تقنية

عصر الإنترنت الفضائي بدأ: سرعة عالية وتغطي المناطق النائية/ سامي خليفة

لطالما اتسم الإنترنت الفضائي بسمعةٍ سيئة نظراً للخدمة البطيئة التي يوفرها. فهو نوع من الإنترنت عادةً ما يلجأ كثيرون في العالم إليه كملاذٍ أخير أو يستخدمونه إذا كانوا عالقين في رحلةٍ طويلة. لكن هذه المشهدية بدأت تتبدل، إذ يشهد الإنترنت القائم على الأقمار الصناعية تجديداً كبيراً لمسته البشرية العام الماضي من خلال تدشين شركة “سبيس إكس” مرحلة إطلاق نوعٍ جديد من أقمار الإنترنت، يُضاف ذلك إلى الجدية التي تبديها الشركات الخاصة والحكومات بشأن مشاريع الإنترنت الفضائية الخاصة بها.

بدء عصر الإنترنت الفضائي

شهدت بداية هذا العام إطلاق شركة “سبيس إكس” 51 قمراً صناعياً إلى المدار لدعم شبكة “ستارلينك” للإنترنت الخاصة بها. وستنضم هذه الدفعة الجديدة إلى آلاف الأقمار الصناعية التي أرسلتها الشركة الأميركية بالفعل إلى المدار في السنوات الماضية.

في غضون ذلك، تخطط “أمازون” لدمج أكثر من 3000 قمر صناعي في كوكبة الإنترنت عبر “مشروع كايبر” للأقمار الصناعية، ومن المقرر أن تطلق أقمارها النموذجية الأولية في وقتٍ مبكر من هذا العام. ويحدث ذلك تزامناً مع تصريح الاتحاد الأوروبي بأن شبكته للأقمار الصناعية “أيريس”، يمكن أن تشمل ما يصل إلى 170 قمراً صناعياً، وستدخل مدار الأرض المنخفض بين عاميّ 2025 و2027.

أسرع بكثير

بفضل صعود صناعة الفضاء التجارية، انخفضت تكلفة عمليات الإطلاق الفضائية بشكلٍ كبير خلال السنوات القليلة الماضية. حتى أن الأقمار الصناعية نفسها أصبحت أرخص أيضاً. نتيجةً لذلك، اتجهت شركات الصواريخ أكثر نحو وضع الأقمار الصناعية التجارية في المدار، ما يمهد الطريق أمام مجموعات من الأقمار التي يمكن أن توفر خدمة إنترنت أسرع بكثير من تكنولوجيا الإنترنت عبر الأقمار الصناعية القديمة التي تدور حول الكوكب. وفي حين أن الإنترنت عبر الأقمار الصناعية لم يتم إعداده بالضرورة ليحلّ محل الخدمة التي تقدمها الأبراج الخلوية أو كابلات الألياف الضوئية، إلاّ أنه لا يزال من الممكن أن يلعب دوراً في الشبكات الأوسع التي يستخدمها الكثير من الأشخاص يومياً. 

الزيادة المتوقعة في الأقمار الصناعية الجديدة ستفرض هذا العام حضوراً أكبر للإنترنت الفضائي في حياتنا اليومية. إذ تخطط “تي موبايل”، وهي شركة خدمات الاتصال والإنترنت في ألمانيا، لاستخدام شبكة “ستارلينك” لتوسيع تغطيتها في المناطق الميتة، فيما بدأت “سبيس إكس” تشجع مزودي خدمات الجوال الآخرين على ربط شبكاتهم بالسماء. أما شركة “أمازون”، فصممت “مشروع كايبر”، ليعزز بمجرد إطلاقه، خدمات شركة الاتصالات الأميركية “فيرايزون” للجيل الرابع للشبكات الخلوية 4G، و”التطور طويل الأمد LTE”، وتكنولوجيا الجيل الخامس للشبكات الخلوية ذات النطاق العريض 5G.

حتى الطائرات والقوارب ستستفيد من الإنترنت الفضائي، حيث أتاحت “ستارلينك” خدمة الإنترنت الخاصة بها على الطائرات الخاصة وبعض السفن السياحية. وقد أعلنت “خطوط دلتا الجوية Delta Air Lines”،‏ وهي شركة طيران أميركية، يقع مقرها الرئيسي في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا، في وقتٍ سابق من هذا الشهر، أنها ستوفر خدمة الواي فاي على متن طائراتها مجاناً وذلك بفضل شراكة مع “تي موبايل”، ومزود الأقمار الصناعية الثابتة بالنسبة إلى الأرض “فياسات”.

وحسب الخبيرة البارزة في شبكات الإنترنت سيلويا كيشيش، يمكن أن يكون الإنترنت عبر الأقمار الصناعية بمثابة خدمة مثالية للأشخاص الذين يعيشون أو يسافرون في المناطق النائية، مستطردةً بالشرح “عندما نذكر الإنترنت الفضائي عليكم أن تفكروا في ضواحي المدن التي لا تمتلك بنية تحتية جيدة، ولا يمكنها الحصول على سرعة إنترنت جيدة بسبب عدم تواجد الألياف الضوئية أو الكابلات”.

تطور لافت

على مدى العقود القليلة الماضية، اعتمد الإنترنت عبر الأقمار الصناعية في الغالب على الأقمار الصناعية الثابتة بالنسبة للأرض التي توفر خدمة بطيئة للغاية. في المقابل، تعمل أقمار “ستارلينك” الجديدة التي تدور حول الأرض، بشكلٍ مختلف. ذلك أن كل قمر صناعي منها يعمل على ارتفاع أقل بكثير، ويوفر تغطية أقل، ويمكن إطلاق المئات أو الآلاف منها إلى الفضاء على دفعات، ما يؤدي إلى إنشاء مجموعات منها في المدار.

في الوقت الحالي، تُعتبر “سبيس إكس” رائدة في عصر الإنترنت الجديد هذا. فالشركة مسؤولة عن ما يقرب من نصف إجمالي الأقمار الصناعية النشطة التي تدور حول الأرض، وقد وصلت خدمتها للإنترنت، المتوفرة الآن في عشرات البلدان، إلى مليون مستخدم في كانون أول المنصرم. ومع ذلك، يعتقد البعض أن “أمازون”، على الرغم من أنها لم تطلق أي قمر صناعي خاص بها حتى الآن، قد تمتلك في نهاية المطاف اليد العليا، لأنها ستتمكن من ربط الإنترنت الفضائي الخاص بها بشركتها السحابية الضخمة “Amazon Web Services”.

انطلاق سكة التنظيم الفضائي

تضع الشركات التي ذكرناها آنفاً الأساس لمستقبل صناعة الإنترنت في الفضاء، في شكل محطاتٍ أرضية جديدة لدعم الأقمار الصناعية. إنهم يخلقون جميع أنواع الفرص غير المتوقعة، بما في ذلك الوظائف التي تركز على الأقمار الصناعية. ونذكر على سبيل المثال لا الحصر، افتتاح شركة “أمازون” مؤخراً لمنشأة تركز بشكلٍ أساسي على تصنيع الأقمار الصناعية الجديدة، وهو قطاع تقول الشركة إنها لا تزال تسعى إليه حتى وسط عملية تسريح العمال.

ولتجنب اصطدام الأقمار الصناعية ببعضها البعض أو في أي من عشرات الآلاف من قطع الحطام المداري التي تدور حول الأرض، وحل مشكلة النفايات الفضائية، أعلنت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية (FCC)، قبل بضعة أسابيع، عن اقتراح لإنشاء مكتب فضاء لمراقبة هذه الأمور. وفي الوقت نفسه، تشرف إدارة الطيران الفيدرالية الأميركية (FAA)، على عمليات إطلاق الصواريخ المطلوبة لإرسال هذه الأقمار الصناعية إلى الفضاء. كما يتعين عليها الموافقة على خدمة الإنترنت عبر الأقمار الصناعية للطائرات. حيث يجب على شركات الطيران التي تقوم بتثبيت هذه الأنظمة على طائرات الركاب التجارية، أن تُظهر لإدارة الطيران عدم تداخل التقنيات الجديدة مع أنظمة اتصالات وسلامة الطائرات.

المشاكل التقنية والأسعار

هذه القفزة النوعية والأخبار المفرحة، سيحتاج العالم إلى سنتين أو ثلاث سنوات للاستفادة المُثلى منها والسيطرة على المشاكل التقنية. ففي الوقت الحالي، تطرأ بعض المشاكل التقنية بين الفينة والأخرى على خدمات الإنترنت هذه لكونها لا تزال في مراحلها الأولى. وعلى سبيل المثال، تراجعت سرعات “ستارلينك” في الخريف الماضي مع اشتراك المزيد من الأشخاص في خدمتها، وقالت الشركة إنها قد تطبق حدوداً على سرعة الإنترنت في الولايات المتحدة مستقبلاً.

ورغم أن “ستارلينك” تقدم حالياً خدماتها للناس والشركات في 40 دولة، معظمها في أميركا الشمالية وأوروبا وأستراليا. وتخطط لتوسيع نطاق تغطيتها إلى بقية أنحاء الولايات المتحدة بحلول نهاية عام 2023. والسماح بدخول الخدمة إلى باكستان والهند ونيبال وسريلانكا قريباً، إلاّ أنها لا تُعدّ مع ذلك خدمةً رخيصة مقارنةً بمزودي الإنترنت العاديين، إذ تبلغ تكلفة الطبق وجهاز التوجيه اللازمين للاتصال بالأقمار الصناعية 599 دولاراً، كما هناك رسوم الاستخدام الشهرية التي تبلغ قيمتها 110 دولارات. وهذه الأسعار ستنخفض حتماً في المستقبل مع ازدياد المنافسة العالمية.

ويقول الخبراء أن هذه الأقمار ستقدم توسعاً كبيراً في خدمة الإنترنت السلكية واللاسلكية التي نستخدمها اليوم. ويُعد هذا تقدماً نوعياً سيستفيد منه العديد من الأشخاص غير المتصلين بالإنترنت عالي السرعة في جميع أنحاء العالم . وإذا سار كل شيء وفقاً لخطط شركتيّ “سبيس إكس” و”أمازون”، فإن أقمارهما الصناعية ستصبح شكلاً حقيقياً من البنية التحتية، لتوصيل أجهزتنا بالإنترنت الفضائي بشكلٍ منتظم.

سرعة الإنترنت وتأثير الظروف الجوية

وبخصوص السرعة المتوفرة، تقدم “ستارلينك” بيانات عالية السرعة، بسرعة إنترنت تصل إلى 150 ميغابايت في الثانية (Mbps). وتتطلع “سبيس إكس” في خططها لمضاعفة هذا المعدل في الأشهر المقبلة.

ووفقاً لاختبار “Speedtest” الأخير لشركة “أوكلا” الأميركية، سجلت “ستارلينك” أسرع متوسط سرعة تحميل لها في الربع الأول من عام 2022 بسرعة 160 ميغابايت في الثانية في ليتوانيا. كما سجلت سرعة 91 ميغابايت في الثانية في الولايات المتحدة و97 ميغابايت في الثانية في كندا و124 ميغابايت في الثانية في أستراليا. من جهتها، حظيت المكسيك بأسرع إنترنت عبر الأقمار الصناعية في أميركا الشمالية، بمتوسط سرعة تحميل 105.91 ميغابايت في الثانية.

وتم تصميم “ستارلينك” واختبارها بصرامة للتعامل مع نطاق واسع من درجات الحرارة والظروف الجوية، وقد ثبت أنها تتحمل البرودة الشديدة والحرارة والصقيع والأمطار الغزيرة والرياح القوية، بل ويمكنها أيضاً إذابة الثلج.

المدن

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى