العلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

الشرع و المقاتلين الأجانب و داعش تحديث 11 تموز 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

الشرع و المقاتلين الأجانب و داعش

———————————

داعش” لم يفارق سوريا ويجد بيئة مناسبة لينشط مجددا/ مصطفى رستم

التنظيم يستجمع قواه ويحاول العودة مستغلاً المشكلات التي تواجهها الحكومة الجديدة فيما تجهز واشنطن حملة للقضاء عليه

الاثنين 7 يوليو 2025 14:22

تفجيرات ومخططات لعمليات اغتيال دفعت كل الأطراف الدولية والسلطات المحلية لقرع ناقوس عودة خطر “داعش” (اندبندنت عربية)

ملخص

تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق أعاد التحذيرات من عودة تنظيم “داعش”، وسط كشف عن مخططات اغتيال وهجمات جديدة. وتستعد القوات المحلية بدعم أميركي لتحرك أمني واسع بمشاركة “قسد” لمواجهة التنظيم في البادية السورية.

تفجيرات ومخططات لعمليات اغتيال دفعت كل الأطراف الدولية والسلطات المحلية لقرع ناقوس عودة خطر “داعش” إثر تفجير كنيسة مار إلياس في الدويلعة بالعاصمة دمشق، تبعتها حملة من قبل الأمن العام تمكنت من القبض على متورطين ومخططات لعمليات لاحقة يخطط لها خلايا التنظيم منها اغتيال رئيس الجمهورية.

تبقي فلول “داعش” أكثر التنظيمات تطرفاً ينشط على مدار سنوات بعد سقوطه في عام 2019 بين كثبان رمال البادية السورية وجحورها، محولاً الكهوف غرف عمليات له، ومعتمداً على عمليات خاطفة، وحرب عصابات لكن اليوم يبث مخاوف من بصماته بالداخل السوري تعيد البلاد إلى حلقات من نار وبارود التكفيريين عبر خلايا تنتشر بالمدن والأرياف المترامية الأطراف.

تفجيرات ومخططات لعمليات اغتيال دفعت كل الأطراف الدولية والسلطات المحلية لقرع ناقوس عودة خطر “داعش” إثر تفجير كنيسة مار إلياس في الدويلعة بالعاصمة دمشق، تبعتها حملة من قبل الأمن العام تمكنت من القبض على متورطين ومخططات لعمليات لاحقة يخطط لها خلايا التنظيم منها اغتيال رئيس الجمهورية.

الهزيمة في البادية

اليوم يدور الحديث عن تعاون مرتقب وانتظام حكومة دمشق بحملة عسكرية مرتقبة للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وفصيل جيش سوريا الحر و”قوات سوريا الديمقراطية” “قسد”، ومن المرجح أن تهاجم خلايا “داعش” في البادية وسط تحذيرات وصلت إلى تهديدات من قبل التنظيم للسلطات السورية الجديدة من مغبة التقارب الحاصل بين سوريا وأميركا، مما يفتح باب التكهنات على مصراعيه حيال حدوث أعمال عنف وأحداث أمنية دامية تعتمد على التفجيرات.

ولم يتضح بعد ماهية خطة الحملة وتوقيتها، لكن المعلومات الواردة تفيد بحال استنفار وتحضيرات من قبل القوات المسلحة في الشمال الشرقي للبلاد للانضمام لحملة أمنية وشيكة قد تكون قوات “قسد” رأس الحربة بها، بخاصة كونها الأكثر تمرساً في حربها المستمرة لعقد من الزمن أمام تنظيم “داعش” في عام 2014 وحتى سقوطه عام 2019 في ريف دير الزور.

معركة استنزاف

في غضون ذلك ترى أوساط مراقبة أن القوات الحكومية لن تكون بالقدر الكافي من الجاهزية لخوض معركة استنزاف ضد “داعش”، علاوة عن كونه يلاحق فلول النظام من المتمردين في الساحل، فضلاً عن كون الفصائل، لا سيما القوات العسكرية من المقاتلين الأجانب يحملون عقيدة قد تمنعهم من الحرب في وجه “داعش” في وقت خاطبهم التنظيم قبل شهرين للانضمام إليه.

في المقابل يرى فيه متخصصون أن القوات الحكومية قد تجد مانعاً بالتحالف مع قوات “قسد” التي لم تنضو تحت راية الجيش السوري الجديد على رغم الاتفاق المبرم بين قائد قوات سوريا، مظلوم عبدي ورئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع.

وتستبعد الصحافية الأميركية السورية المقربة من البيت الأبيض مرح البقاعي في حديث إلى “اندبندنت عربية” رفض أي فصيل أمر الانضمام إلى جهود الرامية في إطار الحملة الأمنية، حتى ولو كان جزءاً من هذا التحالف “قسد” التي لا تربطها علاقات ودية مع الفصائل، “ولكن إذا طلب التحالف حرباً موسعة لمكافحة تنظيم ’داعش‘ أعتقد أن معظم تلك الفصائل ستلتحق من أجل المشاركة بحرب ‘داعش’ في البادية السورية الذي يتمدد بمراكز البادية هناك، فإن الأمر سيتم بتوجيه وإدارة من التحالف”.

وترى البقاعي أن “داعش” يتمدد ويستفيد من الحالة الأمنية والسياسية الهشة في سوريا، وهذه البيئة تهيئ له مناخاً للتمدد، ويقوي عضده من جديد بخاصة أنها تعمل على استقطاب أنصار وإقامة تحالفات على الأرض مثل حركة “أنصار السنة” التي نشطت في الآونة الأخيرة، وتبنوا انفجار كنيسة مار إلياس، واليوم تتبنى حرائق اللاذقية غرب سوريا، كما أن هؤلاء إما أن يكونوا من “داعش”، وإما يتحالفون معه لزعزعة الاستقرار في سوريا وفق رأيها.

تمويل وتدريب

وكانت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) رفعت موازنة 2026 إلى الكونغرس، وخصصت 130 مليون دولار لدعم “قوات سوريا الديمقراطية” و”جيش سوريا الحر” ضمن برنامج مكافحة “داعش”، ولفت بيان خاص إلى أن الدعم يتيح تدريب قوات “قسد”، وتوسيع العمليات ضده في شمال شرقي وجنوب شرقي سوريا مع تقديم دعم أمني في محيط مخيم الهول وتأمين مناطق الحماية لقاعدة التنف وقوات التحالف الدولي، ومكافحة شبكات التنظيم.

ومن اللافت انخفاض طفيف بتمويل سوريا في السنة المالية 2026 عن السنة السابقة في عام 2025 بلغ 148 مليون دولار، أما في عام 2024 فنحو 156 مليون دولار ضمن إطار صندوق التدريب والتجهيز لمكافحة تنظيم “داعش”، ويرد متخصصون هذا التحول التدريجي في أولويات السياسة الأميركية، وإفساح إدارة الرئيس دونالد ترمب أمام السلطات السورية الجديدة لتعزيز نفوذ الرئيس السوري أحمد الشرع وتقليص الاعتماد على الميليشيات المسلحة خارج الجيش النظامي، بينما ينظر فريق إلى كون التخفيض ليس بالضرورة تخلي واشنطن عن نفوذها شمال شرقي سوريا، بل إلى إعادة هيكلة الدعم وانخفاض الحاجات التي باتت تقتصر على تعزيز الحماية والقضاء على جيوب التنظيم المتطرف.

وترى البقاعي، وهي مديرة منصة البيت الأبيض بالعربية، هذا البرنامج الذي تخصصه وزارة الدفاع الأميركية من أجل دعم قوات “قسد” مستمر لأن أميركا ترى خطراً من رفع “داعش” رأسه من جديد، وهو هدف رئيس من تعاملها مع “قسد” وتدريبها ومدها بالعتاد المناسب والدعم بكل وسائله لمحاربة “داعش”. وتضيف، “يبدو أنه لم يتم القضاء عليه بصورة كاملة ويستفيد من الحالة الرخوة للأمن في سوريا، وهذا مناخ وبيئة مناسبة لينمو وينفذ عملياته في الداخل السوري ونحن نعرف إذا لم يستقر الداخل السوري سيكون من الصعب بمكان أن يتحقق الاستقرار بالمنطقة كاملة وتحقيق مشروع السلام الذي هو على رأس أجندة الرئيس ترمب في الشرق الأوسط وعمليات السلام بين سوريا وإسرائيل”.

الحدود العراقية – السورية

وبقيت الحدود العراقية – السورية منذ مارس (آذار) الماضي بحالة استنفار وجاهزية بسبب مخاوف أمنية من تسلل أفراد التنظيم، وزادت بغداد من تنسيقها الأمني مع دمشق التي زارها شخصيات أمنية مثل رئيس إدارة الاستخبارات حميد الشطري، ولعل الحالة الأمنية التي رافقت سقوط النظام السابق عزز من نشاطها وتوغل عناصرها وانتشار خلاياه في المدن المتاخمة من البادية، وهذا ما يرفع من وتيرة التأهب الأمني في البلاد.

ولفت الانتباه مدير مركز تقدم للحوار وبناء السلام عبدالله عضوي إلى أنه “لا يوجد أي مؤشر إلى أن الفصائل ترفض التعامل مع التحالف الدولي، ومنذ الشهر الثاني هناك تنسيق بين التحالف والقيادة السورية، إضافة إلى ذلك هناك غرفة عمليات عن ممثليه وعن السلطات الجديدة، ولكن الواقع ’داعش‘ أكبر خطر على المنطقة وعلى ’قسد‘ وسوريا والعراق”.

وأردف عضوي، “التنظيم يشكل تهديداً لكل الأطراف في سوريا، وهناك مواقف واضحة لشخصيات في القيادة السورية، هناك ضعف أمني طبيعي لذلك ’داعش‘ سيقوم بأعمال كثيرة، ولا ننسى أن جزءاً من هؤلاء كانوا في بعض تلك الفصائل، وأكبر تحدٍ للقوة العسكرية الجديدة في دمشق، ولكن مع مرور الزمن هناك سيكون حال فرز وتوضيح وتصفية لبعض تلك القيادات لأنه تشكل خطر على كل الأطراف”.

ورأى المتحدث أن هناك عملية مستمرة تحت مسمى “العزم الصلب” والمسار طويل جداً حسب وصفه، كون “داعش” ليس تنظيماً على بقعة معينة، بل تتحضر لعمليات كثيرة، وهو في حال كمون حالياً، لكن نتيجة الخلافات التاريخية بين هيئة تحرير الشام و”داعش”، ستكون هناك عمليات انتقامية، ولاحظنا أن الولايات المتحد ة الأميركية تقربت كثيراً على المستوى الأمني كثيراً من الدولة الجديدة من أجل هذا الغرض. وتابع، “القضاء على التنظيم ليس استراتيجية سهلة ومحاولة اختراق ’داعش‘ لبعض المكونات العسكرية للدولة احتمال ضعيف جداً، وفي اعتقادي أن المهمة الثانية ملاحقة أفراد التنظيم وعدم السماح لهم بالتغلغل”.

—————————

سوريا… هل يتسلل “داعش” من هذه الثغرة؟/ حايد حايد

يبدو الاستخفاف بالتهديد الذي يشكله سوء تقدير فادح

آخر تحديث 26 مايو 2025

اعتُبر اللقاء الأخير بين الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترمب في المملكة العربية السعودية خطوة تاريخية بارزة نحو إنهاء العزلة الطويلة التي عانت منها سوريا، وتمهيد الطريق لاستقرارها. غير أن الإسلاميين المتشددين، داخل البلاد وخارجها، رأوا في هذا اللقاء خيانة وانحرافا عن “النقاء العقائدي”، ورضوخا لقوى “كافرة”. وقد ذهب رجل الدين الجهادي البارز، أبو محمد المقدسي، إلى حد إصدار فتوى تُكفر الشرع وتصفه بالمرتد. وسارع تنظيم “داعش” إلى استغلال هذا الاستياء. إذ غذى التنظيم مخاوف المقاتلين الأجانب من أن تؤدي الانفتاحات الدولية إلى خيانة أو اعتقال أو ترحيل، مستثمرا هذه الهواجس في دفع الانشقاقات واستقطاب مجندين جدد.

وقد تزامنت هذه الحملة الدعائية مع تصاعد ملحوظ في نشاط “داعش” داخل المناطق الواقعة تحت سلطة الحكومة الانتقالية. إن تلاقي الغضب الأيديولوجي، وحملات التضليل الاستراتيجي، وتجدد النشاط العسكري، يشير إلى ما هو أبعد من مجرد دعاية: إنه محاولة مدروسة من قبل “داعش” لإعادة التموضع في لحظة وطنية هشة. فبدلا من التركيز الحصري على استعادة الأراضي، بات التنظيم يستغل مشاعر الإحباط والخوف والسخط السياسي للحفاظ على حضوره وتأثيره. وفي هذا المنعطف الحرج، لا يكمن الخطر في تحركات “داعش” وحدها، بل في قدرة سوريا– أو عجزها– عن الاستجابة الفعالة.

عودة التجنيد إلى الحياة

لطالما نظرت “داعش” إلى “هيئة تحرير الشام” بوصفها منافسا مباشرا لها، غير أن العداء بين الطرفين ازداد حدة بشكل ملحوظ منذ انهيار نظام الأسد في ديسمبر/كانون الأول. ففي الأشهر التي أعقبت السقوط، دأب التنظيم على استخدام نشرته الأسبوعية “النبأ” لمهاجمة السلطات الجديدة، واصفا إياها تارة بالمرتدة، وتارة أخرى مشبها حكمها بطغيان أنظمة عربية أخرى.

واليوم، تبدو ملامح استراتيجية جديدة آخذة في التشكل، إذ بدأ التنظيم يوجه دعواته مباشرة إلى المقاتلين الأجانب في سوريا، حاثا إياهم على الانسلاخ من انتماءاتهم الحالية والانضمام إلى صفوفه. فعلى الرغم من أن “داعش” ظل في صراع محتدم تاريخيا مع الفصائل الجهادية الأخرى في سوريا، فإن الإدانات الواسعة التي أطلقها الإسلاميون المتشددون تجاه الانفتاح الدبلوماسي الأخير للرئيس أحمد الشرع على القادة الغربيين، أفسحت له المجال لاستغلال حالة القلق المتصاعد.

وفي إطار ما يُعد أوضح جهود التنظيم في مجال التجنيد منذ سنوات، وجهت صحيفة “النبأ” دعوة صريحة للمقاتلين الأجانب– بمن فيهم عناصر “هيئة تحرير الشام” الذين شعروا بالإحباط– للالتحاق بالتنظيم، مستغلة مخاوفهم من أن تقوم الحكومة الانتقالية بتهميشهم أو خيانتهم، خاصة في سياق سعيها إلى نيل الشرعية الدولية.

ومن خلال تقديم نفسه بوصفه “الحارس الأمين” للجهادية العقائدية، يسعى تنظيم “داعش” إلى استعادة مكانته عبر طرح نفسه كخيار بديل يقدم نقاءً أيديولوجياً، وأمانا، وهدفا جديدا لأولئك الذين وجدوا أنفسهم معزولين بسبب التحولات السياسية الأخيرة.

حملات التضليل

لم يتردد تنظيم “داعش” أيضا في استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لبث تحذيرات موجهة إلى المقاتلين الأجانب، محذرا من أن الشرع سيقوم في نهاية المطاف بخيانتهم من أجل كسب ود المجتمع الدولي. وقد تزامنت هذه التحذيرات مع تداول مزاعم على الإنترنت تفيد بأن السلطات الانتقالية أطلقت حملة أمنية تستهدف المقاتلين الأجانب.

ورغم أن الدور المباشر للتنظيم في نشر هذه المزاعم لا يزال غير مؤكد، فإن تزامن الروايات وتكرارها لا يوحي بالصدفة. فـ”داعش”، أكثر من أي جهة أخرى، هو المستفيد الأكبر من حالة الخوف وفقدان الثقة التي تولدها هذه الحملات.

ولا يزال من الصعب قياس مدى تأثير هذه الرسائل على المقاتلين الأجانب داخل سوريا. ومع ذلك، فإن إصدار وزارة الداخلية السورية بيانا عاما تنفي فيه وجود أي حملة اعتقال من هذا النوع، يشير إلى أن الشائعات أُخذت على محمل الجد، وتم التعامل معها باعتبارها تهديدا يستوجب الرد الرسمي.

العودة الميدانية

لم تظهر هذه الجهود الإعلامية من العدم، بل رافقها تزايد ملحوظ في نشاط “داعش” في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطات الجديدة. ووفقا لمصادر ميدانية، بدأ عناصر التنظيم في بادية حمص بالتسلل إلى المناطق الحضرية، وهو ما يتوافق مع نمط التنظيم المتكرر في استغلال الثغرات في الفترات الانتقالية لاستعادة موطئ قدم له.

وعلى الرغم من عدم التحقق من هذا التحرك بشكل مستقل، فإنه ينسجم مع تقارير عن اعتقال السلطات الجديدة لخلايا تابعة لـ”داعش” في كل من درعا وحلب وإدلب. وتزعم السلطات أيضا أنها أحبطت هجمات كانت مخططة، بما فيها مؤامرات استهدفت مقام السيدة زينب وإحدى كنائس معلولا. ورغم كل تلك الجهود، نجح التنظيم في تنفيذ تفجير مدمر بسيارة مفخخة على موقع أمني في الميادين بدير الزور يوم 18 مايو/أيار، مما أسفر عن مقتل خمسة من عناصر قوات الأمن السورية. وفي الآونة الأخيرة، اتهمت السلطات الانتقالية خلية تابعة لتنظيم “داعش” بتنظيم سلسلة من الاغتيالات استهدفت عناصر من الأمن العام في إدلب. والإثنين، 26 مايو أعلن قائد الأمن الداخلي في ريف دمشق حسام الطحان، القبض على عدد من أفراد تنظيم “داعش”، وضبط كميات من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، ومنها قواعد صواريخ وعبوات ناسفة وسترات انتحارية.

انتقال هش

لم يستعد تنظيم “داعش” مكانته وقوته السابقتين ولم يشتد عوده بعد، ومع ذلك يبدو الاستخفاف بالتهديد الذي يشكله سوء تقدير فادح، فقلة تواتر هجماته لا يمثل مقياسا دقيقا للخطر المحتمل، إذ كثيرا ما انتهج التنظيم أسلوب الصمت التكتيكي حيث يلجأ إلى فترات من الكمون الظاهري، يعيد خلالها بناء صفوفه بهدوء، ويرسخ خلاياه النائمة، وينتظر اللحظة المناسبة للانقضاض.

إن هشاشة المرحلة الانتقالية في سوريا هي التي تجعل من تنظيم “داعش” خطرا حقيقيا في هذه اللحظات الحرجة. ففي ظل انقسام البلاد على أسس أيديولوجية وطائفية وسياسية، حتى العمليات الصغيرة أو حملات التضليل الإعلامية قد تفضي إلى عواقب وخيمة. يدرك “داعش” هذا الأمر، ويعمل على تكييف استراتيجيته وفقا لذلك؛ فها هو يضخم المخاوف، ويستغل حالة عدم الرضا، ويقدم نفسه كبديل مخلص لأولئك الذين خاب أملهم.

إن تداول تسجيل مزيف مؤخرا يحرض على العنف ضد الدروز ليس سوى مثال واحد على الكيفية التي تستطيع بها الجماعة تسليح الوعي الجمعي بنفس الفعالية التي استخدمت فيها القوة في السابق.

لا يحتاج تنظيم “داعش” إلى استعادة المدن كي يستعيد مكانته. ففي دولة لا تزال تعاني من آثار حرب امتدت لأكثر من عشر سنين، يعد انعدام الاستقرار هو الأكسجين الذي يمده بالقدرة على الاستمرار، وللأسف فهواء البلاد مشبع به.

ولكي تتمكن سوريا من المضي قدما، يتعين على الحكومة الانتقالية أن تسعى إلى ما هو أبعد من الاستهداف المباشر لعناصر “داعش”، إذ يتحتم عليها معالجة الأسباب الجذرية من ظلم منهجي، ومظالم لم تعالج، وإقصاء سياسي… وكلها عوامل تغذي التطرف. وفشل الحكومة في الاضطلاع بهذا الدور سوف يمنح “داعش” ما تسعى إليه بالتحديد: طريق العودة من الظلال.

المجلة

—————————

 الداعشية: ثلاث فرضيات ساقطة/ كريم صفي الدين- سلطان الحسيني

الجمعة 2025/07/04

رغم انهيار “الدولة الإسلامية” التي شهدنا انتشارها الواسع في عام 2014، حافظ تنظيم “داعش” على هيكلية وعدد من الموارد والكوادر التي تسمح بالقيام ببعض العمليات العسكرية والانتحارية المباشرة، كتفجير كنيسة مار إلياس في دمشق في 22 حزيران. بعد العملية مباشرةً، كسب التنظيم زخماً إعلامياً وعاد إلى الرأي العام، وتحديداً فيما يخص فهم استدامته، ومن ثمّ البحث في أدوات هزيمته بشكل كامل وحاسم.

بعد سنين من مواكبة تطورات هذا التنظيم، وبعد إنتاج معرفي هائل حول شروط تأسيسه ونموه، وصل بعض الباحثين في شؤون التنظيمات الإسلامية المسلحة إلى عدد من الخلاصات. وتضم صلة التنظيم بالبعثيين العراقيين السابقين، علاقته الملتبسة مع الفكر السلفي الجهادي التقليدي، دور التشنج الطائفي والمذهبي وسط الضجيج الإعلامي العربي والصراع الميداني الحاصل مع التيارات الإسلامية الشيعية، وأزمة “الدولة العربية” المعاصرة بالتأقلم مع ضعفها البنيوي ولغتها الهوياتية، وتداعيات التدخلات الخارجية المتتالية.

رغم هذا الإنتاج المعرفي والتحليلي الضخم، لا يزال الخطاب العام حول التنظيم في الشأن العام يطرح فرضيات تعزز سرديات سياسية قائمة بحد ذاتها، ومرتبطة بشكل عضوي ببعض القوى التي أخذت تستغل “داعش” من أجل مكاسب سياسية معينة. على سبيل المثال، نظام الأسد سوّق نفسه (وتحديداً لبعض المصالح الغربية) كمخلّص أساسي في مواجهة التنظيم، رغم علاقتهما الملتبسة في محطات عديدة. النظام الإيراني استفاد من “أولوية القضاء على داعش”، التي شجعت التنسيق الذي حصل بين إيران وبعض الدول العربية والكبرى (ولا سيما الولايات المتحدة) في العراق، وتحديداً في المناطق التي تهم إيران وميليشياتها الرديفة. على هذا الأساس، كان هدف هذه الفرضيات “المسوّقة”، أولاً “تبرئة” المسؤولين في السلطة السياسية والدينية وعسكرية في المنطقة من “الداعشية”، عبر تغييب النقاش حول السياسات الثقافية والتنفيذية التي ساهمت في تعزيز هذه الحالة.

الفرضية الأولى: داعش مؤامرة خارجية

“داعش أداة أميركية/إيرانية/تركية/أسدية/سعودية…إلخ”، تطفو هذه الفرضية على السطح في وسط أيّ جدل حول التنظيمات المتطرفة على أشكالها، وترى داعش مجرد مؤامرة خارجية محاكة بإتقان من قوى دولية -على رأسها الولايات المتحدة أو إسرائيل- وهي نتاج طبيعي للفكر المؤامراتي السائد في المنطقة، والذي يجد في التفسير الخارجي المبسّط ملاذًا للهروب من مواجهة الحقائق المريرة.

هذه الفرضية تغفل عمدًا الدور الجوهري الذي لعبته الديناميات المحلية والداخلية في ظهور داعش وغيره من التنظيمات المتطرفة. فالتنظيم لم يهبط من الفراغ أو يتم تصنيعه في مختبرات سرية لأجهزة الاستخبارات العالمية، بل وُلد في خضم فوضى سياسية واجتماعية، وبيئة أمنية مدمّرة، كان العراق وسوريا أبرز مسارحها.

تبدأ هذه الفرضية من نقطة انطلاق تاريخية هي الحرب الأميركية على العراق، ولكن من دون الأخذ في بالاعتبار العوامل الجوهرية المساعدة قبل الغزو وبعده. إنّ تحليلًا معمّقًا للتاريخ المعاصر يظهر كيف أن شروط التهميش السياسي والتمييز الطائفي وفشل الدولة في العراق بعد عام 2003، وانهيار الدولة في سوريا بعد عام 2011، هي التي وفرت الظروف الملائمة لنمو التطرف الجهادي. في الواقع، العصبية على أشكالها، التي تولّد حتمًا عصبياتٍ مقابلها، قد تجمح هي الأخرى في تطرّفها وتوجهاتها. هذه العوامل الداخلية عُززت بفعل سياسات إقصائية أنتجتها حكومات نوري المالكي في العراق وبشار الأسد ومن قبله حافظ في سوريا، فضلًا عن الفشل الدولي في معالجة النزاعات الداخلية، ما جعل البيئة مثاليةً لتوسع داعش وترسّخها اجتماعيًا وعسكريًا. كذلك لا نستطيع فصل الحالة الداعشية الأولية في العراق، وتحديداً الحالة التي طغت على “المقاومة العراقية” بعد الغزو مباشرةً، عن “الحالة السلفية” التي عززها صدام حسين في التسعينيات كأداة تكرس سلطته في الفضاء الديني.

إنّ نظرية المؤامرة الخارجية تُضعف بشكل كبير جهود المكافحة الحقيقية للتطرف، إذ تحوّل النقاش من الأسباب الجوهرية إلى تفسيراتٍ وهمية تلقي اللوم على قوى خارجية. ولعل الدراسة التي قدّمها مركز مكافحة الإرهاب (CTC) التابع لأكاديمية ويست بوينت عام 2020، أوضحت بدقة أن داعش نجح تحديدًا لأنّه تمكّن من استغلال نقاط ضعف محلية وإقليمية بنيوية، وليس بسبب دعم خارجي ممنهج. التنظيم نفسه استفاد من هذا الخطاب التآمري في دعايته لجذب المقاتلين الجدد، مصورًا نفسه ضحية تآمرٍ دولي معقّد. وهذا يعزز وضعه كحركة متمايزة في عيون أتباعه ويضفي على حربه شرعية متوهمة.

الفرضية الثانية: داعش لا تمثّل أطراً دينية ومذهبية وسياسية موجودة

“داعش لا تمثّل الإسلام”. في المبدأ، الإسلام، مثل جميع الأديان، ليس قائماً على وجهة واحدة. كثرت المدارس والتوجهات التي عرّفت الثقافة الدينية نسبةً لتفاعلها مع المجتمع وقوانينه. بالإضافة، الحركات الدينية القائمة اليوم هي حركات معاصرة، أي حركات تفاعلت مع الحداثة والتحولات الفكرية والسياسية والتكنولوجية الكبيرة التي حصلت في العقود الأخيرة.

 داعش لا تمثّل الإسلام، ولكن داعش أيضاً ليست منفصلة عن أدبيات الإرث الديني والصراعات الكبيرة التي دامت لقرون بين قوى سلطة مسنودة بقراءة دينية إسلامية. وطائفية داعش “السنية” ليست طائفية مستوردة، بل هي تشبه “الطائفيات” الأخرى القائمة في المنطقة، وهي متمثّلة بـ”هوياتية” حديثة تعبّر عن أزمة استدامة الدولة الوطنية في المنطقة. بعد تفكك الدولة العراقية بعد حرب العراق، ووسط تفكك الدولة السورية (والمجتمع السوري) بعدما حوّل بشار الأسد الصراع السياسي إلى صراع عسكري ودموي، أصبحت “الداعشية” أحد المنابر التنظيمية والفكرية التي عبّرت عن “الهوياتية السنية” كردّ على الصراع السياسي القائم في المشرق العربي.

“الداعشية” وُلدت في المنطقة رُغم تقاطعاتها مع أفكار كوكبية عابرة للجغرافيا، وتحديداً في سياق إبراز تخيّلات عقائدية تضع الإسلاميين في مواجهة حضاروية مع “الغرب”. وتنطلق هذه المواجهة من فرضيات “شبيهة” لإرث بعض التيارات القومية واليسارية سابقاً، رغم الاختلاف الجوهري بين هذه التيارات من حيث التقييم الاقتصادي والديني. وبرز الرد الإسلامي الجهادي على التحديات والتحولات السياسية في القرن الماضي في كتابات المنظّر الإسلامي المصري سيد قطب، وهي كتابات مهّدت لهذا الإطار الإسلامي الثقافوي والحضاروي المتين في تنظيم القاعدة. وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن “داعش” من دون التطرق لتحولات تنظيم القاعدة بعد 11 أيلول وحرب العراق، ومن ثمّ بعد تفاقم الصراع القبلي والمذهبي في سوريا. لذلك، داعش هي نتيجة لوقائع مادية ودولتية وصراعات حديثة من جهة، و”قصص” دينية ومذهبية أعادت “الجهاد” إلى المشهد الإسلامي من جهة أخرى.

وفي إطار تأمّل تطوّر الحركات الدينية المتطرفة، غياب مشروع ثقافي حداثي جامع، قائم على عقلانية علمانية ونهضوية ذات أفق كوني، أدى إلى فراغٍ معرفي وأيديولوجي ملأته الخطابات الهويّاتية المغلقة، الطائفية منها والقومية والدينية، التي سهّلت بدورها بروز سرديات العداء للآخر والانكفاء نحو الانتماء الضيق. هذا التدهور في البنية الثقافية شكّل، وما زال، حاضنة فكرية للتنظيمات المتطرفة.

وغياب الخطاب الذي يكرّس مفهوم “الدولة الوطنية” يعطي مجالاً لبنى تعتبر الهويّة الدينية أو الطائفية مرجعية شاملة،  المسؤولة أولاً لإعادة إنتاج مستمر لـ”داعش” بأقنعة مختلفة.

الفرضية الثالثة: القضاء على داعش يتطلب حكم العسكر والاستبداد

“القضاء النهائي على داعش لا يكون سوى بوجود حكم عسكري واستبدادي”. تحمل هذه السردية في جوهرها تناقضات خطيرة. فيروّج أصحاب هذه الفرضية إلى أن الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية هي رفاهيات تؤدي إلى الفوضى وتفسح المجال للجماعات المتطرفة مثل داعش للظهور والازدهار.

 لكن التاريخ القريب يدحض هذه الادعاءات بالكامل. الأنظمة الاستبدادية في المنطقة، سواء في مصر أو سوريا أو غيرها، كانت دائمًا حواضن للعنف والتطرف، لا مانعةً له.

القمع العسكري والاستبداد السياسي يولّد بصورة مباشرة أو غير مباشرة بيئة خصبة لتجنيد التنظيمات الإرهابية، بسبب فقدان الأمل والتهميش السياسي والاجتماعي، والشعور بالظلم والاضطهاد، مما يدفع قطاعات واسعة من الشباب نحو الخيارات الأكثر عنفًا وعدائية.

إنّ السجن الاستبدادي العسكري في السياقات العربية لم يكن مجرد أداة قمع، بل تحوّل إلى أحد أهم المصانع الفكرية والتنظيمية لإعادة إنتاج الروح الجهادية، تلك التي تتغذى على الإحساس العميق بالمظلومية والمهانة والضعف. فانتعاش سردية المظلومية الهويّاتية والدينية لم يكن نتيجة عرضية، بل شكل جزءًا بنيويًا في ولادة تنظيمات كداعش، حيث مثّلت ردًا عنيفًا على سياسات التهميش والقمع. ويُلاحظ أنّ البنى الفكرية للأنظمة العسكرية الاستبدادية، كالنظام البعثي العراقي، لا تنفصل من حيث الجوهر عن أدبيات الجماعات الجهادية، إذ تقوم على منطق العنف الشمولي والإقصاء والهوس بالهوية والانتصار الرمزي. ولعل أبرز دليل على هذا التداخل البنيوي هو أن نواة القيادة العسكرية والأمنية لداعش والقاعدة في العراق ضمّت العديد من ضباط وقيادات حزب البعث المنهار بعد 2003، ممن استثمروا خبراتهم الأمنية والإيديولوجية في تأسيس جهاز جهادي مركّب يجمع بين خطاب الثأر السياسي والتأويل الديني الراديكالي.

علاوة على ذلك، فإن السردية القائلة بأن الحلّ العسكري الاستبدادي وحده كفيل بإنهاء داعش تتجاهل دروسًا واضحة من التجارب الدولية الحديثة. فحتى وإن تمكنت القوة العسكرية الصارمة من تقويض بنية التنظيم الميدانية بشكل مؤقت، فإنها تعجز تمامًا عن تفكيك الفكرة الجهادية أو علاج الأسباب العميقة التي أنتجتها.

أثبتت التجارب التي مرّت بها الدول في مرحلة ما بعد هزيمة داعش، لا سيما في العراق وسوريا وليبيا، أنّ اعتماد المنطق العسكري والأمني وحده من دون استراتيجيات سياسية واقتصادية واجتماعية، يعني ضمان عودة التنظيمات المتطرفة بأشكال جديدة. فهي ساهمت بخلقها في المرة الأولى، وتحت تسميات مختلفة قد تكون أخطر وأكثر عنفًا من سابقتها.

فإنّ أيّ مقاربة جدية لجذر الظاهرة الداعشية لا يمكن أن تتجاهل الحاجة إلى ثورة ثقافية وتربوية عميقة، تعيد الاعتبار لقيم الحداثة والعقلانية النقدية والإنسانوية، وتُخرج المجال العمومي من أسر الخطابات الدينية التعبوية نحو فضاء سياسي مدني يعترف بالتعدد ويُدار وفق تعاقد اجتماعي جامع. فمن دون هذا، لسنا أمام تهديد من “داعش” واحدة، بل من مئات النسخ الممكنة، التي تجد في أزمة الهوية الثقافية مجالها الحيوي للنمو والانتشار.

المدن

——————————–

“دويلة الهول” شرق سوريا… “قنبلة موقوتة” تنتظر التفكيك/ رستم محمود

يخشى كثيرون من سكان المخيم من أنهم سيظلون عالقين فيه إلى الأبد

آخر تحديث 28 يونيو 2023

بينما كانت السيارة تقلنا من مدينة الحسكة، أقصى شمال شرق سوريا، نحو “مخيم الهول”، الذي يضم عشرات الآلاف من أفراد عائلات مقاتلي تنظيم داعش، عبر الطريق البري التاريخي، الرابط بين مدينة الموصل العراقية وحلب السورية، تنقل وكالات الأنباء عن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن تحذيره من خطورة “الإبقاء على مخيم الهول، لأنه يهدد بعودة التنظيم والإرهاب على مستوى العالم”.

نصل المخيم مع ساعات الصباح الأولى، منحدرين من هضبة “الخاتونية” جنوباً، لنواجه بـ”بحر من الخيام”، وسط صعيد صحراوي جاف، حيث لا صوت ولا حركة ولا ضوء يصدر من المخيم، لكنه ينشر كل أشكال القلق والخوف في مختلف أنحاء العالم.

بعد عملية تدقيق وتفتيش تفصيلية، مررنا خلالها بثلاثة حواجز متتالية، ندخل المخيم من البوابة الشرقية، نسير ببطء بين خيم القطاع الأول القريب من مركز الأمن العام ومقر الأمم المتحدة، نلتفت ورائنا بين كل خطوة وأخرى، يُمعن الأطفال النظر إلينا، بعضهم القليل يبادلنا الابتسامات، بينما تقول النسوة العابرات بالقرب منا “لا تصورونا”.

تتلاشى المخاوف رويداً رويداً، بالضبط حينما نصل واحداً من أسواق المخيم، الذي يشبه باقي الأسواق التي صادفناها في مدن “الجزيرة السورية”، باعة يصدحون بأعلى أصواتهم، محال للبقالة وبيع الأطعمة والألبسة والأحذية والقرطاسيات والحلويات والدجاج واللحوم، وكل شيء آخر قد يخطر في البال.

في المحصلة “مخيم الهول عالم كامل وقائم بذاته”، كما أخبرنا السائق العمومي الذي يعمل على الخط الواصل من مدينة الحسكة إلى المخيم، فيه أسواق ومدارس وملاعب ومساجد وقصابون وحلاقون وعيادات طبية ومكاتب لتحويل الأموال وأخرى للإنترنت والهواتف النقالة وحدائق وساحات عامة ومقار لمنظمات دولية، وصلة يومية ودائمة مع كل ما يحيط به، على الرغم من وجود سياج شائك يحيط به من كل حدب.

للزائر أن يلاحظ مباشرة وجود نسبة قليلة من الرجال من بين المتسوقين. كلهم ملتحون ويرتدون أزياء تقليدية، يردون سلام وتحيات “الزوار/الغرباء” بتحفظ شديد، وتقريباً لا يجاوبون على أي سؤال يُطرح عليهم، ويرفضون إجراء أية مقابلة، ويطلبون خلسة من النساء المرافقات لهم بالابتعاد، ويغادرون دون استئذان.

نسأل صاحب محل يبيع “خضروات طازجة” عن آليات حصوله على بضائعه بشكل يومي، فيخبرنا “عن طريق تجار عموميين من مدينة الهول القريبة، متعاقدين مع إدارة المخيم، ينقلون إلينا كل صباح 100 شاحنة من الخضار والفاكهة واللحوم وباقي المواد، ونحن نبيعها لسكان المخيم”، الأمر نفسه يحدث بالنسبة لمختلف البضائع الأخرى، حيث أسست إدارة المخيم نقطة تبادل تجارية حيوية، بين تجار الجملة خارجه، وأصحاب المحال والباعة المحليين من سكان المخيم. يحدث ذلك بالنسبة للسوقين الرئيسيين وسط القطاعين الرئيسيين، السوري والعراقي، والسوق المؤقتة في “قطاع الأجانب”، الذي يُنصب لساعات قليلة أثناء النهار، ما يلبس أن يُفكك ويغادر الباعة والتجار ذلك القطاع مباشرة.

نعود لسؤال التاجر المحلي عن مصدر الأموال التي يحملها سكان المخيم أثناء التبضع، فيدلنا على عدة مكاتب لتحويل الأموال من مختلف أنحاء العالم إلى سكان المخيم، يحصل المقيمون عبرها على أموال مرسلة من ذويهم، من أية دولة كانت. أما الذين لا تُرسل أموال أو مساعدات عائلية دورية، فأما يحصلون على مبالغ نثرية شهرية من إدارة المخيم والعديد من المنظمات الإنسانية العاملة في المخيم، على شكل سلال ومخصصات لهم ولأفراد عائلاتهم، أو تُخصص لهم إدارة المخيم بعض الأعمال الخاصة ضمن المخيم، بالذات المحال التجارية وعربات النقل وبعض الخدمات الأخرى.

عملياً، لا يحتاج المقيمون في المخيم إلى الكثير من الأموال، فالخدمات العامة كلها مجانية، الكهرباء والتدفئة والماء والخبز والإقامة والطبابة والنقل، ويحصل جميع المقيمين على مساعدات وسلال غذائية أسبوعية، وبعضهم على مساعدات مالية شهرية. فالأموال تلزم فقط لشراء بعض “الكماليات”، من ملابس واتصالات.

أقسام مخيم الهول

 حسب معلومات خاصة وتفصيلية حصلت عليها “المجلة”، فأنه ثمة 49 ألف  شخص راهناً في مخيم الهول، مُقسمين إلى ثلاثة أقسام رئيسية: يشكل العراقيون نصف سكان المخيم بالضبط 24400 مقيم، أغلبهم يعيشون كعائلات كاملة، وأكثر من نصفهم مقيمون في المخيم قبل العام 2019، يليهم السوريون، 17200 مقيم، نسبة قليلة جداً منهم من الرجال، وإلى جانبهم 7400 مقيم أجنبي، كلهم نساء وأطفال، يقيمون في قطاع خاص بهم جنوب المخيم، مغلق تماماً عليهم، ولا يُسمح لهم بالاختلاط بباقي وحدات المخيم الأخرى، كما يُسمح للسوريين والعراقيين أثناء فترات النهار، والمتداخلين في أكثر من وحدة غرب المخيم.

وفق تقسيمات أخرى، فأن الأطفال يشكلون 67 بالمائة من سكان المخيم (33 ألف طفل)، بينما يقل الرجال البالغين عن 15 بالمائة، أغلبيتهم المطلقة من العراقيين، المقيمين في المخيم قبل العام 2019، حينما كان هذا المخيم مركزاً تستقبل فيه السلطات السورية اللاجئين العراقيين من محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين، بينما ثمة 14 ألف امرأة ضمن المخيم.

نسأل المديرة المدنية لمخيم الهول، جيهان حنان، عن آليات التعامل مع هذا العدد الكبير من الأطفال، خصوصاً ضمن هذه البيئة الاجتماعية والحياتية الخاصة، فتجيبنا “توفر إدارة المخيم، بالتعاون مع عدد من المنظمات والمؤسسات الدولية، ثلاثة أنواع من الخدمات لتحسين بيئة وشرط العيش للأطفال، إذ ثمة 29 مدرسة ومركز تعليمي ضمن المخيم، تُدرس مناهج “منظمة اليونسيف” للطلبة، وباللغة العربية، وإلى جانبها ثمة العشرات من مراكز المساندة والتأهيل النفسي للأطفال، أغلبها تعتمد على النشاطات اللاصفية، ومع الشكلين ثمة دورات تدريبية وتنموية ومركز رياضية”.

تشكو إدارة المخيم من سلوك وخطاب “عدواني” مضاد، منتشر بين الأغلبية المطلقة من عائلات المخيم. بناء عليه، يرفضون إرسال أبناءهم إلى المدارس والمراكز التعليمية، يحرضونهم على رفض التعليم وينعتون الإدارة ومناهج منظمة اليونسيف بكل الأوصاف الشائنة.

إعادة تأهيل الأطفال والمراهقين

من مصادر أخرى مقربة من الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، علمت “المجلة” إن إدارة المخيم تعمل على نوع خاص من “إعادة التأهيل” لكل أطفال المخيم حينما يدخلون مرحلة البلوغ العُمري.

فبعد اكتشاف العديد من حالات “اغتصاب الذكور البالغين حديثاً”، قررت إدارة المخيم نقل كل ذكر بالغ من المخيم إلى ثلاثة مراكز تخصصية لإعادة التأهيل، هي مراكز أوركيش وهوري وهلات، تقع تباعا ضمن مُدن القامشلي والقحطانية/تربسبية والحسكة.

ضمن هذه المراكز، يخضع هؤلاء “المراهقون” لدورات تعليمية منهجية مكثفة، إلى جانب نشاطات ذهنية ورياضية وترفيهية وموسيقية وثقافية، يُسمح لهم بزيارة ذويهم مرة كل نهاية أسبوع، وعبر اتصال هاتفي مرة ضمن الأسبوع.

لا تعتبر المديرة الإدارية للمخيم، جيهان حنان، أن برامج “إعادة التأهيل” قد حققت أهدافها بشكل واضح، معزية ذلك إلى قصر الفترة الزمنية، فعائلات مقاتلي تنظيم داعش تم إيواؤهم في المخيم فقط منذ العام 2019، عقب معركة الباغوز، ولأن الحرب تراجيدية بكل أوجهها، فأن عمليات الإرسال كانت تتم بطلب و”رجاء” من مقاتلي داعش أنفسهم، الذين كانوا في نفس ذلك الوقت يخوضون أشرس معركة ضد الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية في منطقة الباغوز، في ربيع العام 2019، التي كانت أخر بقعة مُسيطر عليها من قِبل داعش، استسلم عقبها كل مقاتلي المنظمة الإرهابية، ونُقلت عائلاتهم إلى هذا المخيم.

نظام خاص في مخيم الهول

وصل تعداد المقيمين في المخيم إلى أكثر من 65 ألف مقيم، إلا أن العديد منهم قد تم إخراجهم من المخيم، خصوصاً من السوريين، بعد تدخلات وتعهدات من الزعماء المحليين، هؤلاء الخارجون الذين عاد الكثير منهم إلى تنظيمات وخلايا داعش، وشنوا هجمات على مؤسسات وأفراد قوات سوريا الديمقراطية، فالبقاء ضمن المخيم لم يكن يشكل قطيعة مع الماضي.    

 بالإضافة إلى عامل الزمن الذي تحدثت عنه المديرة الإدارية، فإن البنية التنظيمية ما تزال حاضرة بقوة ضمن عائلات مقاتلي التنظيم، وهو أمر أكده المسؤولون الأمنيون عن المخيم، وبسببه تفشل محاولات إعادة التأهيل.

فطوال السنوات الماضية كشف المفتشون الجنائيون وجود نظام قضائي داخلي متكامل يتم تطبيقه على المقيمين “الحسبة”، تشرف عليه شبكات من سكان المخيم، ويطال كل الأشخاص “المتجاوزين” للمعايير والقوانين التي يؤمن بها تنظيم داعش ويطبقها، والتي تتضمن منع الاختلاط أو سماع الموسيقا مثلاً، وتنهى عن كل تعاون مع إدارة المخيم أو التعاطي مع المنظمات الدولية، وحتى إرسال الأبناء إلى المدارس والمراكز التعليمية والتدريبية.

وصلت العقوبات التي طبقتها “شبكة الحسبة” ضمن المخيم إلى حد “الذبح” أو “السجن ضمن الخيم عبر التقييد بالسلاسل”، وإلى جانبها كل العقوبات الجسدية المتوقعة، بما في ذلك الرجم وقطع الأطراف. كان بعض “قائدات الحسبة” يتسربن عادة من قطاع المقيمين الأجانب لتطبيق حُكم قضائي بالمدانين في القطاعات الأخرى، لكنه أمر أنتهى تماماً، بعد عزل إدارة المخيم لقطاع الأجانب عن باقي القطاعات.

مثل الحسبة، ثمة تنظيم “سياسي” سري كامل ضمن المخيم، يملك برنامجاً وخطاباً وتوجيهات يومية. يعتقد القائمون على المخيم أن “قادة” هذا التنظيم الداخلي على تواصل مع خلايا وشبكات داعش في الخارج. معللين ذلك باستحالة العزلة التامة عن العالم الخارجي، في ظلال توفر أجهزة الاتصال الحديثة، سواء التي يتم شراؤها بشكل نظامي أو تهريبها إلى داخل المخيم.

لكن الجانب الأكثر خطورة في المشهد التنظيمي هو الاستعدادات الميدانية. فالمشرفون لاحظوا الكثير من أنواع التدريبات البدنية التي يزاولها بعض المقيمين بشكل منتظم، ومثلها التدرب على عمليات التمويه والإخفاء، التي طالت في بعض الأحيان لسنوات، تمكنوا خلالها من إخفاء بعض السجناء والأطفال، وحتى الأسلحة المهربة. فخلال حملات التفتيش الأخيرة، عُثر على أسلحة مهربة ومحكومين ويافعين بالغين، حتى أن الحملة التي نُفذت في شهر مارس/آذار الفائت تمكنت من تحرير الفتاتين العراقيتين اليزيديتين (وفاء 17 عاماً وسوسن 26 عاماً) بقيتا مخبئتين كـ”سبايا” ضمن المخيم طوال هذه السنوات، بسبب القدرات اللوجستية للمقيمين.

ثغرات أمنية

فعلياً لا يوجد حضور أمني تفصيلي ودائم للأجهزة الأمنية داخل المخيم، التي تحرس وتغلقه من الخارج فحسب. يختصر وجودها من خلال دوريات تسير عبر مدرعات مصفحة، أو أثناء حملات التفتيش العامة، التي تطال كل المخيم. فمختلف “الغرباء” داخل المخيم معرضون لهجمات ليلية من المقيمين، وصلت في الفترة الأخيرة حد حرق مكتب لمنظمة دولية واعتداء بآلة حادة على حارس أمني داخل المخيم. حتى الدوريات الراجلة تتعرض لهجمات بالحجارة وإساءات كلامية وتهديدات بالثأر، توجه إليهم على الدوام.

ثمة ثغرة أمنية كبرى تتعلق في غياب الأوراق الثبوتية لنسبة واسعة من المقيمين في المخيم، خصوصاً في جناح المقيمين الأجانب. فالعراقيون والسوريون يملكون بطاقات تعريفية، تم تطوريها خلال العام الماضي لتكون معرفة على بصمة العين، لكن الأغلبية المطلقة من العائلات الأجنبية ترفض الكشف عن هويتها الحقيقية، لتجنب الإرجاع ومواجهة محاكمات وعقوبات قد تصل حد الإعدام. (هذه العقوبة غير الواردة في قوانين وتشريعات الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا)

يشكل المقيمون العراقيون جوهر المعضلة الأمنية بالنسبة للمخيم ولكل الإدارة الذاتية شمال شرق سوريا. فغير كونهم يشكلون نصف تعداد المقيمين في المخيم، واستعادتهم من قِبل الحكومة العراقية تعني تجاوز مشاكل الكثافة والتداخل والتكاليف إلى ما دون النصف، فأنهم الكتلة الأكثر رفضاً للعودة، لعدم ثقتهم المطلقة بالوعود التي تطرح عليهم من قِبل السلطات العراقية. فالمقيمين قبل العام 2019، متأكدون من وجود أحكام قضائية غيابية على أغلبيتهم. أما عائلات تنظيم داعش من العراقيين، فمتخوفون من مواجهة أشكال من الثأر الطائفي والمناطقي في حال عودتهم.

لكن هواجس المشرفين على المخيم بالنسبة للمقيمين العراقيين تتعلق أولاً ببقاء تنظيم داعش حيوياً ضمن العراق، الذي لا تبعد حدوده أكثر من 25 كيلومتراً عن المخيم، وتالياً وجود تطلع وإمكانية دائمة لتعرض المخيم لـ”غزو” من قِبل تنظيم داعش.

سوء تنسيق عالمي

ولا تتعاون الحكومة العراقية مع الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا إلا بالحد الأدنى. فاستعادة المقيمين تتم ببطء شديد، وبعد عملية تدقيق تفصيلية مطولة، قد تنتهي برفض الاستعادة لأي سبب ثانوي أو عارض. كذلك لا تعترف الحكومة العراقية بالإدارة الذاتية، ولا تقدم لها أية مساعدات مالية، بما في ذلك فتح المعابر الحدودية والتجارية معها، بغية مساعدتها على التخفيف من الحصار المفروض عليها من قِبل تركيا والنظام السوري، وغالباً فأن التعاون الأمني هو بالحد الأدنى.

الأمر نفسه ينطبق على باقي دول العالم، بما فيهم النظام والحكومة السورية، التي لا تتعاون في سياق استعادة أكثر من 17 ألف سوري إلى مناطقهم الخاضعة لسيطرة النظام. ولا تقدم الأجهزة الأمنية السورية أية سجلات أو أرشيفات أو تعاوناً بيروقراطياً في سبيل تسهيل عودة واندماج هؤلاء السوريين بالحياة العامة في مناطق سُكناهم الأولى. خصوصاً وأن الكثير من المقيمين السوريين ليس من عوائل تنظيم داعش فحسب، بل عدد من التنظيمات المتطرفة المقربة من المعارضة السورية.

ولا تتعاون الدول الأوربية في عمليات استعادة مواطنيها، خشية منها على عدم قدرة نظامها القضائي على التعامل مع هؤلاء، خصوصاً في ظلال غياب القرائن المدينة لهم. أما العديد من الدول العربية التي تملك أعداداً كبير من أبنائها ضمن هذا المخيم، مثل تونس، فإن موقفها وموقعها من الاستقطاب السياسي السوري العام هو ما يمنعها من التعاون. الأمر نفسه ينطبق روسيا والفيدراليات التابعة لها، التي تملك أكبر عدد من المقيمين الأجانب.

تحسين الظروف المعيشية

لا يبدو أن أزمة المخيم ستنتهي في المستقبل القريب، ولأجل ذلك لابد من توفير مناخ “إنساني” ما للعيش ضمنه، كما تشرح المديرة المدنية للمخيم، جيهان حنان، في حديثها مع “المجلة”، مُعددة المساعي التي تبذلها الإدارة في سبيل كسب “رضا” المقيمين، بغية إحداث تغيير ما في رؤيتهم للإدارة والمجتمع المحيط بهم وكل العالم “فعلنا كل شيء لتكون الحقوق الأساسي للمقيمين مصونة. فجميعهم يُعاملون على حدٍ سواء، بغض النظر عن جنسياتهم، أو أفعالهم السابقة أو تطلعاتهم السياسية أو هوياتهم الجندرية. يمكن التأكد من ذلك من خلال ما يحصلون عليه من عناية طبية شاملة ومجانية على الدوام، عبر أربعة مستشفيات وعشرات العيادات المتنقلة.”

وتضيف: “ولأجل تغطية كل تفصيل طبي تخصصي، فإن إدارة المخيم تعاقدت مع مشفيي “الحكمة” و”الشعب” في مدينة الحسكة، لتقديم العلاجات التخصصية والعمليات الجراحية للمقيمين مجاناً. يومياً يُنقل المئات من المقيمين إلى المشفيين لتلقي العلاج والحصول على العناية، بما في ذلك الإقامة والطبابة والحصول على أدوية مجاناً، ولفترات طويلة”.

مثل العناية الطبية، فإن المخيم يحوي على خمسة مساجد، يمارس المقيمون ضمنها كل شعائرهم وعباداتهم الدينية، يتم تعيين الأئمة ومقدمو الخدمة عبر تنسيق بين هيئة العلماء في مدينة الهول والمقيمين ضمن المخيم، الأمر نفسه يتعلق بالدروس الدينية والتربوية التي تُقدم ضمن المساجد.

نفس التفاصيل تُطبق على كل الأحداث والمجريات الأخرى في المخيم، مثل الولادة والحفلات الخاصة والوفيات، التي تتم فيها مراعاة الخيارات الثقافية والقيمية والعرفية للمقيمين بشكل تام. حتى أن الإدارة المدنية والأمنية في المخيم قبلت بوضع “النقاب الكامل” لكل النساء، في سبيل عدم الصِدام لأجل موضوع ديني.

مقابل ذلك، فإن بعض المقيمين الذين تمكنت “المجلة” من تبادل أطراف الحديث معهم، لم يوجهوا انتقادات نسبية للإدارة الذاتية أو للمشرفين على المخيم، خدمية أو أمنية سياسية، بل رؤية وخطاباً صفرياً، غير معترف بأي من الوقائع الموضوعية الراهنة. حتى الذين يملكون بعض الحساسيات الثقافية والمناطقية تجاه بعض المقيمين الآخرين، فإنهم يُجمعون على إنكار كل الوقائع الحالية.

مصدر مقرب من قوات سوريا الديمقراطية يشرح في حديث مع “المجلة” ثنائية علاقة ومسؤولية قواته تجاه هذا المخيم “في الوقت الذي تعرف مختلف الجهات التزامنا بالمعايير العالمية لمثل هذه الأوضاع، بمن فيهم مقاتلو تنظيم داعش أنفسهم، الذين بقوا لشهور يتصلون بقوات سوريا الديمقراطية لإيواء عائلاتهم. ومع ذلك فإن بقاء المخيم على ما هو عليه هو بمثابة قنبلة ذرية وسط السكان المدنيين، الذين يوجهون انتقادات واسعة لآليات تعاملنا مع المسألة. في هذا الوقت، لا تتحمل أي من الدول مسؤولياتها السياسية والأمنية والاقتصادية جراء ذلك. فكيان هش مثل الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا تتحمل هذا العبء النفسي والسياسية والأمنية نيابة عن العالم كله”.

المجلة

————————–

معضلة وزارة الدفاع السورية المزمنة/ عبسي سميسم

لا تزال معظم المناطق السورية تشهد انتهاكات بحق مواطنين، ولا تزال معظم تلك التجاوزات تنسب لعناصر غير منضبطين يتبعون لوزارة الدفاع، ولا تزال الأخيرة تتعاطى مع هذه الانتهاكات التي يحدث بعضها على شكل جرائم قتل باعتبارها أحداثاً فردية تتوعد مرتكبيها بالحساب العسير كلما أثيرت ضجة إعلامية حولها، فيما يُعتَّم على المخالفات التي تمر من دون ضجيج. إلا أن تعدد هذه “الأحداث الفردية” حوّلها إلى ظاهرة تثير العديد من التساؤلات حول طبيعة الدور الذي تقوم به وزارة الدفاع في ضبط الأمن والذي أصبح يشكل تهديداً لحالة السلم الأهلي الذي تعمل الحكومة السورية على تعزيزها، ويخرّب عمل وزارة الداخلية التي يتمتع عناصرها بانضباط جيد في التعاطي مع المواطنين في كل المناطق.

كما تُطرح تساؤلات حول قدرة وزارة الدفاع على دمج الفصائل التي كانت منضوية ضمن الجيش الوطني المدعوم من تركيا فعلياً ضمن مؤسسة وزارة الدفاع، والتحكم بأداء عناصر تلك الفصائل، وحول مدى قدرة الوزارة على محاسبة المخالفين من عناصر تلك الفصائل التي تؤدي دور “الولد السيئ” ضمن تركيبة الحكومة السورية من دون أن تتمكن الحكومة من ضبطها بشكل مقبول. كما أنه ورغم المطالبات الكثيرة والاحتجاجات من قبل سكان المناطق التي تنتشر فيها الفصائل التي تتبع لوزارة الدفاع باستبدال تلك الفصائل بعناصر من الأمن العام، لم تتمكن وزارة الدفاع من اتخاذ خطوات فعلية بهذا الإطار، عدا بعض الإجراءات من قبيل نقل حاجز ارتكب عناصره انتهاكاً خطيراً، أو إطلاق الوعود بمحاسبة مرتكبي الانتهاكات. علماً أن خطر فلول النظام والأفراد أو المجموعات التي تقوم بأعمال خارج إطار القانون من سلب ونهب وتجارة مخدرات قد قل إلى حدود تسمح بالاستعانة فقط بعناصر الأمن العام لضبط الأمن الداخلي.

وما يثير الاستغراب تمسك وزارة الدفاع بقادة الفصائل الأشد ارتكاباً للانتهاكات وترقيتهم وتسويقهم قادةً من الصف الأول ضمن تشكيلة وزارة الدفاع، رغم وضعهم على قوائم العقوبات الغربية، ورغم سجلهم الحافل بالانتهاكات في شمال غرب سورية، ما يدل على احتمال من ثلاثة: إما أن قادة تلك الفصائل قد فُرضوا من دول إقليمية ضمن تشكيلة وزارة الدفاع، أو أن الحكومة غير قادرة على دمج تلك الفصائل فعلياً بحيث تتحكم بأدائهم، فيما الاحتمال الأسوأ هو أن تلك الفصائل تُستخدم فزاعةً لفئات من السوريين ويُربط ما يقومون به بالأعمال الفردية لعناصر غير منضبطين تطلق الحكومة وعوداً بمحاسبتهم كلما شعرت بإحراج.

العربي الجديد

—————————-

تحولات أميركية تعيد رسم المشهد السوري: دعم الحكومة والضغط على “قسد” للاندماج

1 يوليو 2025

تشهد القضية السورية تطورات متسارعة تعكس تغيّرات جذرية في المواقف الدولية والداخلية، حيث برزت تصريحات المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، كإشارة واضحة إلى إعادة تموضع استراتيجي لواشنطن.

وكان باراك قد أكد، في مقابلة مع وكالة “الأناضول”، أن الحكومة السورية هي الجهة الشرعية الوحيدة التي ينبغي التعامل معها في أي مسار سياسي، داعيًا إلى حل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ودمجها ضمن إطار الدولة السورية. ويعكس هذا التحوّل رغبة أميركية في إنهاء الانقسامات وتعزيز استقرار سوريا، في إطار رؤية إقليمية تهدف إلى التهدئة وإعادة البناء.

وفي هذا السياق، تعمل الحكومة السورية على ترجمة هذه التطورات إلى خطوات عملية من خلال الحوار الوطني، فقد عقدت اللجنة المختصة اجتماعات تنسيقية مع وفود من “قسد”، تميّزت بروح من المسؤولية المشتركة، بهدف التوصل إلى تسوية شاملة.

وتجلّت هذه الجهود في انتشار قوات الأمن العام في حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، وإزالة الحواجز الترابية، ما يعكس التزام دمشق بإعادة الأمن والسيطرة. لكن الانقسامات داخل قيادة “قسد” بين تيار يدعم الحل السلمي، وآخر يفضّل التصعيد، تشكل تحديًا كبيرًا أمام تنفيذ الاتفاق. ومن جهة أخرى، يبرز الدور الأميركي كعامل مؤثر في هذه المرحلة.

“قسد” بين ضغط دمشق وتخلّي واشنطن

وكشف مصدر خاص في “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لموقع “الترا سوريا” أن قيادة “قسد” أبلغت جميع المسؤولين العسكريين بوجود مهلة من الحكومة السورية تمتد حتى الشهر التاسع، أيلول/سبتمبر، لتنفيذ اتفاق شامل بين الطرفين، محذّرين من أن عدم الالتزام به سيؤدي إلى فرضه بالقوة العسكرية.

وبحسب المصدر، تشهد قيادة “قسد” انقسامًا داخليًا في الموقف تجاه الاتفاق؛ حيث يؤيد طرفٌ الحلَّ السلمي وتجنّب المواجهة، بينما يدفع طرفٌ آخر نحو الخيار العسكري.

وأضاف المصدر أن مسؤولين أميركيين أبلغوا قيادة “قسد” بشكل صريح أن الخيار الوحيد المتاح أمامها هو تنفيذ الاتفاق، مشيرين إلى دعم واشنطن الكامل للحكومة السورية، التي يعتبرونها “الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري”، مؤكدين أن الولايات المتحدة لن تتدخل لحماية مناطق “قسد” في حال تعرضها لهجوم عسكري.

وتابع المصدر قائلًا إن: “المقاتلين العرب في صفوف (قسد) سينضمون مباشرة إلى وزارة الدفاع السورية، في حين سيتم دمج العناصر الكردية، ويُقدَّر عددهم بـ10 آلاف مقاتل، ضمن تشكيل عسكري خاص يعمل كفرقة مستقلة في شرق سوريا”.

كما أشار إلى وجود خطة لتسليم مدينتي الرقة والطبقة إلى قوات الحكومة السورية في الفترة القريبة المقبلة، إلى جانب تسليم جميع حقول النفط الواقعة تحت سيطرة “قسد” خلال الأسابيع القادمة.

خطة أميركية لتمكين الإدارة السورية الجديدة

وفي حديث لـ”الترا سوريا”، قال الإعلامي السوري الأميركي أيمن عبد النور إن الولايات المتحدة تتبنى خطة تقوم على دعم النظام الحالي، وتحديدًا الإدارة السورية الجديدة، بهدف إنجاح تجربة تراها واشنطن “نموذجًا مهمًا” لإنتاج نظام إسلامي محافظ.

وأضاف عبد النور أن هذا النظام يُفترض أن يعمل ضمن حدود الجغرافيا السياسية، دون الانخراط في مشاريع أممية أو السعي لبناء أمة إسلامية عابرة للحدود. وأوضح أن واشنطن تسعى، في هذا الإطار، إلى تفكيك العقوبات المفروضة على النظام السوري، بغية إزالة أي ذرائع قد تُستخدم لتبرير فشل مستقبلي، مشيرًا إلى أن رفع القيود سيُمنح كأداة لتمكين الإدارة الجديدة من التحرك والعمل بحرية وتحقيق نجاحات ملموسة على الأرض.

هذه التطورات تفتح الباب أمام نقاش معمّق حول مستقبل سوريا وإمكانية تحقيق استقرار دائم. وفي هذا السياق، يقدّم الخبير السياسي السوري يوسف العمر رؤيته حول هذه المرحلة الحرجة، مؤكدًا أهمية الحوار الوطني والالتزام المشترك بين الأطراف لتجاوز سنوات الصراع وبناء سوريا موحّدة. ويُسلّط تحليله الضوء على التحديات والفرص التي تواجه البلاد في ظل التحولات الدولية والمحلية.

يقول يوسف العمر، وهو خبير سياسي سوري، لـ”الترا سوريا”: “إن تصريحات المبعوث الأمريكي توماس باراك تعكس تحولًا جوهريًا في السياسة الأمريكية تجاه سوريا، حيث تتجه واشنطن نحو دعم مركزية الدولة السورية كخطوة لإنهاء الفوضى التي سادت البلاد لسنوات. هذا التحول ليس مجرد تغيير في الخطاب، بل هو إقرار بأن أي حل سياسي مستدام لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التعامل مع الحكومة السورية كممثل شرعي للشعب السوري”.

وأشار إلى أن هذا الموقف يعزز فرص إعادة توحيد البلاد تحت مظلة وطنية واحدة، لافتًا إلى أن دعوة باراك لحل “قسد” ودمجها في إطار الدولة السورية تؤكد أهمية إنهاء الانقسامات العسكرية والسياسية في سوريا. لكنه أضاف أن هذا المسار لن يكون سهلًا، خاصةً مع وجود انقسامات داخل قيادة “قسد” بين تيار يفضل الحل السلمي وآخر يميل إلى المواجهة.

انقسامات “قسد” تعرقل الاتفاق.. والحكومة تمضي في فرض الواقع

وأوضح أن هذه الانقسامات قد تشكل عقبة أمام تنفيذ الاتفاق، لكن الضغوط الأمريكية والموقف الحازم من الحكومة السورية يجعلان من الصعب على “قسد” تجاهل هذا المسار، مشيرًا إلى أن الخطوات العملية التي اتخذتها الحكومة السورية، مثل نشر قوات الأمن في حلب وفتح الطرق، تُظهر جدية دمشق في تحقيق المصالحة الوطنية. وهذه الخطوات ليست مجرد إجراءات أمنية، بل هي رسائل سياسية تهدف إلى طمأنة جميع الأطراف بأن الهدف هو بناء سوريا موحدة.

ومع ذلك، فإن نجاح هذه الجهود يتطلب التزامًا متبادلًا من “قسد”، لا سيما فيما يتعلق بتسليم المناطق الحيوية مثل الرقة والطبقة وحقول النفط.

وأوضح أن “من المهم أن ننظر إلى الدور الأمريكي في هذا السياق بعين ناقدة. فبينما تدعم واشنطن الحكومة السورية الآن، فإن هذا الدعم مشروط بمصالحها الاستراتيجية، بما في ذلك إقامة نظام محافظ يتماشى مع رؤيتها للمنطقة. وهذا يضع الحكومة السورية أمام تحدي الحفاظ على سيادتها الوطنية مع الاستفادة من رفع العقوبات لإعادة بناء البلاد. إن التوازن بين هذه العوامل سيكون حاسمًا في تحديد نجاح المرحلة القادمة”.

ويختم حديثه قائلًا: “سوريا تقف على مفترق طرق تاريخي. إن نجاح الحوار الوطني وتطبيق الاتفاق مع “قسد” يمكن أن يمهّد الطريق لاستقرار طويل الأمد، لكن ذلك يتطلب شجاعة سياسية من جميع الأطراف. على الحكومة السورية أن تواصل نهجها الحواري مع ضمان الأمن، وعلى ‘قسد’ أن تدرك أن المستقبل يكمن في الاندماج ضمن الدولة السورية. إن هذا هو السبيل الوحيد لتجاوز سنوات الصراع وبناء سوريا جديدة، قوية وموحدة”.

الترا سوريا

——————————–

ما جدّيّة تهديد حياة أحمد الشرع؟/ بشار صالح

السبت 5 يوليو 2025

شهدت فترة حكم الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد (1971-2000)، محاولة اغتيال واحدةً موثَّقةً، اتّهمت السلطات عناصر من جماعة الإخوان المسلمين بتنفيذها في سياق الحرب الأهليّة المصغّرة التي كادت تمزّق البلاد بين عامَي 1979 و1982، في ما عُرف بـ”تمرّد الإخوان المسلمين”. وقد استُثمِرَت هذه المحاولة بوصفها مؤشّراً على تهديد داخليّ واسع النطاق، الأمر الذي مهّد لتبنّي الدولة خطاباً أمنيّاً أتاح لها شنَّ حملة قمع منهجيّة استهدفت طيفاً واسعاً من الفاعلين السياسيّين، المنتمين إلى المعارضة السلميّة والمنتمين إلى الحركات المسلّحة. وقد تُوِّج هذا المسار بـ”مجزرة حماة” في عام 1982، والتي تُعدّ من أبرز تجليّات الاستخدام المفرِط للقوّة ضدّ المدنيّين في التاريخ السوري المعاصر.

في المقابل، وخلال بضعة أشهر فقط، تتردّد روايات حول تعرّض الرئيس غير المنتخَب للمرحلة الانتقاليّة في سوريا، أحمد الشرع، لمحاولات اغتيال متكرّرة. غير أنّ غياب المصادر الموثوقة التي تؤكّد هذه الروايات، يطرح تساؤلات حول دقّتها، كما يدفع إلى التفكير في الدور الذي قد تلعبه هذه السرديّات في إنتاج خطاب سياسيّ مشابه لذاك الذي ساد خلال عهد الأسد الأب، بعد محاولة الاغتيال المشار إليها سلفاً.

وتعزّز هذه المخاوف المجازر وحوادث الاستهداف والقمع التي واجهها المدنيّون العلويّون والدروز، في سياق ما قُدِّم بوصفه عمليّات أمنيّةً أو ردود فعل على تحرّكات مشبوهة لـ”فلول النظام السابق”. إلّا أنّ القراءة المتأنّية لهذه الوقائع، في ظلّ الخطاب السائد، توحي بأنّنا إزاء بنية سلطويّة آخذة في الترسّخ، تُعيد توظيف أدوات النظام السابق تحت غطاء مغاير ظاهرياً، لكنه مماثل في بنيته ومخرجاته.

“نحن بحاجة إلى تنسيق نظام حماية حول الشرع”

يوم الأحد 29 حزيران/ يونيو الماضي، نفت وكالة الأنباء السورية “سانا” صحّة ما تناقلته وسائل إعلاميّة عن موقع TRT Golbal التركي، عن “إحباط الجيش العربي السوري والمخابرات التركية محاولةً لاغتيال السيد الرئيس أحمد الشرع خلال زيارته درعا”، في السادس من حزيران/ يونيو 2025.

وكانت يوميّة L’Orient Le-Jour اللبنانيّة الناطقة بالفرنسيّة قد نقلت عن مصادر دبلوماسية خبر نجاة الشرع من محاولتَي اغتيال، في آذار/ مارس ومطلع حزيران/ يونيو الماضيين، مشيرةً إلى تورّط جماعات جهاديّة، بما فيها تنظيم “داعش”، في الأمر. ونسبت الصحيفة إلى أحد الدبلوماسيّين قوله: “يحاول تنظيم داعش حشد مقاتلي هيئة تحرير الشام المعادين للتغييرات التي أجراها الشرع”.

مخاوف هؤلاء الدبلوماسيين هذه يتشاركها المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك، إذ سلّط الضوء في لقاء أجراه معه موقع المونيتور الأمريكي، على التهديد الذي تشكّله الفصائل المنشقّة من المقاتلين الأجانب الذين انضمّوا إلى الشرع في عملية “ردع العدوان” التي أطاحت بنظام بشار الأسد مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2024. وقال باراك إنّه كلّما طال أمد تقديم الإغاثة الاقتصادية لسوريا، “زاد عدد الفصائل التي ستقول: هذه فرصتنا لإحداث بلبلة”، مضيفاً: “نحن بحاجة إلى تنسيق نظام حماية (للشرع)”.

هذا النقاش يطرح السؤال حول جدّية التهديد الذي تمثّله الجماعات المتطرّفة، ولا سيّما المعارِضة منها للإدارة الجديدة، لحياة الشرع؟

فصائل منشقّة؟

بالعودة إلى تاريخ الفصائل التي تشكّلت في أتون الحرب الأهلية السوريّة، برزت جبهة النصرة بوصفها التنظيم الأكثر تماسكاً في بداياته، إلى أن حدث الشرخ في عام 2013 عن تنظيم “داعش” الذي انحازت إليه أكثرية “المهاجرين والأجانب وعدد من السوريّين. وبعد إعلان النصرة فكّ ارتباطها بتنظيم القاعدة، في عام 2016، ظهرت فرصة التحرّر من مندوبيه بعد استخدامهم لاكتساب الشرعيّة في أوساط المجتمع الجهادي. كما سمح تأسيس هيئة تحرير الشام مطلع عام 2017، بالاتّحاد مع فصائل حليفة ورموز مشيخيّة غادرت التنظيم لاحقاً بأشكال مختلفة، إذ تخلّى الكثيرون عن عضويته لصالح “الاعتزال”، نتيجة خلافات أيديولوجية أو إدارية، فيما أسّس منشقّون عنه حركة “حرّاس الدين”، الفرع الرسميّ (المنحلّ) لتنظيم القاعدة في سوريا.

لم تكن هيئة تحرير الشام يوماً “جسماً صلباً على قلب رجل واحد”، وفق تعبير الباحث السوريّ المتخصّص في الحركات الإسلاميّة، حسام جزماتي، إذ تتكوّن من شرائح عديدة ومتباينة، من كتل قائمة على المناطقيّة كجماعة الشرقيّة وتيار بنّش، وأخرى على الأصل العرقيّ في حالة المهاجرين، كالتركستان والأوزبك، وفيها اختلافات بين المتشدّدين والأكثر انفتاحاً، وبين القادة العسكريين والشرعيين والواجهات المدنية.

مع ذلك، يؤكّد جزماتي في مقاله المعنون: “هل تغيّرت هيئة تحرير الشام؟”، والمنشور عبر موقع تلفزيون سوريا، أنّها لا تحوي كتلاً متماسكةً أو شخصيات ذات شعبية فئوية منافِسة، ويرى أنّ إمساك الشرع بخيوط اللعبة داخل تنظيمه يبدو قويّاً ومستمرّاً وغير قابل للانقلاب عليه في المدى المنظور.

من جهة أخرى، لا توجد أيّ مؤشّرات على حدوث شقاق بين الهيئة والمقاتلين الأجانب المنضوين في صفوفها أو المتحالفين معها مثل الحزب الإسلامي التركستاني.

خطر “داعش”؟

وعقب الإطاحة بنظام الأسد، تسلّمت “إدارة العمليات العسكرية” بقيادة الشرع (المعروف حينذاك بـ”الشيخ أبي محمد الجولاني”) زمام السلطة، في ما عُرِفَ إعلاميّاً بـ”الإدارة السوريّة الجديدة”. وفي “مؤتمر النصر” المنعقد يوم 29 كانون الثاني/ يناير 2025، عيّنت الفصائل المجتمِعة الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية، وأعلنت هيئة تحرير الشام حلَّ نفسها، إلّا أنّها واصلت خلال الأشهر التالية العمل على إحكام الإمساك بمفاصل الإدارة الجديدة، حتى بات في الإمكان الحديث عن إحداهما بدلالة الأخرى.

تتّخذ إدارة الشرع من “داعش”، الذي تقدّر القيادة الوسطى الأمريكيّة عدد منتسبيه بـ2،500 مقاتل في العراق وسوريا، دون غيره من الجماعات المسلّحة، شمّاعةً تعلّق عليها فشلها الأمنيّ، وعجزها – في أفضل السيناريوهات – عن ضبط فصائلها المنفلتة، وضلوعها المباشر – في أسوأ السيناريوهات وأرجحها – في جرائم تلك الفصائل.

بعد التفجير الانتحاريّ الذي استهدف كنيسة مار إلياس في حيّ الدويلعة في العاصمة دمشق، في أثناء أداء قدّاس الأحد 22 حزيران/ يونيو الماضي، والذي أودى بحياة 27 شخصاً، فضلاً عن عشرات المصابين، سارعت وزارة الداخليّة السوريّة إلى اتّهام “داعش”، الخصم اللدود لهيئة تحرير الشام، بالوقوف وراءه، حتّى قبل إعلان بدء التحقيقات.

وقدّم المتحدّث باسمها نور الدين البابا، خلال مؤتمر صحافي، عُقِدَ بعد يومين من التفجير، روايةً لتفاصيل العمليّة الإرهابيّة لم تخلُ من ثغرات أشار إليها ناشطون عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إذ أكّد أنّ الانتحاري الذي نفّذ التفجير، والانتحاري الآخر الذي أُلقِي القبض عليه قبل تنفيذ عمليّته، ليسا سوريَّين، ووصلا إلى دمشق عبر البادية السوريّة قادمَين من مخيّم الهول، بمساعدة سوريّ يتزعّم المجموعة التي تتبع لـ”داعش”، وليست لها أيّ صلة بجهات دَعَويّة أو محلية.

في اليوم التالي، نشر المركز الإعلاميّ التابع لقوّات سوريا الديمقراطية (قسد)، بياناً أشار فيه إلى أنّ مخيّم الهول يؤوي عائلات منتسبي “داعش” من السوريّين والأجانب ومعظمهم من النساء والأطفال، لا الإرهابيّين الأجانب، مضيفاً أنّ ذلك “ينفي الفرضيّة التي تقدّم بها المتحدّث باسم وزارة الداخليّة حول انتقال الإرهابيَّين من جنسيّة غير سوريّة من مخيّم الهول”.

في المقابل، لم يتبنَّ “داعش” العمليّة الإرهابيّة على الرغم من احتفاء أنصاره بها وإصدار مدوّنة صوتيّة وبيان يحضّان على استهداف الكنائس.

ونقلت صحيفة الشرق الأوسط السعوديّة، في تقرير بعنوان “دمشق في مواجهة عودة مفاجئة لداعش”، نُشِر يوم 25 حزيران/ يونيو الماضي، ادّعاء قياديّ في “الجيش السوري الجديد”، أي مجموع الفصائل المنضوية شكلياً في وزارة الدفاع السوريّة، أنّ الجيش كشف مخططاً لـ”داعش” لتنفيذ عمل عسكريّ واسع ومفاجئ من خلال السيطرة على أحياء عدّة في مدن رئيسة في وقت واحد.

منذ إعلان جبهة النصرة فكّ ارتباطها بـ”داعش”، بدأت حرب “إخوة النهج” التي شهدت معارك داميةً بين التنظيمَين. ومع إسقاط نظام الأسد، عادت المخاوف من تجدّد نشاط “داعش” إذ عادت سوريا منذ انطلاق “ردع العدوان” إلى صدارة اهتمام صحيفة التنظيم الرسمية، “النبأ”، بشكل متواتر. إلا أنّ الافتتاحيات، والإصدار المرئيّ الذي واكبها، خلت من أيّ وعيد بالعمل ضد حكومة الشرع أو التحريض على ذلك، على ما يلاحظه حسام جزماتي في مقاله المعنون: “هل نخشى من خطر داعش؟”، المنشور عبر موقع تلفزيون سوريا أيضاً.

وباستثناء عمليّتَين تبنّاهما التنظيم ضدّ قوّات الحكومة الجديدة في أيّار/ مايو 2025، توقّفت العمليّات التي كان يشنّها في البادية خلال سيطرة النظام السابق في السنوات الماضية، واقتصرت عملياته على هجمات متفرّقة قليلة الأهميّة ومحدودة التأثير في مناطق سيطرة قسد.

كذلك، يرى جزماتي أنّ الضعف المتزايد للتنظيم لا يكفي لتفسير غياب عمليّاته عن منطقة البادية على الرغم من أنّها كانت أقوى مناطق نفوذه وقوّته الضاربة، ولا يستبعد أن يكون تحييد “داعش” نتيجة اتفاقات قسريّة مخفيّة لعب فيها توازن القوى دوره الحاسم.

“سرايا أنصار السنّة”

في اليوم التالي لتفجير كنيسة مار الياس، أصدر تنظيم “سرايا أنصار السنّة” بياناً أكّد فيه أنّ “ما نُشِر في إعلام حكومة الجولاني عارٍ عن الصحّة، ملفّق لا يسنده دليل، ولا يستقيم في ميزان العدل”، وتبنّى العمليّة ونسبها إلى “الأخ الاستشهادي، محمد زين العابدين، أبي عثمان”. في المقابل، عدّ نور الدين البابا الجماعة “تنظيماً وهميّاً”، زاعماً أنّه “لم يتبنَّ العملية إلّا بعد صدور التحقيقات الأوّليّة عن وزارة الداخليّة”، بخلاف حقيقة تبنّي التنظيم العملية في الساعات القليلة التالية لها.

بحسب معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، تشير المعلومات المتوافرة إلى أنّ سرايا أنصار السنّة أعلنت عن وجودها ككيان منفصل في كانون الثاني/ يناير 2025 (وتدّعي أنّها كانت تنفّذ عمليات اغتيال منذ إسقاط نظام الأسد).

يقود هذه الجماعة أبو عائشة الشاميّ، والشرعيّ أبو الفتح الشاميّ. ويُقدَّر عدد منتسبيها ببضع عشرات يتوزّعون في مدن وبلدات وأرياف عديدة، بعضهم من المقاتلين السابقين في هيئة تحرير الشام.

وهناك مؤشّرات على أنّها استوعبت بعض أعضاء “حرّاس الدين”، الذي أعلن قبل يوم من “مؤتمر النصر” حلَّ نفسه “بقرار أميريّ من القيادة العامّة لتنظيم قاعدة الجهاد” بعدما “أَذِن الله أن ينتصر هذا الشعب المسلم السنّي على طاغية من أظلم طواغيت العصر الحديث، ممّا يعلن عن اكتمال مرحلة من مراحل الصراع بين الحقّ والباطل”.

وبينما أبدت “سرايا أنصار السنّة” تقارباً مع “داعش”، ولم تعارض العمل معه لأسباب أيديولوجيّة، إلّا أنّها تنفي انتماءها إليه. في الوقت نفسه، تمتلك الجماعة وسيلةً إعلاميةً تُسمّى مؤسّسة دابق الإخباريّة، تُحاكي عنوان مجلّة “داعش” الناطقة بالإنكليزيّة “دابق”.

وعلى الرغم من تحذير الجماعة حكومة الشرع من إعاقة عمليّاتها، التي ركّزت على استهداف أعضاء سابقين في نظام الأسد والمدنيّين العلويّين والمرشديّين، واتّهامها بأنّها “انسلخت من ربقة الإسلام انسلاخ الأفعى من جلدها، نكصت على أعقابها، وارتدّت على أدبارها، قد خلعت بيعة الله من أعناقها، ورفعت راية الشِّرك على منابرها”، قالت إنّها لن تهاجم قوّات ومؤسّسات الحكومة ما لم تبادر الأخيرة إلى الصدام، لـ”تتحمّلوا نتيجة حرب أنتم من أشعلها”.

في ضوء ما تقدّم، تبدو الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أنّ التهديد الذي تمثّله أيّ من الجماعات المتطرفة سالفة الذكر على حياة الشرع أو سلطته أقلّ أهميّةً وتأثيراً مما تروّج له بعض الوسائل الإعلاميّة والمصادر الدبلوماسيّة. إلّا أنّ ذلك لا يلغي واقع أنّ “داعش” والتنظيمات المماثلة تزدهر في ظروف الفوضى وغياب الاستقرار، وتُجيد اغتنام الفرص واستغلال الثغرات. وعلى هذا، يكمن السبيل الوحيد إلى إقامة “نظام حماية حول الشرع”، وفق تعبير المبعوث الأمريكي، في تأسيس حكومة انتقاليّة تمثيليّة وتشاركيّة، تعتمد الشفافية، وتستجيب للمظالم، وتصون الحقوق والكرامات؛ حكومة تمثّل السوريين جميعاً.

رصيف 22

———————————–

من قناة تلغرام إلى فصيل شبحي: القصة الغامضة لـ”سرايا أنصار السنة”/ صهيب عنجريني

الأسئلة حول “سرايا أنصار السنة” تتجاوز التحقق من وجودها الفعلي إلى تحليل ما تمثله: هل هي تنظيم ناشئ بالفعل، يتلمّس طريقه في بيئة مضطربة؟ أم أنها ظل رقمي صُمّم لتأدية وظائف أمنية محددة؟

27/6/2025

في منتصف شهر آذار/مارس الماضي، ولغايات بحثيّة، خضت محادثة طويلة مع مصدر “جهادي” معروف. من ضمن تفاصيل عابرة سألته عَرَضًا عن تشكيل جديد كان اسمه قد راح ينتشر على نطاقات محدودة هو “سرايا أنصار السنة”، فأجاب المصدر جازمًا: “مجرّد قناة تلغرام”.

وقتذاك؛ رأى المصدر أننا أمام مجرد اسم “جرى اختراعه لرفع الحرج عن الهيئة”، في إشارة إلى “هيئة تحرير الشام” التي باتت عماد السلطة الحالية في دمشق، وأن الأمر قد لا يعدو كونه “مبادرة فرديّة أو لبضعة أشخاص، يريدون أن ينسبوا التصفيات والاستهدافات إلى هذا الاسم المُخترع”. ثم انتقلنا سريعًا إلى موضوع آخر، أكثر أهميّة.

بعد نهاية تلك المحادثة، عاودت تصفح قناة “تلغرام” المذكورة بشيء من التفصيل، وبالفعل لم يكن فيها ما يثير الاهتمام على نحو خاص؛ مجرد استعراض لانتهاكات وجرائم متفرقة، وتبنٍّ مزعوم لها، مع خطابات تعبوية شعبوية لا تُشير إلى “تأًصيلات شرعيّة” كما هي عادة الجماعات السلفيّة، ولا تُقدم خطابًا متّسقًا، وتحفل بالأخطاء اللغوية. لكن الأيام دارت، وتصدرت “أنصار السنة” واجهة الاهتمام على نحو لافت، خصوصًا إثر تبنّيها الاعتداء على كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق.

تحول دراماتيكي.. Rebranding

ثمة تفاصيل عديدة تستدعي الوقوف عندها في حكاية هذه “السرايا” برغم عمرها القصير، على رأسها أنّها خضعت لما يشبه الـ Rebranding بين أواخر شهر نيسان/أبريل، وأوائل شهر أيار/مايو. شملت العملية إغلاق قنوات “تلغرام” المرتبطة بها، وافتتاح أخرى جديدة، مع “تحديث للهوية البصرية”، فاعتمدت شعارًا جديدًا (Logo)، أضيفت إليه عبارة مُجتزأة من آية قرآنيّة هي: “وقاتلوا المشركين كافّة” (من الآية 36 من سورة التوبة).

أما التفصيل الأهم فمفاده أن “البصمة اللغوية” للمجموعة المزعومة قد تغيّرت بشكل جذري. فصرنا نقرأ عباراتٍ متماسكة، وجملًا فصيحة تكاد تخلو من الأخطاء، حافلة بـ”تأصيلات شرعيّة”، وإحالات، وخوض في قضايا فقهية، ومسائل من قبيل “الولاء والبراء”، و”السياسة الشرعيّة”، ونحو ذلك.

تزامن هذا التغير مع افتتاح قناة خاصة على “تلغرام” باسم “القسم الشرعي – سرايا أنصار السنة”، رُبطت بالقناة الأم من جهة، وبقناة أخرى باسم “د.أبو محمد الشامي” من جهة أخرى، وكلتاهُما أُنشئت في التوقيت ذاته (مطلع شهر أيار/مايو 2025). ويبدو واضحًا أن “الشامي” صبغ “السرايا” بصبغته، فمنشوراته تتكرر في معظم القنوات المرتبطة بها، وأسلوبه بات حاضرًا حتى في البيانات النصيّة التي تصدر عنها.

جماعة بلا بصمة

يُفضي تحليل محتوى جميع القنوات المرتبطة بـ”سرايا أنصار السنة” في نسخها الجديدة إلى جملة ملاحظات مهمة، أبرزها أنها لا تُقدم أي توثيق بصري لأيّ من نشاطاتها وعملياتها، ويقتصر الأمر على إعادة نشر بعض الصور المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي لأشخاصٍ جرت تصفيتهم، أو مواقع شهدت أحداثًا واعتداءات، مع تبنٍّ مزعوم لتنفيذ تلك العمليات.

وعلى نحو مماثل، لا وجود لصوتيّات، أو مقاطع فيديو، أو إصدارات خاصة، ولا حتى لصيغة بصرية موحّدة للبيانات، وهذا يُخالف ما تنتهجه عادة الجماعات “الجهادية” في نشاطها الإعلامي. ولم يكن الأمر مختلفًا جذريًّا في النسخ السابقة من “القنوات” برغم وجود “ذراع إعلامية” تحمل اسم “مؤسسة العاديات”. قد يُردّ الأمر إلى محاذير أمنيّة، لكنه أيضًا قد يعود إلى أن الجماعة في الأصل نشأت بطريقة عشوائية أقرب إلى “نهج الهواة”، وبدون بنية تنظيمية واضحة أو حتى مستترة.

ثمة تفصيل صغير لكنه مثير للاهتمام في دهاليز “تلغرام” الخاصة بالجماعة المذكورة، ففي 8 أيار/مايو الماضي، نشرت قناة تتبع “السرايا” اسمها “قناة النور الدعوية” رابطًا لقناة “تلغرام” جديدة وطلبت من متابعيها دعم هذه القناة لأنها “تابعة لخلايا أنصار السنة في لبنان”، مُعرف القناة الوارد في الرابط يحمل اسم “saraia trabls1″، غير أن الرابط يقود إلى قناة أُعطيت اسم “قناة سوريا الاخبارية”، وتنقل أخبارًا تتبنى أسلوب خطاب “الإدارة الجديدة” في دمشق والوسائل الإعلامية المرتبطة بها، كما تنشر معلومات عن توزيع رواتب وزارة الداخلية، وعمليات الأمن العام، وخلل في تطبيق شام كاش.. إلخ.

“المرجعيّة الشرعيّة”

لا يعدو “أبو محمد الشامي” كونه اسمًا حركيًّا بطبيعة الحال، وهو اسمٌ سبق أن استُخدم في الساحة “الجهادية” مرات عديدة بعضها داخل “النصرة” سابقًا. هذا التشابه في التسمية قد يكون مقصودًا، إما للتمويه، أو لخلق صدى تاريخي في أذهان المتابعين.

ينطبق الأمر على “أنصار السنة”، فعلى سبيل المثال في العام 2013 كانت “جبهة الأصالة والتنميّة” تضم في صفوفها تشكيلًا حمل اسم “كتيبة أنصار السنّة”، فضلًا عن تشكيلين يدور اسماهما في هذا الفلك؛ هما “لواء أسود السنّة”، و”كتيبة صقور السنّة”، بينما تكررت مفردة “السنة” في أسماء عشرات التشكيلات والفصائل. يزعم أبو محمد الشامي في معرض التعريف عن نفسه أنه أستاذ جامعي سابق، وسبق أن كان “عضوًا في هيئات علمية عالمية”، و”باحثًا شرعيًّا في موقع الفتوى العالمي” (إسلام ويب).

يمكننا العثور على مخطوط للشامي على جميع قنوات “تلغرام” المرتبطة بـ”أنصار السنة”، كما على قناته الشخصيّة، وقد حمل عنوان “السّؤالات الشاميّة”. أما مضمونه فأسئلة يقول إنها وُجهت إليه، وردوده عليها، و”فتاواه” بشأنها. تدور معظم الأسئلة حول “فقه الجهاد والعقيدة”، و”السياسة الشرعية والخلافات الفصائلية”، ودور “العلماء والمرجعيات”، فضلًا عن بعض الأسئلة العامة (كتفسير أحاديث نبويّة).

ثمة مفارقة لافتة في المخطوط المذكور، تنبع إمّا من عشوائيّة واعتباطيّة، أو من رغبة في تزوير واختلاق تاريخ لـ”سرايا أنصار السنة”، فالسؤال الأول في المخطوط يخص “السرايا”، وهل “أفرادها مفسدون في الأرض”، كما تتكرر في متنه إشارات إلى كثير من الوقائع والمستجدات الراهنة، بينما يُؤرّخ المخطوط بتاريخ 25 – ذو القعدة – 1445، وهو تاريخ يقابله 2 حزيران/يونيو 2024!

الجولاني هو العدو المُعلن

يقع المخطوط في 160 صفحة تضم أكثر من 26 ألف كلمة، وقد وُضع له غلاف وفهرس بأسلوب بدائي وبإخراج بصري رديء. يتصدر ابن تيمية مرات الاستشهاد داخل الكتاب/المخطوط، فيُحال إليه بوصفه مرجعيّة 41 مرة، فيما يُحال إلى ابن عابدين 9 مرات، وابن القيم 5 مرات وابن حزم 4 مرات، فضلًا عن مرجعيات أخرى متفرقة مثل الشافعي، والطبري وسواهما.

أبرز التفاصيل التي تستوجب الوقوف عندها في “السؤالات الشاميّة” أنّ أيًّا من مفردات “النصارى”، “النصيريون”، “العلويون”، لم ترِد فيه ولا مرّة واحدة، وفي المقابل وردت مفردة “الجولاني” 32 مرة، علاوة على بضع مرات بصيغة ساخرة “الجهلاني”.

اللافت أن الأمر يتكرر في القناة الأساسية لـ”سرايا أنصار السنة” على “تلغرام”، فلا ترِد مفردة “النصارى” منذ إنشاء القناة سوى أربع مرات، وخامسة في صيغة مختلفة “نصارى دمشق”، وهي تلك التي تضمنها بيان تبني الاعتداء على كنيسة مار إلياس. فيما ترِد مفردة “نصيري/ة/يون” ثماني مرات فقط، و”شيعة” مرة واحدة، ولا ترد “روافض” نهائيًا. في المقابل ترد مفردة “الجولاني” 69 مرة، و”الجهلاني” ثلاث مرات.

كيان وظيفي أم نواة تنظيم؟

في المحصلة؛ يبدو تركيز “سرايا أنصار السنة” ومرجعيتها الشرعيّة منصبًّا بشكل أساسي على إظهار العداء تجاه أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) وفريقه، وحكومته، مع بعض الإشارات الواضحة إلى تمجيد تنظيم “داعش”. لنجد أنفسنا مرة أخرى أمام ظاهرة تحتمل تفسيرات متناقضة؛ إذ قد يكون هذا جوهر مُعتقدات “سرايا أنصار السنة” ومحور اهتمامها بالفعل، لكنه في الوقت نفسه قد يُقدّم حزمة “خدمات” للسلطات الحالية في دمشق تتجاوز “رفع الحرج” بأشواط بعيدة. ومن زاوية أخرى، يمكن النظر إلى هذا العداء المعلن بوصفه غطاءً وظيفيًّا يوفر الشرعية لعمليات قد تنفذها أطراف أخرى.

الأسئلة حول “سرايا أنصار السنة” تتجاوز التحقق من وجودها الفعلي إلى تحليل ما تمثله: هل هي تنظيم ناشئ بالفعل، يتلمّس طريقه في بيئة مضطربة؟ أم أنها ظل رقمي صُمّم لتأدية وظائف أمنية محددة، سواء لتبرير عمليات، أو لضرب السلطات القائمة في دمشق، أو حتى لبث خطاب موازٍ يُفترض به أن يُفرغ الراديكالية من قوتها بإشغالها داخليًا؟

أوان

—————————————————–

خيارات «داعش» في سوريا… والاستثمار في «خيبات الجهاديين»/ سلطان الكنج

تهديد علني للشرع… وترقُّب لفتح سجون «قسد»

ى رغم خسارته آخر معاقله في الباغوز القريبة من الحدود العراقية بريف دير الزور في مارس (آذار) 2019، ظل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يشكل تهديداً جدياً لأمن سوريا واستقرارها عبر «مجموعات متنقلة» تنشط عبر البادية السورية. ومع سقوط النظام السوري في ديسمبر (كانون الأول) 2024 كان متوقعاً أن يعيد التنظيم رسم استراتيجياته والتكيّف مع الواقع الأمني الجديد.

ولم تفلح الحملات العسكرية التي شنّها النظام السابق بدعم جوي روسي، والحملات التي شنتها «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) بدعم من طيران التحالف الدولي في القضاء على التنظيم وتهديداته. كما أن سياسات الولايات المتحدة التي ركزت على منع ظهور التنظيم أو عودته إلى المدن مجدداً حققت نجاحات نسبية في إضعاف قدرات التنظيم العسكرية والقضاء على معظم قيادات الصفوف الأولى والثانية فيه، لكن التنظيم لا يزال يشكل تهديداً بشكل ما، وقد يستثمر في الأوضاع الأمنية «الهشة» في سوريا، ومع الانسحاب الأميركي المرتقب.

ولعل أحدث وأبرز تهديد للتنظيم هو البيان المصور الذي أصدره «داعش» في 20 أبريل (نيسان) 2025، مهدداً الرئيس أحمد الشرع، ومحذراً إياه من الانضمام إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب، بعد طلب رسمي أميركي لمشاركة سوريا الجديدة في جهود مكافحة التنظيم وتفرعاته.

الرئيس السوري أحمد الشرع وعقيلته لطيفة الدروبي يستقبلان مجموعة من الأطفال السوريين في قصر الشعب بدمشق أول أيام عيد الفطر (أ.ف.ب)

الرئيس السوري أحمد الشرع وعقيلته لطيفة الدروبي يستقبلان مجموعة من الأطفال السوريين في قصر الشعب بدمشق أول أيام عيد الفطر (أ.ف.ب)

ومنذ سقوط النظام السوري في 8 ديسمبر 2024، رصدت «الشرق الأوسط» تصاعداً لافتاً في خطاب «داعش» الإعلامي عبر مجلة «النبأ»، التي بدأت في شن حملات تحريضية ضد الإدارة السورية الجديدة ورئيسها أحمد الشرع. ركزت هذه الحملات على مهاجمة سعي الحكومة الجديدة لبناء علاقات مع الدول العربية والمجتمع الدولي، عادّةً ذلك «خيانة» لتضحيات السوريين وتنازلاً عن مبدأ «تحكيم الشريعة» الذي لطالما تحدثت به «جبهة النصرة» بقيادة أبو محمد الجولاني (أحمد الشرع) في مرحلة ما، وهو الشعار نفسه الذي يرفعه التنظيم ذريعةً لوجوده، ولكسب المزيد من الأنصار والمؤيدين.

سلسلة ضربات موجعة

لكن واقعياً، وعلى رغم هذا التصعيد الإعلامي، فقد شهد الميدان العسكري تغيراً ملحوظاً؛ إذ اختفى تقريباً النشاط المسلح للتنظيم في البادية، وهو ما أثار تساؤلات عن طبيعة المرحلة المقبلة في استراتيجية التنظيم، لكن لا يخفى أيضاً إن «داعش»، ومنذ ديسمبر الماضي، تلقى سلسلة من الضربات الأمنية المؤثرة؛ ففي 11 ديسمبر، ومباشرة بعد استلامها زمام الأمور في سوريا عقب سقوط نظم بشار الأسد، أعلنت الحكومة السورية الجديدة بقيادة الشرع إحباط مخطط لاستهداف مقام السيدة زينب جنوب دمشق واعتقال خلية تابعة للتنظيم.

وفي 16 من الشهر نفسه، نفذت القيادة المركزية الأميركية غارات جوية قتلت 12 عنصراً من «داعش»، وبعد هذا بثلاثة أيام فقط، قُتل قيادي آخر للتنظيم في دير الزور فيما يعتقد أنه بتنسيق مع الإدارة الجديدة.

وفي 23 ديسمبر، استهدفت غارة أميركية شاحنة أسلحة تابعة للتنظيم، ثم في يناير (كانون الثاني) 2025، دعمت الولايات المتحدة عملية لـ«قسد» أدت إلى اعتقال زعيم خلية هجومية. وفي 16 فبراير (شباط) 2025، اعتقلت السلطات السورية الجديدة أبو الحارث العراقي، المتهم بالتخطيط لهجمات إرهابية داخل العاصمة دمشق.

بعض المراقبين يرجعون السكون الذي يقابل به التنظيم هذه العمليات النوعية، إلى استراتيجية جديدة يتبعها وتقوم على تخفيف الظهور العلني لتقليل الضغط الأمني عليه، وإعادة ترتيب صفوفه بعيداً من الأنظار. كذلك، يبدو التنظيم حريصاً الآن على إعطاء انطباع بأنه غير نشط؛ ما يمنحه فرصة لإعادة بناء خلاياه بهدوء في المدن والقرى بعيداً من رقابة الأجهزة الأمنية المتمركزة في المدن.

تغيير في التكتيك

وخلال سنوات، طوّر «داعش» أساليب قتاله التكتيكية بالاعتماد على هجمات ليلية خاطفة ينفذها أفراد معدودون ضمن «مجموعات صغيرة متنقلة» تضم ما بين ثلاثة إلى خمسة أشخاص سرعان ما ينسحبون إلى مواقع انطلاقهم؛ ما يصعّب تتبعهم ويقلّل من فرص استهدافهم. هذه التكتيكات جعلت التنظيم يحتفظ بحضور نشط دون الحاجة إلى قواعد دائمة أو مراكز قيادية مكشوفة؛ الأمر الذي أربك جهود القضاء عليه لعقود.

وفي مناطق سيطرة «قسد»، تبنى التنظيم نمطاً آخر من العمل، مستغلاً التوترات العشائرية والخلافات المحلية.

مصادر عشائرية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» وكشفت عن أن بعض الهجمات التي استهدفت «قوات سوريا الديمقراطية» نُفذت من قِبل أفراد عشائر محليين، لا يرتبطون تنظيمياً بـ«داعش» بشكل رسمي، ولكنهم تحركوا وفق تكتيك التنظيم للمناورة الأمنية والتخفي؛ ما زاد من صعوبة كشف هوية الفاعلين الحقيقيين، وأضفى طابعاً منظّماً على أعمال فردية متفرقة، وهذا يعني أن التنظيم يجد في هذه البيئة فرصة لزيادة نشاطه ووجوده، مستغلاً غضب المجتمع العشائري على قوات «قسد».

خبرة إدلب والاستراتيجية الشاملة

في السياق، صرح مسؤول في الأمن العام السوري لـ«الشرق الأوسط»، مفضلاً عدم الكشف عن اسمه، قائلاً: «نحن خبرنا (داعش) جيداً في إدلب وتمكنا سابقاً من تفكيك خلاياه، حتى في أوقات كان التنظيم أقوى مادياً وأمنياً، بينما كنا نحن أضعف من اليوم. لكننا الآن أكثر جاهزية وخبرة».

وأكد المسؤول أن الحكومة السورية الجديدة تعتمد «استراتيجية أمنية شاملة تقوم على إعادة بناء الأجهزة الأمنية وتنسيق عملها للكشف المبكر عن الخلايا النائمة، تعزيز التعاون مع دول الجوار لضبط الحدود ومنع عبور المقاتلين، ومواجهة خطاب التنظيم المتطرف عبر حملات توعية مجتمعية ومراقبة النشاط الإلكتروني، وتفكيك البيئات الحاضنة عبر تحسين الخدمات الأساسية، ومكافحة الفساد، وتوسيع برامج التنمية المحلية».

وأضاف المصدر الأمني، أنه لا يستبعد «استهداف التنظيم شخصيات مدنية أو أمنية بارزة عبر عمليات سريعة، مثل تفجير عبوات ناسفة صغيرة، أو تنفيذ عمليات اغتيال انتقائية»، مؤكداً أن «التنظيم في داخل المدن قد يعتمد الخلايا النائمة لتنفيذ مثل هذه العمليات، كما أنه من الممكن له أن يستغل الأحياء العشوائية والمناطق غير المنظمة مخابئ مؤقتة؛ ما يفرض تحديات إضافية على الأجهزة الأمنية».

تحريض ضد الإدارة الجديدة

رأى الباحث في مركز «أبعاد»، عرابي عرابي، أن التنظيم يمر الآن «في مرحلة الإنهاك والاستنزاف، ويحاول تأسيس خلايا صغيرة لضرب الاستقرار الأمني دون أن يسعى للسيطرة على مناطق جغرافية كما كان في السابق»، وأوضح عرابي لـ«الشرق الأوسط» أن التنظيم «يواجه شحاً في الموارد المالية والكوادر البشرية، بالإضافة إلى ضغط إقليمي متزايد بفضل تحسن التعاون الأمني بين سوريا والعراق». لكن، وبحسب عرابي: «سيحاول تنظيم (داعش) استغلال حالات السخط داخل صفوف الفصائل المسلحة الأخرى، خصوصاً بين المقاتلين من ذوي الخلفيات الجهادية الذين قد يشعرون بخيبة أمل تجاه خطاب الحكومة السورية الجديدة الذي يبتعد عن الطرح الإسلامي».

وبحسب عرابي، يعتمد التنظيم على «خطاب تحريضي» متزايد يصور الإدارة الجديدة «خائنةً لدماء السوريين»، مستغلاً قضايا مثل «تأخر العدالة الانتقالية، والشعور بالتهميش الإداري أو الإقصاء السياسي، كما يعمل على بث دعايته عبر قنوات (تلغرام) وشبكات إعلامية سرية».

ولم تستثن هذه الحملات التي تبادلتها مجموعات عبر وسائل التواصل الجانب الشخصي للرئيس الشرع لتحسب ضده تفاصيل كثيرة، بدءاً بمظهره ولباسه والصورة العامة التي يسعى إلى تصديرها للخارج عن حاكم سوريا الجديدة، لا سيما تلك التي جمعته بزوجته في لقاء أنطاليا الأخير.

وتواجه الحكومة السورية الانتقالية تحديات كبيرة في تحقيق الاستقرار الأمني والاقتصادي في البلاد مع واقع معقد يشير إلى انقسامات داخلية وتوترات مع قوات «قسد» في شمال شرقي سوريا ومع بقايا النظام السابق في مناطق الساحل، بالإضافة إلى علاقة شائكة بأبناء الطائفة الدرزية.

في الوقت نفسه، تحاول الإدارة اكتساب شرعية «دولية» وعربية وإرساء أسس حكم فعلي، فحتى الآن لم تعترف الولايات المتحدة «رسمياً»، ولا تزال غالبية العقوبات الدولية مفروضة على سوريا، في حين اتخذت دعوة الرئيس الشرع إلى القمة العربية المقبلة في بغداد مفاوضات دبلوماسية عدّة قبل أن يتم توجيهها بشكل رسمي.

وفي ظل هذه التعقيدات، لا شك في أن تنظيم كـ«داعش» سوف يستغل حالة عدم الاستقرار والفراغ الأمني مع افتقار الحكومة الجديدة إلى قوات كافية لتأمين البادية السورية والمناطق النائية. ويوفّر العنف الطائفي المستمر والعداوات في أجزاء مختلفة من البلاد بيئة مواتية لعمل التنظيم خاصة مع تلكؤ الإجراءات الحكومية في تحقيق العدالة الانتقالية لإنصاف ذوي ضحايا النظام السابق؛ ما يدفع التنظيم إلى أن يقدم نفسه على أنه «البديل» الأفضل من الحكومة للقصاص من المتورطين بالدم السوري، وهذا ما تفصح عنه أدبيات التنظيم وخطابه الإعلامي في الأسابيع الأخيرة، بحسب أكثر من موقع إلكتروني تابع له.

وما يزيد المخاوف أكثر من التجنيد المحتمل بين صفوفه، هو التركيز على إطلاق سراح السجناء من قياداته ومقاتليه ويجاورون بضعة آلاف محتجزين لا يزالون تحت إشراف قوات «قسد» ومصيرهم يخضع لشد وجذب.

لذلك؛ قد تكون مواجهة التنظيم واحدة من أكبر التحديات العلنية والضمنية المطروحة على الحكومة الجديدة؛ لما يتطلبه الأمر من موازنة بين ما تفرضه شروط إدارة دولة من سيطرة على كامل التراب السوري، وتخفيف الانقسامات المجتمعية والصعوبات الاقتصادية من جهة والعمل على تبديد انتشار آيديولوجيا التنظيم وإلحاق المقاتلين والبيئة الحاضنة له بالتغيير الجذري الذي طرأ على «هيئة تحرير الشام» نفسها. وذلك لا يتم إلا بالتنسيق مع الدول الفاعلة لتبادل المعلومات الاستخباراتية وتعطيل القدرات المالية للتنظيم والحد من عمليات التجنيد، إضافة إلى دعم المجتمع الدولي لجهود تحقيق الاستقرار في سوريا.

الشرق الأوسط»

—————————–

 كيف يمكن لسوريا الاستفادة من تجربة ليبيريا في إعادة الإعمار وبناء السلام؟

ربى خدام الجامع

2025.06.18

نشرت مجلة “المراقب الجيوسياسي” (The Geopolitical Monitor) تقريراً تحليلياً سلّط الضوء على إمكانية استفادة سوريا من تجربة ليبيريا في إعادة الإعمار وبناء السلام والمصالحة الوطنية، وذلك في سياق ما بعد الحرب.

وتناول التقرير أوجه التشابه والاختلاف بين التجربتين، مشيراً إلى الدروس التي يمكن لسوريا أن تتعلمها من مسار تعافي ليبيريا بعد الحرب الأهلية التي انتهت عام 2003، مع التركيز على التحديات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، ودور الفاعلين الإقليميين والدوليين في إعادة الإعمار.

يعرض موقع تلفزيون سوريا هذه المادة في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بواقع إعادة إعمار سوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية المنصة ومصادرها، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.

وفيما يلي ترجمة موقع تلفزيون سوريا لهذه المادة:

تماماً كما شهدت ليبيريا تحديات معقدة وهي تسعى نحو نشر السلام بعد انتهاء آخر حرب أهلية فيها عام 2003، كذلك أصبحت سوريا أمام مسار صعب على طريق نشر السلام والمصالحة، غير أن المثال الناجح الذي تحقق في ليبيريا، والتي أصبحت اليوم دولة ديمقراطية ومستقرة، يكشف بأن هذا المسار ليس بمستحيل، وهنالك دروس كثيرة بوسع سوريا الاستفادة منها في هذا المضمار.

إعادة إعمار سوريا: عملية مكلفة لكنها ليست مستحيلة

في ليبيريا، لعبت البعثة الأممية في ليبيريا وغيرها من العناصر الإقليمية الشريكة دوراً مهماً في عملية إعادة بناء البلد، فقد وصل الناتج القومي الإجمالي لليبيريا في عام 1998 إلى 295 مليون دولار، وذلك قبل اندلاع حربها الأهلية الثانية بعام واحد. ومنذ انتهاء الحرب في عام 2003، حصلت ليبيريا على مساعدات وقروض وإعفاءات من الديون وصلت قيمتها إلى ستة مليارات دولار مجتمعة، أي ما يعادل أضعاف حجم اقتصادها في عام 1998.

وبالمقابل، فإن عملية إعادة بناء سوريا قد تصل كلفتها إلى 400 مليار دولار وذلك بحسب مؤسسة كارنيغي، وهذا الرقم أعلى بكثير من إجمالي المساعدات التي رصدت لليبيريا، حتى مع مراعاة نسبة التضخم التي ظهرت منذ نهاية الحرب الأهلية الليبيرية. وفي هذا السياق، فإن الناتج القومي الإجمالي السوري قد وصل في عام 2010 إلى نحو 60 مليار دولار، وذلك قبل عام واحد من اندلاع الحرب السورية، كما أن خطة مارشال التي تأسس بموجبها صندوق الإنعاش الأوروبي قد رصدت 13 مليار دولار لتعافي أوروبا من آثار الحرب العالمية الثانية (ما يعادل بقيمة الدولار اليوم نحو 150 مليار دولار)، وكل تلك الأرقام تقل عن المبلغ الذي حددته التقديرات لإعادة إعمار سوريا، والذي وصل إلى 400 مليار دولار.

غير أن إعادة إعمار سوريا تتطلب التزاماً كبيراً بتقديم الموارد، ولشرح هذه الفكرة نقول بإن إجمالي الثروة في العالم يزداد بسرعة أكبر من وتيرة ازدياد التضخم، ولذلك أصبح إجمالي الناتج العالمي أكبر بخمسين ضعفاً مما كان عليه في عام 1960، والذي وصلت قيمته وقتئذ إلى ما يربو عن 100 تريليون دولار بمقاييس اليوم. وبالمقابل، فإن قيمة الدولار الواحد كانت تعادل في عام 1960 نحو أحد عشر ضعفاً من قيمته في عام 2025، أي أن مبلغ 150 مليار دولار بمقاييس اليوم يعبر عن نسبة ضئيلة من ثروة العالم مقارنة بثروته التي وصلت إلى 13 مليار دولار في عام 1960.

هذا وستلعب الدول الإقليمية دوراً مهماً في إعادة إعمار سوريا، فالناتج القومي الإجمالي للدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي قد وصل إلى نحو 2.1 تريليون دولار، أما تركيا التي تجاور سوريا فيقل ناتجها القومي الإجمالي عن ذلك، حيث وصلت قيمته إلى 1.1 تريليون دولار، ولكن عندما نجمع الناتج القومي الإجمالي لتلك الدول فسنحصل على قيمة تقارب الناتج القومي الإجمالي للمملكة المتحدة والذي يبلغ 3.4 تريليون دولار، في حين تتمتع كل من ألمانيا واليابان والصين والولايات المتحدة بناتج قومي إجمالي أعلى من ذلك.

وعلى أرض الواقع، فإن المجتمع الدولي إن كانت لديه الرغبة والإرادة، فيمكن عندئذ لمزيج من المساعدات والقروض أن يضع سوريا على مسار التقدم الاقتصادي والاستقرار. والأهم من كل ذلك، ستظهر الحاجة عندئذ لتنصيب حراس أشداء يمارسون سلطاتهم ضد الفساد والابتزاز، وهنا يمكننا أن نتعلم الدرس من ليبيريا التي عانت من مصاعب مزمنة مع الفساد، وتلك المصاعب تعلم المجتمع الدولي دروساً تتعلق بكيفية تجنب الوقوع في تلك المزالق مع الحالة السورية، إذ تشمل الأمثلة على ذلك الشفافية الكاملة بالنسبة لمسؤولي الحكومة والوزارات، وبذل ما يكفي من الجد والاجتهاد فيما يتصل بإدارة الأموال، إلى جانب مشاركة الناس في عملية توزيع المساعدات.

ومن المرجح للتوترات الجيوسياسية التي أثرت على سوريا أن تؤثر على الأطراف الذين سيدعمون هذا البلد من خلال المساعدات في نهاية المطاف، فسوريا محاطة بقوى إقليمية تدخلت في الحرب ناهيك عن الانقسامات الطائفية الموجودة فيها، وعندما نقارن ليبيريا بها، نجد بأن التجربة الليبيرية مع الحرب الأهلية كانت مباشرة نسبياً وأثارت جدلاً أقل من سوريا على الصعيد الجيوسياسي. لذا فإن المصالح الجيوسياسية المتعارضة ما بين الجهات الفاعلة الإقليمية مثل تركيا ودول الخليج وإيران تعتبر من أهم القضايا التي ستواجهها سوريا في عملية إعادة بنائها بما أن كل هذه الدول قد دخلت في حالة تنافس على النفوذ الإقليمي.

العمل الجاد على صعيد السلام والمصالحة

تعتبر مسألة تشجيع حالة العودة للإندماج على المستوى السياسي والاقتصادي بالنسبة للمقاتلين السابقين مسألة مهمة للغاية، إذ في ليبيريا، وضعت برامج اقتصادية محددة لإعادة دمج عناصر سابقة من فصائل الثوار، وقد حققت تلك البرامج نجاحاً منقطع النظير. كما استطاع هذا البلد وبكل نجاح أن يدمج عناصر الميليشيات ضمن الجيش، ما أوجد قوة متعددة الأعراق ضمن تلك العملية. ثم خضع الجيش نفسه لتدريب مباشر على حقوق الإنسان، كان الهدف منه تحسين العلاقات بين الجيش والشعب. وفي ليبيريا أيضاً، جرى تشجيع الخصوم السياسيين السابقين على المنافسة في اجتماعات المجلس التشريعي، لا من خلال النزاع المسلح، وذلك بعد خوض السباق الانتخابي. وهذه العملية في سوريا لابد أن تكون صعبة وعسيرة، لأنه من غير المضمون أن تقبل جميع الميليشيات بنزع سلاحها أو تسريح عناصرها، ومن المرجح لإصلاح المؤسسة العسكرية القديمة أن يستغرق سنوات من العمل. غير أن عملية الدمج هذه تعتبر ضرورة أساسية لأي عملية انتقال ناجحة بعد النزاع، كما هي الحال في سوريا اليوم.

ثم إن تمكين المجتمعات التي هُمشت بسبب القتال كان من العناصر الأساسية لنجاح عملية إعادة بناء ليبيريا، إذ أسهم العمل الشعبي الجماعي، إلى جانب تمكين النساء، في ترسيخ استقرار النظام السياسي بليبيريا، كما شجع على مشاركة أطياف متنوعة من المجتمع المدني الليبيري. ولهذا يمكن تطبيق العمليات نفسها في سوريا لترسيخ الاستقرار فيها.

يذكر أن ليبيريا شكلت لجنة لتقصي الحقائق والمصالحة، وشجعت على الحوار ضمن إطار العمليات السياسية الرسمية، فتبنت بذلك أساليب الحوار المتبعة في الدول الديمقراطية الغربية، مثل القاعات التي يجتمع فيها سكان المدينة بالسياسيين وتدار فيها نقاشات عامة وغير ذلك. ولهذا، تحتاج سوريا هي الأخرى إلى تبني سبل وطرائق مماثلة من أجل الحوار إن كانت ترغب بحق في أن تصبح دولة تحكم شعبها بطريقة ديمقراطية.

أهمية المسائل المتعلقة بالحكم

لابد من دراسة وافية لطبيعة أي مؤسسة سياسية جديدة، فقد احتفظت ليبيريا بنظامها الرئاسي بعد نهاية الحرب الأهلية فيها، بيد أن ذلك قد لا يكون الشكل الأمثل بالنسبة لسوريا، إذ بعد مرور أكثر من عقد على محاربة الرئيس المستبد المخلوع بشار الأسد، فإن الاحتفاظ بنظام رئاسي متين قد يعتبر عودة لتلك الممارسات السابقة أيام النظام البائد، وفي حال احتكار فئة معينة للسلطة التنفيذية في البلد عبر النظام الرئاسي، فلابد للانقسامات الطائفية أن تشتد عندئذ.

وبالمقابل، فإن فرض نظام برلماني في سوريا قد يضعف الضوابط وحالات التوازن فيها، كما أن الانقسام الطائفي في سوريا قد يصعب مسألة الحكم عبر البرلمان. لذا فإن تبني نظام شبه رئاسي، يجري من خلاله تقاسم السلطة التنفيذية بشكل فاعل، قد يساعد على تشكيل ائتلاف حاكم إلى جانب التفاوض بين مختلف الفرقاء السياسيين. ولكن قد يتمثل الخطر هنا بظهور حالة شلل سياسي في حال كان الرئيس ورئيس الوزراء ينتميان لحزبين مختلفين.

ثمة خيار آخر مطروح على الطاولة اليوم، وهو سوريا الفيدرالية، بيد أن الخطر الكبير هنا يكمن في احتمال ظهور حالة من عدم الاستقرار جراء التحول إلى النظام الفيدرالي، كما أن هذا النظام قد يضعف الوحدة الوطنية لسوريا ويجعلها عرضة للنفوذ الخارجي مستقبلاً. ونظراً لوجود تكتلات عرقية مثل الكرد في شمال شرقي سوريا الذين سعوا منذ أمد بعيد للتمتع باستقلال ذاتي، إلى جانب العلويين الموجودين في الساحل السوري، فإن النظام الفيدرالي قد يصبح ضرورياً لحماية المصالح السياسية لتلك التكتلات إلى جانب ضمان تأييدهم للدولة الجديدة. وبالمقابل، نجد بأن ليبيريا بقيت دولة موحدة على مدى فترة استقلالها الطويلة.

هذا ويتعين على سوريا أيضاً تغيير نظام انتخاب مجلس الشعب، وذلك لأن نظام التكتل الحزبي الحالي يضمن فوز أكبر حزب ضمن الدائرة الانتخابية بجميع المقاعد المتنازع عليها. وهنا لابد من إيلاء اهتمام كبير بالأقليات حتى تدلي بصوتها، وحتى تكون ممثلة بأحزابها. ثم إن تحديد نسب التمثيل في مجلس الشعب يعتبر وسيلة ناجعة لتحقيق ذلك، بيد أن تطبيق نظام التمثيل النسبي، مثله مثل تبني النموذج الفيدرالي، لابد أن تعترضه عقبات طائفية مماثلة، وبصرف النظر على المشكلات الطائفية والأمنية، قد تجد أكثر الدول استقراراً صعوبة في إصلاح دساتيرها ونظمها الانتخابية.

وهنالك أيضاً تحديات تواجهها سوريا اليوم وواجهتها ليبيريا من قبلها ولكن بنسبة أقل، وذلك لأن نسبة النازحين في الداخل السوري وخارج سوريا تفوق نسب من نزحوا من ليبيريا، فقد نزح الآلاف من الليبيريين وقت الحرب، في حين نزح 14 مليون سوري وسورية خلال الحرب، وهذا ما يؤكد مدى تعقيد عملية إعادة دمج المواطنين النازحين، كما تعرضت ليبيريا لتحديات كبيرة في مجال بناء المؤسسات وعمليات بناء الثقة، وهذه التحديات لابد أن تظهر بصورة أشد وأخطر في سوريا.

على الرغم من أن مهمة بناء سوريا الجديدة منوطة بالسوريين أنفسهم، لا يمكن للمرء أن ينكر أهمية التدخلات الدولية الكبيرة ضمن هذا المسار الشاق الذي ينتظر سوريا. ولكن نظراً لوجود إرادة دولية كافية، فإن الأنموذج الليبيري يشير إلى إمكانية عودة السلام والاستقرار لسوريا.

المصدر: The Geopolitical Monitor

تلفزيون سوريا

—————————-

 باراك: هدفنا حماية حكومة الشرع من جماعات إيران

الخميس 2025/06/26

وضع المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك، حماية حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع على قائمة أهداف الولايات المتحدة، مؤكداً عدم تدخل بلاده في شكل الحكم في سوريا.

خطر “داعش”

وقال باراك إن هدف الإدارة الأميركية في سوريا، هو مكافحة “الإرهاب” والقضاء على تنظيم “داعش”، مؤكداً التزام الولايات المتحدة بالسماح “لنظام” الرئيس الشرع بـ”بإثبات نفسه”.

وأضاف باراك في تصريحات لقناة “العربية”، إن لدى الولايات المتحدة هدف يتمثل بحماية “نظام” الشرع من “الجماعات الموجودة في سوريا لاسيما المدعومة من إيران”.

وأعرب المبعوث الأميركي عن إعجابه بالشرع قائلاً: “أعجبت جداً بتركيز الرئيس الشرع ومعرفته بالتاريخ، وتمكنه من الانتقال من مقاتل إلى رئيس دولة”.

لم نسقط الأسد

وأكد باراك إن الولايات المتحدة لم تكن هي من أسقطت نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، إنما الشعب السوري، مشدداً على أن واشنطن لا تتدخل بشكل الحكم في سوريا، إنما أولوياتها هي تحقيق الأمن والازدهار.

كما دعا المبعوث الأميركي إلى رفع جميع العقوبات عن سوريا، لأجل السماح لها بالنهوض، مؤكداً أن التاريخ أظهر أن سياسة التدخل بالشرق الأوسط لم تنجح.

وتأتي تصريحات باراك كجزء من التحول الجذري في السياسة الخارجية الأميركية، تجاه سوريا، بدأها الرئيس الأميركي دونالد ترامب برفع العقوبات خلال زياراته إلى السعودية في أيار/مايو الماضي، ثم اللقاء التاريخي الذي جمعه بالشرع، وصولاً إلى بدء تنفيذ أمر ترامب برفع العقوبات، وتعيين باراك المقرب من الرئيس الأميركي، كمبعوث خاص إلى دمشق.

تحذير أميركي

ولم تقتصر تصريحات باراك على إظهار الدعم الأميركي الواضح لحكومة الرئيس الشرع، بل تعداها إلى التحذير من محاولات اغتياله، والحاجة إلى تعزيز نظام حماية حوله.

وقبل أسبوعين، قال باراك في مقابلة مع موقع “المونيتور”: “نحن بحاجة إلى تنسيق نظام حماية حول الشرع”، مشدداً على ضرورة تبادل المعلومات الاستخباراتية بين حلفاء الولايات المتحدة لردع “الأعداء المحتملين” من دون اللجوء إلى تدخل عسكري مباشر.

ورأى باراك أن فصائل المقاتلين الأجانب التي قاتلت إلى جانب قوات الشرع في “الحملة الخاطفة” التي أطاحت ببشار الأسد، تمثل تهديداً متزايداً، لا سيما في ظل محاولات تنظيم “داعش” إعادة تجنيدهم، وأضاف “كلما تأخرت المساعدات الاقتصادية، زادت فرص المجموعات المنقسمة لتعطيل العملية السياسية”.

المدن

—————————–

دمشق في مواجهة عودة مفاجئة لـ«داعش»/ سلطان الكنج

مصادر تكشف عن استراتيجية التنظيم في سوريا

25 يونيو 2025 م

أعادت العملية الانتحارية التي استهدفت كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة في دمشق، الجدل حول نشاط «داعش» داخل الأراضي السورية. ورغم اللغط الذي أثاره إعلان «سرايا أنصار السنة» تبنّيها العملية، تتفق مصادر متقاطعة على أن الجماعات المتطرفة، على اختلاف توجهاتها، تنخرط الآن في محاولات حثيثة لتقويض حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع، بدوافع وأساليب مختلفة.

ويكشف قائد في الجيش السوري الجديد عن جانب خطر من محاولات تنظيم «داعش» لتنفيذ عمل عسكري واسع ومفاجئ على دمشق، بالتزامن مع خطط لتغلغل عناصر من البادية إلى المدن، بينما تندفع جماعات أخرى «دعوية» لشن هجمات تحت طائلة الغضب والتوتر من السلطات السورية.

وحذر القائد العسكري من «استراتيجية (داعش) الحالية التي تعتمد الهجرة من البادية إلى المدن والتغلغل فيها وتشكيل خلايا جديدة داخلها». وقال: «لدينا ما يكفي من القدرات للتصدي لخطر التنظيم وتفكيك خلاياه (…) نحن نعرفهم أكثر من غيرنا».

مفاجأة في دمشق

تحدّث القائد في الجيش السوري الجديد عن معلومات حساسة تتعلق بخطط تنظيم «داعش»، مفضّلاً عدم ذكر اسمه، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الجيش تمكن من الحصول على المعلومات بعد نجاحه في الإمساك بخلية تابعة للتنظيم قبل عدة أشهر في مدينة حمص، كانت قادمة من منطقة البادية السورية»، ما يشير إلى استراتيجية يعمل عليها التنظيم للتغلغل من المناطق الصحراوية إلى المراكز الحضرية.

وبعد يوم واحد من الهجوم على الكنيسة، أعلنت وزارة الداخلية السورية، في 23 يونيو (حزيران) 2025، أنها نفّذت «عملية دقيقة» بالتعاون مع جهاز الاستخبارات العامة لتعقّب واستهداف أوكار «داعش» في دمشق وريفها، «خصوصاً التي نفذت الهجوم الإرهابي على كنيسة القديس مار إلياس».

ويقوم مخطط «داعش»، وفق المصدر، على تنفيذ عمل عسكري واسع ومفاجئ، من خلال السيطرة على عدة أحياء في مدن رئيسية في وقت واحد، وكانت نقطة الانطلاق، بحسب الكشف الأمني، ستكون حمص. وقال: «كان تفكيك الخلايا مهمّاً جداً، إذ عززنا الوجود العسكري في حمص وأريافها، وهي ضربة استباقية مهمة لإحباط مخططات التنظيم وتعزيز الاستقرار في سوريا». وتابع: «من ضمن الأهداف التكتيكية لـ(داعش) أيضاً، استهداف أماكن عبادة ومقامات دينية للعلويين والمرشديين والمسيحيين، لإحراج الحكومة السورية، والإيحاء بأن البلاد غير آمنة». وهي استراتيجية اشتهر بها التنظيم في سوريا، وقبلها في العراق، لمحاولة تأجيج الفتنة الطائفية والدينية، وبالتالي تقويض السلطة الحكومية وإظهارها عاجزة عن حماية مواطنيها ومقدساتهم، ما يخدم أجندة التنظيم في إثارة الفوضى وتجنيد المزيد من الأفراد، وفق المصدر.

وكانت تقارير محلية قد أشارت إلى أن تنظيم «داعش» كثّف نشاطه لإعادة هيكلته من جديد، بعد فترة من السبات والترقّب، وهي معلومات لا تزال تحتاج إلى المزيد من التحقق من مصادر مستقلة.

أولوية «داعش»، بحسب معلومات الجيش السوري، والتأثير المأساوي لتفجير الكنيسة الأرثوذكسية، ينسجمان إلى حد بعيد مع الاتهام الفوري الذي وجّهته الحكومة السورية للتنظيم، وحمّلته مسؤولية العملية الدموية، قبل أن تعلن اعتقال أفراد قالت إنهم ينتمون إليه.

فرضيات متقاربة متضاربة

بينما يُعد تفجير «مار إلياس» أول عمل إرهابي من هذا النوع يستهدف مصلّين في كنيسة دمشقية منذ عام 1860،

أيّد كثيرون الرواية الحكومية، سيما وأن خطر «داعش» قائم. لكن مصادر مطلعة اعتبرت أن الحادث وإن اعتمد أساليب مشابهة، إلا أنه لا يتوافق مع «أدبيات داعش» أو منهجه في سوريا عموماً وتحديداً في هذه المرحلة.

وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن «(داعش) لم يسبق له استهداف الكنائس بهذه الطريقة في مناطق سيطرته داخل الأراضي السورية»، مشيرة إلى أن التنظيم «لن يحقق فائدة من ضرب الكنائس بينما يخوض حرباً ضد حكومة الشرع، لتجنب المزيد من النفور الاجتماعي منه». ومنذ بدايات انتشاره في البلدات السورية، كان التنظيم الإرهابي يقوم بتحطيم الصلبان وتكسير أسوار الكنائس ومحتوياتها ورفع رايات التنظيم فوقها. وحدث ذلك في محافظات دير الزور وريفي حمص وإدلب في فترات متباعدة.

وإلى ذلك فإن الكنائس عموماً لم تكن بمنأى عن الاستهداف والقصف من قبل النظام السابق.

ولكن اليوم وبحسب المصادر يركّز «داعش» على أولوية مختلفة، إذ يعمل على «إيذاء مَن يعتبرهم أعداءه من الشخصيات التي تشغل مناصب مهمة في حكومة الشرع». وقالت المصادر إن «أشخاصاً مطّلعين على أدوات عمل التنظيم، وحركته في مناطقه لا يرونه مهتمّاً حاليّاً بتفجير الكنائس ودور العبادة، بل بضرب الحكومة بشكل مباشر».

ويرى كثيرون أن العداء المعلن بين دمشق والتنظيمات المتطرفة، لا سيما «داعش»، يعزّز من ثقة المجتمع الدولي بالحكومة السورية الجديدة، كما أن الأخيرة لا تتردد في اعتقال أفراد هذه الجماعات.

رواية «أهل السنة» الذين يصرّون على التشكيك في مسؤولية «داعش» عن تفجير الكنيسة، تلقي باللوم على متطرفين من جماعة «الدعاة»، وهم جزء من «سرايا أنصار السنة»، كانوا قد اعتُقلوا سابقاً على خلفية تجوالهم في مناطق مسيحية. الجماعة نفسها كانت قد ردّت على بيان الحكومة السورية الذي حمّل «داعش» مسؤولية التفجير، وقالت إن «الاستشهادي محمد زين العابدين أبو عثمان أقدم على تفجير كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة بمدينة دمشق، مخلّفاً عشرات القتلى والجرحى». ووصفت الجماعة بيان الحكومة بأنه «ملفّق وعارٍ عن الصحة ولا يستند إلى دليل». وتوعّدت بأن «جنودها من استشهاديين وانغماسيين على أتم الجاهزية، عدةً وعدداً».

إلا أن وزارة الداخلية السورية واصلت محاولاتها لإثبات صحة روايتها الأولى عن مسؤولية «داعش»، وكشفت يوم 24 يونيو 2025 عن هوية منفذي التفجير وكانا قادمين من مخيم الهول.

حماسة التبني

مع حماسة الجماعة لاحتكار العملية ونفيها عن آخرين مثل «داعش»، لا يتوقف الحديث بين شخصيات مطلعة على طبيعة الجماعات الإرهابية حول حقيقة الجهة التي نفذت عملية الكنيسة. وتُفيد إحدى الفرضيات بأن مجموعة «الدعاة» قد نفذت العملية الانتحارية دون تخطيط مركزي على طريقة «الذئاب المنفردة» بدافع الغضب من تصرفات الأمن العام، الذي اعتقل عدداً من أعضائها بعد قيامهم بجولات «دعوية» في أحياء تقطنها أغلبية مسيحية. وشهدت تلك الجولات مشادات كلامية وتوتراً بين أفراد الجماعة وسكان محليين وشخصيات دينية مسيحية.

وتستند هذه الفرضية، التي تقاطعت حولها عدة مصادر، إلى أن «سرايا أنصار السنة» تبنّت العملية بعد تنفيذها فعلياً.

لكن مصادر أمنية استبعدت تماماً أن تكون عملية بهذا التأثير السياسي والأمني الكبير من تنفيذ جماعة غير تنظيم «داعش»، الذي تثبت خططه أنه يستهدف الحكومة، فيما تسارع الأخيرة إلى اعتباره خصمها الأول.

عزل «داعش» عن الحاضنة

تحاول السلطات السورية اليوم وبشتى الوسائل، عزل «داعش» عن حاضنته السابقة. ويقول وسطاء يعملون على تسهيل المصالحة بين الدولة السورية وأفراد كانوا منتسبين سابقاً للتنظيم، إن «أكثر من 150 شخصاً لم يثبت ارتكابهم جرائم ضد المدنيين، قد تخلّوا عن (داعش) وتم العفو عنهم».

وأوضح أحد هؤلاء الوسطاء، وهو من وجهاء العشائر السورية وفضّل عدم ذكر اسمه، تفاصيل مهمة في هذا السياق، إذ أكد أن «عدداً من المشمولين بالعفو انضموا إلى الدولة السورية بعد تزكية شخصيات دينية وعشائرية لهم». ويميل مراقبون إلى الاعتقاد بأن السياسة التي تنتهجها الحكومة تعكس رغبتها في إعادة دمج عناصر التنظيم غير المتورطين بالدم في المجتمع، لفك ارتباطهم عن التنظيم والتخلص من الأفكار المتطرفة وسحب البساط في المقابل من تحت أقدام «داعش» من التحكم بهم، بما يسهم في إضعافه. وقال الوسيط لـ«الشرق الأوسط»: «طلبنا من الحكومة تسوية أوضاع أعضاء سابقين في (داعش) من غير المتورطين بجرائم، لتشجيع الآخرين على التخلي الكامل عن التنظيم (…) والحكومة تدرك أن الاستمرار في ملاحقتهم سيجعلهم يتمسكون به أكثر». واستدرك الوسيط: «بالطبع لا تزال الحكومة تلاحق شخصيات داعشية متورطة في أعمال عنف ضد هيئة تحرير الشام وضد المدنيين (…). هؤلاء لا شفاعة لهم».

الشرق الأوسط

——————————————–

 واشنطن تؤكد التزامها بتسليم إدارة مخيمات شمال شرقي سوريا إلى الحكومة الجديدة

2025.06.18

أكدت الولايات المتحدة الأميركية التزامها بتسليم إدارة مخيمات شمال شرقي سوريا، التي تديرها “قوات سوريا الديمقراطية – قسد”، إلى الحكومة السورية الجديدة.

وقالت السفارة الأميركية في دمشق، في منشور على صفحتها على موقع “فيس بوك”، إن الولايات المتحدة “تلتزم بعملية انتقال مسؤولة لإدارة المخيمات في شمال شرقي سوريا إلى الحكومة السورية الجديدة، وبالعودة الطوعية للسوريين إلى ديارهم”.

وأشارت إلى أنه في 15 حزيران الجاري، غادرت 42 عائلة سورية، مؤلفة من 178 شخصاً، مخيم الهول بريف الحسكة، عائدة إلى مجتمعاتها الأصلية في مختلف أرجاء سوريا.

وأوضحت السفارة أن هذه العودة المنظّمة تمت بدعم من الولايات المتحدة، وبالتنسيق مع إدارة المخيم، والسلطات المحلية، وشريك المجتمع المدني المتمثل بـ”وحدة دعم الاستقرار” (S.S.U.).

وفد حكومي يزور مخيم الهول شمال شرقي سوريا

زار وفد من الحكومة السورية، برفقة مسؤولين من قوات التحالف الدولي، مخيم الهول بريف الحسكة أواخر شهر أيار الماضي، وأجرى مباحثات مع إدارة المخيم، بحسب ما أفاد مصدر خاص لموقع تلفزيون سوريا.

وأضاف المصدر أن الوفد اجتمع مع مسؤولي الإدارة في المخيم، بحضور ممثلين عن التحالف الدولي، حيث بحث الطرفان آليات التنسيق لإخراج العائلات السورية من المخيم، وتبادل المعلومات، وتعزيز التعاون المتعلق باللاجئين في مخيمات شمال شرقي سوريا.

وقدّم مسؤولو إدارة المخيم شرحاً للوفد الحكومي حول أوضاع المخيم وعدد قاطنيه من السوريين والعراقيين وجنسيات أخرى، إضافة إلى أبرز العوائق التي تواجه عمليات الإخراج، والأوضاع الإنسانية المتدهورة بسبب تراجع دعم المنظمات خلال الأشهر الماضية.

وذكر المصدر أن الوفد الحكومي ضم ممثلين عن وزارتي الخارجية والداخلية، إضافة إلى مسؤولي الاستخبارات ومكافحة الإرهاب، في حين رافقهم مسؤولون مدنيون من وزارة الخارجية الأميركية وقوات التحالف الدولي.

وفي تصريح آخر، قال مصدر مقرّب من “قسد” لموقع تلفزيون سوريا، إن الزيارة جاءت ضمن الاتفاق المبرم بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي في آذار الماضي.

وأوضح المصدر أن الوفد الحكومي سيزور أيضاً عدداً من السجون التي تحتجز عناصر من تنظيم الدولة (داعش) في محافظة الحسكة، وذلك للاطلاع على أوضاعها العامة.

وبحسب المصدر ذاته، فإن الزيارة لا تتضمن أي خطوات تمهيدية لتسليم إدارة السجون والمخيمات إلى الحكومة السورية، مشدداً على أن “قسد” تواصل مسؤولياتها في حماية تلك المواقع بالتنسيق مع قوات التحالف الدولي.

واتفق الطرفان على تشكيل لجان لمتابعة التنسيق والتواصل، مع الإعداد لعقد اجتماعات لاحقة تتعلق بإيجاد آلية لإخراج السوريين من مخيم الهول باتجاه مناطق الحكومة السورية في دير الزور وتدمر وحلب وغيرها من المحافظات، وفقاً للمصدر.

————————–

وزارة الدفاع السورية تبحث ضبط الهيكلة.. هل تنجح في بناء الجيش؟/ عبد الله البشير

18 يونيو 2025

في إطار الجهد لتنظيم البنية الإدارية والعسكرية، وتوحيد الهيكلة والبيانات في المؤسسة العسكرية في وزارة الدفاع السورية، عقد وزير الدفاع مرهف أبو قصرة اجتماعاً مع شعبة التنظيم والإدارة، وفق ما أعلنت الوزارة اليوم الأربعاء، بحث خلاله الترتيبات الإدارية والبنية التنظيمية للقوات المسلحة، بما يضمن ضبط الهيكلية، وآليات إصدار الهويات، وبطاقات حمل السلاح، إلى جانب عدد من الملفات التنظيمية الأخرى، وفق ما ورد عبر صفحة الوزارة.

تنظيم على مراحل

وبخصوص العملية التنظيمية، يرى الباحث والضابط المنشق السابق رشيد حوراني، خلال حديثه مع “العربي الجديد”، أن العملية التنظيمية في الجيش والقوات المسلحة أو في وزارة الدفاع، بدأت على مراحل، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى هي إجراء جرد لكافة الأسلحة الموجودة لدى الفصائل بالدرجة الأولى، ومن ثم تنظيم هذه الأسلحة ضمن وحدات عسكرية مختصة. ويبيّن أن المرحلة الثانية بدأت بتنظيم العناصر، وإجراء جرد نظامي، وإعداد ذاتيات للمقاتلين الموجودين في الفصائل، موضحاً أن هذه المرحلة مرت بعدد من العثرات، منها عدم رغبة بعض العناصر في الاستمرار بالعمل العسكري، ووجود عدد من العناصر غير الملتحقين وفق القوائم.

ويوضح حوراني أنه خلال هذه العملية، تم ضبط كافة العناصر، وإعداد الذاتيات الخاصة بهم في وزارة الدفاع، أي ذاتية مركزية في وزارة الدفاع، من قبل شعبة التنظيم والإدارة، ويضيف: “حالياً يجري العمل على اتجاهين، الأول هو الإعلان عن تنسيب عناصر جديدة لصالح وزارة الدفاع ضمن الوحدات العسكرية المتعددة، والأمر الثاني هو استيعاب الضباط المنشقين أفرادا لا كتلا”. ويقول حوراني: “تم تحديد مقابلات للضباط المنشقين في مقرات في الشمال السوري، ويجري الضباط المنشقون مقابلات في إدارة شؤون الضباط يوم الثلاثاء من كل أسبوع، وهذا الإجراء مفتوح لتلافي صعوبات السفر، أو لمن هم من الضباط خارج سورية ويتمكنون من الحضور إلى إدارة شؤون الضباط في دمشق، لإجراء المقابلة والاطلاع على اختصاصهم، ومن ثم تعبئتهم في المكان الذي يناسب اختصاصهم، ليتم فرزهم في أقرب وقت ممكن إلى المكان الذي يناسب اختصاصهم وإقامتهم”.

ويذكر حوراني أنه خلال المرحلة السابقة أُعدت هيكلية عسكرية للوحدات الميدانية والفرق العسكرية التي وصلت تقريباً إلى ما يقارب 100 ألف بين قادة وعناصر ومقاتلين، ويضيف: “يجري العمل على إنشاء الإدارات والكوادر البشرية المتخصصة بالإدارات، مثلاً، شعبة التنظيم والإدارة هي بمثابة إدارة القوى البشرية في كل الجيوش، وهي موجودة في كل جيوش العالم. لذلك، تم اجتماع بين وزير الدفاع وشعبة التنظيم والإدارة، لأنها مسؤولة عن القوى البشرية في الجيش بشكل عام.

ويردف حوراني بالقول: “بعد الوصول إلى الذاتيات المركزية في شعبة التنظيم والإدارة، يجري العمل حالياً على دراسة إصدار بطاقات عسكرية خاصة بالملتحقين بالمؤسسة العسكرية، وبطاقات حمل السلاح، لأن العناصر السابقة في الفصائل، بشكل خاص، كانت لكل منها بطاقة عسكرية خاصة بها. هذه البطاقات سيتم التخلص منها، واعتماد بطاقة موحدة لكافة العاملين في وزارة الدفاع السورية”.

تخبط في مرحلة التأسيس

من جهته يرى الباحث السياسي أنس الخطيب، أن هناك تخبطاً وخللاً في عملية بناء المؤسسة العسكرية السورية، وضعفاً في المعايير، وتجاوزات للتراتبية العسكرية، موضحاً لـ”العربي الجديد”، أن الجيوش النظامية في مرحلة التأسيس أو إعادة البناء تحتاج إلى الانضباط وفق المعايير الأكاديمية التي تصاحب كل مرحلة من مراحل التأسيس، ليكون المخرج النهائي جيشاً احترافياً.

ويمكن القول إن الجيش السوري يعاد بناؤه بشكل جذري للمرة الأولى منذ 1946، وفق ما بيّن الخطيب، قائلاً: “لكن إعادة البناء هذه تواجه عدداً من التحديات، كنقص الموارد والتنافس الداخلي، وتتأثر بشكل سلبي بعدم الاستقرار السياسي والأمني الحاصل في البلاد، بالإضافة إلى نقص الخبرة والتدريب، خاصة أننا نتحدث عن عملية انتقالية من الحالة الفصائلية والمليشياوية خارج إطار الدولة، إلى حالة الجيش النظامي”.

ويلفت الخطيب إلى وجود أخطاء تزيد من تعقيدات عملية التأسيس، كتجاوز التراتبية العسكرية، وطريقة تجنيد الأجانب، وإعطاء بعضهم رتباً عسكرية عالية، كذلك منح رتب عسكرية عالية لمدنيين وعسكريين دون محددات علمية أكاديمية، مع ضعف في الاستفادة من الضباط المنشقين في تولي المناصب داخل الجيش، أو الاستفادة من الخبرات، رغم وجود بعض المحاولات لسد هذا الخلل، لكنها ليست بالمستوى المطلوب، مضيفاً: “عليه، لابد من مراجعة علمية شاملة لخطط واستراتيجيات عملية إعادة بناء الجيش السوري”.

وكان وزير الدفاع السوري كشف عن أن نحو 130 فصيلاً عسكرياً دخل ضمن الهيكلية التنظيمية للوزارة، بعد توضيح الهيكلية العسكرية لهم، لافتاً إلى أن هذه الفصائل تخضع، بما فيها من وحدات، للبنية التنظيمية للوزارة، وأشار إلى أن بعض الفصائل مُنحت مهلة لمدة عشرة أيام لإتمام الالتحاق بالوزارة، باستثناء مناطق شمال شرقي سورية، كون المنطقة تخضع لاتفاق مختلف تنفذه تمضي الوزارة في تنفيذه.

العربي الجديد

———————————

الهويات الخائفة وسرديات المظلومية.. دراسة لجذور العنف في سوريا

25/6/2025

شهدت سوريا في السنوات الأخيرة تصاعدا ملموسا في حوادث العنف الأهلي، وسط حالة من الانقسام الاجتماعي والسياسي يتداخل فيها البعد الطائفي مع العوامل الاقتصادية والثقافية والسياسية.

وفي هذا السياق، أصدر مركز عمران للدراسات الإستراتيجية دراسة تحليلية موسعة بعنوان “مؤشرات العنف الأهلي في سوريا.. مقاربة نفسية اجتماعية لبنية الصراع المحلي”، للباحثة حلا حاج علي، إذ سلطت الضوء على جذور العنف الأهلي وتداعياته، واستعرضت الآليات الكفيلة بتعزيز السلم الأهلي وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري.

واستعرضت الدراسة عددا من تجارب الدول بعد النزاعات، وحاولت أخذ الدروس الممكنة في بناء السلم الأهلي.

ومن أبرز التجارب التي عرضت لها الدراسة، تجربتي ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية. كما استعرضت الدراسة خروج دول من النزاع وتحقيق السلام بمعنى إنهاء الحرب الأهلية فقط دون تأصيل للتعايش الحقيقي، مثل ما حدث في لبنان بعد اتفاق الطائف، وكذلك في تونس وليبيا واليمن.

مع مقاربة ما سبق بالحالة السورية، تبدو هذه الأخيرة أكثر تعقيدا، بفعل تداخل العنف السياسي مع البنية المجتمعية وتاريخ طويل من القمع والتهميش، إذ راكمت سنوات الصراع في سوريا أنماطا متنوعة من الكراهية وعدم الثقة، أضيفت إلى إرث الحقد الناتج عن سياسات الاستبداد والظلم ما قبل الثورة.

ما يُميّز الدراسة هو تبنيها مقاربة نفسية اجتماعية لا تكتفي برصد الأرقام، بل تغوص في تحليل روافد الصراع والهويات القلقة، وتسلط الضوء على أدوار الجهات الأمنية والمؤسسات المحلية وآليات العدالة الانتقالية والمجتمع المدني في التصدي لهذه الظاهرة.

كما تقدم قراءة معمقة للخطابات المغذية للعنف وتوزع الحوادث على المستويات الجغرافية والاجتماعية، مع اقتراح حزمة سياسات إصلاحية.

تحليل بنية العنف.. الهويات الخائفة وسرديات المظلومية

واعتمدت الدراسة على توثيق 50 حادثة عنف أهلي خلال فترة زمنية محددة، شملت نماذج مختلفة من العنف “التقليدي” المباشر (كالصدامات المسلحة والاشتباكات المحلية)، والعنف “غير المباشر” أو الرقمي، الذي يتم عبر منصات التواصل الاجتماعي والخطابات التحريضية.

وتراوحت دوافع هذه الحوادث بين الطائفية والمناطقية والإثنية والعشائرية والسياسية، إلا أن الدافع الطائفي تصدر المشهد بنسبة 56% من مجموع الحالات المرصودة، في مؤشر خطِر على هشاشة النسيج الاجتماعي.

كما تركزت هذه الحوادث في مناطق ذات تركيبة سكانية متداخلة، يغلب عليها سجل من التعددية وصراعات الولاءات، ما يعكس وجود واقع اجتماعي هش قابل للاشتعال مع كل أزمة أو شرارة.

تذهب الدراسة إلى أن تصاعد مشاعر القلق والخوف ضمن مجموعات سكانية معينة يدفع الأفراد إلى البحث عن الحماية في الهويات الفرعية الضيقة (دينية، طائفية، أو قبلية)، ما يؤدي إلى تكريس الاستقطاب وإضعاف أشكال المواطنة الجامعة. كما خلصت الدراسة إلى أن الفضاء الرقمي تحوّل إلى ساحة صراع موازية، يجرى فيها تبادل الاتهامات والتحريض وترويج روايات المظلومية من كافة الأطراف.

ومن الملاحظ -بحسب الدراسة- غياب ثنائية واضحة بين “ضحية” و”جلاد”، حيث يمتلك كل طرف خطابا متماسكا عن مظلوميته وطموحاته، مع انتشار ظاهرة العدالة الانتقائية واستغلال رواية “الحق” لإقصاء الخصوم وتبرير العنف. كما تؤكد الدراسة، أن هذه الانقسامات الهوياتية تُنتج واقعا اجتماعيا متصدعا يصعب تجاوزه دون مشروع وطني جامع.

العوامل المغذية للعنف

تحدّد الدراسة جملة من العوامل التي تُسهم في إذكاء مظاهر العنف الأهلي في سوريا، من أهمها:

    ضعف دور الدولة المركزية: وغياب سلطة القانون وانتشار السلاح بين المدنيين بما يسمح باندلاع المواجهات بسهولة.

    تراجع الثقة في المؤسسات الأمنية: بفعل ممارسات سابقة ارتبطت بالقمع أو المحاباة أو الفساد، ما يجعل المواطن ينظر إلى الأجهزة الأمنية كجهة غير محايدة.

    تضارب مصالح القوى المحلية: إذ تلعب الولاءات الضيقة (طائفية، عشائرية، حزبية) دورا رئيسيا في تحريك النزاعات.

    العامل الاقتصادي: الأزمات المعيشية وغياب العدالة في توزيع الموارد تؤدي إلى توتر العلاقات الاجتماعية وتصاعد النزاعات على الموارد المحدودة.

    انتشار الخطابات التحريضية: خصوصا على وسائل التواصل الاجتماعي مع غياب الضوابط اللازمة، ما يحوّل الفضاء الرقمي إلى خزان للكراهية والاستقطاب.

توصيات عملية لتعزيز السلم الأهلي

في ضوء ما سبق، قدمت الدراسة حزمة شاملة من التوصيات العملية للجهات الحكومية والمجتمع المدني وصناع القرار، من أبرزها:

    تفكيك العنف الرمزي وإعادة بناء الذاكرة الجمعية

    أكدت الدراسة ضرورة مراجعة الخطابات الرسمية وغير الرسمية التي تحمل مضامين إقصائية أو تبث الكراهية، وإشراك المختصين التربويين والنفسيين في مراجعة المناهج المدرسية وتعزيز قيم التسامح والسلم المجتمعي. كما أوصت بدعم المبادرات الفنية والثقافية التي تعيد صياغة روايات الحرب بصورة إنسانية جامعة.

    إصلاح المؤسسة الأمنية وبناء ثقة المواطن

    دعت الدراسة إلى إعادة هيكلة العقيدة الأمنية، بحيث تتحول من “فرض الأمن” إلى “حماية المواطن”، وتفعيل دور الرقابة المجتمعية والتدريب المشترك بين الأمنيين والمدنيين لتعزيز ثقافة الشراكة.

    هندسة هوية وطنية جامعة

    شددت على أهمية إطلاق حوارات وطنية شاملة، تراعي حساسيات الماضي واحتياجات جميع المكونات، بهدف صياغة ميثاق وطني جديد تضمن فيه العدالة في التمثيل وعدم الإقصاء.

    توسيع صلاحيات الإدارة المحلية وتعزيز اللامركزية

    طالبت بإعطاء مجالس الإدارة المحلية صلاحيات أوسع باستخدام أدوات رقمية لتعزيز الشفافية والرقابة الشعبية على الخدمات والموارد.

    تفعيل عدالة انتقالية شاملة

    أوصت الدراسة بإعطاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية دورا أكبر في جبر الضرر ومعالجة ملفات الضحايا والمغيبين، جنبا إلى جنب مع إطلاق برامج اقتصادية تكافح آثار التهميش والإقصاء.

    دعم وتمكين المجتمع المدني

    أكدت أهمية توفير التمويل والإمكانات لمنظمات المجتمع المدني المستقلة، وإشراك الجاليات السورية في الخارج في جهود المصالحة وبناء المشاريع التنموية.

    تطوير الفضاء الرقمي للحوار

    حثت على دعم المنصات الرقمية المستقلة والمنتديات الحوارية، وسن تشريعات صارمة تجرم التحريض وخطاب الكراهية الرقمي، مع بناء شراكات مع شركات التكنولوجيا.

خاتمة

تختتم الدراسة بالتأكيد على أن الطريق إلى السلم الأهلي في سوريا ليس دربا قصيرا، بل يتطلب شجاعة سياسية وإرادة جماعية ومشروعا وطنيا جامعا يعيد الاعتبار لفكرة المواطنة ويلتزم بحقوق الإنسان والمساواة. وترى الدراسة أن التصدي لجذور العنف وتحقيق الاستقرار لن يتم من بإجراءات أمنية أو سياسية منعزلة، بل بمعالجة شاملة للانقسامات وإعادة بناء الثقة والذاكرة الجمعية.

وبذلك تضع الدراسة أمام صناع القرار والمجتمع السوري خارطة طريق عملية للتعافي المجتمعي، محذرة من أن تجاهل هذه التوصيات سيعني استمرار العنف الأهلي، وترسيخ الانقسامات، وعرقلة أيّ فرص حقيقية لإعادة بناء سوريا على أسس مستدامة من العدالة والسلام.

إن غياب الحرب لا يعني بالضرورة حضور السلام، طالما أن الخوف من الآخر وما ينتجه من تباعد بين الهويات الفرعية عن الهوية الوطنية حاضرا على الساحة السورية، وعليه فإنه لا يمكن الخروج من حالة التمزق المجتمعي نحو أفق التعايش المشترك بحلول أمنية أو سياسية ضيقة ومؤقتة، بل يتطلب مشروعا إستراتيجيا طويل الأمد يعيد بناء الدولة من القاعدة، أي من الإنسان، ويعيد صياغة العقد الاجتماعي والرمزي لدى السوريين.

المصدر: الجزيرة

———————————

3 تحديات أمنية تواجه الحكومة السورية رغم الاستقرار التدريجي/ فراس فحام

18/6/2025

بسقوط نظام الأسد في سوريا في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، سقطت المنظومتان الأمنية والعسكرية بالكامل، ورغم حلول مؤسسات حكومة الإنقاذ السابقة القادمة من إدلب محل المؤسسات المنحلة فإنها لم تكن كافية لملء الفراغ الكبير.

وفي وقت تستكمل فيه الحكومة السورية المشكّلة حديثا تشكيل وإعادة هيكلة المؤسستين الأمنية والعسكرية في البلاد وتوحيد الفصائل الثورية وجمع السلاح تعاني البلاد من تهديدات أمنية مستمرة، على رأسها استمرار نشاط فلول نظام الأسد بالتوازي مع تقارير عن التحاقهم بمناطق قوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال شرق البلاد.

وبالإضافة إلى تصاعد عمليات تنظيم الدولة الإسلامية يتزايد التوتر على خلفية الغضب الشعبي وعدم الرضا عن سير ملف العدالة الانتقالية، خاصة مع إعلان الإدارة السورية بشكل واضح عن وجود تعاون بين قيادات سابقة في نظام الأسد من أجل الاستقرار.

فلول نظام الأسد

في مطلع يونيو/حزيران الجاري أصدر نشطاء سوريون مهتمون برصد الأوضاع في مناطق شمال شرق سوريا الخاضعة لسيطرة “قسد” تقارير تؤكد استمرار التحاق فلول نظام الأسد بهذه القوات.

ووفقا للتقارير، فإن “قسد” -التي احتوت بالأصل عناصر سابقة من نظام الأسد بعد سقوطه- فتحت الباب للمتطوعين القادمين من الساحل السوري ومحافظتي حمص وحماة، حيث نظمتهم ضمن تشكيلات جديدة، ويناهز عددهم 6 آلاف عنصر.

وبحسب المصادر، فإن “قسد” وزعت هذه التشكيلات على منطقتي الطبقة والمنصورة في محافظة الرقة، بالإضافة إلى حقلي العمر وكونيكو في دير الزور.

وأفاد نشطاء ينحدرون من منطقة شمال شرق سوريا لموقع الجزيرة نت بأن “قسد” تعمل على تعزيز هيكلها بالعناصر العربية لتعويض النزيف الذي أصابها بعدما بدأت العناصر العشائرية العربية المحلية بالانفضاض عن التنظيم إثر سقوط نظام الأسد، مع تفضيل الالتحاق بالمؤسسة الأمنية التي تؤسسها الحكومة الجديدة، خاصة في محافظة دير الزور.

وفي الأسبوع الثاني من يونيو/حزيران الجاري اندلعت اشتباكات بين الفرقة 66 التابعة للجيش السوري الجديد وتشكيلات تتبع لقسد شرق محافظة الرقة، مما أدى إلى سقوط قتلى بعد استخدام القذائف الصاروخية للمرة الأولى عقب الإعلان عن الهدنة بين الطرفين في مارس/آذار الماضي.

وتشهد مناطق شمال شرق سوريا -خاصة محافظة دير الزور- ارتباكا أمنيا وعمليات اغتيال شبه يومية، في ظل انتقادات كثيرة يوجهها الأهالي للجهاز الأمني الرسمي في المحافظة، مع الحديث عن احتوائه على عناصر كانوا سابقا ضمن الأجهزة الأمنية لنظام الأسد.

فقد نشر نشطاء من دير الزور معلومات تؤكد التحاق عناصر كانوا يعملون سابقا لدى النظام ضمن الفوج الـ47 الذي كان محسوبا على الحرس الثوري، وهذا ما دفع وزارة الداخلية السورية إلى الكشف عن تعليق عمل المئات من العناصر من أجل دراسة ملفاتهم مجددا.

وعلى الرغم من انخفاض نشاط فلول نظام الأسد في منطقة الساحل السوري ومحافظة حمص بعد الموجة الكبيرة لنشاطهم والتي بلغت ذروتها في مارس/آذار الفائت فإن الهجمات لم تتوقف بالكامل.

ونفذ عناصر مسلحون في اللاذقية منتصف يونيو/حزيران الجاري هجوما على عائلة تستقل سيارة لوحاتها صادرة عن محافظة إدلب، ظنا منهم أنها تتبع للأمن السوري.

كما شهدت منطقة تل كلخ في محافظة حمص هجمات لفلول الأسد، مما دفع الحكومة السورية إلى إرسال تعزيزات للمنطقة وتنفيذ حملة أمنية لتحييد العناصر المهاجمة.

نشاط خلايا تنظيم الدولة

في 30 مايو/أيار الماضي تبنى تنظيم الدولة هجوما على فرقة تتبع للجيش السوري الجديد نتج عنه مقتل عنصر وإصابة 3 آخرين من الفرقة 70، حيث تم تنفيذ الهجوم بعبوة ناسفة استهدفت آلية تتبع للفرقة في منطقة البادية السورية قرب محافظة السويداء.

التنظيم استبق هذا الهجوم بشن حرب إعلامية على الرئيس السوري أحمد الشرع بعد لقائه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في العاصمة السعودية الرياض منتصف مايو/أيار الماضي، حيث اتهم التنظيم في زاوية خصصها ضمن صحيفة نبأ التابعة له الشرع بالتفريط بالشريعة مقابل الدعم الأميركي، ودعا المقاتلين الأجانب إلى الانضمام له.

وفي 12 يونيو/حزيران الجاري نقلت وكالة رويترز عن 20 مصدرا -بينهم مسؤولون أمنيون وسياسيون في سوريا والعراق والولايات المتحدة وأوروبا- تأكيدات بأن تنظيم الدولة بدأ إعادة تنشيط مقاتليه في العراق وسوريا، حيث يقوم بالدعاية لتجنيد المقاتلين مع توزيع الأسلحة.

كما أشارت المصادر إلى وجود قلق من انتقال مقاتلين أجانب مجددا إلى البلدين من أجل الالتحاق بالتنظيم.

وفي مطلع يونيو/حزيران الجاري سربت مصادر أمنية معلومات تفيد بتعيين تنظيم الدولة واليا في حلب يدعى أبو دجانة الجبوري وينحدر من العراق، مشيرة إلى أن سبب تعيينه هو عمله سابقا في تنظيم “جبهة النصرة”، وهو الاسم السابق لهيئة تحرير الشام قبل إعلان انفكاكها عن تنظيم القاعدة، وبالتالي فإن أبو دجانة يمتلك معرفة عن هياكل التشكيلات العسكرية التي كانت تابعة لـ”تحرير الشام” وتنشط حاليا ضمن الجيش السوري.

وفي منتصف مايو/أيار الماضي كشفت وزارة الداخلية السورية عن مداهمة مقرات يتوارى فيها عناصر من تنظيم الدولة ضمن أحياء حلب الشرقية شبه المهجورة، والتأكيد على إلقاء القبض على عناصر لخلايا تابعة للتنظيم.

وأكد مصدر أمني سوري للجزيرة نت أن خلايا تابعة لتنظيم الدولة أعادت بالفعل انتشارها في سوريا منذ بداية يونيو/حزيران الحالي، وتتمركز حاليا في بعض المناطق بريف دمشق وريف حلب، بالإضافة إلى مدينة دير الزور وما حولها، لكن دون رصد أي نشاط عسكري لها حتى اللحظة.

فجوات أمنية ومرحلة حساسة

وسلط معهد واشنطن للدراسات في تحليل صادر عنه أواخر مايو/أيار الماضي الضوء على عودة نشاط تنظيم الدولة، مشيرا إلى تنفيذه أكثر من 30 عملية منذ مطلع عام 2025.

وحذر المعهد في دراسته من قدرة التنظيم على إحداث اضطراب كبير في سوريا التي تمر بمرحلة انتقالية حساسة، وأوصى باستكمال تنفيذ الاتفاق بين الحكومة السورية وقسد، والذي ينص على سيطرة الحكومة على محافظة دير الزور، وبالتالي توحيد الإدارة في المحافظة، مما سيمنع التنظيم من استغلال الفجوات بين مناطق السيطرة المتباينة.

من جانبها، تدرك الحكومة السورية فيما يبدو أخطار عودة نشاط التنظيم في المنطقة وسوريا، وبناء عليه دخلت ضمن غرفة عمليات إقليمية تم الكشف عن تأسيسها أواخر مايو/أيار الفائت خلال اجتماع عقد في الأردن، وتضم الغرفة تركيا والأردن وسوريا والعراق ولبنان.

كما تحرص دمشق على تطوير التنسيق الأمني مع بغداد لمواجهة هذا التهديد، حيث استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع خلال يونيو/حزيران الجاري المبعوث العراقي للملف السوري عزت الشابندر، وذلك بعد شهرين من زيارة رئيس المخابرات العراقي حميد الشطري إلى دمشق.

التوترات الأمنية بسبب العدالة الانتقالية

يزداد التوتر الأمني في سوريا بشكل ملحوظ منذ المؤتمر الصحفي الذي عقده حسن صوفان عضو لجنة السلم الأهلي المنبثقة عن الحكومة السورية في الأسبوع الثاني من يونيو/حزيران الجاري، بعد اعتراضات شعبية على إطلاق سراح العشرات من عناصر وضباط سابقين في نظام الأسد.

وبدلا أن يساهم المؤتمر الصحفي في تهدئة الشارع السوري المطالب بمحاكمة الضباط والعناصر السابقين في نظام الأسد انطلقت إثره موجة اغتيالات في مختلف المناطق السورية -خاصة محافظة حمص- طالت عناصر وضباط سابقين في نظام الأسد.

ولم تلق تصريحات صوفان القبول، خاصة تأكيده على أن قيادات سابقة في نظام الأسد مثل القيادي في مليشيا الدفاع الوطني فادي صقر تساهم في الملف الأمني وجهود تعزيز السلم الأهلي حاليا.

وردّت لجان ونقابات عدة على تصريحات صوفان، أبرزها لجنة العدالة الانتقالية في حمص المنبثقة عن فرع نقابة المحامين، وأكدت أن العدالة الانتقالية يجب أن تكون جادة وواضحة وشفافة وغير قائمة على المقايضات.

واعتبرت تصريحات صوفان عن إعطاء الأمان لقيادات سابقة في نظام الأسد استفزازا للضحايا، كما انتشرت دعوات لمظاهرات شعبية في إدلب وحلب وحمص وريف دمشق.

ومنذ المؤتمر الصحفي تم تسجيل حالات اغتيال لقيادات وعناصر سابقة في نظام الأسد نفذتها عناصر مسلحة مجهولة في محافظات عديدة، وطالت في محافظة حلب خالد الكحيل أحد قادة لواء القدس الذي كان بمثابة ذراع عسكرية رديفة لنظام الأسد في حلب.

وفي محافظة حمص تمت تصفية عقيدين سابقين في جيش الأسد هما هيثم محمود ويوسف محمود، كما أضرم مجهولون النار بمنزل الضابط السابق مفيد خضور ضمن مدينة مصياف في محافظة حماة.

ونتيجة تنامي حالات الاغتيالات ألقى العديد من خطباء المساجد في سوريا في 13 يونيو/حزيران الجاري خطبة موحدة عن ضرورة الحفاظ على السلم الأهلي والابتعاد عن أعمال الانتقام.

ومن شأن تصاعد التهديدات الأمنية أن تؤثر سلبا على جهود الحكومة السورية الرامية إلى تحسين الواقع الخدمي والمعاشي، خاصة إذا وصلت إلى مستوى يدفع أصحاب رؤوس الأموال للإحجام عن العودة إلى سوريا وتأسيس مشاريع فيها.

المصدر: الجزيرة

——————————

أنصار السنة”… من هم؟ وما علاقتهم بتفجير كنيسة مار إلياس في دمشق؟/ صبحي فرنجية

الأطراف التي تريد زعزعة الأمن والاستقرار في سوريا كثيرة، بعضها داخلي

آخر تحديث 26 يونيو 2025

هزّ العاصمة السورية دمشق تفجير يوم الأحد 22 يونيو/حزيران داخل كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة أودى بحياة أكثر من 25 مدنياً وعشرات الجرحى، في حادثة صادمة استهدفت المسيحيين السوريين داخل كنيستهم لأول مرّة منذ عقود، وعلى الرغم من إعلان وزارة الداخلية السورية من اليوم الأول للتفجير أن تنظيم “داعش” هو الذي يقف خلف استهداف الكنيسة، صدر بيان يوم الثلاثاء عن تنظيم “سرايا أنصار السنة” والذي ظهر اسمه خلال الأشهر الأخيرة على الإعلام، يتبنّى فيه التفجير ويهدد بعمليات أكثر خلال الفترة القادمة.

وجاء في بيان “سرايا أنصار السنة” أن التنظيم استهدف كنيسة مار إلياس “بعد استفزازٍ من نصارى دمشق في حق الدعوة وأهل الملَّة، استفزازا جاوز التلميح إلى التصريح، وتعدَّى الهزل إلى الجد، تطاولوا فيه على أصول الدعوة”، وبحسب البيان فإن الذي نفّذ التفجير هو شخص اسمه “محمد زين العابدين أبو عثمان”، وهدد التنظيم بأن “القادم لن يمهلكم، ولن يرحم غفلتكم، فجنودنا- من استشْهَاديين وانغِمَاسيين- على أتمِّ الجاهزية، عُدَّة وعددًا، ورباطًا لا يعتريه وهن، ولا تعرف صفوفه التراجع”. وتابع: “من ابتغى النجاة، فباب التوبة لا يزال مفتوحًا، فليُبادر قبل أن يُغلق، فإنَّا إذا أقبلنا لا نلتفت، وإذا مضينا لا نُمهل”.

وزارة الداخلية السورية أعلنت يوم الثلاثاء 24 يونيو أيضا أنها ألقت القبض على الخلية التي كانت متورطة في التفجير، وأوضحت أنها نفذّت مداهمة أمنية أسفرت عن “تحييد” أحد المتورطين “في التفجير الغادر بكنيسة مار إلياس، وإلقاء القبض على انتحاري آخر كان في طريقه لتنفيذ عملية في مقام السيدة زينب قرب العاصمة دمشق”، وبحسب الوزارة فإن نتائج تحقيقاتها تؤكد أن الخلية تتبع لتنظيم “داعش”، وأن هذه الخلية يتزعمها “شخص سوري الجنسية، يدعى محمد عبد الإله الجميلي، ويكنى أبو عماد الجميلي، وهو من سكان منطقة الحجر الأسود في دمشق، وكان يعرف بوالي الصحراء عند (داعش)”. وقالت الوزارة إن الانتحاريين الاثنين، الذي استهدف الكنيسة والذي كان في طريقه لاستهداف مقام السيدة، زينب، غير سوريين و”قدما إلى دمشق من مخيم الهول، عبر البادية السورية، وتسللا بعد تحرير العاصمة، بمساعدة المدعو أبو عماد الجميلي، مستغلين حالة الفراغ الأمني بداية التحرير”.

ماذا نعرف عن “سرايا أنصار السنة”؟

بدأ تنظيم “سرايا أنصار السنة” في الظهور إلى العلن شهر فبراير/شباط الماضي، وذلك بعد أن بدأ بإعلان استهداف الطائفة العلوية بشكل رئيس في مناطق نفوذها وتجمعاتها في الساحل السوري، ثم ليعلن عن مشاركته في عمليات القتل التي استهدفت المدنيين خلال أحداث الساحل السوري مطلع شهر مارس/آذار الماضي، متوعدًا بمهاجمتهم ومهاجمة الدروز وباقي الأقليات في سوريا، ومتهماً الدولة السورية ورئيسها أحمد الشرع بأنهم عملاء للغرب.

التنظيم بحسب بياناته على “تلغرام”، يقوده شخص اسمه أبو عائشة الشامي، والمسؤول الشرعي فيه شخص يُدعى أبو الفتح الشامي، كما يشغل شخص آخر اسمه أبو سفيان الدمشقي منصباً شرعيا في التنظيم. وتبنّى التنظيم عبر قناته على “تلغرام” 25 عملية ضدّ الطائفة العلوية في مناطق متفرقة من الساحل السوري خلال شهر رمضان وحده. العمليات تضمنت الاغتيال والتخريب وحرق الممتلكات، ودعا أكثر من مرّة الراغبين بالانتساب إليه للتواصل عبر قناته على “تلغرام” التي انشئت أواخر شهر يناير/كانون الثاني الماضي. 

مصادر “المجلّة” أكدت أن الدولة السورية على علم بتحركات بعض الأشخاص الذين ينتمون إلى هذا التنظيم، وأن العدد الكلي في الوقت الحالي لا يتجاوز العشرات، متفرقين في أكثر من منطقة جغرافية في سوريا، أبرزها إدلب والمناطق المحاذية للساحل السوري، إضافة إلى بعض الأفراد في حمص وريف دمشق. وبحسب المعلومات فإن التنظيم كان موجودا في إدلب قبل سقوط النظام، إلا أن أهدافه كانت مختلفة حينها، فهذا التنظيم كان يضم بشكل رئيس أشخاصاً غاضبين من توجهات “هيئة تحرير الشام” عندما كانت تحكم إدلب، وكانوا ينادون بإسقاط “الهيئة” لأنها “خرجت عن تعاليم الإسلام وخانت العهود التي قطعتها على الذين انتموا إليها”.

وبعد سقوط النظام، ووصول “هيئة تحرير الشام” إلى دمشق والبدء بإجراء تغييرات جوهرية على منهج “الهيئة” وطرائقها في الحكم، وانفتاحها على العالم العربي والغرب، بدأت هذه المجموعة باستغلال غضب بعض العناصر والأفراد من توجهات حكومة الشرع وحاولت استدراجهم إلى صفوفها وغيّرت أهدافها المباشرة إلى محاولة إضعاف صورة الدولة السورية ورئيسها من خلال استهداف الأقليات في سوريا، وبثّ رسائل عداء لهم. المصادر أوضحت أن التنظيم هذا يعتمد مبدأ اللامركزية ومبدأ العمليات الفردية العشوائية، من حيث عدم وجود هيكل تنظيمي واضح لها، واعتمادها على الأفراد المتوزعين لا الجماعات المنظمة.

المعلومات تشير أيضا إلى أن الداخلية السورية تراقب عناصر في المجموعة وتترصد تحركاتهم، واعتقلت أكثر من شخص منهم خلال الأشهر الماضية، وتحاول تتبع الأفراد لمنع أي هجمات قد تحصل، وللوصول إلى قادة التنظيم. ورجّحت المصادر أن غالبية الاستهدافات التي تبناها التنظيم قد تكون من أجل كسب التأييد أكثر من كونها عمليات نفّذها التنظيم حقا، خصوصا في مناطق الساحل وحمص كون أن بعض الأعمال التخريبية وعمليات الاستهداف كانت من باب الانتقام وتم إلقاء القبض على الفاعلين.

وعن تفجير الكنيسة في دمشق، قالت المصادر إنه تبين بعد التدقيق أن تنظيم “داعش” هو من يقف خلف التفجير، وأن إعلان تنظيم “سرايا أنصار السنة” جاء بعد يومين من التفجير، ما يُرجح أنه “تبنٍّ من أجل كسب القوّة الوهمية”. كما أكدت عدّة مصادر في الأمن العام أن التفجير الذي استهدف الكنيسة كان بفعل المجموعة التي تم إلقاء القبض عليها من قبل وزارة الداخلية، وأن هذه الخلية مرتبطة بتنظيم “داعش” بشكل مباشر. واستبعدت المصادر أيضاً أن يكون تنظيم “سرايا أنصار السنة” هو المسؤول عن العملية، إلا إن كان هذا التنظيم قد بايع “داعش” وأصبح جزءًا منه.

سرديات متخبطة

وقامت “المجلّة” بتحليل اللغة التي اعتمدها تنظيم “سرايا أنصار السنة” منذ نشأة قناته على “التلغرام”، وكان ملاحظاً وجود تخبّط في اللغة وتفاوت في منهجيتها وأسلوب الكتابة. فأحيانا تعتمد الجمل القصيرة المنمّقة والتي تركز على النغم الصوتي النثري، وفي أحيان أخرى يتم اعتماد مبدأ النسخ من الكتب الشرعية مع التعديل، في حين أن بعض النصوص تأتي بلغة مبتذلة وعامية. كما أن لغة القناة تتناقض في بعض الأحيان، فهي تُمجّد شخصيات كانت في “داعش” سابقاً، وتُحرّم استخدام كلمة “داعش” للدلالة على “الدولة الإسلامية في الشام والعراق”، ثمّ في لحظة أخرى تكتب عنهم باستخدام اللغة التهكميّة مثل نعت التنظيم بكلمة “الدواعس”.

الثابت الأول في نصوص القناة على “تلغرام” هو العداء للحكومة السورية الجديدة ورئيسها أحمد الشرع، وإلصاق صفة “الكفر” بكل العاملين معها أو المتعاونين معها، أما الثابت الثاني فهو تهديد وتوعّد باستهداف الأقليات في سوريا، من علويين ودورز وإسماعيليين، وإصدار فتاوى بإباحة قتلهم، بحجة أن “الفتنة أشد من القتل” فلذلك لا ينبغي النظر إلى عامل إراقة الدماء لأنه أقل خطرًا من الفتنة، بحسب سرديات التنظيم.

في 15 أبريل/نيسان نشرت القناة أن “عفو الحكومة السورية عن شبيحة الدم المجرمين ليس من الدين في شيء، فإن في معاقبتهم الردع والزجر؛ فتهدأ الثائرة، وتبرد مشاعر الانتقام عند أولياء الشهداء”، لتتبعه ببيان يوم 17 من الشهر نفسه تتحدث فيه عن صفات الحكومة السورية والتي جاء في بعضها أن الحكومة هي عبارة عن “استضافة وحماية المتورطين بجرائم الحرب ضد المدنيين، التقايض مع أرباب الفساد والإجرام من أزلام أسماء الأسد، ومخلوف، ومحمد حمشو، ووفيق رضا سعيد، وفادي صقر وغيرهم، حكومة إسلامية الشكل، ديكتاتورية الموضوع، علمانية القالب، تخضع للثقافة السائدة على حساب الدين والمبادئ، وعمالة للتحالف الدولي، وتسليم للمطلوبين، والتعاون مع المخابرات التركية والأميركية لحرب المجاهدين”، واتهمت في منشور آخر حكومة الرئيس السوري أحمد الشرع بأنها “انسلخت من ربقة الإسلام انسلاخ الأفعى من جلدها، نكصت على أعقابها، وارتدت على أدبارها، قد خلعت بيعة الله من أعناقها، ورفعت راية الشِّرك على منابرها”.

ونشرت القناة مطلع شهر مايو/أيار الماضي مقطعاً للقيادي السابق في تنظيم “داعش” أبو محمد العدناني، الذي وصفه تنظيم “سرايا أنصار السنة” بأنه “الشيخ المُسدد”، يتحدث فيه عن الدول العربية والغربية ويتهمها بالكفر. ثمّ حرّم التنظيم بعد أيام لفظ “داعش”، لكنه في مطلع يونيو انتقد الحكومة السورية وأفعالها في منشور آخر وقال إن “عدد الدواعس يتزايد يوميا بشكل لا يُصدق بسبب قرارات حكومة الجولاني”.

التنظيم أيضاً بدأ مع شهر مايو الخروج عن هدفه الجغرافي في منشوراته، فتحدث عن وجود خلايا له في لبنان، وأن هذه الخلايا جاهزة لاستهداف العلويين والدروز، ثمّ في وقت لاحق نشر أن “سرايا أَنصار السنة في سوريا ولبنان” تُعلن تأييدها لمجموعة غامضة ظهرت على قنوات “التلغرام” تحت اسم “حركة الملثمين الأحرار”.

ومن خلال تحليل منشورات القناة، يتبيّن أن تنظيم “سرايا أنصار السنة” لا يحمل في طيّاته أي بنية تنظيمية وأدبية واضحة، كما أن التفاوت في النصوص يعكس التخبط الذي تعيشه المجموعة من الناحية المنهجية، ورغبتها في الصعود الإعلامي، وهو ما جرت ملاحظته من منشورات القناة التي تضع روابط وفيديوهات التقارير التي تنتقد التنظيم وتتحدث عنه، وذلك في سياق إظهار شهرة التنظيم ومدى المخاوف التي يُشكلها في الأوساط السورية والعربية.

“داعش” أم “أنصار السنة”… التهديد مستمر

يُشكل استهداف كنيسة مار إلياس نقطة تحوّل جديدة في الواقع الأمني في سوريا وفي طبيعة التهديدات التي تواجه السوريين عموما، وجهود الحكومة السورية الجديدة بشكل خاص. ويضع هذا التحوّل الحكومة السورية أمام واقع صعب وسط محدودية الأدوات والمعرفة الاستخباراتية، خصوصاً في ظل انشغال الدولة بمهام أمنية كبيرة أبرزها الحدود السورية وتأمينها ومنع امتداد أي صراع من خارج حدود الدولة السورية إلى الداخل، إضافة إلى مهام متصلة بمنع بقايا النظام السابق والخلايا الإيرانية من زعزعة الاستقرار، وجهود كبيرة أخرى لمواجهة تنامي خطر تنظيم “داعش” في سوريا، فضلا عن عمليات محاربة تجارة وتهريب مخدر الكبتاغون الذي غزا العالم من سوريا زمن النظام السابق.

الأطراف التي تريد زعزعة الأمن والاستقرار في سوريا كثيرة، بعضها داخلي، وآخر يحظى بتمويل ودفع من خارج الحدود. وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها الحكومة السورية الجديدة لمنع انتشار الفوضى، وتوحيد الجغرافيا عبر عمليات التفاوض، فإن الخطر جدّي وموارد الحكومة محدودة في ظل تعدد التهديدات والأولويات، وفي ظلّ انتشار ملايين قطع السلاح المنفلت بأيدي السوريين والمجموعات المسلحة الخارجة عن مظلّة الدولة السورية.

المجلة

———————————-

المقاتلون الإيغور في سورية مصدر قلق لبكين/ علي أبو مريحيل

21 يونيو 2025

حثّ مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة، فو كونغ، في اجتماع لمجلس الأمن بشأن سورية، الثلاثاء الماضي، وفقاً لبيان نُشر على الموقع الإلكتروني للبعثة الصينية لدى الأمم المتحدة، السلطات السورية، على ما قال إنه الوفاء بالتزاماتها في مكافحة الإرهاب بجدية، واتخاذ جميع التدابير اللازمة لمكافحة جميع المنظمات الإرهابية المدرجة على قائمة مجلس الأمن، بما في ذلك حركة تركستان الشرقية الإسلامية (الإيغور). وأضاف فو، أن سورية تمرّ حالياً بمرحلة حرجة في تحقيق الاستقرار والانتعاش السياسيين، لافتاً إلى أن مختلف الأطراف في سورية بذلت أخيراً جهوداً إيجابية لتعزيز المصالحة الداخلية، لكن الوضع الحالي في البلاد لا يزال معقداً وهشّاً. وأعرب عن أمل بلاده في أن تتخذ السلطات السورية تدابير فعّالة للوفاء بالتزاماتها، والاستجابة بصدق لمخاوف المجتمع الدولي ومعالجتها. من جهتها، تروج وسائل إعلام صينية حكومية، لوجود مخاوف بشأن خطر استغلال المنظمات الإرهابية والقوى المتطرفة للفوضى في السورية لاكتساب القوة وإعادة تنظيم صفوفها والتوسع خارج الحدود، في إشارة إلى المقاتلين المتحدرين من حركة تركستان الشرقية التي تسعى إلى استقلال إقليم شينجيانغ عن الصين.

وكانت بكين قد أعربت مطلع العام الحالي، عن قلقها إزاء منح الإدارة السورية الجديدة رتباً عسكرية عليا لمقاتلين أجانب، بمن في ذلك زعيم الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية، عبد الحق التركستاني. وقال مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة في حينه، إن بكين تشعر بقلق بالغ إزاء التقارير التي تفيد بأن الجيش السوري منح أخيراً رتباً عسكرية عليا لعدد من المقاتلين الإرهابيين الأجانب، بمن في ذلك رئيس الحزب الإسلامي التركستاني، والمعروف أيضاً باسم حركة تركستان الشرقية الإسلامية.

مخاوف بكين من المقاتلين الإيغور

ورأى لين تشين، أستاذ الدراسات السياسية في معهد قوانغ دونغ، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن حثّ بعثة الصين الدائمة في مجلس الأمن، السلطات السورية على اتخاذ التدابير اللازمة بشأن مكافحة المنظمات الإرهابية، مرتبط بالتطورات الأخيرة في هذا الملف، وقد جاء عقب تقارير أفادت بأن الإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع، حصلت على ضوء أخضر أميركي بشأن دمج مقاتلين أجانب في الجيش السوري، بمن في ذلك عناصر وقيادات من حركة تركستان الشرقية، ضمن قوات خاصة مُنحت اسم الفرقة 84.

وأضاف أن هذه الخطوة تنسجم مع ما دأبت الإدارات الأميركية المتعاقبة على فعله في ملف المقاتلين الإيغور، على مدار العقود الماضية، والتي استخدمت حركة تركستان الشرقية ورقة ضغط لابتزاز الصين، وبالتالي فإن تمكين قيادات هذه الحركة ومقاتليها من خلال منحهم مناصب قيادية في جيش نظامي (الجيش السوري)، وتأهيلهم وصقل قدراتهم القتالية، سيخلق حالة من الإرباك الأمني لدى الصين وخشية من ترتيب الصفوف، والتفكير بالعودة لتحقيق أهداف مرتبطة بالأفكار والأيديولوجيا التي تتبناها حركة تركستان الشرقية.

ولفت لين تشين، إلى أن الصين أثارت هذا الملف مع القيادة السورية في دمشق، لكن الطرفين لم يتوصلا إلى تفاهمات مشتركة، وقال إن بكين لا تريد أن يكون هناك أي نشاط لمقاتلي الحركة في سورية، بينما يرى الشرع أن إدراج هؤلاء في الجيش السوري قد يحول دون التحاقهم بمنظمات إرهابية يمكن أن تشكل خطراً على الأمن الإقليمي. وأضاف: “يبدو أن واشنطن التي كانت قد اشترطت تسريح المقاتلين الأجانب مقابل رفع العقوبات عن سورية، قد اقتنعت بوجهة نظر دمشق، حين التقى الشرع بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في السعودية (14 مايو/أيار الماضي) لأنها في المحصلة تُبقي هذه الورقة في يدها لابتزاز الصين كلما سنحت لها الفرصة”، وفق رأيه.

ذرائع غير مبررة

في المقابل، أعرب شاو وي، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، والمقيم في هونغ كونغ، في حديث مع “العربي الجديد”، عن اعتقاده بأن الصين التي وقفت إلى جانب النظام السوري السابق طوال سنوات الحرب الماضية، لا يحق لها أن تملي على القيادة الجديدة في دمشق كيف تدير شؤونها وتوظف المقاتلين الأجانب الذين قاتلوا معها على جبهات عدة، وكان لهم دور بارز في إسقاط نظام الأسد.

واعتبر شاو وي أن مخاوف الصين غير مبررة، لأن سورية دولة شرق أوسطية لا ترتبط معها بأي حدود برّية أو بحرية، وبالتالي يجب ألا يشكل وجود قوات من حركة تركستان في الجيش السوري أي خطر على أمنها القومي. فضلاً عن أن دمج هؤلاء في مؤسسات الدولة السورية يمكن أن يعتبر تشذيباً أو وأداً لأي أفكار متطرفة، وهو السبب الذي جعل الإدارة الأميركية تعطي الضوء الأخضر للرئيس الشرع للمضي قدماً في هذا الاتجاه.

وبحسب تقديرات غير رسمية، يوجد نحو 3500 من مقاتلي الإيغور في الحزب الإسلامي التركستاني في شمال سورية، وكان لهم دور حاسم في إسقاط نظام الأسد. وينظر إلى ترقية بعض قادة الحزب، ودمجهم في الجيش، على أنه تقدير لدورهم خلال عقد كامل من القتال في سورية. يشار إلى أن حركة تركستان الشرقية هي جماعة جهادية من قومية الإيغور المسلمة تنحدر من إقليم شينجيانغ شمال غربي الصين والمعروف سابقاً باسم (تركستان الشرقية)، وتسعى إلى الاستقلال عن الصين، حيث كانت أجزاء كبيرة من شينجيانغ تخضع لتأثير متقطع من الهيمنة الصينية خلال حقبة السلالات الحاكمة، وقام سكان الإقليم بعدة ثورات في بداية القرن العشرين للاستقلال عن الحكومة المركزية في بكين، أبرزها ثورة 1933 وثورة 1944 التي نجحوا على أثرها في إعلان دولة تركستان الشرقية المستقلة، لكن سرعان ما ضمتها الصين الشيوعية عام 1949. تلت ذلك ثورات متقطعة كان أبرزها عام 2009 عندما اندلعت مواجهات بين سكان الإقليم من قومية الإيغور والمهاجرين الجدد من قومية الهان الصينية، أدّت إلى مقتل مئات الأشخاص. في أعقاب ذلك، وبعد تشديد السلطات الصينية قبضتها الأمنية على الإقليم واعتقال عدد كبير من النشطاء، فرّ عشرات الآلاف من الشباب إلى الخارج عبر الحدود البرّية غرباً مع دول آسيا الوسطى، ومن هناك وصلوا إلى تركيا وأنشأوا مراكز للحركة، وبعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، انضم عدد كبير منهم إلى الجماعات الجهادية وشاركوا في القتال إلى جانب تنظيم داعش وجبهة النصرة حتى سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024.

—————————-

 دمشق: أنصار السنة يوجه تهديدات صريحة بتوسيع عملياته/ واصل حميدة

الثلاثاء 2025/06/24

في واحدة من أكثر الهجمات دموية منذ انهيار نظام بشار الأسد، شهدت العاصمة السورية يوم الأحد الماضي تفجيراً دموياً داخل كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة، أسفر عن مقتل أكثر من 25 شخصاً وإصابة ما لا يقل عن 63 آخرين، أثناء قداس صباحي مزدحم بالمصلين.

وسارعت وزارة الداخلية السورية عقب الهجوم إلى الإعلان عن “القبض على عدد من المتورطين”، مرجّحة “ضلوع تنظيم داعش” في العملية.

إلا أن الساعات القليلة الماضية حملت تطوراً مفاجئاً، تمثّل في بيان رسمي نُشر عبر تطبيق تليغرام، أعلن فيه تنظيم يُعرف باسم “سرايا أنصار السنة” تبنّيه الكامل للعملية، مقدّماً رواية تتقاطع مع شهادات من داخل الكنيسة، ما يضرب الرواية الرسمية ويكشف ضعفاً أمنياً خطيراً في العاصمة.

من هم “سرايا أنصار السنة”؟

يُعد تنظيم “سرايا أنصار السنة” من أخطر التشكيلات الجهادية التي ظهرت في سوريا منذ سقوط النظام. وقد أُعلن عن تأسيسه في 1 شباط/فبراير 2025 بقيادة أبو عائشة الشامي، وهو قيادي سابق في “هيئة تحرير الشام” انشقّ عنها احتجاجاً على ما اعتبره “تساهلاً تجاه الطوائف الأخرى”.

يتبنى التنظيم عقيدة تكفيرية صارمة تستهدف كل من لا ينتمي إلى “المنهج السني الجهادي”، بما في ذلك العلويون، الشيعة، الدروز، المسيحيون، وحتى السنة الذين خدموا في النظام السابق أو شاركوا في مؤسسات المعارضة السياسية.

وصف التنظيم مشروعه بـ”حرب تطهير عقائدي”، ويعمل عبر خلايا لا مركزية مستقلة، ويُقدّر عدد مقاتليه بنحو 1,600 عنصر موزعين في حماة، حمص، جبال الساحل، اللاذقية، مع مؤشرات على تمدده نحو طرابلس اللبنانية.

دلالات تبنّي “أنصار السنة”

بيان التنظيم شكّك في صحة إعلان وزارة الداخلية عن “القبض على متورطين”، واعتبره “محاولة للتغطية على الفشل الأمني”، ما يضرب مصداقية السلطة الانتقالية ويعمّق فقدان الثقة بها.

وجاء التفجير بعد سلسلة خطوات تطمينية من الحكومة الانتقالية تجاه الأقليات الدينية، ما يجعل العملية بمثابة رسالة دموية موجهة ضد مشروع الدولة المدنية.

ووفقاً لباحثين، فإن تفجير كنيسة مار إلياس يُعد أكبر مجزرة تستهدف المكوّن المسيحي في سوريا منذ مذابح عام 1860، عندما تعرّض المسيحيون في دمشق ومناطق أخرى لهجمات طائفية دامية في عهد الدولة العثمانية.

تنظيم يتغذّى على الفراغ والفوضى

لم يكن بروز “سرايا أنصار السنة” وليد لحظة. بل جاء تتويجاً لاستغلال التنظيم للفراغ الأمني والشلل المؤسساتي الذي أعقب سقوط النظام، وتمدّده في بيئات هشة يغيب فيها القانون.

منذ تأسيسه، تبنّى التنظيم عشرات العمليات، أبرزها: كمين استهدف عائلة من الطائفة العلوية في ريف حماة (12 قتيلًا)، اغتيالات في حمص وطرطوس، إحراق غابات في القرداحة، اختطاف مدنيين علويين في اللاذقية، وتصفية عناصر سنية خدمت في أجهزة النظام الأمنية.

كما وجّه تهديدات صريحة بتوسيع عملياته إلى لبنان، وحدّد مدينة طرابلس بوصفها “أرضاً للردة يجب تحريرها”، على حد تعبيره.

التشييع تحت التهديد

إعلان التنظيم مسؤوليته عن الهجوم ألقى بظلال قاتمة على مراسم تشييع الضحايا، المقرّرة اليوم في كنيسة مار إلياس.

ومع توقعات باحتشاد آلاف المشيعين من مختلف الطوائف للمشاركة في الصلوات والجنائز العامة، ارتفعت مؤشرات الخطر الأمني وسط دعوات متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي للتجمّع بكثافة.

هذا التوتر المتصاعد يضع الأجهزة الأمنية أمام اختبار حرج، ويثير مخاوف من استهدافات جديدة أو محاولات تفجير بين الحشود، خصوصاً في ظل تصريحات التنظيم عن نيته مواصلة “سلسلة التطهير”، وغياب مؤشرات على تفكيك خلاياه داخل العاصمة.

الهجوم يبعث برسائل قاسية لسكان العاصمة. فـ”دمشق، التي كانت تُعد أكثر المدن تحصيناً، باتت ساحة مفتوحة أمام جماعات متطرفة، ما جرى يُظهر خللاً عميقاً في البنية الأمنية، ويهدد أساسات الدولة الوليدة.

خطاب الكراهية

تبنّي “أنصار السنة” للهجوم يعيد تسليط الضوء على خطاب الكراهية الطائفي الذي تُرك دون ردّ رادع، ويثير هواجس من انزلاق البلاد نحو موجة صراعات أهلية، في ظل عجز المؤسسات الانتقالية عن فرض سيطرتها الكاملة على الأرض.

تفجير كنيسة مار إلياس ليس حدثاً معزولاً. بل هو مؤشر خطير على تحوّل المسار الأمني والسياسي في سوريا ما بعد الأسد. فظهور تنظيم مثل “سرايا أنصار السنة” بأيديولوجيته الدموية وأجندته الطائفية يفتح جراحًا قديمة، ويهدد بإشعال صراعات لا تُحمد عقباها.

يبقى السؤال: هل تمتلك الدولة السورية الجديدة القدرة على مواجهة هذا النوع من الإرهاب المنظّم؟ أم أن البلاد مقبلة على جولة أخرى من الدم والفوضى؟

المدن

———————————–

معتقلو تنظيم الدولة.. عصي في دواليب الحكومة السورية/ باسل المحمد

آلاف من المقاتلين وعشرات الآلاف من أفراد عائلاتهم محتجزون في سجون ومخيمات واقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (الفرنسية)

24/6/2025

يعتبر ملف معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية واحدًا من الملفات الحساسة والمعقدة التي تواجه الحكومة السورية الجديدة، إذ يرتبط بشكل مباشر بالعلاقة مع الولايات المتحدة التي جعلته محددًا أساسيًّا للانفتاح على دمشق.

ويشكل وجود آلاف المقاتلين وعشرات الآلاف من أفراد عائلاتهم المحتجزين في سجون ومخيمات واقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في شمال شرقي البلاد، بيئة أمنية هشّة، وأوضاعا قانونية وإنسانية مأزومة.

ورغم الانفتاح الأميركي الحذر على سوريا الجديدة، فإن ملف معتقلي التنظيم لا يزال من أبرز الشروط السياسية والأمنية لاستمرار هذا الانفتاح وتوسّعه، وسط تحذيرات غير معلنة من أن الفشل في التعامل الجدي مع هذا الملف قد يعيد فرض العقوبات أو يُفعّل أدوات ضغط دولية جديدة على الحكومة الناشئة.

ولا يقتصر التحدي على استلام المعتقلين فحسب، بل يشمل أيضا تقديم رؤية واضحة لكيفية إدارتهم وفق معايير العدالة الدولية، ومنع أي فراغ قد يعيد إنتاج الخطر الذي مثّله التنظيم سابقا.

وبين حسابات السيادة وضرورات التعاون الدولي، تجد الحكومة السورية نفسها أمام اختبار حقيقي، يحدد علاقاتها مع العالم في المرحلة المقبلة.

أعداد المعتقلين وجنسياتهم

تقدّر قوات قسد عدد مقاتلي تنظيم الدولة المحتجزين لديها في شمال شرق سوريا بين 9 إلى 11 ألفًا، موزعين على 12 سجنًا، أبرزها سجن غويران في الحسكة، والمالكية (ديريك)، والشدادي، إلى جانب مرافق مؤقتة في الرقة ودير الزور.

ويؤوي سجن غويران (الصناعة) وحده قرابة 4500 معتقل، بينما تدير قسد أيضا مخيم الهول الذي يضم أكثر من 40 ألفا من أفراد عائلات المقاتلين، غالبيتهم من السوريين والعراقيين، إضافة إلى جنسيات أجنبية.

وقد شهد هذا السجن قبل سنوات أعمال شغب، مما أثار مخاوف دولية من إمكانية تكرار سيناريو الانفلات الأمني، في ظل اكتظاظ السجون وهشاشة البنية الأمنية في بعضها.

وقدّر تقرير لصحيفة بوليتيكو الأميركية أعدادهم بنحو 10 آلاف معتقل من عناصر التنظيم موزّعين على 26 سجنا، في حين يقيم نحو 54 ألفا من النساء والأطفال في معسكرات تنتشر شمال شرقي سوريا.

ويوازي وجودهم ـبحسب الصحيفةـ من حيث العدد ملء 13 معتقلا بحجم غوانتانامو، ما يُبرز حجم التحدي الأمني أمام الحكومة السورية الجديدة في التعامل مع هذا الملف المعقد.

وتبقى هذه الأرقام موضع جدل، إذ تشكك تقارير ومصادر ميدانية في صحتها، وتقدر أن العدد الحقيقي للمعتقلين لا يتجاوز 6 آلاف، متهمة قسد بالمبالغة في الأعداد لأغراض سياسية، منها الضغط للحصول على دعم دولي أكبر واستمرار التنسيق الأمني مع قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

اختبار أمني دولي لدمشق

لا يقتصر ملف معتقلي تنظيم الدولة الإسلامية على كونه قضية أمنية محلية أو إنسانية طارئة، بل يمثل في نظر المجتمع الدولي أول اختبار حقيقي لقدرة الحكومة السورية الجديدة على إدارة ملفات سيادية بالغة الحساسية، والتعامل مع التحديات الأمنية العابرة للحدود.

وفي تصريحات سابقة لمسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية، أكدت واشنطن أن “الإدارة الفاعلة لمعتقلي تنظيم الدولة ومخيمات النازحين في شمال شرقي سوريا تُمثّل عاملا جوهريا في استقرار المنطقة ومنع عودة تنظيم الدولة”.

كما أشار تقرير لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إلى أن “فشل إدارة ملف المعتقلين قد يُفضي إلى إعادة تشكل التنظيم، ويهدد الأمن الإقليمي والدولي على حد سواء”.

وفي هذا السياق، أكدت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة أن من جملة المطالب التي يجب على الحكومة السورية الالتزام بها في المرحلة المقبلة؛ تسليم خطة لتحمل مسؤولية مراكز احتجاز عناصر تنظيم الدولة في شمال شرقي سوريا، وذلك خلال جلسة مجلس الأمن بشأن في 17 يونيو/حزيران الجاري.

وتسعى الحكومة السورية الجديدة إلى استلام هذا الملف انطلاقا من اعتبارها “الجهة السيادية الوحيدة المخوّلة بإدارة الملفات الأمنية”، بحسب ما يوضحه الباحث في الشؤون الأمنية لورانس الشمالي.

ويرى الشمالي، في حديثه للجزيرة نت، أن دمشق تعتبر ملف المعتقلين “فرصة لتعزيز شرعيتها، وبناء جسور تعاون أمني مع المجتمع الدولي”، معتبرا أن نجاح دمشق في هذا التحدي “سيُشكل خطوة نوعية في اتجاه الانضمام إلى تحالفات دولية لمكافحة الإرهاب”.

خبرة ميدانية متراكمة

وتنطلق الحكومة السورية -بحسب مراقبين- من تجربة ميدانية تراكمت خلال سنوات من إدارة الصراع في شمال سوريا، خاصة في إدلب ومحيطها، حين كانت هيئة تحرير الشام، التي تشكّل النواة الأساسية للإدارة الحالية تخوض معارك مع تنظيم الدولة وامتداداته.

وفي هذا السياق، يقول الباحث في مركز الحوار السوري، عمار جلو إن الإدارة السورية الجديدة قد تكون هي الأقدر على إدارة معتقلات تنظيم الدولة، بسبب نجاحها سابقا في تفكيك ومحاصرة جميع المجاميع المرتبطة بالتنظيم في مناطق سيطرتها.

وبحسب حديث جلو للجزيرة نت، فإن كل ذلك تم بموازاة تعاون خفي مع التحالف الدولي، وهو تعاون أسهم في تحييد قادة بارزين للتنظيم.

ويضيف أن وزير الداخلية الحالي، أنس خطاب يُعتقد أنه يمتلك “شبكة استخباراتية فاعلة داخل التنظيم”، ما يمنح الحكومة الجديدة ميزة نادرة في فهم البنية الداخلية لهذه الجماعات وقدرة متقدمة على اختراقها.

ويعزز هذه الرؤية تقرير صادر عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى أكد استمرار الحكومة السورية الجديدة في مواجهة خلايا تنظيم الدولة، مشيرا إلى أن دمشق الجديدة أحبطت في يناير/كانون الثاني مؤامرة لتفجير مزار شيعي قرب العاصمة، بمساعدة معلومات استخباراتية أميركية.

ومؤخرا، أعلنت وزارة الداخلية السورية تنفيذ عملية أمنية في ريف دمشق جنوبي سوريا، ضد خلية للتنظيم قالت إنها مرتبطة بتفجير كنيسة “مار إلياس”، الذي أدى إلى سقوط 15 ضحية وإصابة العشرات في منطقة الدويلعة بريف دمشق.

وأسفرت العملية في مدينتي حرستا وكفر بطنا عن مقتل شخصين والقبض على 5 عناصر آخرين بينهم مسؤول الخلية.

وكان المتحدث باسم وزارة الداخلية نور الدين البابا قد أكد نهاية الشهر الماضي أن وفدا حكوميًّا سوريًّا وصل إلى مناطق شمال شرقي سوريا لزيارة معسكرات الاحتجاز والسجون التي تديرها قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

وقال إن الزيارة تأتي في إطار تنفيذ الاتفاق الذي وقّعه الرئيس السوري أحمد الشرع والقائد العام لقسد مظلوم عبدي في 10 مارس/آذار الماضي، والذي يقضي بإجلاء المواطنين السوريين من مخيم الهول.

رفض أوروبي

تصطدم جهود الحكومة السورية في هذا الملف برفض معظم الدول الأوروبية استعادة رعاياها من المقاتلين الأجانب المحتجزين في سجون قسد أو القاطنين في مخيمي الهول والروج.

وبهذا المعنى يرى مراقبون أن الرفض الأوروبي ليس موقفا أخلاقيا أو سياسيا فحسب، بل تحديا سياديا ومعقدا يعوق أي تسوية نهائية لهذا الملف.

من ناحيتها، حذّرت القيادة الوسطى الأميركية في بيان صدر في يناير/كانون الثاني الماضي من أن استمرار هذا الجمود الدولي، في ظل غياب برامج لإعادة التأهيل والتوطين والإدماج، “قد يؤدي إلى ظهور جيل جديد من المتطرفين”.

وأشارت إلى أن نحو 9 آلاف معتقل من تنظيم الدولة، ينتمون لأكثر من 50 دولة، لا يزالون في سجون شمال شرقي سوريا تحت إدارة “قسد”.

بدوره، يرى الباحث عمار جلو أن هذه المواقف الأوروبية تجاه مواطنيها المعتقلين في سجون قسد لا تعرقل فقط مسار إغلاق الملف، بل تُضيف عبئًا قانونيًّا وأمنيًّا كبيرًا على دمشق الجديدة.

وأشار إلى أن عددًا من الدول الغربية قامت بإسقاط جنسية بعض المعتقلين لديها، ما يجعل الحكومة السورية الجديدة أمام مأزق مزدوج، يتمثل:

    التعامل مع معتقلين لا تملك وثائقهم.

    تحمل مسؤولية قانونية عن عناصر ترفض بلدانهم استقبالهم.

وفي حين أعادت بعض الدول مواطناتها وأطفالهن، مثل السويد وكندا وطاجيكستان وفرنسا وروسيا، فإن جهود إعادة الذكور البالغين بقيت شبه معدومة، حيث لم يُعد سوى 4% من المقاتلين الذكور إلى بلدانهم منذ عام 2019، بحسب تقرير صادر عن معهد الشرق الأوسط للدراسات في يوليو/تموز 2023.

من يحاكم المعتقلين؟

رغم الضغط الدولي المتزايد لإنهاء ملف معتقلي تنظيم الدولة فإن مسألة محاسبتهم قانونيا لا تزال عالقة ومعقدة، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، إذ تواجه الحكومة السورية تحديا يتمثل بغياب بنية قانونية فاعلة لإجراء المحاكمة.

وكانت لجنة التحقيق الدولية المعنية بسوريا، التابعة للأمم المتحدة، قد دعت الدول التي يحمل بعض عناصر التنظيم جنسياتها إلى استلامهم وتأمين محاكمة عادلة لهم على أراضيها، وهو ما التزمت به قلة من الدول، بينما امتنعت أخرى بشكل نهائي، ما زاد من تعقيد الملف.

ويؤكد المحامي والباحث في القانون الدولي الجنائي محمد حربلية أن محاكمة عناصر تنظيم الدولة على يد الحكومة السورية غير ممكنة في الوقت الراهن، نظرا لغياب إطار قانوني ملائم، ولأن الأولوية في العدالة اليوم تتجه نحو ملاحقة مجرمي النظام البائد، وهو ما يتطلب إمكانيات ضخمة على المستويين المالي واللوجستي.

ويرى حربلية، في حديثه للجزيرة نت، أن الحل الأكثر واقعية يكمن في إنشاء محكمة دولية خاصة بمحاكمة عناصر التنظيم في سوريا، على أن تكون تحت إشراف الأمم المتحدة، وبمشاركة قضائية سورية، وبدعم وتمويل دوليين، وهو خيار يُمكن أن يشكّل مخرجا عمليا لطي هذا الملف بشكل قانوني ونهائي.

وفي السياق نفسه، يوضح الباحث في الشؤون الأمنية لورانس الشمالي أن التعامل مع أفراد التنظيم يختلف بحسب تورّطهم في الجرائم، وقال إنه يمكن تخصيص برامج لإعادة التأهيل والدمج المجتمعي للذين لم يشاركوا في أعمال إرهابية أو عمليات قتل مباشرة، بينما يُخضع من يثبت تورّطهم للمحاكمة وفق قوانين مكافحة الإرهاب.

ويحذر خبراء من أن غياب إطار قانوني شامل حتى الآن يضع الحكومة السورية أمام تحدٍّ قانوني وسياسي مفتوح؛ فإما أن تؤسس لمسار عدالة مستدامة وشاملة، أو أن يبقى ملف محاسبة عناصر التنظيم رهين الحسابات الدولية والانقسامات الإقليمية، ما يهدّد بفتح ثغرات أمنية وقانونية في جسد الدولة السورية الجديدة.

المصدر: الجزيرة

——————————-

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى