مقالان تناولا انتخابات مجلس الشعب

—————————
في صلاحيات ومهام مجلس الشعب القادم/ د. نوار نجمة
يناير 12, 2026
من الواضح أننا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ بناء الدولة السورية، أمام مجلس شعب استثنائي بصلاحيات خاصة يحددها الإعلان الدستوري.
ومن هذا المبدأ، لا بد من الالتزام الحقيقي بشكل وروح هذه المبادئ الدستورية عند النقاش في صلاحيات ومهام مجلس الشعب المنتخب بثلثيه من خلال هيئات ناخبة، والمعين بثلثه الذي يختاره رئيس الجمهورية.
وعلى هذا الأساس، يمكن الحديث عن أفكار لصلاحيات ومهام مجلس الشعب الجديد تتلخص فيما يلي:
1- تعتبر مناقشة القوانين الواردة من السلطة التنفيذية وعلى رأسها الحكومة والهيئات المستقلة، واعتمادها أو تعديلها أو ردها، المطلب الإسعافي من مجلس الشعب حالياً.
2- التشريع الخاص بمجلس الشعب لقوانين يرى المجلس أنها ضرورية أو ملحة، أو أنها تأتي في سياق خدمة المصلحة العامة.
3- التصديق على الاتفاقيات الدولية الاقتصادية والسياسية ومناقشتها عند الضرورة.
4- تعتبر صلاحية الاستماع لأعضاء الحكومة هي الصلاحية الأكثر جدلاً في الإعلان الدستوري، كونها تحرم المجلس من حق الاستجواب أو سحب الثقة من الحكومة أو الوزراء.
هنا لا بد من تقبل وتفهم وجهة نظر المشرع في أنه، وخلال المراحل الانتقالية، لا بد من دور تكاملي متعاون بين السلطات التنفيذية والتشريعية، وأن لا يكون هناك تغول بين السلطات يمكن أن يعرقل العمل الحكومي أو التشريعي في فترة حرجة واستثنائية من تاريخ الدولة تكون البلاد فيها بغنى عن عمليات التعطيل الحكومي أو التنافس الانتخابي الحزبي أو الفئوي.
وعلى هذا، يفضل أن تكون العلاقة بين السلطتين علاقة تكاملية تساعد في تسريع وتيرة عمليات التشريع، مع احتفاظ مجلس الشعب بحقه في مساءلة الحكومة، خاصة في حالات الأخطاء، كي يحتفظ مجلس الشعب بصفته ومهمته الرقابية.
5- في علاقة المجلس مع الحكومة، لا بد من الإشارة إلى أن أهم وأكبر مهمة تناط بمجلس الشعب هي إقرار الموازنة العامة للدولة وقطع حسابات الموازنة السابقة.
وهنا، لا بد للجنة الموازنة في مجلس الشعب أن تضم كفاءات اقتصادية عالية مختصة في السياسات النقدية والضريبية والمالية، وأن تستعين بمن تراه مناسباً من الخبرات من خارج البرلمان.
6- إدارة الحوار الوطني الواسع والمستدام، وهنا يكون الكلام عن دور سياسي حقيقي للمجلس يبدأ بإدارة هذا الحوار بين النواب أنفسهم الذين يمثلون كل أطياف ومكونات الشعب السوري، وقد يتوسع ليشمل شخصيات من خارج البرلمان.
ولا بد لهذا الحوار الواسع والطويل أن يفضي إلى تطوير وتحسين السلم الأهلي، والسير قدماً في مسار العدالة الانتقالية، والخوض الحقيقي في كل النقاشات والأفكار التي ستؤدي إلى صياغة دستور دائم للبلاد من خلال لجنة مختصة أو بالتعاون مع المجلس، بحيث يكون الدستور الدائم بمثابة الرؤية الفكرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلاد، والتي تكرس مبادئ الثورة وتحميها وترسم الخط العام للجمهورية الثالثة، وتؤكد على وحدة سوريا والمساواة الكاملة بين المواطنين.
مجلس الشعب القادم هو برلمان الثورة، لكنه أيضاً برلمان الدولة، وتكريس فكرة الانتقال من عقلية الثورة إلى عقلية الدولة التي تكلم عنها الرئيس أحمد الشرع في الأيام الأولى للتحرير، لا بد من أن يكون في صلب وروح عمل المجلس.
الانتقال من الشرعية الثورية مروراً بشرعية الإعلان الدستوري إلى شرعية دستورية دائمة وحوار وطني حقيقي، يشكل البعد السياسي الحقيقي في عمل المجلس.
التشريع وصياغة القوانين ومناقشتها والمساءلة الحكومية وإقرار الموازنة العامة للدولة هي أعمال المجلس اليومية، والتي لا بد أن يعبر أعضاء المجلس من خلالها عن كفاءة عالية في العمل البرلماني والسياسي، مجسدين مبدأً جوهرياً في الحياة النيابية، وهو أن عضو مجلس الشعب هو ممثل لكل الشعب السوري، وأن لا تكون المصالح المناطقية والانتماءات العرقية أو الطائفية أو الدينية هي المحرك الأساسي للنقاشات.
وليعبروا بذلك عن روح المرحلة الانتقالية، والتي تكمن أهدافها في تحقيق وحدة الأراضي السورية بمستوى عال من الانتماء الوطني لكل أطياف المجتمع، يُعلي من روح المواطنة ويكفل العدالة والمساواة بين كل فئات الشعب السوري.
الثورة السورية
—————————-
أي مجلس شعب يناسب هذا الاستحقاق الدستوري المؤجل؟/ . وائل مرزا
يناير 11, 2026
إذا كان تحرير سوريا قد فتح باب التاريخ، فإن مجلس الشعب هو الباب الذي يمكن للدولة والحكومة أن تُكملا من خلاله رؤيتهما السياسية والتنموية، هذه المرّة بغطاءٍ شعبيٍّ متصاعد، وبمناخٍ من المتابعة الإيجابية في الإعلام والسياسة الدوليين، حيث يُنظر إلى استكمال الحياة البرلمانية بوصفه علامةً فارقة على الانتقال من منطق اللحظة الاستثنائية إلى منطق الدولة المستقرة. في هذا المعنى، لا يُقدَّم المجلس كقيدٍ على السلطة التنفيذية، وإنما كفرصة، استراتيجية، لتوسيع قاعدة الشرعية، وتقاسم مسؤولية القرار، وتحويل زخم ما بعد التحرير إلى مسار مؤسسي يحظى بثقة الداخل واهتمام الخارج.
فالمرحلة الانتقالية تُقاس بقدرتها على إنتاج مؤسسات قادرة على تنظيم القرار العام، وترسيخ العلاقة الطبيعية بين السلطات، وإعادة السياسة إلى مسارها البنّاء. من التشريع المدروس، مروراً بالرقابة الرشيدة، وصولاً إلى توازن يضمن الاستقرار. ومع مجلس شعبٍ فاعل، يصبح الانتقال أكثر رسوخاً، إذ تنتقل الشرعية من لحظتها التأسيسية إلى بنيتها المؤسسية، وتعمل السلطة التنفيذية ضمن أفقٍ تشريعي يعزّز قدرتها على الاستدامة والإنجاز معاً، ويمنحها شريكاً مؤسسياً يوسّع قاعدة الدعم السياسي لقراراتها بدل أن يضيّقها.
من هنا، يغدو استكمال تشكيل مجلس الشعب الاستحقاق المركزي لهذا العام. فالدولة الحديثة تُدار بتكامل الرؤية السياسية مع قواعد مؤسسية واضحة، وبالقدرة على تحويل الإرادة العامة إلى قوانين قابلة للتنفيذ، وربط السياسات بجداول زمنية وآليات متابعة. فالمجلس التشريعي هو الفضاء الذي يمكن فيه تفكيك القضايا الكبرى إلى نصوص دقيقة، وضبط الأولويات، وتحويل الاختلاف من عبء إلى وظيفة دستورية منتجة، بما يضمن أن تعمل الحكومة ضمن مسار تشريعي يحمي خياراتها ويمنحها عمقاً زمنياً أطول.
وفي هذا الإطار، يصبح المجلس الأداة التي تُترجَم من خلالها نقاط القوة المتراكمة في أداء الدولة، وفي القيادة السياسية على وجه الخصوص، إلى مكاسب مؤسسية مستدامة، تَحمي الإنجاز من التآكل وتُوسّع أثره على المدى المتوسط والبعيد. فحين تستند المبادرة السياسية إلى تشريعٍ منضبط، وتُحاط القرارات التنفيذية بغطاء برلماني واعٍ، يتعزّز رصيد الثقة العامة، وتنتقل النجاحات من كونها إنجازات لحظية إلى عناصر بنيوية في استقرار الدولة ومسارها العام.
وفي الفقه الدستوري، يتكامل دور مجلس الشعب مع عمل السلطة التنفيذية من خلال تأطير السياسات العامة تشريعياً وضمان استقرارها القانوني. فالتشريع عملية مؤسسية تبدأ في اللجان المتخصصة، مروراً بالاستماع المنهجي إلى الحكومة والخبراء، وتدقيق الصياغات بما يضمن الانسجام الدستوري، ويمنع التضارب، ويغلق ثغرات التأويل. مجلس يمتلك نظاماً داخلياً واضحاً، ولجاناً فاعلة، ورئاسة تُحسن إدارة النقاش والوقت، لا يكتفي بمنح الحكومة سنداً قانونياً متيناً، وإنما يوفّر لها بيئةً سياسية أكثر استقراراً لاتخاذ القرارات الصعبة بثقة ووضوح.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: أي مجلس شعبٍ نريد في هذه المرحلة؟
المطلوب مجلس عملٍ تشريعيٍّ هادئ، يدرك فقه المرحلة الانتقالية، ويوازن بين سرعة الاستجابة وحكمة التدرّج، ويضع الإنجاز العملي فوق أي استقطابٍ مبكر. فثمة تشريعات عاجلة لا تحتمل الإرجاء، كقوانين الموازنة العامة والتطوير الاقتصادي، والإدارة المحلية، وإعادة هيكلة المؤسسات، وتنظيم عمل الهيئات المستقلة. وفي المقابل، هناك ملفات استراتيجية كبرى تحتاج إلى نقاش مجتمعي أوسع وتدرّج محسوب، بحيث تُبنى على توافق يحمي الحكومة من كلفة التسرّع، ويمنح قراراتها شرعية أوسع.
قد يساور بعض الحريصين قلقٌ من أن يؤدي تفعيل الصلاحيات التشريعية والرقابية إلى التأثير في وتيرة عمل الحكومة. وهذا القلق مفهوم في سياق الحرص على الإنجاز، غير أن التجارب المقارنة تُظهر أن الشراكة التشريعية الواعية تمنح العمل التنفيذي زخماً أكبر، وتوفّر له غطاءً سياسياً وقانونياً أوسع. فالحكومة التي تعمل ضمن إطار برلماني متوازن لا تتحمّل كلفة القرار وحدها، وإنما توزَّع هذه الكلفة ضمن بنية مؤسسية تُعزّز الاستقرار وتُحصّن القرار أمام الداخل والخارج.
إن وجود مجلس شعب مدرك لطبيعة المرحلة وتوازناتها يتحوّل إلى شريك طبيعي في ترشيد القرار وحمايته. فهو يُسهم في تثبيت الثقة العامة، ويمنح السياسات الكبرى شرعية نقاشية أوسع، ويشارك في توزيع المسؤولية السياسية، بما يعزّز الاستقرار ويمنع استنزاف السلطة التنفيذية. وبهذا المعنى، تتكامل قوة الحكومة مع حكمة المجلس، في معادلة واعية تُقدّم مصلحة الدولة على أي اعتبارات أخرى.
غير أن نجاح هذه المعادلة يرتبط بشرط حاسم يتمثل في وجود قيادةٍ برلمانية ناضجة، ترى في انسجامها مع الحكومة جزءاً من وظيفتها الوطنية، وتستند في ذلك إلى رصيد من الخبرة السياسية والمعرفة العميقة بتاريخ البلاد وتعقيدات مرحلتها الراهنة، قيادة تتمتع بقدرة تمثيلية حقيقية تعكس تنوّع المجتمع السوري الجغرافي والاجتماعي والسياسي، وتحسن التواصل مع مختلف أطيافه، وتدرك أن المجلس ليس ساحة تعبيرٍ عن مزاجيات ضيقة، بقدر كونه إطاراً جامعاً لإدارة الاختلاف وتحويله إلى توافقات منتجة.
فالصلاحيات تبلغ كامل أثرها حين تُدار بعقلٍ سياسيٍّ يقرأ النصوص في سياقها الوطني، ويستخدم الأدوات الدستورية بوصفها وسائل بناء وتثبيت، لا أدوات استنزاف أو استعراض. وعند هذه النقطة تحديداً، تصبح رئاسة المجلس وهيئة المكتب ورؤساء اللجان عناصر مفصلية في ضبط إيقاع العمل البرلماني، وفي صناعة الفارق بين مجلس يوسّع هامش العمل الحكومي، ويُراكم الثقة العامة، ويؤسس لعلاقة مستقرة بين الدولة ومجتمعها، ومجلس يُبدّد هذه الفرصة التاريخية.
أما في دهاليز العمل التشريعي، فإن الجدّية تُقاس بجودة التشريع وبالقدرة على المتابعة، وليس بعدد الجلسات ولا بارتفاع الأصوات. فالقانون المتكامل هو الذي تُستكمل له لوائحه التنفيذية، ويُربط بجدول زمني واضح، وتُمارَس عليه رقابة لاحقة تضمن حسن التطبيق. والمجلس الذي يستخدم أدواته الرقابية -كالاستجواب وطلب البيانات ولجان التحقيق- بحكمة وتدرّج، يرسّخ هيبته ويعزّز فعاليته، ويمنح الحكومة فرصة التصويب لا الإرباك.
إن تقديم مجلس الشعب بوصفه فرصة للدولة والحكومة، لا اختباراً لهما، ينسجم مع المزاج الشعبي المتعطّش للمؤسسية، ومع اهتمام دولي يقرأ اكتمال البنية البرلمانية كإشارة جدية على الاستقرار السياسي. وكل تأخير في هذا الاستحقاق يعيق فعالية الأداء السياسي في المرحلة الانتقالية، ويؤجّل اكتمال الانتقال إلى منطق الدولة الدائمة.
إن سوريا تحتاج، في عام الانتقال، إلى ترسيخ القواعد التي تُخرج القرار من منطق اللحظة إلى منطق الدولة، وتحوّل الإنجاز السياسي إلى مسار مؤسسي قابل للاستمرار. ووجود مجلس شعب قوي بعقله، متوازن بأدائه، منسجم في قيادته مع الحكومة، هو الجسر الذي تستكمل عبره الدولة رؤيتها بدعم شعبي متزايد، وبثقة تُبنى بالتدرّج. ومن يحسن بناء هذا الجسر اليوم، يحمي البلاد غداً من الارتباك، ويضع السياسة السورية، للمرة الأولى منذ عقود، على سكة الدستور والاستقرار.
الثورة السورية
—————————
===================



