كيف تستعيد الدولة السورية هيبتها داخلياً؟/ أحمد جاسم الحسين

2025.09.15
في الشارع السوري بتَّ تسمع مصطلحات من مثل “لا يعيد للدولة هيبتها غير تعليق حبال المشانق” أو “المخالفات المالية هي الحل الوحيد” أو “شعب ما ينعطى وجهاً ولا يفهم إلا بالعصا”، أو “حين كانوا يعرفون أن من يدخل إلى أقبية المخابرات لن يعود كانوا كلهم يلتزمون”.
يُقال: حكمك على الشيء جزء من تصوره، وتصور السوريين عن الدولة، وفقاً لتجربتهم، هي الدولة القاسية العنيفة التي تفرض صورتها وسطوتها بالعنف والقوة!
حقاً هذه صورة الدولة؟ وعلاقة المواطن معها؟ ألا يوجد لغة أخرى بين المواطن والدولة غير العنف؟ أحد تعريفات الدولة هو احتكار العنف وإعادة توزيعه بالقانون، وأحد تعريفات السياسة أنها اقتصاد العنف والتحكم به!
استعادة هيبة الدولة السورية داخلياً أحد الأسئلة المتكررة مؤخراً، خاصة أن هيبتها ارتبطت بالقسر والكراهية والعنف، فهل يمكن استعادة هيبة الدولة من دون عنف؟
ما المقصود بهيبة الدولة: الالتزام بالقانون؟ تحمل الهيبة عدداً من الدالات لعل أحدها الاحترام المقترن بالتقدير وربما الرهبة!
وما يقصد به سورياً هو الالتزام بالقانون بالفضاء العام، وهذا الالتزام ليس من قبل المواطنين فحسب بل كذلك من قبل ممثلي أجهزة الدولة، فإنْ وجد العامل في الدولة في القطاع الأمني أو المدني أنه خارج المحاسبة والتراتب الإداري ربما يجد نفسه أهم منها، أو أنه ما يقوله هو مصدر السلطة وليس القانون!
السؤال الذي يطرح نفسه: كيف تستعيد الدولة هيبتها بعد تاريخ طويل من كون الهيبة خوفاً واستبداداً وقمعاً؟
عادة ما يوجه الحديث عن هيبة الدولة إلى المواطن، وأنه لا يلتزم باحترام هيبتها، لكن الالتزام ثقافة وتقاليد، فإنْ لم يجد المواطن أن دولته تحترم القانون لا يمكن أن نطلب منه احترام القانون، العملية تبادلية وثقافة! والوقار المؤثر له حضور أكثر من الوقار المخيف، ولعل هذا أحد الفروق بين الهيبة والخوف حيث تنبع الأولى من الاحترام والثقة، في حين ينبع الخوف من القمع والتهديد.
السؤال الذي يطرح نفسه: كيف تستعيد الدولة هيبتها بعد تاريخ طويل من كون الهيبة خوفاً واستبداداً وقمعاً؟ وهل يمكن أن نطبق نظريات دولة الرعاية الاجتماعية الأوربية على حالة دولةٍ، خارجة من الحرب اعتاد شعبها على أن الهيبة هي خوف وقمع ومنع وقوة؟
كيف نجد حلاً وسطاً بين هيبة دولةٍ نحتاجها جميعاً وفي الوقت نفسه التخفف من ذاكرة الخوف والقمع التي لها وقع سلبي في الذاكرة السورية بحمولاتها المناطقية والطائفية؟
من جهة السلطة السورية لعل أهم ما يعيد للدولة هيبتها هو احترام القرارات والالتزام بها وتنفيذها من دون استثناء، فهل نجد ذلك اليوم؟ بكل أسف نجد استثناءات كثيرة، بعضها يُسَوَّغ بحجة الثورية الشرعية، التي يفهمها بعضهم خروج على القانون وتحقيق مكتسبات.
ستنمو مكانة الدولة في نفس المواطن السوري بالعدالة التي تحمي الحقوق وتحاسب المخطئين، وهو مسار يمشي ببطء شديد، جعل السوريين يخففون من حجم التوقعات بالسلطة الناشئة، وبالتالي شيء من انخفاض منسوب الأمل.
بالتأكيد العامل الخارجي أحد عوالم إضعاف هيبة الدولة، ولعل الضربات الإسرائيلية المتكررة واستباحتها للجنوب السوري جعلت هيبة الدولة أضعف وموضع مساءلة، وهو ربما ما تعمل عليه إسرائيل كنوع من نزع ثقة الشعب بنظامه السياسي.
ضعف هيبة الدولة له مخاطر كثيرة منها الفوضى وعدم الثقة بالمؤسسات وارتفاع حالات الخروج على القانون والتمرد، اليوم بات مطلوباً من ممثلي السلطة الالتزام بالقانون إلى أبعد حد والحرص على تكريس الثقافة وليس إشاعة ثقافة “نحن السلطة ولاك”!
قد يعتقد نفر من السوريين أن البحث عن حلول شخصية أفضل من المشي في بيروقراطية القانون في بلد منهك، خارج من حرب طويلة.
ربما إجرائياً أسرع ويحقق المصالح الفردية لكن مضاره كثيرة على هيبة الدولة على المدى الطويل، فهل سيعي أولئك ماذا يفعلون؟ وأي أثر سلبي على البلاد يتركون!
الحديث عن هيبة الدولة يعني كذلك بناء مؤسسات قوية وعادلة تستجيب لأزمات الناس، وهذا ما يبدو ضعيفاً حتى الآن، حيث نسمع من سوريين كثيرين أنهم يحتاجون إلى إسعاف أو تدخل الشرطة فلا يجدون رداً أو لا يجدون خدمة في الوقت المناسب، أو يقابلون باللامبالاة فيبدؤون بالمقارنة مع ما مضى ولا يغيب عن بالهم فساد المرحلة السابقة لكنهم يقولون لك “كنا نجد رداً”!
هيبة الدولة لا تأتي بها مذكرات التفاهم الاستثمارية الدولية ولا الهوية البصرية ولا الاحتفالات فحسبـ بل ثقة الناس واحترامهم وحرصهم، وهي ليست من طرف واحد بل من الجهتين: المواطن وممثلي سلطات الدولة، وهذا يجعل من استعادتها أو بنائها درباً وعراً وطويلاً!
الهيبة الشعبوية هي سلطة الشخص خارج القانون، وكذلك الهيبة المخابراتية هي السلطة غير المقيدة، هذه الأنواع من الهيبة لم تعد مناسبة لأبناء الثورة السورية، وكذلك للمسار العالمي في بناء الدولة، لذلك تفعيل سبل العدالة الانتقالية هو أحد مداخل استعادة هيبة الدولة، وفي الوقت نفسه دستور جديد وانتخابات نزيهة وإصلاح المؤسسات وسيادة القانون ومكافحة الفساد وعدالة الأداء والشعور بالأمان، وأن الصوت مسموع لو صرخ المواطن، فهل تشعر عزيزي المواطن أن صوتك مسموع ونداءك ملبى؟ ويمكنك أن تنقد وتشارك من دون خوف؟
يقال: إن السماح للآخرين بالصراخ والحديث في أي موضوع من دون منعهم لا قيمة له إنْ لم يتبعه حوار وبناء متبادل، وإلا تصبح حرية التعبير من دون قيمة، فما فائدتها من دون استجابة السلطة؟ وما جدواها إذا كانت السلطة في مكان والشعب في مكان آخر؟
الهيبة بالمفهوم العشائري تقال للشخص الوقور، قليل الكلام، حسن التصرف، الشجاع، الجدي، العادل، المنتصر للمظلوم، حلال المشكلات، أين رجال السلطة من ذلك؟ الأمر نسبي ويختلف من حالة إلى حالة.
مسلسل الهيبة مثلاً كان علامة صراع بين العرف والقانون وما الذي يحدث حين تغيب سلطة الدولة وكيف تستبدل هيبة العدالة والاحترام بهيبة السلاح والبطش والخوف!
في الأمثال التي لم تقل: هيبة الدولة السورية الناشئة يكمن في عدلها وقانونها ومؤسساتها وليس في بطشها أو استثناءاتها!



