إشتباكات السويداءالإعلان الدستوري لسوريا 2025التدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعدالة الانتقاليةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

العدالة الانتقالية تحديث 08 آب 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية في سوريا

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي

الأحداث التي جرت في الساحل السوري

—————————-

 ما وراء البحث عن الحقيقة برعاية الدولة.. كيف يتم تصميم لجان تحقيق وطنية موثوقة؟/ فضل عبد الغني

2025.08.05

تحتل لجان التحقيق الوطنية مكانةً مميزةً ضمن البنية المؤسسية للعدالة الانتقالية ومسارات الحوكمة الديمقراطية، حيث تُعدّ من الآليات التي تلجأ إليها الدول للتحقيق في الإخفاقات المؤسسية، وانتهاكات حقوق الإنسان، والقضايا ذات الاهتمام العام.

وتُجسّد هذه الهيئات التحقيقية، التي تلتقي عندها الأبعاد القانونية والسياسية والاجتماعية، توترًا متأصلًا يكمن في طبيعة وجودها: فهي مبادراتٌ برعاية الدولة، إلا أنها في الوقت نفسه مُكلّفةٌ بالتحقيق في إخفاقات وانتهاكات نُسبت إلى الدولة ذاتها، وهو ما يُشكّل ما يُمكن تسميته “مفارقة الشرعية” التي ترافق تصميمها وآليات عملها.

وقد شهدت سوريا عام 2025 تشكيل ثلاث لجان وطنية رئيسية جاءت استجابةً للتطورات الأمنية والاجتماعية في منطقتي الساحل والسويداء. ففي آذار من العام ذاته، صدر قرارٌ رئاسي بتشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث العنف الطائفي والانتهاكات الجسيمة التي شهدتها محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة، في أعقاب تصاعد العنف في هذه المناطق. وبالتزامن مع تشكيل لجنة التحقيق، أُنشئت لجنة عليا للسلم الأهلي تهدف إلى احتواء التوترات وتعزيز التماسك المجتمعي في المنطقة. وفي تموز، ومع تفاقم الأحداث الدامية في محافظة السويداء، جرى تشكيل لجنة تحقيق خاصة للنظر في ملابسات هذه التطورات، وتقديم التوصيات المناسبة لمعالجة آثارها على المجتمع والدولة.

ولكي تتمتع لجان التحقيق الوطنية بالمصداقية والقبول المجتمعي، ينبغي أن تستند إلى مجموعة من المبادئ والمعايير الأساسية التي أثبتتها التجارب التاريخية والدراسات القانونية. وفي هذا المقال، الذي يأتي في جزأين، نؤكد على أنه من دون الالتزام بهذه المبادئ والخطوات الإجرائية، تفقد هذه اللجان جزءًا كبيرًا من مصداقيتها، مهما بلغ مستوى الجهد والمهنية خلال عملها.

المبادئ الأساسية لتصميم لجان التحقيق الوطنية: الاستقلالية، التمثيل، وضوح التفويض

الاستقلالية المؤسسية:

يشير الاستقلال الهيكلي إلى وجود نصوص دستورية أو تشريعية تؤسس اللجنة ككيان مستقل عن السلطة التنفيذية، وتحصّنها ضد أي شكل من أشكال التدخل السياسي. إلا أن هذا الاستقلال القانوني لا يُعد كافيًا بحد ذاته في غياب استقلالية تشغيلية فعلية، أي امتلاك القدرة العملية على إدارة التحقيقات بحرية، وتخصيص الموارد اللازمة، وإصدار النتائج بشفافية، من دون قيود أو ضغوط مباشرة أو غير مباشرة من السلطة التنفيذية.

تشكّل السيادة المالية جانبًا أساسيًا من جوانب الاستقلالية التشغيلية، ولا تقتصر على توفير ميزانية كافية فحسب، بل تشمل أيضًا الاستقلال في اتخاذ قرارات الإنفاق وتخصيص الموارد. وقد أظهرت التجارب السابقة أن اللجان التي تتمتع بميزانية مستقلة مع صلاحيات إنفاق تقديرية تُبدي كفاءةً وفعاليةً تحقيقيةً أكبر مقارنةً باللجان التي تعتمد على تمويل حكومي دوري. ومن الضروري إنشاء إطار مالي مستقل ومضمون منذ البداية، لأن المحاولات اللاحقة لضمان استقلالية مالية بعد انطلاق التحقيقات عادةً ما تواجه مقاومة سياسية قوية، لا سيما إذا ظهرت نتائج قد تكون مثيرةً للجدل.

تُشكّل الأطر القانونية التي تحدد صلاحيات التحقيق ركيزةً أساسيةً أخرى في ضمان استقلالية اللجان، ومن أبرز هذه الصلاحيات: سلطة استدعاء الشهود، وتوفير الحماية لهم، والوصول إلى الوثائق الرسمية والسرية. ومن الأهمية بمكان أن تكون هذه الصلاحيات مُرسّخة في الدستور أو التشريع، وليست خاضعةً لتقدير أو تدخل السلطة التنفيذية. ويُطلق فقهاء القانون على هذا الإطار القانوني مصطلح “مناطق الاستقلالية”، التي تمنح اللجان مساحةً آمنة للعمل بعيدًا عن التدخلات القضائية أو السياسية المحتملة. وفي السياقات العملية، فإن قدرة اللجان على الوصول إلى الحقيقة تعتمد بشكل كبير على كيفية تعاملها مع التشريعات القائمة، مثل قوانين أسرار الدولة أو الامتيازات الخاصة بالسلطة التنفيذية، التي غالبًا ما تشكّل عقبات كبيرة أمام كشف الانتهاكات الجسيمة.

كما تبرز عملية تعيين أعضاء اللجنة كمفارقةٍ أساسية: فاللجنة تحتاج إلى تفويض وموارد من الدولة كي تتمكن من أداء مهامها، إلا أن شرعية عملها تعتمد بشكل كبير على استقلالها عن السلطات نفسها التي قامت بتشكيلها. وتشير الدراسات المقارنة إلى أن عمليات التعيين التشاركية والمتعددة الأطراف توفر الحل الأمثل لهذه المفارقة، عبر إشراك المجتمع المدني والهيئات البرلمانية ومختلف القوى الاجتماعية والسياسية في إجراءات اختيار أعضاء اللجنة. وتتميز عمليات التعيين الشفافة – التي تشمل آليات واضحة للترشيح، والتدقيق، والمشاورات العامة، وبناء التوافق – بمستويات ثقة مجتمعية أعلى بكثير مقارنةً باللجان التي تُعيَّن بقرار تنفيذي منفرد. ويقوم هذا النهج التشاركي بوظيفة مزدوجة؛ فهو من جهة يعزز شرعية اللجنة، ومن جهة أخرى يخلق دوائر مجتمعية حريصة على الدفاع عن استقلاليتها ضد أي ضغوط أو تدخلات سياسية محتملة.

الشمولية التكوينية والتنوع المعرفي

يتجاوز تكوين اللجان مجرد التمثيل الديموغرافي ليشمل التنوّع المعرفي، أي احتواء طرق متعددة لمعرفة وفهم الظواهر موضوع التحقيق. فشرعية اللجان لا تُستمد من التمثيل الوصفي فقط (أي أن يكون أعضاء اللجنة مشابهين ديموغرافياً للفئات المتضررة)، بل تستمد أيضًا من التمثيل الجوهري (أي قدرة الأعضاء على التعبير بفاعلية عن مصالح ووجهات نظر مجتمعية متنوعة). تستوجب هذه الرؤية معايير اختيارٍ تعطي الأولوية للتوازن بين الخبرة المهنية والقدرات التحليلية.

ويبرز في هذا السياق توتّرٌ مستمر بين ضرورة توافر الخبرة الفنية من جهة، وبين أهمية الشرعية المجتمعية من جهة أخرى، إذ تشير تجارب لجان التحقيق السابقة إلى أن هيمنة الخبراء الفنيين على عضوية اللجان تؤدي عادةً إلى تحدياتٍ في كسب الثقة المجتمعية وإشراك الجمهور، في حين يؤدي التركيز على التمثيل المجتمعي على حساب الخبرة الفنية إلى نتائج تحقيقية ضعيفة قد تفتقر إلى المصداقية القانونية والدقة العلمية. ويبدو أن أفضل الحلول هو تشكيل هجينٍ متعمّد يجمع بين ذوي الخبرة الفنية والمعرفة التجريبية والقبول المجتمعي في آنٍ معًا. تُمكّن هذه التعددية اللجان من التحرك بسلاسة بين أنظمة المعرفة المختلفة، ما يضمن دقة التحقيق والشرعية المجتمعية في آنٍ واحد.

كما تتجاوز مشاركة المجتمع المدني في اللجان مجرد الدور الاستشاري، لتصبح قوةً دافعةً تؤثر جوهريًا في نتائج التحقيق، فقد بيّنت تجارب عديدة أن منظمات المجتمع المدني الوطنية تمتلك خصائص لا غنى عنها في هذا الإطار، أهمها: الروابط المجتمعية التي تعزز مشاركة الضحايا، والخبرة في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، والسلطة الأخلاقية التي اكتسبتها من العمل الحقوقي المستمر. ويضمن إشراك ممثلي المجتمع المدني كمفوّضين يتمتعون بصلاحيات كاملة وليس كمجرد مستشارين، وجود داعمين داخليين للنهج القائم على

مركزية الضحايا، ويوفر ذاكرة مؤسسية قادرة على ردم الهوّة بين الإجراءات الرسمية وتجارب المجتمع المحلي. ويسهم هذا النهج التشاركي في إضفاء طابع ديمقراطي على عملية إنتاج المعرفة، ويحدّ من التراتبية التقليدية التي تُفضّل المعرفة الرسمية على المعرفة المجتمعية والتجريبية.

ولا يقتصر التنوع الجندري والعرقي والمناطقي على الالتزامات الرمزية بقيم الشمولية فحسب، بل يُعد ضرورةً عملية لضمان تحقيقٍ فعّال، وللحدّ من النزاعات المحتملة. وتؤكد الدراسات المتعلقة بلجان تقصي الحقائق وجود علاقة وثيقة بين التكوين الشامل والمتنوع للجنة، وبين نجاحها في تخفيف التوترات الاجتماعية بعد مباشرة عملها. إذ يعمل التنوع عبر آليات متعددة، فهو يعزز قدرة اللجان على إشراك مختلف الفئات، ويرفع شعور الفئات المتأثرة بعدالة الإجراءات، ويضمن أن تعكس نتائج التحقيق وجهات نظر متعددة تجاه الأحداث محل الخلاف. وتفرض الطبيعة المتداخلة للهوية (intersectionality) ضرورة الانتباه لكيفية تقاطع عوامل مثل النوع الاجتماعي، والعرق، والطبقة، والانتماء الإقليمي، في تحديد أنماط الضحايا وتوقعاتهم للعدالة.

وضوح التفويض وتحديد الحدود الزمنية

يتطلّب تحديد صلاحيات لجان التحقيق التعامل مع التوتر بين خصوصية التفويض (أي درجة دقته وتحديد نطاقه بوضوح)، وبين المرونة اللازمة التي تسمح بمتابعة الخيوط الجديدة والأنماط الناشئة في أثناء التحقيق، لذا يُعتبر وضوح صلاحيات اللجنة أمرًا بالغ الأهمية، لأنه يوفر للمفوّضين توجيهًا دقيقًا، ويضع توقّعات واضحة لدى الجمهور بشأن نطاق التحقيق وحدوده، ويمنع تجاوز اللجان لصلاحياتها أو التقصير في مهامها. وفي الوقت نفسه، فإن التحديد المفرط لصلاحيات اللجنة قد يقيّد قدرتها على تتبع الأدلة وكشف الأنماط المنهجية التي قد تمتد خارج حدود التفويض الضيقة.

أما تحديد الحدود الزمنية لعمل اللجان فهو أمرٌ بالغ التعقيد، إذ يتطلّب موازنة دقيقة بين ضرورة إنجاز تحقيق شامل، وبين مراعاة القيود العملية من حيث الوقت والموارد ومدى اهتمام الجمهور، وتؤكد التجارب أن الحدود الزمنية المثلى تكون نابعة من تقديرات واقعية لمدى تعقيد التحقيق، مع ضرورة تجنب الجداول الزمنية المفتوحة التي من شأنها تبديد الزخم وإضعاف المشاركة العامة. ومن هنا فإن وضع مواعيد نهائية واضحة مع إمكانية تمديدٍ محدودة، يولّد ضغطًا إيجابيًا يدفع نحو تحقيقٍ فعّال، مع تجنّب الإطالة التي قد تقوّض الثقة العامة. مع ذلك، يجب أن تأخذ الحدود الزمنية بعين الاعتبار الطبيعة التكرارية للبحث عن الحقيقة، خاصة في حالات التحقيق في الانتهاكات المنهجية التي قد تشمل جهاتٍ متعددة ومؤسسات مختلفة.

كما يجب أن تكون الصلاحيات القانونية مضبوطة بعناية بحيث تتلاءم مع طبيعة التحقيق ومقتضياته، مع تجنّب كلٍ من نقص التحديد (الذي يُضعف قدرة اللجان على إلزام الأطراف بالتعاون)، أو المبالغة في التحديد (التي تجعل الإجراءات شبه جنائية من دون توفير الضمانات الإجرائية اللازمة). فصلاحيات التحقيق يجب أن تكون متناسبة مع مدى التفويض، بحيث إن التفويضات الواسعة تتطلّب صلاحيات قانونية قوية، تشمل عادةً: سلطة استدعاء الشهود والوثائق، وإمكانية إجراء عمليات التفتيش والمصادرة تحت الإشراف القضائي، إضافةً إلى توفير تدابير حماية الشهود والضحايا. ويجب أن تحكم ممارسة هذه الصلاحيات قواعد إجرائية واضحة تضمن التوازن بين كفاءة التحقيق وحماية حقوق الأفراد، مما يمنح اللجان ما يمكن وصفه بـ “سلطة تقديرية مقيدة”، أي مرونة في العمل ضمن حدودٍ قانونية واضحة.

في الجزء الثاني من هذا المقال، سوف نستكمل مناقشة ديناميات عمليات التحقيق، مع التركيز على مشاركة الضحايا، والعدالة الإجرائية، وآليات تنفيذ التوصيات.

تلفزيون سوريا

——————————

عبد الباسط عبد اللطيف رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا: نتواصل مع الإنتربول لتسليم بشار وماهر الأسد

رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية: سنلاحق كل من أجرم بحق الشعب السوري بمن فيهم “حزب الله”

العربية.نت: فيصل بن أحمد  

05 أغسطس ,2025

قطع مسؤول عدلي سوري رفيع المستوى، وعوداً بمحاسبة رموز النظام السوري السابق، وعلى رأسهم بشار الأسد، وشقيقه ماهر قائد الفرقة الرابعة في الحرس الجمهوري، بالإضافة إلى عدد من أسرة الأسد، وكل “من أجرم بحق الشعب السوري” على حد تعبيره.

وكشف عبد الباسط عبد اللطيف، رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، التي شُكلت بأمر من الرئيس أحمد الشرع، في حديث لـ “العربية.نت”، عن فتح جسور تواصل مع “الإنتربول”، وجميع الهيئات الدولية المعنية، بهدف ملاحقة الجناة من أسرة الأسد وغيرهم من الهاربين ممن ثبت تورطهم في التنكيل والقتل بحق الشعب السوري.

الشرع يأمر بتشكيل لجنة مستقلة للكشف عن أسباب وملابسات أحداث الساحل السوري

فيديو العربية الشرع يأمر بتشكيل لجنة مستقلة للكشف عن أسباب وملابسات أحداث الساحل السوري

ولم يستثنِ عبد اللطيف، محاسبة المتورطين من الميليشيات العابرة للحدود ومنها أعضاء من حزب الله اللبناني ممن ثبت تورطهم في الدم السوري.

كما ألمح إلى احتمال محاسبة كل من دعم أو برر عمليات قتل الشعب السوري على مدى أكثر من 14 عاماً، كل ذلك وغيره من تفاصيل أدلى بها رئيس هيئة العدالة السورية في حديثه؛ فإلى نص الحوار:

محاسبة مجرمي أسرة الأسد

– ربما السؤال الملح الذي يدور في خلد السوريين الذي يمكن أن نبدأ به حوارنا؛ هو هل تعتزمون بناء جسور مع منظمة الإنتربول لملاحقة المجرمين خارج سوريا؟

نعم نحن نعمل على بناء جسور مع الإنتربول وكافة الهيئات الدولية المعنية، لملاحقة الجناة من أسرة المجرم بشار وشقيقه ماهر قائد الفرقة الرابعة ذات السمعة السيئة وغيرها، بالطرق القانونية، ليصار إلى محاكمتهم على ما اقترفوه من جرائم بحق الشعب السوري بكافة أطيافه ومدنه.

– حتى إن كانوا هاربين خارج الدولة… كيف سيتم محاسبتهم؟

نعم سيتم العمل على أن يُحاسب رموز النظام السابق الذين ارتكبوا الانتهاكات وملاحقتهم بالطرق القانونية وإن كانوا فارين خارج البلاد.

كشف الحقائق وأخذ الحقوق

– تعتبر هيئة وليدة، هل لنا أن نعرف شكل الهيئة وآليات عملها ومستهدفاتها؟

بالنسبة لشكل الهيئة فهي كما عرّفها المرسوم رقم 20 الصادر عن رئيس الجمهورية العربية السورية بتاريخ 17/5/2025 هيئة وطنية ذات شخصية اعتبارية تتمتع باستقلال مالي وإداري، تُعنى بكشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة التي تسبب بها النظام البائد، ومساءلة ومحاسبة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وترسيخ مبادئ عدم التكرار والمصالحة الوطنية.

تعرف على مهام هيئتي العدالة الانتقالية و المفقودين المشكلتين في سوريا بقرار رئاسي

فيديو العربية تعرف على مهام هيئتي العدالة الانتقالية و المفقودين المشكلتين في سوريا بقرار رئاسي

تحقيق العدالة

– تم تأسيس الهيئة على مبدأ تحقيق العدالة الانتقالية لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان.. كيف سيتم تحقيق العدالة الانتقالية؟

سيتم تحقيق العدالة الانتقالية وفق المواد 48 و49 من الإعلان الدستوري؛ ومنطوق المرسوم الجمهوري القاضي بإحداث الهيئة من خلال آليات محددة، ستتبعها الهيئة في عملها ومن خلال اللجان التي ستشكل لهذه الغاية.

ضحايا حقوق الإنسان

– ومن المقصود بضحايا انتهاكات حقوق الإنسان؟

المقصود بالضحايا هم ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والضحية، من فقد حياته، ومن تعرض لإعاقة والعائلة، التي فقدت معيلها، ومن دمر منزله، ومن تعرض للتعذيب بمعتقلات النظام، والإخفاء القسري والإبادة، فكلهم ضحايا إجرام النظام وأدواته.

– وستتقاضون من مَن؟

سنقاضي وفق نص المرسوم كل من تسبب بانتهاكات جسيمة بحق السوريين من النظام البائد وأعوانه.

جبر الضرر ودعم مادي ومعنوي

– كيف لكم تحقيق جبر الضرر الواقع على الضحايا وضمان حقوقهم؟

بالنسبة لجبر الضرر قد يكون جماعياً أو فردياً وقد يكون مادياً ومعنوياً. وسنعمل على إنشاء صندوق لجبر الضرر، لتعويض الضحايا، وهذا ما يحتاج لمجهود دولي، لجسامة الأضرار التي وقعت على السوريين، وكذلك بالنسبة لجبر الضرر المعنوي، فنحن بحاجة إلى مساندة الضحايا، ودعمهم نفسياً واجتماعياً، والعمل على إعادة إدماجهم بالمجتمع والتخفيف عن الآلام التي تعرضوا لها.

الجميع تحت طائلة القانون

– وماذا عن بقية أسرة الأسد؟

سنعمل جاهدين على تحقيق العدالة ومحاسبة المجرمين بحق الشعب السوري أياً كانوا، وكل من يثبت تورطه بانتهاكات جسيمة بحق السوريين بغض النظر عن هويته أو انتمائه.

محاسبة الجميع

– كان هناك دعم لنظام بشار الأسد من مؤسسات ورجال أعمال وغيرهم.. هل هؤلاء ضمن دائرة المحاسبة ومقاضاتهم دولياً أيضاً؟

نعم … المحاسبة والمساءلة كما وردت بنص المرسوم ستشمل كل من تسبب بانتهاكات جسيمة بحق السوريين، وبالطرق القانونية وقد جرمت المادة 49 من الإعلان الدستوري كل من لم ينكر الإبادة التي قام بها نظام الأسد، أو يؤيدها ويدعمها ويبررها، وبالتالي لن تكون المحاسبة مقتصرة على الجيش فقط والأجهزة الأمنية، التي قمعت ونكلت بالسوريين.

– بمعنى أن محاسبتكم لن تتمحور حول الجيش أو المحسوبين على النظام من آلته العسكرية، بل ربما تطال غيرهم ممن ساندوا نظام الأسد؟

كل من يثبت تورطه بالجرائم والانتهاكات والتحريض على الشعب السوري، وتسبب بانتهاكات جسيمة بحق السوريين، وتبرير جرائم النظام من المفروض أن تطاله يد العدالة، وينال جزاءه العادل لذلك سنسعى لعدم إفلات أي شخص، أو جهة حرضت، وبررت الانتهاكات والجرائم ضد السوريين.

عدم التكرار وإصلاح القضاء

– كيف يمكن ترسيخ مبادئ عدم التكرار المذكورة في بنود تأسيس الهيئة؟

يمكن ترسيخ مبادئ عدم التكرار بالهيئة، من خلال التأكيد على إصلاح مؤسسة القضاء، وإعادة هيكلتها، نظراً لما كان يعتريها من ظلم وفساد، وكذلك السجون وإدارتها والمؤسسات العسكرية والأمنية، بحيث تترسخ فيها المحافظة على حقوق الإنسان، وتجنب أي انتهاك وإرساء مبدأ سيادة القانون.

أحداث الساحل والسويداء

– هل سيشمل عملكم ما حدث في الساحل ومحافظة السويداء؟

العدالة الانتقالية تعنى بالانتهاكات والجرائم الجسيمة التي تسبب بها النظام البائد قبل تاريخ 8.12/2024 وبالنسبة لما حدث بالساحل والسويداء صدرت قرارات بتشكيل لجان خاصة بالتحقيق بما جرى وقدمت وستقدم نتائج أعمالها للجهات الرسمية بالدولة وستتم محاسبة الجناة وفق القانون لذلك لا علاقة لهيئة العدالة الانتقالية بذلك.

توثيق الجرائم ووثائق جديدة

– هل لديكم وثائق عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري خلال النظام السابق، وهل لديكم إحصائية بعدد المستهدفين؟

عملت منظمات دولية ومنظمات مجتمع مدني سورية بعد انطلاق الثورة على توثيق جرائم وانتهاكات النظام، وعن الكثير من المجرمين، الذين مارسوا القتل والتعذيب سواء قادة عسكريين وأمنيين ومدنيين، ومن خلال الوثائق التي عثر عليها أيضاً، بالوحدات العسكرية والأمنية والسجون، توفرت معلومات كثيرة عن هؤلاء المجرمين، وسنعمل على محاسبتهم وفق القانون.

قوائم المتضررين من حقبة الأسد

وهل لديكم قوائم خاصة بالمتضررين؟ وكيف سيتم تعويضهم؟

بالنسبة للمتضررين هنالك هيئات دولية ومنظمات مجتمع مدني، وثقت الكثير من الضحايا والمتضررين، وهي مستعدة لتقديمها للهيئة، ليصار ‘لى العمل على تعويضهم مادياً ومعنوياً.

الاستفادة من التجارب السابقة

– متى سترى الهيئة النور رسمياً من حيث الهيكلة والكيان الإداري؟

عملت الهيئة خلال الفترة السابقة على إجراء العديد من اللقاءات والمشاورات مع الضحايا وممثليهم، ومنظمات المجتمع المدني، والهيئات والمنظمات الدولية ذات الشأن، وطيف واسع من الأكاديميين والحقوقيين، والشخصيات الوطنية، والاطلاع على تجارب العديد من الدول التي مرت بتجارب العدالة الانتقالية، وأنهت إعداد نظامها الداخلي، وتشكيل فريق عملها ومدونة سلوك لأعضائها والعاملين فيها، ولم يبق سوى القليل لتحضيرات لوجستية وإدارية، وسينطلق عملها بكافة أنحاء الجمهورية العربية السورية ان شاء الله.

الرسالة الأخيرة

– أخيراً.. ما رسالتكم للسوريين؟

رسالتي لأهلنا السوريين هي؛ أن نقف جميعاً بكافة أطيافنا وأعراقنا، مطالبين بكشف الحقيقة، ومحاسبة المجرمين كافة دون استثناء لأحد، وإنصاف الضحايا، لطي صفحة الماضي، والمضي نحو دولة المواطنة المتساوية، وإعمال مبدأ سيادة القانون حتى تتخلص سوريا من عهود الظلم والاستبداد.

العربية

——————————–

ضباط نظام الأسد المعتقلون “مختبر” العدالة الأول في سوريا/ اسماعيل درويش

وزارة الداخلية: لا مكان آمناً لكل متورط في جرائم حرب وسيعرضون على القضاء لنيل جزائهم العادل

الثلاثاء 5 أغسطس 2025

يستغرب البعض أن تكون محاكمات ضباط الأسد أمام القضاء العادي وليس القضاء العسكري.

منذ سقوط نظام الأسد اعتقل مئات من كبار ضباطه بينهم أقارب للأسد وقادة مطارات ومتورطون في تعذيب وقتل المعتقلين، يحتجز هؤلاء اليوم في أماكن شديدة الحراسة بانتظار محاسبتهم.

مئات من ضباط النظام السابق باتوا في الزنازين ذاتها التي قتلوا بها ضحاياهم، وعلى رغم ذلك لا يبدو أن المزاج الشعبي راضٍ عن مسار العدالة الانتقالية، خصوصاً بعد ظهور شخصيات من النظام السابق وهي في أمان مثل القيادي فادي صقر، فضلاً عن العلاقات الجيدة مع روسيا، وهي التي تستضيف بشار الأسد وعائلته كلاجئ.

على وقع قصف بكل أنواع الأسلحة المحرمة دولياً قبل الخفيفة شنَّ النظام السوري السابق حملة عسكرية على محافظة إدلب شمال سوريا مطلع عام 2020، تمكن بعدها من السيطرة على قرى وبلدات عدة في ريف إدلب الجنوبي. لم يكتفِ المهاجمون بعمليات القتل الجماعي والتهجير القسري، بل وصل الأمر حد الرقص على جثث الضحايا، ففي فبراير (شباط) 2020 انتشر على نطاق واسع تسجيل مصور، يظهر الضابط في جيش الأسد عبدالرحمن دحروج وهو ينبش قبور من قتلهم النظام. وفي تسجيل ثانٍ يظهر ضابط آخر وهو يستمع للأغاني ويدخن السجائر ويضرب شواهد القبور بأقدامه، ثم يرقص في المقبرة، تلك المشاهد حينها أثارت غضب السوريين، بيد أنه ليس باليد حيلة.

مشاهد دحروج لم تكن يتيمة، بل كان هناك آلاف الضباط بمختلف الرتب بجيش النظام السابق ممن تورطوا في جرائم حرب، وعدد منهم على قائمة العقوبات الدولية، استطاعت قوى الأمن في سوريا الجديدة إلقاء القبض على المئات ما بين ضباط وعناصر، بينما لا يزال كثر منهم فارين. وهنا يُطرح كثر من الأسئلة معظمها في ملف العدالة الانتقالية، كيف يمكن إلقاء القبض على الضباط الفارين؟ كيف يمكن محاسبة من ألقي القبض عليهم؟ أين يتم احتجازهم؟ كيف ستتم محاكماتهم وهل تتحقق العدالة للضحايا؟

أبرز من جرى اعتقالهم

منذ سقوط نظام الأسد، وحتى لحظة إعداد هذا التقرير، ألقت وزارة الداخلية السورية على المئات من الضباط والعناصر التابعين للنظام السابق والمتهمين بارتكاب جرائم حرب. من بين هؤلاء ثلاثة من قادة المطارات العسكرية، إضافة إلى ستة ضباط برتبة عميد وخمسة ضباط برتبة لواء، بينهم اثنان من أهم أقارب بشار الأسد، ووزير الداخلية السابق، إضافة إلى نساء شاركن في جرائم.

آل الأسد خلف القضبان

وسيم الأسد، مواليد عام 1980 في مدينة القرداحة بريف اللاذقية، وهو ابن عم بشار الأسد وأحد أبرز تجار المخدرات على الحدود السورية – اللبنانية، هو على رأس المطلوبين في قوائم العقوبات الدولية. وخلال سنوات الانتفاضة السورية كان يظهر بين الفينة والأخرى بتسجيلات مصورة، وهو يشمت بالمعارضة السورية وبضحايا النظام. ومع إعلان انتصار الانتفاضة اختفى من المشهد كلياً وسط شكوك بهربه إلى لبنان، لكن جرى استدراجه وإلقاء القبض عليه في عملية محكمة نفذت في الـ21 من يونيو (حزيران) الماضي، مما حظي بترحيب شعبي واسع ومطالبات بمحاكمته ومحاسبته على جميع جرائم الحرب المتورط بها.

وسيم الأسد سبقه إلى القضبان عاطف نجيب، وهو ابن خالة بشار الأسد، ويحمل رتبة عميد، متهم باعتقال أطفال درعا في مارس (آذار) 2011، والمسؤول عن مقتل الطفل حمزة الخطيب الذي تحول إلى واحد من أهم رموز الانتفاضة السورية.

يعد عاطف نجيب من أبرز الشخصيات المقربة من الأسد، وشغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا، وبقي يقاتل مع النظام حتى سقوطه، ثم اختفى مثله مثل باقي الضباط. وفي الـ31 من يناير (كانون الثاني) الماضي أعلنت وزارة الداخلية السورية إلقاء القبض عليه في محافظة اللاذقية بعد عملية استغرقت نحو 15 يوماً.

السجان سجين

ممن ألقي القبض عليهم أيضاً أربعة من أبرز السجانين في سجني صيدنايا وفرع فلسطين، وبينهم المدعو محمد كنجو الملقب بـ”سفاح صيدنايا”، إضافة إلى المدعو أوس سلوم الملقب بـ”عزرائيل صيدنايا”، وكذلك جرى إلقاء القبض على القياديين في “لواء القدس” فخري درويش وعدنان السيد، وكذلك بشار محفوض، وهو أحد المقربين من قائد “الفرقة 25” سهيل الحسن، وهو أيضاً متورط في الهجوم على قوات الأمن العام في الساحل السوري في مارس (آذار) الماضي. وكان للنساء نصيب من الاعتقال، إذ اعتقل الملازم أول قمر دلا، التي كانت تقاتل ضمن مجموعات مسلحة نسائية لمصلحة النظام تحمل اسم “اللبوات”، إضافة إلى المدعوة ناريمان مصطفى حجازي، والتي شاركت شخصياً بالمجازر التي ارتكبها النظام في مدينة داريا بريف دمشق.

ومن أبرز وأهم الأسماء الأخرى التي تم إلقاء القبض عليها هم الضباط ثائر حسين وميزر صوان وموفق حيدر ورامي إسماعيل وفادي العفيس وإبراهيم نضال عثمان وعادل ريحان ودعاس حسن علي ورياض حمدو الشحادة والوضاح سهيل إبراهيم ومالك علي أبو صالح، وغيرهم.

الداخلية: لا مكان للهرب

في تصريحات خاصة أفاد مصدر من وزارة الداخلية السورية بأن “قوات الأمن الداخلي تواصل عملها لإلقاء القبض على الضباط الذين ما زالوا فارين ومتهمين بارتكاب جرائم حرب في عهد النظام السابق”. ويضيف المصدر “أنه لا مكان لهرب هؤلاء، وسيحاسبون على الجرائم التي ارتكبوها في حق الشعب السوري، وقد ألقينا خلال الأشهر الماضية القبض على عدد من كبار الضباط، وجزء منهم كان له دور في محاولة زعزعة الاستقرار في المناطق الآمنة، كما تبين أن جزءاً من ضباط النظام السابق ما زالوا على تواصل مع ماهر الأسد ورامي مخلوف وضباط النظام الذين هربوا من بعد تحرير سوريا”.

تضيف وزارة الداخلية أن “رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع أصدر في مايو (أيار) الماضي مرسوماً تشريعياً يقضي بتشكيل هيئة للعدالة الانتقالية، هذه الهيئة تتولى كشف الحقائق في شأن انتهاكات النظام السابق ومحاسبة المسؤولين عنها وتعويض الضرر الذي لحق بالضحايا. الهيئة ستسهم أيضاً في تحقيق العدالة التي تعد ركيزة أساسية لبناء دولة القانون وضمان حقوق الضحايا وتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة”. وتوضح الوزارة أن “الضباط الذين ألقي القبض عليهم سيمثلون أمام القضاء وسيتم إجراء محاكمة قانونية لهم، وذلك لضمان محاسبتهم على كل ما اقترفوه. وهناك ضباط هاربون لم يكتفوا بالجرائم التي ارتكبوها طوال الأعوام الماضية، بل عملوا أخيراً على زعزعة الأمن، ومثال على ذلك أسفرت العمليات الأمنية عن اعتقال العقيد السابق في الحرس الجمهوري مالك علي أبو صالح، وهو رئيس ما يعرف بغرفة عمليات الساحل، التي كانت تشرف على التخطيط والتنسيق لاستهداف المواقع العسكرية خلال أحداث مارس الماضي. وأكدت التحقيقات تورطه المباشر في التنسيق مع جهات خارجية مشبوهة، وتلقيه دعماً لوجيستياً مشبوهاً بهدف تنفيذ مخططات تخريبية تهدد أمن واستقرار المنطقة”.

وتؤكد وزارة الداخلية أن “الأجهزة الأمنية وقوى الأمن الداخلي على أهبة الاستعداد الدائم لكل تهديد يمس أمن الوطن والمواطن، ونقول للخلايا الإرهابية إن يد العدالة ستصل إليهم أينما كانوا وفي أي لحظة”.

يقبع الضباط الموقوفون في السجون تحت حراسة مشددة، لكن ترفض وزارة الداخلية الإفصاح عن مكانهم الدقيق وذلك لأسباب تقول إنها أمنية.

وعود لم تَرَ النور

لكن المحامي المتخصص في العدالة الانتقالية فادي كردوس يقول إنه “وفقاً لبياني وزارة العدل والنائب العام للجمهورية العربية السورية الصادرين بتاريخ الـ30 من يوليو (تموز) 2025، فقد تم الإعلان عن تحريك الدعوى العامة في حق عدد من ضباط النظام السابق، وأحيلوا إلى قاضي التحقيق المتخصص لمباشرة التحقيق، واتخاذ الإجراءات القانونية أصولاً، مما يعني أن محاكمتهم ستكون أمام القضاء الجزائي العادي ولن تكون هناك محاكم استثنائية لمحاكمة هؤلاء الضباط، سعياً وراء تحقيق العدالة الانتقالية حسب البيانات الرسمية. وهذا يعني أن قانون العقوبات العام وقانون أصول المحاكمات الجزائية سيطبقان على محاكمتهم وسيمنحون جميع الحقوق التي يتمتع بها المتهم وفقاً لهذه القوانين”.

ويستدرك كردوس “لكن من المستغرب أن تكون هذه المحاكمات أمام القضاء العادي وليس القضاء العسكري، وهناك عديد من الأمور غير الواضحة لجهة غرفة الطعون الخاصة بهذه المحاكمات أو الاختصاص المكاني لها… إلخ. وبالعودة إلى المرسوم رقم 20 الصادر بتاريخ الـ17 من مايو 2025، والذي نص على تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، نجد أن المرسوم أوجب على الهيئة تشكيل فريق عملها ووضع نظامها الداخلي خلال 30 يوماً من تاريخ صدوره، وهو ما لم يحصل حتى الآن على رغم مرور أكثر من شهرين على صدور المرسوم”.

ويرى المحامي السوري أنه “يجب الإسراع بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ووضع نظامها الداخلي ومحاكمة الضباط السابقين وكل مرتكبي جرائم الحرب وجرائم الإبادة والجرائم التي تصنف على أنها جرائم ضد الإنسانية، وهذه هي الضمانة الوحيدة للعدالة الانتقالية، وحفظاً لحقوق الضحايا وذويهم، وجبراً للخواطر ودعم المصالحة الوطنية والسلم الأهلي”.

بالمحصلة، المئات من ضباط النظام السابق باتوا في الزنازين ذاتها التي قتلوا بها ضحاياهم، وعلى رغم ذلك لا يبدو أن المزاج الشعبي راضٍ عن مسار العدالة الانتقالية، خصوصاً بعد ظهور شخصيات من النظام السابق وهي في أمان مثل القيادي فادي صقر، فضلاً عن العلاقات الجيدة مع روسيا، وهي التي تستضيف بشار الأسد وعائلته كلاجئ. والحكومة تبرر سياستها بضرورة التركيز على تنمية البلاد وبنائها، في حين يتهمها آخرون بالتقصير في محاسبة مجرمي الحرب، بل ويعترض حقوقيون على عرض هؤلاء الضباط على محاكم مدنية، مطالبين بأن تتم محاكمتهم في محاكم عسكرية أو محاكم استثنائية وتسريع إصدار الأحكام إنصافاً للضحايا.

————————

 الذاكرة السورية.. رحلة الشفاء من الإنكار إلى الاعتراف/ عبد الله مكسور

2025.08.07

الشفاء من الذاكرة، في الحالة السورية، ليس مجرد مسار نحو الراحة النفسية، بل معركة مع طبقات الزمن المتراكم، مع تاريخ مليء بالخوف والخذلان والانقطاع. إنه شفاء لا يشبه الانفصال عن الماضي، أو القطيعة معه. بل يشبه المصالحة مع الوحش الذي يسكننا، دون أن نمنحه مفاتيح أرواحنا. فالذاكرة السورية ليست صندوقاً مغلقاً يمكن دفنه، إنها نهر جارٍ يحمل في مياهه صور التعذيب، وصرخات المفقودين، وحكايات المهمّشين المعلَّقين بين الرجاء واليأس.

من نكبة 48، هزيمة 67، مجازر حماة في 1982، سجون صيدنايا وتدمر، إلى البراميل المتفجرة، والمجازر الكيماوية، والنزوح واللجوء والتشظي، والأحداث الأخيرة التي تضرب بالبلاد من كل اتجاه. لم تكن الذاكرة السورية يوماً استعادة عادية لما كان، بل لعنة لا تهدأ، ومرآة تعكس هشاشة الإنسان حين يتحوّل إلى رقم أو أثر أو شاهدٍ خائف. هذه الذاكرة تتجدد وتتكاثر، لأن القطيعة معها لم تكن شفاءً بل إنكاراً، والإنكار تعميق للجرح لا مداواة له.

في علم النفس، الذاكرة ليست مجرد خزان للماضي. هي معمارٌ يصوغ الهوية، ويشكّل الحاضر، ويملي علينا كيف نرى أنفسنا والآخر. هي فعلٌ دائم لإعادة التشكيل، لا لتخزين جامد. والذاكرة الجمعية، تحديداً، – في حالتنا السورية- هي الحامل الخفي للهويات، سواء كانت ضيقة تنكفئ على ألم طائفة أو عشيرة أو جغرافيا، أو مجتمع متخيَّل يسعى ويقاتل لتوحيد نفسه حول سردية مشتركة، غالباً ما تكون انتقائية ومشوبة بالأسطورة.

في سوريا اليوم، لا يمكن الحديث عن مواجهة التحديات والانتصار عليها من دون تفكيك الذاكرة كأداة قمع وهيمنة. فالأنظمة لا تحكم بالقوة وحدها، بل عبر فرض تأويلٍ معيّن للماضي، عبر محوٍ ممنهج لأصوات، واستحضارٍ انتقائيٍ لأخرى. حين يصبح “ما جرى” مجرد “أحداث”، يتم تفريغ الألم من معناه، وتُسلَب الضحية حقّها في التسمية، وفي الوجود السردي. ولذلك، فإن أول شروط الشفاء هو الاعتراف على كل مستوياته، لا كإجراء قانوني فقط، بل كتحوّل في البنية الرمزية للمجتمع.

الاعتراف هنا هو مواجهة: مواجهة بين الذات ونفسها، بين الفرد وجماعته، بين الحكاية الرسمية والقصص المنسية. هو اعتراف بأن ما جرى ليس خللاً عارضاً بل جريمة مكرّسة، بأن القرارات لم تكن هامشاً بل متناً بُنيَت عليه مصائر. وفي نهاية المطاف أن الصمت لم يكن حياداً بل شكلٌ من أشكال التواطؤ القسري.

ولذلك، العدالة ليست فقط محاكمات – وإن كانت ضرورة أخلاقية-، إنها استعادة رمزية: أن تُقال الأسماء بعد أن تم محوها، أن تُروى الحكايات بعد أن أُسكتت، أن نعيد للقتلى وجوههم لا بوصفهم أرقاماً بل بشراً، وأن نحفر للمخفيين حضوراً داخل السرد الوطني بعد أن تم نفيهم من التاريخ. وبالتالي لا يمكن الشفاء من الذاكرة بكبتها، بل عبر إعادة كتابتها بشجاعة، لعلها تصبح جسر عبور من هوية ضيقة متشظية، إلى أخرى أكثر رحابة وإنسانية.

أول شرطٍ لأي خطوة في طريق الشفاء السوري الحقيقي هو الاعتراف: الاعتراف بوجود الألم، وبحجم الظلم، وبأن ما جرى ليس مجرد “أحداث” بل انتهاك عميق لإنسانية مجتمع بأكمله. لا يمكن تطهير الروح السورية دون تفكيك بنيان الصمت، دون أن تخرج الحكايات من عتمة السجون إلى نور الكلام. وفي غياب ذلك، تبقى الذاكرة قيداً نفسياً يعيد إنتاج القهر، وتبقى سوريا في حالة تيه بين ماضٍ لم يُفهم، وحاضرٍ لم يُداوَ، ومستقبلٍ معلق بين الإنكار والتكرار.

الذاكرة الوطنية في سوريا مثقلة بالألم، وهذا ما يجعل المواطن يتحوّل إلى حامل جراح لا يعترف بها أحد، لذلك يكون هروبه نحو انتماءات فرعية ليس انحرافاً فردياً، بل علامة تدق ما يخيف على انهيار المشروع الوطني نفسه. هذا الهروب لا ينبع من ضيق الأفق الاجتماعي أو السياسي فحسب، بل من شعور عميق بأن الوطن – كما يتم ترويجه من قبل طرف محبي السلطة-  لم يعد يتسع للكل، ولم يعد يعترف بالجراح إلا إذا وافقت الرواية الرسمية. وهنا تماماً يُقاس إفلاس النظام السياسي: حين يعجز عن صوغ هوية جامعة تتسع لتعدد المعاناة، وتحتوي تناقضات الذاكرة، بدل أن تخنقها أو تمحوها.

في التجربة السورية، شكّل نظام الأسد منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى سقوطه في 8 ديسمبر من عام 2024 نموذجاً صارخاً لكيفية استخدام الدولة للذاكرة كأداة قمع لا كرافعة وحدة. فبدل أن تُروى مجازر حماة، أو تُفتح ملفات المعتقلين، أو يُعترف بالألم العميق الذي عاشه السوريون، جرى تعميم النسيان القسري، وصناعة سردية وطنية مبنية على الإنكار، وشيطنة الآخر في مقابل التمجيد، والرقابة على الوجدان. الذاكرة هنا كانت عاراً يجب دفنه، ومن يحفر فيها يُعدّ خائناً.

أما بعد 8 ديسمبر 2024، فإن الحكم الجديد وجد نفسه أمام مهمة شاقة تقوم على التعامل مع ذاكرة مكبوتة ومنفجرة في آن واحد، ذاكرة لم تُروَ بل صرخت في وجوه الجميع. وقفت السلطة حائرة أمام فتح حوارات موسعة حول الماضي، شجّعت بعض مشاريع التوثيق، شاركت بإقامة فعاليات رمزية للضحايا. لكنها في الوقت نفسه لم تذهب بعد نحو بناء ذاكرة وطنية تعددية حقيقية، بل وقعت أحياناً في فخ “التفكيك بلا تركيب”، أي تفتيت السردية الأسدية دون إنتاج بديل جامع.

ما يُنتظر من السلطة الحالية اليوم ليس فقط أن تسمح بقول الألم، بل أن تصوغه في مشروع وطني جديد، يتخطى تحديات الحاضر، ويتعامل مع الذاكرة كأرضية للعدالة والتفاهم لا كأداة للتمايز والتعبئة الفئوية. الدولة، حين تكون الذاكرة جريحة، يجب أن تتحوّل إلى فاعل أخلاقي، يعترف، يعتذر، يحتوي، ويعيد البناء من الأساس، لا مجرد حاكم يعيد توزيع السلطات على خرائط ممزقة.

يمكن هنا إدراك الفرق بين القمع الصامت للذاكرة، والتعامل معها بوصفها مشروع مصالحة شاملة، إنه الفرق بين دولة تفتك بمواطنيها عبر النسيان، ودولة تعيد بناء الوطن من شظايا الحكايات. وفي سييل هذا على النظام السياسي الذي يرغب في ترميم وطن ممزق ومثقل بالذاكرة الجريحة أن يتخلى عن وهم السردية الواحدة، وأن يعترف بتعدد وجوه الماضي كما هي، لا كما يشتهيها محبوه ومؤيدوه. لا يجوز أن تُمحى الجرائم التي ارتُكبت باسم “الوطن” أو “الاستقرار”، لأن الاعتراف بها لا يهدد الدولة بل يرسّخ شرعيتها الأخلاقية عند مناصريها. تبرز هنا إعادة تعريف الانتماء، لا كولاء قسري لهوية ضيقة، بل كعقد عادل وشامل يشعر فيه كل مواطن أنه مرئي، وله حصة متساوية من الكرامة والفرص. إن بناء ذاكرة وطنية لا يتم بالطمس ولا بالانتقائية، بل بصوغ سردية تتسع للألم الجمعي وتعترف بالفروقات، ولا تسعى لتفجيرها، بل لتحويلها إلى مورد للمعنى والتنوع. ومن دون ذلك، يبقى المجال العام هشاً، عرضة للانغلاق والتحشيد، ما لم يُحصَّن بثقافة نقدية، وتعليم حر، وإعلام صادق يفتح باب السؤال ولا يغلقه.

الثقافة النقدية الحقيقية لا تُختزل في تبادل الاتهامات أو المماحكات التاريخية، ولا تقوم على منطق “أنتم فعلتم كذا” و”نحن فعلنا كذا” كما لو أن الذاكرة مجرد ميزان للثأر. هذا النمط من الحوار، الذي رأيناه أو لمسناه بشكل مباشر في عدد من النقاشات السورية الأخيرة، يُظهر إلى أي حد ما زال الوجع السوري حياً ومفتوحاً، لكنه أيضاً يكشف هشاشة الأرض التي نقف عليها حين نحاول أن نتحدث عن ذاكرتنا الجمعية. يقول أحد المشاركين في تلك الحوارات: “لقد رفعتم علم العدو في ساحاتكم”، فيرد الآخر: “وأنتم نشرتم صور الطعام خلال حصارنا”. هنا لا تُبنى ذاكرة نقدية، بل يُعاد إنتاج الانقسام بلغة ثأرية، حيث يُحاكم الماضي بأدوات الكراهية لا الفهم والتفهم، ويُطلب من كل طرف أن يعتذر وهو لا يشعر بالأمان، فيرفض، فيشتد العداء.

الثقافة النقدية الحقة تبدأ حين نكف عن استخدام الألم كأداة إدانة متبادلة، ونبدأ في تفكيكه كظاهرة إنسانية وسياسية يجب فهمها لا فقط شجبها. لا أحد يخرج من الأزمات التي تعصف بالبلاد نظيفاً تماماً، لكن الفرق الجوهري يكمن في الاعتراف، في إعادة بناء الثقة، وفي إنتاج فضاء يستطيع الجميع أن يتحدث فيه من دون خوف من التشويه. حين تُطرح المآسي لا لتثبيت العار في وجه الآخر، بل لفهم كيف انهار المعنى وكيف أُسقط الإنسان، حينها فقط يمكن أن تبدأ المصالحة الحقيقية.

إن الذاكرة الجماعية السورية، بما تحمله من شظايا الألم والتشظي والخذلان، لا تحتاج إلى دفاتر حسابات نُسجّل فيها من خان ومن صمت ومن صوّر موته ومن أنكر موت الآخرين. ما تحتاجه، حقاً، هو فضاء اعتراف متبادل، لا يُقاس فيه صدق التجربة بمقدار الدم ولا يُلغى فيه الآخر لأنه لم ينطق بلغتنا أو لم يحدّق في الألم من ذات الزاوية. فضاء لا يُشيطن التفاوت، بل يسمح به، يحتمله، يتجاوزه دون أن يحوّله إلى خندق، أو خريطة حرب.

هذا لا يتحقق بترف “التسامح” ولا بوهم “النسيان”، بل بثقافة نقدية جذرية تملك الشجاعة لتفكيك السرديات الكبرى، وكشف آليات الإنكار والتبرير والتزييف، وتضع التاريخ والحاضر كلّه بكل دمويته وأكاذيبه وشهاداته المتناقضة تحت مجهر الصدق لا تحت مقصلة التشفّي. ثقافة لا تخاف من القبح ولا تزين الخراب، بل ترى فيه ما يجب تغييره لا تكراره.

يحضرني هنا موقف بسيط كنت شاهداً عليه، لكنه يلخّص مأزقاً نفسياً عميقاً: يحمل أحدهم هاتفه ويتنقل من شخص إلى آخر ليعرض تغريدة كتبها غائبٌ عن المكان. كان يظن أنه اكتشف دليلاً دامغاً على “عداوة” هذا الشخص. وعندما واجهه أحد الحاضرين بهدوء قائلاً: “دع عنك هذا”، ردّ بعصبية: “أنت ضدنا… ضد السوريين”. هذا الموقف، في علم النفس، يُعبّر عن حالة إسقاط جماعي، حيث يتحوّل النقد إلى تهديد، ويُعاد تعريف الهوية لا بوصفها انتماءً مفتوحاً، بل حصناً مغلقاً. ويحيلنا ذلك إلى الخطر الأكبر: عندما تُختزل “سوريا” في جماعة أو رأي أو ألم واحد، فإننا لا نضيّع فقط الطريق إلى المصالحة، بل نعيد بناء الجدران التي مزّقتنا أول مرة. التصالح مع الذاكرة لا يبدأ من الدفاع عنها، بل من التخلّي عن حراستها بخوف، والسماح لها بأن تُروى كما هي، متناقضة، متعدّدة، موجعة… وصادقة. وحين تفشل السلطة “بوصفها الوعاء الأكبر” في هذا كله، وتُبقي الذاكرة طيّ الكتمان أو تستخدمها سلاحاً للفرز، فإنه يدفع الناس دفعاً نحو الانتماءات الصغيرة لا حباً بها، بل لأن الوطن ـ في صورته الرسمية ـ لم يتسع لهم ولا لوجعهم. وعندئذ، لا يُلام من يبحث عن ملاذه الطائفي أو الإثني أو المناطقي، بل يُلام من صنع وطناً لا يُحتمل.

تلفزيون سوريا

—————————–

ملف العدالة الانتقالية يصطدم بواقع الاقتصاد المنهك وتسويات ما بعد الأسد

1 أغسطس 2025

سلّط تقرير مطوّل نشرته مجلة “نيولاينز” الضوء على صراع خفي يدور في سوريا بين من يسعون إلى إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وبين إرث ثقيل من الفساد والاستبداد، حيثُ أثارت تسويات مالية مع رجال أعمال من حقبة الأسد تساؤلات جدّية حول أولويات المرحلة الانتقالية وحدود التنازل في سبيل الاستقرار.

تشير “نيولاينز” في مقدمة التقرير إلى تصدّر سوريا عناوين الأخبار مؤخرًا، لكن لأسباب كانت سلبية غالبًا، بدءًا من الاشتباكات الطائفية بين فصائل درزية ومجموعات مسلحة تابعة للعشائر في محافظة السويداء وصولًا إلى الغارات الإسرائيلية غير المبررة التي استهدفت قوات الحكومة السورية، فضلًا عن استهداف العاصمة السورية دمشق.

وأضافت المجلة أنه وسط زخم الأخبار اليومية، غابت الصورة الأوسع: ملامح الانتقال السياسي في سوريا نحو شكلٍ من أشكال الديمقراطية بعد انهيار دولة الرعب التوتاليتارية التي أقامها آل الأسد لعقود من الزمن.

وأعادت “نيولاينز” التذكير بالتحقيق الاستقصائي الذي نشرته وكالة “رويترز”، الأسبوع الماضي، مسلّطًا الضوء على جانب من هذا الانتقال، والذي يتمثّل في جهود حكومة الرئيس، أحمد الشرع، لإعادة إحياء الاقتصاد السوري المنهار، من خلال لجنة يقال إنها مكلّفة بإعادة هيكلة أصول النظام السابق ورجال أعماله الفاسدين، وذلك مقابل منحهم نوعًا من الحصانة إذا وافقوا على تسليم القسم الأكبر من ثرواتهم للدولة.

وأشارت المجلة إلى أن هذه “التسويات” أثارت جدلًا واسعًا، بسبب استفادة هؤلاء من ثروات الحرب التي راكموها على حساب دماء السوريين، وبسبب ما وصفته “رويترز” بانعدام الشفافية والمساءلة في عمل اللجنة الاقتصادية.

من جهتها، تواصلت “نيولاينز” مع مسؤولين في الحكومة السورية للرد على ما ورد في تحقيق “رويترز”. وقال المسؤولون إن التسويات مع رجال الأعمال في عهد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد لم تُستكمل بعد. وأضافوا أنها لا تشمل أي حصانة من الملاحقات المتعلقة بجرائم الحرب.

كما رفض المسؤولون الذين تحدثوا لـ”نيولاينز” وصف جهود الحكومة السورية بـ”الميكيافيلية” أو “العمل في الظل”، مؤكدين أن اللجنة شُكّلت بموجب مرسوم رئاسي معلن.

وبينما تراجعت أحاديث الانتقال السياسي في سوريا لصالح الملفات الضاغطة، من العنف الطائفي في الساحل والسويداء، إلى السعي لرفع العقوبات وجذب الاستثمارات، تبقى قضية إعادة هيكلة الاقتصاد من أبرز محاور المرحلة الانتقالية، لا سيما في ظل ما خلفه نظام الأسد من فساد عميق ومركّب، انتهى بفراره إلى موسكو أواخر عام 2024.

منظومة اقتصادية رمادية

وفقًا لـ”نيولاينز”، يُعد محمد حمشو مثالًا بارزًا على رجال الأعمال الذين شكّلوا العمود الفقري للاقتصاد الأسدي، إذ تحول من تكنوقراط متعلّم إلى أوليغارشي نافذ، مستفيدًا من علاقته المقربة من ماهر الأسد، حيثُ امتدت مصالحه لقطاعات مختلفة، بما في ذلك الصناعات المعدنية والكهربائية، وكان واجهة للعديد من شركات النظام.

وأشارت المجلة إلى أن حمشو عاد إلى سوريا مطلع عام 2025، بعد أن كان في الخارج لحظة سقوط الأسد، مذكّرة بالصور التي انتشرت له على وسائل التواصل تحت حماية الحكومة الجديدة، ما أثار سخطًا واسعًا في الأوساط الحقوقية. ورغم أنه رفع دعوى ضد ناشط نشر صوره، فإنه تراجع عنها تحت ضغط الرأي العام.

وقد أفاد تقرير “رويترز” بأن حمشو، إلى جانب رجل الأعمال المعروف سامر فوز، تنازل عن جزء كبير من أصوله، نحو 80% من استثماراته، بقيمة تتجاوز 640 مليون دولار، فيما احتفظ بحوالي 150 مليون دولار، بالإضافة إلى احتفاظ أقربائه بشركاتهم.

لكن مسؤولًا حكوميًا نفى هذه الأرقام لـ”نيولاينز”، مؤكدًا أن أي تسويات نهائية لم تُعقد بعد، رغم تقدم بعض المفاوضات. وشدّد على أن التسويات لا تشمل أي حصانة عن الجرائم بحق السوريين، بل تقتصر على الجرائم المالية والفساد، مشيرًا إلى أن “العدالة الحقيقية تحتاج وقتًا وتحقيقًا دقيقًا، والتسرع قد يضر بمسار العدالة الذي يستحقه السوريون”.

بين المحاسبة والبراغماتية

ونفى المسؤول الحكومي أن تكون اللجنة الاقتصادية هيئة “غامضة” كما وصفتها “رويترز”، مؤكدًا أن تشكيلها جاء بمرسوم رئاسي معلن يتضمن أسماء أعضائها، ولا يشمل لا حازم الشرع، شقيق الرئيس الشرع، أو رجل الأعمال الأسترالي الخاضع للعقوبات، إبراهيم سكرية، المعروف بـ”أبو مريم الأسترالي”، مضيفًا أن سكرية يعمل مستشارًا اقتصاديًا دون صلاحيات تنفيذية أو علاقة بمصرف سوريا المركزي.

وأشار المصدر في حديثه لـ”نيو لاينز” إلى أن رجال الأعمال المرتبطين بالنظام السابق خُيّروا بين المسار القضائي أو تسوية مباشرة بعد التحقيق في مصادر ثرواتهم، لافتًا إلى أن بعضهم هو من بادر بطلب التسوية.

وقال المصدر: “الهدف ليس تدمير الشركات، بل ضمان استمرار عملها وحماية الوظائف ودعم الاقتصاد”. وتعليقًا على ذلك، اعتبرت “نيولاينز” أن هذا الطرح يتقاطع مع ما ورد في تحقيق “رويترز”، بأن الحكومة واجهت صعوبات في الموازنة بين تحقيق العدالة ومخاوف الانهيار الاقتصادي، في ظل أجهزة قضائية ما زالت تحوي قضاة من الحقبة السابقة.

معركة بين سرديتين

ورغم الحاجة الملحة للمساءلة، يرى مسؤولون أن التسويات المالية لا تعني التنازل عن ملفات حقوق الإنسان. إذ أكد مسؤول لـ”نيولاينز” قائلًا: “نحن لا نمنع ملاحقة مجرمي الحرب، هذه مسارات منفصلة”، في حين عبّر نشطاء عن قلقهم من أن تؤدي التسويات إلى إفلات بعض الشخصيات من المساءلة الأوسع.

وختمت “نيولاينز” تقريرها بالإشارة إلى أنه بين سعي الدولة إلى استعادة الأموال العامة دون انهيار المنظومة الاقتصادية، وتمسك الناشطين بمحاسبة رموز الفساد والاستبداد، تجد سوريا نفسها أمام مفترق معقّد، لافتة إلى أنه لا يوجد نموذج عربي يُحتذى به في مجال العدالة الانتقالية، فيما يبقى خطر عودة “فلول الأسد” قائمًا، إن لم تُحسن الدولة إدارة هذا التوازن الدقيق بين الاستقرار والمحاسبة.

———————————–

 الشبكة السورية: فجوات خطيرة في مرسوم إلغاء الحجز الاحتياطي

الثلاثاء 2025/08/05

قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إن المرسوم التشريعي رقم 16 للعام 2025، يعاني من فجوات خطيرة في مضمونه، مشددةً على أن المرسم لم يحقق فعالية التطبيق حتى الآن.

وفي 12 أيار/مايو الماضي، أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم 16، القاضي بإلغاء جميع قرارات الحجز الاحتياطي الصادرة خلال الفترة الممتدة بين عامي 2012 و2024، والتي طالت ممتلكات آلاف المواطنين السوريين.

ثلاثية التكامل

وقالت “الشبكة السورية” في تقرير حمل عنوان: “تحليل قانوني للمرسوم التشريعي رقم 16 لعام 2025 بشأن إلغاء قرارات الحجز الاحتياطي: إجراء تصحيحي أولي يستلزم استكمالاً تشريعياً ضمن مسار العدالة الانتقالية”، إن “التشريع الجيد في سياق انتقالي لا يُقاس فقط بإلغاء مفاعيل سابقة، بل بقدرته على وضع أساس قانوني يحول دون تكرار الانتهاك، ويضمن أولوية الحقوق، ويوسّع أثر الإلغاء ليشمل جميع الانتهاكات المتصلة به”.

وشدد التقرير على أن الصياغة القانونية ينبغي أن تحقق ثلاثية التكامل: وضوح النص، وشمول الأثر، وفعالية التطبيق، “وهذا ما لم يتحقق بعد في مضمون المرسوم”.

وأضافت الشبكة أن التقرير “يأتي في لحظة مفصلية تمر بها سوريا في إطار المرحلة الانتقالية، حيث تحاول السلطة الجديدة تفكيك إرث الانتهاكات القانونية الجسيمة التي رسّخها نظام بشار الأسد، وعلى رأسها الحجز الاحتياطي غير القضائي الذي طال عشرات الآلاف من المواطنين لأسباب سياسية وانتقامية”.

ويُعد المرسوم 16 أول خطوة قانونية رسمية تُعيد الاعتبار إلى مبدأ سيادة القانون، من خلال الاعتراف ببطلان جزء من البنية التشريعية القمعية، بحسب التقرير.

قصور جوهري

وأكد التقرير أن المرسوم يعاني من قصور جوهري في بنيته التشريعية والأثر القانوني المترتب عليه، من أبرزها، عدم شمول قرارات الحجز القضائية الصادرة عن النيابة العامة أو قضاة التحقيق، وغياب أي إشارة إلى مصير الممتلكات التي تحوّل الحجز الاحتياطي المفروض عليها إلى حجز تنفيذي أو صودرت بشكل نهائي.

إضافة لذلك، لم يلغِ المرسوم، نظيره رقم 63 لعام 2012 بشكل صريح، على الرغم من كونه الإطار القانوني الأساسي الذي شرعن قرارات الحجز.

كما أن المرسوم تغيب عنه آليات واضحة لجبر الضرر، سواء عبر إعادة الحقوق إلى أصحابها (الرد)، كذلك استبعد المتضررين المقيمين في الخارج أو في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة الانتقالية، وعدم وجود بدائل أو تسهيلات إجرائية لهم.

أخطر ما تم تجاهله

ووفق التقرير، فإن ما أخطر ما تم تجاهله هو قضية تحويل الحجز إلى تنفيذ، موضحاً أن النظام المخلوع حوّل الحجز الاحتياطي إلى أداة لنقل الملكية عبر تحويله إلى حجز تنفيذي، ما سمح بنقل آلاف العقارات إلى الدولة أو أطراف موالية، دون سند قضائي.

وشددت الشبكة على أن الرد (إعادة الممتلكات) هو الخيار القانوني الأساسي لجبر الضرر، وأن التعويض المالي لا يجوز اللجوء إليه إلا عند تعذّر الرد استناداً إلى قرار قضائي واضح.

توصيات التقرير

ودعا التقرير، الحكومة السورية الانتقالية، إلى إلغاء صريح للمرسوم 63 لعام 2012 وكافة النصوص الاستثنائية المرتبطة بالحجز والمصادرة، وإدماج قرارات الحجز القضائية في إطار المراجعة والإلغاء، واستحداث قانون خاص لجبر الضرر، يتضمن آليات للرد أو التعويض العادل، وتجميد جميع المعاملات العقارية الجارية على الممتلكات المصادرة، لحين التحقق من مشروعيتها.

كما أوصى التقرير بنشر قوائم الأفراد المشمولين بالمرسوم، وإتاحة الاعتراض واسترداد الحقوق، وفتح مسارات للمحاسبة المؤسسية والفردية ضد الجهات التي نفذت قرارات الحجز الباطلة، وإشراك المجتمع المدني في مراقبة التنفيذ والتوثيق، وطلب الدعم الفني من الجهات الدولية المتخصصة.

وشدد على ضرورة تفكيك المنظومة القانونية التي شرعنت الاستبداد والانتهاك، ودعا إلى استكمال هذا الإجراء الجزئي بإصلاحات تشريعية ومؤسساتية أوسع، وبناء مسار قانوني يضع استرداد الحقوق في صلب العدالة الانتقالية.

—————————-

 هل الدم الدرزي أغلى من الدم السنّي؟/ عمر قدور

الثلاثاء 2025/08/05

لم يتكشّف بعدُ هول الفظائع التي مورست في السويداء. ومعرفة الحصيلة النهائية الشاملة مؤجَّلة على الأٌقل حتى توضع نقطة النهاية، فلا تحدث انتهاكات للهدنة الهشّة السارية. ومن ثم يجب أن تعود الحياة إلى طبيعتها، كي تتسنى بدقة معرفة عدد الضحايا والمفقودين والخسائر في الأرواح والممتلكات.

مع بدء ورود الأخبار عن الأهوال التي ارتُكبت، عاد التذكير بضحايا المقتلة الأسدية. ولا يُعرف على أي رقم ستستقر هذه المرويات، فآخر ما راح يُذكَر هو مليون ونصف مليون قتيل، يُقصد بهم ضحايا طرف واحد، وتحديداً الضحايا من السُنّة وفق هذا التصنيف. استذكار الأرقام على النحو نفسه لا يحدث فقط ربطاً بالمجازر الحالية، فقد حدث من قبل ربطاً بمجازر الساحل، والأمر أبعد من منشور هنا أوهناك على وسائل التواصل.

من حيث الشكل، سيبدو الطرح محقّاً تماماً إذا قورن مقتل ألفي شخص بمئتي ألف مثلاً، فكفّة المظلومية راجحة للرقم الثاني منهما، وعلى المتظلّمين من الرقم الأول الصغير أن يصمتوا احتراماً للمظلومية الأكبر. لا يفيد على هذا الصعيد القول: إن مقتل إنسان بريء هو، من حيث المبدأ، كأنه قتل للإنسانية جمعاء. فالمظلوميات أشدّ تعقيداً من التوقّف عند التظلّم الإنساني، إنه بالأحرى عدّتها السياسية في المقام الأول.

أيضاً، الوقائع قد لا تكون مهمة في صراع المظلومية لإثبات أحقّيتها على مظلوميات “منافسة”؛ الأهم هي الوقائع كما تُستعاد، لا كما حدثت بالفعل. رأينا مثلاً أيام مجازر الساحل كيف انتفض كثر غاضبين بسبب الاهتمام بصورة طفل قتيل، أكثر من الاهتمام بنظراء له قُتلوا أيام الأسد. وهو زعم يتجاهل كلياً تحوّل صورة الطفل حمزة الخطيب إلى أيقونة، جاب بها أنصار الثورة العالمَ كله للبرهنة على وحشية نظام الأسد.

حمزة الخطيب كان واحداً من مئات الأيقونات التي استُحضرت خلال السنوات الماضية، ومنها أيضاً أيقونة غياث مطر. لنصل إلى أيقونة القاشوش التي لم نشهد تراجعاً عنها يوازي ما كان لجهة ترويجها، فقد صار معلوماً منذ سنوات (وعلى نطاق واسع) أن وجود القاشوش ومقتله هما تلفيق، وأن الجثة هي لشخص آخر بقيت هويته بلا إعلان! ما هو مهمّ في أمثولة القاشوش أن التلفيق والكذب إذا حدثا، وهما يحدثان دائماً، يجب ألا ينالا من حقوق الضحايا، ولا من عدالة أية قضية أو أي مطلب.

هل الدم الدرزي أغلى من السنّي، كي تحدث هذه الضجة لمقتل عدد من الدروز لا يناهز نظراءهم من السنّة؟ هذا السؤال الذي طُرِحَ صراحةً، أو مداورة، ليحمل في طيّاته الإجابة التي يريدها أصحابه؛ أي اتهام الآخرين بتفضيل دمٍ على دم. السؤال، الذي يزعم البراءة والتجرّد، يُطرَح أُثناء حدوث مجزرة، أي أن استحضاره غير مجرّد عمّا يحدث. هذه المقارنة لا تحدث بعد مئة سنة على انقضاء المجازر، ولا يستخدمها مؤرّخون مستقبليون بل أشخاص يتابعون الدم الطازج الساخن بتقنيات الفيديو.

لكن، رغم كل ذلك، نستطيع القول إن لدم الأبرياء، من العلَويين أو الدروز، الذي أُهرق مكانةً مختلفةً عن الدماء التي أهرقت قبل الثامن من ديسمبر الماضي. للتأكيد؛ مكانة مختلفة، لا أفضل ولا أقل. هنا مفاضلة من نوع آخر، مفادها وجود قناعة لدى سوريين كثر بأن سقوط الأسد يعني سقوط نظام المجازر. هي قناعة غير مبنية على رومانسية ما إزاء التغيير، وأصحابها يلحظون تعقيدات الوضع الأمني والآثار المريرة للحقبة الفائتة. إلا أنهم كانوا يتمنون أن ينقضي عهد نظام المجازر تحديداً، فلا تكون الانتهاكات مَرعيّة من قبل السلطة.

يرفض أنصار السلطة أية مقارنة لها بما قبلها، والسوريون بمعظمهم لم يكونوا يتمنون أن تحضر المقارنة بأي شكل كان. المفارقة أن الذين يرفضون المقارنة هم الذين يستحضرونها من خلال المقارنة بين عدد الضحايا، والخوض فيما يرونه تفضيلاً لدم على دم. في حالتهم، يلزم قليل جداً من الحصافة ليتخذوا هم الموقف الذي يتهمون الآخرين به، فيُعلون من شأن أية نقطة تُراق اليوم كي لا تُقارن السلطة الحالية بسلطة الأمس.

في المقارنة أيضاً، كان منتَظراً دائماً من الأسد أن يرتكب الفظائع، وبهذا المعنى كان ثمة تهيّؤ مسبق للوحشية التي ستصدر. في لحظات الاختبار، لم يخيِّب الأسد الظنّ، فأفلت وحوشه الذين فتكوا بمئات الآلاف من الضحايا. الظن الشائع، على نطاق واسع أيضاً، كان أن أي بديل لن يكون على شاكلته، وأن الخلاص منه يعني الخلاص من الأسوأ. لذا، كانت هناك خيبة على نطاق واسع، تحديداً لدى الذين كان لديهم تطلُّع إلى طيّ صفحة الماضي، حتى إذا كان معظمهم لا يتفق في الأصل مع أيديولوجيا السلطة الجديدة.

في العمق، كان العشَم بالسلطة من المختلفين معها أكبر مما لدى أبناء بيئتها الأيديولوجية أو الطائفية! والواقع أن هذا هو دأب الأخيرين على كل الأصعدة، لا على صعيد المجازر الطائفية فحسب. فقد صار شائعاً مواجهة أي نقد يُوجَّه إلى السلطة بما كان الحال عليه أيام الأسد، ما يعني مقارنة السلطة بالأسوأ؛ بالذي كانوا هم أنفسهم قبل شهور يرونه شيطاناً مطلقاً ولا يزالون كذلك، من دون انتباه إلى أن مقارنة أية جهة بالشيطان لا تعطيها ميزة أو قيمة. وفيما مضى لم يكن السوريون يقارنون سلطة الأسد بسلطات قمعية هنا أو هناك، لم يكن هذا معيارهم؛ كان معيار المفاضلة ما هو متقدّم على صعيد الحريات وكرامة المواطن الحقوقية والمعيشية عموماً.

الانتقال من المقارنة بالأفضل إلى المقارنة بالأسوأ ليس علامة على المضي في الاتجاه الصحيح، وأغلب الظن أنه حتى الآن علامة على المراوحة في المكان، خصوصاً فيما يتعلق بقيمة الدم السوري. الاستهانة الصريحة المباشرة، أو المواربة، بأية مقتلة جديدة، واحدة من علامات البقاء في الزمن الأسدي. التظلُّم النبيل لا يبرر ذلك؛ هي المظلوميات، عبر التاريخ، التي لطالما كانت أرضاً خصبة لصناعة مظلوميات جديدة، ولدينا عبَرٌ لا تُحصى على تحوّل المظلومية إلى سوط .

ما تقوله لنا التجارب المعروفة أن المظالم تتعافى بتطبيق العدالة؛ العدالة الانتقالية المنشودة في الحالة السورية. أما المظلوميات الجشعة إلى التسلط والدم فهي لا تتعافى، ولا يروي غليلَ أصحابها المزيدُ من الدم. لا مصادفة في أن يطلّ هذا النذير مع البقاء في الزمن الأسدي، من خلال الإصرار على المقارنة به. واليوم، إذ بدأ كثر يأخذون على السلطة الانتقالية تصرّفها كسلطة دائمة، ففي هذا أيضاً نذير مزدوج؛ أوله أن دوام السلطة من ملامح العهد الأسدي، وثانيه أن السلطة الانتقالية عندما تتصرف على أنها دائمة تتجاوز على المعنى الانتقالي الحقيقي الذي تحتاجه سوريا.

المدن

——————–

المغيّبون السوريون… قضية إنسانية لا سياسية/ بسام سفر

05 اغسطس 2025

لم تظهر سيرة المفقودين والمغيبين قسراً بعد سقوط نظام بشّار الأسد، إنما هذه القضية السورية بدأت مع وصول البعث إلى الحكم. لكن لأول مرة في تاريخ سورية تشكل الهيئة الوطنية للمفقودين، وفريقها الاستشاري الذي بدأ العمل من العاصمة  دمشق، حيث أجرت عدداً من اللقاءات مع أهالي المفقودين ودعت منظماتٍ عديدة ذات الشأن إلى اللقاء والاستفادة من البيانات المتوفرة لدى جميع هذه المنظمات، نحو إطلاق مشروع أكبر بالاستعانة بالمنظمات الدولية لتتقدم في إنصاف أهالي المغيبين والمفقودين.

وعممت اللجنة بالتعاون مع ممثلي عدد من الوزارات، وروابط الضحايا والمجتمع المدني، أرقام هواتف من أجل التواصل مع اللجنة سواء في ما يخص الأطفال المفقودين والكبار المغيبين القسريين والمفقودين.

يعود موضوع المغيبين قسراً إلى حملات الاعتقالات التي كان يقوم بها نظام الأسد الأب حيث غاب المناضل رياض الترك أكثر من 18 عاماً في فرع التحقيق العسكري 248، واستمر التغييب القسري في ظل توحش الأجهزة الأمنية في عمليات التعذيب التي كانت تقوم بها، إذ استخدمت هذه الأجهزة الرصاص من أجل اعتقال العديد من عناصر الأحزاب السياسية، ففي حملة اعتقالات 1986، أصيب الكاتب والصحافي الفلسطيني جمال ربيع في طلق ناري في فخذه، وأصيب أيضاً كريم عكاري، وفي حملة اعتقالات 1987، أصيب علي رحمون في مدينة اللاذقية.

 وكان قد اختفى في ظروف التحقيق في فرع فلسطين مضر الجندي، ولم يظهر بعد، ولم تعترف الأجهزة الأمنية بوفاته تحت التعذيب، رغم أن عديدين من رفاقه قد شاهدوه في بداية التحقيق معه من أجل التثبت من شخصيته بسبب وجود هوية مزورة معه.

هذه الأجواء عاشها كثيرون من الذين اعتقلوا في الحملات التي شنّتها الأجهزة الأمنية لتصفية حزب العمل الشيوعي، في حلب، حمص، اللاذقية، ودمشق، لكن هذه الأجواء غادرت سورية والعمل السياسي مؤقتاً ما يقارب عقداً في ظل الدكتاتور الابن حيث أصبح هناك بعض القوانين الناظمة في بداية القرن الحادي والعشرين، فالاعتقالات استمرّت بدون قرار قضائي، لكن المعتقلين أصبحوا يُحالون إلى القضاء المدني ومحكمة أمن الدولة العليا، وتصدر المحاكم بحقهم أحكاماً مثلما حصل في بداية عقد التسعينيات إذ أحال النظام كل السجناء السياسيين إلى محكمة أمن الدولة سيئة الصيت والسمعة برئاسة القاضي فايز النوري، الذي كان يصدر الأحكام برعاية الأجهزة الأمنية حسب الجهة الأمنية التي اعتقلت السجين المقدم للمحكمة.

واستمرت هذه المحكمة في أحكامها القرقوشية بعد استلام الديكتاتور الصغير، وأعادت الحكم على المناضل رياض الترك، والراحل أكسم نعيسة، وعضوي مجلس الشعب رياض سيف ومأمون الحمصي، وأنور البني، والراحل ميشيل كيلو، ومحمود عيسى والعديد من الشخصيات السورية المعارضة.

ومع اندلاع الثورة السورية في 2011، عادت السلطة لعادتها القديمة في إخفاء الثوار والمناضلين والمناضلات في صفوف الثورة والحراك الميداني، وأحزاب المعارضة الكلاسيكية وتجمعاتها، ولعل أبرزهم مغيبي هيئة التنسيق الوطنية عند عودتهم من زيارة للصين، إذ أنقسم الوفد على سيارتين في الأول (المنسق العام لهيئة التنسيق حسن عبد العظيم، والمحامي محمود مرعي)، والسيارة الثانية فيها (عبد العزيز الخيّر، والمهندس إياس عياش)، والشاب ماهر الطحان.

ومنذ اختفاء الثلاثة وسيارتهم نفت خارجية نظام بشّار الأسد وجودهم لدى الأجهزة، علماً أن الخيّر كان قد أمضى في سجون النظام المنهار أكثر من 16 عاماً. وعند الإفراج عنه في عام 2005، عاد للعمل السياسي في صفوف المعارضة الديمقراطية السورية منها “التجمع الوطني الديمقراطي، وتجمع اليسار الماركسي، حزب العمل الشيوعي”. ويضاف إليهم الناشط الحقوقي والمحامي خليل معتوق، والسياسي فائق المير، والسياسي الفلسطيني علي الشهابي، والقاضي رجاء الناصر، ورغم كل الحملات والمطالبات التي قامت بها هيئة التنسيق الوطنية عبر مطالبة مبعوثي الأمم المتحدة إلى سورية كوفي عنان وستيفاني دي مستورا، إلى غير بيدرسون، خلال جولات المفاوضات مع جنيف ومطالبة الدول الراعية الضغط على النظام من أجل إطلاق سراحهم. ومن خلال اللقاءات المباشرة التي جرت في مكتب المبعوث الأممي في دمشق أو في لقاءاتهم في مكتب الهيئة في دمشق، أو من خلال مطالبات ووقفات هيئة التفاوض في جنيف بمقر الأمم المتحدة وإلى جانبها عدد من منظمات حقوق الإنسان السوري.

ولعبت المناضلة فدوى محمود (أم ماهر الطحان، وزوجة عبد العزيز الخير) دوراً كبيراً في المطالبة عن كشف مصيرهم إلى جانب عدد كبير من الأهالي والمعتقلين سابقاً في أقبية النظام السوري المنهار، حتى أنها مع مجموعة من الأهالي الذين شكلوا رابطة أهالي الضحايا والمغيبين قسراً، بالإضافة إلى أنها مع الأهالي والمنظمات الحقوقية شكلوا “ميثاق الحقيقة والعدالة” التي لجأت إلى الهيئة العامة للأمم المتحدة بمساندة من الدول الداعمة لتشكيل آلية مستقلة للكشف عن مصير المغيبين والمختفين قسراً، وهم في هذه المرحلة يعملون من دمشق مع وجود مكتب خاص بهم.

وقدمت الشبكة السورية لحقوق الإنسان تقريراً جاء فيه أن هناك 96 ألفاً من المغيبين قسراً قبل سقوط النظام، وبعد السقوط قالت الشبكة إن هناك 250 ألف معتقل صفوا في سجون النظام البائد.

ومن بين الشخصيات الفنية – السياسية التي غيبها النظام المنهار المخرج المسرحي زكي كورديللو ونجله مهيار، وشقيق زوجته عادل البرازي، وصديقه إسماعيل حمودة، إذ كان قد اعتقلهم في 11 آب من العام 2012، والمغيب كورديللو فنان خريج المعهد العالي للفنون المسرحية في عام 1984، وكان مهيار يدرس في المعهد في قسم التقنيات أيضاً. والمسرحي كورديلو عمل في مديرية المسارح والموسيقى في المسرح القومي لسنوات طويلة، قدم خلالها أكثر من 20 عملاً مسرحياً، قبل أن يقرّر الانتقال إلى مهنة الإخراج المسرحي للأعمال المخصصة للأطفال، ويعد كورديللو الوريث الشرعي لمسرح خيال الظل في سورية، وذلك بعد وفاة آخر المخايلين عبد الرزاق الذهبي. وعرفه الجمهور العربي في المسلسلات الدرامية التي اشتهرت مثل “شجرة النارنج” و”دموع الأصايل” و”الحور العين”و “شام شريف”.

وهناك مغيبون آخرون عند الفصائل المسلحة وأشهرهم عند جيش الإسلام الذي غيبهم في دوما: الأربعة (رزان زيتونة، وسميرة خليل، ووائل حمادة، وناظم حماد)، والمحامية رزان زيتونة كانت قد شاركت في ربيع دمشق مطلع الألفية الجديدة في حراك المنتديات، وشاركت في الدفاع عن معتقلين إبّان ربيع دمشق، وكتبت أكثر من دراسة قانونية وحقوقية عن حقوق الإنسان في سورية. وكانت معها في مقر توثيق الانتهاكات في دوما المناضلة سميرة خليل التي أمضت ما يقارب أربع سنوات في سجون الديكتاتور الأب من مدينة حمص إلى فرع فلسطين في دمشق إلى سجن النساء في دوما، وصدر لها “يوميات حصار دوما” الذي جمعه وحرره ياسين الحاج صالح، الذي كتب فيه أحداث ووقائع الحصار ومجزرة الكيميائي (أغسطس/ آب 2013 في الغوطة)، وما جرى مع الناس في تلك المناطق البعيدة عن العالم كلياً وكأنها خارج المدار الكوني.

إن قضية المفقودين والمغيبين قسراً حيوية وحساسة وذات مواصفات إنسانية وحقوقية خاصة تمس المغيبين والمفقودين ذاتهم من الزاوية الإنسانية الأخلاقية التي تجعل من احترام إنسانية الإنسان جزءاً يومياً من الحياة العامة والخاصة، فمن حق المغيبين والمفقودين قبوراً خاصة بكل شخصية منهم وانتشالهم من المقابر الجماعية التي وضعهم بها النظام البائد.

وهو ذاته حق إنساني خاص بذوي المفقودين والمغيبين لكي يعرفوا مصير أبنائهم وأحبائهم، ويضعوهم في مدافن رسمية خاصة بكل واحد منهم. ومن حق المجتمع السوري أن يرى منفذي هذه الجرائم في محاكم محلية أو دولية خاص بالشأن السوري، ويطلع على اعترافاتهم.

ستبقى قضية المفقودين والمغيبين قسراً حية وغير قابلة للتأجيل، ما دام أهالي الضحايا لم يصلوا إلى حل إنساني عادل وواضح يعطيهم حرية الادعاء والمحاكمة والمصالحة والمسامحة بعد سماع أقوال الفاعلين الحقيقيين.

العربي الجديد

————————-

المغيّبون المنسيّون… “أبو صامد” المناضل والأب نموذجاً/ دانه كريدي

05 اغسطس 2025

في مقهى “ليلى” في حارات دمشق القديمة اجتمع عشراتٌ من الناشطين وأهالي المغيبين وناشطي مدينة مصياف تلبية لدعوة عائلة وأصدقاء المناضل علي مصطفى (أبو صامد) في الذكرى الثانية عشرة لاختفائه قسراً بعد اعتقاله من قبل نظام الأسد في 2 يوليو/ تموز عام 2013. مرّ 12 عاماً على تغييب أبو صامد، واليوم ولأول مرة منذ تغييبه تستطيع العائلة والأصدقاء التجمع لتذكره والمطالبة بالحقيقة في سورية.

دعت كلٌ من ابنتيه وفا وسنا مصطفى إلى التجمع في ذكرى غياب والدهما وتذكيراً بآلافٍ لا يزالون مغيبين. وركّزت الدعوة على التذكير والمطالبة وحق الجميع في معرفة الحقيقة والمحاسبة باعتبار ذلك خطوة من خطوات العدالة الانتقالية المنتظرة في سورية بعد التحرير، إذ جاء في نص الدعوة “نرحب بالجميع لنحكي عن أبو صامد، وعن آلاف المغيبين، ونسترد ولو جزءاً من كرامتنا الجماعية بالتذكّر، بعد كلّ سنين النسيان والصمت الذي فرض علينا”.

دام اللقاء قرابة ساعتين، حيث أتيحت مساحة لأفراد عائلة أبو صامد لتذكره والحديث عنه لمعارفه وأصدقائه ورفاق النضال باستعادة ذاكرتهم المسلوبة والمحتجزة لسنوات طويلة، كذلك أتيحت مساحة لأهالي المغيبين لاستحضار ذاكرة الغياب واسترجاع صور المختفين عبر مشاركة قصصهم.

عبرت ابنتا أبو صامد كلّ من وفا وسنا عن مشاعرهما تجاه تغييب الأب وأثر الغياب على حياة كلّ منهما، وكيفية تعامل كلّ واحدة منهما مع فجوة الاختفاء القاسية، كذلك تحدثتا عن اختلاف طبيعة علاقة كل واحدة منهما بأبي صامد الأب، وإلى جانبه تحدثت الزوجة والأم لمياء عن ذكرياتها الأخيرة ما قبل الاعتقال وعن صراعها باعتبارها زوجة مغيب محرومة من حق معرفة الحقيقة حتى هذه اللحظة.

كذلك شارك أصدقاء أبو صامد قصص نضاله في لبنان ونضاله تجاه القضية الفلسطينية وضد الغزو الأميركي للعراق ونشاطه السياسي في سورية وخصوصاً في مدينته مصياف الذي يتحدر منها وشاركها مع رفيق دربه حسام الظفري الذي يشاركه الغياب، وشارك الناشط جمال العمر (مطر إسماعيل) نصاً أهداه لكلّ من أبو صامد وحسام الظفري، وكذلك شاركت المناضلة منذ الثمانينيات ندى الخش موقفها من قضية الاختفاء القسري والعدالة الانتقالية ودعت لاستمرار النضال، محملة على عاتق الجيل الجديد عملية البناء على أسس صحيحة وعدم الوقوع في أخطاء جيل قمعه نظام الأسدين.

قبيل الدعوة شاركت العائلة على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً التقطت بالصدفة أو بالأحرى تم الوصول إليها قبل طمسها، وهي عباراتٌ كتبها أبو صامد على جدران فرع الأمن العسكري في دمشق (الفرع 215)، حيث تقول إحدى الجمل المتروكة “سامحوني”، ذاكراً أسماء فتياته الثلاث بجانب العبارة، ولفتت العائلة إلى خطورة الإجراءات التي اتبعتها الحكومة المؤقتة تجاه ملف المعتقلين، ومنها طمس معالم الجريمة عبر دهن جدران السجون بحجة إعادة التأهيل.

بعد مشاركة الحضور قصصهم ومشاعرهم ومطالبتهم باستمرار النضال، علقت على لوحٍ قماشيٍّ صور متنوعة لأبو صامد، وتوجه الحضور لتعليق صور أحبائهم المختفين وكتابة العبارات عن مشاعرهم ومطالبهم.

منذ سقوط النظام السوري السابق واستعادة الناس ملكية الساحات العامة لم تتوقف مطالب ومساعي أهالي المفقودين والناشطين والمؤسسات التي تعنى بقضية المغيبين، فلا يخلو أسبوع من وقفة صامتة أو مظاهرة احتجاجية ومؤتمرات وتجمعات للتذكير بالقضية التي تبدو اليوم شبه منسية، فبعد فتح السجون لا تبدو هناك مساع جدّية للكشف عن مصير قرابة الأربعمائة ألف مختفٍ لم يعرف مصيرهم بعد.

كما قال الناشط جاد حمادة في التجمع، وهو قريب مازن حمادة وأربعة معتقلين آخرين: “لعل الثورة السورية هي أكثر ثورة وثقت بالتاريخ، ولكن لم تحظ بنتيجة لتوثيقها حتى هذه اللحظة، كل الانتهاكات موثقة ولا يزال مصير الآلاف مجهولاً”.

يوماً بعد يوم تصبح هذه التجمعات واللقاءات جزءاً من هامش الحياة اليومية المتسارعة في سورية الجديدة، يقف أهالي المغيبين وحدهم وسط الصمت، اكتسبوا حقّ الكلام الذي كان محبوساً على مدى أربعة عشر عاماً ولكنهم يقابلون بالصمت، يغدو الأمل ضعيفاً ويصبح هدف التجمعات، كما تقول والدة أحد المعتقلين: “المطالبة بعدم النسيان”، وكأن حق التذكر محصور فقط ضمن دوائر من تأثروا بالغياب.

في شهور التحرير الأولى امتلأت الساحات بصور المغيبين على جدران الجامع الأموي وفي ساحة المرجة والحجاز، ويوماً بعد يوم تطمس هذه الصور وتغطى بحجة إعادة التأهيل. يحاول بعض الناشطين وسط هذا التجاهل العام للقضية خلق مساحة دائمة للتذكر، مساحة تتيح حق المطالبة الذي لا يجب أن يزول، فأسس البعض تجمع “خيم الحقيقة”، هذه الخيم هي مشروع مستمر هدفه بناء خيمة في كل مناطق سورية تذكر بمعتقلي ومغيبي المنطقة وتكون حاضرة دوماً للتذكر.

حق المطالبة بالحقيقة هو ضرورة اليوم في سورية الجديدة للوصول لعدالة انتقالية، وحق المحاسبة هو حق مشروع، وعليه فإن هذه التجمعات ستستمر حتى تحقيق ولو جزء من الحرية التي ناضل المغيبون والمغيبات لاكتسابها. اكتسب الشعب السوري ملكية المساحات العامة، وكذلك لم يتوقف عن النضال للمطالبة بالحقيقة والقصاص والعدالة، فالتذكر كما قالت الناشطة وابنة أبو صامد يأتي عن طريق “الفعل”، وسيكون كفعل وكمطالبة لن تتوقف حتى ينكشف المصير، فلا أحد يشعر بقسوة الغياب وأثره إلا المقربون وأهالي المغيبين، هذا الفراغ عليه أن يمتلئ بالحقيقة فلا أم تستطيع التسليم بموت ابنها من دون التأكد سواء بوثيقة أو صورة أو دليل على مصيره، الغياب ثقل يجثو على صدور سوريين عديدين.

العربي الجديد

————————-

معاذ الكساسبة ونموذج الجريمة الموثَّقة في سورية/ حسام أبو حامد

05 اغسطس 2025

تحطمت، في ديسمبر/ كانون الأول 2014، طائرة إف-16 تابعة لسلاح الجو الأردني قرب مدينة الرقّة (شمالي سورية)، ووقع قائدها معاذ الكساسبة (26 عاماً)، أسيراً بيد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وفي مطلع العام التالي (2015)، صُدمنا بمشهد الطيّار الأردني محبوساً داخل قفص حديدي يُحرَق حيّاً في مشهد “سينمائي” معدّ بعناية. لم تكن الجريمة مجرّد قتل، بل عرضاً منمذجاً للعنف: إخراج محترف، زوايا تصوير متعدّدة، مؤثّرات صوتية، ونصوص دينية تغلّف الوحشية بهالة مزيفة من الشرعية. كانت الجثّة المحترقة وسيلةً لبثّ رسالة أيديولوجية عابرة للحدود. لم تكن الجريمة إشباعاً لسادية داخلية فحسب، بل جزءاً من استراتيجية اتصالية متكاملة: زرع الخوف واستعراض الهيمنة وتجنيد الأتباع وفرض سردية التنظيم بوصفه سلطة تمارس الحكم والردع علناً. تعود إلينا ذكرى الجريمة المروّعة بعدما حكمت محكمة سويدية (الخميس الماضي) بالسجن المؤبّد على الجهادي السويدي من أصل سوري أسامة كريّم، أحد المشاركين في جريمة قتل معاذ الكساسبة، والمتورّط أيضاً في تفجيرات بروكسل عام 2016. جاء الحكم متأخّراً، وكان كريّم أول المحكومين، بينما تمكّن آخرون من الإفلات من المحاسبة (حتى الآن). جريمة حرق معاذ الكساسبة حيّاً وثّقها الجناة بأنفسهم، في نموذج يُعاد إنتاجه محلياً في سورية اليوم، وإن بدا سينمائياً أقلَّ احترافية، لكنّه مشهد لا يقلّ وحشيةً.

ارتكب نظام بشار الأسد 14 عاماً انتهاكات ممنهجة: تعذيب وقتل تحت التعذيب وإخفاء قسري وإعدامات ميدانية، وقصف للمدنيين بالبراميل المتفجّرة والأسلحة الكيماوية، لكنّه حرص على إبقاء أدوات القتل في الظلّ، فالقتل كان وظيفة تُنكَر، لا رسالةً تُعلَن. تسرّبت الصور من المعتقلات أو الميادين، مصادفة أو عبر منشقّين. وعرف النظام كيف يستثمر في مجازر خصومه/ أشباهه ليرسّخ روايته: “أنا الدولة، أنا القاتل الضروري، أمّا البديل فهو القاتل الفوضوي”.

اليوم، في سورية ما بعد الأسد، نشهد عودة نموذج (باراديم) الجريمة الموثّقة. من مجازر الساحل إلى السويداء، القتل لم يعد يحدُث في الخفاء، بل أمام عدسات الكاميرات، أحياناً بلا محاولة لإخفاء الوجه، بلا إنكار، وبلا خشية من المساءلة. لم تعد المشكلة في مَن يقتل فقط، بل في منظومةٍ لا ترى في القتل ما يستحقّ الإخفاء أصلاً. بدأ خطاب الإنكار الذي مارسه النظام القديم يتلاشى، وحلّ مكانه خطاب ضمني يشرعن “الحقّ في القتل”. لم يعد القتل المصوَّر مجرّد سلاح سياسي، بل أصبح أيضاً فعلاً نفسياً واجتماعياً. حين يوثّق القاتل جريمته، فهو يطلب من العالم أن يراه، أن يخافه، أن يعترف به. أحياناً يسعى إلى بناء هيبة في غياب القانون، وأحياناً يعيد تعريف البطولة: القاتل ليس مجرماً، بل بطل، أو مجاهد، أو منقذ. هكذا يُصنع بديل من الحقيقة لا يقوم على العدل، بل على العدسة. في مجتمعات مدمّرة تغيب منها المحاسبة والعدالة الانتقالية، تنتشر ثقافة العقاب، ويتحوّل التوثيق من أداة إدانة إلى أداة لإعادة إنتاج قيمة العنف. ويصبح القاتل، كما تقول الصورة، هو الموجود الوحيد: أنا أقتل، إذاً أنا موجود.

نموذج الجريمة الموثّقة في “سورية الجديدة” يأتي في إطار مشهد فوضوي: مقاطع فردية مرتجلة، وتعبير عن غياب الدولة، وعن تفوّق لحظي لا يعبأ بشرعية أو مساءلة. ويكفي أن تُترك الجريمة من دون إدانة، والقاتل من دون عقوبة، والضحية من دون اعتراف، ليتعاظم الخطر، الذي لا يأتي فقط من رافعي الرايات السوداء، بل من كلّ عقلٍ لا يعترف بالآخر، ولا يقبل المحاسبة، ولا يرى الإنسان إلا من خلال طائفته أو هُويَّته الضيّقة. ولا مخرجَ من هذه الحلقة من دون مواجهة الجذور التي أنبتت هذا النموذج العنيف: الإذلال والفقر والجهل والطائفية والإفلات من العقاب… وغياب الدولة التي تحاسب مهما كانت هُويَّة القاتل.

من معاذ الكساسبة إلى مجازر اليوم، لا نعيش تكراراً في التفاصيل، بل في الجوهر. طالما السلاح مرفوع ستظلّ الكاميرا تعمل، والرسالة القاتلة مستمرّة. يتبدّل الجاني، يُعدَّل الإخراج، لكن العرض لا يتوقّف. وما لم تُكسر حلقة الإفلات من العقاب، ونُنجز قطيعة فكرية حقيقية مع منطق الغلبة والثأر، فلن تكون سورية إلا فصلاً جديداً من مسلسل القفص والنار.

العربي الجديد

——————————-

العــ ــنف والتحـ ـــريـ ــض في سوريا .. من يتحمل مسؤوليته وكيف يعالج؟ مع المحامي أنور البني

——————————

ميشال شماس: لماذا القانون السوري عاجز عن اجراء محاكمات لمرتكبي الجرائم ؟ وماهي الحلول؟

————————-

شخصيات مثلت أمام القضاء السوري بعد الإطاحة بنظام الأسد

كومبو تجمع المتهمين الأربعة خلال جلسة التحقيق محمد ابراهيم الشعار – وأحمد حسون عاطف نجيب – ابراهيم حويجة المصدر حساب وزارة العدل السورية على إكس

8/8/2025

نشرت وزارة العدل السورية في السابع من أغسطس/آب 2025، مقطعا مصورا بعنوان “تحقيقات تحت مظلة القضاء”، أظهر جانبا من التحقيقات مع عدد من الشخصيات البارزة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، بينما تتم مواجهتهم بالتهم المسندة إليهم.

ووفق المقطع، فقد وُجهت إلى المذكورين تهم تشمل القتل العمد، والتعذيب المفضي إلى الموت، والاعتداء الذي يستهدف إثارة الحرب الأهلية، والتحريض والاشتراك والتدخل في عمليات قتل.

وتندرج هذه التحقيقات ضمن حملة أطلقتها الإدارة السورية الجديدة لضبط الأوضاع الأمنية، ومحاسبة رموز النظام السابق المتورطين في انتهاكات وجرائم ضد المواطنين.

ومن بين الشخصيات التي ظهرت في المقطع:

عاطف نجيب

عميد في جهاز الأمن السوري في عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد، وهو ابن خالته، وأحد الوجوه الأمنية التي ارتبط اسمها بانطلاقة الثورة السورية عام 2011.

وُلد عام 1960، وتخرج في الكلية الحربية في حمص برتبة ملازم، ثم التحق بجهاز المخابرات وشغل عددا من المناصب الأمنية أبرزها:

    رئيس فرع الأمن السياسي في محافظة درعا (2008–2011).

    رئيس فرع الفيحاء للأمن السياسي في دمشق.

    رئيس قسم التحقيق والدوريات في العاصمة.

    رئيس فرع الأمن في منطقة الشيخ محيي الدين بدمشق.

    نائب رئيس قسم أمن الشرطة، ثم نائب رئيس قسم قطاعات المحافظات في أمن دمشق.

ذاع صيته بشكل واسع في مارس/آذار 2011، عندما اعتقل 15 طفلا في مدينة درعا بتهمة كتابة شعارات على الجدران مناهضة للنظام. وقد أثارت تلك الواقعة غضبا واسعا بعدما رد على مطالب الأهالي بالإفراج عن أبنائهم بعبارة مهينة، وُصفت بأنها كانت الشرارة الأولى لانطلاق الثورة الشعبية ضد الأسد.

واجه لاحقا اتهامات عدة بالضلوع في قضايا فساد مالي وإداري، شملت الاتجار غير المشروع بالسيارات، وتهريب السلع من لبنان، واستغلال منصبه في ابتزاز التجار ورجال الأعمال.

ورغم إعلان الأسد فتح تحقيق في تلك الانتهاكات، لم تفضِ التحقيقات إلى نتائج تُذكر، واقتصرت الإجراءات على إعفائه من منصبه في درعا ونقله إلى رئاسة فرع الأمن السياسي في محافظة إدلب.

أُدرج على قائمة العقوبات الأميركية في 29 أبريل/نيسان 2011، ثم على القائمة الأوروبية في التاسع من مايو/أيار من العام نفسه، بتهم تتعلق بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين.

بعد الإطاحة بنظام الأسد في بداية ديسمبر/كانون الأول 2024، أعلنت الإدارة السورية الجديدة، أن قوات الأمن في اللاذقية ألقت القبض على نجيب في 31 يناير/كانون الثاني 2025، بعد أن كان متخفيا في ريف المدينة.

إبراهيم حويجة

أحد أبرز ضباط الأمن في النظام السوري السابق، وُجهت إليه اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إلى جانب تورطه في عمليات تصفية استهدفت معارضين سياسيين داخل سوريا وخارجها.

برز اسمه بعد انقلاب حافظ الأسد عام 1970، وأصبح في 1987 ثاني مدير لإدارة المخابرات الجوية بعد اللواء محمد الخولي. استمر في هذا المنصب حتى عام 2002، وعُرف في تلك الحقبة بقبضته الحديدية وتشدده الأمني، خاصة في التعامل مع الحركات المعارضة.

وهو أحد الأسماء البارزة التي ارتبطت بقمع انتفاضة حماة عام 1982، إذ كان للمخابرات الجوية دور مباشر في العمليات العسكرية ضد المدينة، والتي خلفت آلاف الضحايا المدنيين.

كما وُجهت له اتهامات بالمشاركة في التخطيط لاغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط في 16 مارس/آذار 1977.

قرر بشار الأسد إقالة حويجة من منصبه بعد نحو 15 عاما من رئاسته لإدارة المخابرات الجوية.

وفي إطار حملة المحاسبة التي أطلقتها الحكومة السورية الجديدة عقب الإطاحة بنظام الأسد، أعلنت القوات الأمنية اعتقال إبراهيم حويجة في السادس من مارس/آذار 2025، على خلفية تورطه في جرائم وانتهاكات بحق الشعب السوري.

أحمد حسون

المفتي العام السابق للجمهورية العربية السورية في عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد، عُرف بمواقفه الداعمة للنظام، وتحريضه العلني ضد المعارضين والثوار، حتى لقّبه خصومه بـ”مفتي البراميل.

شغل حسون مناصب متعددة في الدولة، منها:

    رئيس جمعية رفع المستوى الصحي والاجتماعي في حلب.

    عضو في مجلس الشعب السوري بين عامي 1990 و1998.

    مدير أوقاف حلب عام 2007.

    المفتي العام للجمهورية بين 2005 و2021.

    رئيس الهيئة الاستشارية الشرعية لمجلس النقد والتسليف في مصرف سوريا المركزي.

    عضو المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في إيران.

تسلّم منصب الإفتاء العام في 2005، بعد وفاة المفتي الأسبق أحمد كفتارو، وشارك في مؤسسات دينية وفكرية خارجية، منها مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي في الأردن.

طوال فترة الثورة السورية، تبنّى حسون خطابا داعما لعمليات النظام العسكرية، وبرر قصف النظام السوري المدنيين في حلب، ووصف عمليات النظام بـ”التحرير”، وأيد الوجود الروسي والإيراني في سوريا، وقال إن “الإيراني والروسي لم يأتيا مستعمرَين، بل مساعدين معاونين”، وحرّم قتال الجيش السوري وعدّ الانضمام إليه واجبا شرعيا.

في 2016، زار حسون البرلمان الأيرلندي ضمن وفد ديني، ودعا الاتحاد الأوروبي إلى تخفيف العقوبات على دمشق، منكرا تورط موسكو في أي جرائم ضد المدنيين السوريين.

وفي 2017، كشفت منظمة العفو الدولية أن أحكام الإعدام الجماعية بحق نحو 13 ألف معتقل في سجن صيدنايا، صدرت من مسؤولين رفيعي المستوى في الحكومة السورية، وصادق عليها المفتي حسون.

ومع سقوط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024، عاد حسون إلى الواجهة من جديد، حين اقتحم متظاهرون سوريون في 18 فبراير/شباط 2025 منزله في مدينة حلب، مرددين هتافات تطالب بمحاكمته، على خلفية اتهامات شعبية واسعة بتواطئه في الجرائم والانتهاكات التي ارتكبها النظام بحق المدنيين.

محمد الشعار

وزير الداخلية الأسبق في حكومة الرئيس المخلوع بشار الأسد، من الشخصيات العسكرية التي كانت لها أدوار أمنية بارزة في مواجهة الثورة السورية، واتُهم بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

تدرج الشعار في المناصب الأمنية والعسكرية منذ التحاقه بالقوات المسلحة عام 1971، وتولى عددا من المواقع الحساسة، من بينها:

    رئيس فرع المخابرات العسكرية في حلب.

    رئيس فرع المخابرات العسكرية في طرطوس.

    رئيس فرع “المنطقة 227” التابع لشعبة المخابرات العسكرية في دمشق عام 2006.

    قائد الشرطة العسكرية السورية.

    ضابط في شعبة المخابرات العسكرية بسوريا ولبنان.

    مسؤول أمني في مدينة طرابلس اللبنانية في ثمانينيات القرن الـ20، واتُّهم بالمشاركة في مجزرة باب التبانة عام 1986.

في 14 أبريل/نيسان 2011، تولى الشعار وزارة الداخلية ضمن حكومة عادل سفر، التي شُكلت عقب اندلاع الثورة السورية، واستمر في منصبه حتى 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2018، حين أُقيل وعُين نائبا لرئيس الجبهة الوطنية التقدمية.

وفي فترة توليه وزارة الداخلية، ربطت المعارضة السورية اسمه بقمع الاحتجاجات الشعبية، وتعذيب المعتقلين، والتورط في مجازر منها مجزرة سجن صيدنايا عام 2008.

أُدرج اسمه على قوائم العقوبات الأوروبية في التاسع من مايو/أيار 2011، والأميركية في 18 مايو/أيار 2011، وكذلك على القائمة العربية، والتي تضمنت تجميد أصوله، ومنعه من السفر، وفرض قيود على التعامل المالي معه.

وعقب تمكّن المعارضة السورية المسلحة من إسقاط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 بعد إطلاق عملية “ردع العدوان”، وتمكنها من السيطرة على دمشق وتشكيل حكومة انتقالية، سلّم الشعار نفسه للسلطات السورية في الرابع من فبراير/شباط 2025.

المصدر: الجزيرة + الصحافة السورية

———————-

ملاذ الزعبي: السوريون السنّة… خاسرون أيضاً!

——————————–

حسام القطلبي: السلطة الحالية نجحت بدفع السوريين إلى هويتهم الطائفية

——————————-

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى