الأحداث التي جرت في الساحل السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

“فلول الأسد”.. بعد السقوط خطر يتسلل من تحت الرماد/ ميشال شماس

2025.09.16

في الثامن من كانون الثاني عام 2024، انهار نظام بشار الأسد، مُسدِلًا الستار على أكثر من خمسة عقود من الحكم الاستبدادي الأمني-العسكري الذي حوّل الدولة إلى جهاز واحد وحشي متعدد الوجوه. لم يكن هذا الانهيار مجرد حدث سياسي، بل تفكيكًا لبنية سلطوية متجذرة تماهت فيها مؤسسات الدولة مع أجهزة القمع، وتحولت الأحزاب والمنظمات والنقابات إلى واجهات للسلطة.

ما لفت الانتباه عند السقوط هو سرعة تلاشي مؤسسات النظام واختفاء رموزه، ككتلة ملح ذابت في الماء. انهارت وتفككت البنية السياسية والأمنية من أعلى الهرم إلى أصغر الإدارات، لكن ما لم يسقط مع النظام كان أخطر ما فيه: فلول القوة الخفية، بقايا أجهزته الأمنية والعسكرية التي لم تُقتلع، بل تفرقت وأعادت تنظيم نفسها في الظل، بعيدًا عن أنظار الجميع.

فعلى أرض الواقع انسحب عشرات الآلاف من ضباط وعناصر الأمن والجيش حاملين معهم أسلحة وأموالًا هائلة، تخفوا في كل زاوية من البلاد. فرّ قسم منهم مع الأسد أو بعده مباشرة إلى دول حليفة أو متسامحة كلبنان وإيران وروسيا، في حين لجأ آخرون إلى مناطق نفوذ محلية مثل الساحل وشمال شرقي سوريا والسويداء، وقسم كبير توارى بين الناس يتحيّن لحظة الهروب. وبعضهم تحوّل إلى خلايا نائمة اندمجت داخل نسيج المجتمع، تنتظر اللحظة المناسبة لتنفجر في محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

هذا ما أثبتته الأحداث الأليمة في آذار الماضي، حين نفذت هذه الخلايا هجمات مسلحة منسّقة في الساحل استهدفت مدنيين وقوى أمنية بقيادة ضباط سابقين في أجهزة النظام.

وفي السويداء، استغلّ فلول النظام توتر الأجواء بين السلطة والمجموعات المسلحة، فأشعلوا نار التحريض حتى تحوّل التوتر إلى مواجهات مسلحة دامية. وما يُحكى عن تجمع بعضهم في القواعد الروسية في الساحل وشمال شرقي سوريا.

تكمن خطورة “فلول الأسد” في أنهم ليسوا مجرد مجموعات مسلحة متناثرة، بل كوادر مدرّبة اكتسبت خبرة طويلة في أجهزة القمع الأسدية، وتحتفظ بثروات هائلة وشبكات نفوذ داخلية وخارجية توفر لها الدعم. والأخطر من ذلك أنهم يستغلون حالة الإحباط الشعبي والأزمات المتفجرة، مثل الملف الكردي والسويداء، لتوسيع نفوذهم وتجنيد عناصر جديدة، ما يجعلهم قنبلة موقوتة تهدد مسار المرحلة الانتقالية.

هذه القدرة على النفوذ لا تنشأ في فراغ، بل تتغذى على مجموعة من العوامل البنيوية والظرفية التي تسمح لهم بإعادة إنتاج أنفسهم وتعزيز حضورهم، أبرزها:

1- انخفاض مستوى كفاءة عناصر الجيش والشرطة.

2- تعامل السلطة القائمة مع “الفلول” بأسلوب رد الفعل وليس المبادرة؛ حيث اكتفت برصد تحركاتهم في بعض القطاعات من دون تفكيك شامل لشبكاتهم، وأجرت مساومات مع بعضهم، وتساهلت مع آخرين، ما منحهم فرصة لإعادة ترتيب صفوفهم.

3- فشل السلطة في التوصل إلى تسوية وطنية شاملة، مع تغييب الحوار الوطني الحقيقي بين المكونات والأطياف السورية.

4- عجز السلطة عن مواجهة خطاب الكراهية والتحريض الطائفي والتخوين، ما عمّق الانقسامات ومنح “الفلول” بيئة حاضنة.

5- التأخر في تشكيل المجلس التشريعي، حيث الحاجة ماسة إلى مراجعة التشريعات والقوانين، فبعضها يحتاج إلى تعديل أو إلغاء، وأيضًا سن قوانين جديدة تحتاجها المرحلة الانتقالية، ولا سيما إصدار قانون للعدالة الانتقالية الذي تأخّر تطبيقه، وإصدار قانون ينظّم العمل السياسي ومنظمات المجتمع المدني.

6- غياب الشفافية في فتح ملفات الفساد والإثراء غير المشروع، ومعالجة ممتلكات وأموال حزب البعث المصادرة، وأيضًا مصير أموال التسويات مع رموز النظام السابق من رجال أعمال وغيرهم.

هذه العوامل وغيرها أسهمت في تحويل بعض المناطق إلى بؤر توتر مزمنة، مع تصاعد العنف العشوائي والموجّه الذي بات يهدد السلم الأهلي بشكل مباشر، ويُصعّب بالتالي مهمة السلطة في بناء مؤسسات دولة قوية.

وإذا ما استمرت هذه الحال، فإن خطر “الفلول” لن يقتصر على إعادة إنتاج الفساد داخل مؤسسات الدولة فحسب، بل سيؤدي إلى تآكل ثقة المجتمع بالمرحلة الانتقالية برمتها، وربما يعيدنا إلى استبداد أكثر خبثًا عبر تحالفات مصلحية مشبوهة لتغذية الانقسامات المجتمعية عبر خطاب تحريضي متجدّد وإعادة تنشيط شبكات القمع التي طالما كانت سببًا في معاناة السوريين.

إن التعامل مع الفلول ليس ترفًا سياسيًا أو خيارًا جانبيًا، بل ضرورة وجودية وحتمية لضمان استمرار مسار انتقال آمن ومستقر. والمطلوب اليوم من السلطة العمل على خطة وطنية شاملة ومتكاملة تشمل سحب السلاح وضبط الفصائل المسلحة المنفلتة، والبدء بعملية التطهير المؤسسي، والمساءلة القانونية الجادة، والتحصين الأمني الفعّال، مع الاستعانة بالكفاءات المدنية والعسكرية والأمنية التي سبق أن انشقت عن نظام الأسد. والعمل فورًا على بناء بدائل بشرية مؤهلة وقادرة على بناء الدولة الجديدة وحمايتها، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية على أساس عقيدة وطنية جامعة ومهنية كفوءة، وتفعيل العدالة الانتقالية على أسس قانونية واضحة لمحاسبة مرتكبي الجرائم الخطيرة، فضلًا عن تفكيك شبكات الدعم المالي واللوجستي داخليًا وخارجيًا للفلول، وتجفيف موارد اقتصاد الظل عبر ضبط التهريب والأنشطة غير المشروعة، وإصلاح القضاء وضمان استقلاليته ليكون قادرًا على المحاسبة وحماية حريات الناس وحقوقهم، وتعزيز الشفافية من خلال إلزام المؤسسات بنشر تفاصيل العقود والمناقصات وإخضاعها للتدقيق العام، وتمكين المجتمع المدني والإعلام الحر ليكونا شركاء في الرقابة وكشف ملفات الفساد.

وإطلاق حوار سياسي شامل يقطع الطريق على الفراغات التي يستغلها “الفلول”، وتشجيع بناء ثقافة مواطنة جديدة تقوم على النزاهة والمشاركة، لا على الخوف والتبعية، بحيث يدرك المواطنون أن لهم دورًا في محاربة الفساد، لا أن يكونوا متفرجين على صفقات تُدار فوق رؤوسهم. هي خطوات لم يعد بالإمكان تأجيلها.

سوريا اليوم أمام تحدٍ مزدوج: إعادة بناء الدولة وإعادة الإعمار. سقوط الأسد لم ينهِ الفساد، بل كشف عن حجم وصعوبة المعركة القادمة ضد مافيات الفساد التي تتحكم بمفاصل الحياة اليومية. من دون مواجهة هذه المنظومة بجدية، سيبقى التغيير شكليًا، وستظل مؤسسات الدولة وإداراتها أسيرة مصالح تلك المافيات، وسيبقى الشعب عرضة للاستغلال. المعركة الحقيقية تبدأ من الداخل، حين تُستأصل شبكة المصالح والمافيا القديمة وتُستبدل بثقافة مؤسساتية حديثة تقوم على القانون والشفافية والمواطنة. والتغيير الحقيقي لا يبدأ من القمة فقط، بل من تفكيك الشبكات التي تحكمت بمصير البلاد لعقود.

تلفزيون سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى