قصة

مصباح القلب/ بانو مشتاق

ما أن زحزحت مِهرون الباب شبه المغلَق، وبمجرّد أن وضعت قدمَها في الداخل، توقف والدُها، الذي كان مستلقيًا على سرير الديوان في حجرة الاستقبال، وشقيقُها فاروق الذي يكبرُها سنًا، الذي كان يناقش شيئًا ما معه بصوتٍ خفيض، توقف كلاهما عن الكلام ونظرا إليها. في نفس الوقت الذي أتت فيه ابنة شقيقها ربيعة راكضًة من الداخل وأعلنت قائلةً، «عمّة مِهرون جاءت، عمّة مِهرون جاءت»، عمّان، ثاني أكبر أشقائها ووالد ربيعة، خرج من غرفتِه، ثمة رغوة من صابون الحلاقة كان قد وضعها على ذقنه، والفرشاة ما تزال في يدِه، وقف في حجرة الاستقبال وراح ينظر إليها كما لو أنه لا يستطيع أن يُصدّق عينيه. شقيقها الأكبر، أثيج، الذي كان يُعلّم الأطفال القرآن بصوتٍ رتيب، خرج إلى حجرة الاستقبال كي يُحدّق فيها، غير مكترث بحاشية فستانها، الطرف الحرّ من (الساري) كان قد انزلقَ من رأسها. وقفت أُمّها، وهي تحمل مسبحة الصلاة في يديها الناعمتين، مشلولةً من هول الصدمة، كما لو أنها تسأل: «هل هذا حقيقي؟ هل هذا حقيقي؟» أما شقيقتاها الأصغر منها سنًا، ريحانة وصبيحة، فقد تلصصتا من وراء باب حجرة الاستقبال، غير مهتمتين بأنّ أرغفة الخبز الهندي التي كانتا تصنعانها في المطبخ قد تفحّمت في المقلاة. الحمد لله، شقيقُها عاطف الذي يصغرها سنًا لم يكن في البيت.

البيت كلّه جمدَ في مكانه لحظًة واحدة. بدا ذلك شيئًا غير مألوف بالنسبة لها. الأم التي احتفظت بها في بطنِها طوال تسعة أشهر وربّتها لم تقل «هي ذي أنتِ. أدخلي، عزيزتي»، وأبوها الذي تعوّد أن يفرح بالفتاة الصغيرة التي تقفز على صدره العريض، لم يبتسم حتى بسمة ترحيب صغيرة؛ ولا شقيقها الأكبر، الذي كان يُناديها بفخر «جنيّتي، ملاكي»، ولا عمّان، الذي كان يُصرّ أنه يجب أن تلتحق بالجامعة، سلّم عليها. زوجتاهما نظرتا إليها كما لو أنها قادمةٌ من كوكبٍ آخر.

وقع قلب مِهرون. ولم يخرج الجميع من ذهولِهم إلا حين أطلقت الطفلة ذات الشهور التسعة التي بين ذراعيها صرخًة حادة. سألها شقيقُها الأكبر، «أين عنايات؟»

نكّست رأسَها كما لو أنها ارتكبت جريمًة وأجابت قائلة، «هو ليس في البلدة».

«مع مَن أتيتِ إذًا؟»

«أتيتُ وحدي».

«وحدكِ؟» ارتفعت لازمةٌ جماعية من حولِها فيما ظلّت هي واقفة عند العتبة.

“فاروق، خُذها إلى الداخل». ما أن صدر توجيه شقيقها الأكبر، حتى سارت مِهرون إلى الداخل، خطواتُها ثقيلةٌ وغير مستقرة. بدا المكان كما لو أنه قاعةُ محكمة. شرعت طفلتها تصرخ، ومن دون أن ترفع خمارَها، رفعت النقاب إلى الأعلى، وجلست على سرير أبيها بزاوية، ووضعت ثديها على فم طفلتِها. لم تغسل وجهها. ومعدتُها بدأت تشتعل بينما كانت الطفلة ترضع من صدرها. لم تأكل منذ الليلة الفائتة. باستثناء أُمّها، لم تكن هناك امرأةٌ أخرى في هذا اللقاء.

«مِهر، هل أبلغتِ أيّ شخصٍ في البيت قبل مجيئكِ؟»

«لا».

«لماذا؟ لماذا لم تُخبريهم قبل المغادرة؟ يبدو كما لو أنكِ قررتِ أن تجلبي لنا العار».

«مَن هم الذين يجب أن أُخبرهم؟ مَن يوجد هناك؟ لقد مضى أسبوع منذ أن جاء إلى البيت آخر مرة، هو حتى لا يُخبرني أين هو ذاهب. كتبتُ إليكم جميعًا، لكنكم لم تردوا، أنتم لا تُبالون ما إذا انتهى بي الحال ميتًة أم حية».

«كتبتِ أنَّ زوجكِ قد خرج مع إحدى الممرضات. وأنتِ تُريديننا أن نصدّق ذلك؟»

«إن لم تصدّقوني، كان يجب عليكم إذًا أن تأتوا وتستفسروا. هناك أشخاصُ رأوهما معًا».

«وماذا يتعين علينا أن نفعل بعد أن نأتي ونراه؟ هل نقول إننا قبضنا عليه ونسأله عن المسألة، ويقول هو، نعم، إنه شيءٌ صحيح، ماذا بمقدورنا أن نفعل عندئذ؟ هل يلزمنا أن نقدّم التماسًا للجامع؟ سيقول، لقد اقترفتُ غلطًة، سوف أجعلها تعتنق الإسلام وأتزوجها وفقًا للشريعة. عندئذ ستكون ضُرَّتكِ. وتقولين إنه يجب علينا أن نوبّخه أكثر. ماذا بوسعنا أن نفعل إذا ما قال، لا أُريد هذه المرأة التي تحمل اسم مِهرون، سوف أطلّقها؟»

في هذه الآونة، كانت مِهرون تبكي بصورةٍ يتعذر التحكم بها. وفيما هي تنقل طفلتَها إلى الثدي الآخر وتستمر في إرضاعها، سحبت طرف فستانها (الساري) تحت خِمارها ومسحت عينيها وأنفها. رانَ صمتٌ مؤقت.

«هذا يعني أنكم جميعًا في وضعٍ لا تفعلون فيه شيئًا، صحيح؟» لم ينبس أحد ببنت شفة. وتابعت كلامها. «لقد هويتُ على أقدامِكم، قائلةً إنني لا أُريد أن أتزوج. هل استمعتم إليّ؟ قلت، سأرتدي الخِمار وأذهب إلى الكليّة. تضرّعتُ إليكم ألا تجعلوني أتوقف عن الدراسة. لا أحدَ منكم أصغى إليّ. كثيرٌ من زميلاتي في الصف لا يزلن غير متزوجات حتى، وأنا أصبحتُ امرأًة مسنة. أحملُ عبء خمسة أطفال. أبوهم يسرح ويمرح هنا وهناك، وأنا لا أعيش حياةً لائقة. حين يقوم الرجل بشيء حرام كهذا، هل ثمة واحدٌ منكم يستطيع أن يسأله لماذا يقوم بهذا الشيء؟»

«هذا كافٍ، مِهر، هذا كاف». أغمضت أُمّها عينيها وهزّت رأسها.

«أجل، ماما. أنا أيضًا نلتُ كفايتي. في أول الأمر بدأ الناس يتهامسون، وبعدها أولئك الأشخاص الذين شاهدوهما معًا في صالة المسرح ويدخلون الفنادق جاءوا وأخبروني مباشرةً. ومن ثم أصبح هو جريئًا بما يكفي وشرع يذهب إلى بيتها. وبعد أن وبّخه الجميع، مضى إلى (بينغالورو)1 ، أنفق آلاف الروبيات، وجعلها تغيّر ديانتها. الآن مضى عليه ثمانية أيام وهو يُقيم معها. إلى متى أستطيع أن أتحمّل هذا الإذلال؟ كيف يتسنى لي أن أظل على قيد الحياة؟»

«تحلّي بالصبر، ابنتي. عليكِ أن تحاولي أن تُعيديه إلى الدرب الصحيح بواسطة الحب».

«ماما، هل ما يزال لديّ شيءٌ اسمُه قلب؟ هل ظلّت لديَّ مشاعر؟ لا يُمكنني أن أحترمه بوصفه زوجي لمّا رحل بهذه الطريقة. جسدي يمتلئ بالاشمئزاز حين أراه. أن أضمر له الحب فكرةٌ لا تخطر ببالي قطّ. ليس لأنه سوف يُطلّقني، سوف أحصل عليه منه. لن أعود إلى ذلك البيت».

«مِهر، ما هذا الذي تقولينه؟ هذه مبالغة. هو رجل، وقد تلطًخَ بالوحل، إلا إنه سوف يُزيله عندما يكون هناك ماء وبعدها يرجع ويدخل. ما من لطخةٍ من شأنها أن تظلّ عالقًة به».

وقبل أن تتمكن من الجواب، قاطعها عمّان. «انظروا كيف تتصرّف أمامنا. لا بد أنها تحدثت بهذه الطريقة أمامه هو أيضًا. ولهذا السبب استبد به الغضب حتمًا وغادر». توقف قليلًا عن الكلام وخفّفَ نبرتَه. «إذا تعلّمت كَنّتا هذا البيت هذه الأنواع من الأشياء، سيكون هذا شيئًا عظيمًا للغاية، أليس كذلك؟ حزن مِهرون تغيّرَ بسرعة إلى الغضب ومن ثم إلى خيبة الأمل.

«إنكَ تُجادل بشكل جيّد للغاية، عمّان. عسى الله أن يهبك الصحة والعافية. هذا صحيح: أنا هو الشخص السيئ. لقد عرفتُ ما هي طبيعتي السيئة. أنا لا أخرج من البيت من دون خِمار. طلب مني أن أتخلّص منه، وألبس فستان (الساري) أسفل سرّتي وأتبختر هنا وهناك وأنا ممسكةٌ بيده. لكنكم سترتموني بالخِمار وربيتموني بحيث أني لا أدَع حتى حافة فستاني (الساري) تنزلقُ من رأسي، أليس كذلك؟ أشعر أني عاريةٌ إذا ما نزعتُه الآن. لقد زرعتم في داخلي مخافة الله. ولم أوافق على ما طلبه مني، ولهذا أقام علاقًة غرامية مع فتاةٍ تُلّبي كلّ ما يُريده. والآن كلّكم تخشون أن أكون عبئًا عليكم إذا ما هجرني، ولهذا تقولون لي إنه ينبغي لي أن أتحمّل ذلك. غير أنّ هذا مستحيل الآن. بدلًا من أن أحترق في حياةٍ كالجحيم، سآخذ أولادي وأشتغل كعاملة غير ماهرة في مكانٍ ما. لن أكون عبئًا عليكم جميعًا، لن أكون عبئًا على الإطلاق».

«هل الثمرةُ عبءٌ على النبات المتسلّق، مِهر؟ لا تتكلّمي كلامًا فارغًا»، قالت أُمّها مُحتجًة.

«ماما، خُذيها إلى الداخل وأعطيها شيئًا تأكله»، قال شقيقها الأكبر بكآبة. «سوف نغادر إلى (تشيكماغالور) في بحر عشر دقائق. إن كانت هناك حافلة، سنستقل الحافلة. وإن لم تكن هناك، سنستقل سيارة أجرة. لا يسعنا أن نفعل ما تطلبُه منا على وجه الدقة».

«لن أشرب قطرة ماء في بيتكم. ولن أذهب إلى (تشيكماغالور). إذا أخذتموني إلى هناك قسرًا، أَعدِكم بأني سأحرق نفسي».

«هذه مبالغة، مِهر. إنّ الأشخاص الذين يُريدون أن يموتوا لا يتجولون هنا وهناك متحدثين عن الموت. لكن لو كان لديكِ أيّ اهتمام بشرف هذه الأسرة إذًا كان عليكِ أن تفعلي ذلك بدلًا من المجيء إلى هنا. البيت الذي يذهب إليه عازف الطبل العائد لكِ يجب أن يكون البيت الذي يخرج منه حبيبُكِ. هذه هي حياةُ المرأة المحتشمة. لكِ بنتٌ تدرس في الثانوية؛ ولكِ شقيقتان أصغر منكِ سنًا في سن الزواج. خطوةٌ خاطئة واحدة فقط وتُصبحين عقبة في طريق مستقبلهما. تقولين إنه يتعين علينا أن نُصغي إلى كلامكِ الطفولي، وأن نمضي ونتشاجر مع زوجكِ، لكننا أيضًا لنا زوجتان وأطفال. إذًا ادخلي وتناولي شيئًا ما». التفتَ برهًة وجيزة إلى شقيقه، وعاد ثانيًة ليغدو في مواجهتها. «عمّان، اركض واحصل على تاكسي. وأنتِ، مِهر، إذا ما سألك أولادُكِ أو جيرانُكِ، قولي لهم إنكِ أخذتِ الطفلة إلى المشفى، أو شيئًا من هذا القبيل. متى غادرتِ وأتيتِ إلى هنا؟»

لم تقل كلمة.

«الوقت الآن التاسعة والنصف»، قال عمّان. «أتت في تمام الساعة التاسعة. الرحلة تستغرق ثلاث ساعات. لا بد أنها غادرت في تمام الساعة السادسة صباحًا. لو إننا غادرنا في هذه اللحظة، باستطاعتنا أن نصل بحلول الثانية عشرة والنصف».

لم تتحرّك مِهرون قيد أنملة من المكان الذي تجلس فيه. أُمّها وشقيقتاها الأصغر منها سنًا تبادلن الأدوار متوسلات إليها أن تأكل، غير أنها لم تضع ولو قطعًة صغيرة من الطعام أو قطرة ماء في فمها. وحين جاءت سيارة الأجرة، لم تتحدّث مع أيّ واحدٍ منهم. وفيما هي تخطو خارجًا، تضمّ طفلتها بإحكام إلى صدرها وشقيقاها الأكبر منها سنًا بجوارها، لم تُلقِ تحية الوداع على أيّ منهم. فقط لمّا نزلت الدرجات القليلة الأخيرة نظرت للوراء إلى البيت الذي وُلِدت ونشأت فيه. عيناها تفيضان بالدمع. أبوها قبض على صدره، وهو يسعل. أمها تنشج، وتلتفت إلى ابنتها، ومن ثم إلى زوجها، جعلته يستلقي، وراحت تُهوّي عليه، وتنثر الماء على وجهه، وتُخاطب نفسَها، «يا إلهي، لو أني أستحق أيّ قدرٍ صغير من الفضيلة في حياتي كلّها، اجعل حياة ابنتي منظمة».

فتح عمّان باب السيّارة، وأشار إلى مِهِر بعينيه، أنها يجب أن تجلس في الداخل فيما كان يتذمّر في سرّه. تعوّدت أن تتباهى، غالبًا، بشأن اعتزازها بشقيقيها الأكبر منها. حين كانت تغضب مع زوجها عنايات، تقول له: «أشقائي يقفون مثل الأُسود، إذا ما واصلتَ التصرف على هذا النحو، في يومٍ من الأيام سوف يُقطعونكَ ويرمون القطع، أيها الشاطر!»، غير أنّ هذا الزهو قد انمحى تمامًا. كلمات شقيقيها ما تزال ترّن في أُذنيها: «لو كان لديكِ أحساسٌ بالحفاظ على شرف أسرتنا، لكنتِ أحرقتِ نفسكِ ومُتِّ. ما كان يجدر بكِ أن تأتي إلى هنا».

لم تلتفت كي تنظر إلى بيتها لمّا دخلت جوف السيّارة، ولم تنظر حتى إلى أمها، التي لا بد أنها كانت تنظر خلسًة عبر الشباك، ولا إلى شقيقتيها اللتين كانتا تتلصصان من خلف الستارة، ولا إلى زوجتيْ شقيقيها، اللتين ربما كانتا مشغولتين في الداخل مع أعمالهما المنزلية على أية حال. إلا إنّ الدموع انهمرت كالشلال على خديها من تحت الخِمار. كانت تجلس هناك عاضًّة على شفتيها مبتلعًة تنهداتِها الصغيرة.

كانت السيارة تسير مسرعًة. لم يتكلّم أحدٌ منهم. كان عمّان يجلس في المقعد الأمامي، بجوار السائق الذي ينتمي إلى (المحلّة). هل بوسع المرء أن يناقش الأسرار العائلية بحضوره؟ استمرت رحلتهم في صمت. كانت مجرّد زهرة نرد في ألعاب حب عنايات وشهوته طوال ستة عشر عامًا. وبعدها، أهان أنوثتَها. «أنتِ تستلقين هناك كالجثة. أيّ سعادة هذه التي أكسبُها منكِ؟» وبّخها بطريقةٍ ساخرة. «ما هو الشيء الذي لم أمنحكِ إياه، أن تلبسي، أن تأكلي؟ مَن الذي سيقف في طريقي؟ أنا مع المرأة التي تهبني السعادة».

لم تنتبه إلى الأشجار أو المناظر أو الطريق. حين توقفت السيارة بغتًة وتطلّعت خارجًا من غير اهتمام عندئذ فقط شاهدت البيت الذي قالوا إنه بيتها. فتاةٌ يافعة بنظرةٍ ذابلة على وجهها أتت مهرولةً إلى السيارة من الباب الأمامي، قائلًة، «أماه! أخيرًا رجعتِ. كنتُ قلقًة للغاية». التقطت الطفلة من بين ذراعيْ أُمّها، ضمتها إلى صدرِها وهرعت عائدًة إلى الداخل.

مشت مِهرون خطوات قلائل في داخل البيت. بدا خاليًا. الأولاد الآخرون ذهبوا إلى المدرسة، وابنتها سلمى ذات الستة عشر ربيعًا، التي عانت من عذاب أُمها بالإضافة إليها، كانت هي الأكبر سنًا في البيت ذلك اليوم. كانت سلمى قد أرسلت أشقاءَها وشقيقاتها إلى مدارسهم، وجعلت تنتظر عودة أمها بشوقٍ ولهفة. وهي ترى خالَيْها صحبة أُمِّها، ندّت عنها آهةُ ارتياح. فرِحت لدى رؤية خاليْها. سوف يجرّان المرأة الأخرى من شعرِها ويطردانها، هذا ما فكرت به سلمى. هرعت هنا وهناك كالغزال، كي تجلب لخاليْها الوجبات الخفيفة، وراحت تغلي الشاي.

كانت مِهرون مستلقيًة في حجرتها. دخلت سلمى، مسحت العبرات على وجه أمها، أطعمتها شيئًا من الغذاء، وعادت إلى الخارج ومعها طبقٌ من بقايا الطعام حين سمعت صوتًا مألوفًا.

رجعت مهرولةً إلى غرفة النوم. «ماما، ماما، جاء أبي». تظاهرت مِهرون بأنها لم تسمعها وغاصت أكثر في البطانية التي غطت بها نفسَها. كانت الأعصاب في رأسها تنبض بينما كانت سلمى تخرج متجهًة إلى غرفة المعيشة. كان خالاها قد عادا إلى الخارج، وكان بمقدور سلمى أن تسمع الرجال يتحدثون. كان هناك حوار، ضحك، وتبادل التحيات.

«مرحبًا، أيها الشقيق الأكبر! متى أتيتَ؟» سأل عنايات.

«أتينا توًا. كيف حالُك؟»

«أوه، أنا بخير، الحمد لله. ولكل دعواتك».

صوت عمّان: «أين كنتَ، أخ عنايات؟»

«هنا فقط. بعض الأعمال، مشاوير هنا وهناك، أنتَ تعرف كيف هو الوضع. على كلّ حال، لا يُمكننا أن نبقى جالسين في البيت بعد النهوض من النوم. سلمى»، صاح. «سلمى، أين ماما؟ أنظري مَن الذي جاء. أَخبري ماما بأن تخرج من حجرتها».

لم يأتِ صوتٌ من داخل المنزل. «أتساءل أين هي»، قال عنايات. «لا بد أنها في الداخل مع الطفلة. دعني أنادي عليها، ابقَ هنا». دخل وشاهد سلمى، وسألها بصوتٍ خفيض: «متى جاء هذان الشخصان؟ أين هي أُمّكِ؟» خيطٌ من الشك بدأ ينفك في قلبه.

“خالاي جاءا الآن توًا. ماما لا تزال نائمة»، ردّت سلمى بذكاء.

ندّت آهةُ ارتياح من عنايات.

«لم تفِق من نومها حتى الآن؟ ماذا حصل لها؟» جاء إلى باب حجرة النوم. منظر مِهرون وهي ملتفة ونائمة أثار اشمئزازه. كانت مطالبتُها الوحيدة بالأهمية هو أنها أُمّ أطفاله. كان يُريد أن تأخذه رِجلاه إلى الداخل، إلا أنهما لم تُطاوعاه.

تخيّلت كيف أنه حتمًا واقفٌ هناك عند الباب. تخيّلت ثيابَه، رائحةَ سجائره الكريهة، رائحةَ عرقِه، جسمَه الهَرِم، عينيه الكبيرتين. الرجل الذي ترك علامته على كلّ عصبٍ من أعصابها كان غريبًا بالنسبة لها الآن. ظلّت راقدًة في فراشها والبطانية تلتف بإحكام حولها، وهي تستمع إلى صوتِه.

«سلمى، تعالي إلى هنا. قولي لها أن تكف عن هذه الدراما كلّها. إذا كانت قد استدعت شقيقيها كي ينصحاني، فإنها تربط حبلَ المشنقة حول عنقِها. بنَفَس واحد، مرة واحدة، مرتين، ثلاث مرات، سأقولها وأنتهي من هذا الأمر، أخبريها. وأخبريها أنه بعد طلاقها، ولترَ ما إذا بمقدورها أن تزوّج شقيقتيها الأصغر منها سنًا وبناتها. قولي لها هذا، إنها تدمر شرف العائلة أمام الضيوف. قولي لها، أُمّكِ. دعيها تأتي وتُسلّم على شقيقيها، اسأليها ما إذا تُريد لحم الدجاج أم لحم الضأن، لأنّ وقت الظهر حلّ الآن تقريبًا، لذا أخبريها أن تباشر بطهي طعام الغداء حالًا». غير أنّ سلمى لم تكن هناك، لكنه عبّر عن كلّ ما يتعين عليه أن يقوله، متصوّرًا أنها هناك.

عنايات وشقيقا زوجته تحدّثوا كما لو أنه ما من شيءٍ خاطئ حدث. تحدّثوا عن أسعار القهوة، عن الانتخابات الجارية في كشمير، عن التحقيق بشأن مقتل زوجين مُسنين في الحيّ السكني، عن الفتاة المسلمة من (المحلّة) التي تزوجت من فتى هندوسي في حفل زواج مدني، عن هذا وذاك من الأشياء. تواصل الحوار فيما كان ينطلق صفير قِدر الضغط ، والخلاّط يدور، وتنبعث الرائحة القوية لـمزيج التوابل، وبعدها أُحضِر الدجاج، وكان الطعام جاهزًا لأن مهرون كانت قد أعدّته، وسلمى تجوب المكان وتقدّم لهم جميعًا الغداء. خرجت مِهرون من المطبخ مرًة واحدة لا غير، مدًة وجيزة لا غير.

بعد وجبة الطعام الدسمة، وفماهما ممتلئان بورق القات، شقيقا مِهرون استعدا للمغادرة. وقبل أن ينصرفا، جاء عمّان ووقف قرب باب المطبخ. «استخدمي شيئًا قليلًا من الذكاء وتدبّري هذا كلّه»، قال. «سآتي وأزوركم الأسبوع المقبل. سوف يتصرّف هكذا طوال أيام قلائل ومن ثم يعود من تلقاء نفسه. يجب أن تكوني مسؤولة. يا للمشكلات التي يتعيّن على بعض النساء أن يجابهنها، الأزواج السكارى، أمهات الأزواج اللائي يضربن كنّاتهن. الحمد لله أنتِ في وضعٍ جيّد. هو غير قادر على تحمّل المسؤولية نوعًا ما، هي ذي المسألة كلّها. أنتِ التي يجب أن توازني ذلك كلّه». غادر شقيقاها، وما أن تلاشى صوت السيارة، حتى طار عنايات من البيت أيضًا.

استدارت سلمى كي تنظر إلى أمها. خالاها لا واساها ولا قدما لها العون. بدأت تتجاوب مع حزن أُمِّها. اغرورقت عيناها بالدموع حين خرج والدُها من البيت. توّشح البيت بالكآبة، ولمّا عاد أشقاؤها وشقيقاتها من المدرسة لم يكن بمقدورهم أن يُزيلوا الوشاح. كلّ واحد منهم له أعماله التي ينبغي أن ينجزها، كلّ واحدٍ منهم لديه عبئه.

وحين بدأ المساء يفقد أنواره، أُضيئت المصابيح حول المنزل. غير أنّ مصباح قلب مِهرون كان مُطفأً منذ زمن بعيد. من أجل مَن ينبغي لها أن تحيا؟ ما هي المسألة؟ الجدران، الأطباق، الطاسات، الفرن، السرير، الأواني، نبتة الورد في الفناء الأمامي، لا واحد من هذه كلّها كان قادرًا على الإجابة عن أسئلتها. لم تفهم العينان البليدتان اللتان تحومان حولها، تقفان كالحارستين. كانت سلمى تُريد أن تدفن نفسَها في كتبها؛ كان من المفترض بها أن تتأهب لامتحانات شهادة اتمام الدراسة الثانوية. إلا إنّ القلق الشديد الذي لا يُمكن تسميته أبقى أُمَّها باستمرار في خط بصرها.

في هدأة الليل، حدّقت مِهرون في الظلام. كان ظلامًا معتمًا كحياتها. الأولاد يغطون في النوم. سلمى وحدها لا تزال مستيقظةً، تدرس في حجرة الاستقبال، تسدّدُ نظراتِها إلى حجرة أمها.

توارى نوم مِهرون. تساءلت في سرّها: هل كانت معاركها في بيت أسرتها أسهل؟ كان زواجها من عنايات قبل شهر من امتحانات المرحلة الثانية من بكالوريوس التجارة. بكت، توسلت إليهم أن تؤدي تلك الامتحانات، غير أنّ الجميع أصمّوا آذانهم حيال توسلاتها. بعد مضي أسبوع أو نحو ذلك من الزواج، تحدّثت بتردد مع زوجها عن الموضوع. ضحك، وناداها «حبي»، «حبيبتي»، «فؤادي». «إن لم تكوني موجودًة هنا»، قال لها، «ألن أتوقف عن التنفس؟» صدّقت مِهرون أنها إذا لم تكن معه، ربما يمتنع عن التنفس. كانت سعيدًة. كانت تُلّبي كلّ رغباته، وكانت هي المصباح الذي أضاء قلبه.

حين فارق والدا زوجِها الحياة قبل سنةٍ خلت، عندئذ فقط حصلت على زوجها كلّه لنفسِها. شقيقات زوجِها مضينَ إلى بيوت أزواجهن؛ أشقاء زوجِها مضوا في حال سبيلهم. وتحققَ ذلك الحلم القديم، أن تمتلك بيتَها الخاص. والآن بعد أن تمَّ ذلك، وجهُها بات مجعدًا، وأوردة يديها برزت إلى السطح، كان هناك ظلٌ خفيف تحت عينيها، تشقّقَ كعبا قدميها، والقذارة استقرت بشكلٍ مستمر تحت أظافرها المُتقشرة، غير المُقلَّمة، وشعرها أصبح خفيفًا، إلا أنها لم تلاحظ أيًا من هذه الأشياء. وأغلب الظن ما كان عنايات لينتبه إلى ذلك هو أيضًا، لولا استئصال زائدته الدوديّة، ولولا تلك الممرضة، التي تعمل كثيرًا جدًا مقابل أجورٍ زهيدة في مستشفىً أهلي، وآلاف الأحلام في عينيها، هي التي كانت تمشي أو ربما تطفو على الهواء، ليس بوسع المرء أن يجزم، بجلدِها البراق وعينيها العسليتين اللتين تسحبان المرء كما الدوامة، التي كانت تنزلق إلى عقدها الثالث، وكانت مستعدًة لأن تفعل أيّ شيء، أيّ شيء مهما كان، كي تضمنَ مستقبلَها وتُحققَ أحلامَها.

عنايات لم يُخاطب الممرضة باعتبارها «سستر»2. من أول يوم من جميع تلك الأيام التي أمضاها في المستشفى، كان يُناديها بدلًا من ذلك باسمها.

وبعدها أهان الرحم الذي وهبه أطفالَه العديدين. انتقد مِهرون على بطنها المرتخية، وثدييها المُترهلين اللذين أشبعا جوعَ أطفالِهما. جعل روحها تبدو عارية أيضًا. وفي أحد الأيام قال لها، «أنتِ مثل أُمّي»، وبتلك الكلمات رماها حيًّة في لجّة الجحيم. في الأشهر القليلة منذ أن أطلق هذه الكلمات، كلّ لقمة من الطعام أكلتها في ذلك البيت بدت أشبه بالخطيئة. الإحساس بأنها غريبةٌ في بيتِها بات يزعجُها بشكلٍ متصل، ونار الإهانات تطحنُها طحنًا، ولهذا بحثت عن مساعدةٍ من لدن أسرتها.

بات الليل أكثر عتمًة، واشتد التهيّج في فؤاد مِهرون. لم يسبق لها قطّ أن شعرت بمثل هذه الوحدة. لم تعد لديها رغبات. استوت جالسًة في السرير. ما من أحد يسأل عنها. ما من أحد يُضايقها، يُعانقها، يُقبّلها. الشخص الذي كان يفعل تلك الأشياء بات ينتمي إلى شخصٍ آخر الآن. بدت الحياة بلا نهاية. وحتى الضوضاء الصاخبة الآتية من الخلف لم تهزّها أو تُثيرها. كانت تعلم أنّ الصورة الفوتوغرافية المؤطرة قد سقطت وتهشم زجاجُها، والإطار تكسّر إلى قطع، وسقطت الصورة الفوتوغرافية خارجًا، إلا إنّ نوعًا من القلق استوطنَ في داخلها ولم تعد لديها رغبةٌ في ترتيب الفوضى. ببطء نزلت عن السرير. نظرت إلى طفلتِها برهًة طويلة، وبعدها خرجت من الحجرة. أولادُها الصغار لا يزالون ينامون بسلام وطمأنينة.

حين ولجت حجرة الاستقبال بهدوء، شاهدت سلمى، كانت جالسةً هناك تدرس، وقد استسلمت للنوم، ورأسُها يستريح على الطاولة. وقفت هناك بجانب ابنتها النائمة، وشرعت تهزّها. كانت تحسب أنّ سائر مشاعرها قد ماتت، إلا إنّ الموجة العارمة التي اكتسحتها فيما هي تنظر إلى سلمى جعلتها ترغب بالانهيار. كبحت رغبًة قاهرة في أن تلمس ابنتها وتقول لها، في قرارة نفسها: «عزيزتي، يلزمُكِ أن تكوني أُمًّا لهؤلاء الأطفال».

بدأت قدماها تأخذاها بتؤدة إلى الأمام. فتحت الباب ودخلت إلى الفناء الأمامي. النباتات القليلة التي رعتها لاحت كما لو أنها تنشج. بدت كأنها تومئ برأسها مؤيدًة القرار الذي اتخذته. رجعت إلى الداخل، وأغلقت الباب وراءها، ومضت إلى المطبخ، والتقطت صفيحة النفط الأبيض (الكيروسين) وسارت حول البيت، عاجزًة عن الإقرار أين ينبغي لها أن تكون حين تسكبُه على نفسِها. توقفت كي تنظر إلى أطفالها النائمين مرًة أخرى قبل أن تؤوب إلى حجرة الاستقبال.

لم تنظر إلى سلمى.

مشت مسرعًة إلى المطبخ، التقطت علبة الثقاب، قابضًة عليها بإحكام بيدِها اليمنى، بهدوء فتحت مزلاج الباب الأمامي ودخلت إلى الفناء مجددًا. حدّقت في الظلام وتأكدت أنها فكرت في مسألة كيف أنه ليس لديها أحد، وكيف أنه لا أحدَ يُريدها، بينما كانت تصّبُ الكيروسين على نفسها. كانت في قبضة قوةٍ لا سيطرةَ لها عليها. نظرت من حولِها، ولم يصل إليها أيّ صوت، ولم يكن بمقدورها أن تشعر بأيّ لمسة، ولم تتبقَ أيّ ذكرى من الذكريات، وما من علاقات تستطيع أن تقتحمها. كانت خارج وعيها.

إلا إنّ كلّ شيء كان يحصل في داخل البيت، حيث أيقظت صرخاتُ جوع الطفلة الرضيعة سلمى بفزع، وجعلتها تُسرِع كي تحمل الطفلة وتضمّها إلى صدرِها، وتهتف قائلةً «ماما، ماما»، وهي تجتاز الغرفة إلى حيث ينام أشقاؤها وشقيقاتها ومن ثم تدور حول البيت باحثًة عن أُمِّها، قبل أن تكتشف الباب المفتوح وتُسرِع خارجًا إلى الفناء في ذلك الظلام الضبابي، وهي ترى هيئة أُمّها وتشم رائحة الكيروسين. من دون تفكير، هرعت للأمام، والطفلةُ بين يديها، وعانقت أُمّها بإحكام. أُمُّها، علبةُ الثقاب في يدها، نظرت ببرود إلى الفتاة التي تُعانقها، كما لو أنها توقعت شخصًا آخر. وضعت سلمى الطفلةَ على الأرض وصرخت، «ماما! ماما! لا تتركينا وتذهبي!» أَمسَكت برجليْ أُمِّها.

كانت سلمى تنتحب، والطفلة الصغيرة تبكي وهي مطروحة على الأرض. نظرت مِهرون إليهما، وناضلت كي تتحرّر من القوة الغريبة التي غلّفتها، وهوت علبة الثقاب من يدها. كانت سلمى ما تزال تمسك برِجليْ أُمّها. «ماما»، كانت تقول لها. «لمجرد أنكِ فقدتِ شخصًا واحدًا، ترميننا كلّنا تحت رحمة تلك المرأة؟ أنتِ مستعدةٌ لأن تموتي من أجل بابا، إلا إنه ليس من الممكن بالنسبة لكِ أن تعيشي من أجلِنا؟ كيف يُمكنكِ، ماما، أن تجعلي منا جميعًا يتامى؟ نحن نُريدكِ». لكن، أكثر من كلماتها، لمسةُ سلمى هي التي أثرت فيها.

التقطت الطفلة الباكية وضمّت سلمى إلى صدرِها، وشعرت كما لو أنّ صديقًة قد أراحتها، لمستها، وفهمتها، وأصبحت عينا مِهرون ثقيلتين، وكلّ ما استطاعت أن تقوله هو «سامحيني، حبيبتي»، فيما كان ظلام الليل ينقشع.

الهوامش

بينغالورو: عاصمة ولاية (كارناتاكا) الهندية وأكبر مدنها – م.

تُستخدم كلمة “سستر” لمخاطبة الممرضة – م.

المصدر: كتاب (مصباح القلب: قصص مختارة)، المنشور سنة 2025، قصة Heart Lamp)): الصفحات 108 – 122.

نزوى

—————————-

عن المؤلفة

هذه القصّة المترجمة بعنوان “مصباح القلب”، للكاتبة الهندية والناشطة في مجال حقوق المرأة بانو مشتاق، التي فازت هذا العام 2025 بجائزة البوكر العالمية عن كتابها الذي يحمل عنوان ذات القصّة المترجمة “مصباح القلب”، وهو عبارة عن مجموعة قصصية تتناول الحياة اليومية للنساء المُسلمات في جنوب الهند. يعد هذا الكتاب أول عمل قصصي يحصل على هذه الجائزة المرموقة. وقبل الولوج لعالم القصّة نطالعُ مُقتطفات من الحوار الذي أجرته أنيتا ﭘايلور معها في 4 آذار/مارس 2025، والذي نشر في جريدة (ديكان هيرالد)، وهي جريدة تصدر باللغة الإنجليزية في ولاية (كارناتاكا) الهندية.

شغفت بانو مشتاق بالكتابة من عمرٍ مُبكر، غير أنّها لم تُصبح كاتبة إلا حين أصبحت في سن الـ 29، كأُمّ جديدة تعاني كآبة ما بعد الولادة. وقد تحولت مشتاق إلى الكتابة كي تكشف أحاسيسَها وتجاربَها. كتبت بانو مشتاق هذه المجموعة القصصية في الأصل باللغة الكانادية بين 1990 و2023، وترجمتها إلى الإنكليزية الكاتبة والصحفية والمترجمة ديـﭘا بهاستي، وتقاسمت معها الجائزة التي تبلغ قيمتها 50 ألف جنيه استرليني.

الكتاب الذي نشرته دار النشر البريطانية (آند أوذر ستوريز) العام 2024، و(بنغوين راندوم هاوس الهند) العام 2025، تعرّض للمراقبة من جانب الدوائر المحافظة في الهند، وتحاشته الجوائز الأدبية الكبرى في البلاد. وفضلًا عن القصص القصيرة، نشرت مشتاق رواية، ومجموعة مقالات ومجموعة شعرية. وتحوّلت قصتها القصيرة (كاري ناغاراغالو) التي تدور حول امرأةٍ مسلمة هجرها زوجُها إلى فيلم سينمائي عام 2004 يحمل عنوان (حسينة)، وفازت بطلته (تارا) بجائزة الفيلم الوطني لأفضل ممثلة، وهي التي أدت دور (حسينة).

ذَكَر حُكام اللائحة الطويلة لجائزة البوكر العالمية، أنّ قصص مشتاق تُصوِّر حيوات النساء اللاتي كن على حافة المجتمعات المسلمة في جنوب الهند، باعتبارها مُطلعة انتقادية “ناقدة من الداخل”، وكان ذلك بالنسبة لها يستلزمُ نوعًا مختلفًا من القدرة على كشف الحالة الإنسانية: “إننا ننتقدُ النظام أو المجتمع الذي نكون جزءًا منه. يحتفلُ الناس حين يقرأون أشياء جيدة، إلا إنّهم لا يتحملون إذا ما نوقشت الحقائق المروِّعة”. وتابعت قائلة: “عندما شرعتُ في الكتابة في سبعينيات القرن العشرين، كان الأدب الكانادي يصفُ الشخصيات المسلمة إما بالمستقيمة أخلاقيًا إلى حدّ كبير، أو بالفاحشة على نحوٍ صادم. فالشخصيات السوداء والبيضاء لا تعكس حقائق المجتمع المُسلم، ولذا أردتُ أن أردم الفجوة. أردتُ أن أُظهِر من خلال كتاباتي أنّ المسلمين حالُهم كسائر جميع الناس في أيّ مجتمع آخر، فيهم الصالح وفيهم الطالح. كتاباتي تكشفُ فسيفساء العواطف والعلاقات الإنسانية. الظروف قد تكون مختلفةً، إلا أنّ تعقيد الطبيعة البشرية هو نفسُه تقريبًا، بصرف النظر عن نوع المجتمع”.

وأردفت قائلة: “هناك شعورٌ عام بأنّ المسلمين يعيشون في مجتمع مُنغلق، ويعود الأمر للممارسات الاجتماعية والثقافية غير المعروفة بالنسبة للمجتمعات الأخرى. ولذا فالكاتبات مثلي يحاولن بناء جسر يربطُ المجتمع المسلم مع المجتمعات الأخرى من خلال النثر والشعر. عددٌ غفير من القراء والكُتاب والنقاد قدّروا فتحَ عالَمٍ جديد للأدب الكانادي، رغم أنّ بعض أعضاء المجتمع المسلم لم يطيقونا، فنحنُ نعرفُ خفايا الأمور ونتصدّى لها”. وتابعت: “كان يتعيّن عليّ أن أواجه العواقب على المستوى الشخصي أيضًا. بعض قادة المجتمع انتقدوني بعنف ونبذوني عام 2000. كان ينبغي لي أيضًا أن أتحمل وصمة العار، المضايقة، والعنف، ومحاولة القتل من قبل المتعصبين. زملائي الكُتاب وقفوا إلى جانبي: باراغورو راماتشاندرابا وزملاء آخرون توسطوا لحلّ المشكلة مع قادة المجتمع المسلم وأقنعوهم بأن يرفعوا الحظر عني، وأن يضعوا حدًا لتلك الواقعة”.

عندما سُئلت مشتاق عن انعكاس مهاراتها المختلفة في الصحافة والمحاماة على الأدب قالت: “التجربة تُساهم في نضج الفرد وتنوّع مهاراته. الحياة ليست خطيّة؛ بل تتحرك وفقًا لوتيرتها وإيقاعها. وبما أنّي راكمتُ تجربتي بوصفي ناشطًة، وعاملة اجتماعية، وصحفية ومحامية، ومضيتُ وراء ذاتي الفردية وطريقة تفكيري وأيديولوجيتي وحواري، فمن كلّ شيء كنتُ اكتسبُ لمسة من الشمولية. بدأتُ أهيئ البيئة (السياق) للحوادث والشخصيات الكثيرة التي أثارتني أو أزعجتني في حياتي اليومية، فشرعتُ أُعالجها من السياق التاريخي إلى السياق الاجتماعي. وخلال هذه العملية، كثيرٌ من هذه الوقائع، والشخصيات، والأشياء كوّنت علاقةً في ذهني. لذا، حين أبدأ بقصةٍ ما، لا يُمكنني أن أتوقع كيف ستتقدّم ولا كيف ستكون ذروتها. التعرّض والتجربة الغنيان هما ما أهلاني لرواية القصص”.

سُئلت مشتاق أيضا إن كان بمقدور الوصف الأدبي أن يُحدِث التغيير على أرض الواقع، لاسيما وأنّ قصصها تخترقُ المحيط البطريركي والطائفة والطبقة الاجتماعية وخطوط الصَدع الدينية، أجابت: “أجل. هذا هو أملي. إلا إنّي لا أجعله واضحًا. أنا أنقله من خلال الأدوات التي أستعملُها، الشخصيات، الثيمات، والفعل. المسألة لا تتركز على الكلمات وحدها؛ القصّة القصيرة تنهضُ على مهارة المؤلف أو المؤلفة. أنا أستخدم ظلالًا مختلفة كي أعرض وجهة نظري. شخصياتي تُظهِر أنّ الإنسانية فوق كلّ شيء آخر. في (كارينغارا)، وصفتُ كيف أنه بوسع النساء أن تساند إحداهنّ الأخرى حتى في المحيط البطريركي. هناك عديدٌ من وقائع كهذه في قصصي. القراء والمراجعون الأدبيون يُميّزون هذه الحساسيات، والحساسيات الرقيقة. إلا أنّ بعضهم يقرؤونها بوصفها قصّة لا غير. ما أن تُكتَب القصة، حتى تغدو ملكًا للقراء. إنّهم يستوعبون كل ما يقدرون عليه اعتمادًا على فهمِهم وتعرّضهم. القصص تؤثر في القراء وتُحدِث التغيير”.

وعن حركة “بندايا” الأدبية وكيف شكلتها قالت مشتاق: “كنتُ منسقًة حركة بندايا في الولاية. الحركة عملت بشكلٍ رئيس مع النساء، الداليت (المنبوذين)، والكاتبات والكُتاب المسلمين. أرشدَت الحركة الكاتبات الشابات والكُتاب الشباب كي ينسجوا القصص حول تجاربِهم المعيشة. على سبيل المثال، حين بدأتُ الكتابة في أول الأمر، لم أكن متيقنة ما إذا كان يتعيّن عليّ أن أستخدم شخصيات واحتفالات هندوسية كونها مناقضة للشخصيات المسلمة والاحتفالات الاسلامية. حينَها، كان معظم قرائي وقارئاتي من المجتمع الهندوسي، الكتاب الكبار مثل باراغورو راماتشاندرابا، وتشاندراشيكار باتيل، وتشينانا واليكار، وراجمان دارغا، الذين كانوا جزءًا من الحركة، أرشدونا كي نكتب عن أناسٍ من مجتمعاتنا، أن نكتب عن الطرائق، الممارسات، والطقوس التي نزاولها بأسلوبٍ من شأنه أن يتجاوب مع عموم القراء. بالضرورة، كان يلزمنا أن نبني الطرق كي نفسح المجال لحركة التعبير الثقافي والأفكار في الأدب الكانادي حتى يكون بمقدور الأجيال اللاحقة من المسلمين، والمنبوذين (الداليت)، والكاتبات أن يسلكوا هذا الطريق. ونتيجًة لذلك، كبرت أجنحة الأدب الكانادي وبشكلٍ فعال الآن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى