الناسسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

 “جنسيتي من حقن”.. مطلب قديم للسوريات هل تفتح السياسة له بابا جديدا؟/ زينب مصري

2025.06.26

“مرارة عميقة وحزن كبير أشعر به في داخلي، فرغم كوني الأم لا أملك الحق القانوني في منح أبنائي جنسيتي السورية. هذا ليس مجرد قانون ناقص، بل هو إنكار لجوهر الأمومة ولأحد أبسط حقوقي كإنسانة”.

لا يقتصر هذا الشعور الذي عبّرت عنه السورية نور بيطار على حالة فردية في بلدان الشتات، بل يمتد ليشمل آلاف السوريات في الداخل السوري حيث يواجهن واقعًا متشابهًا في ظل استمرار العمل بقانون الجنسية السوري منذ نحو ستين عامًا والذي يسلبهن حقهن في منح جنسيتهن لأبنائهن غير السوريين.

طُرح مشروع تعديل قانون الجنسية السوري في “مجلس الشعب” مرات عديدة خلال العقدين الماضيين، وظهرت بوادر للمضي قدمًا عام 2011 بعد إصدار رئيس وزراء النظام المخلوع حينها عادل سفر قرارا بتشكيل لجنة حكومية لدراسة مشروع تعديل القضايا المرتبطة بالجنسية، خاصة أبناء الأمهات السوريات المتزوجات من أجانب.

لكن غياب الإرادة السياسية للنظام البائد للتعديل وتذرعه بالتغيير الديموغرافي الذي قد ينجم عن منح الجنسية لأبناء السوريات من الأجانب وخاصة الفلسطينيين، وحجته بمحاربة “الإرهاب” بعد قيام الثورة السورية، حال دون ترجمة هذه المحاولات إلى تغيير فعلي.

اليوم، ومع التغيرات السياسية التي شهدتها البلاد بعد إسقاط النظام في 8 من كانون الأول 2024، تجد السوريات أنفسهن أمام فرصة لكسر التمييز ضدهن بدعم من العديد من المنظمات النسوية التي تسعى لتسليط الضوء على التبعات القانونية والاجتماعية التي يعاني منها أبناء السوريات، خاصة المعرضين منهم لخطر انعدام الجنسية.

نساء سوريا.. “شعور بالتمييز”

تقول نور وهي سورية متزوجة من مواطن تركي وأم لطفلين إنها كثيرًا ما شعرت بالتمييز، وخاصة عندما ترى أمهات في دول أخرى، كتركيا مثلًا، قادرات على منح أبنائهن الجنسية بكل بساطة. ففي تلك اللحظات، تشعر أنها “أقلّ قيمة، ليس كأم فقط، بل كمواطنة أيضًا”، متسائلة: “هل يُعقل أن يُربط انتماء الطفل بجنسية الأب فقط وكأن دور الأم لا يتجاوز حدود العاطفة والرعاية؟”.

حصل أبناء نور على الجنسية التركية فقط، لكن لو حصلا على الجنسية السورية أيضًا ستشعر أن هويتهم “مكتملة وأن لهم جذورًا واضحة في وطنهم الأم سوريا”، بحسب ما تضيفه في حديث لموقع تلفزيون سوريا، و”سيكون لديهم الحق في الانتماء، وفي التعليم وفي التملك، وفي كل ما يُبنى عليه المستقبل بثقة، أما إن لم يحصلوا عليها، فسيبقون “معلّقين بين الهويات، غرباء في بلد أمهم، محرومين من أبسط الحقوق، وهذا ما لا تريده لهم أبدًا”.

وتطلب نور من الحكومة السورية الجديدة أن تعي حجم الظلم الذي تتعرض له الأمهات السوريات، وأن تكون هذه المرحلة الجديدة فرصة لتصحيح هذا الخلل التاريخي، بحسب وصفها، كما ترجو من المنظمات الدولية أن ترفع الصوت مع الأمهات السوريات، وأن تُطالب بقانون يضمن المساواة في الحقوق، ويعترف بالأم كمصدر للجنسية، تمامًا كما هو الأب.

سوريات يطالبن بمنح أبنائهن الجنسية

هذه المطالبات التي وجهتها نور لم تكن جديدة، وإنما هي امتداد لأصوات نسائية طالبت على مدار عقود بالتغيير وعملت خلال سنوات الثورة السورية على رفع الوعي بمشكلة أبناء السوريات وحرمانهم من حقوقهم الأساسية سواء كانوا يعيشيون في الداخل السوري أم في بلدان آبائهم.

ومن بين هذه الأصوات برزت مبادرة “جنسيتي من حقن” التي انطلقت نتيجة للتزايد الملحوظ بعد عام 2011 في أعداد الأطفال عديمي الجنسية المولودين لأمهات سوريات، خاصة في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد المخلوع، حيث واجهت كثير من النساء صعوبات جدية في تسجيل أطفالهن ومنحهم الجنسية، لأسباب متعددة تتعلق بالقوانين السورية، وبالوضع الأمني والسياسي المتغير.

انطلقت المبادرة عام 2017 وهي مبادرة حقوقية أطلقها فريق “ورشة”، بعد توثيق حالات متزايدة لأمهات سوريات غير قادرات على تسجيل أطفالهن، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حياة الأطفال وحقوقهم الأساسية في التعليم والرعاية الصحية والتنقل وحتى إثبات الوجود القانوني، بحسب مؤسسة ومديرة الحملة، رشا الطبشي.

وقالت الطبشي في مراسلة إلكترونية مع موقع تلفزيون سوريا: “منذ البداية، كنا ندرك أن هذه ليست أزمة طارئة أو ظرفية، بل مشكلة قديمة ومتجذرة في البنية القانونية السورية، وممتدة في مختلف المناطق الجغرافية السورية، حتى قبل الثورة. لكن بعد مرور سنوات على انطلاق الثورة، ومع تفاقم التحديات السياسية والقانونية والاجتماعية، أصبحت هذه القضية أكثر إلحاحًا وتعقيدًا، وتحتاج إلى تحرك جدي لضمان حقوق الأمهات وأطفالهن، وفتح نقاش حقيقي حول المرسوم التشريعي رقم 276 الخاص بالجنسية وآثاره التمييزية”.

حملة “جنسيتي من حقن”.. ما مطالبها؟

المطلب الأساسي لحملة “جنسيتي من حقن” هو تعديل المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969، وفق ما أضافته، ليكفل المساواة الكاملة بين المرأة والرجل في حق نقل الجنسية إلى الأبناء والبنات، دون شروط تمييزية مبنية على جنس أحد الوالدين أو جنسية الطرف الآخر.

وتطالب الحملة بأن يكون حق منح الجنسية حقاً للام كما للأب، بما ينسجم مع مبدأ المساواة المنصوص عليه في الإعلان الدستوري والاتفاقيات الدولية التي صدّقت عليها سوريا، بالإضافة إلى إيجاد حلول فورية وبأثر رجعي لجميع المتأثرين والمتأثرات بهذا التمييز، وثتبيت حقهم في الجنسية السورية، ما يضمن وصولهم إلى الحقوق الأساسية كالتعليم والرعاية الصحية والعمل والتنقل وغيرها.

وبانتظار تعديل قانون الجنسية، أشارت الطبشي إلى المطالبة بإجراء تعديلات فورية على القرارات والسياسات والقوانين المعمول بها، بما يضمن أن يعامل أبناء وبنات السوريات معاملة المواطنين السوريين في كل مجالات الحياة اليومية والحقوق الأساسية.

تحديات وعراقيل

في المراحل الأولى من إطلاق الحملة كان أبرز ما واجهه الفريق هو غياب الإرادة السياسية لتعديل قانون الجنسية وعدم قدرته على العمل في مناطق النظام السابق، إلى جانب صعوبات كبيرة في إيصال أصوات المتضررات داخل سوريا، خاصة بسبب القيود الأمنية والمخاطر المرتبطة بالعمل الحقوقي. 

أما اليوم، وعلى الرغم من توسع النقاش حول القضية، فإن التحديات ما زالت مستمرة ولكنها باتت مختلفة، من أبرزها غياب البيانات الرسمية الدقيقة حول أعداد المتأثرين، ما يصعب قياس حجم المشكلة بشكل واضح وتقديم أدلة داعمة لمطالب الحملة، بحسب الطبشي.

وتحدثت الطبشي عن التحديات الاجتماعية كاستمرار النظر النمطية لدور المرأة، وإنكار أو التقليل من أهمية حقها في منح الجنسية إلى جانب ضعف وعي المجتمع بحجم المشكلة وآثارها القانونية والإنسانية، مشيرة إلى استمرار عملهم على معالجة هذه التحديات من خلال التوعية المجتمعية وجمع الشهادات والعمل على إنتاج معرفة بديلة تبرز حجم التمييز القائم وآثاره.

رسالة إلى الحكومة السورية الجديدة

وتوجهت الطبشي برسالة إلى الحكومة الجديدة مفادها أنّ الآوان قد آن لإنهاء التمييز ضد النساء في قانون الجنسية، إذ لا يمكن الحديث عن إصلاح أو عن مستقبل عادل لسوريا في ظل استمرار قوانين تميز ضد نصف المجتمع، وتحرم الأمهات من أبسط حقوقهن في منح الجنسية، فتعديل هذا القانون ليس مطلباً حقوقياً فقط بل هو شرط أساسي لبناء مجتمع سوري متماسك، يضمن العدالة لجميع المواطنين والمواطنات ويحمي أبناءه وبناته من التهميش والحرمات بسبب جنس أحد الوالدين.

وأردفت أن قانون الجنسية يشكل اختباراً حقيقياً لجدية أي سلطة في احترام مبادئ العدالة والمساواة أمام القانون وحقوق الإنسان، في سياق المرحلة التي تمر بها سوريا، والتي يفترض أن تكون مرحلة انتقالية نحو العدالة والمساواة وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

وأكدت الطبشي أن مسؤولية التغيير لا تقع على عاتق الحملة وحدها، بل هي مسؤولية جماعية، يشارك فيها كل فرد في المجتمع.

قانون الجنسية السوري.. “انتهاك دستوري”

يمنع قانون الجنسية السوري

الصادر عام 1969 والذي ما يزال معمولًا به إلى يومنا هذا المرأة السورية من منح جنسيتها لأولادها أو زوجها، ويعد مخالفة واضحة لنصوص الإعلان الدستوري

المؤقت في المادة رقم “10” التي تنص على أن “المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، دون تمييز بسبب العرق أو الدين أو الجنس أو النسب”.

كما يخالف القانون الإعلان الدستوري في المادة رقم “12” التي تنص على أن جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المعاهدات والمواثيق والاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان التي صدّقت عليها الجمهورية العربية السورية تعد جزءًا لا يتجزأ من الإعلان.

وتُبيّن المادة رقم “51” أن القوانين السابقة تظل نافذة إلا إذا عدلت أو ألغيت، مما يعني أن قانون الجنسية (276/1969) يجب تعديله إذا خالف الإعلان، وهنا واضح أن الإعلان يُلزِم بأن تُتاح للأم السورية الحق الدستوري نفسه في منح الجنسية لأطفالها كما يُمنح للأب، ويعتبر أي تمييز في هذا السياق انتهاكًا دستوريًا، بحسب ما أوضحه المختص بالقانون الدولي والمدافع عن حقوق الإنساني المعتصم الكيلاني.

وقال الكيلاني لموقع تلفزيون سوريا إن المرسوم التشريعي رقم 276 لعام 1969 يعتمد مبدأ “الدم”، ما يعني أن الجنسية تُنقل بشكل أساسي عبر الأب بغض النظر عما إذا وُلد الطفل داخل سوريا أو خارجها، ولا يحق للأم السورية منح الجنسية إلا في حالة استثنائية (غياب الأب أو عدم إثبات النسب)، وبشرط أن ولادة الطفل تكون داخل سوريا، وهذا التفسير القانوني يتعارض مع المادة “10” من الإعلان الدستوري المؤقت في البلاد، التي تشدد على عدم التمييز القائم على النسب أو الجنس.

خرق للالتزامات الدولية

وأضاف أنه بوجود المادة رقم “12” في الإعلان الدستوري المؤقت في البلاد، فقد أصبح القانون الوطني ينطبق عليه تلقائيًا إطار الالتزام بالمعايير الدولية، والمشروع الحالي في قانون الجنسية يتناقض مع المعايير التالية:

    اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) – المادة 9 (2): تكفل حق الأم بمنح الجنسية لأبنائها دون تمييز جنساني.

    اتفاقية حقوق الطفل (CRC) – المادة 7: تؤكد على حق الطفل في حفظ جنسيته وعدم حرمانه تعسفيًا.

    الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (UDHR) – المادة 15: لكل شخص حق في جنسية، ولا يجوز تجريده منها تعسفيًا.

    ميثاق الأمم المتحدة – المادتان 1 (تقرير المصير) و55 (احترام حقوق الإنسان والمساواة).

وانتهاك هذه المواد يعني أن القانون السوري الحالي يخرق التزاماته الدولية، ويُعد، من منظور الإعلان، قانونًا يتعين تعديله.

فرصة للتغيير

والفرصة متاحة لتعديل القانون في ظل الظروف السياسية الحالية، بحسب الكيلاني، خاصة إذا تم تطبيق ضغوط داخلية من المجتمع المدني والوزراء وضغوط دولية كالأمم المتحدة والشركاء الدوليين من أجل تعديل القانون ليتسق مع الإعلان الدستوري المؤقت للبلاد.

فسقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 أدى لإصدار الإعلان المؤقت في آذار 2025، الذي بُني على صيغة دستورية مؤقتة تدوم خمس سنوات، وبالتالي فإن مجلس الشعب الانتقالي والذي يُشكّل ثلثه من ترشيح رئيس الجمهورية والباقي عبر انتخابات مقيدة يمتلك صلاحية اقتراح وتعديل القوانين والمصادقة عليها، بموافقة ثلثي أعضائه.

ووفق المادة “51”، يمكن لمجلس الشعب إلغاء أو تعديل قانون الجنسية، بشرط توفر النص الدستوري الملزم، أي الإعلان المؤقت.

من يمكنه الدفع بالتعديل؟

وبيّن الكيلاني أن هناك أربع جهات يمكنها الدفع بهذا التعديل وهي البرلمان السوري الانتقالي الذي يمتلك السلطة التشريعية لتعديل أو إلغاء القانون، بتصويت ثلثي الأعضاء، واللجنة الدستورية المكلفة بإعداد الدستور الدائم التي تمتلك صلاحية إدراج بند يضمن نقل الأم للجنسية لطروحاتها، مما يُسهل التشريع لاحقًا.

كما أن الحكومة الانتقالية قادرة على تقديم مسودة تعديل مع الاعتماد على نصوص الإعلان ومواد الإعلان المؤقت، بالإضافة إلى مؤسسات المجتمع المدني النسائية والحقوقية من خلال تنظيم الضغوط القانونية والرأي العام للتأثير على البرلمان الانتقالي لاتخاذ القرار.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى