المصالحة الوطنية في سوريا: مشروع دولة لا ورقة فئوية/ وائل ميرزا

إشكالية الطرح بين النخب الحداثية والعلمانية
(نقد لمقال #ياسين_الحاج_صالح عن #المصالحة_الوطنية_في_سوريا)
ثمة ظاهرةٌ بالغة الإشكال في الطريقة التي يتناول بها عدد من المثقفين السوريين الحداثيين والعلمانيين، المشهد السياسي السوري بشكلٍ عام، ومسألة المصالحة الوطنية تحديداً، والمثال الذي يشتبك معه هذا المقال هو نص الزميل ياسين الحاج صالح في (#القدس_العربي) بعنوان “مصالحة وطنية في سوريا!”.
جوهر الإشكالية يكمن في أن طريقة معالجة الموضوع، وهي تتكرر باضطرادٍ بات مُملاً (منهجياً)، لولا أن الموضوع في غاية الجدية.. نقولُ إن الطريقة، تلك، تُكرّس منظوراً ضيقاً #يختزل_تعقيدات_المشهد_السوري_في_زاوية_الأقليات_فقط، متجاهلةً التعقيدات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية الأوسع. وخطورةُ هذه الظاهرة أنها تعيد إنتاج منطق الحماية الفئوية الذي ساد لعقود، فتضع المصالحة في إطار جزئي وانتقائي، بدلاً من أن تُبنى كمشروع وطني جامع.
هذا النمط من الحجاج شائعٌ بين قطاعات من المثقفين السوريين الحداثيين والعلمانيين عند مقاربة التطورات السياسية في البلاد، إذ يربطون جدلية الدولة والمجتمع، أو مشروع المصالحة الوطنية، بالأحداث المتعلقة بالأقليات، بشكلٍ شبه حصري، متجاهلين التعقيدات الأوسع التي تفرضها مرحلة الانتقال السياسي وما تحمله من تحديات شاملة.
لكن الإشكالية الأعمق أن #هذا_الطرح_اختزاليٌ بامتياز. فهو يضغط المشهد السوري بكل تشابكاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى زاوية ضيقة، بما يُنتج سردية غير متوازنة تُعطي الأولوية لهوية فرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: #لماذا_يحدث_ذلك؟ هل هو استمرار لاواعي لإرث الأسدية التي شيطنت الأغلبية عبر خطاب حماية الأقليات؟ أم أنه نتاج ذهنية نخبوية تنزع إلى البساطة الخطابية بدل مواجهة التعقيد الواقعي لصناعة السياسة في بلد يخرج من العدم السياسي؟
إنّ التعقيد البنيوي الذي تواجهه سوريا بعد التحرير لا يكمن فقط في مسألة المصالحة أو في ضبط الأمن، بل في #عملية_بناء_الدولة ذاتها بمفهومها العلمي والعملي. فالدولة هي جهاز إداري وسياسي ضخم، يملك القدرة على إنتاج الشرعية، إدارة الموارد، وتنظيم الحياة العامة. والمعضلة الأساسية أن سوريا الخارجة من عقود من “العَدَم السياسي” تكاد تبدأ من الصفر البيروقراطي والمؤسسي، ما يجعل كل خطوة في صناعة القرار اختباراً مزدوجاً. من جهة للإمكانات المادية المحدودة، ومن جهةٍ أخرى لقدرة الجهاز الإداري على التحوّل إلى مؤسسة حديثة.
وهنا تتجلى أمثلة صارخة على #التشابك_المعقّد_للمصالح_والتفاوت_بين_الحاجات_والموارد. فهناك، مثلاً، التوتر بين مطلب العدالة الانتقالية لضحايا الانتهاكات، وبين الحاجة إلى الاستقرار الأمني لاستمرار الحياة اليومية. كما يظهر التعارض بين مطالب العدالة التوزيعية للمناطق المهمشة تاريخياً، وبين ضغوط الاستقرار الاقتصادي الكلي (Macroeconomic Stability) التي تفرض أولويات محدودة في تخصيص الموارد. في قطاع الكهرباء مثلاً، تتصادم الحاجة الشعبية الملحّة لتأمين التغذية الأساسية مع محدودية الاستثمار والبنية التحتية المدمّرة. وفي قطاع المياه، يتقاطع الأمن المائي مع تحديات التصحر والندرة العالمية للموارد، ما يفرض على الدولة اعتماد سياسات مقايضة مؤسسية (Institutional Trade-Offs) بين الري الزراعي والإمدادات المنزلية. أما في ملف عودة اللاجئين، فتبرز معضلة مزدوجة تتمثل في الحاجة الوطنية لإعادة دمجهم اجتماعياً واقتصادياً، مقابل محدودية القدرة على توفير السكن والخدمات وفرص العمل، وهي كلها عناصر تمسّ شرعية الدولة (State Legitimacy) في نظر مواطنيها. وحتى على المستوى الأمني، هناك توازن حساس بين ضبط السلاح والفصائلية من جهة، وضمان مشاركة المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها من جهة أخرى، وهو ما يدخل في صميم الجدل العالمي حول الحوكمة الأمنية (Security Governance).
بهذا المعنى، فإن #المصالحة_الوطنية_لا_يمكن_أن_تُفهم_فقط_كخطابٍ_رمزي_أو_كـ”#ورقة_سياسية”، بل كجزء لا يتجزأ من مشروع بناء الدولة نفسها. ذلك أن الدولة – في مفهوم العلوم السياسية المقارن – ليست مجرد مؤسسات شكلية، وإنما هي كيان قادر على الموازنة بين هذه المصالح المتشابكة، وتحويل الندرة والاختلاف إلى فرص لإنتاج شرعية أدائية (Performance Legitimacy) قائمة على الإنجاز والاستجابة للواقع. وأي مقاربة لا تدرك هذه الحقيقة تبقى حبيسة الوعظ والشعارات، بينما جوهر المهمة السورية اليوم هو تأسيس دولة حديثة تتعلم من التجارب العالمية، وتعيد تعريف نفسها كإطار جامع لمجتمع معقد ومتعدد.
إن نص الزميل ياسين الحاج صالح يطرح مقاربته للمصالحة الوطنية بعد التغيير السياسي الكبير في سوريا من زاوية ضيقة، إذ #يجعل_من_مأساة_الأقليات – #العلويين_والدروز – #مدخلاً_وحيداً_للتحليل، بينما يتجاهل أو يهمش، في الدعوة/المشروع، التعقيدات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية الأوسع التي تعصف بالبلد بعد أكثر من ستة عقود من الاستبداد و”العدم السياسي”. وكأن المصالحة الوطنية لا تستحق النقاش إلا حين تصيب المجازر مكوّنات بعينها، بينما تبقى مآسي الأغلبية التي دفعت الكلفة الأكبر على مدى الثورة والحرب مجرد تفصيل عابر.
المشكلة هنا ليست في نفي الكاتب لما جرى للأغلبية السورية، فهو لا يستطيع إنكار ذلك أصلاً ولايمارسه، وإنما في الطريقة التي يذكرها بها في مقالٍ بهذه الأهمية.. مروراً سريعاً، في جملتين أو ثلاث، داخل سياقٍ طويلة مكرسٍ لمأساة الأقليات. هذه التقنية الخطابية تخلق وهماً بالإنصاف، لكنها في الحقيقة تعيد إنتاج تراتبية غير عادلة للضحايا. #فألم_البعض_يوضع_في_قلب_المشهد، بينما ألم الأغلبية يُهمل أو يُهمّش، #وكأن_دماء_السوريين_لا_تتساوى.
هذا النمط في التحليل يُعيد، بشكلٍ أو بآخر، من حيث لايُريد #نفس_المنطق_الذي_استخدمه_النظام_الأسدي_لعقود، عبر التلويح بحماية الأقليات كذريعة للبقاء، وتعميق الشرخ الأهلي بدل تجاوزه. وبهذا يصبح المقال – وإن رفع شعار المصالحة – أسيراً لنفس الأدوات التي غذّت الانقسام. وفي قلبها تركيز الهوية الجزئية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
سياسياً، #يتم_تصوير_الدولة_وكأنها “#المسؤولة_الوحيدة” عن كل ما وقع خلال الأشهر الماضية يتجاهل حقائق أساسية. من انتشار السلاح، مروراً بتفكك المنظومات المحلية، ونزعات الانتقام، وانهيار الضوابط القديمة من جهة، وصولاً لبطء تشكّل الضوابط الجديدة من جهة أخرى. وفي أدبيات الانتقال السياسي (Transition Politics)، يُعرف هذا الوضع بأنه #فراغ_القوة، حيث تتزاحم شرعيات متنازعة قبل أن تستقر مؤسسات الدولة الناشئة. وتجاهل هذا المعطى لا يساعد السوريين على الفهم، بل يرسّخ خطاباً وعظياً منفصلاً عن الواقع.
وعليه، #فالمصالحة_الوطنية_لا_يمكن_أن_تُختزل_في “#اعتذار_انتقائي” أو في جبر ضرر فئة بعينها، وإنما هي عملية سياسية ومؤسسية شاملة، متدرجة وطويلة الأمد، تتضمن الاعتراف بجميع الضحايا، وتأسيس آليات للعدالة الانتقالية، وإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وضمان أن المواطنة – لا الانتماء الطائفي أو العرقي – هي أساس الحقوق والواجبات. وأي مسار آخر سيعيد إنتاج العنف الهوياتي، ويترك الباب مفتوحاً لدورات جديدة من الدم والانقسام.
إن ما تحتاجه سوريا اليوم ليس سردية انتقائية تُعيد إنتاج المظلومية بشكل جزئي، وإنما عقد اجتماعي جديد يتجاوز منطق الضحايا المميزين ويصوغ هوية سياسية جامعة. وهنا يمكن الاستفادة من تجارب دول خرجت من مذابح وانقسامات، مثل جنوب أفريقيا أو رواندا، حيث لم تُبنَ المصالحة على أساس “ألم فئة دون أخرى”، بل على الاعتراف المتبادل وتكافؤ الضحايا أمام الحقيقة والعدالة.
لكن ما يجب إدراكه أن #المصالحة_الوطنية_ليست_قراراً_لحظياً_أو_مؤتمراً_عابراً، وإنما هي عملية طويلة ومعقدة. ففي #جنوب_أفريقيا مثلاً، احتاجت “لجنة الحقيقة والمصالحة” #أكثر_من_خمس_سنوات (1996–2001) لجمع الشهادات، وما زال أثرها موضع نقاش حتى اليوم. وفي #رواندا، استمر مسار “#محاكم_الغاتشا” الشعبية #أكثر_من_عقد (2001–2012) لمعالجة قضايا ما بعد الإبادة، وشملت محاكمة نحو مليوني شخص. أما #البوسنة، فما زالت بعد قرابة #ثلاثة_عقود من اتفاقية دايتون (1995) تواجه صعوبات في تحقيق مصالحة فعلية بسبب الانقسامات العرقية والمؤسساتية. هذه الأرقام توضح أن المصالحة لا تُقاس بالأشهر أو السنوات القليلة، بل قد تمتد لعقود، وأنها تتطلب منظومات متشابكة من العدالة، والتنمية، وإعادة بناء الهوية الوطنية.
وفي التجارب المقارنة – من جنوب أفريقيا إلى البوسنة – لم تكن المصالحة الوطنية مجرد اعتذارات أو مؤتمرات خطابية، وإنما كانت هندسة اجتماعية سياسية أعادت صياغة العقد الاجتماعي من جديد عبر مسارات طويلة ومعقدة. وسوريا ليست استثناءً. والمطلوب اليوم ليس ورقة فئوية ولا خطاب ابتزاز سياسي، بل مشروع دولة، جامع وعقلاني، يعترف بجراح السوريين جميعاً، ويحوّل دماءهم وآلامهم إلى طاقة مؤسسة لوطن الغد.
#الخلاصة أن أي حديث عن المصالحة الوطنية يركز على “جزء” ويتجاهل “الكل”، أو يقدّم بعض الدماء على أخرى، إنما يمثل، في أقل الأحوال، عملية (استرخاءٍ) منهجية وعلمية في تناول مثل هذا الموضوع المعقد.. أما في أسوئها، فهو يبدو ورقةً فئويةً لا تُصالحُ مجتمعاً، ولا تبني دولة. أما المصالحة الحقيقية فهي مشروع دولة بكاملها.. تعترف بجراح أبنائها جميعاً، وتبني نظاماً سياسياً جديداً يتجاوز ثقافة الاستثناء والتمييز إلى ثقافة المواطنة والعدالة.



