ثقافة تمجيد الحاكم في سورية/ حسام أبو حامد

16 ديسمبر 2025
لا تبدأ معضلة الديمقراطية من صناديق الاقتراع ولا تنتهي عندها. في سورية خصوصاً المشكلة أكثر تعقيداً: ثقافة تمجيد الحاكم التي تحوّلت نظاماً بصرياً ولغوياً وأمنياً، يُفرِّغ السياسةَ من معناها ويحوّل “الدولة” شخصاً، و”المواطنة” ولاء. صحيح أن الاضطراب السياسي سبق وصول نظام عائلة الأسد، غير أن “عبادة الشخص” لم تكن قد أصبحت بعدُ القاعدة الحاكمة للمخيال العام؛ إذ عرفت سورية ما بعد الاستقلال برلماناً وأحزاباً وصراعات سياسية، قبل أن تدخل دوّامة الانقلابات. وبعد سقوط نظام أديب الشيشكلي (1954) عادت الحياة البرلمانية واستُعيدت مؤسّساتٌ مدنيةٌ في مرحلة ديمقراطية هشّة، لكنّها أظهرت فرقاً جوهرياً: كانت الشرعية تُناقَش في المجال السياسي، لا من خلال “القائد الأوحد”. ثمَّ جاءت الوحدةُ مع مصر، فحُلَّت الأحزاب والبرلمان ضمن نموذج الحزب الواحد، قبل الانفصال (1961) وخوض سورية تجربةً سياسيةً وطنيةً جديدة، انتهت بانقلاب 8 مارس (1963)، ودخلت البلادُ مسارَ الحزب الواحد الذي أسّس لاحقاً لدولة الرجل الواحد، ونظاماً يصنع شرعيته بإلغاء السياسة، وبأجهزة الأمن والولاء؛ فتحوّلت السياسة من تنافس علني حول البرامج والحقوق، إلى إدارة مغلقة للبلاد عبر التعبئة والخوف واحتكار المجال العام، الذي يُفترَض أنه ملك المواطنين جميعاً، لا ملك “السردية الرسمية” وحدها.
مع الأسد، ابتلعت الصورةُ المؤسّسةَ، وترسّخت منذ “الحركة التصحيحية” (1970) بنيةٌ تُقدّم الحاكم “قدَر الدولة” لا موظّفاً عامّاً. لم تكن الصورة وحدها ما صنع الاستبداد، لكنّها كانت أداته اليومية: صور في المدارس وسائر المؤسّسات، تماثيل في الساحات، وخطاب يخلط بين الوطن وشخص الرئيس، في بيئة النقدُ فيها “إساءة”، والمعارضةُ “خيانة”، والوطنية اختبار ولاء لا منظومة حقوق مصونة، ويفقد فيها صندوق الاقتراع (حين يوجد) معناه، طالما كانت الشرعية تُنتَج من خارج السياسة. لهذا لم يكن غريباً أن تكون رموز الأسدية أول ما سقط في لحظة انهيار نظام الأسد قبل عام. وبدا واضحاً أن إسقاط التمثال ليس فعل غضب وحسب، بل هو أيضاً فعل سياسي بامتياز: إعلان رمزي بأن المجال العام يعود إلى الناس بعد أن احتكرته الصورة.
بعد السقوط، ظهرت خطوات دالّة على محاولة إزاحة الرموز من قلب المؤسّسات: تغيير مناهج، وإعادة تسمية جامعات ومدارس وأماكن حملت أسماء مرتبطة بمرحلة “البعث” والأسد (رغم ما ثار من جدل حول التسميات الجديدة). كما تضمّن “الإعلان الدستوري” (مارس/ آذار 2025) تجريم تمجيد نظام الأسد ورموزه وإنكار جرائمه أو تبريرها، ورغم خلافٍ واردٍ حول الصياغات وحدودها، فيُفترَض أن تكون الدلالة السياسية لذلك اعترافاً رسمياً بأن “التمجيد” كان جزءاً من بنية القمع، لا مُجرّد ديكور. ويبقى الخطر الأكبر بعد سقوط أيّ نظام مُمجَّد ليس بقاء الصورة القديمة فقط، بل استبدالها بصورة جديدة. فالديمقراطية لا تُبنى بإزالة التماثيل وحدها، بل بإرساء القاعدة: الحاكم يحكم بعقد مؤقّت، يُحاسَب علناً، ويُستبدَل سلمياً. إن لم تصبح هذه القاعدة ممارسةً عامّةً، قد تعود سورية سريعاً إلى الفخّ ذاته: دولة تُدار بالرمز لا بالقانون، وبالهتافات والشعارات لا بالحقّ.
تمجيد الحاكم يعيق العملية الديمقراطية فيضرب شروطها النفسية والاجتماعية، حين يُحوَّل المواطنُ من صاحب حقٍّ إلى صاحب ولاء، ويخلق خوفاً من التداول: “إن ذهب القائد، انهارت الدولة”. كما يُقسِّم تمجيد الحاكم المجتمع بين “مُحبِّين” و”كارهين”، بدل “مُؤيِّدين” و”مُعارِضين” داخل قواعد وطنية مشتركة. تغيير الحاكم في الديمقراطية أمر عادي، أمّا تمجيد الحاكم فيجعل التغيير حدثاً كونياً. وفي مجتمعات تُكثِر من تمجيد الحاكم لا يُقاس النجاح بميزان النتائج، ولا تُختبر السياسات بالأرقام، بل تُختبر “الهيبة” بالتصفيق، وتسرق ثقافة التمجيد الشرعية من الانتخابات، فلا مشكلة إن تأجّلت، أو ألغيت، وفي أحسن الأحوال تتحوّل من آلية تقييم إلى طقس تجديد ولاء، وتنقل السياسة من سؤال عقلاني: “هل أنجز؟ هل أخفق؟”، إلى سؤال عاطفي: “هل تحبّه؟”.
بهذا المعنى، لا تواجه سورية بعد عام من سقوط الأسد مهمة إزالة تماثيل وصور كما بدا للوهلة الأولى، بل مهمة إزالة فكرة التقديس نفسها التي قد تستمرّ بطرائق لا تحتاج إلى تماثيل (خصوصاً إذا كانت الأيديولوجيا الحاكمة تحرّم التماثيل أصلاًً)، عبر تحويل الإعلام والخطابة والطقوس العامّة ماكينةَ مديحٍٍ، وعبر صناعة “قداسة” جديدة للسلطة تُلبس لبوس الدين أو “الثوابت” أو “الضرورة الأمنية” أو حتى “الضرورة الطائفية”. هنا يصبح التمجيد أقلّ فجاجةً، لكن أشدّ فاعليةً؛ فإذا كان الرمز لا يُرى في الساحة، فإنه يتسرّب إلى اللغة والوعي والمعايير، فيعود المواطنُ رعيّةً من جديد، من دون تمثال واحد.
العربي الجديد



