كل طرف يراهن على إمكانية انتزاع مزيد من المكاسب بدلًا من الاكتفاء بتسوية وسط.
أما الدينامية الثانية فتتمثل في تشظي جدول الأعمال التفاوضي. فبدل أن يظل التفاوض محصورًا في ملف محدد ذي بنية فنية واضحة، تمدد ليشمل قضايا الردع، والمضائق البحرية، والبرنامج النووي، ومخزون المواد المخصبة، وساحات النفوذ الإقليمي. وهذا الاتساع جعل من الصعب بناء صفقة واحدة متماسكة؛ لأن كل ملف من هذه الملفات يخضع لحسابات مختلفة ويستدعي أطراف ضغط متباينة ويطرح مستويات مختلفة من الحساسية السياسية. وبذلك تحولت المفاوضات من محاولة للتوصل إلى اتفاق محدد إلى عملية مساومة مركبة تفتقر إلى مركز ثقل واضح.
أما الدينامية الثالثة فمرتبطة بالسياق الداخلي الأميركي؛ فالتفاوض في مثل هذه الملفات لا ينفصل عن الحسابات الحزبية والانتخابية وصورة الإدارة أمام الرأي العام. وكلما ازداد تعقيد الملف، ارتفعت كلفة الاستثمار السياسي فيه. ويبدو أن الاستعداد الأميركي لتحمل هذه الكلفة كان محدودًا خاصة في ظل بيئة سياسية داخلية لا تشجع على تقديم تنازلات في ملف شديد الحساسية مثل الملف الإيراني. وهذا يعني أن تعثر المحادثات لم يكن ناتجًا فقط عن تصلب الموقف الإيراني أو ارتفاع سقف المطالب الأميركية بل أيضًا عن محدودية القدرة الأميركية على تحويل الرغبة في الاتفاق إلى التزام سياسي فعلي قادر على تجاوز الاعتراضات الداخلية وحسابات المستقبل الانتخابي.
وتبرز ضمن هذا السياق جملة من العقد الأساسية التي دفعت نحو الانسداد؛ من بينها الإصرار الأميركي على ترتيبات تمس جوهر البرنامج النووي الإيراني لاسيما ما يتعلق بالتخصيب ومخزون اليورانيوم، فضلًا عن مطالب ذات صلة بمضيق هرمز ودوره في معادلة الردع والضغط المتبادل. وبالنسبة إلى إيران، لا تُعد هذه الملفات موضوعات تفاوضية تقنية قابلة للفصل عن السيادة الوطنية بل تدخل في صميم تعريفها لمكانتها الإقليمية وقدرتها على حماية مصالحها. لذلك بدا من الصعب أن تستجيب طهران لمطالب من هذا النوع، لا لاعتبارات تفاوضية فحسب بل لأن قبولها قد يُفهم داخليًّا وإقليميًّا بوصفه تنازلًا إستراتيجيًّا يتجاوز حدود التسوية المرحلية.
ويكشف خطاب قاليباف كذلك عن تصور إيراني أوسع لوظيفة التفاوض نفسها؛ إذ لا تُقدَّم الدبلوماسية في هذا الخطاب بوصفها بديلًا عن أدوات القوة الأخرى، بل بوصفها مسارًا موازيًا ومكملًا لها في الدفاع عن حقوق الأمة الإيرانية. ومن هنا، فإن التفاوض، وفق هذا الفهم، يتحرك ضمن معادلة أشمل تربط بين الصمود الميداني والإنجاز السياسي، وتتعامل مع أي انفتاح دبلوماسي بوصفه امتدادًا لما تعده طهران منجزات تحققت خلال أربعين يومًا من “الدفاع الوطني”. وتساعد هذه الرؤية في تفسير تشدد الموقف الإيراني إزاء القضايا المرتبطة بالتخصيب ومضيق هرمز ومخزون المواد المخصبة، لأن هذه الملفات لا تُقرأ في طهران بوصفها بنودًا تقنية قابلة للمساومة المنفصلة بل بوصفها امتدادًا مباشرًا لمعادلة الردع والسيادة.
مناخ مشبع بالتصعيد
ولا يمكن فصل هذه الجولة أيضًا عن المناخ الإقليمي والدولي الأوسع؛ فالمفاوضات جرت في بيئة مشبعة بالتهديدات، وباحتمالات الانتقال من منطق الضغط السياسي إلى منطق الإكراه العسكري أو الحصار البحري أو إعادة ترتيب أدوات الاحتواء. وقد جعل هذا المناخ كل طرف أكثر حذرًا من تقديم تنازلات قد تُقرأ بوصفها علامة ضعف. كما عزَّز دور الفاعلين الإقليميين، وفي مقدمتهم إسرائيل، في التأثير على السقف السياسي للموقف الأميركي، سواء عبر الضغط المباشر أو عبر إعادة تعريف أولويات التفاوض وشروطه. ولا يمكن إغفال هذا العامل الإسرائيلي؛ إذ تبدو إسرائيل حاضرة دائمًا في زاوية المشهد التفاوضي ممسكة بعود كبريت، تدفع نحو تقليص هوامش التسوية وتوسيع مجال الاشتراطات والتنازلات.
ومع ذلك، فإن تعثر هذه الجولة لا يعني بالضرورة إغلاق المسار التفاوضي نهائيًّا. فمن الممكن النظر إلى ما حدث بوصفه مرحلة من مراحل مساومة أطول، تتخللها لحظات توقف وانقطاع وإعادة تموضع واختبار للإرادات. وغالبًا ما تمر الأزمات الكبرى بمثل هذه المراحل؛ حيث يُستخدم الانسداد الظاهري أحيانًا أداةً لتحسين الشروط أو لإعادة ترتيب الأولويات أو لفتح قنوات موازية أقل علنية. وعليه، فإن فشل هذه الجولة لا يستبعد عودة المفاوضات لاحقًا، لكنه يكشف بوضوح أن أي استئناف جدي للمسار سيتطلب تعديلًا في طريقة إدارة التفاوض، وتخفيضًا لسقف الشروط القصوى، وإعادة ضبط جدول الأعمال بما يجعله أكثر واقعية وقابلية للمعالجة.
وفي مستوى آخر، تعكس تصريحات قاليباف محاولة لإعادة تأطير المفاوضات ضمن سردية داخلية جامعة، تربط بين أداء الوفد المفاوض وشرعية الدعم الشعبي والسياسي الذي يستند إليه. فالإشادة بأعضاء الوفد بعد جولة استمرت 21 ساعة، إلى جانب توجيه الشكر إلى باكستان على دورها التيسيري، وإبراز التفاف الشعب الإيراني حول قيادته ومؤسساته، كلها عناصر تسهم في تقديم المفاوضات لا بوصفها مسارًا منفصلًا عن المجال الوطني بل جزءًا من جهد سيادي شامل يشارك فيه الداخل والخارج معًا. وبذلك يتحول الخطاب المصاحب للمفاوضات إلى أداة لتثبيت الموقف التفاوضي الإيراني وتعزيز صورته بوصفه موقفًا مدعومًا شعبيًّا ومسنودًا إقليميًّا لا مجرد موقف وفد تقني على طاولة تفاوض.
خلاصة
يمكن القول: إن تعثر مفاوضات إسلام آباد كان نتيجة خلل مركب، لا نتيجة خلاف منفرد؛ فقد تداخلت فيه عوامل سوء تقدير طبيعة المهمة التفاوضية، وارتفاع سقف المطالب الأميركية واللغة الإملائية التي استخدمها وفدها المفاوض، واتساع جدول الأعمال إلى ملفات إقليمية وأمنية متشابكة، فضلًا عن تأثير الحسابات الداخلية الأميركية في الحد من فرص الاستثمار السياسي في اتفاق صعب. كما يكشف الخطاب الإيراني المصاحب، كما عبَّر عنه قاليباف، أن جوهر الأزمة لا يقتصر على تفاصيل الخلافات التقنية بل يمتد إلى غياب الثقة وإلى اختلاف أعمق في فهم وظيفة التفاوض وحدوده وعلاقته بمعادلة القوة والسيادة. وفي ضوء ذلك، لا يبدو الفشل مجرد تعثر ظرفي بل تعبيرًا عن أزمة أعمق في تعريف التفاوض نفسه: موضوعه، وحدوده، وطبيعة التسوية الممكنة داخله. ومن دون معالجة هذه المسائل البنيوية ستظل فرص التقدم محدودة، حتى لو عادت الأطراف إلى الطاولة في مرحلة لاحقة.
تعثر مفاوضات إسلام آباد أدخل الأزمة الأميركية-الإيرانية في مرحلة أكثر خطورة؛ حيث باتت واشنطن عالقة بين حرب مكلفة ومفاوضات طويلة، فيما تتمسك إيران بأوراق قوتها وعلى رأسها مضيق هرمز وحق التخصيب. والنتيجة أن تعثر مفاوضات إسلام آباد لم يكن حدثًا عابرًا بل لحظة تنقل الأزمة إلى مرحلة أكثر تعقيدًا؛ فالمشهد لا يزال مفتوحًا على هدنة هشة أو تصعيد جديد أو تفاوض بالغ الصعوبة.
باحثة وأستاذة جامعية أردنية مختصة في الشأن الإيراني، حاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة علامة طباطبائي في إيران. لها عدد من الكتب والأبحاث المتعلقة بالشأن الإيراني. تعمل حاليا باحثا أول في مركز الجزيرة للدراسات وتشرف على الدراسات المتعلقة بإيران وتركيا ووسط آسيا.
مركز الجزيرة للدراسات
———————————–
الحصار البحري على إيران: الآليات والمخاطر والتداعيات/ علي دربج
الثلاثاء 2026/04/14
“إذا لم تستطع حلّ مشكلة، فقم بتوسيعها”. هذه النصيحة، التي تُنسب غالباً إلى الرئيس الأميركي الأسبق دوايت د. أيزنهاور، قرّر حالياً سيّد البيت الأبيض دونالد ترامب اتباعها كاستراتيجية جديدة رداً على فشل المفاوضات الأميركية ــ الإيرانية في باكستان، من خلال إقدامه على فرض حصار بحري على موانئ وسفن وصادرات طهران النفطية، بغض النظر عن المخاطر العسكرية، والتداعيات على الاقتصاد العالمي.
ولهذه الغاية، أعلن ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي أن “البحرية الأميركية، الأفضل في العالم، ستبدأ بعملية فرض حصار على أي وجميع السفن التي تحاول الدخول إلى أو مغادرة مضيق هرمز”، مهدداً بأن “أي جهة تهاجم السفن الأميركية سيتم تدميرها بالكامل”.
اللافت أن هذا التهديد الواسع سرعان ما جرى تقليصه بعد ساعات من الإعلان، عندما أوضحت القيادة المركزية الأميركية (Centcom) أن “الحصار سيقتصر على السفن التي تعبر إلى الموانئ الإيرانية — وأنه سيسمح بمرور السفن المتجهة إلى موانئ حلفاء الولايات المتحدة في الخليج”.
وسائل تنفيذ الحصار
في الواقع، لم يُفصح الجيش الأميركي بعد عن تفاصيل كثيرة تتعلق بالحصار، بما في ذلك عدد السفن الحربية التي ستُنفذه، وهل سيستخدم طائرات حربية، وهل سيساعده أي من حلفاء الخليج في هذه المهمة، خصوصاً وأن عدداً من أصدقاء واشنطن، لاسيما بريطانيا، أعلنت أنها لن تشارك في أي حصار للمضيق، كما صرّح رئيس الوزراء الأسترالي، أنتوني ألبانيزي، بأن بلاده لم تُطلب منها المشاركة.
أكثر من ذلك، نقلت صحيفة “واشنطن بوست” عن خبراء عسكريين أميركيين قولهم إنه “من غير المتوقع أن يُطلق الجيش الأميركي صواريخ أو أن يستعمل أسلحة أخرى موجّهة ضد ناقلات النفط الإيرانية أو الصديقة لها، نظراً لمخاطر حدوث كارثة بيئية”. ويُرجّح هؤلاء الخبراء أن تُحاول البحرية الأميركية إجبار السفن على تغيير مسارها عبر التهديدات، وإذا لم يُجدِ ذلك نفعاً، فستُرسل فرقاً مسلّحة للصعود إلى السفن والسيطرة عليها فعلياً.
كما أوضحت القيادة المركزية أن “الحصار سيُفرض بشكل محايد على سفن جميع الدول التي تدخل أو تغادر الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية ـــ أي اعتراض أي سفن تدفع لإيران رسوماً للمرور ـــ غير أنه لن يعيق حرية الملاحة للسفن العابرة لمضيق هرمز من وإلى الموانئ غير الإيرانية”.
وتعليقاً على ذلك، أكد الأدميرال المتقاعد مارك مونتغمري (باحث بارز في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهو مركز أبحاث أميركي مختص بالأمن القومي والسياسات الدفاعية) أنه “وبدلاً من أن تقوم سفن البحرية الأميركية بمرافقة السفن التجارية عبر مضيق هرمز – وهي عملية قد تعرض حياة المزيد من أفراد الخدمة للخطر – ستضطر الولايات المتحدة إلى الصعود إلى أي سفن تدفع رسوم العبور لإيران، وربما مصادرتها، ما سيؤدي فعلياً إلى إغلاق المضيق تماماً.
وإذ لفت مونتغمري إلى أن هذا سيكون أقل خطورة على واشنطن، وأكثر تكلفة بكثير على إيران، أكد أنه “للقيام بذلك سيحتاجون إلى عدد كبير من المدمرات وفرق الصعود والتفتيش والمصادرة”.
وماذا عن المخاطر؟
صحيح أن الحصار هو أداة ضغط بالتأكيد، لكنه ليس عسكرياً بالدرجة الأولى، إذ لا يرغب ترامب في خوض صراع مسلح إضافي. ومع ذلك، فإن المنطق الاستراتيجي لترامب واضح، وهو أن “قطع صادرات النفط الإيرانية سيحرمها من العملة الصعبة التي تُبقي اقتصادها الحربي قائماً”.
لكن مهلاً، فإن الردّ الإيراني لم يتأخر، حيث قالت القيادة المركزية العسكرية الإيرانية في منشور على منصة “أكس” يوم الاثنين: “إذا تعرّضت موانئ إيران للتهديد، فلن يكون أي ميناء في المنطقة آمناً”.
إلى جانب ذلك، يحذّر المحللون العسكريون الأميركيون من أن الحصار قد يواجه عقبات عسكرية خطيرة، فطبيعة المضيق الجغرافية الضيقة تُجبر السفن الحربية الأميركية على التحرك داخل ممر محدود، حيث يمكن للألغام البحرية الإيرانية والصواريخ الساحلية وأسراب الطائرات المسيّرة الرخيصة، أن تُبطل التفوق العسكري الأميركي.
وفي السياق ذاته، فإن قيام الولايات المتحدة باحتجاز سفن إيرانية قد يدفع الحوثيين للردّ في باب المندب، وهذا سينجم عنه ارتفاع حاد في أسعار النفط.
تداعيات الحصار
عملياً، قد تكون التداعيات الاقتصادية للحصار سيفاً ذو حدّين. فمن جهة، ومع وجود نحو 7 ملايين برميل من النفط الخام و4 ملايين برميل من المنتجات المكرّرة عالقة بالفعل في الخليج (الأرقام على ذمة “واشنطن بوست”)، فإن منع النفط الإيراني يهدّد بدفع الأسعار العالمية إلى مزيد من الارتفاع، وربما إلى تفاقم أزمة الطاقة العالمية على المدى القصير على الأقل. ومن ناحية أخرى، يُعدّ المضيق نقطة اختناق لسلع أخرى في سلاسل الإمداد، مثل الألمنيوم والهيليوم والأسمدة.
المثير في الأمر أنه “وفور إعلان ترامب عن الحصار، ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 8 في المئة إلى 104.24 دولاراً للبرميل، في حين قفز سعر خام برنت بنسبة 7 في المئة إلى 102.29 دولاراً”.
في المحصلة، يتحدث مسؤولو إدارة ترامب عن ثلاثة سيناريوهات محتملة مع تشديد القبضة الاقتصادية الأميركية على إيران: أولاً، قد يتم إسقاط النظام، وهو احتمال يعتقدون أنه يصبح أكثر واقعية بعد توقف القصف مقارنة بما قبله. ثانياً، قد يقرر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أو زعيم جديد آخر عبور ما وصفه فريق ترامب بـ”الجسر الذهبي” نحو مستقبل جديد. ثالثاً، قد يحاول المتشددون في الحرس الثوري الإيراني كسر الحصار أو تنفيذ ضربات أخرى لفرض مزيد من التنازلات الأميركية. بالمقابل، ضع في اعتبارك، أنه بينما يرى العديد من السياسيين الأميركيين بأن الإفراط في نجاح الاحتمالين الأول والثاني كان من أكبر أخطاء هذه الإدارة خلال الحرب. يعتقدون بأن السيناريو الأخير هو المرجح.
المدن
——————————-
تهديد عسكري وعرض نهائي.. كيف ستبدو جولة مفاوضات ثانية بين طهران وواشنطن؟
تتجه الأنظار إلى جولة تفاوض مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران، يُرجح عقدها الخميس، وسط معادلة دقيقة تجمع بين تصعيد عسكري متدرج وضغوط اقتصادية متزايدة مقابل مؤشرات انفتاح دبلوماسي حذر، ويضع هذا التداخل المسار التفاوضي أمام لحظة مفصلية قد تحدد مآلات الصراع.
في هذا السياق، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين أمريكيين أن الاتصالات لا تزال جارية لعقد جولة جديدة دون حسم مكانها، مع طرح كل من جنيف وإسلام آباد كخيارين محتملين، في وقت تتزايد فيه الرهانات على تحقيق اختراق قبل انتهاء الهدنة.
ومن واشنطن، قال مراسل الجزيرة ناصر الحسيني إن المعطيات المتوفرة تستند إلى تسريبات من مصادر دبلوماسية متعددة، تؤكد وجود رغبة واضحة لدى الطرفين في استمرار التواصل، تفاديا للانزلاق نحو مواجهة أوسع رغم الفجوات الكبيرة التي لا تزال تفصل مواقفهما.
وأوضح أن النقاشات الحالية تتركز على الإطار اللوجستي للجولة المقبلة إلى جانب جدول الأعمال، مشيرا إلى أن جنيف تبدو خيارا أكثر عملية في ظل اعتبارات تتعلق بسهولة الوصول وتقليص زمن التنقل للوفود المشاركة.
وأضاف أن اللافت في الساعات الأخيرة هو تغير نسبي في نبرة الخطاب الأمريكي، إذ يقترن التصعيد العسكري بتأكيدات متكررة على أهمية التفاوض، ما يعكس محاولة لإدارة الضغط دون إغلاق الباب أمام الحلول السياسية.
ومن إسلام آباد، نقل مدير مكتب الجزيرة عبد الرحمن مطر عن مصادر رفيعة في الخارجية الباكستانية أن إسلام آباد عرضت رسميا استضافة جولة ثانية من المفاوضات بين واشنطن وطهران، في مسعى للحفاظ على المسار الدبلوماسي بعد تعثر الجولة الأولى.
وأوضح أن هذا العرض يأتي امتدادا لتحركات باكستانية بدأت منذ انتهاء الجولة السابقة، حيث تراهن إسلام آباد على البناء على ما تحقق من تفاهمات جزئية رغم عدم الإعلان عنها، وسط مشاركة مباشرة ورفيعة المستوى في الوساطة شملت وزير الخارجية وقائد الجيش.
إعلان
وأشار إلى أن الهدنة المعلنة لمدة أسبوعين دخلت أيامها الأخيرة، مع بقاء نحو 5 أيام فقط، مما يدفع باكستان لتكثيف اتصالاتها مع الطرفين ومع قوى دولية، أملا في عقد جولة جديدة ضمن هذا الإطار الزمني أو التوصل إلى تمديد يفسح المجال لاستمرار التفاوض.
عرض نهائي
بدوره، نقل مراسل الجزيرة في واشنطن أحمد الرهيد أن الجولة المرتقبة قد تعقد بالفعل الخميس، وفق ما أوردته “أسوشيتد برس”، مع ترقب لحسم مسألة ما إذا كانت المحادثات ستكون مباشرة أم غير مباشرة، فضلا عن تحديد مدتها الزمنية، في ظل إدراك أمريكي لصعوبة حسم الملفات الخلافية سريعا.
وأشار الرهيد إلى أن الأبرز في الموقف الأمريكي هو ما أعلنه نائب الرئيس جيه دي فانس عن تقديم “عرض نهائي” لإيران، يتضمن شروطا صارمة، على رأسها الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم، وإخراج المخزون المخصب من داخل الأراضي الإيرانية.
وبيّن أن هذه الشروط تترافق مع مطلب فتح مضيق هرمز بشكل كامل، باعتباره جزءا من أي اتفاق لوقف إطلاق النار، وهو ما يعكس ربطا مباشرا بين الملف النووي وأمن الطاقة العالمي، ضمن مقاربة تفاوضية شاملة.
وفي سياق متصل، أكد الرهيد أن الحصار البحري الذي بدأته واشنطن على الموانئ الإيرانية يمثل ورقة ضغط إضافية، تهدف إلى إضعاف قدرة طهران الاقتصادية ودفعها نحو تقديم تنازلات، خاصة في ظل اعتمادها الكبير على عائدات النفط.
ولم يقتصر الضغط على الجانب الاقتصادي، إذ كشف عن تعزيزات عسكرية أمريكية في المنطقة، تشمل نشر حاملات طائرات إضافية، في رسالة واضحة مفادها أن فشل المسار الدبلوماسي قد يفتح الباب أمام خيارات عسكرية ذات كلفة عالية.
ثوابت أساسية
أما في طهران، فقال مراسل الجزيرة عامر لافي إن المشهد يتسم بحراك دبلوماسي مكثف تقوده أطراف إقليمية ودولية، بهدف احتواء التصعيد وضمان استمرار تدفق الطاقة، خاصة مع تنامي المخاوف المرتبطة بمضيق هرمز وتأثيراته على الأسواق العالمية.
وأوضح أن وزير الخارجية الإيراني أجرى سلسلة اتصالات مع نظرائه في دول مؤثرة، ما يعكس رغبة في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، رغم غياب إعلان رسمي حتى الآن بشأن موعد الجولة المقبلة أو مكان انعقادها.
وأشار إلى أن طهران لم تغلق باب التفاوض، لكنها تتمسك بثوابت أساسية، أبرزها رفض التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم، مع إبداء استعدادها لبحث تخفيض نسب التخصيب، بما يحافظ على برنامج نووي تصفه بالسلمي.
وأكد أن هذا الملف، إلى جانب قضية مضيق هرمز، يمثلان العقدتين الرئيسيتين في المفاوضات، حيث ترفض إيران أي طرح يمنح الولايات المتحدة دورا في إدارة المضيق، معتبرة ذلك تدخلا في سيادتها وتهديدا لمصالح دول المنطقة.
وبيّن أن بعض المسؤولين الإيرانيين يتحدثون عن إمكانية الوصول إلى “منتصف الطريق” في حال أبدت واشنطن مرونة، خاصة في ما يتعلق برفع العقوبات أو تخفيف الضغوط الاقتصادية المفروضة.
وتأتي هذه التطورات في ظل خلفية ميدانية متوترة، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى استثمار تفوقها العسكري والاقتصادي لتعزيز موقفها التفاوضي، في حين تراهن إيران على عامل الوقت وقدرتها على امتصاص الضغوط.
إعلان
وفي موازاة ذلك، تعكس التحركات الأمريكية في ملفات إقليمية أخرى، مثل استضافة محادثات بين لبنان وإسرائيل توجها أوسع لإعادة ترتيب التوازنات، بما يخدم رؤيتها للأمن الإقليمي، ويضغط بشكل غير مباشر على طهران.
وتبدو جولة الخميس -إن تأكد انعقادها- اختبارا حقيقيا لقدرة الطرفين على تحويل التهديد إلى فرصة تفاوضية، في ظل معادلة دقيقة تجمع بين عرض أمريكي “نهائي” وضغط متعدد الأبعاد، مقابل تمسك إيراني بشروط السيادة والبرنامج النووي.
المصدر: الجزيرة
———————–
“ضغط جراحي” مقابل الفوضى.. نزال أمريكي إيراني بمعركة الموانئ وعصب الملاحة
بـ”ضغط جراحي” وإستراتيجية “الطبقات المتعددة”، تسعى القيادة المركزية الأمريكية لفرض حصار بحري محكم، يستهدف الموانئ الإيرانية حصرا دون إغلاق مضيق هرمز بالكامل.
وبناءً على تقرير بثته الجزيرة للصحفي محمود الكن، تتبنى الولايات المتحدة اليوم إستراتيجية “الضغط الجراحي” لتطويق إيران بحريا، في مقابل أساليب إيرانية تعتمد على الحرب غير المتناظرة لإطالة أمد الصراع.
طبقات الحصار والمنع
وكانت القيادة المركزية الأمريكية قد أعلنت مقاربة جديدة لا تهدف للسيطرة على كامل البحر، وإنما تركز حصرا على منع الوصول إلى الموانئ الإيرانية لإحداث أقصى ضغط اقتصادي.
وتعتمد هذه الخطة على “الدقة الجراحية” لتفادي إغلاق مضيق هرمز بالكامل، مع إلزام السفن العابرة في خليج عُمان وبحر العرب والخليج بالتنسيق عبر القناة الـ16 -حسب التقرير- لضمان العبور الآمن، مما قد يتضمن عمليات تفتيش دقيقة.
أما عسكريا، فتنفذ واشنطن إستراتيجيتها عبر “طبقات” دفاعية وهجومية، حيث تستخدم طائرات “بي-8 إيه بوسيدون” لمراقبة الأعماق ومواجهة الغواصات، بينما ترصد الطائرات المسيّرة منصات إطلاق الصواريخ البرية.
وفي ظل ضيق مسار العبور في مضيق هرمز (6 أميال بحرية فقط)، تحشد واشنطن قواتها فيما يشبه “منطقة قتل واصطياد” للتعامل السريع مع التهديدات.
ولتحييد خطر الألغام، تعتمد على “سفن القتال الساحلي” التي ترصد الخطر من مسافة آمنة وتدمر الألغام عبر مروحيات ومسيرات، مع بقاء حاملات الطائرات في حالة إسناد جوي بعيد.
وفي هذا السياق، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤول في وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) قوله إن “الولايات المتحدة لديها في الشرق الأوسط حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن و11 مدمرة و3 سفن هجومية برمائية وسفينة قتال ساحلي”.
مناورة إيرانية
في المقابل، تمتلك طهران أوراقا للمناورة تهدف إلى إطالة أمد المواجهة، إذ تعتمد على “الموانئ البرية” عبر دول الجوار وشبكة سكك حديد ممتدة، بالإضافة إلى ساحلها على بحر قزوين، مما يكسر حدة الحصار البحري.
إعلان
أما تكتيكيا، فتدرك إيران أنها لا تحتاج إلى انتصار عسكري كلاسيكي، بل يكفيها إحداث “فوضى” تربك الأسواق العالمية، إذ تكفي إصابة سفينة تجارية واحدة أو اثنتين بخلط الأوراق.
ولتحقيق ذلك، تستخدم طهران أساليب الحرب غير المتناظرة عبر الزوارق السريعة المفخخة والطوربيدات، والغواصات الصغيرة وصواريخ “أرض-بحر”.
وفي ضوء هذا المشهد، تبدو المعركة في مضيق هرمز صراعا بين تكنولوجيا أمريكية تتطلب معدل نجاح مطلقا لتأمين الملاحة، وإستراتيجية إيرانية تراهن على كلفة “الإصابة الواحدة” لإدامة الأزمة، في واحدة من أعقد ألعاب الشطرنج البحرية في العالم.
وعصر أمس الاثنين، دخل تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بحصار جميع السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها حيّز التنفيذ، متوعدا السفن الإيرانية التي ستقترب من منطقة الحصار بالقضاء عليها فورا.
المصدر: الجزيرة
———————-
ماذا يعني «حصار الحصار» في «هرمز»؟
لندن: محمد أبو حسبو
13 أبريل 2026 م
عندما أغلقت إيران مضيق هرمز لم تكن قد أغلقته عملياً -مثلاً عبر تلغيمه بالكامل- بل حظرت السفن وناقلات النفط التابعة للدول المطلة على مياه الخليج، بالإضافة إلى سفن «الأعداء»، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، من استخدام المضيق.
وفي المقابل، سمحت طهران -بطبيعة الحال- لناقلات نفطها بالعبور لنقل صادراتها النفطية البالغة 1.5 مليون برميل يومياً إلى بقية العالم.
وبذلك تكون إيران قد فرضت حصاراً على مضيق هرمز في وجه العالم، في حين أبقت المضيق مفتوحاً أمام صادراتها ووارداتها.
أما ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب من فرض حصار بحري على «هرمز» وكل الموانئ الإيرانية، فيعني عملياً فرض «حصار على الحصار»، لأنه سيحرم إيران نفسها من الاستفادة من المضيق ويشل جميع صادراتها النفطية وغير النفطية، مما يؤدي إلى خنق اقتصادها بشكل كبير.
أرباح إيران وخسائرها
ومع ارتفاع أسعار النفط منذ إغلاق المضيق، ارتفعت أسعار النفط من نحو 75-80 دولاراً للبرميل قبل الحرب في شهر فبراير (شباط)، إلى نحو 120-126 دولاراً في أعلى مستوياتها في أثناء الحرب.
وبما أن إيران تصدّر نحو 1.5 مليون برميل يومياً، فمن المقدر أن تكون طهران قد حققت ربحاً إضافياً بلغ في متوسطه نحو 60 مليون دولار يومياً. لكن، وبما أنها تبيع نحو 90 في المائة من صادراتها إلى الصين بأسعار مخفضة، فربما تكون أرباحها الإضافية قد بلغت نحو 45 مليون دولار فقط يومياً.
هذا هو الربح الإضافي فقط، أما عائداتها الكاملة من النفط بأسعار اليوم -بحساب 100 دولار للبرميل- فتبلغ نحو 150 مليون دولار يومياً، أي نحو 4.5 مليار دولار شهرياً… وهذا ما ستُحرم منه إيران بعد فرض «حصار الحصار» عليها.
ومن المتوقع أن يؤدي «حصار الحصار» إلى مزيد من ارتفاع أسعار النفط. لكن هناك دولاً أخرى، غير إيران المحاصرة، ستتضرر أكثر من غيرها، وأهمها الصين التي تتلقى نحو 90 في المائة من صادرات النفط الإيراني.
يُذكر أن بكين كانت قد لعبت دوراً أساسياً في إقناع طهران، خلال اللحظات الأخيرة، بقبول هدنة الأسبوعين التي أعلنها ترمب يوم 7 أبريل (نيسان)، وفقاً لمصادر دبلوماسية باكستانية.
ويرى بعض المراقبين أن تضرر الصين من «حصار الحصار» ربما يدفعها مرة أخرى إلى الضغط على إيران، كي تقدم تنازلات في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.
تغيير مسار السفن
عندما حظرت إيران مرور السفن عبر مضيق هرمز، غيّرت أيضاً مسار السفن المسموح لها بالعبور كي تتحكم فيها. فهي لم تغيّر المسار بالمعنى التقليدي لتغيير المسار الملاحي رسمياً، بل أعادت عملياً تشكيل طريقة حركة السفن في المضيق من خلال التحكم والقيود وإعادة توجيه المرور، بدلاً من تغيير المسارات البحرية المعترف بها دولياً.
ولتحقيق ذلك، دفعت إيران السفن إلى استخدام مسار قريب من سواحلها، بين جزيرتي قشم ولارك، بدلاً من الممرات الدولية المعتادة التي كانت تمر بين جزيرة أبو موسى وجزيرتي طنب الكبرى والصغرى، وذلك بغرض إنشاء ممر مُسيطر عليه قرب السواحل الإيرانية. وبذلك تكون طهران قد أنشأت فعلياً نظام مسارات جديداً بحكم الأمر الواقع، حتى لو لم يُعلن رسمياً.
كما أصبح العبور في كثير من الحالات مشروطاً بتصاريح وتنسيق مسبق من السلطات الإيرانية، أو حتى دفع رسوم، بعدما كان المرور حراً قبل الحرب.
وتسمح إيران بشكل انتقائي بمرور السفن «الصديقة أو المحايدة» بشروط أو مقابل رسوم عبور، في حين تمنع السفن التي تعدّها «عدائية». واستخدمت إيران طائرات مسيّرة وألغاماً بحرية وزوارق سريعة لملاحقة أي سفينة لا تنسّق معها مسبقاً.
وأجبر هذا الوضع العديد من شركات الشحن على تغيير مسارها عبر رأس الرجاء الصالح في أفريقيا، أو سلوك مسارات أطول أو أكثر أماناً داخل المياه القريبة من إيران لتقليل المخاطر.
وقبل الحرب، كانت نحو 130-150 سفينة تعبر المضيق يومياً، في حين خلال الحرب تقلّص العدد إلى نحو 5 سفن فقط أو أقل يومياً.
الشرق الأوسط
—————————-
=======================
تحديث 12 نيسان 2026
——————————–
هرمز… وماذا حقّقت أميركا؟/ فاطمة ياسين
12 ابريل 2026
يمتدّ مضيق هرمز من شبه جزيرة مسندم العُمانية جنوباً حتى مياه إيران الإقليمية في الشمال، ويُعدّ معبراً حيوياً للطاقة، فهو يمرّر كميات ضخمة من النفط والغاز الطبيعي المسال يوميّاً، ويصنّفه نظام المرور البحري العالمي ضمن مضائق الملاحة الدولية وفق قانون البحار المندرج تحت اتفاقية الأمم المتحدة، بمعنى أن لدى السفن حقّ المرور من دون ممانعة، وينحصر دور الدول المتشاطئة مع الممرّ في عملية التنظيم وضمان السلامة من دون تعطيل… الوضع الجغرافي للمضيق يعطيه أهمية كبيرة، ويعطي الدول المطلّة عليه أهمية موازية، فالخليج العربي مسطّح مائي تشرف عليه دول غنيّة بالنفط والغاز، وبعضها نقطة عبوره الحصرية إلى العالم مضيق هرمز. أما إيران، فدولةٌ ذات حجم كبير جغرافياً وديمغرافياً، ولديها أحلام إقليمية دفعتها إلى أن تستغلّ موقعها على هرمز وتمارس ابتزازاً دوليّاً، فجعلت من المرور في المضيق عاملاً أساسياً في أي أزمة تنشأ منذ حرب الخليج الأولى، بعكس عُمان على الشاطئ الجنوبي للمضيق التي تمارس دوراً ملاحيّاً وقانونيّاً هادئاً.
ما بين العامين 1984 و1988، قام كل من العراق وإيران بعمليات عسكرية في المياه عُرفت حينها بحرب الناقلات، فاستُهدفت ناقلات النفط التي تستخدم المضيق للعبور، واستغلت إيران سياق الحرب، فوسّعت نطاقها ليشمل مياه الخليج كله، ما استدعى دولاً كبرى إلى التدخّل. كذلك عملت عسكرياً لرفع قدرتها على عرقلة المرور بتطوير وسائل جعلت سيطرتها أكثر سهولةً، بعد الاعتماد على زوارق سريعة وألغام بحرية وكثير من الصواريخ المضادّة للسفن من نوع سيلكورم HY-2 استوردتها من الصين. أما اليوم، فأدخلت في الحرب عدداً ضخماً من المسيّرات، بعد أن كثفت وجودها المدعّم بالوسائط العسكرية في الجزر الكثيرة المتاخمة للمضيق. وقد أضافت إيران إلى عقيدتها العسكرية تعويض فارق القوة بمزيد من السيطرة الناريّة على حركة المرور. وبهذه السيطرة، كسبت قدرة إضافية على الردع، وهي تدرك أن إغلاقاً، ولو جزئياً ومؤقتاً للمضيق، سيجعل العالم كله يعاني من ارتفاع الأسعار المربوط بتوافر الطاقة الواردة من الخليج.
شكّل المضيق لإيران جبهة حرب تضاف إلى الجبهات التي فتحتها إسرائيل وأميركا بالقصف الجوي عبر الطائرات والصواريخ، فسعت، منذ بداية الحرب، لتخفيض عدد السفن العابرة، وأعطت أفضلياتٍ لدول بعينها ممن تعتبرها غير معادية. ففي التاسع من إبريل/ نيسان الجاري عبرت سبع سفن فقط مقارنة بـ140 سفينة تمرّ عادة، وهوجمت بعض السفن بالفعل خلال الحرب بمسيّرات أو بقوارب تابعة للحرس الثوري، مع نبرة تهديد عالية. وكانت إيران راغبة في الضغط على العالم من خلال العبث بالمسار البحري، ولوّحت بأن العبور سيخضع لرسوم مالية، وقد أرادت لهذه الجبهة المفتوحة على المضيق أن تضغط على الدول المؤثرة لتحصل على شروط أفضل لإنهاء الحرب، فكان فتح مضيق هرمز بنداً أساسياً من اقتراح وقف النار الذي قدّمه الوسيط الدولي، بما يؤكّد درجة الاهتمام به، وقد اختبر العالم قفزات كبيرة بأسعار الطاقة، ولا بد من ضمان عدم تكرار الأمر، لما في ذلك من أثر على الاقتصاد العالمي.
رغم كل ما يقال إن الحرب كانت إسرائيلية، لكن الولايات المتحدة يبدو أنها حقّقت جملة أهداف، وربما كانت قد استغلت حاجة إسرائيل الماسّة لتغيير النظام في إيران، فتشاركت معها الحرب بما يحقّق لترامب مزيداً من السيطرة على المنطقة، ونال ما يرغب بإضعاف إيران، وإجبارها على الدخول في مفاوضاتٍ، كذلك حقق حضوراً دعائياً أكبر، بالاعتماد الكامل على وسائط الدفاع الأميركية المبيعة لدول الخليج. والعامل الجديد هو المضيق نفسه، فقد يتحوّل إلى ممر خاضع للرسوم ووسيلة تتحكّم فيها أميركا، عن بعد، بسياسات دول الخليج، بعد نزع ورقة إضافية من إيران، وهي السلاح النووي، وإضعاف المليشيات المرتبطة بها إلى حد رضوخها للقوانين الدولية.
العربي الجديد
——————————–
إيران: التفاوض وخطر الفشل والتهديدات النووية!/ جمال الشوفي
2026.04.12
رغم الدخول بمرحلة تفاوضية أميركية إيرانية في إسلام آباد لأسبوعين، لكن لم يزل ترمب يستبقها بأنه سيضرب بأقوى الأسلحة حال فشل المفاوضات، مكرراً ذات الإنذار قبل وقف الاعمال العسكرية!
وحتى لا نستبق نتائج المفاوضات لنذهب لمعنى التهديدات الكبرى التي يطلقها ترمب حين أكد على “محو حضارة”! فإنذارات الخطر العالمية اليوم باتت كبرى، وملامح تطور الحرب لما يتخيله عقل يلوح بالأفق وهيروهيتو اليابان غير موجود إيرانياً! وإذ يذكرنا التاريخ أنه في 15 آب/أغسطس 1945 أعلن إمبراطور اليابان، هيروهيتو، الاستسلام أمام الحلفاء، وذلك لحظة إدراكه حجم الكارثة التي فعلتها قنبلتي هيروشيما وناكزاكي النوويتين! القنبلة النووية التي فاجئت العالم بهول قدرتها التدميرية، سواء بلحظة انفجاراها الهائل والتي أودت بما لا يقل عن 200 ألف خلال “زمن صفري”، أو بأثارها المتتالية من تفريغ الضغط والصدمة الحرارية وما يتبعها من الآثار الاشعاعية. القنبلة النووية التي قال عنها آينشتاين باستحالة تنفيذها تجريبياً: بـ”إنها أشبه بمن يخرج الخفافيش من الظلام لتعيش في النور”! حين عُرض عليه إمكانية تطبيق معادلته النسبية وتحرير الطاقة بالتجربة العملية.
يوم استسلمت اليابان كانت الخفافيش النووية قد ظهرت وضح النهار، ومن وقتها العالم يحبس أنفاسه ويخشى تكرار ظهورها من جديد. وليس فقط، بل إن السياسات الدولية بحثت طويلاً في بدائل لحسم الحروب كما فعلت القنبلة النووية. فالتفوق التقني وخوارزميات الذكاء الاصطناعي وإمكانية اختراق وتتبع كافة معطيات البشرية تفصيلاً والتي أدت لاجتثاث المرشد الأعلى الإيراني ومعه الصف الأول من قادة الحرس الثوري ومن يخلفهم، المشهد الذي يذكر بحسن نصر الله في لبنان بذات الطريقة؛ رغم هذا التفوق التقني الفائق لكنه لم يحسم الحرب، ويبدو أنها لن تحسم بسهولة! وبالضرورة تزايد الحديث عن الحسم النووي مرة أخرى ما لم تستسلم إيران بضغط العمليات العسكرية، وإلا الدخول في حرب طويلة الأمد سعت لها إيران ومن خلفها الصين وروسيا لاستنزاف أميركا وإسرائيل في إيران، في سيناريو يشابه الاستنزاف الروسي في أوكرانيا! هذا ولم ندخل في احتمالات البحث عن الحسم البري المفترض، وعن إمكانية جر دولاً أخرى لمستنقعها، خاصة دول الخليج العربي وعواقبه شديدة الخطر، واليوم بوابة التفاوض مفتوحة على كل الاحتمالات!
اليوم ازداد الحديث عن إمكانية استخدام السلاح النووي، وسبق وأن تكرر الحديث عنه بمواقع عالمية عدة، سواء روسياً في أوكرانيا، أو تهديدات كوريا الشمالية المتتالية، أو من الحرب الحالية الدائرة في الشرق الأوسط على إيران والتي تأتي تحت عنوان منعها من امتلاك قنبلة نووية، ومحاولة قصف مفاعل ديمونة الإسرائيلي النووي. والقراءات العالمية تشير إلى اقتراب عقارب “ساعة يوم القيامة” من منتصف الليل، ما يعرف رمزياً منذ عام 1947 بالساعة الذرية، والتي تُستخدم دلالتها من قبل العلماء لإطلاق إنذارات الخطر التي تهدد بوقوع كارثة تهدد البشرية جمعاء (كحرب نووية أو كارثة مناخية..) حين تشتد الأزمات العالمية كما حدث في حادثة نشر الصواريخ النووية السوفيتية في كوبا عام 1962، والتي كادت أن تنشب على أثرها حرب نووية بين أميركا والاتحاد السوفيتي، واستمرت الأزمة وقتها لأسبوعين، حبست البشرية أنفاسها خلالها من هول ما قد يحدث!
هذا التوزع للخارطة النووية الذي يغطي المعمورة حال انفلاته عن السيطرة شديد الرعب، فكيف مع تطور التقانات النووية! حيث تطورت معه أسلحة الردع العالمية، والأسلحة التكتيكية التي تستخدم البلوتونيوم بدلاً من اليورانيوم، والمستخدمة في نطاق محدود ومركز، تلك التي تم التهديد بها مراراً في خضم الحرب الروسية على أوكرانيا. هذا بالإضافة لأسلحة اليورانيوم المنضب والذي أفادت تقارير عالمية متعددة عن استخدامه في غزو العراق وحرب البلقان. فبينما قالت أميركا أنه سلاح حراري فتاك مضاد للدروع، أفادت المسوح الاشعاعية عن زيادة مضاعفة في سرطانات الدم خاصة لدى الأطفال العراقيين، وارتفاع الحد الأدنى الاشعاعي الطبيعي ليتجاوز حدود الخطر العالمي في مناطق استخدامه. فكيف إذا ما علمنا أن واحد كغ من اليورانيوم المنشطر نووياً سينتج طاقة لحظية، في أجزاء من الثانية وقبل أن “ترمش العين”، تعادل حرق 25 ألف طن من الفحم، وهذه تحتاج لسنوات لحرقها! طاقة هائلة لحظياً وحرارة تعادل درجة حرارة الشمس تقتل البشر والشجر والحجر في موقع الضربة النووية، ومنطقة تفريغ ضغط هائلة، وآثار سرطانية قاتلة لنواتج الانشطار النووي المنتقلة بالهواء وامتداد عمرها وفعلها التخريبي الجيني لأجيال بعدها، والتي قتلت في اليابان أمثال ما فعلته القنبلة بلحظتها!
أمام هول ما قد نقرأه عن الحدث النووي نتساؤل: أليس صحيحاً أن التطور التقني النووي هو الذي قاد السياسة والوضع العالمي لهذه المواقع المتقدمة في مآزقها؟ وحقيقة الأمر أن السياسة هي التي توجه العلم لموقع مختلف عن غايته. فالسياسة المركوبة بحلم الهيمنة المفردة على العالم حتى وإن فنيت مدن بأكملها وهددت السلم العالمي برمته هو الأزمة العالمية بذاتها. فلا يخفى على أحد أن إيران كانت شراً كبيراً بالمنطقة ساهمت بدمار عدة مدن ودول عربية بدءاً من العراق لسوريا ثم لبنان واليمن ولابد من تحجيمها، لكن حرب إسرائيل وأميركا ضدها وارتداداتها الممكنة والمحتملة شر أكبر وخطر داهم. فرغم الدخول في جولة تفاوضية جديدة لكنها محكومة بتهديدات كبرى! وأمن الخليج العربي ومدنه وإغلاق مضيق هرمز وانقلاب أسعار البترول وتغيرات مؤشرات الاقتصاد العالمي جميعها ما زالت تحت الخطر الشديد! أما ما لا يتخيله عقل هو هذا التوجه للتلويح باستخدام السلاح النووي، والجميع يدرك مدى أخطاره الفائقة عالمياً. ليصبح السؤال الحق عما تريده سياسات الغطرسة والقوة هذه من كل هذا الدمار والحروب ونتائجها الكارثية؟ وهل هو دليل قوة أم ضعف؟ وأظنها لا هذه ولا تلك! بل دليل فاضح على العبث بمصائر البشر والحياة عامة سواء ما فعلته إيران سابقاً أو إسرائيل وأميركا اليوم. فالحرب المولدة لأقسى درجات العنف لا يمكن تبريرها سياسياً، حسب “حنّة أرنت” في كتابها “في العنف”، فكيف وأن تطورت أدواتها لتصبح قابلة لاستخدام السلاح النووي! وأهداف هذه الحرب في الشرق الأوسط أبعد من لجم إيران عن امتلاك السلاح النووي، بقدر الذهاب لإعادة جدولة قواعد السيطرة العالمية على ممرات الطاقة والتجارة البرية والتفرد بها عولمياً، ما سيستدعي تدخلات دولية كبرى، والرعب العالمي بازدياد!
تلفزيون سوريا
——————————–
إيران… من الردع إلى التآكل/ إبراهيم حميدي
لا تخسر جولة عسكرية فقط، بل تخسر بنية استراتيجية بنتها منذ 1979
11 أبريل 2026
كان كثيرون ينتظرون مشهدا دراميا واضحا. سقوط النظام الإيراني فور مقتل “المرشد” علي خامنئي، أو انهيارا مفاجئا للهيكل كما حدث بعد هروب بشار الأسد، أو انقلابا يقوده شخص من “الحلقة الضيقة” يعقد صفقة مع واشنطن كما حصل مع ديلسي رودريغيز بعد اعتقال نيكولاس مادورو، أو حتى زحفا عسكريا مباشرا نحو طهران كما جرى في غزو العراق 2003، أو إعلان استسلام غير مشروط شبيه بما فعله الإمبراطور الياباني هيروهيتو عام 1945.
لكن شيئا من ذلك لم يحدث. بالفعل بنية النظام الإيراني مختلفة. لم تسقط طهران. لم ينهَر النظام. لم تُرفع الرايات البيضاء. لم تتقدم المعارضة والقوات الأميركية إلى العاصمة. لكن هل هذا يعني أن النظام انتصر في هذه الحرب؟
الأنظمة لا تُقاس بلحظة انهيار واحدة، بل بما تفقده من عناصر القوة. الخسارة هنا ليست لحظة درامية، بل عملية تآكل عميقة أصابت جوهر النظام. سقوط صدام في 2003 بدأ في حرب 1991. وانهيار القذافي في 2011 بدأ في نهاية 2003. وهروب بشار في 2024 بدأ في 2011 أو في 2005 لدى انسحاب جيشه من لبنان، وهناك أمثلة أخرى.
أولى الضربات الأميركية لنظام طهران كانت مع خرق “الخطوط الحمراء” باغتيال قاسم سليماني في 2020، وثاني الضربات كانت في يونيو/حزيران 2025 بقصف المنشآت النووية والانتقال من “حرب الظل” إلى المواجهة المباشرة. والموجة الثالثة كانت في القلب عام 2026: مقتل علي خامنئي وعدد كبير من قادة “الحرس الثوري”. هذا ليس تفصيلا عابرا، بل ضربة لمركز القرار نفسه، وشبكة الولاءات التي يقوم عليها النظام. الأنظمة العقائدية لا تعيش بالمؤسسات فقط، بل بتماسك النخبة الأمنية ورمزية القيادة. وعندما تُضرب هذه الطبقة، يبدأ التآكل حتى لو لم يظهر فورا. ثم جاءت الغارات. وتدمير منشآت نووية، والإضعاف الكبير للمنظومة الجوية والسيطرة على الأجواء الإيرانية، وتدمير القوة البحرية وضرب البنية التحتية العسكرية.
هذا يعني أن إيران فقدت جزءا مهماً من قدرتها على الردع والدفاع معا. لم تعد تلك القوة القادرة على حماية عمقها أو منع استهدافه. وهنا تتكشف الخسارة الأكبر، وهي انهيار العمود الاستراتيجي الذي شيدته “ثورة” إيران منذ 1979. الفكرة كانت واضحة: المعركة في ساحات الخارج. القبض على قرار عواصم في الجوار. اختراق حدود الدول. اليوم، حدث العكس: الضربات في الداخل الإيراني. الغارات في طهران. الحدود والأجواء مستباحة.
الأكثر دلالة هو ما حدث لشبكة الوكلاء. هذه الشبكة التي صُممت لتكون خط الدفاع الأول ومد النفوذ واختراق الحدود، لم تعمل كما كان يُفترض وفشلت في لحظة الاختبار. “الحوثيون” لم يدخلوا الحرب بشكل حاسم. و”حزب الله”، الذي كان يُنظر إليه كأقوى أذرع إيران، لم يكن صاحب قرار الحرب أو التفاوض. أما الميليشيات العراقية فبقيت في إطار التهديد والمناوشات دون تغيير حقيقي في مسار الصراع.
صحيح أن إيران في زفرات التآكل، حاولت الرد بطرق أخرى، فهددت أمن الخليج، واستخدمت المسيّرات، وأيقظت “الخلايا النائمة”، وأغلقت مضيق هرمز. لكنها أدوات إزعاج، لا أدوات حسم. هي ترفع الكلفة، لكنها لا تغيّر النتيجة. بل إن اعتداءاتها أثبتت ما كانت دول الخليج تحذر منه، وستدفعها هذه الاعتداءات إلى تعزيز قدراتها وتطوير منظومات دفاع متقدمة وتوسيع خياراتها بشراكاتها الأمنية مع قوى دولية وإقليمية مثل الصين وروسيا وباكستان وتركيا، والبحث عن بدائل استراتيجية لنقل النفط والغاز عبر الأنابيب بعيدا عن مضيق هرمز وباب المندب.
لم ينهَر النظام الإيراني. لم تُرفع الرايات البيضاء. لكنه لم ينتصر. ولفهم أعمق لما يحدث، يمكن العودة إلى تجربة تاريخية ليست بعيدة. بعد حرب 1967، خسرت الأنظمة العربية مساحات واسعة من أراضيها أمام إسرائيل، ومع ذلك قال منظّروها إنها “لم تُهزم” لأن الهدف كان إسقاط الأنظمة ولم يتحقق. لكن هذا الخطاب لم يصمد. الواقع أن تلك الحرب شكّلت هزيمة استراتيجية عميقة أعادت تشكيل المنطقة لعقود، مهما حاولت الشعارات تجميلها.
هناك إعادة إنتاج الشعارات نفسها: إيران لم تخسر لأن النظام لم يسقط. لكن الحقيقة أن النظام، حتى وإن بقي، فقد تغيّر من الداخل. قُتلت قياداته، وتضررت بنيته، وتراجعت أدوات قوته. قد يصبح أكثر تشددا، لكنه تشدد نابع من الضعف، لا من القوة.
ثم هناك التحول السياسي الأوضح: قبول التفاوض مع الولايات المتحدة. لسنوات، بُني الخطاب الإيراني على رفض التعامل مع “الشيطان الأكبر”. اليوم، لم يعد هذا الخطاب قابلا للصمود. القبول بالتفاوض وبقيادة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف مع نائب الرئيس جيه دي فانس في باكستان. أرفع لقاء مباشر منذ “الثورة”. مفاوضات ماراثونية في ذكرى أربعينية “المرشد”. كل هذا ليس مجرد تكتيك، بل اعتراف بحدود القوة أمام انكشاف الأجواء الإيرانية واحتمالات العودة للحرب.
إيران لا تخسر جولة عسكرية فقط، بل تخسر بنية استراتيجية كاملة بنتها منذ 1979: شبكة النفوذ، ومنظومة الردع، والحرب في أراضي الآخرين. لقد فقدت قياداتها، وتضررت قدراتها، وانكشف عمقها، وضعفت ميليشياتها، وتلاشت “خطوطها الحمراء”، واضطرت للتفاوض. هذه ليست صورة نصر. إنه مشهد تآكل.
المجلة
—————————
إيران نموذج مختلف/ محمد أبو رمان
12 ابريل 2026
أياً كان الموقف من إيران، سواء من أصدقائها أو خصومها، فمن المهم أن يكون ما حدث فيها منذ اللحظة الأولى بمثابة درس مهم لعديد من دول العالم الثالث؛ بخاصة إذا قارنّاه بالنموذج الفنزويلي. وربما هذا ما أثار حنق ترامب وأربك مخطّطاته، إذ بنى كل فرضياته على هذا النموذج، ولم يكن في حساباته أو تصوّراته، الآتية من عالم الصفقات والصورة النمطية عن العالم الثالث، بوصفه مجرّد سلطات دكتاتورية ومجموعة من النخب الانتهازية التي ترى مصالحها الشخصية ترتبط بالولايات المتحدة أكثر من قوة المشروعات القومية.
كشف النموذج الإيراني عن دولة قومية حقيقية، بدلالة القدرة المدهشة لمؤسّساتها على تجاوز أخطر وأكبر منعطف يمرّ به النظام السياسي الحالي منذ الثورة الإيرانية في 1979؛ إذ وُجِّهَت ضربة مفاجئة قاسية، ليس من خصم عادي، بل من أقوى دولة، ومعها دولة خطيرة تملك أسلحة أمنية وعسكرية لم يُكتشف سر بعض تقنياتها بعد، ومن ورائهما معاً حركتان خطيرتان نافذتان لهما نفوذ عالمي كبير؛ الصهيونية العالمية والمسيحية الصهيونية التي باتت متغيراً مهمّاً في فهم سياسات أميركا تجاه الشرق الأوسط، بخاصة مع صعود اليمين الأميركي الذي جعل من دونالد ترامب حصان طروادة لتنفيذ تصوّراته الدينية المتزاوجة مع الصهيونية الدينية.
لم يكن ما حدث في الحرب مجرّد مفاجأة عسكرية وأمنية كبيرة، ولا التخلّص من قائد أو زعيم عادي، بل مظلة القوى السياسية والرمز الروحي للنظام الإيراني، وضابط إيقاع التوازن بين أكبر قوتين: المحافظين والإصلاحيين، وبين القوى العسكرية والمدنية، وبين الداخل والخارج في السياسات الإيرانية. فلم يكن تجاوز تلك اللحظة تحدّياً عابراً أو بسيطاً لأي نظام سياسي؛ كانت لحظة مصيرية مفصلية. لكن المفارقة أن هذا السيناريو كان قد دُرس مسبقاً لدى النخبة الحاكمة في إيران، وعلى الأغلب بإشراف من علي خامنئي نفسه، وقد أُعدّت السيناريوهات كاملة مسبقاً؛ وبذلك نستطيع أن نفهم كيف تجاوزت الدولة هذا المنعرج المصيري.
لم تقف العواصف عند هذه المفاجأة، بل تجاوزتها إلى قتل أغلب الصف القيادي المهم عسكريّاً وأمنيّاً، وراهن الأميركيون على انشقاق داخل النظام لم يحدث، ما قد يعود إلى أن النخبة العسكرية المتمثلة بالحرس الثوري أمسكت بمقاليد الأمور. ولكن من الضروري ألّا نغفل أيضاً أن المشاعر القومية والوحدة السياسية حكمتا كذلك مواقف التيار الإصلاحي في النظام، ومعه شطر كبير من المعارضة الإيرانية، الذي رجّح وحدة بلاده واستقلالها على تحقيق مطالب مشروعة بالديمقراطية والحرية، ولكن ضمن نظام سيكون مخترقاً من الأميركيين والإسرائيليين.
ربما من المفيد هنا العودة إلى كتاب مهم ومفتاحي لفهم النموذج الإيراني، للباحث والمفكر الأميركي البارز (من أصول إيرانية) ولي نصر (Valli Nasr)، “استراتيجية إيران الكبرى”، وقد بدأ كتابته قبل الحرب الحالية، وتقوم ثيمته الرئيسية على أن سياسة الصراع مع أميركا لم تبدأ مع الخميني، بل قبل ذلك بصورة متراكمة، ولعل الانقلاب على رئيس الوزراء محمد مصدق، بتعاون أميركي – بريطاني في عام 1953، وإعادة الشاه محمد رضا بهلوي، تمثل ذاكرة حية في المجتمع الإيراني. وربما المفارقة أن البديل الذي كان يطرحه نتنياهو للنظام الحالي هو نجل الشاه، الذي يعيش في أميركا ومرتبط بجهاز الاستخبارات والموساد هناك، كما كشف تحقيق مهم أخيراً لصحيفة نيويورك تايمز.
لم يقف الدرس الإيراني عند هذا الحجم من استيعاب التدمير والصدمات، بل في إتقان سياسات اللعبة التي طبقها دونالد ترامب بحذافيرها معهم، في استخدام عنصر الإكراه والتهديد لمحاولة إيصالهم إلى الخضوع؛ وقد مارسوا معه اللعبة نفسها، وأتقنوها أكثر منه، برغم فارق القوة الكبير بين الطرفين.
بالضرورة، لم تنتهِ اللعبة، ولم نصل إلى الحلقة الأخيرة من المسلسل، لكن ما حدث، بخاصة بعد مهزلة فنزويلا، يقدّم نموذجاً مختلفاً عن تلك السياسات التي أراد ترامب خداع العالم بها تحت عنوان “السلام بالقوة”، لتكريس هيمنة افتراسية جديدة، كما وصفها عالم السياسة ستيف والتس.
العربي الجديد
——————————–
“حزب الله” والهروب إلى دمشق/ عالية منصور
11 أبريل 2026
لم يكن مفاجئاً إعلان السلطات السورية تفكيك عبوة ناسفة كانت معدة لاستهداف شخصية دينية في دمشق، وإلقاء القبض على خلية مرتبطة بجهة خارجية، وهذه الجهة الخارجية ليست سوى “حزب الله” اللبناني- الإيراني. هي ليست الخلية الأولى التي يتم كشفها قبل أن تقوم بما أرسلت للقيام به، محاولات مستمرة قد لا يتم الإعلان عن جميعها للقيام بتفجيرات واغتيالات لشخصيات رسمية سورية.
المستهدف اليوم وفق معلومات “المجلة” هو رجل دين يهودي، كما سبق كشف خلايا لاستهداف دور عبادة، شيء يعيد إلى الذاكرة المخطط الذي أعد سابقاً في لبنان والمعروف بمخطط “مملوك سماحة”، يومها أرادوا اغتيال شخصية دينية مسيحية قيل إنها البطريرك الماروني، وتوجيه أصابع الاتهام لـ”الإسلاميين”، لخلق فتنة قد تصل بلبنان إلى اقتتال داخلي.
اليوم يسعى “حزب الله” لخلق فتنة في لبنان وسوريا. في لبنان، يريد الهروب من مأزقه بعد أن فتح على البلد أبواب جهنم، يوم قرر الانتقام لمقتل “المرشد الأعلى” للجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي بإطلاق 6 صواريخ باتجاه إسرائيل، وتوسيع دائرة الفوضى، ونشر العنف في سوريا لإعادة ربط بيروت بطهران وفتح طريق الإمداد.
في عام 2006 وعد أمين عام “حزب الله” حسن نصرالله اللبنانيين بصيف واعد، وقام بعدها بأيام باختطاف جنديين إسرائيليين لتبدأ “حرب يوليو/تموز”، وللمفارقة يومها أطلق نصرالله على العملية عملية “الوعد الصادق”، حرب استمرت لأقل من شهر قامت خلالها حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بجهد دبلوماسي دولي وعربي لإيقافها، وتوقفت الحرب وصدر القرار1701.
لم يكن لبنان يومها كما اليوم، كان آنذاك محط اهتمام عربي ودولي، وكان ثمة مشروع وطني عابر للطوائف بوجه مشروع “حزب الله” وهو مشروع “قوى 14 آذار”، وهذا للأسف اليوم غير موجود، اليوم ثمة شخصيات وأحزاب تعارض “حزب الله” ولكن كلٌ انطلاقاً من حساباته الحزبية والطائفية، لبنان أولاً اليوم ليس مشروعاً جامعاً بالعمل السياسي كما كان في عام 2006.
بعد شهور قليلة من وقف الحرب، قام تحالف المعارضة حينها بقيادة “حزب الله” و”حركة أمل” و”التيار الوطني الحر” بنصب أكثر من 600 خيمة، والاعتصام أمام السرايا الحكومي لإسقاط حكومة فؤاد السنيورة، واستمر الاعتصام أكثر من 18 شهراً، ولم ينته إلا باجتياح بيروت من قبل ميليشيا “حزب الله” وحلفائه، والذهاب إلى الدوحة، والتوصل إلى اتفاق عرف باسم “اتفاق الدوحة”.
اليوم لا يملك “حزب الله” ترف الوقت، يحاول القيام بتحركات داخل بيروت وأمام السرايا لإسقاط حكومة الرئيس نواف سلام. يرفضون أن تفاوض الدولة اللبنانية إسرائيل بالمباشر، يريدون أن يكون لبنان ورقة على طاولة المفاوضات، تبتز من خلالها طهران الولايات المتحدة والدول العربية. طهران التي قبلت، رغم كل الادعاءات الكاذبة على الإعلام، بوقف إطلاق النار في الحرب الدائرة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، دون أن تستطيع فرض وقف إطلاق نار في لبنان في الحرب الدائرة بين إسرائيل، وذراعها في لبنان “حزب الله”.
الحكومة اللبنانية ستفاوض عن لبنان، نظام الأسد لم يعد موجوداً ليختطف إرادة اللبنانيين في المفاوضات، كما كان يفعل حافظ الأسد، وهناك قرار دولي بعدم تسليم لبنان لإرادة طهران مجدداً، ما يقوم به رئيس الحكومة نواف سلام بإصراره على التمسك بقرارات الحكومة والشرعية عمل ضروري ولكنه غير كاف، دعم نواف سلام لا يكون فقط بالشعارات والبيانات، لبنان بحاجة لمشروع وطني جامع، مشروع يضع مصلحة لبنان قبل مصلحة الطوائف والأحزاب، مشروع يضع نصب عينيه مصلحة المواطن اللبناني، لا أعداد الطوائف وحساباتها الانتخابية الضيقة. قانون الانتخابات الذي حصلت على أساسه آخر دورتين انتخابيتين لمجلس النواب أعطى التمثيل الشيعي بنسبة مئة في المئة للثنائي الشيعي، هذه ليست تفاصيل يمكن تجاهلها.
مع الضربات الموجعة التي تلقاها مشروع إيران التوسعي في المنطقة، ومع كل الضربات الموجهة التي تعرض لها النظام الإيراني داخل إيران، سيستمر هذا النظام ومعه “حزب الله” بسياسة الهروب إلى الأمام، ونشر الفوضى والدمار، وقد يسعى “حزب الله” إلى افتعال مشاكل أمنية في المناطق المسيحية في بيروت، إن فشل في جر البلاد إلى اقتتال داخلي بتحركاته الحالية، ومواجهة هذه المشاريع الفتنوية لا يكون بالانجرار إلى ملعب “حزب الله” بل يكون بمشروع وطني، مشروع يضع نصب عينيه لبنان أولاً، مشروع الدولة بوجه الميليشيا لا مشروع ميليشيات متقاتلة لن تأتي على لبنان إلا بالخراب، واللبنانيون أكثر من ذاقوا ويل الحروب واقتتال الميليشيات.
المجلة
————————
هل ينجح لبنان بفك ارتباطه مع إيران؟/ ميشال شماس
2026.04.12
لم تكن الهدنة التي أنهت الحرب الشاملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران بعد تسعة وثلاثين يوماً مجرد توقف للعمليات العسكرية، بل كشفت عن حدود القوة لدى الأطراف المتحاربة، وفتحت الباب أمام إعادة رسم التوازنات في المنطقة. فالحرب التي اشتعلت على أكثر من جبهة، من الخليج العربي إلى شرق المتوسط، لم تُعدل فقط قواعد الاشتباك، بل أعادت ترتيب الملفات، وفي مقدمتها الملف اللبناني الذي انفجر فور إعلان الهدنة، ليصبح الساحة الأكثر حساسية في مرحلة ما بعدها، ومؤشراً مبكراً على اتجاهات الصراع المقبلة.
ورغم تأكيد المسؤولين الإيرانيين أن لبنان مشمول بالاتفاق، وأن الهدنة تمتد إلى الجبهة اللبنانية لأن مصلحتها إبقاء الساحة اللبنانية جزءاً من منظومتها الإقليمية، باعتبارها تشكل ورقة ضغط أساسية في مواجهة واشنطن وتل أبيب، إلا أن الموقف الأميركي والإسرائيلي جاء معاكساً تماماً: الهدنة لا تشمل لبنان، ولا تمنع استمرار العمليات العسكرية ضد حزب الله. هذا التباين لم يكن مجرد اختلاف في التصريحات، بل تعبيراً عن صراع استراتيجي حول موقع لبنان في مرحلة ما بعد الحرب، وعن بداية فصل عملي بين المسارين الإيراني واللبناني.
وجاء الاعتداء الإسرائيلي الواسع على بيروت ليحول هذا التباين إلى واقع ميداني واضح. فالهجوم، الذي خلف مئات القتلى والجرحى ودماراً كبيراً، لم يُنفذ بوصفه جزءاً من مواجهة مع إيران، بل كعملية تستهدف حزب الله داخل الساحة اللبنانية حصراً، في رسالة سياسية قبل أن تكون عسكرية: إسرائيل تتعامل مع لبنان كملف منفصل عن طهران، والهدنة مع إيران لا تُقيد عملياتها في الجنوب. هذا الفصل العملي بين الجبهتين مثّل تحولاً نوعياً، إذ أظهر أن إسرائيل ترى في لبنان ساحة يمكن الضغط عليها مباشرة، من دون المرور عبر طهران أو انتظار موقفها، الأمر الذي وضع الدولة اللبنانية أمام واقع جديد لا يمكن تجاهله.
إلا أن المعيار الحاسم في هذا الفصل كان الموقف اللبناني الرسمي الذي بدأ يتبلور مباشرة بعد إعلان حزب الله دعمه لإيران وانخراطه في الحرب، إذ اتخذت الحكومة اللبنانية خطوة غير مسبوقة باتجاه استعادة قرارها السيادي، فأعلنت أن سلاح الحزب غير شرعي، وقررت سحب اعتماد السفير الإيراني وطلب مغادرته الأراضي اللبنانية، إلا أنه رفض تنفيذ القرار. هذا التحول الرسمي شكل إشارة واضحة إلى أن بيروت بدأت فعلاً في فك الارتباط السياسي الذي ربطها بالسياسة الإيرانية لعقود. ثم جاء موقف الرئيس اللبناني ليرسخ هذا الاتجاه، معلناً رفض أي تفاوض تُجريه إيران باسم لبنان، ومؤكداً أن الدولة اللبنانية وحدها هي المخولة بتحديد مسار الحرب والسلم. هذه المواقف فتحت الباب أمام استعداد بيروت للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، في محاولة واضحة لإعادة وضع لبنان كفاعل مستقل داخل معادلة الصراع.
هذا التحول في موقف الدولة اللبنانية لم يكن معزولاً عن المتغيرات التي سبقت الحرب على إيران. فمنذ أيلول عام 2024، تكبد حزب الله خسائر عسكرية وبشرية كبيرة أضعفت قدرته على فرض إيقاعه على الدولة اللبنانية، ثم جاء سقوط نظام الأسد في دمشق وانهيار البنية اللوجستية التي بنتها طهران داخل سوريا ليقطع شريان الإمداد البري الذي اعتمد عليه الحزب لعقود. هذه التطورات مجتمعة قلصت هامش الحركة الذي كان يتمتع بها، وخلقت فراغاً استراتيجياً سمح للدولة اللبنانية باتخاذ قرارات لم يكن ممكناً اتخاذها في السابق، وفي مقدمتها إعلان استقلالية القرار الوطني ورفض التفاوض عبر طهران.
في المقابل، رأت الولايات المتحدة في هذا التحول فرصة ثمينة يمكن استثمارها في المفاوضات المقبلة مع إيران في باكستان، بما يعزز موقعها التفاوضي ويمنحها ورقة إضافية تمكنها من حصر النقاش في الملفات التي تعتبرها جوهرية: البرنامج النووي، الصواريخ البالستية، ومضيق هرمز. كما يتيح لها فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني الحد من قدرة طهران على الاستثمار في الساحة اللبنانية، وبالتالي تقليص نفوذها الإقليمي. أما إسرائيل، فاعتبرت هذا الفصل مكسباً استراتيجياً، إذ يضعف قدرة حزب الله على العمل كامتداد مباشر للسياسة الإيرانية، ويحول المواجهة معه إلى مواجهة محلية محصورة داخل الحدود اللبنانية، لا جزءاً من صراع إقليمي واسع.
في ضوء ذلك، تبدو السيناريوهات مفتوحة على أكثر من احتمال: فقد ينجح الفصل تدريجياً إذا تمكنت الدولة اللبنانية من تعزيز مؤسساتها وتثبيت استقلالية قرارها، وقد يبقى هشاً إذا تداخلت المصالح المحلية والإقليمية وأعادت إنتاج الاعتمادية على فاعلين خارجيين. وهناك أيضاً احتمال أن تعيد إيران ترتيب أوراقها عبر وسائل غير مباشرة فتستعيد نفوذها تدريجياً، أو أن تؤدي الضغوط المتبادلة إلى تصعيد يعيد الأمور إلى منطق الصراع الإقليمي.
خلاصة الأمر أن الفصل بين الملفين بدأ فعلاً، لكنه لا يزال في بدايته. نجاحه الكامل رهين بقدرة الدولة اللبنانية على تثبيت استقلال قرارها داخلياً، واستعداد الفاعلين الإقليميين والدوليين لقبول هذا الواقع الجديد. مرحلة ما بعد الهدنة لا تشبه ما قبلها: لبنان اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة تعريف دوره، لكن استثمار هذه الفرصة يتطلب جهداً طويل الأمد، وإرادة داخلية متماسكة، ودعماً دولياً يواكب التحول دون استغلاله.
تلفزيون سوريا
——————————–
تداعيات الحرب على التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط/ عبدالله تركماني
2026.04.12
يبدو أنّ الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران تتجه نحو إعادة رسم التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، بهدف إعادة صياغة المنظومة الأمنية والاقتصادية في الإقليم، بما يمسُّ موقع إيران في هذه المنظومة، منذ عملية حركة حماس ” طوفان الأقصى ” ضد إسرائيل في عام 2023، وأيضًا محاولة تجاوز أزماته على طريق معالجة جذور صراعاته، من خلال تقاطع طموحات شعوب المنطقة مع استراتيجيات القوى الدولية الكبرى التي تبحث عن مصالحها في المنطقة. بما ينطوي على مشروع فرز بين دول تتجه نحو الإعمار والاستثمار بحثًا عن مصالح شعوبها، ودول أخرى تهدد أمن المنطقة معتمدة على ميليشيات ما دون الدولة الوطنية، لم تعد صالحة اليوم، بعد أن أضحت المصالح الإقليمية والدولية متقاطعة في المنطقة.
ويبدو أنّ الشرق الأوسط، الذي رسمت حدوده بعد الحرب العالمية الأولى في اتفاقيات سايكس – بيكو، يحتاج إلى تجديد تبعًا لرؤيتي الإدارة الأميركية عن السلام الاقتصادي والإدارة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة عن سلام القوة. بما يتقاطع مع “حروب السلام”، كما هو حال ما طرحه شمعون بيريز في عام 1994 في كتابه ” الشرق الأوسط الجديد “بعد حرب” عاصفة الصحراء ” ضد العراق، حيث ربط بين الأمن والاقتصاد، إذ اعتبر أنّ مصادر القوة في القرن الحادي والعشرين ستكون في الاقتصاد والتكنولوجيا، ووزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس حول “الشرق الأوسط الواسع” بعد الحرب بين إسرائيل وحزب الله في عام 2006. واستكمل الرئيس الأميركي ترامب هذا المسار بإعلانه عن “مجلس السلام في غزة”، بحيث تصبح التنمية الاقتصادية أداة لتشكيل بيئة أمنية بديلة عن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي الدائم.
ويتقاطع هذا المسار مع “الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا”، بوصفه مسارًا تجاريًا بديلًا لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية، باعتباره مشروعًا تنمويًا من جهة، وأمنيًا لحماية الممر من جهة أخرى. وإذا ما أُريد لهذا المشروع النجاح لا بدَّ من الاستقرار الأمني في الشرق الأوسط، وخاصة ضمان المرور السلس للتجارة الدولية بمضيقي هرمز والمندب، اللذين تهددهما إيران وميليشيا الحوثي التابعة لها. مما يشير إلى التنافس حول مضامين النظام الإقليمي في الشرق الأوسط الجديد، بين نموذجي التكامل الاقتصادي والخيارات الأيديولوجية الوهمية التي عانت منها المنطقة طوال العقود السبعة الماضية. واليوم شعوب المنطقة أمام لحظة إعادة تأسيس قسرية، لإعادة توزيع النفوذ والخرائط تحت نار الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران وميليشياتها في المنطقة. بما ينطوي على إعادة ترتيب الفاعلين في هذا النظام، الذين سيكونون عقدة عبور الطاقة والتجارة، وأيضًا القادرين على ضبط مجالهم الوطني كي لا يتحول إلى منصة لفاعلين إرهابيين عابرين للحدود.إنّ
ولا شكَّ بأنّ المنطقة تواجه تحديات اقتصادية كبيرة، بالرغم من دور العديد من دولها المهم في إمدادات الطاقة العالمية، إضافة إلى جغرافيتها التي تحتضن أهم معابر التجارة الدولية. مما يجعلنا نتساءل عن أهداف أميركا وإسرائيل: فهل تسعيان إلى منع التهديد الإيراني في الشرق الأوسط فقط، أم أنهما تبحثان عن تبوء المركز القيادي في الشرق الأوسط الجديد؟
إنّ كل المؤشرات تدل على أنّ القوى الدولية الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، والقوى الإقليمية المؤثرة، خاصة إسرائيل وتركيا والمملكة العربية السعودية، سيكون لها الدور الأهم في السعي لبناء توازنات جديدة تضمن الاستقرار، بالطبع تبعًا لمصالحها الاستراتيجية الخاصة.
وفي هذا السياق ما فتئ رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو يكرر طموحه إلى تغيير وجه الشرق الأوسط، خاصة منذ 7 تشرين الأول أكتوبروما حدث في غزة، ومن هنا اعتمد مقولة “سلام القوة” في فلسطين ولبنان وسوريا ومحاولة فرض حدود جديدة، متجاوزًا تشابك المصالح الدولية والإقليمية، وأنّ إعادة رسم خرائط المنطقة لا يمكن أن يكون قرارًا أحاديًا، بالرغم من تفوقها العسكري والتكنولوجي، المدعوم من الولايات المتحدة الأميركية.
وإزاء هذا التوجه الإسرائيلي فإنّ التغيّرات التي يمكن أن تشهدها المنطقة ليست مضمونة أن تكون لصالح الشعوب العربية، خاصة مع مظاهر العجز العربي. ولعلَّ التحولات الجارية في الشرق الأوسط تشكل فرصة للدول العربية لمراجعة تموضعها وإعادة بناء استراتيجيات تلاقي التحوّلات الجارية، من خلال سياسات وطنية بعيدة المدى، تتوجه نحو التكيّف الإيجابي مع مستجدات الوضع الإقليمي، من خلال تفعيل المنظومة الشاملة للأمن الإقليمي العربي.
وهكذا، يبدو الشرق الأوسط أمام منعطف غير واضح المعالم، ولعلَّ المفاوضات الأميركية – الإيرانية الحالية في باكستان يمكن أن تؤدي إلى بلورة توازنات جديدة تتسم بالحد من نفوذ إيران من جهة، وتفتح نافذة لمسار سياسي لتجاوز استعصاءات المنطقة، بما فيها إعلان دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وفي كل الأحوال يبقى السؤال عن مكانة سوريا في هذه التحولات؟ وهل يمكن للسلطة الانتقالية توظيف الموقع الجيواستراتيجي لسوريا لإعادة التموضع بما يخدم مستقبل الشعب السوري باعتبارها منطقة عبور للتجارة الدولية، إذا بقيت تعتمد أهل الولاء من أخوة المنهج السلفي، في ظل غياب حوكمة رشيدة لمجمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية؟
تلفزيون سوريا
———————–
في حدود القوة/ سمير الزبن
12 ابريل 2026
يُكرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تملك أعظم جيش وأقواه، وكأن هناك من يجادل بعكس ذلك. ورغم إقرار الجميع في العالم بهذه الحقيقة، وافتخار ترامب المستمر بهذه القوة، معتقداً أنه باستناده على هذه القوة يستطيع تركيع الأصدقاء قبل الأعداء، وفرض شروطه عليهم، لأنه يملك هذه القوة الأعظم والأقوى، معتبراً أنها الضمانة للانتصار على الجميع.
لا يريد ترامب مراجعة التجربة العسكرية الأميركية بشأن النصر والهزيمة، ليعرف أن ثمّة قضايا لا تحلها القوة العسكرية. فقد مرّت التجربة الأميركية بانتصارات وهزائم، انتصارات عظيمة، مثل مشاركتها في الحرب العالمية الثانية والقضاء على النازية، وهزائم مذلّة، كما حال هذه القوة العظيمة والقوية في فيتنام، البلد صاحب القوة العسكرية المتواضعة والذي لا يُقارن بالقوة العسكرية الأميركية. لأن الحرب في حالة اشتباك طويل الأمد صراع على تحمل الألم، قد لا تستطيع القوة الأعظم تحمل الألم (الكلفة التي تدفعها القوة العظيمة في الحرب)، كما يتحمّل الطرف الضعيف في الصراع ألماً هائلاً. لم تكن كلفة حرب فيتنام متساوية لكلا طرفي الحرب، فقد خسرت فيتنام حوالي ثلاثة ملايين فيتنامي، أغلبهم من المدنيين، وبلاد مدمّرة بفعل قصف متواصل القاذفات الأميركية سنواتٍ، بينما خسر الجيش “الأعظم” في العالم حوالي 58 ألف جندي في فيتنام. لا يمكن مقارنة الخسائر بين الطرفين، من زاوية فارق القوة، وبحسب منطق ترامب الذي يجلب منطق التطوير العقاري ليعالج به متطلبات الحرب، يدهش من أن الفيتناميين لم يستسلموا قبل الحرب، كما استغرب عدم استسلام إيران بعد تهديداته، وقبل بدء الحرب، كما فعل ستيف ويتكوف مبعوثه إلى المفاوضات مع إيران.
تقول الحكمة التقليدية التي صاغها كلاوزفيتز: “الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى”. بالطبع، الوسائل الأخرى، هي أدوات القتل، واستخدامها من أجل إنجاز الأهداف السياسية التي لم يتم الوصول إليها بالتفاوض، فالحرب، في نهاية المطاف، أداة سياسية، وأي حربٍ من دون هدف سياسي، في النهاية، عملية تدمير وقتل عبثية، لا تصل إلى مكان.
التجربة الأكثر دلالة على فشل القوة العسكرية الكبرى في تحقيق أهداف سياسية في بلد صغير هي الأفغانية، وقد مرَّ فيها كل من الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. في ظل الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، وعلى مدى عقد من الاحتلال السوفييتي أفغانستان 1979 ـ 1989 فشلت القوة السوفييتية الكبيرة في هزيمة “المجاهدين” الأفغان بأسلحتهم المتواضعة والمدعومين من الغرب، وفرض إرادتها السياسية على أفغانستان، رغم فارق القوة الهائل بين الطرفين، والتي لم تضمن النصر للسوفييت. لقد هزم بؤساء أفغانستان قوة عظمى، وكان هذا الفشل أحد أسباب انهيار الاتحاد السوفييتي نفسه.
كانت التجربة الأميركية في أفغانستان أكثر درامية من التجربة السوفييتية. بعد أحداث 11 سبتمبر (2001) وانهيار برجي التجارة العالمي في نيويورك، العملية التي انطلقت من أفغانستان بتخطيط من تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن. قرّرت إدارة جورج بوش الابن احتلال أفغانستان ردّاً على العملية، وهذا ما كان. وانسحبت حركة طالبان إلى الجبال وإلى باكستان، وعملت الولايات المتحدة على إعادة ترتيب السلطة في أفغانستان كما تعتقد أنه الأفضل للبلد. وخلال العشرين عاماً التالية، لاحقت القوات الأميركية مقاتلي “طالبان” في جبال تورا بورا، طائرات الإف 16 (بسعر 60 ـ 70 مليون دولار) تلاحق مقاتل طالبان الذي يحمل بندقية، تطلق عليه صاروخاً بكلفة مائة ألف دولار. عشرون عاماً من الاحتلال الأميركي لأفغانستان، وبناء جيش أفغاني، وحكومة، ومجلس تشريعي، وغيرها من الأوهام الأميركية، وبمقتل 2442 وإصابة حوالي 40 ألف جندي ومقتل قرابة أربعة آلاف متعاقد مع الجيش وبكلفة أكثر من تريليوني دولار، انسحبت القوات الأميركية بطريقة مذلة من أفغانستان، وانهار كل ما بنته، وهرب الجيش، وعادت “طالبان” إلى حكم أفغانستان. ولم يكن الأمر أفضل حالاً في احتلال الولايات المتحدة العراق بذرائع كاذبة.
في الحروب غير المتماثلة، القوة لا تضمن النصر، فمهما كانت عظمة الجيش وقوته، فهي ليست معطيات قادرة بشكل آلي على فرض الإرادة على الطرف الضعيف في هذه الحرب، فالحرب عملية سياسية، وفي السياسة نتائج النصر والهزيمة، وليس بالقدرة على التدمير.
… يعتبر الرئيس ترامب القوة الأميركية ضمانة النصر، وفرض الإرادة، واستسلام الخصوم. ويبدو أن العملية في فنزويلا وسهولتها، أوحت له أنه يستطيع تحقيق ما يريد بسهولة أيضاً في إيران. رغم محللين كثيرين قالوا إن إيران ليست فنزويلا، لا يسمع ترامب سوى نفسه، فوجد نفسه متورّطاً في حربٍ بلا خطة سياسية، ولم يعد يعرف كيف يخرج منها. ولأنه ما زال غير قادر على تحقق أهداف الحرب، فاستعار من شركائه الإسرائيليين الفكرة الحمقاء “ما لا يتحقق بالقوة يتحقّق بمزيد من القوة”، التي استخدموها المرّة بعد الأخرى لإخضاع المنطقة من دون نجاح في فرض إرادتها السياسية. ومن هنا كان ترامب يهدّد إيران بتدمير مصادر الطاقة والجسور والبنية التحتية، أي يهدّد بـ”جرائم حرب” معلنة.
ليست إيران دولة مسالمة في المنطقة، فلها جرائمها المرتكبة بحق بلدانٍ عديدة، وهي بلد معتدٍ كما كان الوجود الإيراني في سورية. لكن العدوان الأميركي ـ الإسرائيلي غير معنيٍّ بهذه العدوانية، بقدر ما هو معنيٌّ بتحقيق مصالحه ومصالح إسرائيل. بالطبع، نتائج هذه الحرب العدوانية لن تقتصر على إيران والشعب الإيراني، فتداعياتها تصيب المنطقة والدول الأخرى، وهذا ما تدل عليه أزمة مضيق هرمز الذي أغلقته إيران. وتشير هذه الأزمة إلى هشاشة المدنية الحديثة تجاه الحروب، وهذا ما أشارت إليه الحرب الروسية ضد أوكرانيا، وما تؤكده اليوم الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران.
يبدو أن الولايات المتحدة، بصفتها القوة الأعظم، لا تريد تعلم الدرس الأساسي بحدود ما تستطيع القوة تحقيقه، فهي تعود إلى استخدامه المرّة بعد الأخرى تحت “غرور القوة”، وإغرائها لتحقيق ما لم يستطع تحقيقه السابقون من الرؤساء الأميركيين. فترامب الذي رفض الحروب الخارجية ها هو قام بواحدةٍ من أغباها، ولا شك في أنها ستبقى تلاحقه بوصفها لعنة فشل أميركية جديدة.
العربي الجديد
——————————–
تحولات الشارع الإسرائيلي: أيّ جديد وأيّ طارئ؟/ صبحي حديدي
ثلاث مؤسسات إعلامية إسرائيلية، إذاعة «كان» والقناة 12 والقناة 13، أجرت مؤخراً سلسلة استطلاعات للرأي حول حظوظ الأحزاب في انتخابات الكنيست المقبلة، تشرين الأول (أكتوبر) المقبل كموعد أقصى؛ وكذلك حول أسئلة مثل هوية المنتصر في الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة ضدّ إيران.
ففي الموضوع الأول، تقول الخلاصة إنّ الأحزاب الصهيونية المعارضة لائتلاف بنيامين نتنياهو الحاكم سوف تحقق مكاسب ضئيلة متفرقة، لكنها لن تتمكن من بلوغ سقف الـ61 مقعداً الكافية لتشكيل الحكومة؛ وأنّ الأحزاب الصهيونية المتحالفة مع نتنياهو، وبينها «ليكود» أيضاً، ستخسر مقاعد ضئيلة هنا وهناك، ولكنها لن تعجز عن إيجاد تحالفات جانبية تمكنها من الاحتفاظ بالحكومة.
الأبرز، في المقابل، أنّ حزب «القوّة اليهودية»، الذي يتزعمه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، سوف يحصل على 10 مقاعد، قافزاً من 8 في استطلاعات رأي سابقة؛ وأنّ حزب «أزرق أبيض»، وزعيمه بيني غانتس رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال الأسبق، لن يتخطى العتبة الضرورية لحيازة أعضاء في الكنيست؛ وخلاصة تلفزة «كان» أنّ ائتلاف نتنياهو سيحصل على 51 مقعداً، مقابل 59 للأحزاب الصهيونية المعارضة.
وفي الموضوع الثاني، بصدد سؤال تلفزة «كان»، هل انتصرت الولايات المتحدة ودولة الاحتلال في الحرب على إيران؟ أجابت نسبة 25% بالإيجاب، و58% بالنفي. وفي استطلاع القناة 12، حول سؤال مشابه، اعتبرت نسبة 30% أنّ أمريكا ودولة الاحتلال انتصرتا، و19% لصالح إيران، و40% لم تنسب ايّ نصر لأيّ فريق. من جانبه خرج استطلاع القناة 13 بنسبة 33% لصالح واشنطن وتل أبيب، و28% ذهبت إلى طهران، و39% كانت نسبة العاجزين عن تحديد الفريق المنتصر!
وللمرء المتابع للأطوار الحديثة والمعاصرة من تحولات المجتمع الإسرائيلي، سواء بصدد انتخابات الكنيست أو حروب دولة الاحتلال أو العرى الوثيقة بين الملفّين في تكوين «مزاج» الشارع العريض؛ ليس ثمة ما يفاجئ حقاً في معطيات هذه الاستطلاعات، ولا جديد يستحق مقام المنعطف أو حتى المحطة الفاصلة. هذا مجتمع مشوّش متشرذم، تحكمه جملة من منظومات القلق من الحرب والرهاب من السلام، في آن معاً، مع رجحان طاغٍ لكفّة الهاجس الأوّل إزاء طمأنينة الثاني؛ وانحياز، تالياً، إلى حيرة الاستقرار إلا على خيار العسكرة والتطرف وإرهاب الدولة والسياسات العنصرية والتشدد الديني…
كذلك فإنّ مؤشرات هذه الاستطلاعات لا يصحّ أن تُقرأ بمنأى عن تجلياتها على أرض الاحتلال الإسرائيلي، في ملفّ واحد على الأقلّ هو الاستيطان، بافتراض أنّ جرائم الحرب المتنوعة المتكررة المستدامة يمكن أن تتقاطع تبعاتها، مثل تأويلاتها، لدى فريق حاكم وآخر يزعم موقع «المعارضة». وربما في جانب واحد محدد من فظائع الاستيطان، هو التغطية الحاخامية/ الفقهية لأنشطة الاستيطان «غير الشرعية»؛ أي تلك التي قد يضطرّ جيش الاحتلال إلى تفكيكها، تنفيذاً لقرارات المحكمة العليا مثلاً. فبدل مقاومة الجنود الإسرائيليين القادمين لتفكيك البؤر الاستيطانية (وليس المستوطنات، للإيضاح الضروري)، عمّم المجلس الحاخامي منشوراً يطالب المستوطنين ببناء المزيد من المواقع الاستيطانية، على مبدأ: يفككون موقعاً، فنبني خمسة!
إلى هذا، يحثّ الحاخاماتُ المستوطنين على الاستعداد عاطفياً وجسدياً لتكرار بناء المواقع الاستيطانية، بالتضافر مع الاستعداد لمواجهة الجنود، استناداً في الخلفية الأبعد إلى فتوى شهيرة أصدرها مجلس حاخامات المستوطنات وانطوت على جملة محرّمات، بينها النصّ على أنّ كلّ موقع استيطاني هو فريضة من فرائض إعمار دولة الاحتلال، ويمنع اخلاؤه منعاً باتاً؛ وكذلك الحكم بأنّ الجيش الإسرائيلي هو «جيش الشعب»، ومهمته «تتجسد في محاربة الإرهاب والانتصار على الأعداء».
بهذا المعنى يمكن، أيضاً، استيعاب أسباب بلبلة الإسرائيليين، حيال مفهوم «الانتصار»؛ فلا طارئ هنا أيضاً، ولا جديد.
القدس العربي
————————————
“العرض الأخير” الأميركي لم تقبله إيران… ما الخطوة المقبلة؟
عودة فانس إلى واشنطن دون اتفاق مع قاليباف… ولا تحديد لموعد الجولة المقبلة
أ ف ب
أ ف ب
يلوّح نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أثناء صعوده إلى طائرة «إير فورس تو» بعد حضوره محادثات حول إيران في إسلام آباد في 12 أبريل 2026
عمر حرقوص
آخر تحديث 12 أبريل 2026
إحدى وعشرون ساعة من المفاوضات الأميركية-الإيرانية في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، انتهت من دون التوصل إلى اتفاق. كانت الآمال كبيرة بإمكانية التوصل إلى حل، والسبب حضور نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس (الطرف الرافض في الإدارة الأميركية للأعمال العسكرية)، ويقابله رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الذي يقود مع آخرين “إيران الجديدة”. كان كثرٌ يعتقدون أن اليوم الأول سيفضي إلى خطة عمل لأسبوعين، لكن ماراثون التفاوض توقف خلال أقل من يوم واحد.
وكانت المحادثات التي جرت في إسلام آباد أرفع لقاء مباشر بين الولايات المتحدة وإيران منذ أكثر من عقد من الزمان، وأعلى مستوى من المناقشات منذ “الثورة الإسلامية” عام 1979. وقد تحدد نتائج هذه المحادثات مصير وقف إطلاق النار الهش، الذي يستمر أسبوعين، وإعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لنحو 20 في المئة من إمدادات الطاقة العالمية، والذي أغلقته إيران منذ بدء الحرب. وقد تسبب هذا الصراع في ارتفاع أسعار النفط العالمية ومقتل الآلاف من الأشخاص.
وجاءت تصريحات فانس لتزيد من أجواء التشاؤم، رغم أنه لم يعلن انسحاب واشنطن من المحادثات. لكن فانس قال إن وقف المحادثات “أخبار سيئة لإيران أكثر بكثير مما هي سيئة للولايات المتحدة. لقد أوضحنا بشكل جلي خطوطنا الحمراء، وهم اختاروا عدم قبول شروطنا”، وبرأيه أن هذه “المناقشات كانت جوهرية”، لكنها لم تتمكن من ردم الفجوات بين الوفد الأميركي الصغير وجيش المفاوضين الإيرانيين.
وبينما كان فانس يتحدث عن أن الولايات المتحدة تريد التزاماً إيجابياً طويل الأمد من إيران بعدم السعي لامتلاك سلاح نووي أو الوسائل التي تمكنها من إنتاجه بسرعة، أكد مصدر إيراني لـ”المجلة” أن بعض الخلافات تتعلق بمطلب إيران تأكيد سيطرتها على مضيق هرمز ورفضها التخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب.
وكانت القيادة المركزية الأميركية قد أعلنت تسيير سفينتين في مضيق هرمز من دون تنسيق مع الجانب الإيراني، إضافة إلى بدء عملية لـ”تنظيف” المضيق من ألغام زرعها “الحرس الثوري” في مياهه. وانتقدت طهران هذه الخطوة وهددت بمنع حصول ذلك.
رويترز رويترز
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث في مؤتمر صحفي عقب اجتماعه مع ممثلين من باكستان وإيران، بينما يستمع كل من جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، في إسلام آباد، الأحد 12 أبريل 2026
وما فعله فانس بخروجه من الغرفة وذهابه إلى واشنطن يشبه إلى حد كبير ما فعله وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف خلال مفاوضات عام 2015، حين خرج من غرفة التفاوض تاركاً وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق جون كيري، قائلاً للصحافيين إنه “لا يوجد اتفاق”، فلحق به كيري مسرعاً ليعيده. فيما خرج فانس هذه المرة من غرفة التفاوض وحيداً، من دون أن يلحق به المفاوض الإيراني، فقاليباف يعتمد على عقلية تاجر السجاد في المساومة ودفع الأمور إلى حافة الهاوية، بينما يجلس في واشنطن رئيس يدفع نائبه للمغادرة، حيث يتعامل أيضاً كتاجر يدرك أن البيع والشراء هو الاقتراب من الهاوية والخروج منها من دون خسائر.
للتسجيل في النشرة البريدية الاسبوعية
احصل على أفضل ما تقدمه “المجلة” مباشرة الى بريدك.
تخضع اشتراكات الرسائل الإخبارية الخاصة بك لقواعد الخصوصية والشروط الخاصة بـ “المجلة”.
صرح ترمب في واشنطن أنه لا يهمه اذا كان الوفد سيتوصل إلى اتفاق مع إيران: “نحن نربح على أي حال. لقد هزمناهم عسكريا”
وقال فانس إن فريق التفاوض الأميركي تحدث مع الرئيس دونالد ترمب ما لا يقل عن ست مرات خلال ساعات المحادثات، كما تحدث مع وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، وقائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال براد كوبر. وصرح ترمب في واشنطن بأنه لا يهمه إذا كان الوفد سيتوصل إلى اتفاق مع إيران: “نحن نربح على أي حال. لقد هزمناهم عسكريا”.
واللافت أن فانس قال: “نغادر من هنا بمقترح بسيط جداً، آلية تفاهم تمثل عرضنا النهائي والأفضل. سنرى ما إذا كان الإيرانيون سيقبلونه”، تاركاً الباب مفتوحاً لإمكانية العودة إلى الطاولة.
رويترز رويترز
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يلتقي رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف قبل المفاوضات مع الوفد الأميركي في إسلام آباد، باكستان، في 11 أبريل 2026.
بينما يقول مسؤولون في إيران إن فريق طهران التفاوضي “قدم مبادرات ومقترحات معقولة، والكرة الآن في ملعب أميركا، وعليها أن تنظر إلى القضايا بواقعية”.
وبينما لم يكن أحد يتوقع التوصل إلى اتفاق نهائي خلال يوم التفاوض، فإن الجانب الأميركي كان يأمل في تحقيق زخم كافٍ لمواصلة المحادثات، حتى لو استدعى ذلك تمديد وقف إطلاق النار.
إيران أمام خيارين: إما ترك السفن تعبر، أو إغلاق المضيق، ما يهدد وقف إطلاق النار ويفتح مشكلة مع الدول التي رفضت المشاركة سابقاً في فتحه
هذا التجميد التفاوضي المفاجئ يزيد الخوف من أن يؤدي إلى انهيار وقف إطلاق النار المعلن عنه لأسبوعين، الذي تم الاتفاق عليه الأسبوع الماضي، كما يزيد احتمال تجدد القتال وتصاعده، على الرغم من أن الجانبين الأميركي والإيراني عقدا جولات عدة من الاجتماعات بصيغ مختلفة، إضافة إلى احتمال تجديد جهود استئناف المفاوضات خلال ما تبقى من فترة الأسبوعين.
وكما يبدو، فإن التفاوض تجمد حتى الآن، لكن الحرب متوقفة، والولايات المتحدة تعتبر أن مضيق هرمز مفتوح أمام السفن والناقلات. وإيران أمام خيارين: إما ترك السفن تعبر، وإما إغلاق المضيق، ما يهدد وقف إطلاق النار ويفتح مشكلة مع الدول التي رفضت المشاركة سابقاً في فتحه. ويلوح ذلك بتحويل الوضع من حرب يقودها ترمب إلى حملة دولية لتحرير الاقتصاد العالمي من هجمات “الحرس الثوري”، وهو أيضاً رمي كرة النار بيد الحلفاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والمستفيدين من فتح الممر البحري مثل الصين والهند. ومن المقرر أن تستضيف لندن في الأيام المقبلة اجتماعاً دولياً لبحث آليات فتح مضيق هرمز.
كان لافتا أن ترمب شارك على حسابه في “تروث سوشيال” أمس مقالا يتحدث عن سيناريو فرض الحصار البحري على إيران إذا رفضت عرضها النهائي، مستندا إلى تجربة سابقة في فنزويلا. ومع تعزيز الوجود البحري الأميركي في الخليج، تسعى واشنطن للسيطرة على مضيق هرمز، وخنق الاقتصاد الإيراني، وزيادة الضغط على الصين والهند.
المجلة
———————————-
هل بإمكان واشنطن فتح ممر آمن بمضيق هرمز؟
في خضم المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية عزمها تأمين ممر بمضيق هرمز، وهي مهمة لا تبدو سهلة رغم حديث الرئيس دونالد ترمب عن قرب تنفيذها.
فالعملية -وفق تقرير أعدته مراسلة الجزيرة شيماء بوعلام- ستكون محفوفة بالأخطار نظرا لوضع المضيق الحالي وغموض الإجراءات العسكرية التي اتخذتها إيران لمنع العبور فيه دون موافقة منها.
فثمة ألغام بحرية تم زرعها وغطاء ناري توفره القوات الإيرانية حول الممر المائي الذي ينقل ثلث الاستهلاك العالمي من الطاقة يوميا.
وإذا قررت الولايات المتحدة المضي قدما في عملية فتح ممر آمن بالمضيق فسيكون عليها البدء بعمليات استخبارية معقدة لتحديد مواقع منصات الصواريخ والزوارق السريعة الإيرانية، وصولا إلى الألغام البحرية التي تمثل السلاح الأكثر خطورة في هذه المواجهة.
وظهرت إرهاصات تنفيذ هذه العملية المعقدة مع إعلان وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث أن المدمرتين “فرانك بيترسون” و”مايكل ميرفي” تحركتا نحو المضيق لفرض منطقة عزل بحري.
وحسب أحدث تقرير للقيادة المركزية، فإن الولايات المتحدة ستتبع إستراتيجية تطهير الممرات، مما يعني أنها لن تسعى لتنظيف المضيق بالكامل في المرحلة الأولى.
وتقوم هذه الإستراتيجية على إنشاء مسار آمن بعرض محدد بعد تأكيد خلوه من التهديدات، على أن يجري تأمينه لاحقا من الجو عبر طائرات مخصصة للتعامل مع الزوارق السريعة.
حرس الثوري الإيراني:تم استهداف ناقلة نفط تجاهلت التعليمات في مضيق هرمز – المصدر:إرنا
ناقلة نفط استهدفها الحرس الثوري في وقت سابق بمضيق هرمز (إرنا)
السلاح الأخطر
لكنَّ الألغام البحرية التي تمتلك إيران ترسانة متنوعة منها تمثل التحدي الأكبر لهذه المهمة، لأنها لا تُرى بالعين وإنما تطفو أو تختبئ تحت الماء.
ومن بين الأنواع التي تمتلكها طهران:
الألغام العائمة المنجرفة، التي تطفو مع التيارات وتنفجر عند ملامسة السفن.
الألغام التلامسية العائمة، التي تطفو على سطح الماء وتنفجر عند اصطدام السفينة بها.
الألغام التلامسية المثبتة في قاع البحر بواسطة الكابلات.
ألغام قاعية صاعدة، تُثبَّت في قاع البحر، وهي مناسبة للمياه الضحلة، وتعمل بصواعق مغناطيسية.
الألغام الطوربيدية، وهي الأكثر تطورا وتُطلَق باتجاه السفن عند رصدها.
الألغام الذاتية الدفن، التي تختبئ تحت الرواسب مما يجعل اكتشافها صعبا للغاية.
إعلان
وحتى مارس/آذار الماضي، كان يُعتقد أن إيران تمتلك نحو 6 آلاف لغم بحري، ومئات الزوارق السريعة التي تمكنها من نشر الألغام بسرعة عبر الممر المائي الضيق.
وتقول الولايات المتحدة إنها تمكنت بالفعل من تدمير وإغراق معظم السفن الحربية الإيرانية، لكنْ لا يُعرف حجم الضرر الذي لحق بها.
كاسحات الألغام
ولمواجهة ذلك، تبرز كاسحات الألغام خيارا لا بديل له، لأنها صُممت لتكون غير مرئية للألغام أي ببصمة مغناطيسية منخفضة، وضجيج شبه معدوم لتفادي الألغام الصوتية.
ويجري تصنيع هذه الكاسحات من هياكل زجاجية أو مواد غير معدنية، تبدأ مهمتها الأساسية من الكشف باستخدام السونار لرصد الألغام تحت سطح الماء ثم تصنيفها إن كانت مغناطيسية أو صوتية أو تعتمد على الضغط، لتأتي المرحلة الأخطر وهي التعطيل أو التفجير إما عبر روبوتات تعمل تحت الماء أو غواصين متخصصين.
ومع ذلك، تواجه القوات الأمريكية تهديدات متعددة في هذه العملية، ففتح ممر آمن في مضيق هرمز يتطلب أكثر من 20 كاسحة للألغام، تشمل سفن قيادة ودعما وأنظمة روبوتية تحت الماء.
كما أن إزالة ما بين 50 إلى 100 لغم قد يستمر أياما، وقد تحتاج إزالة الألغام الصغيرة نحو شهرين، ومن ثَم قد يستمر التعامل مع مئات الألغام أشهرا عدة.
من جهة أخرى، ومع غياب التنسيق مع طهران، قد تكون أجزاء من المياه الدولية في هرمز مناطق اشتباك محتملة، لأن تلك المنطقة الضيقة قد تجعل أي تحرك عسكري مكشوفا وسهل الاستهداف.
المصدر: الجزيرة
———–
“ماراثون تفاوضي”.. تفاصيل الساعات الأخيرة قبل تعثر محادثات إسلام آباد/ شهد قايد
بعد مفاوضات مكثفة بين واشنطن وطهران في العاصمة الباكستانية إسلام آباد استمرت لأكثر من 21 ساعة، أعلن الجانبان الأمريكي والإيراني انتهاء جولة المحادثات دون تحقيق أي تقدم، في ظل اتساع فجوة الخلافات وتعثر الجهود المبذولة للتوصل إلى تسوية مستدامة.
وأعلن جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي، في إحاطة صحفية عاجلة من إسلام آباد، عدم التوصل لاتفاق بعد ساعات طويلة من المفاوضات، مؤكدا أن ما جرى “سيئ للإيرانيين أكثر مما هو سيئ للأمريكيين”.
وقال فانس إن الوفدين لم يتمكنا من التوصل إلى اتفاق مرضٍ للطرفين، وأضاف أن الولايات المتحدة دخلت المفاوضات “بحسن نية” و”قدمت أفضل ما يمكن تقديمه” خلال هذه المحادثات، لكنها لم تنجح في الوصول إلى صيغة اتفاق مقبولة للطرفين.
ومباشرة عقب إفادته الصحفية، غادر نائب الرئيس الأمريكي باكستان، وظهر في لقطات تلفزيونية وهو يصعد على متن الطائرة الرئاسية الثانية “أير فورس تو”، قبل أن يلوح للمسؤولين الباكستانيين مودعا من أعلى سلم الطائرة.
نقاط الخلاف
ونقل موقع أكسيوس الأمريكي عن مصدر مطلع أن بعض نقاط الخلاف في المفاوضات تتعلق بمطالب إيرانية مرتبطة بالسيطرة على مضيق هرمز ورفضها التخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب.
وفي المقابل، أعلن التلفزيون الإيراني انتهاء المفاوضات الإيرانية الأمريكية في إسلام آباد، مرجعا ذلك إلى ما وصفه بـ”أطماع الولايات المتحدة” التي حالت دون التوصل إلى إطار اتفاق مشترك.
كما أضاف التلفزيون الرسمي أن الوفد الإيراني قدم مبادرات عدة خلال المفاوضات، إلا أن الجانب الأمريكي حال دون تحقيق تقدم في المحادثات.
كما نقلت وكالة تسنيم أن المحادثات انتهت دون التوصل إلى اتفاق، بسبب ما اعتُبر “مطالب أمريكية مفرطة” تتعلق بمضيق هرمز والملف النووي وملفات جوهرية أخرى، في حين أفادت وكالة فارس بأن المفاوضات انهارت بسبب محاولة الولايات المتحدة فرض ما لم تستطع تحقيقه في الحرب.
إعلان
وفي السياق ذاته، ذكرت وكالة تسنيم أنه لم يتم حتى الآن الإعلان عن أي خطة تتعلق بموعد أو مكان الجولة المقبلة من المحادثات، في ظل استمرار حالة الغموض بشأن مستقبل المسار التفاوضي بين الطرفين.
تباين الروايات
وقبل الإعلان الرسمي عن فشل المفاوضات بين واشنطن وطهران، تباينت الروايات الصادرة عن وسائل إعلام إيرانية وأمريكية بشأن مسار المحادثات، بين مؤشرات على التمديد واستمرار النقاشات، وأخرى تحدثت عن تعثر واضح في التوصل إلى اتفاق.
وأفادت تقارير خلال الساعات التي سبقت الانهيار بأن المفاوضات كانت مرشحة أن تستمر اليوم الأحد، وسط أنباء عن تواصل الاتصالات بين الأطراف في محاولة لتجاوز الخلافات العالقة.
ونقلت وكالة تسنيم عن مصدر مطلع قوله إن وسائل الإعلام الغربية “تبالغ في تصوير الأجواء الإيجابية” للمحادثات بهدف التأثير على أسعار الطاقة العالمية، مشيرا إلى أن الواقع على الأرض يعكس تعثرا واضحا، مع “ساعات من الجمود” بسبب ما وصفها بـ”المطالب الأمريكية المفرطة”.
وحسب وسائل إعلام إيرانية، فإن واشنطن طرحت شروطا تراها طهران “مبالغا فيها”، خصوصا ما يتعلق بحرّية الملاحة في مضيق هرمز، الذي تسيطر عليه إيران فعليا منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضدها يوم 28 فبراير/شباط الماضي.
وكشفت تقارير أمريكية في وقت سابق أن المحادثات جرت وجها لوجه، بمشاركة فانس والمبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مقابل وفد إيراني في مقدمته رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، بحضور الوسيط الباكستاني.
وأدى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف دورا محوريا، إذ عقد اجتماعات منفصلة مع الطرفين قبل انطلاق المحادثات المباشرة.
ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين إيرانيين أن اللقاءات شهدت أجواء “ودية وهادئة” رغم الخلافات الجوهرية، إذ صافح قاليباف فانس قبل انطلاق المحادثات.
تمديد المفاوضات قبيل انتكاسها
وفي السياق ذاته، ذكرت وكالة فارس أن المحادثات على مستوى الخبراء كانت مستمرة منذ انطلاقها أمس السبت، في حين نقلت وكالة تسنيم أنه تقرَّر تمديد المفاوضات إلى اليوم الأحد بناء على اقتراح من الجانب الباكستاني حظي بموافقة الطرفين.
وأوضحت الوكالة أن قرار التمديد جاء نتيجة ما وصفتها بـ”المطالب غير المعقولة” التي يطرحها الجانب الأمريكي، مقابل إصرار الوفد الإيراني على “الحفاظ على المصالح الوطنية”، مما حال دون تحقيق اختراق يوم السبت.
وتحدَّث التلفزيون الإيراني عن “ماراثون تفاوضي” بدأ بعد ظهر السبت واستمر حتى ساعات فجر الأحد، وأكد مصدر دبلوماسي في الحكومة الباكستانية للجزيرة أن المفاوضات جرت بشكل مباشر بين الطرفين، مع مشاركة فعالة من إسلام آباد في الوساطة، مشيرا إلى أن الجانب الباكستاني قدَّم مقترحا لحل إحدى أبرز نقاط الخلاف، وهي تنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز.
وبحسب المصدر، يتضمن المقترح تسيير دوريات مشتركة في المضيق، في محاولة لتحقيق توازن بين مطلب واشنطن بحرّية الملاحة، وتمسُّك طهران بسيادتها وأمنها في هذا الممر الحيوي.
الدبلوماسية امتداد للحرب
من جهتها، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية أن مفاوضات إسلام آباد شهدت تبادلا مكثفا للنصوص والرسائل بين الوفدين الإيراني والأمريكي، في إطار السعي للتوصل إلى تفاهم ينهي التصعيد القائم.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي على منصة إكس إن المحادثات تناولت القضايا التفاوضية الرئيسية، وفي مقدمتها ملف مضيق هرمز والبرنامج النووي، باعتبارهما محورين أساسيين في أي اتفاق محتمل.
وأضاف أن نجاح العملية الدبلوماسية “مرهون بمدى جدية الطرف الآخر وحسن نيته”، مشددا على أن التقدم في المفاوضات يتطلب التخلي عن ما وصفها بـ”المطالب المفرطة وغير القانونية”، وقبول “الحقوق المشروعة” لإيران.
وأكد بقائي أن طهران عازمة على استخدام جميع الوسائل بما فيها الدبلوماسية لضمان مصالحها الوطنية، معتبرا الدبلوماسية “امتدادا للحرب التي يخوضها المدافعون عن إيران”.
كما لفت إلى أن إيران لا تزال تستحضر “تجربة نكث الولايات المتحدة لوعودها وسوء نياتها” على حد تعبيره، مضيفا أنها “لن تغفر جرائمها مع الكيان الصهيوني”.
ملف مضيق هرمز
يُعَد المضيق نقطة خلاف رئيسية، إذ تشترط الإدارة الأمريكية إعادة فتحه بشكل كامل ضِمن تثبيت وقف إطلاق النار، في حين تصر طهران على ربط أي تغيير في وضعه بالتوصل إلى “إطار عمل مشترك” يراعي مصالحها الأمنية والعسكرية.
وفي هذا السياق، نقلت شبكة “سي إن إن” عن مصدر أمني إيراني أن المضيق “سيبقى مغلقا ما لم يتبن المفاوضون الأمريكيون نهجا واقعيا”، محذرا من إمكانية إغلاقه حتى أمام السفن التي تم الاتفاق سابقا على مرورها، في حال عدم تحقيق تقدُّم دبلوماسي.
وأضاف المصدر أن طهران ليست في عجلة من أمرها، وقد أبلغت واشنطن بوضوح أن وضع مضيق هرمز لن يتغير دون اتفاق شامل، مشددا على أن إيران أثبتت قدرتها على إغلاقه، وأن أي سوء تقدير جديد سيكون “مكلفا” للولايات المتحدة.
ترمب يصعّد
في المقابل، صعَّد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من لهجته، معلنا أنه “غير مهتم” بنتيجة المفاوضات مع إيران، مؤكدا أن واشنطن تَعُد نفسها منتصرة عسكريا.
وقال ترمب في تصريحات للصحفيين “سواء توصلنا إلى اتفاق أم لا، لا فرق بالنسبة لي، والسبب هو أننا انتصرنا”، مضيفا أن الولايات المتحدة “تخوض المفاوضات من موقع قوة”، بعد ما إعلانه “هزيمة إيران عسكريا”.
كذلك، أعلن ترمب أن القوات الأمريكية بدأت في “تطهير” مضيق هرمز من الألغام، مؤكدا وجود كاسحات ألغام وسفن حربية أمريكية في المنطقة. وقال “سنفتح المضيق، رغم أننا لا نستخدمه، لكنَّ دولا أخرى تعتمد عليه”، موضحا أن تلك الدول إما “ضعيفة أو بخيلة أو خائفة” من مواجهة طهران عسكريا.
غير أن الحرس الثوري الإيراني حذر من أن أي محاولة لعبور سفن حربية المضيق ستُقابَل بـ”رد قوي”، مؤكدا أن المرور سيبقى مقتصرا على السفن غير العسكرية وضمن ضوابط محددة.
ونقل التلفزيون الإيراني عن بيان لبحرية الحرس الثوري تأكيدها أنها تسيطر بشكل “كامل وفعال” على مضيق هرمز، ونفيها عبور أي سفن أمريكية في الممر البحري.
رسالة باكستانية
وفي ختام ساعات مطولة من المفاوضات، ظهر وزير الخارجية الباكستانية إسحاق دار في مؤتمر صحفي، وعبر عن شكره لوفدي إيران والولايات المتحدة، وقال “نتمنى أن يواصل الطرفان تمسكهما بوقف إطلاق النار”.
وأوضح دار أن الوفدين عقدا عدة جولات تفاوض انتهت صباح اليوم، مؤكدا أن باكستان ساعدت على التوصل لوقف لإطلاق النار، وستواصل لعب دور لتسهيل التقارب بين الجانبين.
المصدر: الجزيرة + وكالات
————————
من كسر طاولة المفاوضات.. واشنطن أم طهران؟
بين رغبة الوسيط الباكستاني في نزع فتيل الانفجار، واصطدام الطموحات الإيرانية بالخطوط الحمر الأمريكية، تحولت العاصمة إسلام آباد إلى ساحة لاختبار القوة الدبلوماسية في مفاوضات ماراثونية استمرت 21 ساعة.
وفي جولة حبست أنفاس المنطقة ووضعت اتفاق وقف إطلاق النار الهش على المحك، لم تكن الطاولة مجرد مساحة للنقاش، بل كانت امتدادا لصراع الإرادات الذي انتقل من الميدان إلى الغرف المغلقة.
وفي قلب هذا الحراك المكوكي، تداخلت ملفات السيادة والسيطرة على المضائق الإستراتيجية مع هواجس التسلح النووي، لتضع الوفدين وجهاً لوجه أمام استحقاقات تاريخية لا تقبل الحلول الوسط.
فبينما كان “العرض النهائي” يتأهب للحسم، كانت تفاصيل “المطالب غير المعقولة” وشروط اللحظات الأخيرة ترسم ملامح مرحلة ضبابية، تترنح فيها الدبلوماسية بين فرصة التهدئة الضائعة ونذر التصعيد الذي لا يزال يلوح في الأفق.
“العرض النهائي”
لم يغادر نائب الرئيس الأمريكي دي فانس إسلام آباد بصمت، بل وضع النقاط على الحروف في تصريحات عكست خيبة أمل مغلفة بلغة التهديد المبطن، إذ أعلن فانس بوضوح أن الإيرانيين “اختاروا” عدم قبول الشروط الأمريكية، مؤكداً أن الوفد الأمريكي يغادر الطاولة بعد أن قدّم “أفضل عرض ممكن ونهائي”، لينهي بذلك ساعات من التفاوض المضني دون الوصول إلى اتفاق يُرضي الطرفين.
وفي كشف لافت يعكس حجم التصعيد الميداني الذي سبق أو رافق هذه المفاوضات، أشار نائب الرئيس إلى أن “المنشآت النووية الإيرانية قد دُمرت”، ومع ذلك، فإن الطرف الإيراني لم يقدّم حتى الآن أي تعهد بوقف برنامجه النووي أو “التزام أكيد” بعدم السعي لامتلاك السلاح النووي.
واشنطن التي أكدت تفاوضها “بنية حسنة”، شددت على أن هناك “أوجه قصور” جوهرية في الموقف الإيراني، حيث لم تسمع أي رد إيجابي بشأن الأدوات التي تمكن طهران من صناعة القنبلة بسرعة، مما يجعل العودة إلى واشنطن “دون اتفاق” هي النتيجة الحتمية لهذه الجولة الصعبة.
إعلان
وقال فانس “نحن بحاجة إلى أن نرى تأكيدا قويا بأن إيران لن تسعى للحصول على سلاح نووي”، مشيرا إلى أنه ثمة “أوجه قصور في المحادثات مع إيران”.
وحملت تصريحات فانس إشارة إلى أنه لا يزال يمنح إيران وقتا كافيا للنظر في العرض المقدم من الولايات المتحدة التي أعلنت الثلاثاء وقف هجماتها لمدة أسبوعين بانتظار نتيجة المفاوضات.
وفي تصريحاته المقتضبة في الفندق الذي استضاف المحادثات في إسلام آباد، لم يسلط فانس الضوء على الخلاف حول قضية رئيسية أخرى، وهي إعادة فتح مضيق هرمز، الممر الإستراتيجي الذي يمر عبره خُمس نفط العالم.
ولفت إلى أن الرئيس دونالد ترمب، الذي أعرب السبت في واشنطن عن عدم اكتراثه إذا توصل الجانبان إلى اتفاق أم لا، كان متساهلا في المحادثات.
وقال “أعتقد أننا كنا مرنين للغاية. كنا متعاونين للغاية. قال لنا الرئيس: عليكم أن تأتوا إلى هنا بحسن نية وأن تبذلوا قصارى جهدكم للتوصل إلى اتفاق”، مضيفا “فعلنا ذلك، ولكن للأسف، لم نتمكن من إحراز أي تقدم”.
“مطالب غير معقولة”
على الجهة الأخرى، لم تكن الرواية الإيرانية أقل حدة، فقد وصفت طهران المحادثات بأنها اصطدمت بـ”مطالب أمريكية غير معقولة” حالت دون أي تقدم.
وأكدت الخارجية الإيرانية أن المفاوضات التي جرت في أجواء من “سوء الظن وعدم الثقة” بحثت البنود الإيرانية العشرة مقابل نقاط الطرف الأمريكي، مشيرة إلى أن التفاهم الذي تم التوصل إليه بشأن بعض النقاط انهار أمام الخلاف على 3 قضايا جوهرية.
وفيما بدا ردا على تصريحات فانس، ذكرت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية أن الوفد فاوض “بلا كلل” لمدة 21 ساعة، لكن “تعنت” الجانب الأمريكي منع إحراز تقدم.
من جهتها، نقلت وكالة “فارس” عن مصادر مقربة أن الفريق الأمريكي كان يبحث عن “ذريعة” لمغادرة الطاولة، واتهمت واشنطن بمحاولة تحقيق ما عجزت عنه في الحرب، مشيرة إلى أن الأمريكيين لم يكونوا مستعدين لتخفيض سقف توقعاتهم.
ورغم ذلك، تركت طهران الباب مواربا بتأكيدها أن “طريق الدبلوماسية لم يُغلق”، معتبرة أن عدم التوصل لاتفاق في جولة واحدة كان أمرا متوقعا، مع إبداء “ثقتها” في استمرار الاتصالات مع الوسيط الباكستاني.
وذكرت وكالة تسنيم إن إيران طرحت مرارا مبادرات جديدة، وسعت لحث الجانب الأمريكي على التحلي بالواقعية، لكنَّ “التعنت الأمريكي” حال دون التوصل إلى إطار عمل مشترك في كل جولة من جولات المفاوضات.
ونقلت الوكالة عن مصدر إيراني قوله إن الكرة باتت في ملعب الولايات المتحدة “للنظر في القضايا بمنظور واقعي”، مؤكدا أن “إيران ليست في عجلة من أمرها للتفاوض”.
وساطة باكستانية
في ظل هذا الانسداد السياسي، برز الموقف الباكستاني كمحاولة أخيرة لمنع انزلاق المنطقة نحو تصعيد ميداني جديد. إذ دعا وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار الطرفين إلى ضرورة التمسك بـ”اتفاق وقف إطلاق النار” رغم الفشل في بلوغ اتفاق نهائي، مشددا في بيان بثته وسائل الإعلام الرسمية على أن استمرار هذا الالتزام يعد أمراً “ضرورياً” في هذه المرحلة الحرجة.
إعلان
ورغم أن المحادثات التي استضافتها حكومته انتهت دون نتائج ملموسة صباح اليوم الأحد، فإن إسحاق دار أكد أن باكستان لن تتوقف عن دورها كجسر للتواصل، قائلا “سنواصل العمل في الأيام المقبلة لتسهيل التقارب والحوار بين واشنطن وطهران”.
وبموازاة هذه الجهود، كشفت تقارير صحفية عن عمق “الفجوة الإستراتيجية” التي واجهها الوسيط الباكستاني؛ حيث نقلت “أكسيوس” عن مصادر مطلعة أن العقدة لم تكن دبلوماسية فحسب، بل تمثلت في إصرار طهران على السيطرة على مضيق هرمز -الممر الملاحي الأهم عالميا- بالإضافة إلى رفضها التخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب.
ونقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين إيرانيين مطلعين على المحادثات القول إن واشنطن طالبت طهران بإعادة فتح مضيق هرمز فورا، لكن الوفد الإيراني رفض إعادة فتح المضيق من دون التوصل لاتفاق نهائي، تزامنا مع تأكيد مصدر مطلع لوكالة تسنيم الإيرانية على أنه لن يطرأ أي تغيير على الوضع في مضيق هرمز حتى توافق واشنطن على اتفاق معقول.
ولم تقف الضغوط عند حدود الدبلوماسية، إذ أعلنت القيادة المركزية الأمريكية عن تحرك ميداني لافت بعبور مدمرتين تابعتين للبحرية الأمريكية مزودتين بصواريخ موجهة للمضيق يوم السبت، في خطوة فُسرت على أنها استعراض للقوة وتأكيد على حرية الملاحة.
هذا التصعيد الميداني جعل من مهمة إسلام آباد في “تقريب وجهات النظر” تحدياً يصطدم بحسابات الأمن القومي والتحركات العسكرية المتسارعة، ليبقى الرهان الآن على قدرة الوساطة في الحفاظ على صمت المدافع بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة تحت ظل فوهات المدافع والمدمرات.
المصدر: أكسيوس + الجزيرة + وكالات
———————————-
هكذا أرادت واشنطن جلسة “رضوخ” إيران من أول جولة/ محمد البديوي
12 ابريل 2026
استغرقت المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في عام 2015 للوصول إلى اتفاق نووي نحو عامين، وصلت فيها الأمور أحياناً إلى مغادرة وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف المفاوضات قبل أن تستأنف مجدداً، غير أن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، أكبر مسؤول يشارك في التفاوض مع إيران منذ نحو 47 عاماً، استغرق أقل من 24 ساعة ليعلن فشل المفاوضات.
دخلت واشنطن مفاوضات السبت بالمنطق الذي دخلت الحرب من أجله، والمطالب خلال مدة الحرب، وهي الاستسلام التام، ورغم وجود سلاح جديد في يد إيران تصر على استخدامه في التفاوض، وهو مضيق هرمز الذي تشل به الاقتصاد العالمي، إلا أن واشنطن دخلت الحرب بمنطق الانتصار العسكري الذي يتطلب من الطرف الخاسر الرضوخ الكامل، وضرورة استجابة إيران لكل المطالب الأميركية دون أي تنازلات، رغم اختلاف المعطيات بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على طهران.
في كلمة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس المقتضبة التي أعلن فيها فشل المفاوضات، جملة مفتاحية تحدد المطلب الرئيسي لواشنطن، حيث قال: “نحن بحاجة إلى التزام قاطع بأن إيران لن تسعى لامتلاك سلاح نووي أو أدوات من تصنيع سلاح نووي بسرعة”، مضيفاً: “لقد اختاروا عدم قبول شروطنا”، ما يعني أن واشنطن ركزت على المطلب الرئيسي الذي كرره الرئيس دونالد ترامب قبل الحرب وفي أثنائها، وهو إنهاء تخصيب اليورانيوم بشكل كامل (صفر يورانيوم) والحصول على مخزون طهران من الوقود النووي الذي تقدر كميته بنحو 970 رطلًا.
وتعليقاً على أسباب فشل المفاوضات، عبّرت صحيفة نيويورك تايمز “عن استغراب” تصريح نائب الرئيس الأميركي الذي نصّ على ضرورة الحصول على التزام قاطع من الجانب الإيراني بعدم السعي لبناء سلاح نووي، في وقت قدمت فيه إيران هذا الالتزام عدة مرات، بما في ذلك التزامها الخطي بموجب الاتفاق النووي لعام 2015 الذي أبرمته إدارة أوباما ونقضه دونالد ترامب، مشيرة إلى أن إيران طرف بالفعل في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي يرتكز جوهرها على مبدأ السماح للدول بالحصول على التكنولوجيا النووية شرط التزامها عدم تصنيع أسلحة نووية، والسماح بإجراء عمليات التفتيش الدولية.
وسبق أن سارع الرئيس دونالد ترامب، بعد بضع ساعات من بدء الهدنة بين إيران والولايات المتحدة الأسبوع الماضي، بإعلان شروط التفاوض، وهي التي قال الجانب الإيراني إنه غير متفق عليها، لأن ترامب أعلن الهدنة بناءً على مقترحهم المكون من 10 نقاط، حيث كتب ترامب على منصة تروث سوشيال الأربعاء الماضي: “لن يكون هناك تخصيب لليورانيوم، كذلك فإن الولايات المتحدة ستعمل بالتعاون مع إيران لإزالة كل الغبار النووي المدفون في الأعماق واستخراجه”، قبل أن يذكر أنه بالفعل اتُّفق على نقاط عديدة في المقترح الأميركي المؤلف من 15 نقطة، الأمر الذي رفضه الجانب الإيراني، قائلًا إن أساس المفاوضات سيكون من مقترحنا.
ومهّد أيضاً وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث لمطلب الحصول على اليورانيوم المخصب الموجود في إيران في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء الماضي، حيث قال إن النظام الإيراني، بموجب شروط الاتفاق، سيتخلى عن أي مواد نووية كان يمتلكها أو يخطط لامتلاكها، وأشار إلى عملية مشابهة لـ”مطرقة منتصف الليل” للحصول على اليورانيوم المخصب إذا رفضت إيران تسليمه. وأضاف: “إما أن يسلموه لنا طواعية، كما حدد الرئيس، وإذا اضطررنا إلى فعل شيء آخر بأنفسنا، مثل عملية مطرقة منتصف الليل أو ما شابه، فإننا نحتفظ بهذا الخيار. لكن ما هو واضح، وما يعرفه النظام الإيراني الجديد، أنهم لن يمتلكوا سلاحاً نووياً أبداً، ولن يكون لديهم حتى مسار يؤدي إلى ذلك”، ما يعني أن واشنطن تسير في الطريق نفسه الذي سلكته قبل بدء الحرب بخصوص كيفية التفاوض مع إيران.
——————————-
بعد تعثر المفاوضات.. 3 سيناريوهات تحدد مستقبل صراع واشنطن وطهران
انتهت جولة المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة الباكستانية إسلام آباد دون اتفاق، بعد أكثر من 20 ساعة من النقاشات المكثفة، لتفتح الباب أمام مرحلة ضبابية من التصعيد أو التهدئة الهشة، وسط ما وصفته تقارير غربية بـ”الجمود الإستراتيجي”.
واتفقت تغطيات نيويورك تايمز وواشنطن بوست وتلغراف، بأن فشل هذه الجولة لم يكن مفاجئا، بل هو نتاج فجوة عميقة في مواقف الطرفين، خاصة بشأن البرنامج النووي الإيراني ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.
وقد قاد المفاوضات من الجانب الأميركي نائب الرئيس جي دي فانس، الذي أكد عقب انتهاء المحادثات أن بلاده لم تتمكن من تحقيق أي اختراق، قائلا: “لم نتمكن من الوصول إلى وضع تكون فيه إيران مستعدة لقبول شروطنا… كنا مرنين إلى حد كبير، لكن لم نحقق أي تقدم”.
وتتمثل أبرز نقاط الخلاف في إصرار واشنطن، بدعم من الرئيس دونالد ترمب، على إنهاء كامل للبرنامج النووي الإيراني، مقابل تمسك طهران بحقها في تخصيب اليورانيوم ورفضها التخلي عن قدراتها الإستراتيجية.
كما شملت الخلافات ملفات أخرى، من قبيل السيطرة على مضيق هرمز ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عل إيران والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة والتعويضات المرتبطة بالحرب، ناهيك عن طلب وقف إطلاق النار في لبنان.
وفي هذا السياق، ذكرت الصحيفة أن الولايات المتحدة قدمت عرضاً “خذ أو اترك”، بينما اختارت إيران رفضه، في موقف يعكس تشدداً متبادلاً، قائلة إن فشل المحادثات يطرح سؤالاً ملحاً: وماذا بعد؟
ترى الصحيفة أن إدارة ترامب باتت أمام خيارات “غير مستساغة”، تتراوح بين الدخول في مفاوضات طويلة ومعقدة والعودة إلى الحرب، أو محاولة إدارة الأزمة دون حل جذري.
إعلان
وتحذر الصحيفة من أن استئناف القتال قد يؤدي إلى تفاقم أزمة الطاقة العالمية، خاصة مع ارتباط النزاع بمضيق هرمز، الذي يمثل شرياناً حيوياً لإمدادات النفط.
وفي المقابل، أشارت واشنطن بوست إلى أن هذه الجولة مثلت أعلى مستوى من التواصل المباشر بين البلدين منذ عقود، لكنها انتهت دون أي تقدم ملموس، مع بقاء الباب مفتوحاً نظرياً أمام استئناف المحادثات.
أما صحيفة آي بيبر البريطانية فلفتت إلى أن وقف إطلاق النار لا يزال هشاً، في ظل استمرار التوترات الميدانية، مما قد يقوض أي فرصة لنجاح المسار الدبلوماسي.
ويبدو، حسب صحيفة يديعوت أحرنوت أن إسرائيل راضية عما اعتبرته عن صلابة في الموقف الأميركي، بل وتستعد لاستئناف القتال.
وذكرت الصحيفة أن ثمة تفاهما بين حكومة الإسرائيلية وواشنطن على الخطوط الحمراء في المفاوضات مع إيران ولذا فإنها لم تتفاجأ بموقف واشنطن، بل أعربت عن ارتياحها لتبني الأمريكيين نهجا يرى أن “تجنب الاتفاق أفضل من التوصل إلى اتفاق سيئ”.
لكن الصحيفة لفتت إلى أن بعض مستشاري ترمب ونائبه فانس لا يبدون حماسا كبيرا لاحتمالية عودة القتال لذا قد ينصحونه بمنح المفاوضات فرصة أخرى آملين أن يقنع الباكستانيون الإيرانيين بالمرونة.
ومع ذلك، فإن الصحيفة قالت إن الجيش الأمريكي يستعد لجميع الاحتمالات كما تستعد إسرائيل لاحتمال عودة سريعة إلى القتال.
واشارت إل أن من بين ما يطرح فرض حصار على إيران والعودة إلى القصف مع إسرائيل لاستهداف الطاقة والبنية التحتية الوطنية من أجل جعل إيران غير قادرة على إعادة البناء الاقتصادي وتسريع مسار انهيار النظام وخروج الشعب إلى الشوارع والعمل البري في مضيق هرمز واحتلال جزيرة خارك والعمل العسكري لإزالة اليورانيوم المخصب.
3 سيناريوهات
وفي ظل هذا المشهد المعقد حددت صحيفة تلغراف حددت 3 سيناريوهات رئيسية لما قد يحدث لاحقا:
أولا استئناف التفاوض تحت الضغط
قد يكون انسحاب الوفد الأميركي خطوة تكتيكية لدفع إيران إلى تقديم تنازلات لاحقة، لكن الصحيفة تحذر من أن هذا المسار قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة وتكرار حالة الجمود الحالية.
ثانيا العودة إلى التصعيد العسكري
ويشمل هذا السيناريو استئناف الحرب بشكل واسع أو تنفيذ عمليات محدودة، خصوصاً في مضيق هرمز، وتكمن المخاطر في أن هذا قد يسبب اضطراب أسواق الطاقة العالمية وارتفاع معدلات التضخم، ناهيك عن زيادة الضغوط السياسية داخليا على الإدارة الأميركية
ثالثا إنهاء الحرب دون اتفاق
قد يختار الرئيس الأميركي إنهاء العمليات العسكرية دون التوصل إلى اتفاق رسمي، وفقا للصحيفة، لكن هذا الخيار قد يُفسر على أنه تراجع أميركي سيترك القضايا الأساسية دون حل، وعلى رأسها الملف النووي.
ومن خلال هذه التقارير يتضح أن نتائج هذه الجولة تمخضت عن واقع معقد، فالولايات المتحدة لا ترغب في حرب طويلة ومكلفة، وإيران ترفض تقديم تنازلات جوهرية، وبين هذا وذاك، يبقى المشهد مفتوحاً على 3 احتمالات: تفاوض طويل، أو تصعيد خطير، أو تسوية هشة، في وقت تظل فيه المنطقة والعالم رهينين لتطورات هذا الملف، وفقا لتلغراف.
رؤية إيرانية
من جهته ذكر موقع عصر إيران أن وقف إطلاق النار الذي وافقت عليه إيران والولايات المتحدة مدته أسبوعان، لكن في ظل عدم التوصل إلى اتفاق من جهة، ورغبة إسرائيل في إشعال الحرب من جهة أخرى، فليس مستبعدا أن تبدأ الحرب قبل انتهاء مهلة الأسبوعين.
إعلان
ويتابع الموقع أنه في الوقت نفسه، يبدو أن الوسطاء الدوليين، ومنهم باكستان وتركيا، سيحاولون مرة أخرى دفع إيران والولايات المتحدة نحو اتفاق، وإذا نجحت هذه الجهود، فهناك احتمال لاستئناف المفاوضات، وإن كانت نتيجتها ما تزال غير واضحة من الآن.
وفي هذا السياق، قالت بعض المصادر الباكستانية -وفقا للموقع نفسه- إن ويتكوف وكوشنر ما زالا في باكستان، وإن إسلام آباد طلبت منهما، في غياب فانس، مواصلة التفاوض مع الإيرانيين، لكن بعد ساعات، وردت أنباء بأن الوفد الإيراني غادر باكستان أيضا، ولذلك لا توجد حاليا أي محادثات.
ويوضح موقع عصر إيران أن الطرفين يستخدمان في مسار التفاوض كل الأدوات، حتى القطيعة ووقف المفاوضات، من أجل مواصلة التفاوض، ولذلك فليس مستبعدا أن تستمر المحادثات بصيغة أخرى.
ومع ذلك، فإن الأجواء السائدة حاليا بين البلدين هي أجواء انعدام ثقة مطلق، وتبدو الحرب أقرب من السلام، يوضح الموقع.
المصدر: آي بيبر + تلغراف + نيويورك تايمز + واشنطن بوست
————————–
وول ستريت جورنال: لماذا فشل ترامب في تفكيك النظام الحاكم في إيران؟
نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا أعده توماس غروف وتيموثي دبليو. مارتن، تساءلا فيه عن السبب الذي فشلت فيه الولايات المتحدة بتفكيك النظام الإيراني. وقالا إن الرئيس دونالد ترامب ظل يردد ولفترة طويلة أن أيام النظام في طهران أصبحت معدودة، ووصلت ذروة تهديداته بموعده الذي وضعه ليلة الثلاثاء بأن الحضارة الإيرانية ستكون في خبر كان.
لكن النظام الإيراني صمد لأكثر من شهر، في وجه قصف متواصل من أقوى قوة عسكرية في العالم، قبل أن يتوصل إلى وقف إطلاق نار مع الولايات المتحدة، وهو ما قد يسمح لإيران في نهاية المطاف بالاحتفاظ بنفوذها على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وتساءلت الصحيفة قائلة إن قدرة إيران على المقاومة رغم الخسائر الفادحة في صفوف المدنيين واغتيال معظم قيادة النظام والأضرار الاقتصادية الجسيمة، تظهر مدى قدرة الأنظمة الاستبدادية على البقاء.
فعلى مدى عقود، طورت طهران مجموعة من الأدوات تشمل القمع السياسي واسع النطاق، والدعاية المتواصلة وأعلت عن أيديولوجية الاستشهاد، وبنت جهازا أمنيا قويا، وكلها تهدف إلى حماية الدولة من الأعداء في الداخل والخارج.
ونقلت الصحيفة عن نيكولاي كوزانوف، الخبير في الشؤون الإيرانية بجامعة قطر: “كانت الأولوية القصوى للدولة هي ضمان بقاء النظام. وهناك أسباب تجعل الحكومة والنخبة، وإلى حد ما الشعب، يتحدون في النهاية حول النظام”.
وأضافت الصحيفة أن إيران لا تختلف عن دول أخرى، مثل كوريا الشمالية وروسيا وكوبا. فكلها قادرة على تحمل الخسائر البشرية والمعاناة الاقتصادية، وهي آلام غالبا ما تتحملها شعوب هذه الدول. وعندما تنتفض هذه الشعوب، أثبت جنود النظام استعدادهم لاستخدام العنف المميت لقمع المعارضة.
ويناقش إدوارد هول، محاضر العلاقات الدولية في جامعة أكسفورد قائلا: “هناك قدرة أكبر على تحمل الألم لدى الأنظمة الاستبدادية، وذلك لأننا لا نرى سوى القليل من الأدلة على إعطائها الأولوية لاحتياجات شعوبها”.
فقد استخدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مزيجا من الخطاب المعادي للغرب والحوافز الاقتصادية الموجهة والقمع لمقاومة الضغوط الدولية الشديدة والعقوبات القاسية المفروضة على بلاده في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا. وقد ساعدت هذه التكتيكات بوتين على البقاء رغم الحرب المدمرة التي شلت الاقتصاد الروسي وأودت بحياة أو جرح مئات الآلاف من مواطنيه.
وفي نفس السياق، استمرت سلالة آل كيم في كوريا الشمالية لعقود من الزمن رغم أنها أخضعت شعبها لمجاعة جماعية وانتهاكات لحقوق الإنسان وتعتيم صارم على المعلومات، كل ذلك باسم معارضة الولايات المتحدة.
وقد قمعت إيران الاحتجاجات بعنف، وسجنت المعارضين، وروجت لرواية مفادها أن بلدها محاصر من قبل إسرائيل والولايات المتحدة.
والنتيجة هي محور من الدول المصممة على تحدي ما تصفه بالتهديد الذي يمثله نظام تقوده الولايات المتحدة.
وفي الواقع، إذا نجت القيادة الإيرانية من الحرب، وعززت قبضتها على السلطة في الداخل، فمن المرجح أن تخرج منها أكثر تصميما على تحدي الولايات المتحدة.
وبعد أن هدد ترامب هذا الأسبوع بضرب البنية التحتية المدنية، تجمع الإيرانيون في عدة محطات توليد طاقة وجسور، وهي الأهداف نفسها التي هدد ترامب بتدميرها، وفقا لمقاطع فيديو لوكالة أنباء إيرانية تحققت من صحتها “ستوريفول” المملوكة لشركة نيوز كورب، الشركة الأم لصحيفة “وول ستريت جورنال”.
ومع ذلك، فرغم قوة وتماسك الأنظمة الاستبدادية، إلا أنها تعاني من نقاط ضعف. فغياب الضوابط والتوازنات، وحرية الصحافة وأي منفذ حقيقي للمعارضة الشعبية، قد يحجب عن القادة المتشددين رؤية الانقسامات بين النخب أو تصاعد موجة المعارضة الشعبية التي قد تتحول إلى تهديد لسلطتهم.
وكشفت انتفاضات الربيع العربي في أوائل العقد الثاني من الألفية عن قدرة المتظاهرين على التنظيم بسرعة وفعالية أكبر ضد أجهزة الأمن التقليدية. وقد هزت الانتفاضات، وفي بعض الحالات، أطاحت بحكام مستبدين في أماكن مثل مصر وتونس وليبيا، وبعد أكثر من عقد من الاحتجاجات، انتهى نظام الأسد في سوريا.
وقد استفادت هذه الأنظمة من الانتفاضات العربية، حيث عززت روسيا وإيران وكوريا الشمالية أدوات قمعها وأصبحت أكثر براعة في قطع الإنترنت عن شعوبها، وقمع المعارضة السياسية ومعاقبة المعارضين السياسيين بشدة.
كما شنت روسيا حملة قمع سريعة ضد المتظاهرين الذين استخدموا الإنترنت لتنظيم مظاهرات ضد بوتين طوال العقد الثاني من الألفية. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، أحكم بوتين قبضته على السلطة بشكل أكبر.
وجرّم الكرملين أي معارضة للحرب، بل وسجن الناس لارتكابهم مخالفات بسيطة كوضع شعارات مناهضة للحرب على بطاقات أسعار السلع في المتاجر، وحظر منصات التواصل الاجتماعي مثل “واتساب” و”يوتيوب” و”فيسبوك”. كما حظر منظمة لأمهات وزوجات الجنود المفقودين الذين ضغطوا لمعرفة مصير ذويهم وانتقدوا الكرملين بسبب الحرب.
ومن جانب آخر، حشدت الدعاية الروس لدعم الصراع بتشبيه الحرب بهزيمة الاتحاد السوفياتي لألمانيا النازية. وتجري المدارس الروسية الآن تدريبات عسكرية لتلاميذها، وبدأت بإدراج دروس في الوطنية ضمن مناهجها. وقالت عالمة الاجتماع إيلينا كونيفا، مؤسسة وباحثة في مركز “إكستريم سكان” للأبحاث: “الرسالة هي أن روسيا تنتصر دائما”.
وفي بيلاروسيا، عقب انتفاضة عام 2020 التي اندلعت بسبب مزاعم تزوير الانتخابات الرئاسية، سجن الرئيس ألكسندر لوكاشينكو آلاف الأشخاص.
وقطعت كوريا الشمالية، إلى حد كبير الوصول غير المقيد إلى الإنترنت عن معظم سكانها، وشددت قبضتها على المحتوى الأجنبي المهرب، مثل موسيقى البوب الكورية الجنوبية. وفرضت عقوبة تصل إلى الإعدام لمن يمتلك أي منها أو يوزعها، وتهاجم آلة الدعاية الكورية الشمالية الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية باستمرار، بينما تشيد بعائلة كيم، وتشبههم بالآلهة. في الوقت نفسه، يقمع النظام أي شكل من مظاهر المعارضة. فعلى سبيل المثال، أنشأت كوريا الشمالية مجموعات مراقبة منزلية، تلزم أفرادها بعقد جلسات نقدية دورية لرصد أي معارضة، فيما ينتشر جواسيس النظام السريون في كل مكان عمل تقريبا.
وفي المقابل، يتزايد التنسيق بين الأنظمة لتبادل أدوات القمع. ففي زيارة قام بها قبل فترة إلى بيونغ يانغ، اتفق لوكاشينكو مع كيم على توقيع “معاهدة صداقة” بين بيلاروسيا وكوريا الشمالية. وقال لوكاشينكو إن البلدين بحاجة إلى التعاون “لحماية سيادتهما وتحسين رفاهية مواطنيهما”، في إشارة مبطنة إلى مقاومتهما المشتركة للضغوط الأمريكية وحلفاء واشنطن.
وخلال الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها البلاد هذا الشتاء، استخدمت إيران التكنولوجيا الروسية لتعزيز فعالية انقطاع الإنترنت دون التأثير على الخدمات الحكومية، كما قامت بتعطيل أقمار ستارلينك الصناعية التي توفر اتصالات حيوية للمتظاهرين على الأرض، وفقا لمحللين إقليميين. وأضافوا أن الكرملين أرسل أيضا مركبات مدرعة وأسلحة خفيفة لمساعدة الشرطة الإيرانية في قمع المظاهرات.
القدس العربي
=======================
تحديث 11 نيسان 2026
——————————–
حذرة متيقظة.. هكذا تعيش سوريا زمن الحرب/ عمر كوش
حاولت سوريا النأي بنفسها عن التصعيد الدائر في المنطقة منذ بدايته، فلم تتخذ موقفا مؤيدا أو معارضا للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران- والتي دخلت فترة هدنة لمدة أسبوعين- لكن حين استُهدفت دول الخليج والأردن من قبل إيران لم تتردد في إعلان تضامنها معها، وإدانة جميع الاعتداءات عليها، ومع ذلك بقيت في قلب الحدث، محاولة تحييد نفسها عن الصراع، وتجنب تأثير تداعياته عليها.
مع دخول الحرب شهرها الثاني قبل الهدنة، باتت سوريا تمثل نموذجا معقدا شاهدا على صعوبة الحياد السياسي، إذ يفرض موقعها الإستراتيجي في المنطقة، وتماسها مع بؤر توتر نشطة، تحديات كثيرة على وضعها الأمني والجيوسياسي، مما يجعلها ساحة لتقاطع مصالح أطراف إقليمية ودولية.
وهو الأمر الذي يظهر مدى حساسية موقفها، ويتطلب منها البحث عن سبل للحد من تأثيرات موقعها الجغرافي، عبر اتخاذ إجراءات لحماية حدودها، وإدارة علاقات متوازنة مع كل من العراق، ولبنان، وسائر دول الجوار، والتعامل بحكمة مع التهديدات العابرة للحدود.
مسارات سياسية
تركزت السياسة السورية الجديدة على مجموعة متشابكة من المسارات التي أرادت من خلالها إعادة تموضع الدولة ووظيفتها ودورها، حيث يبرز مسار إدماج سوريا في النظام الإقليمي في ظل الحرب الدائرة، وما تخلفه من تحديات وضغوط دولية وإقليمية عليها. إضافة إلى مسار تأكيد الاستقلالية والسيادة، وما يفرضه من مساعٍ لحماية الداخل.
ويبقى أن التصعيد المنفلت في المنطقة يفرض عليها بناء منظومة علاقات مع دول الجوار، وخاصة الأردن، ودول الخليج التي فرضت الهجمات الإيرانية عليها تحديات على مختلف المستويات السياسية، والأمنية، والاقتصادية.
تتقاطع مساعي سوريا في إعادة تموضعها الإقليمي- التي تضع استرارها ضمن منظومة عربية متكاملة- مع مساعي دول الخليج الهادفة إلى ضمان استقرارها والحد من التهديدات الخارجية، وعدم الانخراط في الصراع، وتوفير بيئة آمنة.
إعلان
لذلك تجد الحكومة السورية نفسها مدفوعة للعمل في نطاق إستراتيجي متحرك، تتمحور فيه الأولويات حول سبل توفير ممكنات حماية الأمن الإقليمي، الذي يضع استقرارها كجزء من استقرار دول الخليج، والأردن، والعراق، ولبنان.
وبالتالي، فإنها تأمل من هذا النهج أن يفتح أمامها إمكانية تقوية دورها السياسي، وإبراز أهميته في سياق معادلة إقليمية، تنهض على الاستقرار والانضباط الأمني، وتجنب الفوضى والانفلات.
التحدي الإسرائيلي
يفرض الموقع الجغرافي لسوريا البقاء في حالة تأهب دائمة، بالنظر إلى تواصل التوغلات والاعتداءات الإسرائيلية على المنطقة الحدودية، والدعم الإسرائيلي لجهات انفصالية محلية في السويداء، تسعى إلى تقويض وحدة الجغرافيا السورية. إضافة إلى محاولات تل أبيب وسواها دفع الإدارة السورية للتدخل في لبنان ضد حزب الله، وهو ما رفضته بشدة السلطات في دمشق.
تهدف حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية المتطرفة في ظل استمرار التصعيد في المنطقة، إلى جر سوريا للانخراط فيه؛ بغية نقل المعارك إلى داخل الأراضي السورية، خاصة بعد الاعتداءات الأخيرة على مواقع عسكرية في منطقة “إزرع” بريف محافظة درعا، بذريعة دعم دروز السويداء، ثم الاستهداف المتكرر للمدنيين في ريف محافظة القنيطرة، وقتلها عددا منهم.
تتركز غاية إسرائيل في ضرب الاستقرار السوري وتمزيق جسده، لذلك تمضي في مساعيها الهادفة إلى توسيع المنطقة العازلة في الجنوب السوري.
ولا تزال إسرائيل تمثل التحدي الأبرز والأخطر بالنسبة إلى الدولة السورية، ليس فقط، لأنها تواصل استهداف أراضيها وسيادتها، بل لأنها تمثل الهدف التالي لإسرائيل بعد أن تضع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أوزارها.
العلاقة مع لبنان
تشهد علاقات سوريا من دول المنطقة تحولات معقدة في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في نهاية فبراير/ شباط 2026.
وتسعى دمشق إلى بناء علاقات تهدف إلى دعم استقرارها، حيث قامت بتكثيف اتصالاتها مع دول الجوار، وخاصة مع الحكومتين اللبنانية، والعراقية، من أجل ضبط أمن حدودهما مع سوريا، والتأكيد على ضرورة العمل من أجل منع المجموعات الموالية لإيران من استهداف الأراضي السورية.
غير أن كلا من لبنان، والعراق يمثلان نموذجين لبلدين يعانيان من وجود مجموعات مسلحة لا تخضع لقرار الدولة، الأمر الذي يجعل خيارات كلتا الحكومتين محدودة، ويحصر حركتهما في مجال ضيق، تسعيان فيه إلى تحقيق توازن دقيق بين ضرورات داخلية وضغوط خارجية، عبر التحرك من أجل حصر السلاح بيد الدولة، والتحسب من عدم الوصول إلى مرحلة الصدام العسكري معها، تجنبا لمخاطر الانزلاق في حرب أهلية باهظة الثمن على الجميع.
وعلى الرغم من التصعيد الحاصل في المنطقة، فإن الحكومة السورية تفادت الانخراط في معارك مع “حزب الله”، وذلك بعكس البروباغندا الإعلامية التي أشيعت كثيرا حول تحضيرات الجيش السوري للدخول إلى لبنان؛ لدعم مساعي الحكومة الهادفة إلى نزع سلاح الحزب.
تضع دمشق في حساباتها تداعيات التصعيد الحاصل، الذي استجلب حربا إسرائيلية عدوانية على لبنان، لا تطال حزب الله فقط، بل اللبنانيين والدولة اللبنانية.
وتعي تماما دور الحرب الدائرة للترويج لمزاعم تدخل سوري في لبنان، بغية توظيفه من أجل إبقاء الداخل اللبناني أسير الانقسامات والاصطفافات الإقليمية، وبما يخدم أطراف الصراع ونفوذهم.
تاريخيا اتسمت علاقات سوريا مع لبنان بعدم التوازن، وتحولت في فترات عديدة إلى علاقة نفوذ وسيطرة، ولم ترتقِ إلى مصاف علاقة بين دولتين مكتملتي السيادة.
غير أن التحولات التي حصلت مؤخرا في سوريا، ولبنان، حملت معها نهاية الأسس التي حكمت طبيعة العلاقات السابقة بينهما، وجرت عملية إعادة بنائها على قاعدة الحوار والمصالح المتبادلة، الأمر الذي يتسق مع عملية إعادة تعريف الدور الإقليمي السوري في مرحلة ما بعد الاستقطاب الحاد.
لكن هذه العملية لا تزال غير محمية من المعوقات، وممكنات التعطيل، والالتفاف عليها، خاصة من طرف القوى غير الدولتية.
العلاقة مع العراق
أظهرت التطورات الأمنية في كل من لبنان، والعراق خلال الحرب الدائرة نمطا من الصراع المركب، عبر عن تحول عميق في طبيعة التصعيد في المنطقة، وانتقل فيه كل منهما من هامش الحرب إلى قلبها الميداني.
وفي ظل التصعيد الحاصل، لم يعد العراق بيئة يتم فيها تبادل الرسائل السياسية والعسكرية بين الولايات المتحدة، وإيران، بل تحول من مجرد ساحة لاحتواء التوتر إلى ميدان لإدارة الصراع، وألقى دخول العراق، في صدام متعدد المسارات، بظلاله على دول المنطقة.
منذ البداية، بذلت سوريا جهودا حثيثة من أجل ترميم العلاقات مع العراق، وتخفيف البرود الذي أصاب العلاقات البينية، وقدمت مقترحات لتعاون اقتصادي بين البلدين، وبناء أسس تنسيق أمني مع الحكومة العراقية، من أجل ضبط الحدود، وإعادة الروابط الطبيعية بين الدولتين.
وعكس ذلك حرص الحكومة السورية على القطع مع الإرث الذي كان يحكم العلاقة مع العراق، التي كانت تتميز بالتعقيد الأمني، وسيادة حالة تنافس إقليمي، إلى جانب تداخلات حدودية.
أعلنت الحكومة العراقية، منذ اليوم الأول للحرب، أنها ستلتزم الحياد بين طرفي الصراع، ورفضت استخدام أراضيها لانطلاق هجمات عسكرية إيرانية أو أمريكية.
بيد أن مجموعات موالية لإيران لم تلتزم بموقف الحكومة، واستهدفت بالصواريخ والمسيرات دول الخليج والأردن، ووصلت إلى الأراضي السورية، ومع ذلك لم ترد الحكومة السورية على الهجمات التي قامت بها هذه المجموعات.
أهمية الجغرافيا
برزت أهمية الموقع الجغرافي السوري من خلال الارتدادات والوقائع التي أفرزتها الحرب على إيران، حيث بدأ التعامل بجدية مع استخدامه، بغية حل جزء من أزمة الطاقة الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، من خلال البحث في إمكانية ضخ قسم كبير من الصادرات النفطية وغير النفطية عبر الأراضي السورية وموانئها إلى العالم.
ولم تتأخر الحكومة العراقية- وبالتنسيق مع سوريا- في تسيير صهاريج تنقل النفط العراقي إلى ميناء طرطوس.
وتزامن ذلك مع الشروع في إصلاح الأنابيب التي تربط بين كركوك العراقية والساحل السوري، والتي توقفت عام 2003، كما بدأ العمل من أجل تأهيل خط “التابلاين” القادم من السعودية، وجرت اتصالات مع الأردن لتعزيز المعبر البري، الذي يعرف باسم “كوريدور الشرق الأوسط”.
الحاصل هو أن التصعيد الجاري أظهر أهمية سوريا في الإقليم، وإمكانية أن يكون لها دور مستقبلي واعد، يتوقف نجاحه على مرونة السياسة التي تضعها الحكومة السورية، التي أعلنت القطع مع نهج سياسة المحاور، لتدير العلاقات مع الجوار والعالم على أسس المصالح المشتركة والسيادة المتبادلة، وبما يعكس إعادة تنظيم العلاقات الثنائية، ويستلزم وضوحا سياسيا، وإدراكا دقيقا لتعقيدات التعامل مع القوى الإقليمية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتب وباحث سوري
الجزيرة
——————————–
شبح عودة طهران إلى بلاد الشام/ أنس وهيب الكردي
السبت 2026/04/11
أما، وقد نجحت إيران، إلى الآن على الأقل، في دق إسفين بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وفشل الأخير في استخدام الباب اللبناني للضغط على التفاهمات التي قادتها باكستان بين واشنطن وطهران التي أفضت إلى وقف إطلاق النار، تدخل بلاد الشام مرحلة جديدة.
تعوّل إيران على شمول وقف إطلاق النار للبنان كي تستعيد جزءاً من نفوذها في بلاد الشام، وتعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية. إذا نجحت طهران في مساعها سنكون أمام، لوحة القوى التالية: في سوريا، تركيبة حاكمة جديدة بقيادة أحمد الشرع مدعومة من تركيا. في لبنان، يتعايش حزب الله بحذر مع الحكومة اللبنانية المدعومة من الدول العربية. في فلسطين، المشروع الإسرائيلي المدعوم غربياً. تدعّم إيران موقفها في بلاد الشام عبر وكلائها في العراق، والذين شاركوا في حملة القصف الإيرانية على دول المنطقة.
ومع أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران لم تنتهِ بعد، وأن رحى التفاوض بين إيران والولايات المتحدة لم تنطلق بقوة، إلا أن قلقاً عاماً انتشر في عواصم المنطقة وأبعد منها، خشية هجوم إيراني ارتدادي لاستعادة نفوذ طهران المدحور، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
جراء إيمانهم بانتصارهم في الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، قد يسعى الإيرانيون إلى تغيير المعادلات السياسية في العراق ولبنان. استئناف طهران مساعيها لإعادة نوري المالكي إلى حكم العراق، أمر محتمل وإن لم يكن مؤكداً، بالرغم من تداعياته على استقرار بلاد الرافدين والمنطقة. ولربما مضى الحكم الإيراني خطوة أبعد، ساعياً إلى تحويل العراق إلى دولة تابعة بالكامل، فارضاً عليها نظام حكم شبيه بذاك القائم في إيران. أما في لبنان، حيث نشأت التركيبة الجديدة على أنقاض الشيعية السياسية المدعومة إيرانياً، فعلى الأرجح أن يتحين الإيرانيون كل فرصة ممكنة لإسقاط حكومة نواف سلام أو على الأقل تعطيلها وشلّ تحركاتها، وابتزاز الدول العربية الداعمة لها.
وإذا ما اتّبع الإيرانيون تكتيكاتهم القديمة في استثمار عوامل القلق والصراع داخل المجتمعات العربية وطبقوها في سوريا، فلن يلبثوا أن يهزوا استقرار البلاد ويبثوا الفوضى داخلها، مستغلين شبكة علاقاتهم الواسعة التي بنوها خلال حقبة حكم آل الأسد، سواء كي يحيوا النفوذ الإيراني في البلاد أو ليبتزوا حكامها لإجبارهم على فتح مسارات تهريب السلاح بين العراق وحزب الله عبر الأراضي السورية.
وفي حال اختارت طهران هذا المسار المفضي إلى زعزعة استقرار بلاد الشام والعراق، فستضع المنطقة أمام معضلة كبرى. لم تستغل الدول العربية انهيار الحقبة الإيرانية في المشرق العربي كي تصفّي مراكز الثقل الشيعية، بل وعلى العكس زادت تلك الدول من احتضانها لحكومة محمد شياع السوداني في بغداد، وحافظت على دور زعيم حركة “أمل” نبيه بري عبر رئاسة البرلمان، وواصلت مسار التسوية مع جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) في اليمن. وما لم تتناغم الاستراتيجية الإيرانية مع الجهود السياسية العربية، فقد تحتدم المواجهات في بلاد الشام وبلاد الرافدين، اللتين دمرتهما سنوات من الصراعات المتداخلة والضارية.
إن إحياء الصراع الإقليمي لا يتطابق مع مصالح إيران التي تبدو في أمس الحاجة إلى بناء ما هدمته الحرب، وضمان إنهاء احتلال إسرائيل لجنوب لبنان، وعودة المهجرين. لربما لم ينحَز الإيرانيون إلى المنطق في هذه المسائل، أو لربما كان منطقهم الخاص، كما في السابق، بأن المواجهة الدائمة والمستمرة هي الطريق الأمثل لتحقيق المصالح الإيرانية.
من هنا يسود القلق في بعض الأوساط الإقليمية، ليس من رغبة إيران في استعادة نفوذها في بلاد الشام، بل من الاستراتيجيات والسياسات التي ستتبعها. تتسع حالة القلق لتشمل دولاً أوروبيةً، سواء من عودة النفوذ الإيراني إلى بلاد الأرز أو من احتمال توحيد إيران وروسيا جهودهما من أجل عودة مشتركة إلى بلاد الشام. عندئذ، سيهتز الاستقرار الاستراتيجي في المنطقة الذي أمكن ضبطه بشق الأنفس بعد سقوط نظام الأسد وتراجع النفوذ الروسي في سوريا. لقد سيّرت أنقرة العلاقات بين القوى الكبرى المعنية بسوريا بعد سقوط نظام الأسد، وتولت ضبط التوازنات الاستراتيجية حولها. ساهمت تركيا في خلق الظروف الملائمة لانسحاب القوات الأميركية من سوريا، بالتوازي مع رعايتها لمفاوضات سورية-روسية بهدف تنظيم الوجود الروسي العسكري على الأراضي السورية.
إن شبح عودة طهران إلى بلاد الشام، واحتمالات التعاون الروسي الإيراني حولها، قادا إلى نقلات توازنية عاجلة وخطوات تقارب بين سوريا، أوروبا، تركيا، أوكرانيا ودول الخليج. قبل أيام، رعا المسؤولون الأتراك تشكيل مثلث جيوسياسي جديد ضم تركيا إلى سوريا وأوكرانيا. بدورها، رفعت القيادة السورية مستوى انفتاحها على الدول الأوروبية من أجل مواجهة أي سيناريو إيراني في لبنان والشام، وطمأنت العواصم الأوروبية المتوجسة حيال الوجود الروسي العسكري في سوريا، كاشفةً عن حصره بقاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، تمهيداً لتحويلهما إلى مراكز لتدريب الجيش السوري. في هذا الصدد أيضاً، طرأ، مؤخراً، تحسن لافت في العلاقات السورية-الفرنسية، وصل ضفاف التنسيق العسكري بشأن الأوضاع التي يمر بها لبنان. يستهدف التعاون بين دمشق وباريس المتعاظم إسناد عهد الرئيس اللبناني جوازف عون الذي يواجه تحديات جمة. جاء هذا التحسن بعد انتكاسة علاقات البلدين على خلفية المواجهات بين السلطات السورية و”قوات سورية الديمقراطية” (قسد) الحليفة لفرنسا مطلع العام الجاري.
في المقابل، أتى رد الفعل الإسرائيلي على عودة إيران إلى بلاد الشام من بوابة وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه باكستان، هيسترياً لأبعد الحدود. أحبط نتنياهو وقف إطلاق النار في لبنان، وأمر جيش الاحتلال الإسرائيلي بشنّ المزيد من الهجمات الإبادية على الأنحاء اللبنانية.
وعلى الرغم من أن العودة الإيرانية إلى بلاد الشام لم تحصل بعد وأن احتمال تجدد الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران لا يزال قائماً، إلا أن تحركات القوى الإقليمية والدولية المواجهة توحي بأن تلك العودة ستواجه بعقبات وتحديات شتى، سواء أكان الهدف منها إحياء هيمنة طهران، أو زعرعة استقرار سوريا ولبنان ونشر الفوضى فيهما. ولن تؤدي محاولات إيران لإعادة تأسيس هيمنتها الإقليمية إلا إلى زيادة الغليان في الهلال الخصيب، الذي يخضع في عمقه العراقي للنفوذ الإيراني الراجح، وفي عمقه السوري للنفوذ التركي القوي، بينما يستمر التنافس بين القوى المختلفة حول النفوذ على الأراضي اللبنانية. بغض النظر عن تراجع قدراتها وقدرات وكلائها الإقليميين، تحديداً حزب الله، وعما سيضعه منافسيها من عقبات أمام طريقها، إلا أن المؤكد أن الشروط الموضوعية للهيمنة طهران على الهلال الخصيب قد زالت، وعلى رأسها وجود نظام حليف في دمشق وحصر المد التركي بعيداً عن عمق الأراضي السورية والعراقية، وردع إسرائيل خلف جبهتي جنوب لبنان والقنيطرة.
بعد عقدين من صراع استنزف أعمار شعوب المنطقة ودمر بلدانهم وأهلك موارد الشعب الإيراني، جالباً في النهاية الدمار على إيران نفسها، ربما يكون من الأفضل للإيرانيين أن يدمجوا نفوذ بلادهم ضمن المنطقة، ويساهموا في تحقيق الاستقرار في لبنان، العراق وسوريا كي يتفرغوا لإعادة إعمار ما هدمته الحروب داخل بلادهم.
يبقى هذا الأمر مجرد أمنية صعبة التحقق، في ضوء ما عوّدتنا عليه إيران الثورية، فكيف سيكون الحال في أعقاب سيطرة الحرس الثوري الكاملة على مقاليد الأمور في طهران؟
المدن
——————————–
حرب إيران بين الهدنة والسلام/ بشير البكر
11 ابريل 2026
هدنة مؤقتة، في مسار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وإعلان عن وقف إطلاق نار بين شدٍّ وجذب، بينما لا تزال أهداف واشنطن وتل أبيب معلقة، ولم يتحقق لهما إسقاط النظام، ومصادرة اليورانيوم المخصب، وتدمير البرنامج الصاروخي، والسيطرة على مضيق هرمز، وإنهاء تحكم طهران عن طريق وضع قواعد جديدة لهذا الممر المائي الحيوي للملاحة الدولية. والنتيجة المهمّة أن استراتيجية التدمير التي اتبعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تنجح في إنجاز ما كان يصبو إليه رغم الكلفة العالية، ولم يفلح في تركيع إيران وإعادتها إلى العصر الحجري، كما لوّح بهذا. وفي غضون ذلك، كانت خسائر إيران كبيرة على مستوى القيادات السياسية والعسكرية، وإلحاق قدر هائل من التدمير بالبنى العسكرية والاقتصادية والمرافق العامة.
ردّت إيران باستراتيجية الفوضى التي قامت على أساس رفع كلفة الحرب، ليس على أميركا وإسرائيل فقط، بل أيضاً على دول الخليج العربي، التي تلقت من الهجمات الإيرانية أكثر من إسرائيل. وهنا يمكن تسجيل أكثر من نقطة لصالح دول مجلس التعاون الخليجي، التي خرجت بدروسٍ كبيرةٍ من هذه الحرب التي أصابت أمنها بأضرار كبيرة، وألحقت بها خسائر اقتصادية فادحة. والأمران المهمان في هذه التجربة المريرة هما نجاحها في الدفاع عن نفسها بصدّ معظم الاعتداءات الإيرانية التي تعرّضت لها. وقدرتها على ضبط النفس وعدم الانجرار وراء المحاولات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية لجرّها إلى المشاركة في الحرب، وتحويلها إلى ساحة مواجهة. وما هو ضروري اليوم أن تحافظ دول المجلس على وحدة موقفها وصلابته، لتكون لها كلمة في المفاوضات الخاصّة بالمنطقة، من منظور الحفاظ على سيادتها وأمنها ومصالحها.
ومهما يكن من أمر، لا يبدو أن خسائر إيران قد وصلت إلى حافّة التهديد الوجودي للنظام، ولا تزال قادرة على تسويق خطابها التعبوي لدى الأذرع المناصرة والمنخرطة في الحرب، كما هو حال حزب الله في لبنان الذي يلحق خسائر كبيرة بشمال إسرائيل، ومليشيات الحشد الشعبي في العراق التي تقصف مناطق واسعة داخل العراق والأردن وسورية، والحوثيين في اليمن، الذين انضمّوا أخيراً للمجهود الحربي، ويعملون على تهديد أمن منطقة البحر الأحمر. وعلى هذا، لم تصل طهران للحظة التي بلغها زعيم الثورة الإسلامية آية الله الخميني عام 1988 عندما أعلن عن تجرع كأس السم، وأوقف الحرب مع العراق، وكان هدفه الرئيسي الحفاظ على النظام.
من الواضح أن حساب الربح أو الخسارة بالنسبة لإيران يتعلق بضمان بقاء النظام، وبدا من شبه المؤكّد أنها لن تقبل وقف الحرب قبل بلوغ لحظة التهديد الوجودي. ومن هذا المنطلق، ردّد ساستها رفضهم هذا الهدف الذي طرحته واشنطن وتل أبيب في بداية الحرب، ومن ثم تراجع على سلم الأولويات نظراً إلى كلفته العالية من جهة، ومن جهة أخرى تبين أن النظام الإيراني ليس بالهشاشة التي كانت تتصورها التقديرات الأميركية والإسرائيلية، بل يمتلك إمكانات كبيرة للدفاع عن نفسه، ولا تزال في حوزته أسلحة فتاكة، وفي يده أوراق عديدة مهمّة يستطيع من خلال لعبها تهديد الأمن الإقليمي، وإلحاق ضرر كبير بمصادر الطاقة وطرق الإمداد. وغير بعيد عن هذا، جاءت الوساطة الباكستانية لتشكل نقطة لقاء في منتصف الطريق، وخصوصاً أن الإدارات الأميركية المتعاقبة منذ وصول الثورة الإسلامية إلى الحكم عام 1979، لم يكن هدفها إسقاط النظام في إيران، بل تغيير سلوكه، ولكن واشنطن باتت على قناعةٍ بأن هذا لن يحصل قبل أن تقلع إيران عن مشروعها النووي، وتهديد إسرائيل بالدرجة الأولى، وهنا العقدة الرئيسية في تحويل الهدنة المؤقتة إلى سلام دائم.
العربي الجديد
—————————-
باكستان كوسيط صديق لأمريكا وعدو لإسرائيل/ وسام سعادة
قبل أقل من عام بقليل خرجت باكستان من مواجهة عسكرية لأربعة أيام مع الهند بانطباع يفيد بأنها كانت أسرع بديهة ولياقة في المواجهة مع جارتها اللدود. فبينما كانت الهند تشن عملية سندور انتقاما من مجزرة بهالغام التي اقترفها فرع من منظمة “عسكر طيبة” المرابطة في باكستان، باغتتها اسلام آباد باستهداف العمق الهندي في وقت قياسي، كما أظهرت المواجهة فعالية المقاتلات الصينية الصنع والمنظومات الدفاعية التي مكنت باكستان من إسقاط طائرات مسيرة ومقاتلات هندية، مما كسر التفوق العددي التقليدي للهند.
نجحت باكستان في تقديم نفسها قبل عام كطرف “متفاجئ”، لماذا تستهدفها الهند من بعد المجزرة المرتكبة في كشمير، وكطرف “مسؤول” يرد على النار بالنار ويدرج ذلك في خانة الدفاع عن النفس، ويسعى في الوقت نفسه لتوسط الأمريكيين لخفض درجة التصعيد بسرعة، وهذا ما حصل حين قبلت الهند تدخل دونالد ترامب، ما أفسح بالمجال أمام ما كانت ترفضه الأخيرة لسنوات طويلة: “تدويل” لمسألة كشمير.
عززت حرب الأيام الأربعة من مكانة الجنرال عاصم منير قائد الجيش. رُفع إلى رتبة مشير ومن ثم استحدث له منصب رئيس قوات الدفاع ما أوجب تعديلا للدستور، فتولاه إلى جانب قيادة الجيش، ما منحه سلطة مباشرة على القوات البحرية والجوية أيضاً. يحاول عاصم منير المواءمة بين علاقتي بلاده الوثيقتين مع كل من الصين وأمريكا، وفي علاقاته الإسلامية، بين روابط بلاده مع كل من تركيا والسعودية وإيران. هذا ما بات يعرف بـ”عقيدة منير”: تحويل باكستان من ساحة للتناقضات وصراعات إلى قوة صلبة ووسيط موثوق في خفض التوترات وحل النزاعات. تفترض عقيدة منير التحوط في الداخل الباكستاني، انطلاقا من هيمنة غير مباشرة للعسكر، وتفاهم مع آل شريف والرابطة الإسلامية في إطار الحفاظ على شكليات الديمقراطية الانتخابية والبرلمانية، ومع استمرار الحجر على عمران خان وحركته، مع ظهور منير بمظهر المحافظ دينيا، المتجهز لمواجهة تصاعد الغلو القومي الديني في الهند بحمية دينية إسلامية.
في زمن “عقيدة منير” لا يُفقه التحالف الهندي الإسرائيلي إلا كتحالف هجومي عسكري استخباري ديبلوماسي ضد باكستان. ويعتبر الباكستانيون أن هذا التحالف يسعى إلى عزل دولتهم، وبالتالي الرد يكون بتكثيف علاقاتها المتعددة والمتناقضة. في الوقت نفسه، تنظر باكستان الى نظام حركة طالبان في أفغانستان واستثارته للمسألة الإثنية الباشتونية في الداخل الباكستاني، كما تنظر إلى الدعم الهندي للمتمردين الانفصاليين البلوش، على أنهما ينذران بكماشة لا يمكن التهاون حيالها، لا بل يُنظر إلى دور لإسرائيل أنها شكلت غرفة عمليات مشتركة مع المتمردين البلوش لعرقلة الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.
وفي وقت سعت فيه الصين مؤخرا لوضع حد للحرب بين باكستان وطالبان، يأتي دور إسلام آباد الوسيط بين أمريكا وإيران ليحمل معه جملة دلالات: أولها أن الدولة التي تدخل على الخط لوقف تصاعد الحرب في الشرق الأوسط ليست دولة محايدة بين جميع أطراف النزاع.
هي دولة صديقة لأمريكا – ولو بأزمات عديدة منذ ربع قرن على خلفية هجمات 11 أيلول والخلاف حول الموقف في أفغانستان وحول كيفية مواجهة الإسلاميين في المنطقة الحدودية الباكستانية معها.
وهي دولة حليفة استراتيجيا للصين، في مواجهة الهند بالدرجة الأولى. باكستان هي التي لعبت دور الجسر عام 1971 لتسهيل التقارب بين الصين والولايات المتحدة؛ وكان الرد الهندي بالتدخل حينها لفرض استقلال بنغلاديش، وللتعجيل من ثم بامتلاك القنبلة النووية عام 1974.
أما علاقتها بإيران فتقلبت بين المراحل. لفترة طويلة، شعرت باكستان بالقلق من الاستثمارات الهندية في ميناء تشابهار الإيراني، معتبرة إياه محاولة هندية للالتفاف عليها والوصول إلى أفغانستان وآسيا الوسطى، مما يضعف الأهمية الاستراتيجية لميناء جوادر. وفي مطلع العام 2024 نفذ الحرس الثوري الإيراني هجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة داخل إقليم بلوشستان الباكستاني، لاستهداف مواقع لجماعة بلوشية إيرانية لها قواعد خلف الحدود، وردت باكستان بضربات جوية ضد جماعات انفصالية بلوشية باكستانية تعمل من داخل الأراضي الإيرانية، فنشطت الصين لاحتواء الأزمة، ومن بعدها شهدت العلاقات بين البلدين تحسنا، زاد من إلحاحه استفحال التحالف الهندي الإسرائيلي. بل أخذت باكستان تساعد إيران على التفلت من رزمة العقوبات الأمريكية والغربية. ومن حجج إسلام آباد أن هذا التعاون ضروري لتفادي تدفق ملايين اللاجئين من إيران إليها. تلتزم باكستان في المقابل بسقف لهذا التقارب مع إيران، وهو اتفاقية دفاعها الاستراتيجي مع السعودية (سبتمبر 2025)، وهي تنص على أن الهجوم على أحد الطرفين هجوم على الآخر. يبقى أنه، بالنسبة الى إسرائيل يعد تسرب التكنولوجيا النووية والعسكرية من باكستان أو من خلالها الى إيران هو الكابوس. فالبنية التحتية لتخصيب اليورانيوم الإيرانية استندت في بداياتها إلى تصاميم حصلت عليها طهران من شبكة العالم الباكستاني عبد القدير خان في التسعينيات، وتخشى إسرائيل استمرار هذا الدعم ولو بشكل موارب، كما تخشى من تعاون عسكري تستفيد فيه إيران من دقة الصواريخ الباليستية الباكستانية ذات الوقود الصلب. في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، لا يعتبر وصف القنبلة النووية الباكستانية بـ”القنبلة الإسلامية” مجازا. مع هذا فان باكستان هي التي تسعى اليوم لوقف الحرب. تحاول أن تثبت جدارتها كوسيط للسلام، في مقابل البث الهندي الإسرائيلي ضدها على أنها دولة عدوانية. تسعى باكستان لما من شأنه إحداث صدع في التحالف الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران هذا فيما تنظر إسرائيل إلى باكستان كخطر تسرب تكنولوجيا نووية وعسكرية بشكل عام إلى إيران، هذا من جهة، والقناة الوحيدة للضغط على إيران سياسيا، هذا من جهة ثانية. فباكستان لها دور متعدد الأبعاد في الشرق الأوسط: صديقة للولايات المتحدة، عدوة لإسرائيل، ليس من مصلحتها استفراد أمريكا وإسرائيل بإيران، وليست تقبل مع ذلك هجمات إيران ضد الدول العربية المجاورة.
٭ كاتب من لبنان
القدس العربي
——————–
كاتب بريطاني: مفاوضو ترامب الهواة سيواجهون صعوبة في إنقاذه من الإذلال
في تحليل بموقع آي بيبر البريطاني، لا تبدو الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد مواجهة جيوسياسية، بل لحظة اختبار حاسمة لهيبة الرئيس دونالد ترمب، حيث يتحول وقف إطلاق النار من إنجاز محتمل إلى محاولة لتفادي إحراج سياسي كبير.
ويذهب الكاتب بالموقع بول وود إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التوصل إلى اتفاق بقدر ما يكمن في “إنقاذ ترامب من الإذلال”، في ظل اعتماد الإدارة على فريق تفاوض يفتقر إلى الخبرة مقارنة بنظرائه الإيرانيين.
ويختصر وود جوهر المأزق بسؤال محوري: “هل ستسمح إيران لترمب بالحفاظ على ماء وجهه؟”
التحليل يرسم صورة لفريق أمريكي غير تقليدي يضم صهر ترمب جاريد كوشنير ومبعوثه الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف ونائبه جي دي فانس في مواجهة مفاوضين إيرانيين “مهرة ومتمرسين”، على حد تعبير الكاتب.
ويرى وود أن هذا التفاوت بين الوفدين من حيث الخبرة يعزز فكرة أن المفاوضات قد تتحول إلى اختبار قاسٍ للجانب الأمريكي، خصوصا مع تقارير تشير إلى أن معرفة ويتكوف بالملف النووي “محدودة”، بل وصفها البعض بأنها “سطحية”.
ويشير الكاتب إلى أن التصعيد نفسه ربما لم يكن نتيجة حسابات دقيقة، بل سوء فهم في جولات التفاوض السابقة، الأمر الذي يفتح الباب أمام فرضية خطيرة مفادها أن الحرب ربما اندلعت جزئيًا بسبب خلل في الفهم التفاوضي.
و في هذا السياق، يظهر ترمب في روايته وهو يهدد إيران ويتوعد المفاوضين قبل تنفيذ ضربة عسكرية دمرت أحد اهم الجسور في إيران، وهو ما ينم عن اتباع أسلوب قائم على الاستعراض والضغط أكثر منه على الدبلوماسية التقليدية، وفقا للكاتب.
كما يسلط التحليل الضوء على تضارب المصالح، خاصة في حالة كوشنر، الذي يرتبط بعلاقات مالية مع دول خليجية لها مصلحة مباشرة في مسار الصراع، مما يطرح تساؤلا ضمنيا حول من يؤثر فعليًا في القرار الأمريكي؟
إعلان
في المقابل، يبرز فانس، الجندي السابق في مشاة البحرية الأمريكية الذي خدم في العراق، كشخصية لديها دافع مختلف، إذ سبق أن عبّر عن رفض “الحروب الدائمة”، مما يجعل نجاحه في التوصل لاتفاق فرصة سياسية، وفشله عبئا مضاعفا.
فإذا تمكن من إحلال السلام مع إيران، فقد يُمهد ذلك الطريق أمام ترشحه للرئاسة عام 2028، وهكذا، تصبح المفاوضات، وفقا للكاتب، ساحة تتقاطع فيها الحسابات الشخصية مع المصالح الاستراتيجية.
ويعلق الكاتب على الخطتين المقدمتين من كلا الطرفين، قائلا إن الفجوة بينهما تبدو عميقة، فواشنطن تطالب بوقف كامل للتخصيب وتفكيك البرنامج النووي، بينما تصر طهران على “حقها السيادي” وتطالب برفع العقوبات وضمانات أمنية، وبين هذين الموقفين، يبدو الوصول إلى اتفاق شامل أمرا صعبا خلال مهلة قصيرة.
ويرى التحليل أن القوة العسكرية الأمريكية لم تُترجم إلى تفوق سياسي، وأنه “يمكنك أن تربح كل المعارك ومع ذلك تخسر الحرب”، لذلك، لم يعد الهدف تحقيق نصر واضح، بل تجنب هزيمة معنوية، في مفاوضات قد تحدد ليس فقط مستقبل الصراع، بل أيضا صورة القيادة الأمريكية نفسها، وفقا للكاتب.
المصدر: آي بيبر
——————————–
ما الذي تريده أطراف مفاوضات باكستان؟
إيران: وقف النار في لبنان وإنهاء العقوبات وتخصيب اليورانيوم والسيطرة على “هرمز” وأميركا وإسرائيل: تقليص قدرات طهران الصاروخية
السبت 11 أبريل 2026
تريد إيران انسحاب القوات الأميركية المقاتلة من المنطقة ووقف الحرب على جميع الجبهات والالتزام بعدم الاعتداء. وتعهد ترمب بالإبقاء على الأصول العسكرية في الشرق الأوسط حتى التوصل إلى اتفاق سلام، وحذر من تصعيد كبير في القتال إذا لم تذعن إيران.
اجتمع كبار المسؤولين الأميركيين والإيرانيين في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، اليوم السبت لإجراء محادثات تهدف إلى إنهاء الصراع بينهما، والذي أودى بحياة الآلاف وأثر سلباً في إمدادات الطاقة وأضر بالاقتصاد العالمي.
في ما يلي القضايا الرئيسة التي من المتوقع أن يناقشها الجانبان، مع إصرار طهران على أن المحادثات الرسمية لا يمكن أن تبدأ إلا بعدما تقدم واشنطن تعهدات بوقف إطلاق النار في لبنان ورفع العقوبات عن إيران:
– تريد إيران وقفاً لإطلاق النار في لبنان، حيث أسفرت الهجمات الإسرائيلية على مقاتلي جماعة “حزب الله” المدعومة من إيران عن مقتل ما يقرب من 2000 منذ بدء القتال في مارس (آذار) الماضي. وتقول إسرائيل والولايات المتحدة إن وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن لا يشمل الحملة في لبنان، بينما تصر إيران على أنها مشمولة.
– تريد إيران من الولايات المتحدة رفع الحظر عن الأصول الإيرانية وإنهاء العقوبات التي تشل اقتصادها منذ أعوام. وأشارت واشنطن إلى أنها منفتحة على تخفيف كبير للعقوبات لكن فقط مقابل تنازلات من طهران في شأن برامجها النووية والصاروخية.
– تريد إيران الاعتراف بسلطتها على مضيق هرمز، إذ تهدف إلى تحصيل رسوم عبور والسيطرة على الوصول إليه، وهو ما سيشكل تحولاً هائلاً في ميزان القوى بالمنطقة. وتريد الولايات المتحدة فتحه أمام ناقلات النفط وما إلى ذلك من حركة المرور من دون أية قيود بما في ذلك الرسوم.
– من المتوقع أن تطالب إيران بتعويض عن جميع الأضرار التي لحقت بها خلال الحرب التي استمرت ستة أسابيع، ولم تعلق الولايات المتحدة على هذا الأمر.
– تريد إيران السماح لها بتخصيب اليورانيوم، وهو ما استبعدته واشنطن، ويصر الرئيس دونالد ترمب على أنه أمر غير قابل للتفاوض.
– تريد كل من إسرائيل والولايات المتحدة تقليص قدرات إيران الصاروخية بصورة كبيرة، وتقول طهران إن ترسانتها الصاروخية الكبيرة غير قابلة للتفاوض.
– تريد إيران انسحاب القوات الأميركية المقاتلة من المنطقة ووقف الحرب على جميع الجبهات والالتزام بعدم الاعتداء. وتعهد ترمب بالإبقاء على الأصول العسكرية في الشرق الأوسط حتى التوصل إلى اتفاق سلام، وحذر من تصعيد كبير في القتال إذا لم تذعن إيران.
—————————-
بدء المفاوضات الإيرانية الأميركية في إسلام أباد بلقاء شريف وفانس/ صبغة الله صابر و صابر غل عنبري
11 ابريل 2026
أعلن مكتب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أنه اجتمع مع نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس في إسلام أباد السبت، مشيراً إلى أن محادثات السلام الرامية لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط “بدأت”. وجاء في البيان “مع بدء محادثات إسلام أباد اليوم، عقد رئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف اجتماعاً مع نائب رئيس الولايات المتحدة الأميركية جاي دي فانس”. وأضاف البيان أن “رئيس الوزراء شدد على تطلع باكستان إلى مواصلة العمل على تسهيل إحراز الطرفين تقدماً نحو تحقيق سلام دائم في المنطقة”.
وقبل بدء المحادثات، أعلن التلفزيون الإيراني أن الوفد الإيراني، سيلتقي، مع شهباز شريف، وسيبحث مع الجانب الباكستاني “نكوث الطرف الأميركي بتعهداته” وفق اتفاق وقف إطلاق النار وكذلك مبادئ المفاوضات وأطرها. ويأتي ذلك قبيل المفاوضات مع الجانب الأميركي. وأكدت وكالة فارس أن الطرف الإيراني بعد لقاء اليوم مع شريف، واللقاء أمس، الذي جمع الوفدين الإيراني والأميركي مع قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، وهو إحدى الشخصيات النافذة في البلاد، سيقرر ما إذا كان سيشارك في مفاوضات مساء اليوم مع الجانب الأميركي أم لا.
من جانبها، ذكرت وكالة “تسنيم” الإيرانية بأن لقاء ثانياً سيجمع الوفد الإيراني وقائد الجيش الباكستاني قبل اللقاء مع رئيس الوزراء شهباز شريف.
وفي السياق، أكد مصدر إيراني رفيع لوكالة رويترز أنّ الولايات المتحدة وافقت على الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة موجودة في قطر وبنوك أجنبية أخرى، لكنه أشار إلى أن الإفراج عن الأصول “مرتبط أيضاً بشكل مباشر بضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز قبل أي اتفاق سلام دائم”. غير أنّ مسؤولاً أميركياً في البيت الأبيض نفى، بحسب “رويترز”، صحة هذه التقارير.
وقبل ذلك، أكد مصدر باكستاني رفيع لـ”العربي الجديد”، أن المسؤولين في الخارجية يحاولون إقناع الوفد الإيراني بالتخلي عن الشروط المسبقة، والانخراط في المفاوضات بروح جديدة، إلا أن الأخير ما زال يصر على إعلان الوفد الأميركي العمل بجميع نقاط وقف إطلاق النار المؤقت قبل الانخراط في المفاوضات. وذكر المصدر أن المسؤولين الباكستانيين طلبوا من الوفد الإيراني أن ينخرط في المفاوضات دون شروط مسبقة، وأن تُناقَش كل الأمور على طاولة الحوار، موضحاً أن هناك إشارات إيجابية من الجانب الإيراني.
وأشار المصدر إلى أن المفاوضات ستنطلق اليوم من خلال اجتماع الوفدين بالمسؤولين الباكستانيين، ومناقشة المسودة، ثم في المرحلة الثانية والحساسة، سيجتمع الوفد الأميركي بالوفد الإيراني بحضور المسؤولين الباكستانيين، وهم: رئيس الوزراء شهباز شريف، ووزير الخارجية إسحق دار، وقائد الجيش المشير عاصم منير، مع بعض مساعديهم.
وفي سياق متصل، أكد رئيس الوزراء الباكستاني أن حكومته تبذل جهدها من أجل أن تتكلل مفاوضات اليوم بين وفدي أميركا وإيران بالنجاح، وأن تأتي بخير وأمن للمنطقة، لافتاً إلى أن ما على باكستان هو بذل الجهود والمساعي، إلا أن النتائج ليست بيدها، وبالتالي لا يمكن الحديث الآن عن نتائج المفاوضات.
وذكر شريف، في كلمة للباكستانيين، أن حكومته بذلت جهدها خلال الأسابيع الماضية، من خلال التواصل مع طرفي النزاع، وتبادل وجهات النظر مع المسؤولين في الدول المختلفة، وتمكنت بفضل تلك الجهود وبعون الله، من وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، مشيراً إلى أن بلاده واصلت جهودها في هذا الصدد، والنتيجة اليوم أمامنا، حيث وصل الوفدان إلى إسلام أباد، وهناك ترقب بشأن المستقبل، لكننا لا نعلم شيئاً عنه. وأكد أنه أياً تكن النتائج، فإن بلاده ستحاول ألا يتحول الصراع إلى حرب شاملة تدفع ثمنها المنطقة بأسرها.
وأشار شريف إلى أن الوصول إلى هذا الحد لم يكن أمراً سهلاً، بل كانت أمامه عقبات كبيرة وكثيرة، لكن القيادة الباكستانية تعاملت مع القضية بكل روية ودقة وهدوء، حتى تمكنت من إقناع الطرفين بوقف إطلاق النار وبدء المفاوضات المباشرة. إلى ذلك، أشاد شريف بدور وزير الخارجية محمد إسحق دار وفريقه، من أجل الوصول إلى هذه الإنجازات الكبيرة، موضحاً أن دار عمل ليلاً ونهاراً مع دبلوماسيين آخرين، فضلاً عن الدور الهادئ والريادي لقائد الجيش المشير عاصم منير، الذي أبعد، على حد قوله، الحرب عن المنطقة، وأنجز ما ستذكره الأجيال في المستقبل، معتبراً أعمال قائد الجيش ومساعيه مفخرة لباكستان.
وفي الختام، شكر شريف كلاً من الحكومتين، الأميركية والإيرانية، على قبول وساطة بلاده، وتلبيتهما لدعوة وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، مشدداً على أنه في المستقبل، ومن أجل وصول هذه الجهود إلى بر الأمان، لا بد من إظهار مرونة من قبل الطرفين.
العربي الجديد
—————————–
=======================
تحديث 10 نيسان 2026
——————————–
سوريا بعد الحرب.. عودة إلى خريطة الطاقة والنفوذ في الإقليم/ صهيب جوهر
2026.04.10
لم يكن التحول الذي شهدته المنطقة مع اندلاع الحرب الإقليمية الأخيرة مجرد تبدل في موازين القوى العسكرية، بل مثّل لحظة كاشفة أعادت ترتيب الأولويات الاقتصادية والجيوسياسية في الشرق الأوسط. فمع اهتزاز أمن الملاحة في مضيق هرمز، لم يعد السؤال محصوراً بمن يسيطر على البحر، بل بمن يملك بديلاً عنه. في هذه اللحظة تحديداً، عادت سوريا إلى الواجهة، ليس كطرف فاعل في الحرب، بل كحل جغرافي كان مهمشاً، ثم فُرضت الحاجة إليه.
هذا التحول لم يكن نتيجة قرار سياسي سوري بقدر ما كان استجابة طبيعية لواقع جغرافي ظل قائماً طوال الوقت، لكنه بقي معطلاً بفعل الحرب والانقسام. ومع تغير البيئة الإقليمية، بدأ هذا الموقع يُقرأ مجدداً بوصفه نقطة ارتكاز محتملة لإعادة تشكيل مسارات الطاقة والتجارة.
إحياء الجغرافيا المؤجلة
واحدة من أكثر المؤشرات دلالة على هذا التحول تمثلت في عودة الحديث عن سكة الحديد الحجازية، ليس كرمز تاريخي، بل كجزء من تصور جديد لربط المنطقة. المشروع الذي تعمل عليه تركيا لمد شبكتها الحديدية نحو حلب لا يمكن قراءته كخط نقل معزول، بل كمدخل لإعادة وصل الشمال السوري بالعمق التركي، ومنه إلى أوروبا.
المفارقة أن هذا الخط، الذي ظل لعقود جزءاً من الذاكرة أكثر منه من الاقتصاد، يُعاد اليوم طرحه ضمن منظومة لوجستية حديثة، تتجاوز النقل التقليدي إلى إعادة تشكيل مسارات التجارة. فوجود خط قائم بين حلب ودمشق، وإمكانية ربطه مستقبلاً بالحدود الأردنية والعراقية، يعني عملياً إعادة إحياء شبكة نقل إقليمية عابرة للحدود، كانت الحرب قد قطّعتها.
هذا الإحياء لا ينفصل عن رؤية أوسع تعتبر أن سوريا، بحكم موقعها، ليست مجرد دولة عبور، بل عقدة وصل تاريخية بين الشرق والغرب، وهو ما يجعل الاستثمار في بنيتها التحتية للنقل جزءاً من مشروع إقليمي يتجاوزها.
من البحر إلى البر.. كيف فرضت الحرب منطق الممرات البديلة؟
التحول الأهم الذي أفرزته الحرب لم يكن في الجبهات، بل في سلاسل الإمداد. فإغلاق أو تهديد مضيق هرمز كشف هشاشة الاعتماد على المسارات البحرية، ودفع القوى المعنية بالطاقة إلى البحث عن بدائل برية. في هذا السياق، برزت سوريا كأحد الخيارات القليلة القادرة نظرياً على تأمين هذا التحول.
هذا الإدراك لم يبقَ في إطار التحليل، بل بدأ يترجم بخطوات عملية، أبرزها نقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية باتجاه المتوسط، ولو بشكل محدود. هذه الخطوة، رغم بساطتها، تحمل دلالة استراتيجية واضحة، المسار السوري لم يعد فكرة، بل أصبح خياراً يُختبر.
وبالتوازي، عاد الحديث عن إعادة تأهيل خط كركوك–بانياس، ورفع قدرته الاستيعابية، إلى جانب طرح مشاريع جديدة لربط العراق بالموانئ السورية عبر أنابيب حديثة، ما يمنح بغداد خيارات تصدير إضافية، ويمنح دمشق مورداً مالياً عبر رسوم العبور.
ما يميّز الطرح الجديد لدور سوريا هو أنه لا يقتصر على النفط، بل يتسع ليشمل منظومة طاقة متكاملة. فالمشاريع التي يجري تداولها تشمل إعادة إحياء خطوط الغاز القديمة، وعلى رأسها مشروع نقل الغاز من الخليج عبر السعودية والأردن وسوريا نحو تركيا وأوروبا، وهو مشروع يعود إلى عام 2008 لكنه يستعيد زخماً جديداً.
إلى جانب ذلك، تظهر أفكار أكثر تقدماً تتعلق بنقل الهيدروجين، في إطار التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، ما يضع سوريا، نظرياً، في قلب شبكات الطاقة المستقبلية، وليس فقط التقليدية.
الأهمية هنا لا تكمن فقط في نوع الطاقة، بل في طبيعة المسار نفسه، الذي يعيد الاعتبار للممرات البرية كبديل جزئي عن النقل البحري، خاصة في ظل التحديات التي كشفتها الحرب.
سوريا كممر لوجستي شامل: من الطاقة إلى الغذاء
التحول في التفكير لا يقتصر على الطاقة، بل يمتد إلى سلاسل الإمداد بشكل عام. فإحدى الأفكار التي يجري تداولها تتمثل في إنشاء ممرات سريعة لنقل الغذاء بين الخليج وسوريا، عبر سكك حديدية حديثة، تتيح نقل السلع خلال ساعات بدلاً من أيام.
هذا الطرح يعكس إدراكاً أوسع لهشاشة النظام التجاري العالمي القائم على الشحن البحري، ويضع سوريا ضمن تصور جديد لممرات متعددة الوظائف، تجمع بين الطاقة والتجارة والغذاء، في شبكة واحدة.
ضمن هذا السياق، يتبلور تصور إقليمي يقوم على توزيع الأدوار بين ثلاث دول. فالعراق، الذي يمتلك فائضاً نفطياً كبيراً، يحتاج إلى منافذ تصدير بديلة، في حين توفر سوريا المسار الجغرافي الأقصر نحو المتوسط، بينما يمكن للبنان أن يشكل امتداداً لوجستياً عبر مرافئه وخدماته.
هذا التكامل، إذا تحقق، لا يعيد فقط رسم مسارات الطاقة، بل يعيد تعريف دور شرق المتوسط كمنطقة عبور، بدلاً من كونه ساحة صراع. كما أنه يمنح الدول الثلاث فرصة للاستفادة من موقعها الجغرافي بطريقة مختلفة، قائمة على التكامل لا التنافس.
سوريا.. الاستثمار في الموقع
الرهان الأساسي في هذا التحول يقوم على تحويل الموقع الجغرافي إلى مورد اقتصادي مباشر. فمرور خطوط النفط والغاز عبر سوريا يعني تحقيق إيرادات من رسوم العبور، إضافة إلى جذب استثمارات في البنية التحتية، من موانئ وطرق وسكك حديدية.
كما أن تطوير موانئ طرطوس واللاذقية وتحويلها إلى مراكز ترانزيت إقليمية يمكن أن يعيد إدماج سوريا في حركة التجارة العالمية، ويمنحها دوراً يتجاوز حدودها.
لكن هذا التحول يتطلب بنية تحتية حديثة، وشبكات نقل متكاملة، وقدرة على إدارة تدفقات كبيرة من البضائع والطاقة، وهي عناصر لا تزال بحاجة إلى إعادة بناء بعد سنوات من الحرب.
رغم كل ما سبق، يبقى هذا المسار مشروطاً بعوامل سياسية وأمنية معقدة. فالعقوبات الدولية لا تزال تشكل عائقاً أمام الاستثمار، كما أن تعدد مناطق النفوذ داخل سوريا يجعل من الصعب تنفيذ مشاريع كبيرة دون تفاهمات إقليمية ودولية.
إلى جانب ذلك، فإن أي تحول لسوريا إلى ممر طاقة سيبقى مرتبطاً بتوازنات حساسة، تشمل مصالح دول كبرى وإقليمية، ما يعني أن الاقتصاد وحده لا يكفي لدفع هذا المسار.
ما أفرزته الحرب حتى الآن لا يمكن اختصاره بتحول كامل في دور سوريا، بل هو إعادة إدراج لها في المعادلة. فالجغرافيا التي تم تهميشها عادت لتفرض نفسها، لكن تحويلها إلى واقع اقتصادي يحتاج إلى ما هو أكثر من الموقع.
سوريا اليوم تقف عند تقاطع مسارين، إما أن تبقى ممراً نظرياً تُطرح حوله المشاريع، أو أن تتحول فعلياً إلى عقدة إقليمية للطاقة والتجارة. الفارق بين المسارين لن تحدده الجغرافيا، بل السياسة.
لكن المؤكد أن ما تغيّر بالفعل هو أن سوريا لم تعد خارج الحسابات، وهذه هي البداية.
تلفزيون سوريا
—————————
اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران… دوافعه واحتمالات نجاحه
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
09 ابريل 2026
بعد مواجهات عسكرية استمرت 40 يوماً، وكادت تتسبب في حرب إقليمية أوسع نطاقاً، وأزمة طاقة عالمية كبرى، أعلن الجانبان الأميركي والإيراني، في 8 إبريل/ نيسان 2026، التوصّل إلى اتفاق هدنة، توسطت فيه باكستان، وتضمّن تعليق الأعمال القتالية مدة أسبوعين، والبدء في مفاوضات، في إسلام أباد، تنطلق في 10 إبريل 2026، من أجل التوصل إلى اتفاق يحقق وقفاً دائماً للحرب. وجاء اتفاق الهدنة قبل ساعتين فقط من انقضاء مهلةٍ حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفتح مضيق هرمز قبل ضرب محطات الطاقة والجسور وغيرها من منشآت البنية التحتية الإيرانية. ولم تتضح بعدُ تفاصيل الاتفاق الذي جرى التوصل إليه بين الجانبين لوقف الأعمال القتالية، في خضمّ روايات متضاربة بينهما، خصوصاً بشأن وضع مضيق هرمز، وإذا ما كانت الهدنة تشمل وقف الحرب في لبنان، وسط مزاعم كل طرف بتحقيق انتصار كبير ليبرر موافقته على الهدنة.
سياقات الهدنة ودوافعها
بعد نحو ستة أسابيع على انطلاق الحرب التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران بغرض إخضاعها أو إسقاط نظامها، بدا واضحاً للرئيس ترامب أن الحرب التي بدأها وفق حسابات روّجتها إسرائيل، ومفادها بأن القضاء على القيادة السياسية والأمنية والعسكرية الإيرانية سيفتح الباب أمام ثورة شعبية تؤدي إلى انهيار النظام، أو على الأقل إخضاع ما تبقّى منه، جاءت بنتائج عكسية؛ إذ تبوأت السلطة في إيران قيادة أكثر تشدّداً. وهذا يعني أن العملية العسكرية التي كان يُفترض أن تكون قصيرة وسريعة وحاسمة سوف تطول، مع تداعيات سياسية واقتصادية كبيرة، نجمت، على نحو رئيس، عن إغلاق إيران مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة في الولايات المتحدة في وقت ستشهد فيه انتخابات نصفية مهمة.
وفي محاولة لكسر الجمود الذي سيطر على المسار السياسي، نتيجة استمرار إيران في رفض شروط الاستسلام لوقف الحرب، رغم استمرار الضغط العسكري، لجأ ترامب إلى التصعيد، فأطلق في 21 مارس/ آذار 2026 إنذاراً مؤدّاه أن الولايات المتحدة ستقوم بـ “ضرب وتدمير” محطات الطاقة الإيرانية “بدءاً من أكبرها”، إذا لم تُعِد إيران فتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة.
لكنّه، وبضغط من حلفاء إقليميين، تراجع قبل ساعات من انقضاء المهلة في 23 مارس، معلناً تأجيل تنفيذ ضربات أميركية محتملة ضد محطات الطاقة الإيرانية مدة خمسة أيام. وعزا تمديد المهلة إلى محادثات “جيدة وبنّاءة” أجرتها واشنطن مع طهران، زاعمًا توصّل الطرفين إلى اتفاق على 15 نقطة، وتفضيله ترتيباتٍ مشتركةً لإدارة مضيق هرمز بين الولايات المتحدة وإيران، نفتها الأخيرة. ثمّ عاد ومدّد المهلة مرتين بعد ذلك، إلى 6 إبريل في الأولى، ثم إلى الساعة الثامنة مساء من 8 إبريل، بتوقيت واشنطن. وفي الأثناء، أخذ يطلق تهديدات تضمّنت شتائم يطالب فيها إيران بفتح المضيق، ويتوعد بتدمير الحضارة الإيرانية وإعادتها إلى العصر الحجري إذا لم تفعل ذلك. وتزامناً مع هذا، كانت الولايات المتحدة تحشد مزيداً من القدرات العسكرية لممارسة مزيد من الضغوط على إيران، بما في ذلك ترويج عمليةٍ برية محدودة تستهدف جزيرة خرج، وهي موقع تحميل 90% من صادرات إيران من النفط. وزيادة في الضغط، حاولت واشنطن استصدار قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تقدّمت به البحرين، الرئيس الحالي للمجلس، يدعو إلى “حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز”. لكنّ مشروع القرار سقط بعدما استخدمت الصين وروسيا حق النقض (الفيتو)، بحجّة عدم تعرّض القرار لمن بدأ الحرب وتسبّب في إغلاق المضيق، وخشية أن تتخذه واشنطن منطلقاً قانونيّاً لعمل عسكري أوسع ضد إيران.
وفي مقابل توجّس ترامب من التورط في حرب طويلة مع إيران، تمتد شهوراً، وتؤثّر في حظوظ حزبه الانتخابية، وتترك تداعيات كبيرة على الاقتصاد الأميركي المرهق، فضلاً عن مخاوفه من الانزلاق إلى عملية برّية مكلفة في إيران، كانت الأخيرة تبحث، في المقابل، عن مخرج مشرّف من حربٍ مكلفة، وتأخذ بجدّية كبيرة تهديدات ترمب، الذي بدا يائساً ومحبطاً في تصريحاته أخيراً، لجهة تدمير محطات الطاقة ومنشآت البنية التحتية الرئيسة في إيران. وبناء عليه، قرّرت طهران في اللحظة الأخيرة، وبعد تدخّل من الصين، الموافقة على المقترح الذي طرحته باكستان وأعلنه رئيس الوزراء، شهباز شريف، وتضمّن موافقة الولايات المتحدة وإيران على ما يلي:
1. وقف فوري لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وحلفاء كل منهما في جميع الأماكن، بما في ذلك لبنان وغيرها.
2. يسري وقف إطلاق النار فوراً.
3. دعوة وفدَي الدولتين، في 10 نيسان/ أبريل، إلى مواصلة التفاوض في إسلام أباد من أجل التوصل إلى اتفاق شامل يشمل جميع النزاعات.
وتوافق الطرفان على فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، أسبوعين، قابلة للتمديد، تجري خلالها مفاوضات للتوصل إلى اتفاق دائم لوقف الحرب، رغم تضارب الروايات الأميركية والإيرانية في هذا الشأن. وفي حين صرّح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، على منصة “إكس”: “سيكون المرور الآمن عبر مضيق هرمز ممكنًا مدة أسبوعين من خلال التنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية ومع مراعاة القيود التقنية”، أعلن ترمب على منصته الاجتماعية “تروث سوشيال”: “ستساعد الولايات المتحدة في إنهاء حالة الزحام الناجمة عن اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز”.
فرص نجاح المفاوضات
منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض في يناير/ كانون الثاني 2025، خاضت الولايات المتحدة وإيران جولتين من المفاوضات، توزّعت على عدة جلسات، للتوصل إلى اتفاق، أرادته إيران أن يقتصر على البرنامج النووي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى تضمينه برنامج إيران الصاروخي، وعلاقاتها مع حلفائها في الإقليم. بدأت المفاوضات الأولى في 12 إبريل 2025، لكنها توقفت بسبب الحرب التي شنّتها إسرائيل على إيران في 13 يونيو/ حزيران 2025، وهو اليوم الأخير من مهلة 60 يوماً التي أعطاها ترامب لإيران للتوصل إلى اتفاق. وقد انضمت الولايات المتحدة إلى الحرب بعد عشرة أيام، في 22 حزيران/ يونيو، عندما وجهت ضربة إلى البرنامج النووي الإيراني، قبل أن تعلن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في اليوم الثاني عشر للحرب، في 24 يونيو. وجرت جولة المفاوضات الثانية، التي امتدّت عدة جلسات، توزعت بين مسقط وروما وجنيف، في فبراير/ شباط 2026، وجاءت بعد ضغوط على إيران بسبب موجة احتجاجات كبرى، وانتهت أيضًا بإطلاق الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية واسعة ضد إيران استمرت 40 يومًا (28 فبراير- 8 إبريل).
وكانت الولايات المتحدة قد قدّمت إلى إيران، عبر باكستان، في أثناء مهلة الـ 48 ساعة الأولى التي أعطاها ترامب لإيران، مقترحاً يتضمن 15 بنداً، طلبت إدارته الموافقة عليه قبل الشروع في استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، وردت عليه إيران بمقترح من عشرة بنود. ويلاحظ أن البنود الخمسة عشر هي نفسها التي سبق أن قدمتها الولايات المتحدة في جنيف، وكان التفاوض جارياً بشأنها. وتشير عودة الولايات المتحدة إلى طرحها بعد الحرب إلى أنها لا تفاوض، بل تفرض شروطاً تريد من الطرف الآخر أن يقبلها بالتفاوض أو بالقوة، وهو ما يؤكد الطابع العدواني للحرب.
تضمّن مقترح الولايات المتحدة تفكيك القدرات النووية الإيرانية، والتعهد بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، ووقف تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، وتسليم كل المواد المخصّبة للوكالة الدولية للطاقة الذرية ضمن جدول زمني يُتفق عليه، وإخراج منشآت نطنز وأصفهان وفوردو من الخدمة وتدميرها، وإتاحة كل المعلومات داخل إيران أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى تخلّي إيران عن علاقتها بحلفائها، والإبقاء على مضيق هرمز مفتوحاً، على أن يُبحث ملف الصواريخ لاحقاً مع فرض قيود على العدد والمدى، وحصر استخدامها في “الدفاع عن النفس”. لكنّ إيران ردّت بأنها لن تخوض أيّ مفاوضات قبل قبول واشنطن شرطين أساسيين: تعويض الأضرار الناجمة عن الحرب، و”الاعتراف بالعدوان” عليها. وطالبت أيضاً برفع كامل للعقوبات، وضمانات بعدم شنّ حرب مستقبلية، والحفاظ على حقها في برنامج نووي سلمي، ورفض أيّ قيود على برنامجها الصاروخي. ومع تشدّد إيران في رفض أيّ مفاوضات تُجرى تحت الضغط العسكري، ورفضها أيّ وقف للحرب لا يتضمّن تعهدات بعدم العودة إليها، أخذ ترمب يركّز في تصريحاته أخيراً على فتح مضيق هرمز باعتباره شرطاً رئيساً لأيّ هدنة، مع أن إغلاقه تطوّر مستجدّ نجم عن الحرب التي شنّها على إيران، مؤجّلاً بقية الشروط لمفاوضات لاحقة، ما أدّى، في نهاية المطاف، إلى نجاح الوساطة الباكستانية من دون اتفاق على أيٍّ من البنود الخمسة عشر الأميركية أو العشرة الإيرانية. وهكذا، فرض إغلاق المضيق الهدنة عمليًا. ومع ذلك، يظل من غير الواضح، بعد حرب مدمرة استمرت 40 يومًا، وفي ظل التفاوت الكبير في الشروط والمطالب، إذا ما كان الطرفان الأميركي والإيراني سيتمكنان هذه المرة من تحقيق ما عجزا عنه في الجولتين السابقتين، وإذا ما كان ترامب سيعود، في حال فشل المفاوضات، إلى خيار الحرب، أو حتى خلالها؛ أي ضرب إيران في أثناء عملية التفاوض للضغط عليها للقبول بشروطه كما فعل في المرتين السابقتين.
العقدة الإسرائيلية
رغم أن إسرائيل لم تكن جزءًا من الاتفاق الذي أعلنته باكستان، ولا المفاوضات التي جرت بشأنه، فإنها أعلنت التزامها بوقف إطلاق النار في الحرب مع إيران، لكنّها رفضت أن يشمل ذلك لبنان. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام أميركية، أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترامب، خلال مكالمة هاتفية، قبل إعلان وقف إطلاق النار، أنه سيلتزم بالهدنة، لكنّه شدّد على أن “جبهة لبنان لا تخضع لترتيبات الاتفاق”. وأكد الرئيس ترامب، وقبله الناطقة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن وقف إطلاق النار مع إيران لا يشمل لبنان.
وكانت إسرائيل قد اضطلعت بدور رئيس في التحريض على الحرب على إيران، التي عمل نتنياهو شخصيًا على إقناع الإدارات الأميركية المتعاقبة على شنّها، ولم يجد قابلية للانجرار لها سوى لدى ترمب، ربما بسبب شخصيته. لكنّ حكومة نتنياهو، بعد أن ورّطت الولايات المتحدة في هذه الحرب، بدأت – في ظل تصاعد الجدل على المستويين، الشعبي والإعلامي، بشأن دورها في دفع إدارة ترامب إلى خوضها، وما ترتّب عليها من تداعيات اقتصادية جسيمة على المواطن الأميركي – تحاول التواري في خلفية المشهد، زاعمة التزامها بكل ما تطلبه واشنطن منها.
لكنّ هذا لم يمنع إسرائيل، خلال الحرب، من محاولات ضرب أيّ مسار تفاوضي بين واشنطن وطهران، وإجهاض كل اتفاق محتمل بينهما، كما فعلت عندما اغتالت أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، الذي كان يتولى إدارة المفاوضات في الجولة الأخيرة من المحادثات بين واشنطن وطهران في فبراير 2026. كما سارعت، قبل انتهاء المهلة التي حددها ترمب، وفي إطار دفعها بقوة نحو تدمير محطات الطاقة الإيرانية، إلى شنّ هجوم في 6 نإبريل، على أكبر موقع للصناعات البتروكيماوية الإيرانية في عسلوية، والذي يُنتج نحو 50% من إجمالي إنتاج إيران من البتروكيماويات؛ بهدف إيصال رسالة إلى إيران حول جدّية التلويح بتنفيذ التهديد المتعلق بتدمير البنية التحتية الإيرانية. ومع ذلك، لا تزال إسرائيل بعيدة عن تحقيق أهدافها من الحرب، وفي مقدمتها إسقاط النظام الإيراني، وكذلك جرّ دول الخليج العربية إلى المواجهة عبر دفعها إلى الانضمام إلى الحرب، وعدم الاكتفاء بالرد على أيّ استهداف إيراني محتمل، في حال تعرّضت منشآت الطاقة الإيرانية للتدمير. لكن يظلّ من غير الواضح إذا ما كان رفض إسرائيل الالتزام بما ورد في البند الأول من الاتفاق، الذي أعلن عنه رئيس الوزراء الباكستاني بشأن التوافق على “وقف فوري لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما” (والمقصود من جهة إيران: لبنان، والحوثيون)، سيؤدّي إلى تعطيل تنفيذ الاتفاق، أم أن إيران ستلتزم بعدم الرد على إسرائيل التي استمرت في عدوانها على لبنان.
استغلت إسرائيل، في فعل يشبه كثيرًا فعل العصابات الإجرامية، انشغال العالم كله بأخبار الهدنة في 8 إبريل، لشنّ مائة غارة على بيروت وضواحيها خلال عشر دقائق، سقط خلالها مئات الجرحى والشهداء، وكأن الهدف هو التسبّب في أكبر قدر من الأذى والضرر، قبل أن تتعرّض لضغوط وقف إطلاق النار على جبهة لبنان.
خاتمة
في الوقت الذي كانت فيه دول الخليج العربية تتهيأ لعملية أميركية كبيرة ومدمرة، نجحت جهود الوساطة التي قادتها باكستان، وشاركت فيها أطراف إقليمية عديدة، قبل ساعتين فقط من انتهاء مهلة ترمب، في “انتزاع” اتفاق هدنة وافق عليه الطرفان الأميركي والإيراني، لتبدأ بعد ذلك جولة جديدة من المفاوضات من الصعب تقدير احتمالات نجاحها في ظل تباعد مواقف الطرفين من القضايا محل الخلاف، ووجود إصرار إسرائيلي يسعى إلى فصل الجبهات في الحرب بين إيران ولبنان للاستفراد بالأخير، وتضمين أيّ اتفاق نهائي لوقف الحرب مع إيران تخلّي الأخيرة عن موادها النووية المخصبة بنسبة 60%، ووقف التخصيب نهائيًا على أراضيها، والتخلي عن برنامج الصواريخ الباليستية، الذي تعدّه إيران خط دفاعها الأخير في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، وجميعها مطالب تجدها إيران غير واقعية وغير قابلة للتنفيذ؛ ما يترك احتمال استئناف الحرب قائمًا، رغم أن مصلحة الطرفين الأميركي والإيراني، ومن ورائهما العالم، تكمن في وقفها نهائيّاً.
العربي الجديد
——————————–
مضيق هرمز بين سيادة الدولة ووظيفة القانون الدولي: قراءة في نظام المرور العابر وحدود توظيفه السياسي/ محمد حسام حافظ
ملخص
تتناول هذه الدراسة الإشكالية القانونية والسياسية لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز، الذي يُعدّ أحد أبرز الممرات البحرية الحيوية في النظام الاقتصادي العالمي ونقطة اختناق استراتيجية لتدفقات الطاقة الدولية. وتنطلق من تحليل التداخل بين الخصائص الجغرافية للمضيق والبنية القانونية الحاكمة له، في ضوء أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، ولا سيما نظام المرور العابر. وتسعى الدراسة إلى تفكيك التوتر القائم بين منطق السيادة الإقليمية للدول الساحلية ومتطلبات الوظيفة الدولية للمضيق التي تفرض ضمان حرية الملاحة واستمراريتها. وفي هذا السياق، تحلل المقاربة القانونية التي تعتمدها إيران، والتي تقوم على نزع الطابع العرفي عن نظام المرور العابر وإعادة تأطيره ضمن نطاق تعاقدي، بما يتيح إخضاع الملاحة لاعتبارات السيادة الوطنية، وذلك في مقابل الاتجاه الدولي الغالب الذي يكرّس المرور العابر قاعدةً عرفية ملزمة.
وتتناول الدراسة الأبعاد القانونية لنظام فصل المسارات باعتباره أداة تنظيمية تقنية تهدف إلى تعزيز سلامة الملاحة، من دون أن تمنح الدول الساحلية صلاحية تقييد حق المرور أو تعطيله. ويبرز في هذا الإطار التمييز بين نظامَي المرور العابر والمرور البريء، وما يرتبط به من اختلاف في نطاق السلطة التقديرية للدولة الساحلية. وتخلص إلى أن الغموض البنيوي في تفسير قواعد قانون البحار، ولا سيما في سياق المضائق الدولية، يتيح مجالًا لتوظيف القانون أداةً سياسية ضمن ما يُعرَف بـ “المنطقة الرمادية”، حيث يعاد تفسير القواعد بما يخدم اعتبارات استراتيجية من دون مخالفة صريحة للإطار القانوني. ومن ثم، تؤكد على ضرورة تعزيز الوضوح التفسيري للقواعد القائمة، من خلال مبادرات دولية تسهم في تثبيت نظام المرور العابر وتحديد نطاق الاستثناءات، بما يوازن بين مقتضيات السيادة ومتطلبات استقرار الملاحة الدولية.
باحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، عمل دبلوماسيًّا مدة 15 عامًا في وزارة الخارجية السورية، ورئيس قسم الشؤون السياسية في السفارات السورية في طهران ولندن ويريفان، وعمل أستاذًا مساعدًا وأستاذًا زائرًا ومحاضرًا في جامعة قطر – كلية القانون، في الفترة 2013-2017، وعمل مديرًا لمؤسستَي قانون وسياسة ومجتمع “قَسَم” وأوبتيمال للاستشارات والدراسات والتدريب، ومحاميًا ومحكّمًا دوليًّا، وعمل رئيسًا للمكتب القانوني للهيئة العليا السورية للمفاوضات.
لقراءة المادة كاملة اتبع الرابط التالي
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
————————————
حرب ترامب على إيران: أيّ بواعث دينية/ صليبية؟/ صبحي حديدي
في الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران، ولا تستنكف هذه السطور عن التشديد: ضدّ الشعب والبلد والبنى التحتية والموارد والتاريخ والحضارة، قبل آيات الله ونظام الملالي وعسس الباسيج ومجرمي الحرب في صفوف “الحرس الثوري”؛ لم يتّبع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذريعة زائفة مضللة انتهجها سلفه جورج بوش الابن في حرب 2003 على العراق: مفردات البلد البشرية والعمرانية والتاريخية والحضارية هنا أيضاً، قبل نظام صدّام حسين واستبداده الداخلي وطموحاته الخارجية. تلك، عند بوش، كانت صيغة حرب صليبية أقرب إلى إلهام من الربّ وتكليف، عند بوش الابن؛ ولكنها عند ترامب أشدّ فظاظة وهمجية، لأنها إنما تتقصد اندثار حضارة بأكملها، بشراً وحجراً وشجراً طاقة وجسوراً…
لكنّ البواعث الدينية/ الصليبية لم تغبْ تماماً عن ذهنية ترامب، وتجلت مراراً وتكراراً في تمثيلات لاهوتية غائمة تارة، أو توراتية ملموسة تارة أخرى؛ وبعض السبب قد يكون لجوء كبار مساعديه إلى النيابة عنه في استحضار معاني الحرب الصليبية وبواعثها، فكان على رأسهم وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي لم يتردد في توظيف ترسانة كاملة من التأويلات الدينية والمفردات الصليبية المباشرة في تبرير الحرب على إيران. وكيف لا يفعل وهو، في مقام أوّل، يتنطح دون كلل إلى خدمة رئيسه، من موقع يكاد يقلّ حتى عن وظيفة “صوت سيّده” الشهيرة؛ كما أنه، في مقام ثانٍ قد يكون جوهرياً أكثر، عضو ناشط في “أخوّية الكنائس الإنجيلية المطوّرة” CREC، المنظمة المحافظة التي تدعو إلى تطبيق القانون التوراتي وفرض الوضعية الثيوقراطية على البطريركية المسيحية والنُظُم الفدرالية في آن معاً.
وفي عام 2022، قبل ثلاث سنوات من موافقة الكونغرس على تسميته وزيراً للدفاع (الحرب لاحقاً، حسب التعديل الذي أدخله ترامب على مسمى الوزارة)؛ كان هيغسيث، أحد نجوم تلفزة “فوكس”، قد أصدر كتاباً بعنوان “الحرب الصليبية الأمريكية: معركتنا للبقاء أحراراً”، حمل غلافه صورة المؤلف في هيئة محارب يرفع العَلَم الأمريكي، بقميص رياضي يكشف عضلاته وبعض الوشوم على ذراعه. وشمان آخران، لم يظهرا في الصورة ولكن هيغسيث لا يكفّ عن التفاخر بهما، يتألف الأوّل من عبارة لاتينية تحشيدية شاعت خلال الحروب الصليبية تقول: Deus Vult(الربّ أرادها)؛ والثاني يتشكل من مفردة “كافر” باللغة العربية وبجانبها صليب أورشليم.
أمّا خلال الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الراهنة على إيران، فإنّ بعض تصريحات هيغسيث الدينية/ الصليبية اتخذت وجهة التمترس خلف الروحانيات، على غرار تصريحه: “نحن نحارب غلاة متدينين يسعون إلى امتلاك المقدرة النووية، هادفين إلى نوع من أرماغيدون دينية”. أو إلى خطاب يمجّد التفوّق الديني المسيحي والعرقي الأبيض، من هذا الطراز: “نحن نتشارك المصالح ذاتها، ولهذا نواجه امتحاناً جوهرياً، ما إذا كانت أممنا ستبقى غربية ذات سمات متميزة ومسيحية في رعاية الله، فخورين بتراثنا المشترك”. أو، في تنويع ثالث، عبر إقامة صلوات مسيحية في قلب مبنى البنتاغون، يترأسها دوغ ولسن المشارك في تأسيس “أخوّية الكنائس الإنجيلية المطوّرة” وزعيمها الأبرز اليوم.
آراء هذا الأخير قد تبدأ من إنكار الفصل بين الكنيسة والدولة، إذ لا تمييز عنده بين المسائل الدينية والسياسية؛ وتمرّ برفض خدمة المثليين والمتحولين في الجيش الأمريكي، لأنه ليس أقلّ من كتائب “مسلّحة بدروع يسوع”، كما حدّث خلال واحدة من جلسات الصلاة في البنتاغون؛ والتمنّي بألا يشغل وظائف الدولة أناس ليسوا مسيحيين، على قاعدة أعرض هي رفض التعددية الدينية، ومعها التعددية السياسية. لكنّ آراء ولسن لا تنتهي عند يقينه بأنّ أمريكا الشعب والدولة يتوجب أن تُحكم بموجب تأويل محافظ للقوانين التوراتية، يجعلها أقرب إلى “جمهورية توراتية” منها إلى اتحاد فدرالي؛ أو وفقاً لكتاب أصدره سنة 1996 يصوّر النظام العبودي على نحو إيجابي، لأنّ العبودية “تشيع التعاطف بين الأعراق؛ أو عند قراءة بغيضة منفرة للعلاقة الجنسية، مفادها أنّ المرأة “تستقبل، تخضع، تقبل”!
وفي جوانب أخرى أكثر دنوّاً من السياسة، أو ما يحلو لوزير الحرب الأمريكي تصنيفه في خانة “الفكر”، يساجل هيغسيث بأنّ الجيش الأمريكي بات مفسَداً بأوبئة “ثقافة ووك” تستأصل “أخلاقية المحارب”؛ وأنّ حفنة من “جنرالات ليبراليين” ينخرطون في هذا “الإفساد” و”التمييع” و”التنشئة الخاطئة”. كأنه، مجنون يحكي وعاقل يسمع، ليس الجيش الإمبريالي ذاته الذي انتهك ويواصل انتهاك كرامة البشرية في أربع رياح الأرض، بما في ذلك الولايات المتحدة ذاتها! أو كأنه ليس الجيش الذي يأتمر بقائد أعلى لا يجد وازعاً يحول دون مسح حضارة بأكملها، تباعاً عبر حرب تمتد على أسابيع، أو بقصف نووي لمرّة واحدة يستأنف ما هو أكثر دموية من سوابق ناغازاكي وهيروشيما!
وغنيّ عن التذكير بأنّ العجيب أو الطارئ أو الغريب ليست الصفات التي تليق بوجود هيغسيث على رأس الجيش الأقوى والأشدّ بطشاً وشراسة ودموية في النظام الإمبريالي الكوني، وليس لأيّ سبب آخر يسبق سلسلة العناصر التكوينية لهذه “الديمقراطية” الأمريكية، ذات الخصوصية والخصائص. فلقد أتاحت انتخاب ترامب مرّتين، وقبله بوش الابن مرّتين، فتركت للثاني مثل الأوّل دروباً معبّدة نحو انتهاج خيارات قصوى في السياسة الخارجية. كانت، وتظلّ، عسكرية بمعنى التدخل الخارجي والاحتلال والغزو، والعربدة الكونية (على غرار تراجع ترامب عن اتفاقية المناخ، والاتفاق حول برنامج إيران النووي، مثلاً)؛ وإعلاء مطالب مجموعات الضغط التابعة للصناعات العسكرية، أو اعتماد سياسات انعزالية في أنظمة التبادل والتجارة… وليس لهذه، وسواها، أن تكون إلا وجهة جديدة لتكريس إوالية قديمة سبق أن اعتنقها عدد من رؤساء أمريكا الجمهوريين، آخرهم ترامب.
وبهذه المعاني فإنّ واحدة من كبريات نقائض الإيديولوجيا الأمريكية، إذا جاز التعبير هكذا في وصف كتلة قائمة ليست متجانسة تماماً، أنها تقيم علاقة تعسفية بين مفهومَيْ “الرأسمالية” و”الديمقراطية”: إذا نُظر إلى الأولى كعقيدة لاقتصاد تنافسي ينتج قوى السوق، فإنّ الثانية هي بالضرورة عقيدة السياسة التنافسية التي تخلق التعددية السياسية. فأين، استطراداً، تقع استطالات المفهومين كما يخلط بينهما، أو يعيد تلفيقهما في آن معاً، رجال من أمثال هيغسيث (ومن خلفه دوغ ولسن مؤسس “الأخوية”)، حتى وهم ظلال للسيّد الآمر في البيت الأبيض؟
إنها، ضمن مواضع أخرى، تقع في هذا الانقياد خلف قائد سياسي عسكري من طراز ترامب، يجهد للجمع بين شخصية الغازي والصليبيّ وراعي البقر والقيصر سيّد العالم؛ الذي لم يتردد في التصريح، والجملة الأولى من إعلان الحرب على إيران، بأنه “ما من رئيس كان مستعداً للقيام بما أنا مستعدّ للقيام به الليلة”. وبصرف النظر عن استيهامات ترامب المعتادة، وما تستبطنه أيضاً من غطرسة مَرَضية طبعت سلوك الغالبية الساحقة من رؤساء أمريكا؛ ليس الجزم صحيحاً بالطبع، إلا إذا أسفرت الوقائع المقبلة عن استعداده لإلقاء قنابل نووية على إيران أكثر عدداً، وأشدّ فتكاً، مما أمر به سلفه البعيد هاري ترومان؛ أو مضى، في خيارات أبعد همجية، فنفّذ تهديده بمسح حضارة عن وجه الأرض.
ويبقى صحيحاً، في نهاية المطاف، أنّ أديان المنظومات الإمبريالية المعاصرة ليست في رأس بواعث الغزو والاجتياح والعربدة واستهداف البشر والعمران، ولا تسبق الأغراض الأهم الاقتصادية والجيو ــ سياسية والعولمية؛ إلا أنّ ما لا يقلّ صحّة هو حضور البواعث الدينية، صليبية الاستيحاء منها خصوصاً، في الكثير من حروب هذه الإمبريالية المعاصرة ذاتها.
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
القدس العربي
——————————–
استراحة حرب/ حسام كنفاني
10 ابريل 2026
على غرار الأفلام الهوليوودية، وقبل لحظات قليلة من وقوع الكارثة (عسكرية أو طبيعية)، يتم التوصل إلى حل يعفي العالم من دمار شامل. هذا تماماً ما كان عليه الوضع حين حبس البشر أنفاسهم بانتظار انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للنظام في إيران لفتح مضيق هرمز، والتي انتهت بما صار اتفاقاً لوقف إطلاق النار أسبوعين على أن تتخلّلهما جولات تفاوضية من الممكن أن تؤدي إلى إنهاء الحرب على إيران بشكل كامل.
ارتياح كبير ساد في أرجاء العالم بعد الإعلان الباكستاني عن الاتفاق. لكن هذا الارتياح لا يبدو أنه سيدوم طويلاً بعدما بدأ يتوضح أن لا أسس حقيقية للاتفاق الذي يحكى عنه، ولا أي تفاهم حصل فعلاً بين الطرفين ليكون منطلقاً للتفاوض على جسر الفجوات الكبيرة في المواقف.
تتحدّث إيران عن عشر نقاط جرى التفاهم حولها، وعلى أساسها وافقت على هدنة الأسبوعين، على أن تتضمن فتحاً لمضيق هرمز أمام حركة الملاحة العالمية. من ضمن هذه النقاط، وفق ما أعلنت طهران، وقف إطلاق النار على مختلف الجبهات التي ساندت إيران في مواجهة العدوان الأميركي والإسرائيلي، إضافة إلى حق إيران في تخصيب اليورانيوم والاعتراف بسلطة طهران على مضيق هرمز ورفع العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية.
لكن من الواضح أن واشنطن، وتحديداً الرئيس ترامب، لم يكن مكترثاً لقراءة أي شروط، فهو كان يبحث عن سلم للنزول عن شجرة التهديد بالدمار الشامل الذي رفعه في وجه إيران، وهو ما حصل عليه فعلياً تحت مسمى “اتفاق لوقف إطلاق النار”، والذي من الواضح أنه سيكون اتفاقاً لاستئناف إطلاق النار في القريب العاجل.
لم ينتظر ترامب وحليفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كثيراً للانقلاب على ما من المفترض أنه تم الاتفاق عليه. فالنقطة الأولى التي قال الإيرانيون إنهم شددوا عليها خلال تبادل الرسائل مع الولايات المتحدة عبر باكستان كانت وقف إطلاق النار على كافة الجبهات، وهو ما رفضته إسرائيل مؤكدة أن الجبهة اللبنانية منفصلة كلياً عن الجبهة الإيرانية، وترجمت ذلك بارتكاب مجازر في مختلف المناطق اللبنانية، ومن بينها العاصمة بيروت للمرة الأولى منذ اجتياح 1982.
الموقف الإسرائيلي سانده البيت الأبيض كالعادة، إذ أكد ترامب والمتحدثة باسمه أن لبنان ليس مشمولاً بالاتفاق، وهو ما عاد نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، والذي من المفترض أنه كان مسؤولاً عن المفاوضات، للتأكيد عليه، مشيراً إلى أن الإيرانيين “اعتقدوا” أن لبنان مشمول في الاتفاق.
لم يتوقف التنصل الأميركي عن حدود هذا البند الموضوع في ورقة “النقاط العشر”، بل تبرأوا من الموافقة على أي من البنود الواردة في هذه الورقة التي “رماها الرئيس الأميركي في القمامة”، بحسب ما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، والتي أضافت أن وقف إطلاق النار لم يتم وفق هذه الورقة التي تخرق الخطوط الحمر لترامب.
في المقابل، لا تزال إيران متمسكة برواية البنود العشرة التي جرى وقف إطلاق النار على أساسها، والتي من المفترض أن تكون محور المفاوضات الثنائية التي ستستضيفها إسلام أباد خلال ساعات، والتي باتت الشكوك تحوم حولها بعد التصريحات الأميركية والعدوان على لبنان، اللذين قابلتهما طهران بالإبقاء على إغلاق مضيق هرمز الذي أبرم الاتفاق لفتحه.
كل المؤشرات اليوم تقضي بأن هذه الهدنة الهشة لن تصمد طويلاً، ومن غير المرجح أن تستمر لأسبوعين، وأنه حتى في حال أجريت المفاوضات في باكستان فإنها ستكون عبثية بفعل التباعد الكبير بين مطالب الطرفين، خصوصاً أن كلاً منهما يعتبر نفسه منتصراً في هذه الجولة من المعركة، وأن من حقه أن يفرض شروطه.
من الواضح أن هذا الاتفاق ليس إلا “استراحة محارب” احتاج إليها الطرفان، استعداداً للجولة المقبلة التي يخشى أن تكون أقسى وأكثر تدميراً.
العربي الجديد
——————————–
حرب الخليج والنظر بعين واحدة/ عبد الحميد صيام
تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل أن تفرضا سرديتهما على الأحداث والتطورات في منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص والعالم بشكل عام. فالصراع الفلسطيني الإسرائيلي بدأ يوم 7 أكتوبر 2023. لا تاريخ قبله ولا تاريخ بعده. والتاريخ الأمريكي والنزاع مع العرب والمسلمين بدأ يوم 11 سبتمبر 2001، وصراع إسرائيل مع حزب الله في لبنان في جولته الأولى بدأ يوم 8 أكتوبر 2023 وفي هذه الجولة بدأ يوم 2 مارس 2026. وكأن إسرائيل التزمت تماما بالقرار 1701 (2006). وقد تم اختراع تواريخ مع بداية النزاع مع إيران وآخرها ما صرح به نائب الرئيس الأمريكي، فانس، بأن إيران ستنتج أول قنبلة نووية خلال أسبوع لتبرير العدوان يوم 28 فبراير 2026.
ممنوع على المسؤولين الدوليين أن يتذكروا الاحتلال الصهيوني وما ارتكبه من مجازر وحروب ضد الشعب الفلسطيني والدول العربية الأخرى لأكثر من 77 سنة، وممنوع على أي مسؤول أن يتذكر حروبهم في غزة ولبنان وسوريا وممنوع على الإيرانيين أن يتذكروا حرب الاثني عشر يوما في يونيو 2025 ولا اغتيالات العلماء ولا التفجيرات المتلاحقة ولا تدمير القنصلية في دمشق.
الحروب الجارية الآن في إيران ولبنان وفلسطين بشقيها، ومنطقة الخليج، وحسب سرديتهم غير مترابطة. ويجب أن يبقى الحديث والجهود والبيانات ومشاريع القرارات محصورة فقط في اعتداءات إيران على دول الخليج والأردن. من المحرمات أن تكون هناك إشارة إلى العدوان الأمروصهيوني على إيران يوم 28 فبراير، وممنوع كذلك أن يشار إلى الحرب المدمرة التي يقوم بها الكيان الصهيوني في لبنان، والتي شملت كل أطياف المجتمع اللبناني ومناطقه الجغرافية، وخلف دمارا هائلا وضحايا بالآلاف، وإن ذكر فاللوم يقع حصريا على عاتق حزب الله. وكأن إسرائيل التزمت باتفاقية وقف إطلاق النار التي توصلت إليها الأطراف يوم 24 نوفمبر 2024 ولم يخترقوا سيادة لبنان وسلامة أراضيه أبدا. ووقف إطلاق النار في غزة قائم، ودون انتهاكات ما دام القتل يصيب الفلسطينيين فقط. والحديث عن الضفة الغربية قد يأتي عرضا، ويركز على اعتداءات المستوطنين فقط، وكأن الجيش وقوات الأمن لا تتعرض للناس، ولا تهدم البيوت ولا ترحل التجمعات البدوية ولا تهجر سكان المخيمات، إنه عالم النفاق اللامحدود.
عقدت جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي في 28 فبراير أول يوم للحرب. لم يصدر عن الجلسة أي بيان أو قرار وكانت عبارة عن عرض مواقف. لكن المجلس عاد يوم 11 مارس واعتمد القرار 2817 (2026) المدعوم من 136 دولة، حيث ركز على إدانة استهداف دول الخليج من قبل إيران ومطالبة إيران بوقف استهداف المعالم المدنية، وتسهيل حرية الملاحة في مضيق هرمز. وقد سمحت كل من روسيا والصين للقرار بأن يعتمد. وأشار المندوب الروسي فاسيلي نيبنزيا، إلى أن القرار تجاهل أصل المشكلة وهو العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران. كانت الحرب في بدايتها، حيث نأت دول الخليج بنفسها عن الحرب، رغم وجود عدد كبير من القواعد الأمريكية في تلك البلدان.
في بداية أبريل تقلدت البحرين رئاسة مجلس الأمن. ويبدو أنها اعتقدت أن الرئاسة ستسهل إصدار قرار تحت الفصل السابع لشرعنة الحرب من أجل فتح مضيق هرمز بالقوة. هنا اختلفت المواقف وتبعثر تحالف الـ136 دولة بما فيها فرنسا ودول أوروبية أخرى، حتى دول الخليج نفسها، لم تعد متماسكة تماما كما كانت من قبل. وزعت البحرين مسودة مشروع قرار تحت الفصل السابع يجيز استخدام كل الوسائل لإبقاء المضيق مفتوحا، بل وشرعن في مسوداته الأولى تشكيل تحالف بين الدول لفرض إبقاء المضيق مفتوحا بالقوة. المندوب الروسي أكد لتلك الدول أنه لن يسمح لمشروع القرار أن يمر، وقامت البحرين بتخفيف لغة مشروع القرار ليتضمن»استخدام جميع الوسائل ذات الطابع الدفاعي والمتناسبة مع الظروف»، حتى هذه العبارة المخففة لم تقنع روسيا لأنها تفتح بابا مواربا للتدخل. ولذلك تعرض مشروع القرار للفيتو المزدوج، وامتناع باكستان وكولومبيا، وهذه الدول الأربع تمثل ثلث سكان العالم تقريبا.
أعجبني شخصيا الموقف العُماني، ورأيت فيه من الحكمة والعقلانية، ما لو تبعته دول الخليج الأخرى، خاصة البحرين والإمارات والكويت لربما ساهمت في فرض موقف أكثر عقلانية لدول المنطقة التي تظل إيران جارة تاريخية لها تشترك معها في التاريخ والحضارة والعقيدة بالإضافة إلى المصالح المشتركة والتجارة البينية والتشارك في بعض الحقول الجوفية والتشاطؤ في مياه الخليج. عُمان كانت الوسيط المقبول للطرفين، وأنجزت أو كادت اتفاقية سلام شاملة يوم 27 فبراير حين أعلن وزير الخارجية بدر البوسعيدي، أن هناك أخبارا سارة سيعلنها قريبا. الوسيط العُماني كشف تفاصيل عن المفاوضات النوويَّة بين إيران وأمريكا، كما يراها، وأكَّد في لقاءٍ مع برنامج «واجه الأمة» على شبكة (CBS) الأمريكيَّة – يوم 27 فبراير، أنَّ إيران لا تقوم بتخصيب مواد نوويَّة في الوقت الحالي. وهو كلام عكس ما كان المبعوث الأمريكي، ستيف ويتكوف قد قاله قبل ذلك بحوالى أسبوع. وبعدها ببضع ساعات، شنَّ الأمريكيُّونَ والإسرائيليُّونَ هجومهم العدواني (الغضب الملحمي) على إيران، ظنا منهم أن النظام واهٍ وآيل للسقوط. وأنا واثق أن وزير الخارجية العماني قد أصيب بالإحباط، بعد أن كاد يعلن عن الاختراق التاريخي وتجنب الحرب. في الأمم المتحدة لم تكن عُمان من الدول التي رعت مشروع القرار الأخير الذي، فيما لو اعتمد لشرعن المواجهات المسلحة. كما أن عمان لم تلق أي بيان في مجلس الأمن، ولم تلعب أي دور تحريضي ضد إيران، التي تربطها بها علاقات تاريخية والعديد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والمشاريع المشتركة التي أنجزت أو كانت على طريق الإنجاز.
ولا يوجد بلد مؤهل لحل أزمة مضيق هرمز أكثر من عُمان، فالدولتان، عمان وإيران، هما اللتان تتقاسمان شواطئ المضيق، خاصة عند أضيق نقطة بطول 33 كيلومترا فقط. والمضيق معبر حيوي للبلدين ودول العالم أجمع، وظل مفتوحا على مرّ العصور تمر منه السفن والشاحنات المحملة بالمحروقات والمواد البتروكيميائية إلى العالم، دون عوائق رغم العقوبات القاسية على إيران وقرارات المقاطعة والاستفزازات واغتيال العلماء والقادة الميدانيين. بين البلدين مذكرات تفاهم حول الملاحة البحرية والتعاون في مجال تحلية المياه وغيرها الكثير. كما أنجزت عمان صفقة إطلاق سراح معتقلين أمريكيين في إيران دخلوا عن طريق كردستان العراق عام 2009. ونقلتهم بطائرات عمانية عام 2010 و2011 إلى مسقط ثم إلى الولايات المتحدة. واستضافت عمان جولتين من المفاوضات المعقدة والطويلة بين الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها وتم تبادل مئات المعتقلين من الطرفين. ولعبت دورا أساسيا في وقف إطلاق النار بين الطرفين. نأت عمان بنفسها عن حرب الثماني سنوات بين العراق وإيران، بينما كانت دول الخليج الأخرى تمول تلك الحرب.
هناك حقيقة واضحة وهي أن الطرفين الأمريكي والإسرائيلي لعبا دورا خبيثا لخداع الطرف الإيراني عن طريق المفاوضات التي قادتها عُمان. وهي المرة الثانية التي تعلن فيها الولايات المتحدة عن تحديد موعد لاستئناف المفاوضات، ثم تقوم بضربة استباقية، كما حدث في يونيو 2025. تم ترحيل المفاوضات هذه المرة إلى إسلام أباد، بعد أن تأكدت الولايات المتحدة أنها غير قادرة على فرض الاستسلام على إيران. وأنا أضع يدي على قلبي من هذه الهدنة قصيرة الأمد، فقد تكون مهلة لاسترداد الأنفاس وجمع المعلومات وتجهيز المستلزمات لجولة جديدة من المواجهات قد تكون أعنف وأكثر خطورة من الجولة الحالية. آمل أن أكون على خطأ.
كاتب من فلسطين
القدس العربي
———————————-
أخطر رجل في العالم/ رشا عمران
10 ابريل 2026
لا تنتهي مشكلات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عند تقديم نموذج ناجح في فرض هيمنة القطب الواحد والتعامل مع البشرية، بوصفها جزءاً من استثماراته الكبيرة، ولا عدّه العالم كلّه، ماضيه وحاضره ومستقبله، أمراً قابلاً للزوال بكلمة واحدة منه؛ فهو يريد أن يقضي على حضاراتٍ ممتدّة منذ آلاف السنين، ويريد إعادة دولة ما إلى العصر الحجري، وهو لا يتوانى عن إهانة زعماء دول والسخرية منهم وشتمهم وإرسال طائرات وجنود إلى غرف نومهم، وبكلمة منه يمكنه وضع شعب بأكمله رهن الإرهاب، وبكلمة منه يمكنه تحرير هذا الشعب أو ذاك. هو سيّد العالم بالمطلق حالياً، هكذا يرى نفسه، ويُعامل. قد لا تكون المشكلة فيما سبق كلّه، بقدر ما تكمن في أنّه يقدّم نموذجاً قابلاً للتكرار، خصوصاً أنّ البشرية حالياً فقدت ثقتها بالمؤسّسات الدولية التي يجب أن تكون الناظم الأول للسياسة والعدالة الدولية، وهو ما جعل شخصاً شعبوياً وسوقياً مثل ترامب يصبح سيّداً للعالم.
استطاع ترامب بأسلوبه الفجّ والمباشر خفض سقف ما هو مسموح ومقبول، أو لنقل إنّه استطاع أن يكسر هذا السقف بواسطة الاعتياد؛ فالهجوم الشخصي صار أسلوباً رئاسياً، والخطاب الحادّ والمتعجرف أصبح نمطاً من أنماط الحكم، وتبسيط الأحداث السياسية والأمنية كلّها عبر خطاب شعبوي مخلٍّ، تحوّل إلى أمر يُقبَل كما لو أنّه العادي والطبيعي. يلعب ترامب على الغرائز وعلى العواطف من دون الاكتراث بالفكرة، ومن دون الاعتماد على برامج محكمة ومعدّة سلفاً؛ هو يتلاعب بمشاعر الغضب والخوف والمظلومية، وينجح في هذه اللعبة لأنّ البشرية حالياً في حالة شبه مكتملة من الخسران وفقدان الأمان الاقتصادي، مع سرعة مهولة في المتغيّرات الدولية تجعل البشر عاجزين عن الفهم. لهذا، يمكن لأي خطاب يُقدّم لهم عدواً جاهزاً ويوجّه الغضب نحوه أن يلقى رواجاً كبيراً، وأن يجد من يتبنّاه ويروّجه، خصوصاً أنّ شخصية مثل ترامب ليست دبلوماسية تسعى إلى التهدئة، بل بالعكس، فهو يصعّد ويهاجم ويردّ بعنف لفظي وقادر على أن يحوّله في لحظات إلى عنف مادي، في سلوك يوحي بأنّ صاحبه شديد القوة. فهو لا يعتذر ولا يتراجع، وإذا ما تراجع، فهو يضع مدّة محدّدة لتنفيذ أوامره كي لا ينفّذ تهديداته. في علم النفس الاجتماعي يظهر الشخص الذي لا يلتزم بالقواعد بأنّه الأقوى لأنّه يتحدّى القيود، وهذه الجرأة في تحدّي القيود هي جرأة جاذبة للعموم، لأنّ البشر بطبعهم يحبّون كسر القيود. فإذا ما جاء هذا من رئيس أهمّ دولة سيجد ولاء عاطفياً من أتباع كثيرين، وسيصبح لاحقاً مثالاً يُحتذى به، وهنا تكمن الخطورة.
يتقبّل البشر شخصية مثل ترامب ليس لأنّه صاحب كاريزما استثنائية، بل لأنّ وجوده في لحظة معيّنة ينسجم مع احتياجات نفسية عميقة، أهمها تعميم البساطة في عالم مليء بالارتباك والتعقيد. هو يقدّم حلولاً سريعة وحاسمة ترضي عوالم داخلية باتت مألوفة لدى البشر مثل الانتماء المفقود، واليقين الهشّ. يقدّم ترامب وَهم القوة الذي يقضي على الشكوك النفسية كلّها، لهذا يؤيّده اليوم كثيرون حول العالم في حربه المجنونة الحالية. لا يهتمّ هؤلاء بأنّ نظام الملالي نظام فاشي واستبدادي، فهذا تفصيل صغير؛ فهو بذلك يشبه كثيراً من أنظمة العالم. الفكرة هي أنّ البشر يخافون من القوة، والخوف يحوّل البشر مباشرة إلى منتمين إلى هذه القوة ومؤيّدين لها.
الأخطر أن يتحوّل ترامب إلى نموذج مقبل لحكّام البشرية التي لا ينقصها، بكل حال، حكّامٌ عنصريون ومختلّون، خصوصاً أنّ صعود ترامب كان مدعوماً بوسائل الإعلام السريعة ومنصّات “السوشال ميديا”، وهو أمر متاح بوفرة اليوم لكلّ أثرياء العالم الذين يملكون أكثر من نصف ثروات البشرية، ويتحكّمون بالكوكب بما يضمن مصالحهم، ويموّلون مشاريع ما بعد الحداثة التكنولوجية التي تضمن لهم أن يتحوّل الكوكب كلّه إلى جزيرة إبستين، حيث الفجور الرأسمالي بأوضح صوره. خطورة شخصية مثل ترامب تكمن هنا بالتحديد، في قوته المالية وشعبويته الوقحة التي تجعله نموذجاً لكلّ من حلم ذات يوم بأن يكون ضيفاً على تلك الجزيرة المجرمة، طالما القوة والبذاءة هما عنصران كفيلان بالحماية من العقاب.
العربي الجديد
————————–
انتصار الجماعات وهزيمة الدول/ بلال خبيز
الجمعة 2026/04/10
الإنجاز الأهم، ويمكن اعتباره الإنجاز الوحيد الذي حققته المقاومات المسلحة، سواء كانت دولاً هامشية أو ذات مدى إقليمي، كإيران، أو منظمات مسلحة تسيطر على أجزاء من دول ضعيفة، كما هي الحال في لبنان، يكمن -أي الإنجاز- في التحول الجذري لمعنى الحروب وتمييع نتائجها. فبعد كل نصر عسكري، بحسابات الربح والخسارة، والقدرة على السيطرة الميدانية، تعود المقاومات بصيغ أخرى ووفق تكتيكات جديدة لتجعل مما ظنه العدو نصراً، باباً لافتتاح مشكلة أكثر تعقيداً.
قد يكون اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 أكثر هذه الدروس دلالة. وينسب إلى أرييل شارون في تلك الحرب قوله، إثر تفجير مقر الحاكم العسكري الإسرائيلي في صور، إنه لا يملك تفسيراً لما جرى. فبعد إعلانه عن نجاح قواته في تدمير البنية التحتية لمنظمة التحرير الفلسطينية، لم يشأ شارون يومذاك أن يعترف بأن العملية التي جرت ليست نتيجة انفجار “جرار غاز” في المبنى. واستمرت إسرائيل في نفي أي صلة للمقاومة بالعملية حتى العام 2024، عندما أقرت لجنة تحقيق رسمية بأن ما جرى كان عملية استشهادية نفذها أحمد قصير.
استذكار هذه الواقعة يتوخى الإضاءة على التغيير الحاسم في مفهوم النصر في الحروب الأخيرة. وهذا تغيير فرضته المقاومات، إنما بثمن باهظ، ويكاد يكون غير قابل للاحتمال. وهذا ما حاولت عبارة جون أبي زيد الشهيرة الإضاءة عليه إثر حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل، حين قال، وفق ما هو متداول: إذا كان هذا ما يعتبره حزب الله نصراً، فكم نصراً يمكنه أن يتحمل؟
ما أغفلته عبارة أبي زيد يومها، وربما لم يكن واضحاً مثلما بات واضحاً اليوم، يتعلق بهوية المنتصر في هذه الحرب. لقد هزم لبنان في هذه الحرب، وفشلت إسرائيل في تحقيق هدفها، وانتصر حزب الله. كل هذه النتائج لا تتعارض مع بعضها وفق منطق اليوم. إسرائيل خاضت حربها لإنهاء حزب الله أو إضعافه إلى الحد الذي لا يعود معه قادراً على الأذية، ولم تنجح في تحقيق ذلك.
لبنان تعرض لهذه الحرب وهو يقيم في حال من الأمل المتلجلج بالازدهار الاقتصادي والاجتماعي، أو على الأقل، استئناف مساره، بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، الذي لا شك في اعتباره الأب الروحي لهذا المشروع. وكان أن انتهت الحرب بسقوط مريع لمبررات بقاء لبنان اقتصادياً، ودفن مشروع الحريري نهائياً، وتضاؤل الأمل في عودة البلد إلى التسلح بالأمل.
هذا بالضبط ما تراكمت آثاره وتداعياته إلى الحد الذي أوصل البلاد إلى عجز مستدام على المستوى الاقتصادي والمعيشي، لم يعد بعده قادراً على الاستمرار من دون دعم خارجي، أصبح اليوم متعذراً. في الأثناء، كان حزب الله المقاوم يزيد من قوته وقدرته على الصمود والبقاء على كافة المستويات، إلى حد يمكن القول معه، إننا بعد عقدين من تلك الحرب، أصبح لبنان بقايا بلد كان موجوداً، فيما تحول حزب الله إلى تنظيم يملك بنية راسخة على المستويات كافة، أثبتت خلال السنوات الأخيرة أنها أكبر من لبنان وأقدر من حكوماته على الصمود أمام الأعاصير.
باختصار أثبتت وقائع العقدين الأخيرين أن لبنان انتهى، وقامت دولة حزب الله على ركامه. وإذا أردنا تعريف الانتصار الذي يتحدث عنه حزب الله إثر كل حرب، وتتحدث عنه إيران اليوم، فيمكن تلخيصه بعبارة واحدة: الإنجاز الحقيقي للمقاومات ليس تمييع النصر، إنما استبدال منطق الدول بمنطق الجماعات، وهذا ليس تقدماً بقدر ما هو عودة إلى ما قبل وستفاليا. وإذا استمر هذا المنطق، فالمنتصر الوحيد هو الفوضى، والخاسر الأكبر هو الإنسان العادي.
اليوم، حين يتحدث الجميع عن ضرورة أن تمسك الدولة بمفاصل القرارات المصيرية، فإنهم يغفلون هذه النتيجة، ويحمّلون مكونات البلد المتداعية أصلاً، ما لا طاقة لها على حمله. ولا يشذ عن هذا التطلب حليف أو عدو. فإسرائيل نفسها التي اختبرت هذه الحروب بالدم والنار، تطالب الحكومة اللبنانية والجيش بنزع سلاح حزب الله، وهي أكثر الأطراف دراية ومعرفة بأن حزب الله، حتى من دون صواريخه البعيدة المدى، هو القوة شبه الوحيدة التي تقيم على التراب اللبناني، وكل القوى الأخرى إما ملحقة به، أو هي في طور التشكل البدائي، أو في طور الانحلال التدريجي والخروج عن وظيفتها خروجاً لا عودة عنه.
ما تقدم ليس أكثر من محاولة لفهم مآلات الحرب الأخيرة التي جُمدت بوقف إطلاق نار مؤقت. وقف إطلاق نار يقول بوضوح من الجهة الأميركية إن النظام الإيراني انتهى، وما حل محله هو نظام “مقاوم”. وأن هذا النظام الجديد هو الذي يرفض الاستسلام. وفي هذا الإعلان تحاول الولايات المتحدة اليوم أن تقرأ مسار هذا النظام المقاوم المستقبلي، وتضع له حدوداً صارمة لمنعه من تجاوزها. باختصار، لا تهتم أميركا بمن يحكم إيران وكيف يحكمها، ما تهتم له الآن هو بالضبط تعطيل نشاط هذا النظام المقاوم من دون المساس بسلطته المطلقة.
من جهتها، ترى إيران أنها انتصرت في هذه الحرب، بدليل أنها لم توافق على الاشتراطات الأميركية لإنهاء الحرب. تعلم طهران أن كلفة إعادة الحياة إلى ما كانت عليه قبل هذه الحرب باهظة جداً. لكن نظامها يعرف أن الخيارات المتاحة أمام الإيرانيين معدومة، وأن الخطوة المقبلة التي قد يفكر فيها أي طرف لتغيير ما هو قائم، ليست أقل من حرب أهلية غير مضمونة النتائج، حتى لو كان النصر العسكري فيها مضموناً.
دخلت إيران بعد هذه الحرب في نفق لبنان الذي دخله بعد حرب 2006، ولم يعد ثمة في الأفق الإيراني أي خيار سوى حروب أهلية لا تبقي ولا تذر. والأرجح أن العالم كله سيرعى هدوءاً حذراً في الداخل الإيراني، ويغض نظره عن الكثير مما يجري إلى أن تنفجر الحروب مرة أخرى.
أثناء ذلك، يبدو لبنان كما لو أنه ينتظر انتهاء الحرب الإسرائيلية عليه ليبدأ حربه الداخلية. ولا يبدو هذا الانتظار خياراً، بقدر ما هو ممر لا بديل له. جل ما يأمل به اللبنانيون اليوم، ألا تكون الحرب التي تتنظره ساخنة على النحو الذي اختبره في العامين الماضيين. لكن برودة الحرب المقبلة لن تضعه في منأى من اختبار الخسارات على نحو أشد وطأة مما اختبره ويختبره منذ سنوات.
المدن
——————————-
الذين يريدون تغيير النظام/ رضوان السيد
10 أبريل 2026 م
ما عاد أحدٌ يصرّح بإرادته تغيير النظام الإيراني. وكان الرئيسُ الأميركي، دونالد ترمب، الذي هدّد يوم الثلاثاء 7 أبريل (نيسان) 2026 بإنهاء الحضارة الإيرانية، هو أولَ من تخلّى عن ذاك الهدف. وأصرّت إسرائيل على ذلك أياماً ثم سكتت، لكنّ رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بخلاف ترمب، يفضِّل استمرار الحرب. والسكوت عن هدف إسقاط النظام عدّه الإعلام الإيراني فشلاً، فقد توقع الأميركيون وحلفاؤهم بعد مقتل «الولي الفقيه» أن ينهار النظام وأن تشتعل المظاهرات، ووقعوا في ارتباكٍ كبير حين لم يحدث شيءٌ من ذلك.
هناك فرقٌ بين الرغبة في إنهاء الحرب، والرغبة في تغيير النظام. فباستثناء روسيا والصين، و«الحشدِ الشعبي» بالعراق، و«الحزبِ» المسلح في لبنان، والحوثيين باليمن، فليس لـ«إيران ولاية الفقيه وتصدير الثورة» صديق. حتى الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قال مرةً لجهةٍ كانت تريد توسيطه مع إيران: «ليس هناك أصعب من التفاوض معهم؛ لأنهم لا يذكرون ما يريدونه مرةً واحدةً أو اثنتين». شعار «لا شرقية ولا غربية» يصاحبهم منذ قيام الثورة عام 1979؛ ولذلك فتكوا بشراسة بحزب «توده» الشيوعي القريب من السوفيات، كما أعدموا عشراتٍ ممن عدّوهم أنصار أميركا. والذين كانوا يريدون ترك إيران وشأنها في العالم الغربي، صاروا ضدّها بعد عام 2004 وتحويل ملفها النووي من «وكالة الطاقة» إلى «مجلس الأمن»، ودخلوا في الفيلم الطويل للعقوبات.
وهكذا؛ ما من أحد سَيَأسَى على النظام إذا سقط، خصوصاً بعد التجارب مع إيران في أفغانستان والعراق وسوريا ولبنان واليمن، ومصائبِ الحروب الأهلية والقتل والتهجير وغسل الأموال وإنتاج المخدرات والاتجار بها. وفي الدول العربية، وإن لم تحبذ الحربَ الأخيرة، فإن إيران خلال أكثر من 4 عقود تعرضت لأمن واستقرار كل دول بلاد الشام، وكل دول وبلدان الخليج. ولذلك؛ فما من جهةٍ عربية أو دولية تملك وُدّاً نحو «نظام ولاية الفقيه» وإن لم تعمل على إسقاطه، بل تعمل كل الوقت على اتقاء شره بالمداراة؛ بِعَدِّ أنّ سقوط أي نظام يأتي من الداخل!
معظم دول العالم ما كانت تحبذ الحربَ الأخيرة التي قام بها الإسرائيليون والأميركيون منفردين؛ فقد كانت حسابات أجهزة الأمن في سائر الدول أنّ الحرب ستنشر الاضطراب في منطقة الشرق الأوسط، وأنه ستتأثر الموارد النفطية والغازية والممرات البحرية، وفي طليعتها مضيق هرمز، وربما باب المندب. وظنّ الأوروبيون والعرب أنهم يظلّون بمأمنٍ نسبياً إذا وقفوا على الحياد، بل وعارضوا علناً حرب الرئيس ترمب. لكنّ إيران بعد اليوم الأول، ومقتل خامنئي، هجمت على الجميع، خصوصاً على دول الخليج؛ بما فيها عُمان؛ وَسِيطُها المفضَّل على مدى عقود. وإلى ذلك، أثارت حزبَها في لبنان، ثم «الحوثيين» و«الحشد الشعبي»، وسدت مضيق هرمز. وهكذا حدثت أزمة عالمية في إنتاج البترول والغاز وفي التصدير إلى دول العالم. وتصاعدت مداخيل الروس مؤقتاً. لكنّ الأزمة قسمت العالم الذي كان معارضاً الحرب إلى معسكرين: المعسكر الذي صار أشد إصراراً على وقف الحرب، وهو متقدم حتى في الداخل الأميركي. والمعسكر أو الفريق الذي صار مقتنعاً بأنه لا خلاص لمنطقة الشرق الأوسط والعالم من الأزمات إلا بتغيير النظام الإيراني بعد اليأس من أن يغيّر سياساته المأزومة والمتوترة والعدوانية على مدى عقود، والمضرة بالعالم كله؛ وفي طليعته الصين الحليفة.
وعلى سبيل التطارف، وربما التظارف، راح كَتَبَةٌ عربٌ يتأملون المشهد فيما لو سقط النظام الإسلاموي الإيراني، وحلَّ محله نظامٌ قومي، فارتأى بعضهم أنّ النظام الحالي أفضل! وفضلاً عن أنّ ذلك ليس وارداً الآن؛ فإنّ النظام الحالي في الواقع خليطٌ من الأمرين، فعندما كانت «جماعة سليماني» تفتخر بالاستيلاء على 4 عواصم عربية، ما كانت تَذكُرُ الإسلامَ ولا حتى «ولاية الفقيه»؛ بل تذكر إيرانَ وقيادةَ «الحرس الثوري» في الاستيلاء على البلدان والعواصم العربية بالبلدان المجاورة وغير المجاورة. وقد قال إيراني بارز قبل شهرين: «الوطني الإيراني هو من لا يريد تعريض بلاده للأخطار».
لا أعرف بالفعل آثار الحرب الحالية على مستقبل النظام، فربما تزيده صلفاً. لكنّ الذي أعرفه يقيناً أننا نحن العرب ما عشنا أيام راحة مع نظامَي الخميني وخامنئي… إنما ما السبب الحقيقي؟ هذا ما لا نتفق عليه: هل هو حرب صدّام، أم النهوض المذهبي للاستيلاء على المنطقة، أم أحقاد التاريخ الطويل المستقرة في أذهان الملالي؟
من يريد تغيير النظام الإيراني؟ أولئك الذين يضرب النظامُ العدواني أمنَهم واستقرارهم وتقدمهم… وهم كثيرون.
الشرق الأوسط
———————————
الولايات المتحدة وإيران أعلنتا وقف إطلاق النار لأسبوعَين/ مايكل يونغ
تحليل مقتضب من باحثي كارنيغي حول الأحداث المتعلقة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
نشر في 9 أبريل 2026
ماذا حدث؟
قُبيل انقضاء المهلة التي حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام إيران كي تُعيد فتح مضيق هرمز – وإلا كانت الولايات المتحدة ستُقدِم على تدمير البنى التحتية المدنية الإيرانية، مُتسبّبةً “بفناء حضارة بأكملها الليلة”، على حدّ تعبير ترامب – وافق الطرفان على وقفٍ لإطلاق النار يمتدّ أسبوعَين. وتم ذلك عَقب جهود وساطة قادها رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، ورئيس أركان جيشها عاصم منير، بمشاركة تركيا ومصر.
أعلن شريف هذه المحصّلة في منشورٍ له على منصّة “أكس”، ودعا “وفدَي الطرفَين [الأميركي والإيراني] إلى إسلام آباد يوم الجمعة 10 نيسان/أبريل 2026 لمزيدٍ من التفاوض بهدف التوصل إلى اتفاقٍ نهائي لتسوية جميع الخلافات”. كذلك، أشار رئيس الوزراء إلى أن وقف إطلاق النار فوري، ويشمل “لبنان ومناطق أخرى”. في المقابل، كتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تغريدةً قال فيها إن إسرائيل تدعم “قرار الولايات المتحدة تعليق الضربات على إيران لمدّة أسبوعَين، وذلك بشرط أن تقوم طهران فورًا بفتح المضائق ووقف جميع الهجمات ضدّ الولايات المتحدة وإسرائيل ودول المنطقة”. لكنه أضاف أن “وقف إطلاق النار لمدّة أسبوعَين لا يشمل لبنان”.
أين تكمن أهمية ذلك؟
أنهى وقف إطلاق النار يومًا مشحونًا بالتوتّر بقي خلاله ترامب والإيرانيون منخرطين في لعبة حافة الهاوية حتى اللحظات الأخيرة تقريبًا. فقد هدّد الرئيس الأميركي عبر حسابه على منصّة “تروث سوشيال” بمحو إيران بالكامل، الأمر الذي قوبِل بردّ فعل سلبي جدًّا في أوساط قاعدته المحافِظة. وكانت بعض التقارير تحدّثت عن أنّ الإيرانيين قد ألغوا المفاوضات مع واشنطن، وقال النائب الأول للرئيس الإيراني في منشورٍ على وسائل التواصل الاجتماعي إن “ردّنا على وحشية العدو هو التمسّك بالمصالح الوطنية والاعتماد على القوة الذاتية لشعب إيران العظيم”. مع ذلك، بدا واضحًا إلى حدٍّ ما أنّ الطرفَين لم يجدا مصلحةً في مواصلة الصراع، ليس فقط بسبب استعداد الولايات المتحدة لإلحاق دمارٍ هائل بإيران، بل أيضًا بسبب غياب خيارات أخرى متاحة أمام الأميركيين على ما يبدو لإعادة فتح مضيق هرمز.
إن مواصلة إسرائيل عملياتها العسكرية في لبنان ترك سؤالَين أساسيَين من دون إجابة، وهما: لماذا وافقت طهران على وقف إطلاق النار مع الجانب الأميركي الإسرائيلي، بعدما كانت قد رفضت سابقًا أيّ مقترحٍ لا يتضمّن إنهاء الأعمال العدائية بشكلٍ كامل؟ وهل قبلت بوقف إطلاق نارٍ لا يشمل لبنان، بعدما كانت قد أصرّت على إدراجه في أيّ تسوية مماثلة؟ بدا الجواب عن السؤال الأول واضحًا، وهو أن احتمال تصعيدٍ أميركي واسع ضدّ البنية التحتية الإيرانية لم يترك لطهران ما يكفي من أوراق الضغط لفرض وقفٍ دائم لإطلاق النار.
أما الإجابة عن السؤال الثاني، فهي أن رفض إسرائيل شمول لبنان في وقف إطلاق النار شكّل معضلةً لإيران. من جهة، إذا واصلت طهران الالتزام بالاتفاق على الرغم من الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان، فسيؤكّد ذلك تخلّيها عن حلفائها اللبنانيين، ما يوحي بأن دور هؤلاء يقتصر على أن يكونوا وقودًا للمدافع الإيرانية. ومن جهة أخرى، إذا امتنعت إيران عن تطبيق وقف إطلاق النار بحجّة أن إسرائيل لا تحترمه، فإن ذلك سيصبّ إلى حدٍّ كبير في صالح هذه الأخيرة لأنها لا ترغب في هذا الاتفاق أساسًا. والجدير بالذكر أن نتنياهو كان قد حضّ ترامب في 5 نيسان/أبريل على عدم القبول بوقف إطلاق النار في هذه المرحلة.
سيجري تقديم إعادة فتح مضيق هرمز بوصفها إنجازًا كبيرًا لترامب، مع أن طهران أوضحت أن المرور الآمن عبر الممرّ سيكون ممكنًا لمدة أسبوعين “من خلال التنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية ومع مراعاة القيود التقنية”. وفي صباح اليوم التالي لوقف إطلاق النار، كانت هذه الخطوة قد أعادت هدوءًا مؤقّتًا إلى الأسواق، إذ انخفض سعر خام برنت بنسبة 15 في المئة، إلى ما دون 93.82 دولارًا للبرميل. وخلال الأسابيع الأخيرة، واجه ترامب صعوبةً كبيرة في إبقاء الاقتصاد الأميركي بمنأى عن تداعيات الحرب مع إيران، وكان على وشك استنفاد قدرته على التحكّم في ذلك مع اتّضاح أن الولايات المتحدة لا تملك حلًّا سحريًا لإعادة فتح مضيق هرمز.
ما هي التداعيات المستقبلية؟
لا تزال جوانب كثيرة من اتفاق وقف إطلاق النار غير معروفة. ومن الأمور اللافتة تصريح ترامب بأن الولايات المتحدة تلقّت مقترحًا من عشر نقاط من إيران، وأن واشنطن “تعتبره أساسًا عمليًا للتفاوض”. نشرت طهران الخطة بصورة رسمية، لكنّ مسؤولين أميركيين قالوا إن هذه النسخة لا تتطابق مع تلك التي كان ترامب يشير إليها. وينصّ المقترح على التزام الولايات المتحدة باتفاق عدم اعتداء تجاه إيران، واستمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وانسحاب جميع القوات العسكرية الأميركية من الشرق الأوسط، والقبول بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، ودفع التعويضات اللازمة عن الأضرار الناتجة من الحرب، ورفع كافة العقوبات الأساسية والثانوية المفروضة على طهران، إلى جانب بنودٍ أخرى. يصعب تخيّل أن إدارة ترامب قد تتفاوض على مثل هذه الشروط. والواقع أن الورقة الإيرانية جاءت ردًّا على خطة مؤلّفة من خمسة عشر بندًا لا تقلّ تشدّدًا، كانت قدّمتها الولايات المتحدة في أواخر آذار/مارس. ولذا، ما الذي سيناقشه الطرفان تحديدًا في إسلام آباد في وقت لاحقٍ من هذا الأسبوع؟ هل هو مقترحٌ هجين، أم اتفاقٌ جديد، أم شيءٌ آخر؟ لا أحد يدري على ما يبدو.
ثمّة سؤالٌ ثانٍ، وإن كان أقلّ إلحاحًا في الوقت الراهن، قد يطرح تداعياتٍ بعيدة المدى. وفقًا لترامب، ساهمت الصين في إقناع إيران بالانخراط في المفاوضات مع الولايات المتحدة، وهو ما أكّده مسؤولون إيرانيون. وللتذكير، خلال حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973 بين دولٍ عربية وإسرائيل، وبعد التوصّل إلى وقفٍ لإطلاق النار، هدّد الاتحاد السوفياتي بالتدخّل عسكريًا عندما واصلت إسرائيل هجماتها على الجيش الثالث المصري. وردًّا على ذلك، عمَدت إدارة الرئيس الولايات المتحدة السابق ريتشارد نيكسون إلى حشد القوات الأميركية، إذ كان وزير الخارجية آنذاك هنري كيسنجر يسعى بكل الوسائل إلى تفادي إنهاء الحرب تحت وطأة إنذارٍ سوفياتي، لِما في ذلك من تعزيزٍ لمكانة موسكو على حساب واشنطن. لكن إقرار ترامب بدور الصين أفضى تحديدًا إلى تحقيق النتيجة نفسها التي حاول كيسنجر تجنّبها، إذ أظهر خصم واشنطن العالمي في صورة القوة المسؤولة التي أنقذت العالم من حرب مجنونة أشعلتها الولايات المتحدة وإسرائيل. ومن شأن ذلك أن يخلّف تداعياتٍ دولية لن تصبّ في صالح الولايات المتحدة.
أمرٌ أخيرٌ يستحق المتابعة هو تطوّر الأوضاع في لبنان، وردّ فعل إيران على رفض إسرائيل الالتزام بوقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية. ففي 8 نيسان/أبريل، شنّت إسرائيل غارات جوية مكثّفة على مواقع متعدّدة في مختلف أنحاء لبنان، ومن ضمنها مناطق لا تستهدفها عادةً في وسط بيروت، ما أسفر عن سقوط أعدادٍ كبيرة من القتلى والجرحى. ويبدو أن الهدف من الهجمات كان محاولةً لنسف اتفاق وقف إطلاق النار، إذ أدرك الإسرائيليون أن إيران لن يمكنها بسهولة امتصاص الضرر الذي سيلحق بسمعتها إذا قبلت بوقف إطلاق النار لديها وتجاهلت الفظائع التي ترتكبها إسرائيل في لبنان. لذلك، قد تميل طهران إلى الانسحاب من الاتفاق، أو على الأقل ربط تنفيذه باستيفاء شروطٍ محدّدة.
مع ذلك، بعيدًا عن وقف إطلاق النار، ما الذي سيعنيه وضع حدٍّ للأعمال القتالية لمكانة لبنان في سياق أي صفقة نهائية بين الولايات المتحدة وإيران؟ هل سيكون تقويض نفوذ القوى الموالية لإيران في المنطقة جزءًا من أي اتفاقٍ تفاوضي بين واشنطن وطهران؟ وهل يمكن تصوّر ذلك أساسًا، في ظلّ شعور إيران اليوم بأنها عرضة للتهديد؟ في المقابل، إذا لم يتناول اتفاقٌ شامل مسألة حلفاء طهران، فستعتبر إسرائيل ذلك انتكاسةً كبيرة، وكذلك الحكومة اللبنانية، التي تسعى جاهدةً إلى تجنّب انخراط لبنان في الحروب بالوكالة عبر المنطقة. وهذا يعني أن البلاد، التي تبدو خارج أولويات أي طرفٍ، قد تواجه الكثير من الأزمات الجديدة على مدى الأشهر والسنوات المقبلة.
مايكل يونغ محرّر مدوّنة “ديوان” ومدير تحرير في مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط.
مركز مالكوم كير– كارنيغي للشرق الأوسط
——————————
اليوم التالي.. الهدنة التي لا تُنهي الحرب بل تعيد تعريفها/ بشار الحاج علي
2026.04.10
حين تُعلن الهدنات في حروب كهذه، لا يكون الحدث في صمت المدافع بقدر ما يكون في ما يكشفه هذا الصمت. الاتفاق على هدنة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لا يعني أن الحرب انتهت، بل يعني أن شكلها تغيّر، وأن الجميع وصل إلى اللحظة التي يدرك فيها حدود ما يمكن تحقيقه بالقوة وحدها.
الهدنة هنا ليست نهاية، بل اعتراف متبادل غير معلن بأن الاستمرار في التصعيد يحمل كلفة أعلى من مكاسبه، وأن أي خطوة إضافية نحو الأمام قد تفتح الباب لما لا يمكن السيطرة عليه. وبهذا المعنى، نحن لا ندخل مرحلة “ما بعد الحرب”، بل مرحلة “إدارة ما بعد الذروة”.
في الأيام التي سبقت الهدنة، بدا واضحًا أن كل طرف نجح في إثبات شيء، وفشل في تحقيق شيء آخر. إسرائيل أثبتت قدرتها على الوصول والضرب، لكنها لم تستطع إنهاء التهديد. إيران صمدت وامتصّت الضربات، لكنها دفعت ثمنًا استراتيجيًا واضحًا. أما الولايات المتحدة، فنجحت في ضبط إيقاع الحرب ومنع انفلاتها، لكنها لم تفرض نظامًا جديدًا ولم تحسم الصراع.
هنا تحديدًا تولد الهدنة: عند نقطة التوازن بين القدرة على الاستمرار والخوف من الانزلاق. لكن، ما الذي تغيّره الهدنة فعلًا؟
أول ما تفعله هو نقل الصراع من العلن إلى الظل؛ فبدل أن تُقاس القوة بعدد الضربات، ستُقاس بقدرة كل طرف على إعادة التموضع، وإصلاح ما تضرر، وتحضير الجولة القادمة دون أن يبدو كأنه يخرق الاتفاق.
الهدنة لا تُلغي الصراع، بل تُخفض صوته وتُعقّد أدواته.
ثانيًا، تخلق الهدنة وهم الاستقرار. ستنخفض وتيرة الأخبار العاجلة، وستهدأ الأسواق نسبيًا، وقد يُخيّل للبعض أن المنطقة تتجه نحو التهدئة. لكن في العمق، ستبقى عناصر التوتر كما هي، وربما تصبح أكثر حساسية، لأن القضايا التي أشعلت الحرب لم تُحل، بل جرى تأجيلها.
وهنا يمكن استحضار مقولة كارل فون كلاوزفيتز: “الحرب هي استمرار السياسة بوسائل أخرى”، لكن ما تكشفه هذه الهدنة هو الوجه الآخر للمقولة: السياسة أيضًا قد تكون استمرارًا للحرب بوسائل أكثر هدوءًا وأطول نفسًا.
في هذا السياق، ستسعى إيران إلى استثمار الهدنة لإعادة بناء قدراتها، ليس فقط عسكريًا، بل في شبكات نفوذها الإقليمية. ستبدو أكثر هدوءًا، لكنها في الواقع ستعمل على تعويض ما خسرته وتثبيت ما بقي لها من أوراق. وربما الأهم، أنها ستخرج من هذه التجربة أكثر قناعة بأن الردع لا يُبنى إلا بتوسيع أدوات الضغط، لا بتقليصها.
في المقابل، ستتعامل إسرائيل مع الهدنة كفاصل عملياتي، لا كتحول استراتيجي. ستعيد تقييم أدائها، وتستخلص الدروس، وتستمر في بناء قدرتها على الضرب الاستباقي. لكنها ستواجه معضلة واضحة: كيف تحافظ على الردع دون أن تعيد إشعال الحرب؟
أما الولايات المتحدة، فستحاول تقديم الهدنة كنجاح دبلوماسي، كدليل على قدرتها على إدارة الأزمات الكبرى دون الانجرار إلى حرب شاملة. لكنها تدرك في الوقت نفسه أن ما جرى هو احتواء مؤقت، وأن جذور الصراع لا تزال قائمة، بل ربما أصبحت أكثر تعقيدًا.
إقليميًا، تفتح الهدنة بابًا لإعادة ترتيب الأوراق. دول المنطقة ستتنفس الصعداء، لكن هذا النفس لن يكون عميقًا بما يكفي لطمأنة دائمة؛ فالجميع يعلم أن الهدوء الحالي قد يكون مجرد استراحة. وهنا تظهر المعضلة العربية بوضوح أكبر: كيف يمكن التعامل مع واقع يتغير باستمرار دون امتلاك استراتيجية واضحة؟
اقتصاديًا، ستمنح الهدنة الأسواق فرصة لالتقاط الأنفاس. قد تنخفض أسعار النفط أو تستقر، وقد تعود بعض التوازنات إلى سلاسل الإمداد. لكن هذا الاستقرار سيبقى هشًا، لأن أي خرق للهدنة أو أي تصعيد مفاجئ يمكن أن يعيد الأمور إلى نقطة الصفر. بمعنى آخر، الاقتصاد سيظل رهينة السياسة، والسياسة ستظل رهينة توازنات القوة.
أما على مستوى التحالفات، فمن غير المتوقع أن تعيد الهدنة الأمور إلى ما كانت عليه. على العكس، ستسرّع من عملية إعادة التموضع. بعض الدول ستشعر بالحاجة إلى تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة، بينما قد ترى أخرى أن تنويع الشراكات مع الصين أو روسيا أصبح خيارًا لا بد منه.
الهدنة هنا لا تجمّد التحولات، بل تمنحها وقتًا لتتبلور. لكن الأهم من كل ذلك هو ما تكشفه الهدنة على مستوى المعنى؛ فهي تؤكد أن هذه الحرب لم تكن قابلة للحسم، وأن أقصى ما يمكن الوصول إليه هو إدارتها لا إنهاؤها. وهذا بحد ذاته تحوّل في طبيعة الصراعات، حيث تصبح القدرة على التحكم بالإيقاع أهم من القدرة على تحقيق النصر.
في “اليوم التالي” للهدنة، لا يكون السؤال من ربح، بل من فهم، ومن استطاع أن يقرأ ما وراء الصمت، وأن يدرك أن الهدوء ليس دائمًا علامة على الاستقرار، بل قد يكون مؤشرًا على إعادة التحضير.
وهنا تعود الأسئلة لتفرض نفسها، وربما بشكل أكثر إلحاحًا من قبل، خصوصًا لدى الساسة العرب:
هل نتعامل مع الهدنة كفرصة لبناء رؤية، أم كاستراحة ننتظر بعدها الجولة القادمة؟
هل تمتلك القوى المتحاربة القدرة على تحويل لحظات التهدئة إلى مسارات استقرار حقيقي، أم أننا سنبقى في المنطقة أسرى ردود الفعل؟
هل يمكن الاستمرار في الاعتماد على توازنات خارجية، بينما تتغير هذه التوازنات نفسها؟
ما هو موقعنا في معادلة تتشكل بين الولايات المتحدة والصين، في ظل حضور روسيا كلاعب يستثمر في الفراغات؟
هل الخطر في عودة التصعيد فقط، أم في أننا لم نستعد أصلًا لليوم التالي؟
ثم السؤال الذي يبقى معلقًا فوق كل ما سبق:
عندما تنتهي هذه الهدنة، سواء بعد أسابيع أو أشهر، هل سنكون أمام حرب جديدة بالمعطيات نفسها، أم أمام منطقة تغيّرت لأن من فيها قرروا أخيرًا أن يكونوا جزءًا من رسم مستقبلها؟
لأن الهدنات، مثل الحروب، لا تصنع المستقبل وحدها،
بل تكشف فقط من كان مستعدًا لها ومن لم يكن.
تلفزيون سوريا
———————–
الهدنة كخدعة: كيف تستمر الحرب بعد أن تتوقف؟/ سالي علي
الجمعة 2026/04/10
إنّ هدنة واشنطن وطهران لا تُنهي التصعيد، إنما تعيد توزيعه على جبهات أكثر هشاشة، حيث يتحول لبنان وسوريا إلى مساحات مفتوحة لحرب لا تُعلن..
قبل انتهاء المهلة بساعات، بدا أنّ المنطقة تتجه نحو لحظة فاصلة. اللغة التي استُخدمت لم تترك مجالاً كبيراً للتأويل، والسقف الذي رُفع أوحى بأنّ الضربة آتية لا محالة. ثم، في اللحظة الأخيرة، تراجع كل شيء خطوة إلى الخلف. لا حرب شاملة، ولا انفجار كبيراً، بل هدنة مؤقتة، كأنها فاصلة قصيرة في نص لم يُكتب بعد.
هذا التحول المفاجئ لا يمكن قراءته كتراجع بسيط. ما جرى أقرب إلى إعادة تعريف لشكل المواجهة نفسها. رفع السقف إلى أقصاه، ثم خفضه في اللحظة الأخيرة، ليس ارتباكاً بقدر ما هو أسلوب قائم بحد ذاته: الضغط إلى حافة الانفجار، من دون السقوط فيه.
فالسياسة الأميركية في هذه اللحظة تبدو وكأنها تراهن على هذا النوع من الردع. ليس ردعاً تقليدياً يقوم على توازن واضح، بل ردع يقوم على إدخال الخصم في حالة شك دائم؛ هل التهديد جدي بالكامل؟ أم أنّه جزء من لعبة تفاوض؟ هذه المنطقة الرمادية هي التي تُستخدم كسلاح.
في المقابل، لا تبدو إيران مستعجلة للرد بالشكل الذي يتوقعهُ خصومها. سلوكها أقرب إلى امتصاص الصدمة، وإعادة توزيعها على الزمن والجغرافيا. هي لا تدخل المواجهة حيث يُراد لها أن تدخل، بل تنقلها إلى أماكن أخرى، وبإيقاع مختلف. هذا النمط ليس جديداً لكنه يظهر هنا بأوضح صوره؛ تفادي الضربة الكبرى، مقابل إبقاء التوتر مفتوحاً.
بهذا المعنى، لا تدور المواجهة بين واشنطن وطهران في مكان واحد. فهي موزّعة، ومتنقلة، وتظهر حيث يمكن إنكارها أكثر مما تُعلن. هنا تحديداً، تدخل بلاد الشام إلى قلب الصورة.
في لبنان، الهدنة تبدو منذ بدايتها غير مكتملة. الجنوب يبقى مساحة قابلة للاشتعال في أيَّة لحظة، ليس لأن قرار الحرب يُتخذ هناك، بل لأن أي خلل في التوازن الإقليمي ينعكس عليه مباشرة. لا يحتاج الأمر إلى تصعيد كبير. حادث محدود، أو قراءة خاطئة، قد يكون كافياً لدفع الأمور إلى ما لا يمكن احتواؤه.
الفكرة التي رافقت تاريخ لبنان الحديث، باعتباره ساحة تتقاطع فيها صراعات الآخرين، لا تزال حاضرة بقوة. ما تغيّر هو حجم المخاطر المحيطة بهذه الساحة. في ظل هذا النوع من التوتر، تصبح الحدود أكثر هشاشة، وتصبح احتمالات الانفجار أعلى، حتى من دون نية مسبقة.
بينما في سوريا، المشهد يبدو أكثر تعقيداً. لا توجد جبهة واحدة يمكن تحديدها، بل شبكة من الاحتكاكات المتداخلة. ضربات إسرائيلية متكررة، حضور إيراني مستمر، وانتشار أميركي في نقاط حساسة. كل طرف يتحرك ضمنَ حساباتٍ دقيقة، لكنّ مجموع هذه التحركات ينتج وضعاً غير مستقر بطبيعته. لا حرب شاملة، لكنْ أيضاً لا سلام فعلياً أيضاً.
ما يلفت في هذا السياق أن إسرائيل لا تبدو مستعدة لمنح أيّ هدنة وقتاً كافياً لتتحول إلى استقرار. من وجهة نظرها، كل فترة هدوء تمنح خصمها فرصة لإعادة التموضع. لذلك تستمر الضربات، ولو ضمن سقف محسوب. هذا السلوك يضعف أي تفاهم، ويجعله أقرب إلى هدنة هشة منه إلى اتفاق فعلي.
بهذا الشكل، يتكوّن مشهد إقليمي يقوم على توازن دقيق ومؤقت في آن واحد. لا أحد يريد الحرب الشاملة، لكن كل الأطراف تقترب منها إلى حد خطير. المسافة بين الاحتواء والانفجار أصبحت قصيرة جداً، وربما أقصر مما تبدو عليه.
السيناريو الأكثر ترجيحاً في المرحلة المقبلة لا يشبه الحروب التقليدية. لا إعلان واضحاً، ولا لحظة بداية يمكن رصدها. بل مسار متدرج من التصعيد المحدود، يتخلله هدوء نسبي، ثم يعود ليرتفع من جديد. حرب منخفضة الشدة، لكنها واسعة الامتداد، وتدور على أكثر من جبهة في الوقت نفسه.
هناك دائماً احتمال أن يتحول هذا النمط إلى مواجهة أوسع. لبنان يبقى النقطة الأكثر حساسية في هذا السياق. أي انزلاق هناك قد يفتح الباب أمام تصعيد إقليمي يصعب ضبطه. سوريا، بدورها، تبقى مساحة مفتوحة لكل الاحتمالات، بحكم موقعها وتشابك القوى داخلها.
أما الحديث عن تسوية شاملة، فيبدو بعيداً في الوقت الراهن. لأنّ الفجوة بين الأطراف لا تزال كبيرة، والثقة شبه معدومة. كل طرف يراهن على أن الضغط سيؤدي في النهاية إلى تنازل من الطرف الآخر، لا إلى تسوية متوازنة.
ما تكشفه هذه اللحظة هو أنّ التهديدات الكبرى لم تعد تعني بالضرورة حرباً كبرى. يمكن استخدامها كأداة ضغط، وكجزء من معركة نفسية وسياسية، من دون الوصول إلى نهايتها القصوى. لكن هذا لا يجعل الوضع أكثر أماناً. على العكس تماماً، هو يزيد من درجة عدم اليقين، ويجعلُ الخطأ أكثر كلفة.
في النهاية نستنتج أنّ ما حدث لم يُنهِ المواجهة، بل نقلها إلى مستوى أكثر تعقيداً. هدنة قصيرة، توتر طويل، واحتمالات مفتوحة. الحرب لم تعد حدثاً يقع مرة واحدة، بل حالة مستمرة، تتغير أشكالها وتتنقل بين الجبهات.
وأخطر ما في هذه المرحلة أن الانفجار، إن حصل، قد لا يأتي من حيث تتجه الأنظار، بل من نقطة تبدو هامشية. هناك، في تلك المساحات التي لا تحظى بالاهتمام الكافي، تُكتب غالباً بدايات الحروب.
المدن
——————-
استراتيجية حزب الله في زمن الحرب/ محمد فواز
on 9 أبريل 2026
مع دخول الحرب على الجبهة اللبنانية شهرها الثاني، لا تزال إسرائيل ماضيةً في ما تعتبره معركتها الأخيرة ضدّ حزب الله، الذي يخوض القتال للحفاظ على وجوده، مُعتمدًا على سياسات عدّة لتعزيز موقعه.
يركّز المسار الأول على التأثير في الأوضاع داخل إسرائيل. فمن خلال إطلاق وابلٍ منتظم من الطائرات المسيّرة والصواريخ على شمال إسرائيل ومناطق أخرى، يسعى حزب الله إلى تحقيق مجموعةٍ من الأهداف المتداخلة، مثل إخضاع جبهة إسرائيل الداخلية لضغوطٍ مستمرّة، واستنزاف منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، وتكريس حالة طويلة من انعدام الاستقرار، فضلًا عن إلحاق خسائر مباشرة بإسرائيل حيثما أمكن وبالتنسيق مع إيران. لذا، قد يكون الحزب أكثر اهتمامًا بالحفاظ على وتيرة هذه الهجمات، من اهتمامه بقياس تأثيرها المباشر والملموس. فما يهمّ بالدرجة الأولى هو استمراريتها، وسط احتمال إطالة أمد المواجهة الحالية، فضلًا عن تضرّر خطوط إمداد الحزب بالسلاح عَقب سقوط نظام بشار الأسد في سورية.
ويكمن المسار الثاني في ربط الحرب الدائرة بالصراع الإقليمي المُحتدم بين الجانب الأميركي الإسرائيلي من جهة، وإيران من جهة أخرى. فمنذ البداية، شكّل انخراط حزب الله في الحرب جزءًا من المواجهة الإقليمية الأوسع، إذ أعلن أن الرشقة الصاروخية التي أطلقها تندرج في إطار الردّ على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي. وسلّطت عمليات الاستهداف الإسرائيلية التي طالت إيرانيين في لبنان الضوءَ على وجود عناصر من الحرس الثوري الإيراني ينشطون إلى جانب حزب الله على الأراضي اللبنانية. وأفادت تقارير عدّة بتصاعد الهجمات المنسّقة بين طهران والحزب، ما يؤكّد على الترابط الوثيق بين الجبهتَين اللبنانية والإيرانية. وتهدف هذه الضربات المنسّقة إلى إرهاق منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلي وتشتيتها، ما يتيح للصواريخ البالستية الإيرانية اختراق الأجواء الإسرائيلية. لذلك، إن النظر إلى هذا النزاع من منظور لبناني صرف قد يؤدّي إلى إغفال الديناميّات الإقليمية الأوسع التي ترسم مسار الأحداث.
أمّا المسار الثالث فيرمي إلى مقاومة الغزو البرّي الإسرائيلي. منذ اندلاع الحرب، لم تضع إسرائيل إطارًا زمنيًا واضحًا لإنهاء عملياتها العسكرية، بل ظلّ خطابها غامضًا، وعكست تصريحات مسؤوليها حالةً من التباين في المواقف. على سبيل المثال، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في 31 مارس/آذار عن نيّة بقاء القوات الإسرائيلية في “منطقة أمنية” عازلة داخل الأراضي اللبنانية، وتحديدًا جنوب نهر الليطاني، وأضاف أن جميع المنازل في القرى المتاخمة للحدود سيتمّ هدمها “على غرار نموذج رفح وبيت حانون” في غزة.
لكن الجيش الإسرائيلي عمَد لاحقًا إلى “توضيح” تصريحات كاتس، مُحدِّدًا أهدافًا أضيق إلى حدٍّ ما، ومُشيرًا إلى أن مهمته تقتصر على استهداف ما وصفه بـ”البنية التحتية الإرهابية”، لا تدمير جميع المنازل.
يعي حزب الله على ما يبدو أنه لا يستطيع وقف تقدّم القوات الإسرائيلية على جميع الجبهات. لذا، ركّز بدلًا من ذلك على رفع كلفة هذا التقدّم، وإبطاء وتيرته، وزيادة الخسائر التي تتكبّدها إسرائيل بهدف دفعها إلى تخفيض سقف طموحاتها. وعوضًا عن الاعتماد على الدفاع التقليدي الثابت، يتبنّى الحزب مقاربةً ميدانية أكثر مرونةً تركّز على الاستنزاف، وتشمل نشر وحدات قتالية صغيرة ومتحرّكة مزوّدة بصواريخ موجَّهة مضادّة للدروع، إلى جانب تنفيذ هجماتٍ بالطائرات المسيّرة، وخوض اشتباكاتٍ من المسافة صفر. ويتمثّل الهدف من ذلك في تحويل التوغّل البرّي إلى حربٍ طويلة ومُنهِكة لإسرائيل، تستنزف قدراتها تدريجيًا.
ويتمحور المسار الرابع حول جهود حزب الله للدفاع عن موقعه في الداخل، وتجنُّب التعرّض إلى الإقصاء السياسي، ولا سيما أن الدولة اللبنانية اتّخذت سلسلةً من الإجراءات ضدّ الحزب منذ الأيام الأولى للصراع. ففي 2 آذار/مارس، أعلنت حكومة رئيس الوزراء نواف سلام حظرَ أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية، مشدّدةً على أن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى حصرًا بيد الدولة، ما يعكس تحوّلًا مفصليًا في الموقف اللبناني الرسمي. ومع احتدام الحرب، أعرب لبنان، في خطوةٍ غير مسبوقة، عن استعداده لاحتمال إطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. ثم بلغت المواجهة السياسية مع الحزب ذروتها عبر إصدار الحكومة قرارًا قضى بطرد السفير الإيراني من لبنان، علمًا أن هذا الأخير رفض الامتثال للقرار.
ردًّا على هذه الخطوات، لجأ حزب الله بدوره إلى التصعيد عبر قنواتٍ متعدّدة، محاوِلًا تقويض هذه القرارات أو تعطيلها أو على الأقل الحدّ من تأثيرها. على المستوى الشعبي، حشَد الحزب مناصريه في 26 آذار/مارس احتجاجًا على قرار طرد السفير الإيراني، موجّهًا رسالةً واضحة مفادها أن مثل هذه الخطوة لن تمرّ مرور الكرام في المشهد الداخلي. وعلى مستوى الخطاب العام، تصدّرت وجوهٌ متشدّدة النقاش لرفع سقف خطاب الحزب تجاه السلطات، وعلى رأسهم النائب السابق نواف الموسوي، والوزير السابق محمود قماطي، ورئيس وحدة الارتباط والتنسيق السابق في حزب الله وفيق صفا. على سبيل المثال، شبّه قماطي حكومة نواف سلام بنظام فيشي في فرنسا، الذي حوكِم قادته في النهاية وأُعدِم بعضهم. وتوعّد بأن حزب الله “قادرٌ على قلب البلد”. وقد أعاد ذلك إلى الأذهان أحداث 7 أيار/مايو 2008، التي أدّت إلى إسقاط حكومة فؤاد السنيورة عَقب سيطرة حزب الله على بيروت الغربية.
يُضاف إلى ذلك أن حزب الله يبذل جهودًا حثيثة لتوحيد الصف الشيعي وتفادي التشرذم، في ظلّ ضغوط الحرب والتجاذبات الداخلية المستمرّة. ومع أن رئيس مجلس النواب نبيه بري، الحليف الأقرب لحزب الله، بدا في البداية وكأنه اتّخذ مسافةً من الحزب، كما ظهر من تصويت وزراء حركة أمل مع قرار الحكومة بحظر أنشطة حزب الله العسكرية، سُرعان ما زال هذا التباين. فبعد صدور قرار طرد السفير الإيراني من دون التشاور مع بري، رأى هذا الأخير على ما يبدو أن هذه الخطوات تهدف إلى تقليص نفوذ الطائفة الشيعية في لبنان. ونتيجةً لذلك، طلب من وزرائه مقاطعة جلسة مجلس الوزراء المخصّصة لمناقشة طرد السفير، كما قاطعها وزراء حزب الله، ما قوّض الادّعاء بوجود خلاف بين بري والحزب.
من الناحية العملية، امتنع حزب الله عن تقديم أي تنازلات سياسية تمسّ موقعه الداخلي أو علاقة لبنان مع إسرائيل، قبل انتهاء الحرب. فالحزب يخشى حظرَه بالكامل بمجرّد توقّف الصراع، وقد جادل بأن الدولة قدّمت تنازلاتٍ كثيرة لإسرائيل حتى قبل بدء المفاوضات.
وفي حال تمكّن حزب الله من الصمود وخرَج من الحرب متماسكًا، من المرجّح أن يصوِّر ذلك على أنه انتصار ويسعى إلى تحويل صموده إلى ورقة قوة في المشهد السياسي الداخلي. وسيستغلّ الحزب كلّ الوسائل المتاحة له، على الرغم من الثمن الباهظ الذي تكبّده كلٌّ من لبنان وحزب الله نفسه وبيئته الحاضنة، حتى لو لم يعد يتمتّع بالقوة نفسها التي كان يمتلكها بعد حرب تموز/يوليو 2006. إن هذه الأوضاع تُفاقم حالة القلق في لبنان، بسبب اتّساع طموحات إسرائيل وتكثيف اعتداءاتها على الأراضي اللبنانية، إضافةً إلى سجلّ حزب الله الطويل في تحويل انتكاساته إلى مكاسب سياسية داخلية، أحيانًا عبر استخدام القوة.
——————————-
كلما خف الضغط الخارجي اشتد القمع الداخلي: كيف يرى الإيرانيون الهدنة؟/ أمير حسين مير إسماعيلي
قالوا إن بقاء النظام يعني استمرار مسار عقود من التدهور طاول البنية التحتية والاقتصاد ومستوى المعيشة
الخميس 9 أبريل 2026
يرى كثير من المواطنين الإيرانيين أن استمرار نظام الجمهورية الإسلامية، حتى في غياب النزاع العسكري، يعني استمرار مسار عقود من التدهور طاول البنية التحتية والاقتصاد ومستوى معيشة المواطنين، على رغم مخاوفهم من تداعيات الحرب.
في وقت أعلن وقف إطلاق نار مدة أسبوعين بين النظام الإيراني من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تشير الرسائل الواردة إلى صحيفة “اندبندنت فارسية” من مدن مختلفة في إيران إلى أن ردود فعل الرأي العام متباينة، تجمع بين شعور نسبي بالهدوء وقلق شديد وعدم ثقة وإرهاق عميق.
وقالت ويدا من طهران (32 سنة) في رسالة إلى صحيفة “اندبندنت فارسية”، “كنا نخاف من الحرب لكننا نخاف أكثر مما بعدها، وإذا كان هذا الوقف يعني أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستتراجع والنظام الإيراني سيبقى فسيحين وقت الانتقام من الناس، وحتى اليوم رأيت عدد الباسيج في الشوارع أكثر بكثير وبعضهم لا يتحدث الفارسية، والجميع يقول إنهم من قوات ‘فاطميون’ أو الحشد الشعبي”.
وأشار رجل يبلغ من العمر 40 سنة من كرج إلى الوضع الاقتصادي قائلاً إنه “لا أحد سعيد، فقط تنفسنا الصعداء لأن البنى التحتية لم تدمر، وتصريحات ترمب عن إعادة إيران للعصر الحجري كانت مخيفة جداً، لكن الحقيقة أن بقاء النظام الإيراني يعني أن هذا الدمار يحدث تدريجياً والأسعار ترتفع يومياً، ولا وظائف ولا مستقبل واضح”.
وكتب شاب يبلغ من العمر 28 سنة من مدينة ساري قائلاً “هذا الوقف لا يمنحنا أي ضمان، والتجربة أظهرت أنه كلما خفت الضغوط الخارجية ازداد القمع الداخلي، وفي الوقت نفسه تُصرف مزيد من الأموال على مخازن الصواريخ أو الميليشيات الخارجية، ونحن قلقون جداً من تصاعد الاعتقالات والإعدامات لأن النظام يحمل ضغينة كبيرة ضد الشعب، والإنترنت لا يزال مقطوعاً، وحتى مع برامج كسر الحجب التي تصل كلفة كل غيغابايت منها إلى 100 مليون ريال (سبعة دولارات)، نستخدمه بصورة موقتة”.
وإضافة إلى المخاوف الأمنية يظل الوضع الاقتصادي أحد أبرز القضايا التي تقلق المواطنين، إذ تشير الرسائل إلى ارتفاع حاد في أسعار المواد الأساس وتراجع القوة الشرائية وركود واسع في الأسواق، ويقول كثر إن الحرب الأخيرة زادت من حدة التضخم وارتفاع الأسعار، ولا يوجد أي مؤشر إلى تحسن الوضع، إذ يشكل انقطاع الإنترنت وخلله محوراً رئيساً للامتعاض، إذ يؤثر في تدفق المعلومات ويعطل الأعمال التجارية الإلكترونية والوظائف المرتبطة بالإنترنت، مما يعوق الحياة اليومية بصورة كبيرة.
وإضافة إلى ذلك يتضح انتشار الإرهاق النفسي والضغط النفسي بين الناس، وتشير كثير من الرسائل إلى القلق المستمر وانعدام الاستقرار وغياب أي أفق واضح للمستقبل، إذ يشعر المواطنون بأنهم لا يستطيعون التفاؤل لا بانتهاء الحرب ولا بتحسن الأوضاع في حال استمرار الوضع الراهن، وقال طالب يبلغ من العمر 23 سنة من مدينة أصفهان “لسنا سعداء بالقصف لكننا نخاف أيضاً من أن تنتهي الحرب ويبقى هذا النظام، فماذا عن كل وعود ترمب لنا؟ ولماذا تراجع عن كلامه؟ وإذا كان كل شيء سيعود كما كان فهذا يعني استمرار المسار ذاته مدة 47 عاماً، مع ضغوط أكبر على الشعب وكلف إعادة إعمار ما دمرته الحرب”.
وأشار معلم يبلغ من العمر 45 سنة من مدينة همدان إلى أنه “لا أحد هنا يشعر بالنصر بل مجرد توقف موقت، والناس مرهقون من الغلاء والبطالة وهذا الوضع غير المستقر، وإذا استؤنف القمع بعد هذا الوقف فقد تصبح الأمور أسوأ من قبل، فلا تتركونا وحدنا مع هذه الظروف”.
وتشكل هذه الروايات جزءاً من عشرات الرسائل التي وردت إلى صحيفة “اندبندنت فارسية” خلال الساعات التي أعقبت إعلان وقف إطلاق النار، وتظهر أن جزءاً من المجتمع الإيراني لا ينظر إلى هذا الاتفاق الموقت كحل نهائي للأزمة وحسب، بل كمرحلة عابرة ومثيرة للقلق أحياناً، وتشير التقارير الواردة من مدينة طهران وبعض المدن الكبرى إلى استمرار الأجواء الأمنية المشددة في الشوارع، وتذكر مصادر محلية أن وجود قوات الباسيج والدوريات الآلية وعناصر بزي مدني لا يزال كثيفاً بل وزاد في بعض المناطق، كما لفت شهود إلى ظهور أفراد يعرف عنهم الانتماء إلى ميليشيات أجنبية شبه نظامية في مناطق عدة من المدينة.
وعلى رغم تنوع الرسائل لكن ثمة نقطة مشتركة بارزة، وهي الرغبة الواسعة في إنهاء الوضع الراهن وإحداث تغيير جذري في الهيكل السياسي، فكثير من المواطنين الإيرانيين، وعلى رغم مخاوفهم من تداعيات الحرب، يرون أن استمرار حكم نظام الجمهورية الإسلامية حتى في غياب النزاع العسكري، يعني استمرار مسار عقود من التدهور طاول البنية التحتية والاقتصاد ومستوى معيشة المواطنين، وما يظهر من الرسائل لصحيفة “اندبندنت فارسية” هو صورة لمجتمع عالق في وضع معقد يخشى الدمار الناتج من الحرب، لكنه من جهة أخرى يرى أن انتهاء الحرب من دون تغيير سياسي يمثل سيناريو بالغ الخطورة، ومن ثم فيبدو أن وقف إطلاق النار مدة أسبوعين بالنسبة إلى كثيرين ليس مؤشراً على انتهاء الأزمة، بل مجرد فترة توقف قصيرة في مسار لا يزال غامضاً ومتوتراً ومليئاً بانعدام اليقين.
نقلاً عن “اندبندنت فارسية”.
—————————-
القوة أحيانا لا تكون على حق: ترامب أكبر الخاسرين في الحرب على إيران
خصصت مجلة “إيكونوميست” غلاف عددها الأخير لحرب دونالد ترامب ضد إيران، حيث وضعت صورته وبيافطة مكتوب عليها “المهمة أنجزت”. وفي افتتاحيتها قالت إن الرئيس ترامب هو أكبر الخاسرين، مشيرة إلى السبب الذي جعله يبحث بيأس عن مخرج من مأزقه في إيران.
وقالت إن كل الحروب ليس فيها منتصر، لكنها تنتهي دائما بخاسر واحد، وإذا كان وقف إطلاق النار هو نهاية الحرب في إيران، فسيكون ترامب أكبر الخاسرين. فقد أدى هذا الصراع إلى عرقلة أهدافه الحربية الرئيسية، وكشف عن ضيق رؤيته لأسلوبه الجديد في استخدام القوة الأمريكية.
وأضافت أن السلام لا يزال هشا جدا، ولم تتفق أمريكا وإيران على ما إذا كانت الهدنة تشمل لبنان، الذي يتعرض لهجوم إسرائيلي عنيف، مما يشير إلى أن المطالبة بتوسيع وقف إطلاق النار كان متعمدا. ويختلف الطرفان على كيفية فتح إيران لمضيق هرمز، وهو شرط أمريكي مسبق للمفاوضات، كما أن مواقفهما التفاوضية متباعدة لدرجة أنهما لا يتفقان حتى على الخطة التي سيناقشانها في إسلام آباد نهاية الأسبوع.
وتعتقد المجلة أن أفضل سبب يدعونا للاعتقاد أن ترامب لن يعود إلى الحرب هو إدراكه الآن أنه ما كان ينبغي له إشعالها أصلا.
وترى “إيكونوميست” أن منشوراته البغيضة التي هدد فيها بتدمير إيران تبدو وكأنها محاولات لتبرير تراجعه. فهو يعلم أن تجدد الحرب سيثير الذعر في الأسواق، وأنه بعد أن أشاد بـ”العصر الذهبي” في الشرق الأوسط، فلاعب الشطرنج متعدد المواهب سيخاطر بالظهور بمظهر الأحمق.
ومن جانبها، فإن إيران لديها أسبابها للراحة، فقادتها يقتلون باستمرار.
وتزعم المجلة أنهم، وإن كانوا لا يبالون كثيرا بمواطنيهم، إلا أن التدمير الشامل لشبكات الكهرباء والنقل سيجعل حكم البلاد أكثر صعوبة. ويريدون في الوقت نفسه رفع العقوبات. ويعتقد النظام أيضا أن الوقت في صالحه على طاولة المفاوضات، فلا يمكن لأمريكا أن تبقي قواتها على أهبة الاستعداد للأبد. وعليه، فلو عادت الحرب، فسيكون ذلك بسبب مبالغة إيران في تقدير قوتها.
وترجح المجلة أن النتيجة الأكثر ترجيحا هي نظام إيراني منهك، متشبث بالسلطة ومتمسك بأقصى الأهداف في المحادثات. وأضافت أن إيران لا تملك قوة بحرية أو جوية، لأنها استنفدت واستهلكت الكثير من صواريخها وطائراتها المسيرة. ولإنتاج المزيد منها، سيتعين عليها التعامل مع حقيقة أن اقتصادها قد تراجع لسنوات بسبب أكثر من 21,000 غارة أمريكية وإسرائيلية.
وتضيف المجلة أن ترامب يصف ما فعله في إيران بالنصر العظيم، لكنه لا يبدو كذلك بالنظر إلى التقدم الضئيل الذي أحرزه في تحقيق الأهداف الثلاثة الأكثر إقناعا للحرب، وهي جعل الشرق الأوسط أكثر أمانا وازدهارا من خلال كبح جماح إيران وإسقاط النظام، ومنع إيران من أن تصبح قوة نووية للأبد.
وقالت إن الحرب أضرت بالأمن الإقليمي، فقبل اندلاعها كانت إسرائيل قد فككت جزئيا شبكة الميليشيات الوكيلة لإيران. ومع ذلك، فقد أنشأت إيران الآن مصدرا جديدا للضغط من خلال مهاجمة دول الخليج وإغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة. وتسعى إيران إلى فرض رسوم على استخدام المضيق، بل إن ترامب قد فكر في تقاسم العائدات معها. ومن المحتمل أن تتمكن دول الخليج وعملاؤها من مقاومة هذا التعدي على حرية الملاحة، لكن الصراع يلوح في الأفق. وحتى بعد أن يبني منتجو النفط خطوط أنابيب جديدة لتجنب الخليج، وهو عمل استغرق عدة سنوات، ستتمكن إيران من ضرب البنية التحتية الحيوية.
ومن هنا، يتعين على دول الخليج، التي تروج لنفسها كواحات استقرار، أن تتساءل عما إذا كان بإمكانها الاعتماد على أمريكا، أم عليها إعادة النظر في أمنها من خلال بذل المزيد من الجهود الذاتية أو حتى التوصل إلى تسوية مع إيران.
وتواصل المجلة تحليلها بالقول إن النظام الإيراني لا يزال قائما، رغم زعم الرئيس الأمريكي بأنه غيره. وربما يحلم أن ينتفض الإيرانيون قريبا ضد نظامهم لينسب الفضل لنفسه. ومع أن هذا ممكن، فإنه يبدو أقل احتمالا الآن مما كان عليه قبل الحرب، حين كان النظام في أشد حالات عدم الشعبية في تاريخه الممتد 47 عاما. ومع مرض آية الله علي خامنئي، واجه النظام مرحلة انتقالية محفوفة بالمخاطر إلى جيل جديد. وقد أدت الحرب إلى هذا الانتقال، بتنصيب ابن خامنئي، مجتبى. وعلى عكس والده، فهو مجرد واجهة، فالسلطة باتت اليوم في يد الحرس الثوري الإسلامي وفصائله المتنافسة، وكلها قومية متشددة.
وتعتقد المجلة أن الحرب، عن غير قصد، فاقمت التهديد النووي. فقد ألحقت أمريكا وإسرائيل مزيدا من الضرر بالبنية التحتية الإيرانية، لكن نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، تكفي لصنع عشر قنابل، لا تزال مدفونة في مواقع نووية. ويصر ترامب على أن تسلم إيران ما يسميه بـ”الغبار النووي”.
ومع أن إيران ترغب بتخفيف العقوبات، فإن الحافز لردع الهجمات المستقبلية وصنع قنبلة قد ازداد، مما قد يؤدي إلى انتشار نووي إقليمي.
وستكون هذه نتيجة وخيمة، لكن لمنعها، قد يضطر ترامب والرؤساء القادمون إلى شن ضربات كل بضع سنوات. وكما كشفت هذه الحرب، فسيكون من الصعب الاستمرار على هذا النهج.
وتساءلت المجلة عن المدى الذي أوصلت فيه هذه الحرب مهندسيها؟
فمن ناحية، لم يسبق لإسرائيل أن امتلكت قوة عسكرية كهذه التي تمتلكها اليوم، لكن الحرب كشفت حدود ما يمكن تحقيقه بهذه القوة، وكيف أن نزعتها للهجوم الاستباقي تثير الخوف والكراهية في المنطقة. بالنسبة للعديد من الإسرائيليين، كان القتال إلى جانب أمريكا مصدر فخر لهم. ومع ذلك، فبينما حظيت إسرائيل بإشادة السياسيين الجمهوريين، ينظر إليها 60% من الأمريكيين الآن نظرة سلبية، بزيادة قدرها سبع نقاط مئوية عن العام الماضي، وهو ما يجعل إسرائيل في موقف أضعف.
أما أمريكا في عهد ترامب، فلديها ما هو أكثر لتفكر فيه، فقد اعتادت أن تستمد قوتها من خلال الجمع بين القوة العسكرية والسلطة الأخلاقية. لكن عندما يهدد هذا الرئيس بإبادة الحضارة الإيرانية، وهي إبادة جماعية مهما كانت التسميات، فإنه يتعامل مع الأخلاق وكأنها مصدر ضعف.
كما يتصرف البعض في إدارة ترامب وكأن أمريكا مقيدة بأمور مثل القانون الدولي واتفاقيات جنيف، وأنها لو تحررت من هذه القيود فستكون أقوى.
وقد كشفت الحرب على إيران أن مقولة “القوة هي الحق” ليست مجرد انتهاك لعقود من السياسة الخارجية، بل هي خطأ فادح. فرغم أن التفوق العسكري الأمريكي كان واضحا في إيران، من خلال دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات، وإنقاذ الطيارين الذين أسقطت طائراتهم، وتحقيق السيادة الجوية بتكلفة منخفضة، إلا أنها كشفت أيضا عن مشاكل عميقة.
وأوضحت هذه الحرب أن قيمة القوة الأمريكية من السهل المبالغة في تقديرها، فمصانعها لا تستطيع إعادة تزويد قواتها المسلحة بالسرعة الكافية، بينما خاضت إيران حربا غير متكافئة بأسلحة محدودة.
وترى المجلة أن الإفراط في التهور يؤدي إلى أحكام خاطئة تخلط بين القوة التدميرية والنصر، ذلك أن القوة العسكرية الهائلة، بدون استراتيجية، تضعف القوة الأمريكية.
ومع أن المجلة توافق على أن النظام في إيران ظالم، إلا أن الحرب العادلة تعتمد على الحكمة في استخدام العنف، وأنها آخر الوسائل المتوفرة. بدلا من ذلك، تعامل ترامب مع إيران كمشروع غطرسة، حيث أعفته قوة أمريكا من مسؤولية التفكير في عواقب اختيار الهجوم. وفي النهاية، القوة وحدها ليست على حق، وأحيانا تفشل حتى في تحقيق النصر.
——————–
هل حقق ترمب فعلا أهداف الحرب أم تعجَّل إعلان النصر؟
بعد شهر ونيف من حرب ضروس ضد إيران، سارع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مساء الثلاثاء الماضي إلى إعلان ما وصفه بـ”النصر الكامل”، كاشفا عن وقف مؤقت لإطلاق النار لمدة أسبوعين.
لكنَّ صحفا أمريكية كبرى -مثل نيويورك تايمز ووول ستريت جورنال وكريستيان ساينس مونيتور- رسمت صورة مختلفة وأكثر تعقيدا، مشيرة إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية رغم ما ألحقته من أضرار جسيمة بالبنية العسكرية الإيرانية، فإنها لم تحقق الأهداف الشاملة التي أعلنها ترمب في بدايتها، بل تركت العديد من القضايا الجوهرية دون حسم.
ففي تقرير لمراسلها في واشنطن إدوارد وونغ، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن الإدارة الأمريكية تسعى الآن إلى استغلال وقف إطلاق النار كوسيلة ضغط لانتزاع تنازلات من إيران قد تتيح تحقيق هذه الأهداف بأثر رجعي. لكنَّ وونغ يشير إلى أن الوقائع الميدانية في الساعات الأولى للهدنة أظهرت هشاشتها، وأثارت شكوكا جدية بشأن مدى تحقق تلك الأهداف.
وقالت الصحيفة إن وقف إطلاق النار ما زال “هشا”، إذ شابه في يومه الأول إطلاق صواريخ وهجمات بطائرات مسيّرة، واستمرار الغارات الإسرائيلية في لبنان، في حين أعلنت دول خليجية اعتراض عدد من هذه المقذوفات.
أهداف الحرب الخمسة
لفهم الوضع الراهن للصراع، أعاد وونغ إلى الأذهان الأهداف الخمسة التي حددها الرئيس ترمب في خطابه المسجل يوم 28 فبراير/شباط، وهو اليوم الذي اندلعت فيه الحرب التي استمرت 38 يوما.
وحسب المعطيات الميدانية، فإن الهدف الأساسي من الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية كان القضاء على القدرات الصاروخية الإيرانية قضاء مبرما.
ومع أن الحملة ألحقت أضرارا واسعة بمنشآت التخزين والإنتاج، فإن طهران ما زالت تحتفظ بجزء من ترسانتها، وتواصل استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة.
إعلان
ووفقا لتصريحات الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة، تم تدمير أكثر من 450 منشأة لتخزين الصواريخ الباليستية، إلى جانب نحو 80% من مواقع إنتاج تلك الأسلحة.
ومع ذلك، أكد الجنرال كين أن الجيش الإيراني أظهر مرونة ملحوظة، إذ قام بحفر المخابئ الجوفية وإعادتها إلى الخدمة في غضون ساعات من تعرُّضها للقصف.
أما الهدف الثاني، وهو سحق البحرية الإيرانية، فيبدو أكثر نجاحا على الورق، لكنه جاء بتكلفة إنسانية وقانونية باهظة.
ففي تقريره لصحيفة نيويورك تايمز، يفصّل وونغ واقعة غرق المدمرة الإيرانية “إيريس دينا” بالقرب من سريلانكا بواسطة غواصة أمريكية، مما أدى إلى مقتل معظم طاقمها المكون من 180 فردا.
ويشير خبراء قانونيون استشهدت بهم الصحيفة إلى أن فشل الجيش الأمريكي في إنقاذ الناجين قد يشكل انتهاكا لاتفاقيات جنيف.
تحييد الوكلاء
وعلى الرغم من غرق 90% من البحرية النظامية، فقد أفاد تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال بأن الحرس الثوري الإيراني ما زال يحتفظ بعشرات القوارب الصغيرة القادرة على تهديد الملاحة في مضيق هرمز الحيوي.
وتَركز الهدف الثالث على تحييد “الوكلاء الإرهابيين” لإيران. ومع ذلك، وكما لاحظت نيويورك تايمز، فإن جماعات مثل حزب الله ما زالت نشطة ولم تُهزم، حيث تواصل إطلاق الصواريخ على إسرائيل والانخراط في القتال رغم إعلان وقف إطلاق النار.
وكان الهدف الرابع، وربما الأكثر أهمية، هو الملف النووي الإيراني. فبرغم تضرر منشآت التخصيب جرّاء القصف الجوي، تسود مخاوف بشأن بقاء كميات من اليورانيوم المخصَّب في أنفاق محصنة، وسط تلميحات أمريكية إلى عمليات محتملة لاستعادة تلك المواد أو تسويتها ضمن ترتيبات جديدة.
يبقى الهدف الخامس المتعلق بالرهان على تغيير النظام الإيراني من الداخل هو الأكثر استعصاء، فرغم مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وقادة كبار آخرين في الضربات الأمريكية، فلم يؤدِّ هذا الانتقال إلى الانتفاضة الشعبية التي وعد بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ورغم غياب قادة تاريخيين في هرم السلطة -كما تورد نيويورك تايمز- فإن انتقال القيادة إلى وجوه “متشددة” مدعومة من الحرس الثوري حافظ على بنية النظام وتوجهاته السياسية.
أسئلة مفتوحة
وفي مقال رأي، أشارت هيئة تحرير وول ستريت جورنال إلى أن الولايات المتحدة أوقفت ضرباتها على إيران، معلنة تحقيق أهدافها العسكرية، وذلك بعد وقت قصير من تهديد الرئيس ترمب بأن “حضارة بأكملها ستفنى” إذا رفض النظام إعادة فتح مضيق هرمز.
ومع ذلك، لا تزال بنود أي اتفاق محتمل -بما في ذلك ما يخص المضيق والبرنامج النووي الإيراني– أسئلة مفتوحة دون إجابات حتى الآن، بحسب المقال.
وحذرت هيئة تحرير الصحيفة من أن النظام الإيراني ما زال يمثل تهديدا في مضيق هرمز، والمهمة لا تزال بعيدة كل البعد عن الاكتمال، على عكس الوعود التي قطعها الأسبوع الماضي.
وأضافت أن إيران بدأت بالفعل بتقييد حركة السفن وفرض رسوم عبور، مما يمثل تحولا جذريا في وضع المضيق الذي كان يُدار ممرا دوليا مفتوحا.
كما نقلت الصحيفة عن تسجيلات تهديدات إيرانية بتدمير أي سفينة تعبر دون إذن، وهو ما أثار قلقا واسعا لدى المسؤولين الأمريكيين وحلفائهم.
إعلان
وتجادل هيئة التحرير بأنه إذا سُمح لإيران بفرض رسوم، ومعاملة ممر مائي دولي “كطريق خاص”، فإن ذلك يمثل هزيمة جوهرية لمبدأ حرية الملاحة الأمريكي.
وتحذر وول ستريت جورنال من أن ترمب وضع نفسه في موقف حرج، إذ أدى خطابه المتقلب إلى تقويض الدعم العالمي.
ووفقا لها، فإذا فشل وقف إطلاق النار واستمرت إيران في “ألعابها المعتادة”، فقد يجد الرئيس نفسه مضطرا إلى “إنهاء المهمة” بثمن باهظ يفوق بكثير ما وعد به الشعب الأمريكي في البداية.
كلفة الحرب وغايتها
وفي مقالها بصحيفة كريستيان ساينس مونيتور، تناولت الكاتبة آن مولينا غروب ادعاء كل من الولايات المتحدة وإيران الانتصار في الحرب.
ونقلت عن وزير الحرب بيت هيغسيث القول إن ما تحقق هو “نصر عسكري كامل”، مشيرة إلى أنه في واقع الأمر لم يكن هناك شك يُذكر قبل اندلاع الحرب في أن الجيش الأمريكي قادر على هزيمة إيران.
لكنَّ الكاتبة تقول إن السؤال كان دائما هو: بأي كلفة يكون النصر، ولأي غاية؟ وفي معرض تعليقها على هذا السؤال، ترى مولينا غروب أن كل طرف يستطيع في الوقت الراهن تقديم روايته الخاصة للنصر.
فبالنسبة للنظام الإيراني -الذي يرى بعض المحللين أنه ازداد تشددا- يتمثل النجاح في مجرد البقاء. أما بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، فيكمن الانتصار في الادعاء أنهما نجحتا في تقليص قدرة إيران بشكل كبير على تنفيذ هجمات عسكرية خارج حدودها.
تنازلات وانتقادات
في الوقت نفسه، تعرضت إدارة الرئيس ترمب لانتقادات بسبب استعدادها للتفاوض على خطة السلام الإيرانية المكونة من 10 نقاط، والتي بدت -برأي مولينا غروب- وكأنها تمنح طهران تنازلات كبيرة، من دون أن تعالج الأسباب التي أعلنتها الولايات المتحدة لبدء الحرب.
ومضت الكاتبة إلى القول إن بعض التفاصيل المسرَّبة من مقترح السلام تشير إلى أن إيران تسعى إلى انتزاع اعتراف بحقها في مواصلة برنامج تخصيب اليورانيوم.
ولفتت إلى أن كثيرا من المحللين يرون أن قبول واشنطن بمثل هذا التنازل يظل أمرا مستبعَدا، لأنه يتعارض مع أحد الأسباب التي أعلنها دونالد ترمب لشن الهجوم على إيران من الأساس.
خلاصة القول، فإن كل هذه التقارير والتحليلات تتفق على أن الحرب حققت إنجازات عسكرية مهمة، لكنها لم تحقق أهدافها الإستراتيجية بالكامل.
فالحرب أضعفت إيران، لكنها لم تُنهِ قدرتها على التهديد، ولم تحسم ملفها النووي، ولم تغيّر نظامها السياسي.
وبينما تراقب المنطقة تطورات المرحلة المقبلة، يبقى السؤال مفتوحا: هل تمثل هذه الهدنة بداية سلام دائم أم مجرد توقف مؤقت قبل جولة جديدة من الصراع؟
المصدر: الصحافة الأميركية
—————————-
كاتب بريطاني: سقوط ترمب ونتنياهو قادم وهما يعلمان ذلك جيدا
يرى الصحفي البريطاني آدم بولتون أن مسار كل من الرئس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتجه نحو التراجع، في ظل حرب بدت في ظاهرها إنجازا إستراتيجياً، لكنها لم تحقق أهدافها كما كان متوقعا، وتوشك أن تتحول إلى نقطة ضعف تهدد مستقبلهما السياسي.
وأوضح الكاتب -في مقال بموقع آي بيبر- أن نتنياهو الذي طالما رأى في إيران تهديدا وجوديا، وسعى دون جدوى، على مدى سنوات إلى دفع الولايات المتحدة نحو مواجهة مباشرة معها، وجد في ولاية ترمب الثانية فرصة لتحقيق هذا الهدف.
غير أن هذا “الإنجاز” لم يترجم إلى نتائج حاسمة على الأرض، إذ لم تنهِ الهجمات العسكرية رغم شدتها البرنامج النووي الإيراني، كما لم تؤدِّ إلى إسقاط النظام في طهران، وهو السيناريو الذي راهن عليه نتنياهو، كما يقول الكاتب.
وعلى العكس من ذلك، أظهرت التطورات أن إيران ما زالت قادرة على المناورة، سواء من خلال التمسك بحقها في تخصيب اليورانيوم أو عبر استمرار نفوذها الإقليمي، مما جعل وقف إطلاق النار يبدو أقرب إلى هدنة هشة منه إلى نصر إستراتيجي.
في المقابل، دخل ترمب الحرب بدوافع تتعلق بإظهار القوة وتعزيز صورته كقائد حاسم، رغم تعهداته السابقة بتجنب الحروب، إلا أن هذا القرار انعكس سلبا عليه داخليا، لأنه كشف انقساما داخل تياره السياسي، خاصة بين أنصار الانعزال ومن يؤيدون التدخل الخارجي.
البقاء بأي ثمن
وأبرز المقال أيضا طبيعة العلاقة الخاصة بين الرجلين، القائمة على المصالح المتبادلة أكثر من كونها تحالفا إستراتيجياً مستقرا، فكلاهما وصل إلى السلطة عبر انتخابات ديمقراطية، لكنه يسعى إلى البقاء فيها بأي ثمن، مما يجعلهما بحاجة إلى نجاحات خارجية لتعزيز موقعهما الداخلي.
إعلان
غير أن الحرب كشفت حدود هذا التحالف، حيث لم يتمكن أي منهما من تحقيق أهدافه الرئيسية، بل اضطر ترمب إلى التراجع عن بعض مواقفه، كما وجد نتنياهو نفسه في مواجهة واقع أكثر تعقيدا مما توقع، كما أظهرت استطلاعات الرأي تحولا في المزاج الأمريكي، وتراجعا لدعم إسرائيل مقارنة بالفلسطينيين، وهو ما يزيد من تعقيد موقف نتنياهو السياسي.
وداخليا، يواجه نتنياهو تحديا أكبر مع اقتراب الانتخابات واستمرار تراجع شعبيته رغم التأييد الواسع للحرب، مما يشير إلى أن الناخب الإسرائيلي يميّز بين دعم العمليات العسكرية والثقة في القيادة السياسية.
أما ترمب، فرغم قدرته على الانسحاب من الأزمة، فإن كلفة قراره قد تلاحقه سياسيا، خاصة إذا استمرت تداعيات الحرب دون نتائج واضحة.
وخلص المقال إلى أن الحرب على إيران لم تكن نقطة قوة لأي من الزعيمين، بل كشفت محدودية قدرتهما على فرض واقع جديد في المنطقة، ووضعت مستقبلهما السياسي على المحك، إلا أن السؤال الآن هو أيّهما سيدفع الثمن أولا: ترمب أم نتنياهو؟ في صراع لم يحقق أهدافه حتى الآن.
المصدر: آي بيبر
————————-
=======================
تحديث 09 نيسان 2026
——————————–
اتفاق وقف إطلاق النار في الحرب على إيران: دوافعه واحتمالات نجاحه
بعد مواجهات عسكرية استمرت 40 يومًا، وكادت تتسبب في حرب إقليمية أوسع نطاقًا، وأزمة طاقة عالمية كبرى، أعلن الجانبان الأميركي والإيراني، في 8 نيسان/ أبريل 2026، التوصل إلى اتفاق هدنة، توسطت فيه باكستان، وتضمّن تعليق الأعمال القتالية مدة أسبوعين، والبدء في مفاوضات، في إسلام أباد، تنطلق في 10 نيسان/ أبريل 2026، من أجل التوصل إلى اتفاق يحقق وقفًا دائمًا للحرب[1]. وجاء اتفاق الهدنة قبل ساعتين فقط من انقضاء مهلةٍ حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفتح مضيق هرمز قبل ضرب محطات الطاقة والجسور وغيرها من منشآت البنية التحتية الإيرانية. ولم تتضح بعدُ تفاصيل الاتفاق الذي جرى التوصل إليه بين الجانبين لوقف الأعمال القتالية، في خضمّ روايات متضاربة بينهما، خصوصًا بشأن وضع مضيق هرمز[2]، وإذا ما كانت الهدنة تشمل وقف الحرب في لبنان، وسط مزاعم كل طرف بتحقيق انتصار كبير ليبرر موافقته على الهدنة[3].
سياقات الهدنة ودوافعها
بعد نحو ستة أسابيع على انطلاق الحرب التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية على إيران بهدف إخضاعها أو إسقاط نظامها[4]، بدا واضحًا للرئيس ترمب أن الحرب التي بدأها وفق حسابات روّجت لها إسرائيل، ومفادها أن القضاء على القيادة السياسية والأمنية والعسكرية الإيرانية سيفتح الباب أمام ثورة شعبية تؤدي إلى انهيار النظام، أو على الأقل إخضاع ما تبقى منه[5]، جاءت بنتائج عكسية؛ إذ تبوأت السلطة في إيران قيادة أكثر تشددًا. وهذا يعني أن العملية العسكرية التي كان يُفترض أن تكون قصيرة وسريعة وحاسمة سوف تطول، مع تداعيات سياسية واقتصادية كبيرة، نجمت، على نحو رئيس، عن إغلاق إيران مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة في الولايات المتحدة في وقت ستشهد فيه انتخابات نصفية مهمة.
وفي محاولة لكسر الجمود الذي سيطر على المسار السياسي، نتيجة استمرار إيران في رفض شروط الاستسلام لوقف الحرب، رغم استمرار الضغط العسكري، لجأ ترمب إلى التصعيد، فأطلق في 21 آذار/ مارس 2026 إنذارًا مؤداه أن الولايات المتحدة ستقوم بـ “ضرب وتدمير” محطات الطاقة الإيرانية “بدءًا من أكبرها”، إذا لم تُعِد إيران فتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة. لكنّه، وبضغط من حلفاء إقليميين، تراجع قبل ساعات من انقضاء المهلة في 23 آذار/ مارس، معلنًا تأجيل تنفيذ ضربات أميركية محتملة ضد محطات الطاقة الإيرانية مدة خمسة أيام. وعزا تمديد المهلة إلى محادثات “جيدة وبنّاءة” أجرتها واشنطن مع طهران، زاعمًا توصّل الطرفين إلى اتفاق على 15 نقطة، وتفضيله ترتيبات مشتركة لإدارة مضيق هرمز بين الولايات المتحدة وإيران، نفتها الأخيرة[6]. ثمّ عاد ومدّد المهلة مرتين بعد ذلك، إلى 6 نيسان/ أبريل في الأولى، ثم إلى الساعة 8 مساء من 8 نيسان/ أبريل، بتوقيت واشنطن. وفي الأثناء، أخذ يطلق تهديدات تضمّنت شتائم يطالب فيها إيران بفتح المضيق، ويتوعد بتدمير الحضارة الإيرانية وإعادتها إلى العصر الحجري إذا لم تفعل ذلك[7]. وتزامنًا مع ذلك، كانت الولايات المتحدة تحشد مزيدًا من القدرات العسكرية لممارسة مزيد من الضغوط على إيران، بما في ذلك الترويج لعملية برية محدودة تستهدف جزيرة “خرج”، وهي موقع تحميل 90 في المئة من صادرات إيران من النفط[8]. وزيادة في الضغط، حاولت واشنطن استصدار قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تقدّمت به البحرين، الرئيس الحالي للمجلس، يدعو إلى “حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز”. لكنّ مشروع القرار سقط بعدما استخدمت الصين وروسيا حق النقض “الفيتو”، بحجّة عدم تعرّض القرار لمن بدأ الحرب وتسبّب في إغلاق المضيق، وخشية أن تتخذه واشنطن منطلقًا قانونيًا لعمل عسكري أوسع ضد إيران[9].
وفي مقابل توجّس ترمب من التورط في حرب طويلة مع إيران، تمتد شهورًا، وتؤثّر في حظوظ حزبه الانتخابية، وتترك تداعيات كبيرة على الاقتصاد الأميركي المرهق، فضلًا عن مخاوفه من الانزلاق إلى عملية برية مكلفة في إيران، كانت الأخيرة تبحث في المقابل عن مخرج مشرّف من حرب مكلفة، وتأخذ بجدّية كبيرة تهديدات ترمب، الذي بدا يائسًا ومحبطًا في تصريحاته الأخيرة، لجهة تدمير محطات الطاقة ومنشآت البنية التحتية الرئيسة في إيران. وبناء عليه، قررت طهران في اللحظة الأخيرة، وبعد تدخّل من الصين، الموافقة على المقترح الذي طرحته باكستان وأعلنه رئيس الوزراء، شهباز شريف، وتضمّن موافقة الولايات المتحدة وإيران على ما يلي[10]:
وقف فوري لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وحلفاء كل منهما في جميع الأماكن، بما في ذلك لبنان وغيرها.
يسري وقف إطلاق النار فورًا.
دعوة وفدَي الدولتين، في 10 نيسان/ أبريل، إلى مواصلة التفاوض في إسلام أباد من أجل التوصل إلى اتفاق شامل يشمل جميع النزاعات.
وتوافق الطرفان على فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، مدة أسبوعين، قابلة للتمديد، تجري خلالها مفاوضات للتوصل إلى اتفاق دائم لوقف الحرب، وذلك رغم تضارب الروايات الأميركية والإيرانية في هذا الشأن. وفي حين صرّح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، على منصة “إكس”: “سيكون المرور الآمن عبر مضيق هرمز ممكنًا مدة أسبوعين من خلال التنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية ومع مراعاة القيود التقنية”[11]، أعلن ترمب على منصته الاجتماعية “تروث سوشيال”: “ستساعد الولايات المتحدة الأميركية في إنهاء حالة الزحام الناجمة عن اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز”[12].
فرص نجاح المفاوضات
منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض في كانون الثاني/ يناير 2025، خاضت الولايات المتحدة وإيران جولتين من المفاوضات، توزّعت على عدة جلسات، للتوصل إلى اتفاق، أرادته إيران أن يقتصر على البرنامج النووي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى تضمينه برنامج إيران الصاروخي، وعلاقاتها مع حلفائها في الإقليم. بدأت المفاوضات الأولى في 12 نيسان/ أبريل 2025[13]، لكنها توقفت بسبب الحرب التي شنّتها إسرائيل على إيران في 13 حزيران/ يونيو 2025، وهو اليوم الأخير من مهلة الـ 60 يومًا التي أعطاها ترمب لإيران للتوصل إلى اتفاق[14]. وقد انضمت الولايات المتحدة إلى الحرب بعد عشرة أيام، في 22 حزيران/ يونيو، عندما وجهت ضربة إلى البرنامج النووي الإيراني، قبل أن تعلن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في اليوم الثاني عشر للحرب، في 24 حزيران/ يونيو. وجرت جولة المفاوضات الثانية، التي امتدت على عدة جلسات، توزعت بين مسقط وروما وجنيف، في شباط/ فبراير 2026، وجاءت بعد ضغوط على إيران بسبب موجة احتجاجات كبرى[15]، وانتهت أيضًا بإطلاق الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية واسعة ضد إيران استمرت 40 يومًا (28 شباط/ فبراير-8 نيسان/ أبريل).[16]
وكانت الولايات المتحدة قد قدّمت إلى إيران، عبر باكستان، في أثناء مهلة الـ 48 ساعة الأولى التي أعطاها ترمب لإيران، مقترحًا يتضمن 15 بندًا، طلبت إدارته الموافقة عليه قبل الشروع في استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، وردت عليه إيران بمقترح من 10 بنود[17]. ويلاحظ أن البنود الخمسة عشر هي نفسها التي سبق أن قدمتها الولايات المتحدة في جنيف، وكان التفاوض جاريًا بشأنها. وتشير عودة الولايات المتحدة إلى طرحها بعد الحرب إلى أنها لا تفاوض، بل تفرض شروطًا تريد من الطرف الآخر أن يقبلها بالتفاوض أو بالقوة، وهو ما يؤكد الطابع العدواني للحرب.
تضمّن مقترح الولايات المتحدة تفكيك القدرات النووية الإيرانية، والتعهد بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، ووقف تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، وتسليم كل المواد المخصبة للوكالة الدولية للطاقة الذرية ضمن جدول زمني يُتفق عليه، وإخراج منشآت نطنز وأصفهان وفوردو من الخدمة وتدميرها، وإتاحة كل المعلومات داخل إيران أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى تخلّي إيران عن علاقتها بحلفائها، والإبقاء على مضيق هرمز مفتوحًا، على أن يُبحث ملف الصواريخ لاحقًا مع فرض قيود على العدد والمدى، وحصر استخدامها في “الدفاع عن النفس”[18]. لكنّ إيران ردّت بأنها لن تخوض أيّ مفاوضات قبل قبول واشنطن شرطين أساسيين، هما: تعويض الأضرار الناجمة عن الحرب، و”الاعتراف بالعدوان” عليها. وطالبت أيضًا برفع كامل للعقوبات، وضمانات بعدم شنّ حرب مستقبلية، والحفاظ على حقها في برنامج نووي سلمي، ورفض أيّ قيود على برنامجها الصاروخي[19]. ومع تشدّد إيران في رفض أيّ مفاوضات تُجرى تحت الضغط العسكري، ورفضها أيّ وقف للحرب لا يتضمّن تعهدات بعدم العودة إليها، أخذ ترمب يركّز في تصريحاته الأخيرة على فتح مضيق هرمز باعتباره شرطًا رئيسًا لأيّ هدنة، مع أن إغلاقه هو تطوّر مستجدّ نجم عن الحرب التي شنّها على إيران، مؤجّلًا بقية الشروط لمفاوضات لاحقة، ما أدى في نهاية المطاف إلى نجاح الوساطة الباكستانية من دون اتفاق على أيّ بند من البنود الخمسة عشر الأميركية أو العشرة الإيرانية. وهكذا، فرض إغلاق المضيق الهدنة عمليًا. ومع ذلك، يظل من غير الواضح، بعد حرب مدمرة استمرت 40 يومًا، وفي ظل التفاوت الكبير في الشروط والمطالب، إذا ما كان الطرفان الأميركي والإيراني سيتمكنان هذه المرة من تحقيق ما عجزا عنه في الجولتين السابقتين، وإذا ما كان ترمب سيعود، في حال فشل المفاوضات، إلى خيار الحرب، أو حتى خلالها؛ أي ضرب إيران أثناء عملية التفاوض للضغط عليها للقبول بشروطه كما فعل في المرتين السابقتين.
العقدة الإسرائيلية
رغم أن إسرائيل لم تكن جزءًا من الاتفاق الذي أعلنته باكستان، ولا المفاوضات التي جرت بشأنه، فإنها أعلنت التزامها بوقف إطلاق النار في الحرب مع إيران، لكنّها رفضت أن يشمل ذلك لبنان. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام أميركية، فقد أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترمب، خلال مكالمة هاتفية، قبل إعلان وقف إطلاق النار، أنه سيلتزم بالهدنة، لكنّه شدد على أن “جبهة لبنان لا تخضع لترتيبات الاتفاق”[20]. وأكد الرئيس ترامب، وقبله الناطقة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن وقف إطلاق النار مع إيران لا يشمل لبنان.
وكانت إسرائيل قد اضطلعت بدور رئيس في التحريض على الحرب على إيران، التي عمل نتنياهو شخصيًا على إقناع الإدارات الأميركية المتعاقبة على شنّها، ولم يجد قابلية للانجرار لها سوى لدى ترمب[21]، ربما بسبب شخصيته. لكنّ حكومة نتنياهو، بعد أن ورّطت الولايات المتحدة في هذه الحرب، بدأت – في ظل تصاعد الجدل على المستويين الشعبي والإعلامي بشأن دورها في دفع إدارة ترمب إلى خوضها، وما ترتّب عليها من تداعيات اقتصادية جسيمة على المواطن الأميركي – تحاول التواري في خلفية المشهد، زاعمة التزامها بكل ما تطلبه واشنطن منها. لكنّ هذا لم يمنع إسرائيل، خلال الحرب، من محاولات ضرب أيّ مسار تفاوضي بين واشنطن وطهران، وإجهاض كل اتفاق محتمل بينهما، كما فعلت عندما اغتالت أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، الذي كان يتولى إدارة المفاوضات في الجولة الأخيرة من المحادثات بين واشنطن وطهران في شباط/ فبراير 2026[22]. كما سارعت، قبل انتهاء المهلة التي حددها ترمب، وفي إطار دفعها بقوة نحو تدمير محطات الطاقة الإيرانية، إلى شنّ هجوم في 6 نيسان/ أبريل، على أكبر موقع للصناعات البتروكيماوية الإيرانية في عسلوية، والذي يُنتج نحو 50 في المئة من إجمالي إنتاج إيران من البتروكيماويات؛ بهدف إيصال رسالة إلى إيران حول جدّية التلويح بتنفيذ التهديد المتعلق بتدمير البنية التحتية الإيرانية[23]. ومع ذلك، لا تزال إسرائيل بعيدة عن تحقيق أهدافها من الحرب، وفي مقدمتها إسقاط النظام الإيراني، وكذلك جرّ دول الخليج العربية إلى المواجهة عبر دفعها إلى الانضمام إلى الحرب، وعدم الاكتفاء بالرد على أيّ استهداف إيراني محتمل، في حال تعرّضت منشآت الطاقة الإيرانية للتدمير. لكن يظلّ من غير الواضح إذا ما كان رفض إسرائيل الالتزام بما ورد في البند الأول من الاتفاق، الذي أعلن عنه رئيس الوزراء الباكستاني بشأن التوافق على “وقف فوري لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما” (والمقصود هو من جهة إيران: لبنان، والحوثيون)، سيؤدي إلى تعطيل تنفيذ الاتفاق، أم أن إيران ستلتزم بعدم الرد على إسرائيل التي استمرت في عدوانها على لبنان.
استغلت إسرائيل، في فعل يشبه كثيرًا فعل العصابات الإجرامية، انشغال العالم كله بأخبار الهدنة في 8 نيسان/ أبريل، لشنّ 100 غارة على بيروت وضواحيها خلال عشر دقائق، سقط خلالها مئات الجرحى والشهداء، وكأن الهدف هو التسبب في أكبر قدر من الأذى والضرر قبل أن تتعرض لضغوط وقف إطلاق النار على جبهة لبنان.
خاتمة
في الوقت الذي كانت فيه دول الخليج العربية تتهيأ لعملية أميركية كبيرة ومدمرة، نجحت جهود الوساطة التي قادتها باكستان، وشاركت فيها أطراف إقليمية عديدة، قبل ساعتين فقط من انتهاء مهلة ترمب، في “انتزاع” اتفاق هدنة وافق عليه الطرفان الأميركي والإيراني، لتبدأ بعد ذلك جولة جديدة من المفاوضات من الصعب تقدير احتمالات نجاحها في ظل تباعد مواقف الطرفين من القضايا محل الخلاف، ووجود إصرار إسرائيلي يسعى إلى فصل الجبهات في الحرب بين إيران ولبنان للاستفراد بالأخير، وتضمين أيّ اتفاق نهائي لوقف الحرب مع إيران تخلّي الأخيرة عن موادها النووية المخصبة بنسبة 60 في المئة، ووقف التخصيب نهائيًا على أراضيها، والتخلي عن برنامج الصواريخ الباليستية، الذي تعدّه إيران خط دفاعها الأخير في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، وجميعها مطالب تجدها إيران غير واقعية وغير قابلة للتنفيذ؛ ما يترك احتمال استئناف الحرب قائمًا، رغم أن مصلحة الطرفين الأميركي والإيراني، ومن ورائهما العالم، تكمن في وقفها نهائيًا.
[1] Steve Holland, Parisa Hafezi & Alexander Cornwell, “Relief as US and Iran Agree to Truce, but Enemies’ Demands Unresolved,” Reuters, 8/4/2026, accessed on 9/4/2026, at: https://acr.ps/hBxNM9N
[2] “مضيق هرمز في قلب اتفاق طهران وواشنطن.. ما الترتيبات الخاصة به؟”، العربي الجديد، 8/4/2026، شوهد في 9/4/2026، في: https://acr.ps/hBxNMmm
[3] Goldie Katz & Ariella Roitman, “Trump Announces ‘Double-sided Ceasefire’ between US, Iran Following Pakistani Proposal,” The Jerusalem Post, 8/4/2026, accessed on 9/4/2026, at: https://acr.ps/hBxNMyV; “Iran Says Talks with US will Begin in Pakistan’s Islamabad on Friday,” Al Jazeera, 8/4/2026, accessed on 9/4/2026, at: https://acr.ps/hBxNLHq
[4] “الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران: خلفياتها وأهدافها”، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 4/3/2026، شوهد في 9/4/2026، في: https://acr.ps/hBxNLTZ
[5] Jonathan Swan & Maggie Haberman, “How Trump Took the US to War with Iran,” The New York Times, 7/4/2026, accessed on 9/4/2026, at: https://acr.ps/hBxMwhq
[6] “ترمب والمفاوضات مع إيران: بحث عن مخرج من الحرب أم خداع جديد؟”، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 26/3/2026، شوهد في 9/4/2026، في: https://acr.ps/hBxNM6y
[7] Julian Borger, Dan Sabbagh & Andrew Roth, “Donald Trump Says ‘a Whole Civilisation will Die’ if Iran Ignores Demands,” The Guardian, 7/4/2026, accessed on 9/4/2026, at: https://acr.ps/hBxNM3j
[8] Dan Lamothe, “Pentagon Prepares for Weeks of Ground Operations in Iran,” The Washington Post, 29/3/2026, accessed on 9/4/2026, at: https://acr.ps/hBxNMfS
[9] ديفيد برونستورم، “الصين وروسيا تستخدمان الفيتو ضد مشروع قرار بشأن مضيق هرمز”، رويترز، 7/4/2026، شوهد في 9/4/2026، في: https://acr.ps/hBxNMj7
[10] Dave Lawler & Barak Ravid, “U.S. and Iran Agree to 2-Week Ceasefire,” Axios, 7/4/2026, accessed on 9/4/2026, at: https://acr.ps/hBxNMsr; Jessie Yeung, “The US and Iran have Agreed a Ceasefire, with Talks to Bridge the Gulf between them. Here’s what to Know,” CNN, 8/4/2026, accessed on 9/4/2026, at: https://acr.ps/hBxNMF0
[11] Seyed Abbas Araghchi, “Statement on Behalf of the Supreme National Security Council of the Islamic Republic of Iran,” X, 8/4/2026, accessed on 9/4/2026, at: https://acr.ps/hBxMwv1
[12] Donald J. Trump, “A big day for World Peace! Iran wants it to happen, they’ve had enough! Likewise, so has everyone else! The United States of America will be helping with the traffic buildup in the Strait of Hormuz. There will be lots of positive action! Big money will be made. Iran can start the reconstruction process. We’ll be loading up with supplies of all kinds, and just “hangin’ around” in order to make sure that everything goes well. I feel confident that it will. Just like we are experiencing in the U.S., this could be the Golden Age of the Middle East!!! President DONALD J. TRUMP,” Truth Social, 8/4/2026, accessed on 9/4/206, at: https://acr.ps/hBxMvEy
[13] “المفاوضات النووية الأميركية – الإيرانية: الخلفيات، والعقبات، والآفاق”، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 6/5/2025، شوهد في 9/4/2026، في: https://acr.ps/hBxNLQK
[14] “موقف إدارة ترمب من الهجوم الإسرائيلي على إيران ومستقبل المفاوضات النووية”، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 19 /6/2025، شوهد في 9/4/2026، في: https://acr.ps/hBxNLEb
[15] “تلاقي المصالح وتعارضها في المواقف الدولية من احتجاجات إيران”، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 19/1/2026، شوهد في 9/4/2026، في: https://acr.ps/1L9B9w7
[16] “’الغضب الملحمي‘: تناقض أهداف واشنطن في الحرب العدوانية على إيران”، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 5/3/2026، شوهد في 9/4/2026، في: https://acr.ps/1L9Ba40
[17] Barak Ravid, “Iran Sends ‘Maximalist’ Peace Plan Response as Trump Deadline Looms,” Axios, 6/4/2026, accessed on 9/4/2026, at: https://acr.ps/hBxMvS9; Barak Ravid, Dave Lawler & Marc Caputo, “Exclusive: How Iran’s Supreme Leader Reached a Truce with Trump,” Axios, 8/4/2026, accessed on 9/4/2026, at: https://acr.ps/hBxMw5K
[18] “واشنطن ترسل خطة من 15 بندًا إلى إيران تبدأ بهدنة مدتها شهر”، العربي الجديد، 25/3/2026، شوهد في 9/4/2026، في: https://acr.ps/hBxNMvG
[19] “ترمب والمفاوضات مع إيران: بحث عن مخرج من الحرب أم خداع جديد؟”، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 26/3/2026، شوهد في 9/4/2026، في: https://acr.ps/hBxNM6y
[20] Alexander Ward & Michael Amon, “Israel Says Cease-Fire doesn’t Extend to its Invasion of Lebanon,” The Wall Street Journal, 7/4/2026, accessed on 9/4/2026, at: https://acr.ps/hBxMwjl
[21] Swan & Haberman.
[22] “الحرب على إيران بوصفها حربًا إسرائيلية ودور نتنياهو”، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 9/3/2026، شوهد في 9/4/2026، في: https://acr.ps/1L9B9W8
[23] Dov Lieber, “Israel Strikes Iran’s Largest Petrochemical Facility, Defense Minister Says,” The Wall Street Journal, 6/4/2026, accessed on 9/4/2026, at: https://acr.ps/hBxNLNv
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
—————————————
هدنة أميركا وإيران… خمسة أسئلة تنتظر الإجابة/ جون هالتوانغر
ملفات عالقة قد تفجر الحرب مجددا رغم المفاوضات التي تبدأ السبت في باكستان
آخر تحديث 09 أبريل 2026
أعلنت الولايات المتحدة وإيران بشكل مفاجئ وقفا لإطلاق النار لمدة أسبوعين يوم الثلاثاء، وهناك عدد لا يحصى من الأسئلة المفتوحة حول ما سيحدث بعد ذلك. كما وافقت إسرائيل على الهدنة، رغم أنها فعلت ذلك، بحسب التقارير، على مضض.
وقد أعلنت واشنطن وطهران “النصر”، لكن من المبكر جدا القول إن هذه الحرب انتهت، مع بقاء العديد من القضايا الرئيسية دون حل، ومع استمرار الصواريخ والطائرات المسيّرة في التحليق عبر المنطقة حتى بعد إعلان الهدنة. فقد أفادت عدة دول خليجية بتعرضها لاعتداءات إيرانية يوم الأربعاء، كما شنت إسرائيل ضربات كبيرة في لبنان.
ومن المقرر أن تبدأ الولايات المتحدة وإيران مفاوضات في إسلام آباد يوم السبت، وفقا للبيت الأبيض، حيث سيقود نائب الرئيس جي دي فانس الوفد الأميركي، إلى جانب المبعوث ستيف ويتكوف، وصهر الرئيس دونالد ترمب، جاريد كوشنر. وقال ترمب يوم الثلاثاء إن خطة سلام من 10 نقاط طرحتها إيران ستوفر “أساسا عمليا” للمحادثات، رغم أن ما تتضمنه هذه الخطة غير واضح. وقد نشرت إيران علنا عدة نسخ من خطة النقاط العشر، وجميعها تتضمن عددا من العناصر التي يبدو أنها غير قابلة للقبول بالنسبة لواشنطن، كما أنها لا تنسجم ظاهريا مع الجوانب الأساسية لمقترح أميركي من 15 نقطة طُرح الشهر الماضي.
لكن ترمب أشار يوم الأربعاء إلى أنه يعمل على أساس مجموعة مختلفة من النقاط عن تلك التي أعلنتها إيران علنا. وقال على منصة “تروث سوشال”: “هناك مجموعة واحدة فقط من النقاط ذات المعنى المقبولة لدى الولايات المتحدة، وسنناقشها خلف الأبواب المغلقة خلال هذه المفاوضات. وهذه هي النقاط التي شكّلت الأساس الذي اتفقنا عليه لوقف إطلاق النار”.
وسعت الناطقة الصحفية باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إلى توضيح الأمر أكثر في مؤتمر صحفي عصر الثلاثاء، قائلة إن إدارة ترمب اعتبرت خطة إيران الأصلية ذات النقاط العشر “غير جادة من الأساس”، وإنها “أُلقيت حرفيًا في سلة المهملات من قبل الرئيس ترمب”. وأضافت أن طهران قدمت في نهاية المطاف “خطة أكثر معقولية ومختلفة تماما وأكثر اختصارا”، اعتبرها ترامب وفريقه أساسا عمليا يمكن التفاوض انطلاقا منه. لكنها لم تذكر ما الذي تضمنته خطة النقاط العشر الجديدة.
ومع كل هذا الغموض، ومع تقديم جميع الأطراف تصريحات متضاربة بشأن شروط الهدنة، فإليك خمسة أسئلة كبرى تخيم على وقف إطلاق النار وعملية السلام.
1-هل يمكن أن تمضي الهدنة قدمًا في ظل الهجوم الإسرائيلي في لبنان؟
قالت إسرائيل والولايات المتحدة إن لبنان ليس جزءا من وقف إطلاق النار. بينما تقول باكستان وإيران إنه جزء منه. وهذا الالتباس يهدد بالفعل بتفكيك الهدنة الهشة. وصور ترمب يوم الأربعاء القتال بين إسرائيل و “حزب الله” في لبنان على أنه “مناوشة منفصلة”، لكن هذا الصراع مرتبط جوهريا بالحرب مع إيران. كما أدرجت طهران إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، ضمن خطتها ذات النقاط العشر، وفقا لوكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية الرسمية (ارنا).
وبحسب التقارير، حذرت إيران من أنها قد تنسحب من محادثات إسلام آباد، وتواصل الإبقاء على قبضتها الخانقة على مضيق هرمز، إذا لم يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان. كما قالت الولايات المتحدة إن الهدنة مشروطة بإعادة فتح المضيق.
وقد تجدد الصراع الطويل الأمد بين إسرائيل و “حزب الله”، الجماعة المسلحة المتحالفة مع إيران في لبنان، في أوائل مارس/آذار بالتزامن مع الحرب الإيرانية. وكان الجيش الإسرائيلي ينفذ عمليات برية وضربات في لبنان ردًا على هجمات “حزب الله” على إسرائيل. ورغم أن “حزب الله” أوقف ضرباته يوم الأربعاء، بحسب التقارير، فإن إسرائيل لا تظهر أي مؤشرات على التراجع في أعقاب وقف إطلاق النار مع إيران.
وشنت إسرائيل يوم الأربعاء أكبر موجة غارات جوية ضد “حزب الله” في الحرب حتى الآن، مستهدفة أكثر من 100 هدف خلال 10 دقائق، بحسب الجيش الإسرائيلي. وقالت وزارة الصحة اللبنانية إن الضربات أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 112 شخصًا وإصابة أكثر من 800 آخرين، حتى مساء الأربعاء بالتوقيت المحلي، بينما رفعت المديرية العامة للدفاع المدني اللبناني حصيلة القتلى إلى 254 شخصًا. واتهم الرئيس اللبناني جوزيف عون يوم الأربعاء إسرائيل بارتكاب “مجزرة”.
2- من سيسيطر على مضيق هرمز؟
إن قبضة إيران الخانقة على مضيق هرمز، الذي يمر عبره عادة نحو 20% من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال في العالم، أحدثت اضطرابا كبيرا في أسواق الطاقة العالمية، وكانت مصدر صداع كبير لترمب طوال الحرب. ولهذا السبب، اشترطت الولايات المتحدة وقف إطلاق النار بإعادة فتح المضيق.
وتنص إحدى نسخ خطة إيران ذات النقاط العشر على احتفاظها بالسيطرة على المضيق، وهو أمر من غير المرجح أن توافق عليه الولايات المتحدة. كما طرحت طهران فكرة فرض رسوم عبور على السفن التي تمر عبر المضيق.
وعندما سُئل ترمب يوم الأربعاء عن احتمال فرض إيران رسوم عبور، أشار إلى أن الولايات المتحدة وإيران قد تؤمنان المضيق كجزء من “مشروع مشترك”. لكن من غير الواضح كيف يمكن أن ينجح ذلك عمليا. وعندما سأل أحد الصحفيين يوم الأربعاء لماذا قد تقبل الولايات المتحدة أن تجمع إيران رسوم عبور في المضيق، قالت ليفيت إن “هذا ليس شيئا قلنا إننا قبلناه بشكل نهائي”. وأضافت أن المشروع المشترك “كان شيئًا اقترحه الرئيس، لكنه كان واضحا جدا في تصريحه الليلة الماضية — فهو يريد أن يرى المضيق يُعاد فتحه فورًا من دون قيود”.
3- ماذا سيحدث للبرنامج النووي الإيراني؟
لقد تغيرت أهداف إدارة ترمب في الحرب مع إيران مرارا، لكن الرئيس ترمب كرر مرارا أن منع طهران من امتلاك سلاح نووي هو هدف رئيسي.
وادعى ترمب أن أهداف الحرب قد تحققت، لكن مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب لا يزال مجهول المصير. وقد شدد خبراء على أنه طالما بقي هذا المخزون في حوزة إيران، فإنه يترك الباب مفتوحًا أمام سعي البلاد لامتلاك قنبلة نووية.
وأشار ترامب يوم الأربعاء إلى أن الولايات المتحدة قد تعمل مع إيران على “استخراج وإزالة” ما وصفه بـ”الغبار النووي”. لكن هذا سيناريو بعيد الاحتمال، ومن غير المرجح أن توافق عليه إيران، ومن الواضح أن الولايات المتحدة وإيران ليستا على وفاق إطلاقًا بشأن هذه القضية.
فعلى سبيل المثال، بينما قال ترمب يوم الأربعاء إنه “لن يكون هناك تخصيب لليورانيوم” من قبل إيران، فإن إحدى خطط النقاط العشر التي طرحتها طهران علنًا تنص صراحة على قبول حقها في التخصيب.
ودعا وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث يوم الأربعاء إيران إلى تسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، مضيفًا أن الولايات المتحدة تحتفظ “بفرصة” “لإخراجه” إذا لم تتعاون طهران. وقد حذر مسؤولون أميركيون سابقون وخبراء عسكريون من أن مثل هذه العملية ستتطلب قوات برية، وستكون ضخمة ومعقدة وشديدة الخطورة.
4- هل ستحتفظ إيران بصواريخها؟
ركزت إدارة ترمب مرارا على تدمير برنامج إيران الصاروخي باعتباره هدفا رئيسيا في الحرب، إلى جانب ضمان عدم قدرة إيران على إسقاط قوتها خارج حدودها. ولا شك في أن القدرات العسكرية الإيرانية، بما في ذلك برنامجها الصاروخي، قد تضررت بشكل كبير بفعل الضربات الأميركية والإسرائيلية.
لكن، كما يتضح من استمرار الهجمات الإيرانية يوم الأربعاء على جيرانها في الخليج، ومن مؤشرات أخرى، فإن طهران لا تزال تحتفظ بالقدرة على إطلاق الصواريخ على أهداف في أنحاء المنطقة. كما أن طائراتها المسيّرة، التي ثبت أنها تمثل تحديا كبيرا للقوات الأميركية وحلفائها، لا تزال تشكل تهديدا.
5- هل سترفع الولايات المتحدة العقوبات عن إيران؟
تدعو عدة نسخ من خطة إيران ذات النقاط العشر إلى رفع جميع العقوبات الأميركية المفروضة على البلاد. ومع ذلك، فمن غير المرجح للغاية أن تكون الولايات المتحدة مستعدة لرفع جميع العقوبات عن إيران، وكثير منها قائم منذ سنوات. فقد كانت العقوبات سمة أساسية في السياسة الأميركية تجاه إيران منذ “ثورة” 1979.
لكن ترمب قال يوم الأربعاء إن “تخفيف الرسوم الجمركية والعقوبات على إيران” سيكون مطروحا للنقاش في المحادثات المقبلة. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح كيف يمكن أن يبدو ذلك، وإلى أي مدى ستكون إدارة ترمب مستعدة لتخفيف العقوبات الحالية.
وفي الماضي، خففت الولايات المتحدة العقوبات على إيران مقابل تنازلات في برنامجها النووي. لكن، بالنظر إلى مطالب إيران المتشددة في خططها ذات النقاط العشر، وعدم ثقة طهران الواضح بكلمة ترامب بعد انهيار مفاوضات سابقة، فمن الصعب التنبؤ بما قد تكون البلاد مستعدة لتقديمه حاليا مقابل تخفيف العقوبات.
Foreign Policy
فورين بوليسي
ينشر بموجب اتفاق مع مجلة “فورين بوليسي”
© 2026 Foreign Policy . All rights reserved
المجلة
——————————–
من وقف للحرب إلى نهاية المحور؟/ عبد الرحمن الراشد
9 أبريل 2026 م
هل أصبحت إيران قبل أمس ليست إيران كما أمست عليه قبله؟
قد يكون حكمي متعجلاً على اعتبار أن المفاوضات لم تبدأ، وحاملات الطائرات الأميركية لم تغادر عائدة إلى قواعدها، والهدنة فقط أسبوعان. مع هذا فإيران على الأرجح تغيرت؛ لعاملين رئيسيين: الحرب والسلام.
الهدنة التي أعلن عنها ترمب، فجر أمس، نتاج تغيير في القيادة الإيرانية وما سيتبعها في سياسة الدولة الإيرانية لاحقاً.
والحرب قبل ذلك سرعت بحرق المرحلة، وتدفع طهران نحو التغيير الذي كرر الحديث عنه ترمب، ولم يكن مخطئاً عندما قال في إيران نظام جديد، حيث تغيرت قيادة الدولة نتيجة الاغتيالات التي أتت على سلم طويل من الجنرالات وقادة المؤسسات وأعلى الهرم المرشد الأعلى نفسه الراحل علي خامنئي.
في 38 يوماً، واجهت إيران ما لم تواجهه في 38 عاماً؛ أي منذ نهاية حربها مع العراق.
هذه المعركة لإيران التي توقفت اليوم مختلفة، ليست صراعاً على التوازن أو النفوذ في سوريا أو لبنان، إنما كانت حرباً وجودية. كان النظام يصارع من أجل البقاء، ولهذا كالغريق كان يتمسك حتى باحتمالات ضئيلة مثل إجبار دول الخليج على التدخل لوقف الحرب ودفع «حزب الله» في عملية انتحارية.
بدأت مرحلة التغيير بعد مقتل المخطط الاستراتيجي وقائد قواتها الخارجية قاسم سليماني في رئاسة ترمب الأولى. كانت تلك الرصاصة الأولى وتلتها سلسلة أحداث وحروب أفقدت النظام توازنه.
الحرب توقفت ولم تنتهِ، في انتظار ورقة نرى توقيعها من الجانبين، وإعلان بنودها، التي حينها ستؤرخ لإعلان نهاية مشروع إيران العسكري ونهاية صراع نصف قرن.
الهدنة توجت الاتصالات غير المعلنة التي يقال أذن بها ترمب، وكلف بها نائبه جي دي فانس، وسمح لقواته بالاستمرار في قصف الأهداف داخل إيران. وكانت تهدف إلى ما هو أبعد من التوصل لوقف الحرب. القيادات الإيرانية، في ظل غياب المرشد مجتبى خامنئي، كانت تنشد ضمانات للحفاظ على النظام في وقت التغيير الاستراتيجي الذي أعلن عنه ترمب مطلع الحرب وهو تغيير سياسة النظام، إن لم يتغير النظام بانقلاب أو ثورة شعبية.
نصف المطالب العشرة التفاوضية التي قدمتها طهران تركز على موضوع واحد، تريد حماية النظام. أولها تشترط صراحة ضمان عدم شن حرب عليها مجدداً، وإنهاء الحرب لا وقفها فقط، ورفع جميع العقوبات عليها، وإنهاء القتال ضد حلفائها.
طهران، وربما على حق، تعتقد أن هناك مشروعاً لم يتوقف لتغيير النظام وتريد كل الضمانات لمنع الآتي المحتمل.
نضع جانباً الدعاية وصياغة رواية المنتصر، طهران استُهدفت بحربين مباشرتين في أقل من عام. هدف واشنطن انتصار عسكري وسياسي يختتم مرحلة خمسين عاماً مما تسميه «بمحور الشر»، بتغيير سلوك النظام إن لم يمكن تغيير النظام. الاتفاق المؤقت جاء بعد اتصالات، في سباق مع الوقت، توجت بالجهود الباكستانية إلى قبل قليل من تنفيذ ترمب موعد هجومه الكبير. تحدث عن التغيير الكبير، وأن الولايات المتحدة ستلعب دوراً رئيسياً في داخل إيران من خلال الإعمار، وهي مقدمة للاتفاقات الكبيرة الموعودة التي عرضها الإيرانيون عليه لوقف الحرب، وكذلك تعكس التغيير الجديد في طهران.
لا تزال هناك ذخيرة باقية لبضعة أسابيع لو عاد القتال، إنما ميزان القوة حسم مبكراً، قد لا تعبر عنه صياغة بيانات «الانتصار» من قبل طهران؛ لأهمية وخطورة لغة الخطاب على الوضع الداخلي، حيث لم يودع الإيرانيون بعد قائدهم الراحل، ولم يسمعوا ويشاهدوا قائدهم الجديد الذي إن لم يظهر للملأ، فستعزز الرواية المشككة في قدرته.
فقد استنفد الإيرانيون كل ما بمقدورهم فعله. قبل الحرب دخل الوفد برئاسة الوزير عباس عراقجي في التفاوض في جنيف بثلاث ورقات يساوم عليها: برنامجه النووي، وقدراته الباليستية، ووكلاؤه الإقليميون.
وعندما فشلت المفاوضات وبدأت الحرب سريعاً خسر الثلاث، وعوضها بورقتين جديدتين للمساومة. أوقف عشرين في المائة من نفط العالم بإغلاقه مضيق هرمز، واستهدف دول الخليج العربية.
ومر نحو شهر ونصف شهر على إغلاق المضيق والهجوم على دول الخليج، ولم تتوقف الهجمات على إيران.
ورقة طهران الأخيرة هي التفاوض، وهي أقرب ما تكون إلى ورقة التوت، فالمفاوضات لإعلان الانتصار الدعائي الذي يخفي خلفه الاستسلام. وستبقى عقدة المفاوضات مطلب الضمانات التي يقابلها المطلب التاريخي، أن تتغير إيران.
حاجة طهران للضامن ستبقى المفتاح نتيجة فقدان الثقة بإدارة ترمب، وتظن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يبيت النية لمعاودة القتال حتى تغيير الوضع داخل البلاد. وقد سبق أن تحدث المسؤولون الإيرانيون عن أن «حماس» تعرضت للخديعة في مفاوضات وقف القتال، حيث سلمت كل الرهائن بناء على وعود من ترمب، وأخذ الإسرائيليون ثلثي القطاع.
هذه مهمة الأطراف الكبيرة، وقد تكون الصين الضامن، والتي تحتاج هي الأخرى إلى أن تنخرط في أي تغيير استراتيجي للحؤول دون نقل إيران من مركز الفوضى ومشاغبة الولايات المتحدة إلى قاعدة لمواجهة بكين مستقبلاً.
هل إيران فنزويلا جديدة؟ إلى حد ما نعم. هناك اتفاق على التغيير.
الشرق الأوسط
——————————–
كيف تنصلت واشنطن من شروط وقف النار لإخراج لبنان من هدنة إيران؟/ محمد البديوي
09 ابريل 2026
قبل أقل من ساعة ونصف من موعد انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي لـ”إنهاء حضارة إيران بأكملها” في الثامنة من مساء الثلاثاء بتوقيت واشنطن السابع من إبريل/نيسان، أعلن ترامب وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين مع فتح مضيق هرمز. وكتب على منصة تروث سوشال: “قطعنا شوطاً كبيراً نحو اتفاق نهائي بشأن سلام دائم مع إيران والسلام في الشرق الأوسط”.
لكن لم يستغرق الأمر سوى نحو أربع ساعات، حتى خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو “الخبير” في تفريغ اتفاقات وقف النار في المنطقة من مضمونها، ليعلن أن لبنان خارج اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل مع إيران، وذلك رغم تأكيد الوسيط الباكستاني رئيس الوزراء شهباز شريف، أن لبنان مشمول في الاتفاق. خلال هذه الساعات الأربع بدأت وكالات الأنباء والصحف الأميركية والعالمية في شرح تفاصيل الاتفاق واتفقت جميعها على أن لبنان جزء من الاتفاق.
وكشف ترامب في بيانه لوقف إطلاق النار المنشور في الساعة السادسة و34 دقيقة من مساء الثلاثاء، عن تلقيه مقترح إيران المكون من عشر نقاط، وعبر عن أنه “أساس عملي يمكن التفاوض على أساسه”، مضيفاً أنه تم الاتفاق بين الطرفين على معظم النقاط المختلفة التي كانت محل خلاف في السابق وأن فترة التفاوض ستسمح بوضع اللمسات الأخيرة. غير أنه في ساعة مبكرة من صباح اليوم التالي (بتوقيت شرق الولايات المتحدة) كان الرئيس الأميركي يكرر مزاعم رئيس وزراء إسرائيل التي تدحضها تأكيدات رئيس وزراء باكستان.
ما هو معروف من تفاصيل الاتفاق بناء على ما نشر ترامب وبيان وزير خارجية إيران عباس عراقجي الذي أعاد نشره ترامب على صفحته وما ذكره رئيس وزراء باكستان، أن المفاوضات تتم بناء على مقترح إيران المكون من عشر نقاط بوصفها أساساً للتفاوض ومقترح أميركي مكون من 15 نقطة وأن هناك نقاط اتفاق بينهما، وأن أطراف وقف إطلاق النار يشمل الولايات المتحدة وإيران إلى جانب حلفاء الطرفين بما في ذلك إسرائيل ولبنان.
اللوبي الصهيوني يشكك في التزام إيران
في الساعات من بين وقف إطلاق النار وإعلان إسرائيل إخراج لبنان من المعادلة وصباح اليوم الثاني، كان المحللون في برامج التلفاز، يعتبرون أن الاتفاق خسارة مُقَنعة لترامب أراد بها الخروج من مستنقع الحرب الاختيارية التي بدأها حضوعاً لرغبات نتنياهو في إشعال حرب جديدة في الشرق الأوسط، بينما كان الصهيوني مارك ليفين مذيع ترامب المفضل، حالياً، على شبكة فوكس نيوز غاضباً من الاتفاق ويشكك في التزام طهران.
أما السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام أحد صقور الحروب والموالي لإسرائيل وذراعها في واشنطن يشير إلى ضرورة تدخل ومراجعة الكونغرس لأي اتفاق مع طهران. ولم تنجح سردية ترامب في إعلانه تحقيق الفوز في الكشف عن عدم تحقيق أهداف حربه في إيران، وتزايدت الانتقادات خلال الساعات العشر التالية لبيانه ووصف الصحف الأميركية بنود الاتفاق المعلنة بأنها تمثل انتصاراً كبيراً لإيران، يتمثل في وضع سلاح جديد في يدها لم يكن مستخدماً قبل الحرب يتمثل في التحكم في مضيق هرمز، وهو الأمر الذي لم يكن في مخيلتها قبل حرب ترامب، وأبدى عشرات المشرعين الديمقراطيين شماتتهم في عدم قدرة ترامب على تحقيق أهدافه.
ترامب يقترح إمكانية المشاركة مع إيران في فرض رسوم على مضيق هرمز
حتى فجر الأربعاء، لم يكن ترامب قد عاد بعد إلى لهجة التهديد، حيث اتصل به المذيع بشبكة “إيه بي سي نيوز” جوناثان كارل في ساعة مبكرة من صباح اليوم وسأله عما إذا كان لا يمانع فرض إيران رسوم عبور على جميع السفن التي تمر عبر مضيق هرمز، فذكر له الرئيس أنه قد يكون هناك مشروع أميركي إيراني مشترك لفرض هذه الرسوم، معتبراً أن ذلك “وسيلة لتأمينه وأيضاً لحمايته من أطراف أخرى”. لم يسم ترامب الأطراف الأخرى لكن بدا أن هذا المقترح غرضه عقاب هذه الدول التي رفضت مساعدة ترامب في فتح مضيق هرمز بالقوة.
بنود جديدة يعلنها ترامب
في السابعة و22 دقيقة من صباح الأربعاء بتوقيت واشنطن، أعلن ترامب أن هناك بنوداً تم الاتفاق عليها بالفعل مع إيران، تتمثل في عدم تخصيب إيران لليورانيوم، والعمل بين واشنطن وطهران لإزالة “الغبار النووي المدفون تحت الأرض في المواقع النووية التي ضربتها واشنطن”. فيما أشار إلى أنه يناقش ملف تخفيف العقوبات الأميركية على طهران والتعرفات الجمركية.
وبدت هذه التصريحات وكأنها تشير إلى مرحلة تقبل فيها طهران أن تعمل الولايات المتحدة داخل أراضيها في المواقع التي قصفتها سابقاً. بينما كان مؤتمر وزير الحرب بيت هيغسيث يشير إلى أن إيران ستتخلى عن التخصيب طوعاً أو مجبرة من خلال عملية أميركية لاستعادة اليورانيوم المخصب.
في الأثناء، كان مجرم الحرب طبقاً لاتهام المحكمة الجنائية الدولية نتنياهو، يأمر بقصف عاصمة لبنان بيروت ومناطق واسعة في البلد، الأربعاء، حيث شنّ طيران الاحتلال سلسلة غارات عنيفة استهدفت نحو 100 هدف خلال عشر دقائق فقط، أدت إلى وقوع مئات من الشهداء والجرحى، وذلك تحت مزاعم الهجوم على حزب الله، وبغرض وحيد هو تثبيت فصل لبنان عن اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران مما يتيح لإسرائيل أن “تفعل ما تشاء”، من دون أن يتحدث أحد عن المدنيين والأطفال والنساء الذين استشهدوا في القصف الإسرائيلي على لبنان.
عودة التهديدات إلى إيران والضغط للقبول بالوضع الحالي
بدأ التنصل الأميركي من الموافقة على تضمين لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار، في اتخاذ موقف حاد واضح في المؤتمر الصحافي للبيت الأبيض، حيث أكدت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت أن لبنان ليست جزءاً من اتفاق وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل، وأنه تم إبلاغ جميع الأطراف المعنية بذلك، وهو ما يتناقض مع بيان الوسيط الباكستاني الذي لم يأت من تلقاء نفسه دون الاتفاق عليه مع الجانب الأميركي صاحب اليد العليا في القرار.
أيضاً مساء الأربعاء قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، إن انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الهشّ، بسبب الهجمات الإسرائيلية على لبنان، “خيار إيران”، وقال فانس للصحافيين في المجر: “إذا أرادت إيران أن تدع هذه المفاوضات تنهار… بسبب لبنان، الذي لا علاقة له بها، والذي لم تقل الولايات المتحدة يوماً إنه جزء من وقف إطلاق النار، فهذا في النهاية خيارها”. أما الرئيس دونالد ترامب فأعاد لهجة التهديد إلى إيران مهدداً بغزوها.
بات واضحاً سيناريو المفاوضات الذي تريده واشنطن، فهي تريد اتفاقاً هشاً تحصل فيه على ما لم تستطع تحقيقه عسكرياً وهو فتح مضيق هرمز، ثم تترك آلة الحرب الإسرائيلية تقوم بعملها، وذلك في اتفاقات مماثلة رعتها واشنطن في منطقة الشرق الأوسط العامين الماضيين أولهما بين لبنان وإسرائيل وانتهكته تل أبيب خلال العامين الماضيين بشكل يومي، والثاني؛ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة والذي تواصل إسرائيل انتهاكه بشكل يومي. كما بات واضحاً أن اللوبي الصهيوني الذي قاد واشنطن إلى حرب اختيارية على إيران لتحقيق أهداف إسرائيلية في الشرق الأوسط لا تزال له الكلمة العليا على الرئيس ترامب.
العربي الجديد
——————————–
الصّراع على “الشّرق الأوسط الجديد”/ هشام عليوان
2026-04-09
لن يكون الشرق الأوسط بعد الحرب، بعلاقاته، تحالفاته، توازن القوى فيه، وسياساته الدفاعيّة والاقتصاديّة، كما كان قبل الحرب. شيء ما قد تهشّم، ودخلت المنطقة برمّتها في خانة اللايقين الاستراتيجيّ، وكأنّه مخاض العالم وتوازناته الجديدة. فهل هو “الشرق الأوسط الجديد”؟
أراد بنيامين نتنياهو تغيير الشرق الأوسط عقب “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، مروراً بتغيير علاقة إسرائيل نفسها مع مقولة الحرب وآثارها وأعبائها الماديّة والنفسيّة، بقدر ما تمتدّ زمانيّاً وتتّسع جغرافيّاً. وهو كان المحرّض الدائم على إيران ودورها في المنطقة، طوال عمله السياسيّ، لا سيما منذ رئاسته الحكومة لأوّل مرّة عام 1996.
في الوقت نفسه، كانت السياسة الأميركيّة طوال تلك السنوات تعتمد استراتيجية الاحتواء إزاء تراكم القوّة الإيرانيّة طوال نصف قرن تقريباً إلى أن نجح نتنياهو أخيراً في إقناع الرئيس دونالد ترامب بسهولة إسقاط النظام بحرب خاطفة.
بالفعل، دخلت الولايات المتّحدة في حرب شاملة على “الجمهوريّة الإسلاميّة” للمرّة الأولى منذ انتصار الإمام الخمينيّ (توفّي عام 1989). ترامب هو الرئيس الأميركيّ الأوّل الذي يحاول إسقاط النظام بالقوّة، أو تدمير إيران.
لن يكون الشرق الأوسط بعد الحرب، بعلاقاته، تحالفاته، توازن القوى فيه، وسياساته الدفاعيّة والاقتصاديّة، كما كان قبل الحرب
حروب الرؤساء الأميركيّين
بالمقابل، تخلّى الرئيس الديمقراطيّ جيمي كارتر (توفّي عام 2024) عن شاه إيران إبّان الثورة الشعبيّة العامّة عليه في عامَي 1978 و1979، وفشل في إنقاذ الرهائن في السفارة الأميركيّة عام 1980، فخسر حظوظه بولاية ثانية أمام الجمهوريّ رونالد ريغان (توفّي عام 2004). وريغان نفسه، عقد الصفقة المشهورة مع طهران، التي عُرفت بفضيحة “إيران غيت”، وحصل بها الإيرانيّون على صواريخ “تاو TOW” ضدّ الدبّابات وصواريخ “هوك HAWK” ضدّ الطائرات من إسرائيل مقابل إطلاق بعض الرهائن الأميركيّين في بيروت، في سياق الحرب مع العراق.
أمّا الرئيس الجمهوريّ جورج بوش الأب (توفّي عام 2018) فقد جعل همّه الأساسيّ تدمير العراق عدوّ إيران، إثر اجتياح الكويت عام 1990. لم يكن الرئيس الديمقراطيّ بيل كلينتون منشغل البال بإيران، في عهدَي هاشمي رفسنجاني (توفّي عام 2017) ومحمّد خاتمي، وهما كانا رئيسين براغماتيَّين اهتمّا بالبناء والانفتاح على المنطقة والعالم.
بالمقابل، انشغل كلينتون بصعود خطر تنظيم “القاعدة” ابتداء من تفجير سفارتَي الولايات المتّحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998، والهجوم على المدمّرة الأميركيّة “USS Cole” في عدن عام 2000. بدأت الولاية الأولى للجمهوريّ جورج بوش الابن بهجوم تنظيم “القاعدة” على الأرض الأميركيّة في نيويورك وواشنطن بطائرات مخطوفة عام 2001، ومع أنّه اجتاح أفغانستان في أواخر العام نفسه، بالتعاون مع إيران، إلّا أنّه في خطاب حالة الاتّحاد عام 2002 وضع إيران ضمن ما سمّاه “محور الشرّ” مع العراق وكوريا الشماليّة، وذلك قبل أن يتعاون معها مرّة أخرى بعد أكثر من عام لإسقاط النظام العراقيّ.
كان العصر الذهبيّ للعلاقات الأميركيّة الإيرانيّة في أيّام الرئيس الديمقراطيّ باراك حسين أوباما، الذي عقد معها الاتّفاق النوويّ لعام 2015، وكان من آثاره الاستراتيجيّة الكبيرة إتاحة المجال لإيران كي تصل إلى ذروة نفوذها في المنطقة، وفي غضون الربيع العربيّ الذي دعمه وتبنّى مخرجاته مؤقّتاً.
كان العصر الذهبيّ للعلاقات الأميركيّة الإيرانيّة في أيّام الرئيس الديمقراطيّ باراك حسين أوباما، الذي عقد معها الاتّفاق النوويّ لعام
ترامب والرّحلة المضادّة
بدأ ترامب رحلة مضادّة في العلاقة مع طهران. في مطلع ولايته الأولى انسحب من الاتّفاق النوويّ عام 2018، وبعد عامين اغتال الجنرال الإيرانيّ الأشهر قاسم سليماني. ولولا هزيمة ترامب المفاجئة في انتخابات عام 2020، أمام الديمقراطيّ جو بايدن، فلربّما عجّل هجومه على إيران.
على الرغم من اختلاف ترامب عن أسلافه من الرؤساء في كيفيّة التعامل مع إيران خاصّة، إلّا أنّ الخيط الرابط بينهم كلّهم هو التبشير بشرق أوسط جديد، أو التمهيد له عمليّاً، سياسيّاً أو عسكريّاً، بدءاً من توقيع معاهدة كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1978 برعاية كارتر، ثمّ محاولة تصفية منظّمة التحرير الفلسطينيّة في بيروت عام 1982، في زمن ريغان، إلى إخراج الجيش العراقيّ من الكويت مدمّراً، عام 1991، بقيادة بوش الأب، ثمّ توسيع نطاق التطبيع مع إسرائيل، من خلال اتّفاقيّة أوسلو مع منظّمة التحرير عام 1993، ومعاهدة وادي عربة مع الأردن عام 1994، في أيّام كلينتون، ثمّ ما عزم عليه بوش الابن من تغيير المنطقة بالقوّة عقب هجمات 11 أيلول 2001، ابتداء من اجتياح أفغانستان في 2001، والعراق في 2003، ووضع دول أخرى على اللائحة، وهي سوريا، لبنان، ليبيا، الصومال، السودان، وإيران، بحسب ما أدلى به آنذاك الجنرال ويسلي كلارك.
إن كان بوش قد غرق في مستنقع المقاومتين الأفغانيّة والعراقيّة، إلّا أنّ أوباما تابع مخطّط تغيير المنطقة عبر مساعدة تيّارات الإسلام السياسيّ الشيعيّ والسنّيّ على الانتشار والتوسّع في المنطقة، وتهيئة العراق وسوريا خاصّة ليكونا ساحة الاقتتال الطائفيّ. ثمّ يأتي ترامب ليتوّج الجهود السابقة. في آخر ولايته الأولى (2016-2020)، رعى الاتّفاقيّات الإبراهيميّة بين إسرائيل والإمارات، البحرين، والمغرب. ومع بداية العام الثاني لولايته الثانية، يحاول تطويع إيران بحرب ضروس، وإخراجها من دائرة التأثير والنفوذ خارج الحدود.
الشّرق الأوسط الجديد
قد لا يكون مصطلح “الشرق الأوسط الجديد” أقلّ غموضاً من تعبير “الشرق الأوسط” نفسه، الذي خَلَف المصطلح الجيوسياسيّ البريطانيّ: “الشرق الأدنى”، الذي كان يُطلق في القرن التاسع عشر على الدولة العثمانيّة والبلقان، لتمييز تلك المنطقة عن “الشرق الأقصى”، وهو دول شرق آسيا، مثل اليابان والصين وكوريا.
بانتشار مفهوم “الشرق الأوسط” مع الاستراتيجيّين الأميركيّين مطلع القرن العشرين، ظلّ نطاق هذه المنطقة ضبابيّاً، فمرّة يكون العالم العربيّ كلّه مع تركيا وإيران، ومرّة أخرى يكون أضيق وإلى حدود ليبيا غرباً، ومرّة يكون أوسع بضمّ باكستان وأفغانستان إليه، وإثيوبيا أحياناً.
كأنّ المعيار الغالب هو الإشارة إلى قلب العالم الإسلاميّ، أي العالم العربيّ وأطرافه غير العربيّة من الدول الأكثر تأثّراً به دينيّاً وحضاريّاً، والمؤثّرة فيه سياسيّاً واستراتيجيّاً، مع إضافة إسرائيل. على أيّ حال، الأحداث الكبرى التي ضربت هذه المنطقة الحسّاسة منذ سقوط الدولة العثمانيّة في عشرينيّات القرن الماضي، وتقسيمها بين الدول الاستعماريّة الأوروبيّة، ثمّ قيام دولة إسرائيل، والحروب التي تبعت هذا التأسيس على أرض فلسطين، والتوسّعات التي تلت الهزائم، والتغيّرات التي تعاقبت لناحية طبيعة الدول المؤثّرة وأدوارها، وانعكاس نفوذها على المدى الجغرافيّ، هي التي تدفع بين الفينة والأخرى إلى الحديث عن تغيير الشرق الأوسط أو عن الشرق الأوسط الجديد.
بعد حرب تحرير الكويت عام 1991، بدأ العمل على إعادة ترتيب المنطقة سياسيّاً واقتصاديّاً، مع إطلاق مفاوضات السلام بين دول الطوق وإسرائيل في مدريد عام 1991، وكان يعني عمليّاً تأسيس “شرق أوسط جديد”، بعد إخراج العراق من دائرة القوّة.
يعتبر لاريجاني أنّ إيران هي “أمّ القرى” حاليّاً، وأنّ الأزمات اللبنانيّة والعراقيّة والفلسطينيّة هي بمنزلة مصدّات، أو خطوط دفاعيّة متقدّمة (وهي كناية عن الأذرع في التعبيرات السياسيّة الراهنة)
عام 1993، ظهر كتابان إسرائيليّان، كلاهما يتحدّثان عن مستقبل المنطقة ودور أو مكانة إسرائيل فيها، وشكل التعايش مع الفلسطينيّين أو العرب عموماً:
الأوّل هو كتاب “الشرق الأوسط الجديد” لشيمون بيريز (توفّي عام 2016)، وهو من القادة التاريخيّين لإسرائيل، مؤسّس المشروع النوويّ الإسرائيليّ، ورئيس حزب العمل لأكثر من 15 سنة، وشغل منصب وزير الخارجيّة، فرئاسة الحكومة، ثمّ رئاسة الدولة، وكان له دور أساسيّ في التفاوض مع منظّمة التحرير الفلسطينيّة في التسعينيّات.
الثاني هو كتاب “مكان بين الأمم: إسرائيل والعالم”، لبنيامين نتنياهو، وهو رئيس حزب الليكود، ويُعتبر من الصقور بعكس بيريز، والفرق بينهما ليس في المواقف بل في الوسائل. شغل نتنياهو منصب رئاسة الوزراء أكثر من أيّ سياسيّ آخر في إسرائيل، لكن بشكل متفرّق، أو حوالى 19 سنة.
يرفض الاثنان قيام دولة فلسطينيّة على ما يعتبرانه “أرض إسرائيل”، ولو على الأراضي المحتلّة عام 1967. اقترح بيريز إنشاء كيان كونفدرالي بين الأردنيّين والفلسطينيّين، ومنح فلسطينيّي الضفّة والقطاع حكماً ذاتيّاً. يريد دمج إسرائيل في المنطقة من خلال إطارين: اقتصاديّ وأمنيّ، بما لا يضاهي بل يشابه الاتّحاد الأوروبيّ أو الحلف الأطلسيّ. أمّا نتنياهو فيريد تحقيق أمنية خصمه السياسيّ بيريز بالقوّة الخشنة لا الناعمة، ووفق معادلة “الأمن مقابل السلام” إزاء معادلة “الاقتصاد مقابل السلام”، كما كان يعتقد بيريز.
الشّرق الأوسط الكبير
ثمّ ظهر المصطلح مرّة أخرى، بعد الهجمات على نيويورك وواشنطن عام 2001، واجتياح العراق عام 2003. وذلك حين طُرحت “مبادرة الشرق الأوسط الكبير” “Greater Middle East Initiative” لنشر الديمقراطيّة في دول تلك المنطقة، التي تضمّ العالم العربيّ وباكستان وأفغانستان وإيران وتركيا، علاوة على إسرائيل، وهيكلة نظمها السياسيّة، وإدماج اقتصاداتها في النظام العالميّ. كان الهدف مكافحة جذور التطرّف حتّى لا تتكرّر الأعمال الإرهابيّة ضدّ الولايات المتّحدة.
لكنّ الفشل الأميركيّ في العراق خاصّة بدّد تطلّعات هذه المبادرة، وإن استمرّت برامجها بوتيرة أقلّ زخماً. ثمّ عادت وزيرة الخارجيّة الأميركيّة كوندوليزا رايس إلى استخدام عبارة “الشرق الأوسط الجديد” خلال حرب لبنان 2006 بين إسرائيل و”الحزب”، فرأت أنّ ما يحدث في تلك الحرب هو “آلام مخاض” لولادة نظام إقليميّ جديد، وأداته “الفوضى الخلّاقة Creative Chaos”.
أمّا الحرب الإسرائيليّة على أذرع إيران: “حماس” في غزّة، “الحزب” في لبنان، الفصائل في العراق، وأنصار الله في اليمن، عامَي 2023 و2024، ففتحت الباب لضرب إيران نفسها نهاية شباط المنصرم لإخراجها من المعادلة الإقليميّة وكي تتسيّد إسرائيل عموم المشهد الإقليميّ، مع بقاء التوجّس الاستراتيجيّ الإسرائيليّ من الدول السنّيّة الكبرى في المنطقة، وهي تركيا ومصر والمملكة العربيّة السعوديّة وباكستان، علاوة على سوريا الجديدة.
معركة خاسرة سلفاً
لكنّ الجمهوريّة الإسلاميّة تقاتل، وكذلك أذرعها، لا سيما “الحزب” في لبنان، مع أنّ المعركة خاسرة سلفاً وفق موازين القوى الحاليّة. ربّما أوضح ما يمثّل الوضع الآن هو ما جاء من تنظيرات كتاب الدكتور محمد جواد لاريجاني، وهو الشقيق الأكبر لعلي لاريجاني الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القوميّ، والكتاب بعنوان: “مقولات في الاستراتيجية الوطنيّة: شرح نظريّة أمّ القرى الشيعيّة“.
يعتبر لاريجاني أنّ إيران هي “أمّ القرى” حاليّاً، وأنّ الأزمات اللبنانيّة والعراقيّة والفلسطينيّة هي بمنزلة مصدّات، أو خطوط دفاعيّة متقدّمة (وهي كناية عن الأذرع في التعبيرات السياسيّة الراهنة)، وإن كانت الدولة الإسلاميّة ضعيفة أمام العدوّ الخارجيّ فبمقدورها المساومة وتقديم التنازلات، وهو ما حاوله الدبلوماسيّ الإيرانيّ المخضرم محمّد جواد ظريف من خلال مقاله في مجلّة Foreign Affairs. كان ظريف عقد صفقة مع الولايات المتّحدة لضمان دور إيران في الشرق الأوسط الجديد المراد تشكيله. لكنّ دور إيران بحسب ظريف سيكون ذا طابع أمنيّ إقليميّ، ما يعاكس تماماً الهدف الإسرائيليّ الراهن، وهو تهميش دور إيران تماماً.
أساس ميديا
——————————–
نهاية الحرب..بداية الصراع على الخليج/ ساطع نورالدين
أبريل 8, 2026
ليست هدنة أسبوعين. هي بداية نهاية واحدة من أخطر حروب الخليج العربي، حرب إيران الثانية او الثالثة، او ربما السابعة، التي شنتها أميركا وإسرائيل، وأوقفتها البورصات الأميركية والعالمية وأسعار السلع الاستهلاكية التي ارتفعت بمعدل 30 بالمئة في ولايات الساحل الشرقي الأميركي وما يقرب من 50 بالمئة في ولايات الساحل الغربي الأميركي. خرج الاميركيون من حرب عبثية، ونجت “الحضارة الإيرانية” من الفناء، ولحقت أضرار جسيمة بموقع إسرائيل ووظيفتها، وتكبدت دول الخليج العربي خسائر فادحة بعيدة المدى.
ربحت أميركا الحرب بالقوة القاهرة، بالتهديد بسلاح الدمار( الشامل)، لكنها لم تكسب شيئاً إضافياً من أربعين يوما من عروض عسكرية واستخباراتية باهرة، ضد دولة متواضعة التأثير والنفوذ، دولة آفلة، ونظام متهالك، حفزته غريزة البقاء على خوض معركة انتحارية (جريئة)، بأسوأ الأساليب والأدوات. كانت أميركا تود وتتوقع ان تكرر تجربتها الفنزويلية الباهرة، لكن ضرباتها العشوائية، التي أعقبت الغارة الأولى على المرشد السابق علي خامنئي، ساهمت في انقلاب عسكري للحرس الثوري الذي أطاح بجميع المعارضين والخصوم.. دعمته عصبية وطنية إيرانية، داخلية وخارجية كان يُعتقد ان غالبيتها الساحقة مناهضة للحكم الموروث من الثورة الخمينية.
وعدا عن مؤشرات البورصات الأميركية وأسعار النفط والغاز وبقية السلع الاستهلاكية التي ضبطها ترامب وأعاد اليها توازنها، بعد تقلبات لم يسبق لها مثيل منذ عقود، لن يكون بإمكان إدارته أن تدعي أو تضمن نصراً واحداً، لاسيما في الانتخابات النصفية للكونغرس الاميركي في تشرين الثاني المقبل. فتح مضيق هرمز ليس مكسباً لأميركا، بل يمكن أن يُحسب نصراً لحاكم باكستان القوي قائد الجيش عاصم منير، ومعه حكام الصين الذين ساهموا كما يبدو في اقناع المفاوضين الإيرانيين بالتعقل، والاكتفاء الان بالموافقة على الاستسلام العسكري مقابل الحصول على حصة من رسوم العبور في مضيق هرمز، الذي كان دولياً مفتوحاً للملاحة المجانية.. بالشراكة مع سلطنة عُمان، وهي رسوم يفترض ان تغطي جزءا من التعويضات المالية التي تطالب بها طهران.
أما الملف النووي الذي لم يكن في الأصل سوى ذريعة أميركية وإسرائيلية، فإن معالجته والتفاهم حوله سيكون اكثر سهولة من التوافق على الحل النهائي للصراع على الخليج العربي، وترسيم خطوط جبهة المواجهة التي لن تقفل في المستقبل المنظور، بين إيران ودول الخليج العربي، ومعهما الحلفاء الدوليون لكل منهما. فك الاشتباك الحالي في الخليج، يحتاج الى الكثير من الجهود والصفقات، التي تضمن عدم العودة الى الحرب، والاكتفاء بتحويل نموذج هرمز الى قاعدة للعمل، تتطلب الكثير من التسويات المالية والسياسية، التي يمكن ان تستغرق سنوات، قبل ان تشكل أساساً لمصالحة خليجية إيرانية صعبة المنال.
ولعل هذا الملف يفتح الباب على نقاش أميركي إسرائيلي داخلي، ينطلق من حقيقة ان إسرائيل التي جرت أميركا الى تلك الحرب الجنونية، وقدمت لها مخزوناً استخبارتياً مذهلاً، ودعماً عسكرياً لا يضاهى، لم يخطىء سوى في التقدير بان الشعب الإيراني سينتفض على حكامه بعد الغارة الأولى، يمكن ان تتحول الى بديل أو وكيل للأميركيين وقواعدهم العسكرية في الخليج، أم انها ستصبح عبئاً على أميركا ودول الخليج العربي، يتطلب حجبها خارج الصورة، وخارج الصفقة.. لكي لا تستفز باكستان او تأخذ من حصتها المقبلة في حفظ أمن الخليج واستقراره.
أسواق المال والأسهم والنفط والغاز، في اميركا وفي بقية انحاء العالم، هي التي ستحدد شكل النهاية المرتقبة للحرب، بعد الأسبوعين المقبلين من المفاوضات المباشرة التي ستجري في إسلام أباد، والتي تكمن صعوبتها في صياغة معاهدة سلام ثنائية أميركية إيرانية، يفترض، بل يرجح ان تكون خاتمة الاحزان، التي مضى عليها نحو نصف قرن، من التباعد والتقارب بين البلدين والشعبين، اللذين بلغا في الأيام الاربعين الماضية، آخر حروبهما، التي شهدت تهديداً أميركياً باللجوء الى حافة الدمار الشامل، وتهديداً إيرانياً بتعطيل الاقتصاد العالمي.
ماذا بعد هذه الحرب الختامية: التأهل لتلك المصالحة التاريخية التي طال انتظارها، ربما.
بيروت في 8 / 4 / 2026
—————————-
دعم بلا تورط… المنطق الاستراتيجي وراء الموقف الصيني-الروسي من إيران/ مايكل هوروفيتز
حسابات المكسب والخسارة
09 أبريل 2026
عندما شنّت الطائرات الحربية الأميركية والإسرائيلية عملية “الغضب الملحمي” في 28 فبراير/شباط 2026، وأسفرت عن مقتل “المرشد الأعلى” علي خامنئي في الساعات الأولى من قصف جوي كثيف بلغ نحو 900 ضربة، راقبت قوتان المشهد باهتمام بالغ من مسافة آمنة، هما الصين وروسيا. وكانت الدولتان قد وقعتا، قبل أسابيع قليلة، اتفاقية استراتيجية ثلاثية مع طهران، تعهدتا فيها بتعميق العلاقات الاقتصادية والدفاعية، من دون تقديم أي ضمانات أمنية.
ولم تحرك أي منهما ساكناً لوقف الضربات. ولم يكن ما يُروَّج له بوصفه “محوراً استبدادياً” تحالفاً مكتمل الأركان، إذ بدا واضحاً أن من توقعوا شكلاً من أشكال التدخل الروسي أو الصيني قد أساءوا فهم طبيعة العلاقات بين الدول الثلاث. ومع ذلك، من الخطأ افتراض أن بكين وموسكو كانتا مجرد متفرجتين، فكلتاهما ترى في هذا المشهد فرصاً وتهديدات، وتعدلان استجابتهما بما يتماشى مع مصالحهما حتى بعد التوصل لهدنة هشة.
الهواجس قصيرة الأجل للصين
يتمثل هاجس بكين في المدى القصير في أمن الطاقة. إذ يمر عبر مضيق هرمز ما بين 40 و45 في المئة من واردات الصين من النفط الخام، ونحو 30 في المئة من إمداداتها من الغاز الطبيعي المسال. وقبل اندلاع الحرب، كانت إيران وحدها تصدر نحو 1.4 مليون برميل يومياً إلى المصافي الصينية، أي ما يعادل قرابة 13 في المئة من إجمالي واردات الصين من النفط الخام، وهو ما كان يمول ما بين 80 و90 في المئة من عائدات طهران النفطية. وفي الأسابيع الأولى من الحرب، أعلنت شركة “سينوبك” خفض طاقتها التكريرية بأكثر من 10 في المئة.
وكان يمكن للحرب أن تتحول إلى كارثة وشيكة، غير أن الصين بدت مستعدة لها. فقد كانت ملامح “العزلة الاقتصادية” التي تتمتع بها واضحة، إذ بينما عانى المستهلكون في الغرب من تداعيات الأزمة، دخلت بكين المواجهة بخطة واضحة لامتصاص الصدمة. ومن خلال زيادة وارداتها على نحو ملحوظ أوائل عام 2026، نجحت في بناء احتياطي استراتيجي يكفي لنحو 140 يوماً. وعلاوة على ذلك، ومع استقرار سعر خام برنت عند 109 دولارات للبرميل، بارتفاع نسبته 51 في المئة، منحت قدرة الصين على شراء النفط الروسي والإيراني بالرنمينبي هامشاً أوسع لاحتواء “الصدمة التضخمية” مقارنة بمنافسيها المرتبطين بالدولار. كما استفادت بكين من تحولها المبكر في قطاع الطاقة، إذ كانت قد وجهت جزءاً كبيراً من استهلاكها المحلي نحو مصادر الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية، وهو ما أتاح لها احتياطيات هيكلية جعلتها أقل تأثراً بالأزمة مقارنة بغيرها من الدول الآسيوية.
لكن الدعم الصيني لا يُعد حلاً مستداماً. فعلى الرغم من قدرة بكين على تحمل ارتفاع مؤقت في أسعار الطاقة، فإنها لا تستطيع تحمل استمرار الصراع فترة طويلة. ويرجع ذلك إلى أن ضعف الطلب المحلي يدفع الاقتصاد الصيني إلى الاعتماد على الصادرات، وهي مرشحة للتأثر على نحو ملحوظ بالتضخم خارج الصين وباضطرابات سلاسل الشحن. أما بالنسبة لخبر وقف إطلاق النار، فمن شأنه على الأرجح أن يُخفف بعض المخاوف الصينية على هذا الصعيد، وإن كان إعادة فتح مضيق هرمز أمام الناقلات المتجهة إلى الصين على أقل تقدير، هو الاختبار الحقيقي الذي سيكشف عن عمق الموقف الصيني وحدوده.
حسابات بكين الاستراتيجية
على الصعيدين الاستراتيجي والدبلوماسي، تتيح الحرب فرصاً محدودة، لكنها تنطوي في الوقت نفسه على جملة من التهديدات المحتملة. فالهجوم الأميركي-الإسرائيلي على إيران، إذا نجح في إحداث تغيير في النظام إذا انهارت الهدنة الراهنة، قد يحرم الصين من حليف رئيس، بما يعيد تشكيل المشهد الاستراتيجي لعقود مقبلة. وحتى الوقت الحاضر، تراجع خطر الانهيار الفوري للنظام، كما منح إغلاق مضيق هرمز إيران قدراً من النفوذ. غير أنه حتى إذا تمكنت من الصمود، سيظل اقتصاد الجمهورية الإسلامية منهكاً، كما ستعاني أجهزتها الأمنية من الاستنزاف. وسيبقى خطر اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات قائماً. وسيظل شبح موجة احتجاجات جديدة يلوح في الأفق، كما سيظل خطر استئناف الأعمال العدائية قائما في المستقبل. ومن هذا المنطلق، تجد بكين نفسها أمام دوافع حقيقية تدفعها إلى تثبيط أي تصعيد عسكري جديد، والعمل على مساعدة طهران في التوصل إلى تسوية تحول دون تجدد الضربات الأمريكية-الإسرائيلية.
ومن جهة أخرى، قد تستفيد بكين من جمود الصراع، ولا سيما إذا ضاعفت الولايات المتحدة دعمها للقوات البرية. فإذا تورطت واشنطن في الشرق الأوسط لسنوات، قد يتسع هامش الحركة أمام الصين لاستعراض قوتها في آسيا. كما أن سحب الولايات المتحدة بعض أصولها العسكرية من حلفائها الرئيسين في المنطقة، إلى جانب استنزاف مخزونها من الصواريخ الاعتراضية والذخائر، قد يحد من جاهزيتها لأي مواجهة محتملة مع الصين، مثل سيناريو محاولة بكين فرض سيطرتها على تايوان بالقوة. ومع ذلك، من غير المرجح أن تسعى بكين إلى هذه النتيجة تحديداً في ضوء القيود الاقتصادية المشار إليها آنفاً. فجمود الصراع على المدى الطويل، وإن حمل مكاسب جيوسياسية، قد يخلّف تداعيات اقتصادية قاسية على الصين. وفي المحصلة، يبقى الهدف الأول لبكين الحفاظ على الاستقرار الداخلي.
ونتيجة لذلك، تجد بكين نفسها مدفوعة إلى استغلال الحرب من دون السعي إلى إطالة أمدها. ويمكن تحقيق هذا التوازن عبر تقديم دعم محدود لإيران، يشمل إمدادات انتقائية من الأسلحة ومشاركة معلومات استخباراتية، بما يتيح للصين فرصة مراقبة القدرات العسكرية الأميركية عن كثب، وربما استخلاص دروس يمكن توظيفها في أي مواجهة مستقبلية مع واشنطن. وفي الوقت نفسه، يسهم هذا الدعم في تمكين طهران من فرض كلفة أعلى على الولايات المتحدة، بما يعزز قدرتها على الضغط لدفع واشنطن نحو القبول بشروطها. وحتى في ظل وقف إطلاق النار، ستسعى بكين على الأرجح إلى تعزيز منظومة الدفاع الإيرانية، حرصا على أن تُلحق أي جولة مقبلة من المواجهة أضراراً أكبر بالأصول العسكرية الأمريكية.
لكن حتى في هذا السياق، تواجه الصين جملة من القيود. أولاً، يتعين عليها مراعاة علاقاتها مع دول الخليج، إذ إن تقديم دعم علني للمجهود الحربي الإيراني قد يثير ردود فعل حادة في ظل استهداف إيران بعض هذه الدول. وثانياً، قد تؤدي أي محاولات واضحة وموثقة لدعم طهران إلى تشجيع التيار المتشدد في واشنطن، بما يهدد فرص التوصل إلى اتفاق تجاري مع إدارة دونالد ترمب. وحتى الوقت الحاضر، تنظر بكين إلى ترمب بوصفه فرصة أكثر من كونه عبئاً. فعلى الرغم من الحرب التجارية التي أطلقها، ظلت ضمن حدود يمكن احتواؤها، كما أبدى مراراً رغبته في إبرام اتفاق مع الصين بدلاً من المضي في التصعيد. ومن غير المرجح أن تغامر بكين بتقويض هذه الفرصة من أجل إيران، ولا سيما أنها تواجه قيوداً أكبر مقارنة بالفاعل الخارجي الآخر الذي يراقب المشهد من بعيد، وهو روسيا.
مكاسب روسيا غير المتوقعة
يبدو موقف موسكو، من الناحية الهيكلية، أكثر بساطة. فروسيا، وفقاً لمعظم المقاييس الموضوعية، تُعد المستفيد الاقتصادي الأبرز من هذا الصراع.
وتُظهر الأرقام ذلك بوضوح. فقبل الحرب، انخفض سعر خام الأورال الروسي إلى نحو 40 دولاراً للبرميل تحت ضغط العقوبات الغربية. ومع تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل في الأيام الأولى من الصراع، تقلص الفارق بين أسعار النفط الروسي والأسعار العالمية. ووفقاً لبعض التقديرات، حققت روسيا خلال الأسبوعين الأولين وحدهما عائدات إضافية من الوقود الأحفوري بلغت نحو 6 مليارات دولار. وبالنسبة إلى الكرملين، الذي كان يواجه عجزاً متوقعاً في الميزانية، مثلت الحرب على إيران مكسباً غير متوقع. وعلى الفور، أُرجئت تخفيضات الإنفاق المقررة لعام 2026 إلى عام 2027.
وتتجاوز التداعيات الاستراتيجية ذلك. فقد استحوذ الغزو الروسي لأوكرانيا على اهتمام الغرب وموارده على مدى سنوات، فيما أدت الحرب الإيرانية فعلياً إلى تحويل جزء من تركيز الولايات المتحدة وقوتها النارية نحو الشرق الأوسط، وهو ما خفف الضغط عن الجبهة الأوكرانية. كما شجع هذا التحول إدارة ترمب على المضي في تخفيف القيود المفروضة على صادرات الطاقة الروسية. ومن المرجح أن يدفع استمرار هذا التصعيد نحو مزيد من التقارب مع موسكو.
وعلى الرغم من أن موسكو لا تملك سيطرة كبيرة على مسار الحرب، فإن حساباتها الاستراتيجية تبدو أكثر بساطة. فباستثناء سيناريو انهيار النظام الإيراني، الذي سيحرمها من حليف قديم، يُرجح أن تنظر روسيا إلى إطالة أمد الصراع بإيجابية. ونتيجة لذلك، باتت موسكو أكثر ميلاً إلى تقديم الدعم لإيران.
نطاق الدعم الصيني والروسي لإيران
على أرض الواقع، ظهرت تقارير متعددة تشير إلى احتمال تقديم الصين وروسيا أشكالاً من الدعم لإيران. وأفادت تقارير استخباراتية أميركية وغربية متعددة بأن روسيا تتبادل مع إيران صوراً من الأقمار الصناعية وخبرات في تكتيكات استهداف الطائرات المسيّرة، بما يساعد القوات الإيرانية على رصد مواقع السفن الحربية والطائرات والمنشآت الأميركية.
وتشير هذه التقارير أيضاً إلى أن موسكو كشفت عن مواقع دقيقة لأصول عسكرية أميركية في المنطقة خلال الأيام الأولى من الصراع. كما أسهمت الشراكة الروسية-الإيرانية في تطوير طائرات “شاهد” المسيّرة ونسخها الروسية، بما انعكس على تحسين فعالية الضربات الجوية غير المأهولة. وتضيف تقارير أخرى أن موسكو تصدر إلى إيران تقنية الملاحة عبر الأقمار الصناعية “كوميتا إم”، وهي منظومة خضعت لاختبارات ميدانية في أوكرانيا، وتعتمد على مصفوفات هوائيات رقمية للتحكم في الإشعاع بهدف مقاومة التشويش الغربي، وهو ما يمكّن الطائرات المسيّرة الإيرانية من الحفاظ على دقة توجيهها في بيئات نزاع.
ومن جانب الصين، أفادت تقارير بأن بكين زودت إيران بنظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية “بيدو”، في تحديث مهم حل محل نظام تحديد المواقع العالمي الأميركي (GPS)، وأسهم في تعزيز مقاومة الذخائر الإيرانية الموجهة بدقة لأساليب التشويش الأميركية. كما تشير بعض التقارير إلى أن الصين زودت إيران أيضاً بأنظمة رادار متطورة من طراز “YLC-8B”، المصممة لكشف الطائرات الشبحية.
وعلى الصعيد السياسي، أخفق مجلس الأمن الدولي في السابع من أبريل/نيسان، في تبني مشروع تقدمت به البحرين بشأن فتح مضيق هرمز، بعد استخدام روسيا والصين حق النقض (الفيتو). وجاء طرح المشروع من قِبل البحرين بهدف تأمين الملاحة البحرية في الخليج العربي، في ظل تطورات وُصفت بالخطيرة تمس أحد أهم الممرات المائية الحيوية للتجارة الدولية.
ويُعد مدى التنسيق الفعلي بين روسيا والصين سؤالاً محورياً بالنسبة إلى أجهزة الاستخبارات. وتشير بعض المعطيات إلى احتمال وجود “تقسيم للعمل”، بحيث توفر بكين القاعدة الصناعية، فيما تقدم موسكو الخبرة التكتيكية. فقد أفادت تقارير بأن شركة “SMIC”، أكبر مصنع للرقائق الإلكترونية في الصين، زودت المجمع الصناعي العسكري الإيراني بمعدات تصنيع الرقائق وبرامج تدريب تقني، بما يسهم في دعم إنتاج الإلكترونيات اللازمة لصواريخ كروز. وفي المقابل، تسهم روسيا في توفير معلومات استخباراتية تشمل بيانات ميدانية آنية، وتتبعاً عبر الأقمار الصناعية، وتكتيكات للطائرات المسيّرة جرى تطويرها واختبارها في أوكرانيا، بينما تقدم الصين دعماً تقنياً يتمثل في أنظمة الملاحة، والرادارات، وقدرات في مجال الحرب الإلكترونية، إلى جانب دور اقتصادي مهم يتمثل في شراء النفط والالتفاف على العقوبات. وبذلك، يبدو أن كل طرف يكمل ما يعجز الطرف الآخر عن توفيره، أو ما لا يرغب في تقديمه.
وعلى الرغم من أن بكين وموسكو لا تتشاركان المصالح على نحو كامل، فإن لكل منهما دوافع عملية تدفعه إلى مساعدة إيران على رفع كلفة أي تحرك أميركي. فكلتاهما ترى جدوى في تقديم دعم محدود لكنه مؤثر، ويبدو أنهما ترجحان أن المكاسب الاستراتيجية تفوق المخاطر المحتملة.
المجلة
——————————-
من سيعيد إسرائيل إلى حجمها الطبيعي؟/ وائل مرزا
في ذروة الغرور الإسرائيلي بالقوة، وفي لحظة الانتشاء التي توهم فيها تل أبيب نفسها بأن فائض النار يعني فائض الشرعية، يلوح خطأ استراتيجي يتكرر كثيراً في تاريخ القوى العسكرية المتفوقة، ويتمثل في الاعتقاد بأن التفوق العسكري يسمح بتوسيع المجال السياسي بلا سقف. غير أن التجربة الدولية تُظهر أن الدول لا تتضخم إلى ما لا نهاية داخل النظام الدولي، خصوصاً عندما يصبح تضخمها عبئاً على القوة الكبرى التي توفر لها المظلة الاستراتيجية.
فإسرائيل – مهما بدا خطابها السياسي مستقلاً- لا تتحرك في فراغ، لأن قدرتها على خوض الحروب الطويلة، وتفوقها العسكري النوعي، وحتى قدرتها على تحمّل الضغوط الدولية، تعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة. فالسلاح، والذخيرة، والتمويل العسكري، والدعم السياسي في المؤسسات الدولية، كلها عناصر تجعل العلاقة الأمريكية الإسرائيلية جزءاً من البنية الاستراتيجية للقوة الإسرائيلية نفسها. ولهذا تحديداً، فإن إعادة إسرائيل إلى حجمٍ أكثر انضباطاً – إن حدثت – لن تأتي من خطابات الخصوم أو من بيانات الاحتجاج الدولية، وإنما من واشنطن نفسها.
وما نعتقده أن السؤال الحقيقي ليس إن كانت الولايات المتحدة قادرة على ذلك، وإنما متى ولماذا قد تقرر فعله. وهنا تتقاطع ثلاثة مسارات استراتيجية كبرى: المصلحة الأمريكية، والتحولات الثقافية داخل المجتمع الأمريكي، وصعود شبكة مصالح إقليمية جديدة تربط واشنطن بدول الخليج وتركيا.
غير أن ثمة عاملاً نفسياً وسياسياً بالغ الأهمية يتسلل أيضاً، إلى هذه المعادلة: غرور القوة حين يتضخم إلى حدّ ما يمكن تسميته “جنون القوة”. فالدول التي تعتاد التفوق العسكري المطلق قد تقع أحياناً في وهمٍ خطير يوحي بأن القدرة على الانتصار في المعركة تعني القدرة على تجاهل كل الحسابات السياسية المحيطة بها. وفي مثل هذه اللحظات يبدأ السلوك السياسي للدولة في التحول من استخدامٍ عقلاني للقوة إلى استعراضٍ مفرط لها.
وعندما يصل هذا السلوك إلى مرحلة “جنون القوة”، فإنه لا يصبح مشكلةً لخصوم الدولة فقط، وإنما يتحول إلى مصدر إزعاج حتى لحلفائها المحتملين. فالدول التي كانت مستعدة – في لحظاتٍ سابقة – للتفكير في تسويات أو علاقات طبيعية مع إسرائيل قد تجد نفسها أمام دولةٍ تتصرف بثقةٍ مفرطة، لا تضع حدوداً لاستخدام القوة، ولا تأخذ في الحسبان حساسيات المنطقة ولا استقرارها طويل المدى.
وهنا تبدأ المفارقة الاستراتيجية بالظهور. فالسلوك الذي يُفترض أن يعزز الردع قد يتحول تدريجياً إلى سلوكٍ يخلق إجماعاً واسعاً على ضرورة ضبطه. بل إن هذا النمط من التصرفات قد يصبح مزعجاً حتى لواشنطن نفسها، لأن الولايات المتحدة – في نهاية المطاف – ليست معنية فقط بأمن إسرائيل، وإنما، أيضاً، باستقرار شبكة المصالح الواسعة التي تربطها بالمنطقة.
ومن زاوية المصلحة الاستراتيجية، تدرك الولايات المتحدة أن الشرق الأوسط لم يعد مجرد ساحة صراع إقليمية بعيدة. فالتوترات الكبرى في المنطقة باتت تنعكس فوراً على الاقتصاد العالمي، وعلى أسواق الطاقة، وعلى الاستقرار السياسي الدولي. وكلما توسعت الحروب في الإقليم، ارتفعت الكلفة على واشنطن نفسها. وفي مثل هذه اللحظات تبدأ المؤسسات الأمريكية – العسكرية والاقتصادية والسياسية – بإعادة طرح السؤال القديم: هل يخدم السلوك الإسرائيلي المتشدد المصالح الأمريكية فعلاً، أم أنه يجرّ الولايات المتحدة إلى أزمات لا ترغب في التورط فيها؟
غير أن التحول لا يتشكل فقط في حسابات القوة الصلبة. فخلال العقد الأخير بدأت البيئة الثقافية والإعلامية داخل الولايات المتحدة نفسها تتغير تدريجياً. فالأجيال الأمريكية الشابة أقل اندفاعاً في دعم إسرائيل، وأكثر حساسية لقضايا حقوق الإنسان والحروب المفتوحة. والجامعات الأمريكية تحولت إلى ساحات نقاش واسعة حول السياسات الإسرائيلية. والإعلام الأمريكي أصبح أكثر جرأة في نقد تلك السياسات مقارنة بما كان عليه الحال في العقود الماضية. كما أن أصواتاً مؤثرة داخل الحزب الديمقراطي بدأت تطرح فكرة ربط الدعم الأمريكي لإسرائيل بمعايير سياسية وإنسانية.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتضيف بعداً جديداً إلى المعادلة. فصور الحرب والدمار تنتشر فوراً بين ملايين الأمريكيين، مما يجعل التحكم التقليدي في الرواية الإعلامية أكثر صعوبة. وهكذا يتشكل ببطء رأي عام أقل تسامحاً مع الحروب الطويلة التي تبدو في نظره غير متناسبة مع القيم التي تعلنها الولايات المتحدة عن نفسها.
لكن العامل الأكثر استراتيجية في التحول الجاري يتمثل في تصاعد شبكة المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربي وتركيا. فالمنطقة تشهد منذ سنوات إعادة ترتيب عميقة في أولوياتها الاقتصادية والأمنية. إذ أصبحت دول الخليج شريكاً محورياً في استقرار أسواق الطاقة العالمية، وفي الاستثمارات العابرة للقارات، وفي التحولات الاقتصادية الكبرى التي تسعى واشنطن إلى ربطها بالاقتصاد العالمي. أما تركيا، بحكم موقعها الجغرافي وقدراتها العسكرية ودورها في التوازنات الإقليمية، فقد باتت أيضاً لاعباً أساسياً في أي تصور استراتيجي للشرق الأوسط وأوراسيا.
هذه الشبكة المتنامية من المصالح تجعل الولايات المتحدة أكثر حساسية لأي سياسات إقليمية قد تهدد الاستقرار طويل المدى في المنطقة. فواشنطن اليوم لا ترى الشرق الأوسط فقط من زاوية أمن إسرائيل، وإنما من زاوية منظومة أوسع تضم الطاقة والتجارة والاستثمار والممرات الاستراتيجية والتحالفات العسكرية.
وعندما يصبح استقرار هذه المنظومة مصلحةً أمريكية مباشرة، فإن أي طرف – مهما كان حليفاً تقليدياً – قد يجد نفسه مطالباً بالعمل ضمن حدود هذا الاستقرار. وهنا تحديداً قد يظهر التوتر الكامن في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية.. فالدولة التي تكبر أكثر مما ينبغي داخل المظلة الأمريكية قد تتحول من أصلٍ استراتيجي إلى عبءٍ استراتيجي.
في تلك اللحظة لن تحتاج الولايات المتحدة إلى صدام مباشر مع إسرائيل كي تعيد ضبط التوازن. يكفي أن تعيد تعريف حدود الدعم، وشروط الغطاء السياسي، وسقوف الحركة العسكرية. فالشيء الذي تمنحه واشنطن بسخاء تستطيع أيضاً أن تضبطه بصرامة عندما تتغير الحسابات.
ولهذا فإن الغرور الإسرائيلي بالقوة قد يخفي في داخله مفارقة استراتيجية عميقة. فالقوة التي تبدو اليوم بلا حدود ليست قوةً مستقلة تماماً، وإنما هو قوةٌ تعمل داخل هندسة استراتيجية أمريكية أوسع. وعندما تتقاطع حسابات المصلحة الأمريكية، وضغط الرأي العام الداخلي، وتصاعد الشراكات الاستراتيجية مع الخليج وتركيا، قد تصل واشنطن إلى لحظة تعيد فيها وزن المعادلة الإقليمية من جديد.
وعندها فقط قد تكتشف تل أبيب أن القوة التي بدت مطلقة لم تكن مطلقة قط. وأن إعادة إسرائيل إلى حجمها الطبيعي لن تأتي من خارج النظام الدولي، وإنما من داخل مركز القوة الذي مكّنها أصلاً من التمدد.
٭ كاتب سوري
القدس العربي
——————————
رغم الهدنة مع إيران.. إسرائيل تستعد لحرب “لا نهاية لها” في الشرق الأوسط
2026.04.09
في وقت تتجه فيه الولايات المتحدة وإيران نحو تثبيت هدنة مؤقتة تمهيداً لتسوية أوسع، تمضي إسرائيل في مسار مغاير يقوم على توسيع سيطرتها الميدانية وتعزيز حضورها العسكري خارج حدودها، ضمن ما وصفته مصادر عسكرية تحدثت لوكالة “رويترز” بأنه “استراتيجية الحرب طويلة الأمد”.
ووفق مسؤولين عسكريين ودفاعيين إسرائيليين تحدثوا للوكالة، فإن تل أبيب لم تعد تتعامل مع الصراع كحروب منفصلة، بل كحالة ممتدة، تفرض الانتقال من هدف “القضاء على الخصوم” إلى “إضعافهم وردعهم وإعادة انتشارهم”.
وقال الباحث في مؤسسة كارنيغي، ناثان براون، أن القيادة الإسرائيلية باتت مقتنعة بأنها أمام “حرب لا نهاية لها”، مع أطراف لا يمكن إنهاؤها بالكامل، مثل إيران وحلفائها في المنطقة.
مناطق عازلة تتوسع على أكثر من جبهة
وقالت “رويترز” إن هذه المقاربة تعكس إنشاء إسرائيل لما تسميه “مناطق عازلة” في عدة ساحات، تشمل قطاع غزة، وجنوب لبنان، وأجزاء من سوريا.
في جنوبي لبنان، بدأت إسرائيل عملية برية تهدف إلى إنشاء شريط أمني يصل حتى نهر الليطاني، أي ما يعادل نحو 8% من مساحة البلاد، بعد دخول “حزب الله” على خط المواجهة مطلع آذار الماضي.
وتسعى الخطة إلى إخلاء منطقة بعمق يتراوح بين 5 و10 كيلومترات شمالي الحدود، بما يضع البلدات الإسرائيلية خارج مدى الصواريخ قصيرة المدى والأسلحة المضادة للدروع.
ووفق مسؤول عسكري إسرائيلي، فإن القوات عثرت في بعض القرى الحدودية على مؤشرات تفيد بأن نحو 90% من المنازل تحتوي على أسلحة أو تجهيزات مرتبطة بحزب الله، ما يجعلها “أهدافاً عسكرية” وفق التوصيف الإسرائيلي.
تدمير القرى جنوبي لبنان: بين العقيدة الأمنية والجدل القانوني
ضمن هذه الاستراتيجية، بدأت إسرائيل فعلياً عمليات تدمير واسعة في قرى جنوبي لبنان، خصوصاً تلك الواقعة على تلال تطل على الداخل الإسرائيلي.
وصرّح وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، أن الجيش سيعتمد نموذج “الأرض المحروقة” الذي استخدم في مدينتي رفح وخان يونس في غزة، بهدف إزالة التهديدات بالكامل.
في المقابل، يحذر خبراء قانونيون من تداعيات هذه السياسة، حيث يؤكد الباحث إرين بورير أن التدمير الواسع للممتلكات المدنية دون تقييم فردي دقيق قد يُعد انتهاكاً للقانون الدولي، إلا في حال ثبوت استخدامها لأغراض عسكرية.
عقيدة جديدة: الهجوم الاستباقي بدل الدفاع
ويمثل اعتماد “المناطق العازلة”، وفق مصادر “رويترز”، تحولاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، يقوم على نقل المعركة إلى خارج الحدود، بدلاً من الاكتفاء بالدفاع داخلها.
ويقول الجنرال الإسرائيلي المتقاعد عساف أوريون إن “حماية المجتمعات الحدودية لم تعد ممكنة من داخل الحدود”، مضيفاً أن إسرائيل باتت تعتمد مبدأ “رصد التهديد وضربه قبل أن يتشكل”.
وأشارت “رويترز” إلى أنه في حال تثبيت هذه الاستراتيجية، ستكون إسرائيل قد فرضت سيطرة أو وجوداً عسكرياً في عدة مناطق:
أكثر من نصف قطاع غزة
جنوبي لبنان حتى عمق الليطاني
مناطق في جنوبي سوريا تمتد من جبل الشيخ إلى نهر اليرموك
الضفة الغربية
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد أكد أن بلاده “أنشأت أحزمة أمنية عميقة خارج حدودها”، في إشارة إلى هذا الانتشار المتعدد الجبهات.
يمين متطرف يدفع نحو الضم
ويتقاطع هذا التوجه العسكري مع خطاب سياسي داخل الحكومة الإسرائيلية، خاصة من أطراف اليمين المتطرف، حيث دعا وزير المالية، بيزاليل سموتريتش، إلى توسيع حدود إسرائيل حتى نهر الليطاني، كما طرح سابقاً فكرة ضم قطاع غزة وإعادة توطين إسرائيليين فيه.
غير أن مصادر عسكرية تحدثت لـ”رويترز” تشير إلى أن المناطق العازلة لا تعني بالضرورة إعادة ترسيم الحدود، بل قد تُدار عبر وجود عسكري مرن وعمليات مداهمة مستمرة.
شكوك إسرائيلية بجدوى السلام
وذكرت “رويترز” أن هذه الاستراتيجية تأتي أيضاً في سياق تراجع الثقة داخل إسرائيل بإمكانية التوصل إلى اتفاقات سلام طويلة الأمد.
فوفق استطلاع لمركز “بيو للأبحاث” عام 2025، يعتقد 21% فقط من الإسرائيليين بإمكانية التعايش السلمي مع دولة فلسطينية مستقبلية.
كما أظهر استطلاع لمعهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب أن 26% فقط توقعوا أن تؤدي هدنة غزة الأخيرة إلى هدوء طويل، فيما رجح معظم المشاركين عودة القتال سريعاً.
تكلفة استراتيجية للحرب الدائمة
ورغم المكاسب الأمنية التي تراها إسرائيل في هذه المقاربة، حذّرت المصادر والخبراء الذين تحدثت إليهم “رويترز” من كلفتها العالية على المدى الطويل.
ويشير مدير الأبحاث في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، عوفر شليح، إلى أن انتشار القوات على عدة جبهات سيضع ضغطاً كبيراً على الجيش، وقد يحدّ من قدرته على الاستجابة السريعة.
ويرى شليح أن البديل الأكثر استدامة يتمثل في العودة إلى الحدود الدولية، مع اعتماد دفاعات نشطة ومرنة خارجها، دون التورط في انتشار دائم داخل أراضي الآخرين.
تلفزيون سوريا
—————————
تباين أميركي إيراني حول بنود وقف إطلاق النار وترامب يهدد بعودة الحرب
9 ابريل 2026
مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يومه الثاني، يتكشف تباين عميق في تفسير حدوده ونطاقه، لا سيما حيال شمول لبنان بالاتفاق، بما يعكس ضعف التفاهمات القائمة ويثير مخاوف من عودة التصعيد.
تباين في تفسير الهدنة
في هذا السياق، صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب من لهجته، ملوّحًا برد “أكبر وأقوى” في حال عدم التزام إيران بالاتفاق، ومؤكدًا إبقاء القوات الأميركية في حالة تأهب كامل داخل إيران ومحيطها. كما شدد على أن جوهر الاتفاق يتمثل في منع طهران من امتلاك سلاح نووي وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز.
من جهته، يرى الجانب الإيراني أن وقف إطلاق النار ينبغي أن يمتد إلى الساحات المرتبطة إقليميًا، وفي مقدمتها لبنان، بينما تصر واشنطن على حصره في الإطار الثنائي مع طهران. هذا التباين سرعان ما تُرجم إلى مواقف سياسية وعسكرية متضاربة، تعكس غياب أرضية مشتركة صلبة للاتفاق.
تنسيق أميركي–إسرائيلي ورسائل ردع
بالتوازي، كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن تنسيق مسبق مع واشنطن، معتبرًا أن إسرائيل حققت “إنجازات هائلة”، مع التأكيد على الاستعداد لاستئناف القتال في أي لحظة. وترافقت هذه التصريحات مع تقارير إعلامية عن تفاهمات أميركية–إسرائيلية للفصل بين جبهتي إيران ولبنان، بما يعزز فرضية استثناء الأخيرة من الاتفاق.
طهران: شروط وتهديد بالانسحاب
في المقابل، رفعت طهران سقف شروطها، إذ اعتبر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن استمرار الهجمات على لبنان، وانتهاك الأجواء الإيرانية، وإنكار حق إيران في التخصيب، تمثل خروقات جوهرية تُفقد الاتفاق معناه. كما لوّحت مصادر إيرانية بالانسحاب من الهدنة في حال استمرار التصعيد، في وقت تستعد فيه الأطراف لجولة محادثات مرتقبة في إسلام آباد.
لبنان: ساحة اختبار الاتفاق
ميدانيًا، بدا لبنان ساحة مباشرة لاختبار مصير الاتفاق. فقد أعلن حزب الله استهداف مستوطنات شمالي الأراضي المحتلة برشقات صاروخية، في أول رد على ما وصفه بانتهاك الاتفاق، متوعدًا بمواصلة الرد طالما استمر العدوان الإسرائيلي.
في المقابل، صعّد الجيش الإسرائيلي عملياته، معلنًا توسيع نطاقها جنوب لبنان، مع تنفيذ سلسلة غارات على بلدات عدة، ما أدى إلى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى وفق حصيلة رسمية أولية، في مؤشر على استمرار الانفلات الميداني.
تحذيرات دولية وضغوط دبلوماسية
دوليًا، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن استمرار العمليات العسكرية في لبنان يشكل خطرًا جسيمًا على اتفاق وقف إطلاق النار، داعيًا إلى وقف فوري للأعمال العدائية.
كما دعت أطراف دولية، بينها فرنسا وبريطانيا وأستراليا، إلى توسيع نطاق الاتفاق ليشمل لبنان، معتبرة أن استثناءه يقوّض فرص تحقيق استقرار مستدام.
قال وزير الخارجية الفرنسي إن باريس تدين بشدة الضربات الإسرائيلية الواسعة النطاق على لبنان.وأضاف أن اتفاق وقف إطلاق النار يجب أن يشمل لبنان.
بدورها، شددت بريطانيا على ضرورة إدراجه ضمن التفاهمات القائمة، فيما أكد رئيس الوزراء الأسترالي أن الهدنة ينبغي أن تنطبق على لبنان أيضًا، معتبرًا أنها تمثل خطوة مهمة نحو اتفاق أوسع. في المقابل، أدانت باكستان الهجمات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، مطالبة بتحرك دولي عاجل لوقف الانتهاكات.
مضيق هرمز: ورقة ضغط
برز مضيق هرمز مجددًا كأداة ضغط استراتيجية في سياق اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، إذ أعلنت البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني أن جميع السفن الراغبة في عبور المضيق يجب أن تتخذ مسارات بديلة للملاحة حتى إشعار آخر. ويُظهر هذا التحرك كيف تستخدم طهران السيطرة على المضيق كورقة تفاوضية للتأكيد على نفوذها الإقليمي وضمان التزام الطرف الآخر بالهدنة، مع الإبقاء على هامش للضغط السياسي والاقتصادي.
———————————-
رسائل ترامب المتضاربة وضربات إيران أبقت الأكراد بعيدًا عن الحرب
السليمانية (العراق): في اليوم السادس من حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، ردّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أسئلة حول تقارير عن غزو بري وشيك قد تشنه قوات كردية على الجمهورية الإسلامية، قائلا إنه يعتقد أن هجوم الأكراد الإيرانيين المتمركزين في العراق على إيران سيكون “أمرا رائعا”.
لكن بحلول اليوم الثامن من الحرب، غيّر ترامب موقفه، وقال على متن طائرة الرئاسة: “نحن لا نتطلع إلى دخول الأكراد… لقد استبعدت ذلك”.
وتُظهر تقارير لرويترز من الحدود الإيرانية-العراقية كيف انهارت آمال الولايات المتحدة وإسرائيل في أن يهرع المقاتلون الأكراد لمساعدتهما تحت ضغطين: وهما الإشارات المتضاربة من أمريكا وإسرائيل، وحملة ضربات عسكرية متواصلة وتهديدات من الحرس الثوري الإيراني على الأكراد على جانبي الحدود.
وأعلن ترامب أمس الثلاثاء وقفًا لإطلاق النار لمدة أسبوعين، ما فتح نافذة للمفاوضات وأثار احتمال إنهاء الحرب. ولن ينهي ذلك حملة الأكراد الإيرانيين في المنفى الذين لجأوا إلى العراق وكرّسوا سنوات من حياتهم للإطاحة بحكومتهم.
وفي الأيام الأولى للحرب، أغرقت أجهزة الاستخبارات الإيرانية أكراد إيران برسائل نصية تحذرهم من التعاون مع المرتزقة الذين ترسلهم الولايات المتحدة وإسرائيل. وهددت موجة ثانية من الرسائل الأكراد الإيرانيين الذين دخلوا إلى مواقع إلكترونية أجنبية.
وبحلول أواخر مارس/ آذار، قال سكان إن سيارات حكومية مزوّدة بأجهزة مسح جابت شوارع المدن بحثا عن إشارات من اتصالات غير قانونية بالأقمار الصناعية. وأعقبت هذه الحملات في البلدات والمدن الكردية مداهمات نفذها ضباط الحرس الثوري للمنازل.
وفي العراق المجاور، بدأ الحرس الثوري حملة ضغط بمكالمة هاتفية إلى حكومة إقليم كردستان الذي يقوده الأكراد ويتمتع بالحكم الذاتي ولديه جيشه الخاص ويستضيف فصائل كردية إيرانية مسلحة. وذكر مسؤولان كرديان أن المتصلين من الحرس الثوري هددوا بمهاجمة القوات الكردية العراقية بالقرب من الحدود إذا لم تنسحب في غضون ساعة واحدة.
وانسحب الأكراد العراقيون من الحدود وأعلنوا صراحة أنهم لا يريدون الانجرار إلى الحرب، لكنهم تعرّضوا رغم ذلك لهجمات إيرانية مميتة بطائرات مسيّرة. وفي الوقت نفسه، قال مسلحون إن طائرات وصواريخ الحرس الثوري استهدفت المقاتلين الأكراد الإيرانيين في العراق، ما أسفر عن مقتل خمسة منهم وتدمير قواعد كان يُعتقد أنها آمنة.
وأمضت رويترز ثمانية أسابيع في إقليم كردستان العراق، حيث تحدثت إلى مقاتلين أكراد إيرانيين في المنفى ومسؤولين عراقيين كبار، وحللت الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران والهجمات الإيرانية على الأكراد، وتحدثت عبر الهاتف إلى سكان المناطق ذات الأغلبية الكردية في إيران.
وكان لكل مجموعة أجندتها الخاصة وتجربتها الخاصة في الحرب: فقد أراد المقاتلون الأكراد الإيرانيون في المنفى الإطاحة بالحكومة في طهران، وأراد الأكراد العراقيون الحفاظ على الاستقرار وحكمهم الذاتي، وكان كثيرون داخل إيران يأملون ببساطة في تجنب السجن.
وحتى إعلان وقف إطلاق النار، نجحت إيران في منع القوات الكردية في العراق من الانضمام إلى الحرب. وشملت أساليبها استخدام المخبرين والاستهداف الدقيق للمكاتب والمجمعات الكردية الإيرانية في العراق – وكان آخرها يوم الإثنين. وقال قادة من أكراد العراق إن معظم الهجمات التي تعرّضوا لها جاءت من فصائل داخل العراق مدعومة من إيران. وعلى الجانب الإيراني من الحدود، قال سكان إن الحرس الثوري أرسل تعزيزات بحافلات لمنع اندلاع انتفاضة.
وقال أمير كريمي، وهو قائد كردي إيراني في العراق، إن معلوماته الاستخباراتية أشارت إلى أن الحرس الثوري نشر رجالا في الغابات والمساجد والمدارس وحتى في مستشفى. وقام قائد في الحرس الثوري بزيارة علنية للمنطقة في 22 مارس/ آذار.
وقال كريمي، الذي تحدث في أواخر مارس/ آذار، إنه لم يكن واضحا له في ذلك الوقت ما الذي “يحاول الأمريكيون فعله”.
هجمات من الجانبين
الأكراد، شعب له لغة وثقافة مميزة منتشر في تركيا وسوريا وإيران والعراق، وهم إحدى أكبر الجماعات العرقية التي ليس لها دولة في العالم. وتعرّض الأكراد للاضطهاد من حكومات على مرّ التاريخ، ولم يحصلوا على الحكم الذاتي الرسمي إلا في العراق. ولجأ عدد من أكراد إيران، حيث يشكلون حوالي 10 في المئة من سكان إيران البالغ عددهم حوالي 90 مليون نسمة، إلى أشقائهم في شمال العراق.
وفي العراق، كما في سوريا، تحالف الأكراد مع الولايات المتحدة على مرّ السنين، ليجدوا فقط أن آمالهم في وطن حقيقي تُحطم مرارا. وتعمل حكومة إقليم كردستان بشكل مستقل عن الحكومة المركزية في بغداد، ويرغب الأكراد العراقيون في الحفاظ على هذا الاستقلال. ووجدت مجموعة من الأكراد الإيرانيين، الذين يسعون بنشاط إلى الإطاحة بالحكومة، ملاذا في العراق المجاور، حيث يعيش بعضهم منذ عقود.
كما يأمل كثيرون من الأكراد في إيران في الحصول على الحكم الذاتي، وهم هدف متكرر لقمع الحكومة. وخلال الحرب، كان يُنظر إليهم على أنهم أقرب حلفاء عسكريين محتملين لإسرائيل وأمريكا داخل إيران.
ومنذ بداية الحرب وحتى نهاية مارس/ آذار، أطلقت إيران وحلفاؤها ما لا يقل عن 388 صاروخا وطائرة مسيّرة على كردستان العراق، وذلك وفقا لتحليل أجرته رويترز للبيانات الصادرة عن منظمة أكليد المعنية بمراقبة النزاعات.
واستهدفت ما يقرب من نصف هذه الضربات الجماعات السياسية الكردية والمقاتلين الأكراد. ووفقا لتحليل رويترز، شنّت أمريكا وإسرائيل 140 هجوما على المناطق التي يسيطر عليها الأكراد في شمال غرب إيران.
ويعتبر هذا التحليل تقديرا متحفظا لعدد الضربات التي أكدت منظمة أكليد أنها تستند إلى مراجعة المصادر المحلية والدولية.
ولم تعلق الحكومة الإسرائيلية على خطتها إزاء القوات الكردية. لكن في اليوم الأول من الحرب، دعا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الإيرانيين إلى الثورة. وقال نتنياهو في ذلك اليوم: “مواطنو إيران: الفرس والأكراد والأذريون والأبخاز والبلوش. حان وقتكم لتوحيد الصفوف والإطاحة بالنظام وتأمين مستقبلكم”.
وأحجم البيت الأبيض والحكومة الإسرائيلية عن التعليق على خططهما بشأن الأكراد، وأحالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) طلبات التعليق إلى القيادة المركزية الأمريكية، التي أحجمت عن التعليق. ولم ترد الحكومة الإيرانية على طلبات للتعليق على معاملتها للمواطنين في المناطق ذات الأغلبية الكردية أو هجماتها في العراق.
وفي بيان أُرسل قبل وقف إطلاق النار، أوضحت حكومة إقليم كردستان العراق أنها لا تنوي الانجرار إلى الحرب. وقالت: “لن يُسمح تحت أي ظرف من الظروف باستخدام أراضي إقليم كردستان كنقطة انطلاق لشن هجمات أو تهديدات أو أعمال عدائية ضد أي دولة مجاورة”.
واستمر القصف من إيران وحلفائها. وأشار تحليل رويترز إلى إطلاق أكثر من 20 صاروخا وطائرة مسيّرة على فصائل كردية في 19 مارس/ آذار وحده.
ومع ذلك، قال المقاتلون الأكراد الإيرانيون قبل وقف إطلاق النار، إنهم ينتظرون اللحظة المناسبة للعودة إلى شمال غرب إيران. وفي ذلك الوقت، كان بعضهم في أنفاق محفورة في الجبال بالمناطق الحدودية.
الأكراد يستعدون وإيران تشنّ حملة قمع
أمضى ريباز شريفي، وهو قائد بفصيل كردي إيراني مسلح، الأشهر الأولى من الشتاء على منحدرات موحلة بشمال العراق، حيث كان يدرب مقاتلين شبانا ويبني شبكة من المخبرين والنشطاء والمهربين عبر الحدود مع شمال غرب إيران.
والفصيل الذي أسهم في قيادته، والمعروف باسم حزب الحرية الكردستاني، هو واحد من عدة فصائل كردية إيرانية مقرها في العراق وتسعى للإطاحة بالحكومة الإيرانية التي يقودها رجال الدين وإنشاء منطقة كردية تتمتع بالحكم الذاتي.
ويبلغ مجموع مقاتلي حزب الحرية الكردستاني بضعة آلاف. ويعيش شريفي، البالغ من العمر 38 عاما، وهو حليق الذقن ويرتدي ملابس قتالية في معظم الأوقات، في العراق منذ 22 عاما. ويعيش الرجل في المنفى منذ انضمامه للمعارضة، وقد شجعه تصاعد المقاومة الداخلية للجمهورية الإسلامية والتي بلغت ذروتها في احتجاجات حاشدة في يناير/ كانون الثاني.
وقال شريفي في مقابلة في فبراير/ شباط، قبل بدء الحرب: “في السابق، كان علينا أن نبحث عن مجندين. الآن هم يأتون إلينا”. وأضاف أن الحزب كان يدفع 300 دولار للمهربين وحرس الحدود الإيرانيين مقابل كل مقاتل يتم تهريبه إلى العراق.
كما شجع شريفي استعداد ترامب لاتخاذ إجراءات عسكرية ضد إيران بعدما هاجمتها الولايات المتحدة وإسرائيل جوا في يونيو/ حزيران الماضي. وأُعجب الرجل بالتعليقات التي أدلى بها ترامب لتشجيع انتفاضة داخلية إيرانية، سواء خلال احتجاجات يناير/ كانون الثاني أو في بداية الحرب.
لكن شريفي كان قلقا من استهانة أمريكا بقوة الحكومة الإيرانية. فقد تعرّضت جماعته لهجمات جوية إيرانية عبر الحدود على مرّ السنين. ويقول إنهم تعرّضوا لهجمات بصواريخ وطائرات مسيّرة في يوليو/ تموز الماضي وفي يناير/ كانون الثاني خلال الاحتجاجات.
وقال: “عندما طلب ترامب من الإيرانيين السيطرة على مؤسساتهم، اعتقد الجميع أن النظام قد أصبح ضعيفا بالفعل. لكن إيران لديها قوات كبيرة مستعدة للقتل”. أما بالنسبة لتشجيع إسرائيل لانتفاضة في يناير/ كانون الثاني، فقد أضاف أنه عندما قالت المخابرات الإسرائيلية (الموساد) على منصة “إكس” إنها في الشوارع مع الإيرانيين ومستعدة لمساعدتهم، “لم نر أي دليل على ذلك”.
ومما زاد من الارتباك، قال ترامب يوم الأحد إن الولايات المتحدة قدّمت أسلحة عبر الأكراد كانت موجهة للمتظاهرين المناهضين للحكومة. وقال لشبكة فوكس نيوز: “أعتقد أن الأكراد أخذوا الأسلحة”. وقال قادة أكبر فصيلين إن مقاتليهم لم يتلقوا أسلحة أمريكية.
وقال غاريث ستانسفيلد، أستاذ سياسة الشرق الأوسط بجامعة إكستر، وقد قدّم المشورة للحكومة البريطانية ولحكومات بالمنطقة، إن المقاتلين في المنفى قلة ولا يمكنهم الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي والاحتفاظ بها. لكنه أوضح أنهم يتمتعون بمهارات كافية تخولهم، في حال حصولهم على دعم خارجي، لاقتطاع رقعة من الأراضي داخل إيران تكفي لعمل معارضة إيرانية أوسع، ما قد يخلق “نوعا من تأثير كرة الثلج”.
إشارات أمريكية وضربات إيرانية
عندما سقطت القنابل الإسرائيلية والأمريكية على المدن الإيرانية في اليوم الأول من الحرب، أرسل شريفي رسالة مفعمة بالحماس، وقال: “سنذهب إلى إيران”. لكنه أضاف: “لكن ليس بعد – نحتاج إلى معرفة ما هي الخطة، وما هو تأثير الضربات الجوية الأمريكية”. وقال إنه لم يكن هناك أي تلميح عما قد تكون عليه الخطة الأمريكية-الإسرائيلية، لا في ذلك اليوم ولا في الأسابيع التي تلت ذلك.
ومن واشنطن في اليوم الأول، اتصل ترامب بمسعود بارزاني، زعيم الحزب الذي يسيطر على كردستان العراق، وفقا لمصدر مطلع على المكالمة.
وقال مسؤولان كرديان عراقيان آخران على علم بالمكالمة إن ترامب أشاد بالقوات المسلحة الكردية العراقية، محاولا كسب تأييدها للحرب. وقال المسؤولان الكرديان العراقيان ومسؤول أمريكي إن بارزاني أوضح أنه يريد البقاء بعيدا عن الأمر، على الرغم من أن أحدا لم يعرف ما إذا كان ترامب قد قدّم طلبا محددا أو كيف ردّ على عدم رغبة بارزاني في الانضمام إلى القتال. وقال أحد المسؤولين إن القلق كان أن يدفع الأكراد العراقيون “الثمن” لأي هجوم على إيران.
وفي المناطق الكردية بإيران، عرض التلفزيون الحكومي رسائل في البث المحلي تحذر الناس من التواطؤ مع “المرتزقة” الأكراد أو أمريكا وإسرائيل، وذلك وفقا لما قاله أشخاص لا يزالون في المنطقة.
وخلال تلك الأيام القليلة الأولى، شنّت القوات الأمريكية والإسرائيلية ما لا يقل عن 20 غارة جوية في المناطق الكردية بإيران، مستهدفة ما لا يقل عن 12 مركزا للحرس الثوري ومراكز شرطة ومراكز حراسة حدودية ومنشآت أمنية محلية أخرى، وفقا لتحليل رويترز لبيانات أكليد. وبدا أن الهجمات تهدف إلى إضعاف قبضة الحكومة الإيرانية على المنطقة.
وكتب شريفي في رسالة لرويترز في اليوم الثالث: “لا يزال الوقت مبكرا”.
وفي ذلك الوقت، قدّم مسؤولون في الولايات المتحدة وإسرائيل والعراق ومن جماعات كردية إيرانية روايات متباينة حول مدى قرب هجوم كردي على إيران، ومن سيشارك فيه، ومقدار الدعم الذي تقدمه وكالة الاستخبارات المركزية وإسرائيل للأكراد للاستعداد.
وقال مسؤول كردي وقائد كردي كبير إن حكومة إقليم كردستان العراق، التي تعمل بشكل شبه مستقل عن الحكومة في بغداد، سارعت في اليوم الرابع بإرسال قوات إلى الحدود الإيرانية-العراقية في مسعى لمنع الأكراد الإيرانيين من التوغل من العراق إلى إيران.
وسرعان ما وردت مكالمات هاتفية من الحرس الثوري في إيران تحمل رسالة صريحة: انسحبوا في غضون ساعة، وإلا ستنهال عليكم الصواريخ.
وقالت المصادر التي كانت على علم مباشر بأحداث ذلك اليوم إن حكومة كردستان العراق احتجت مشيرة إلى أن القوات نُشرت لوقف أي نشاط عبر الحدود، وليس لتهديد إيران. وقال المصدران الكرديان إن الحرس الثوري لم يكترث. وقال قادة إيران إنه لن يتم التسامح مع أي وجود مسلح على الحدود. وتراجع الأكراد العراقيون.
وفي صباح اليوم التالي، أرسل شريفي رسالة يائسة من مكان قريب، وقال: “لقد تعرّضنا للتوّ لقصف بصواريخ باليستية إيرانية، ولقي مقاتل واحد حتفه، وأصيب ثلاثة آخرون”.
وكان الهجوم دقيقا، حيث أصاب المنزل الذي كانت جماعته تستخدمه كمكتب، وحيث كان شريفي قد تحدث إلى مراسلي رويترز قبل أسبوعين.
وفي الأيام التالية، استُهدفت قوات شريفي وعشرات من فصائل أخرى في أنحاء شمال العراق. وأسفرت الضربات، في مجملها، عن مقتل ما لا يقل عن خمسة مقاتلين من فصائل كردية مختلفة على مدى عدة أيام، وألحقت أضرارا بالقواعد التي كانوا يعتقدون أنها مموهة جيدا في بلدات صغيرة وعلى سفوح الجبال النائية.
وقال كريم برويزي، القائد بفصيل آخر وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني: “كان الإيرانيون يعرفون أين تقع قواعدنا. لديهم مخبرون يتتبعون تحركاتنا”.
والتقى برويزي مع رويترز بعد وقت قصير من بدء الضربات الإيرانية، في مجمّع يستخدمه مقاتلو الفصيل وعائلاتهم. وجرى إجلاء العائلات حفاظا على سلامتهم بعد الضربات الإيرانية، وظل برويزي داخل المبنى قبل وأثناء وبعد المقابلة.
عالقون بين ترامب وإيران
لم تتوقف التهديدات الإيرانية ضد الأكراد العراقيين عند هذا الحد.
وقال مصدران مقيمان في الولايات المتحدة على دراية بالاتصالات مع الأكراد إن إسرائيل كانت تعمل منذ فترة على توطيد العلاقات مع الفصائل الكردية الإيرانية في المنفى. وقال المصدران إن الإسرائيليين لم يحددوا للقوات الكردية ما سيكون دورها. كما قال القادة الأكراد إنهم لم يكونوا على علم بأي خطة محددة.
وفي اليوم السادس من الحرب، ردّ ترامب على أسئلة رويترز حول تقارير تفيد بغزو بري وشيك من قبل الأكراد الإيرانيين.
وقال ترامب: “أعتقد أن من الرائع أنهم يريدون القيام بذلك، وأنا أؤيد ذلك تماما”. وأضاف أن هدف الأكراد يجب أن يكون “الانتصار”.
وفي ذلك اليوم، وجّه الإيرانيون تحذيرا شخصيا إلى الحكومة في كردستان العراق.
وقال الزعيم الكردي العراقي البارز: “زارنا أحد كبار المسؤولين في الجمهورية الإسلامية”، رافضا الكشف عن هوية المبعوث. والرسالة الجديدة هي: تغيرت هيكلية القيادة والسيطرة في إيران.
فلم يعد كبار الضباط في طهران يصدرون بالضرورة أوامر مباشرة بعد الآن. وأوضح الزعيم الكردي العراقي أنه بدلا من ذلك، أصبح قادة الحرس الثوري في الميدان وحلفاؤهم من الفصائل بالعراق يعملون بمفردهم، وهذا يعني أنه في حال وقوع هجوم إيراني، فإن أي نداءات من قادة الأكراد العراقيين إلى الحرس الثوري في طهران من أجل ضبط النفس قد لا يكون لها أي تأثير. ولم يذكر المسؤول كيف رد الأكراد العراقيون، لكنه قال إن الزيارة كشفت مدى ضعفهم.
وخلال الأيام القليلة التالية، شنّ الإيرانيون هجمات واسعة النطاق.
وضرب الإيرانيون مجمّعا قال مسؤولون محليون ودبلوماسي غربي إنه كان يضمّ موظفين من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في شرق العراق. ورفضت وكالة الاستخبارات المركزية التعليق.
وأصابت ضربة أخرى دار ضيافة سابقة تابعة للأمم المتحدة في السليمانية. واستهدفت هجمات أخرى قاعدة عسكرية تضمّ قوات أمريكية في أربيل، عاصمة إقليم كردستان، ما أسفر عن مقتل جندي فرنسي، وأصابت قوات الأمن التابعة للإقليم شبه المستقل. وأعلنت حكومة أربيل في 24 مارس/ آذار أن وابلا من ستة صواريخ باليستية إيرانية قتل ستة مقاتلين أكراد عراقيين وأصاب 30 آخرين.
وقال الزعيم الكردي العراقي رفيع المستوى وعدد من المسؤولين الأمنيين الآخرين إن معظم الضربات التي استهدفت كردستان العراق خلال الحرب كانت هجمات بطائرات مسيّرة شنتها فصائل عراقية مدعومة من الحرس الثوري. وقالوا إن هذه القوات كانت تعمل في إطار هيكل قيادة وسيطرة لامركزي يضمّ قادة من الحرس الثوري متمركزين في العراق ويتصرفون بمبادراتهم الخاصة.
وقال الزعيم الكردي ومسؤولان كرديان آخران إن معظم الطائرات المسيّرة تُصنع في العراق. وقال سيروان بارزاني، أحد قادة القوات الكردية العراقية، إن الطائرات المسيّرة غالبا ما تكون من الطرز القديمة من مسيّرات شاهد الإيرانية. وشاهد مراسل لرويترز طائرتين من هذا النوع – لهما نفس شكل مسيّرات شاهد القديمة – تحلقان فوق أربيل خلال سلسلة من الهجمات في 18 مارس/ آذار.
وفي واشنطن، تلقى المشرعون الأمريكيون تحذيرات من وزير خارجية تركيا. ويوجد في تركيا حركة انفصالية كردية، وحث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الولايات المتحدة على معارضة أي مشاركة للمقاتلين الأكراد في عملية عبر الحدود. وذكر مصدر مطلع أن فيدان حذر من أن هذا قد يثير اضطرابات جديدة ليس فقط في إيران، بل أيضا في تركيا وحتى سوريا. ولم ترد تركيا على طلب للتعليق.
وبحلول اليوم الثامن من الحرب، بدا أن ترامب قد تخلى عن آماله في تشكيل جبهة كردية ضد إيران، حيث أخبر الصحافيين على متن طائرة الرئاسة أنه “استبعد ذلك”.
وقال الزعيم الكردي البارز إن السليمانية شهدت ليلة خالية من الغارات.
“ما زلنا معرضين للقتل”
بعد أيام قليلة من تغيير ترامب لموقفه، غادر شريفي الجبال لقضاء عطلة وتوجّه بسيارة مصفحة إلى أربيل، عاصمة كردستان العراق. وجلس في أحد المقاهي، لكنه لم يسترخِ لفترة طويلة، فسرعان ما رن هاتفه بخبر مفاده أن مقاتليه استُهدفوا بطائرة مسيّرة أخرى، على الرغم من أن هذه الطائرة لم تنفجر.
وبدلا من التخطيط لعمل عسكري في إيران، كان شريفي يقضي وقته في تجنب الغارات الجوية، بما في ذلك غارتان في الأسبوع الأول من أبريل/ نيسان، ومحاولة تجاوز الحجب شبه الكامل للإنترنت في إيران للحصول على آخر المستجدات من داخل البلاد.
وقال إن نقل المقاتلين بين إيران والعراق أصبح مستحيلا، حتى مع عرض أجر أعلى قدره 500 دولار للمهربين وحرس الحدود، فقد أدى تزايد وجود الحرس الثوري الإيراني في المناطق الكردية في إيران إلى إغلاق الحدود.
وقال شريفي إن المسلحين الأكراد تمكنوا قبل الحرب من إرسال أجهزة ستارلينك إلى نشطاء داخل إيران، الذين كانوا ينقلون المعلومات بشكل دوري عبر الحدود حول تحركات الحرس الثوري وقوات الأمن المحلية. وقال إنه في إحدى الوقائع، نبه أحد العناصر المحلية القوات الكردية المتمركزة في العراق بقدوم صاروخ، ما أتاح الوقت الكافي لهم للاحتماء.
ووفقًا لشريفي وبرويزي وسكان المنطقة ذات الأغلبية الكردية في إيران، فقد تعرّض الإيرانيون أيضا لضربات على جانبهم من الحدود.
وقالوا إن الغارات الجوية دمرت عددا من مراكز الحرس الثوري والشرطة المحلية في المنطقة. وأدت الهجمات إلى نزوح قوات الأمن الإيرانية المحلية، حيث فرّ بعضهم إلى مناطق جبلية نائية، بينما نام آخرون في سياراتهم لتجنب الاستهداف. وقالوا إن عائلات أعضاء الحرس الثوري غادرت منازلها.
وقال قادة الأكراد الإيرانيون في المنفى إن الدلائل تشير إلى ضعف الحكومة الإيرانية. لكنهم أضافوا أنه حتى الحكومة الضعيفة يمكنها قتل المتظاهرين مرة أخرى، ما يخيف معظم الناس من اتخاذ أي إجراء.
وقال شهود في قرية خارج مدينة بانه الإيرانية، بالقرب من الحدود الإيرانية العراقية إنهم شاهدوا قافلة من 50 حافلة مليئة برجال من الحرس الثوري تتحرك في 22 مارس/ آذار، متجهة نحو الحدود.
وقال القادة الأكراد الإيرانيون إنه بدون اندلاع انتفاضة في إيران، فإن الغزو سيكون مخاطرة كبيرة. لذا فهم ينتظرون على الجانب العراقي من الحدود، مستعدين لفرصة جديدة.
ولم يمنح وقف إطلاق النار شريفي سببا كبيرا للأمل.
وقال شريفي: “ما زلنا تحت احتلال الجمهورية الإسلامية. إذا تم التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، فسوف نُقتل ونُعدم”.
(رويترز)
القدس العربي
————————
=======================



