وثائق المرحلة الأسدية.. مصيرها وآليات التعامل معها/ محمد كساح

23 نوفمبر 2025
تعد وثائق المرحلة الأسدية التي تنشرها منصات كثيرة مثل “أرشيف الثورة السورية” و”متحف سجون سوريا” جزءًا بسيطًا جدًا من عشرات آلاف الوثائق التي خلفتها تلك المرحلة، والتي يمكن من خلالها معرفة أدق التفاصيل عن المتورطين بعمليات القتل والإعدامات، ومصائر آلاف المعتقلين، ما يجعلها من أهم الأدلة التي تقود إلى محاسبة المجرمين، والكشف عن تفاصيل تخص الموقوفين في السجون الأسدية.
منصات مهتمة بنشر الوثائق
منصة “أرشيف الثورة السورية” نشرت مؤخرًا، عددًا من قرارات الإعدام بحق عشرات الموقوفين في السجون الأسدية، والتي تضمنت تواريخ إصدار القرارات وأسماء الموقوفين الذين صدرت بحقهم هذه الأحكام، وتواريخ تنفيذ الإعدامات وأماكن وساعة التنفيذ، والضباط المكلفين بالإشراف على التنفيذ، مع التدابير المتخذة مثل إحضار المحكوم عليهم إلى السجن العسكري الأول بصيدنايا قبل يوم التنفيذ، ثم نصب المشانق داخل السجن نفسه، بالتوازي مع تشكيل مفرزة الشرطة العسكرية لتنفيذ أحكام الإعدام.
بدوره، يهدف “متحف سجون سوريا”، الذي بدأ فريقه بالتحضير لإطلاقه عقب سقوط النظام، إلى توثيق الآثار المتبقية داخل السجون باستخدام تقنيات حديثة تشمل الكاميرات والطائرات بدون طيار كما أجريت مقابلات مع معتقلين سابقين وجمعت المقتنيات التي تركوها خلفهم. ويسعى المتحف من خلال تحويل هذا التوثيق الميداني إلى سرد رقمي على الإنترنت، إلى المساهمة في جهود محاسبة المسؤولين عن تلك الجرائم، وتكريم ضحاياها، ومساعدة العائلات في العثور على آثار أحبائهم المختفين، بالإضافة إلى تعزيز ثقافة الذاكرة في سوريا التي تحمي المجتمع من النسيان وتردع تكرار هذه الفظائع.
ما مصير الوثائق بعد سقوط النظام؟
تعرضت مئات الوثائق مع سقوط النظام للتلف بسبب حالة الفوضى وعدم مبادرة السلطات الجديدة بتنفيذ خطة إسعافية لإنقاذها، بينما تم نهب قسم من الوثائق التي تعتبر مهمة جدًا، لكن كل ما سبق لا يعني ضياع وثائق المرحلة الأسدية والسبب يعود إلى آليات التوزيع والأرشفة التي كان يتبعها النظام البائد.
يؤكد الخبير في المنظومة السجنية والمخابراتية ومؤلف كتاب “الغولاك السوري”، جابر بكر، أنه بشكل أو بآخر فإن الوثائق التي خلفتها المرحلة الأسدية متوفرة بالرغم من تعرض كميات كبيرة منها للتلف أو النهب أو الإهمال.
ويوضح خلال حديث لـ”ألترا سوريا” أن كل قرار إداري أو كتاب يحوي تذييلًا مهمًا جدًا يتضمن الجهات التي سيرسل إليها وفق عبارة “نسخة إلى:”، ما يعني أن لدينا نسخًا عديدة عن كل وثيقة. فلو ضاعت إحدى هذه النسخ لن تضيع الوثيقة لوجود أربع أو خمس أو ست نسخ في بعض الأحيان، والتي يمكن البحث عنها حاليًا في المراكز الفرعية التي كانت تصلها هذه النسخ.
ويصف بكر هذه الوسيلة بعملية أرشفة غير مباشرة في أماكن أخرى، فلو كان الأرشيف المركزي لكتاب صادر عن شعبة المخابرات العامة، على سبيل المثال، موجودًا في مكتب رئيس الشعبة، فهناك نسخ أخرى لنفس الكتاب يجب أن تكون متوفرة في جميع الأماكن الفرعية التي يذكرها التذييل في أسفل الكتاب.
وبناء على هذه الملاحظة الهامة، يلفت بكر إلى أن الوصول إلى الوثائق الأسدية يعد مسألة ليست مستحيلة وإن كانت صعبة بسبب الفوضى التي حصلت بعد سقوط النظام والتي أدت إلى خلط الوثائق ببعضها، ما أثر سلبًا على آلية الأرشفة التي كانت تتم من خلال منهجية معينة، فنحن نتعامل مع عصابة لكن لديها دولة بمنهج يقضي بأرشفة الوثائق وتصنيفها باليوم والشهر والسنة.
بمَ تفيدنا الوثائق وكيف نتعامل معها؟
يرى جابر بكر أن هذه الوثائق تفيدنا في فهم هيكلية واضحة لآليات وأطر اتخاذ القرار ومن المسؤول عن القرارات في الدولة الأسدية. فعلى سبيل المثال يمكننا معرفة من اتخذ قرار إعدام الموقوفين في سجن صيدنايا، وفق التسلسل الهرمي القيادي الذي يؤكد أن رئيس المحكمة الذي أصدر قرارات الإعدام هو منقاد من قبل رئيس الأركان الخاضع بدوره لوزير الدفاع بينما يخضع الأخير للرئيس وقائد الجيش بشار الأسد، وبالتالي فنحن نعرف من هي الجهات المسؤولة.
ويضيف بأن هذه الوثائق مثلما تعرفنا على تفاصيل أخرى مثل مصائر الموقوفين، فهي تفصّل لنا جميع أسماء المشاركين بفرق الإعدام سواء المنفذين المباشرين أو المشرفين أو الحاضرين، لافتًا إلى أن إتاحة الوثائق المتعلقة بمحاضر الإعدامات على العلن يفتح الباب لحدوث حالات انتقام جماعية، الأمر الذي يقضي بأن تكون عملية فتح هذا الأرشيف بالغة التنظيم مع حفظ الوثائق وعدم إتاحتها بشكل معلن بل من خلال تكييف هذه الوثائق بوثائق جديدة، تورد المعلومات المبنية على هذه الوثائق، بحيث تكون المعلومة متاحة للعموم بينما تحفظ الوثيقة ولا تكون معلنة، تلافيًا لأي حوادث انتقام خارج القانون.
الترا سوريا



