شعر

مختارات شعرية لـ أوسيب مندلشتام

Осип Мандельштам

Osip Mandelstam

=====================

القصائد التالية بترجمة برهان شاوي

———————————–

لا جدوى للكلام عن أي شيء..

لا جدوى للكلام عن أي شيء..؛

لا جدوى للتعلم..!

فهي حزينة..ووحيدة..؛

هذه الروح الحيوانية، المظلمة..!!

لا شيء تود أن تتعلم..؛

لا ولا تستطيع أن تتحدث بشيء..

فهي مثل دلفين فتي..

في هذا العالم الأشيب..!!

1909

——————–

آه أيتها السماءُ، السماءُ..

آه أيتها السماءُ، السماءُ..؛

إنك ستأتيني في الحلم،

فلا يمكن أن تكوني عمياء..!

فها هو (اليوم) احترق مثل ورقة بيضاء..؛

ولم يبق منه سوى شيءٍ من الدخان..؛

شيئا من الرماد..!

1911

———————

الغسقُ الخريفي كالحديد الصدئ..

الغسقُ الخريفي كالحديد الصدئ..؛

يصرّ، يغني، ينخر الجسد..!

كل المسرات، وكل خزائن (قارون)،

لا شيء أمام شفرة حسراتك أيها الرب..؟؟؟

أنا منهك مثل أفعى الحاوي الراقصة..

وأمامها، أهتز حسرة، وأنذهلُ..!

أنا لا أريدُ لروحي أن تتلوى وتلتف..

لا أريد العقل..، ولا آلهة الشعر..!

كفى التلافظ الماكر

لفك العقدة الملتفة..!

لا توجد كلمات تجسد شكواي واعترافاتي..!

فقدحي ثقيلة؛ وغير عميقة؟؟!!

لم التنفس!!

فهناك على الحجارة الناتئة..

تستلقي أفعى هائلة، مريضة..؛

تلتف على نفسها كضفيرة..

تهتز..

تشد حزامها واقفة..؛

تنهض شيئاً فشيئا..؛

بغتة..

تسقط منهكة..!

عبثا أتخيلُ..؛

وأقفُ مندهشاً، مذهولاً، عشية الإعدام..!!

إنني لأصغي، كسجين، بلا هلع

لقلقلة الحديد، وأنين الريح المكفهرة..!!!

————————-

أنا أكره ضوء النجوم الرتيبة..

أنا أكره ضوء النجوم الرتيبة..؛

أُحييك يا هذياني القديم..؛

يا برجاً منطلقاً كسهم..!

كن مستديراً أيها الحجر..

وعنكبوتياً صرْ.. أيها الحجر..

السماء نهد جاف..،

فأجرح مثل إبرة دقيقة..!

وسيأتي دوري..

سأحس بنفسي مثل جناح هائل..؛

هكذا.. لكن إلى أين ترحلُ

أفكار السهم المنطلق..!!؟

ولربما عن دروبي..؛

وعمري الذي عشته بنهم سأعود..؛

فهناك.. لم أستطع أن أحب..؛

وهنا؛ أخاف أن أحب..!!

————————–

مُنحتُ جسداً؛ فماذا سأفعلُ به..

مُنحتُ جسداً؛ فماذا سأفعلُ به..؛

هذا المتوحدُ، هذا الذي هو لي..؟؟

من أجل المسرات الهادئة أتنفسُ وأعيشُ

فلمن أُقدمُ امتناني..؟؟

أنا الحدائقيُ..وأنا الوردةُ..؛

وفي عتمة العالم لستُ وحدي..

على زجاج الأبدية رقدت شهقاتي.. ودفئي..؛

فانطبعت نقوشا..

لم يحل لغزها أحد..!

فدع المياه العكرة تمر لبرهة..

كي لا تمحى النقوش الرقيقة..!!

—————————-

إصغاء مرهف يوتّر الشراع

إصغاء مرهف يوتّر الشراع..؛

يجعل فراغ الأفق أكثر رحابة..؛

والهدوء ينقلُ ..ويموج

النشيد الصامت لطيور منتصف الليل..!

أنا فقير مثل الطبيعة..؛

وبسيط أنا مثل السماء..!

ونقية حريتي..؛

مثل شدو طيور منتصف الليل..!

أرى قمراً لا يتنفس..!

والسماء لوحة ميتة..!

عالمك، إذاً، مريض وغريب..!

بينما أحتضنُ الفراغ..!!

1910

—————————

رقائقُ الذهب تتقد

رقائقُ الذهب تتقدُ..

في غابة لأشجار عيد الميلاد..؛

وعلى الأغصان دمُى

لذئاب تحدقُ بعيونها المرعبة..!

يا ألمي الجليلُ..؛

ويا حريتي الهادئة..

قبة السماء ميتة..؛

والكريستال يضحك أبدا..!

1908

———————————-

مـن مجموعة الحـجــــــر للشاعر الذي لا قبر له أوسيب مندلشتام

ترجمـة وتقـديم : بـُرهـان شــاوي

أوسيب مندلشتام شاعر صعب جـدا. قراءته بالروسية، للروس، صعبة..فكيف بترجمة أشعاره إلى لغات أخرى. فهـذا الحجّـار المتواضع والفخور لا يقطع الجلاميد وإنما يصقل الحجارة الصغيرة الناعمة .

مندلشتام شاعر مهـووس بالزمـن، فهو ينجلي لديه بالساعات، الأبدية،التاريخ، القرون، بل وحتى استعارة ( الحجـر ) توازي لـديه استعارة ( الفـراغ ).

ليس هناك بطـل في قصـيدة مندلشتام. إن أشـعاره لا تفسـر الأحـداث والعصـر وإنما العكـس؛ فلربما تلقي أحداث العصـر بعـض الضـوء على الجـوهر في قصـائده.

مندلشتام شـاعر صعب جـدا، وصعـوبته الكبرى تكمـن في بنـاء قصـيدته، فهي خاليـة من الحـدث ، الحبـكة، العقـدة ، المـوضوع . إنهـا رحـلة في الـزمن ـ الكلمـات. الكـلمات لديه هي روح الأشـياء ، فهي لا تعبر عن شـيء بقـدر ما تعبـر عن نفسهـا هي بالذات..ومـن هنـا تـأتي عبثيـة أيـة ترجمـة لأشعار مندلشتام ونقلها إلى غير لغتهـا الروسية الأصليـة.

تم أعتقال أوسيب ماندلشتام مرات عدة، ولأسباب مختلفة، فمرة لأنه صفع الكاتب ألكسي تولستوي في مقر اتحاد الكتاب السوفيت لأنه تحرش بزوجته ناديجدا ماندلشتاما، ومرة لأنه مشكوك بولائه للحزب والثورة الروسية..ومرة لأنه كتب شيئا غير مفهوم لمسؤول الحزب في فارونج، ومرة لأنه كتب قصيدة يسخر بها من ستالين.. وقد تم الحكم على ماندلشتام بالأشغال الشاقة ونُقل إلى سيبيريا، وهناك أصيب بمرض نتيجة لضعف جسمه ولسوء الظروف، فألقي جسده في مكب النفايات مع عشرات الجثث التي كانت تتهاوى في ذلك المنفى البعيد.

( 1 )

صـوتهـا حـذر ؛ وأصــم..؛

تـلـك الثمــرةُ السـاقطـةُ عـن الشـجرة..

وسـط الألحــان الصـاخبـة..؛

لـهــدوء الغــابـة العـميـقـة ..!

1908

( 2 )

رقــائـقُ الـذهـب تـتـقــدُ..

فـي غـابـة لأشــجار عيــد المـــيلاد..؛

وعـلى الأغصـــان دمُـــى

لذئــاب تحــدقُ بعيـونها المــرعبـة..!

يا ألمــي الجـليـلُ..؛

ويـا حــريتــي الهــادئـة..

قبــة السـماء ميتــة..؛

والكريســـتال يضحــك أبـدا..!

1908

( 3 )

مُنحــتُ جســداً؛ فمــاذا سـأفعـلُ بـه..؛

هـذا المتـوحــدُ، هـذا الـذي هـو لــي..؟؟

مـن أجــل المســرات الهـادئـة أتنفـسُ وأعيـشُ

فـلمــن أُقــدمُ امتنــانـي..؟؟

أنــا الحـدائقــيُ..وأنـا الــوردةُ..؛

وفـي عتمــة العــالم لسـتُ وحـدي..

عـلى زجــاج الأبـديـة رقـدت شـهقاتـي.. ودفـئــي..؛

فـانطبعــت نقـوشـا..

لـم يحــل لغـزها أحــد..!

فـدع المـيــاه العــكــرة تمــر لـبرهــة..

كـي لا تمحــى النقـوش الـرقيـقة..!!

1909

( 4 )

لا جـدوى للكــلام عـن أي شــيء..؛

لا جـدوى للتعــلم..!

فهــي حـزينــة..ووحيــدة..؛

هــذه الــروح الحيـوانيـة، المظــلمــة..!!

لا شــيء تـود أن تتعــلم..؛

لا ولا تستـطيع أن تتحـدث بشـيء..

فهـي مثـل دلفــين فتــي..

فـي هــذا العـالم الأشــيب..!!

1909

( 5 )

إصــغاء مرهـف يـوتّـر الشـراع..؛

يجعــل فــراغ الأفــق أكثــر رحـابة..؛

والهــدوء ينقــلُ ..ويمــوج

النشيـد الصـامت لطيـور منتصـف الليــل..!

أنــا فقيــر مثـل الطبيعــة..؛

وبسيــط أنـا مثــل السـماء..!

ونقـية حـريتـي..؛

مثـل شـدو طيـور منتصـف الليـل..!

أرى قمــراً لا يتنفـس..!

والسـماء لــوحـة ميتــة..!

عـالمك، إذاً، مـريض وغــريب..!

بينمــا أحتضـنُ الفــراغ..!!

1910

( 6 )

يـا لبطء خطــى الخيـول..؛

يـا لقــلة الضـوء فـي الفـنارات..!

النــاس الغــرباء، يعـرفون جيـدا،

إلـى أيـن يمضـون بـي..!!!؟

أنـا مطمـئن لهـم..

وبـردان أنـا..؛ أريـدُ أن أنـام..؛

مــلقى أنـا عـلى القـارعـة..؛

لمــلاقـات ضـوء النجــوم..!!

الـرأسُ الملتهــبُ يتــرنـحُ..؛

والأكــفٌ الغـريبـة ؛ وثـلجـهـا الـرقيـق..

ومـلامح أشـجار الصنوبـر فـي العتمـة..؛

عـن هــؤلاء لا أعــرفُ شـيئـا..!!؟؟

1911

( 7 )

الصَــــدَفَــــة..

لـربمـا أنـتِ لـستِ بحـاجتـي..؛

فـي الليـل..؛

فـفي لجـة العــالم..

مثـل صـدفـة بلا لـؤلـؤة..

أُلقـيتُ عـلى سـاحـلك..!!

أنـت ؛ بلا مبالاة ؛ ترغيـن بالمــوج..؛

وتغنيـن بمشـاكسـة..؛

لكنــك ستحبيـن..، وستقـدريـن

هـذه الصـدفـة المهمــلة.

سـترقـدين عـلى الـرمـل جنبهـا..؛

وسـتغطينهـا بثـوب قـداسـك..؛

سـترتبطيـن بهــا بقـوة..؛

وسـتعزفيـن عـلى جـرس هـائل

من الأمــواج الناعمــة..!!

عنـد ذاك؛ جـدار الصـدفـة الهــش..؛

البيـت الـذي ، كقـلبٍ مهجــور ،

سـتملأينه بـرغــوة الهمــس..؛

وبالضـباب..بالـريـح..وبالأمطــار..!!

1911

( 8 )

آه أيتهــا الســماءُ،السـماءُ..؛

إنـك سـتأتيني فـي الحــلم،

فـلا يمــكن أن تكــونـي عميــاء..!

فهـا هـو ( اليـوم ) احتـرق مثـل ورقــة بيضـاء..؛

ولـم يبـق منـه سـوى شـيءٍ من الدخــان..؛

شـيئا مـن الــرمــاد..!

1911

( 9 )

أنـا أكـره ضـوء النجـوم الـرتيبـة..؛

أُحيـيك يا هـذيـانـي القـديـم..؛

يـا بـرجــاً منطــلقـاً كسـهم..!

كـن مـستديراً أيهــا الحجــر..

وعنكبوتيـاً صـرْ..أيهـا الحجــر..

السـماء نهــد جــاف..،

فأجــرح مثل إبــرة دقـيقــة..!

وسيأتـي دوري..

سـأحس بنفسـي مثل جنـاح هـائل..؛

هـكـذا..لكـن إلـى أيـن تـرحلُ

أفكــار السـهم المنطــلق..!!؟

ولــربما عـن دروبـي..؛

وعمـري الـذي عشتـه بنهـم سـأعود..؛

فهنـاك..لـم أسـتطع أن أحــب..؛

وهنــا؛ أخـاف أن أحــب..!!

1912

( 10 )

الغسـقُ الخـريفي كـالحـديد الصـدئ..؛

يصــرّ، يغنـي، ينخــر الجسـد..!

كـل المسـرات، وكـل خـزائن ( قـارون )،

لا شـيء أمــام شـفرة حسـراتك أيهـا الــرب..؟؟؟

أنـا منهــك مثـل أفعــى الحــاوي الـراقصـة..

وأمــامهـا، أهتــز حسـرة، وأنـذهــلُ..!

أنـا لا أريـدُ لـروحــي أن تتـلوى وتـلتـف..

لا أريـد العقــل..، ولا آلهــة الشعــر..!

كفــى التلفظ المــاكـر

لفــك العقـدة الملتفــة..!

لا تـوجــد كـلمات تجسـد شـكواي واعتـرافاتـي..!

فقـدحـي ثقـيـلــة؛ وغيـر عميـقــة؟؟!!

لـم التنفـس!!

فهنــاك عـلى الحجــارة النـاتئــة..

تسـتلقي أفعـى هـائلة، مـريضـة..؛

تلتــف عـلى نفسـها كضفــيرة..

تهتــز..

تشـد حـزامهـا واقفـة..؛

تنهـض شـيئاً فشيئـا..؛

بغتــة..

تســقط منهــكة..!

عبثـا أتخيـلُ..؛

وأقــفُ مندهشـاً، مـذهـولاً، عشـية الإعـدام..!!

إننــي لأصـغي، كسـجين، بلا هــلع

لقــلقلـة الحــديد، وأنيـن الــريح المكفهــرة..!!!

1912

تمت الترجمـة عن اللغـة الروسية مع الاعتماد على جميع الترجمات التي صدرت لأشعاره في اللغـة الألمانية.

———————————

=====================

القصائد التالية بترجمة هنري فريد صعب

—————-

جَرْيُ الأحصنة جدّ بطيء

جَرْيُ الأحصنة جدّ بطيء

وشعلة القناديل جدّ ضعيفة!

أتساءل، إلى أين أُقاد؟

أولئك المجهولون ربما يعرفون.

أستسلم لرعايتهم،

البَرْد يستولي عليّ، وكذلك النوم؛

في منعطفٍ يقذفني ارتجاج عجلةٍ

بشعاع نجمة في وسط الجبين.

تمايُل الرأس المشتعل،

والصقيع الناعم للأصابع المجهولة،

والصنوبرات الداكنة، وأشباحها،

كلها محجوبة عن نظري.

———————–

المحارة

ربما أكون غير مجدية لك

يا ليل؛ فمن الهاوية الكونية

قُذفتُ على شاطئك

محارةً بدون لؤلؤة.

موجتك اللامبالية تندفع،

وأنت تصدح بصوتك في تنافر؛

لكنك ستحبّها، ستثير إعجابك

خدعةُ المحارة اللامجدية.

سترتدي جُبّة الكاهن،

وستتمدّد قربها على الرمل،

وتشدّ اليها بعُرىً لا تُفصَم

الجرس الضخم المتمايل.

وستملأ جوانب المحارة الهشّة،

بصخَب الزبد،

والريح، والمطر، والضباب،

كمثل بيتِ قلبٍ مهجور

———————

الجوّ كئيبٌ صاخبٌ ونديّ

الجوّ كئيبٌ صاخبٌ ونديّ؛

نشعر بأننا في أمانٍ في الغابة.

وأمضي طيّعاً، حاملاً مرّة أخرى

الصليب الخفيف، صليب النزهات المنعزلة.

ومجدّداً، نحو الوطن اللامبالي

يصعد التعنيف، كالطائر حلزونياً.

أشارك في الحياة المظلمة،

وأنا بريء من عزلتي.

طلقةٌ نارية. على البحيرة الساكنة،

تُرخي أجنحة البطّ بثقلها الآن.

وبريقٌ وجودٍ مزدوج

يُنوّم جذور الصنوبرات.

يا السماء الزجاجية ذات اللمعان العجيب،

يا الألم المضبّ للعالم –

اسمحي لي بأن أكون مثلك مضبّاً،

واسمحي لي بأن لا أحبك.

————————

الهاوية الهائلة مظلمة وشفّافة

الهاوية الهائلة مظلمة وشفّافة،

النافذة الفاترة تبيضّ.

ما الذي يجعل القلب يثقل

في بطء شديد وعناد؟

أحياناً يجري نحو العمق بكل ثقله،

يسكنه حنينٌ الى الطّمي الأثير،

أو يرتفع فجأةً مثل قشّة

ويعوم بلا جهد.

بعذوبةٍ خادعة، ابقَ في السرير

وهدهد ذاتك طول عمرك.

تحمّل قلقك كخرافة،

وكن ناعماً مع السأم الرائع.

———————————–

حزنٌ لا يوصف

حزنٌ لا يوصف

فتح عينيّ واسعاً.

واستفاق إناء الزهر

ولطّخنا بالبلّور.

كل الغرفة مشرَّبة

بالفتور – يا له من دواءٍ لذيذ!

التفكير في أن مملكةً جدّ صغيرة

ابتلعت هذا الكمّ من النوم.

لم يبق غير القليل من النبيذ الأحمر

والقليل من شمس أيّار –

وبياض الأصابع الدقيقة للغاية

يفتّت البسكويت الرقيق.

—————————-

على المغزل الصّدَفيّ

على المغزل الصّدَفيّ

الذي يمدّ خيطه الحريري،

إبدئي أيتها الأصابع الرشيقة

بالأمثولة الجذّابة.

إنَّ مدَّ يديك وجَزْرهما،

وحركاتهما الرتيبة،

كما لو أنكِ كنتِ ترقين

لا أعلم أي رعبٍ شمسي،

عندما كفّك العريضة،

الشبيهة بصَدَفةٍ برّاقة،

تنطفئ، تارة نحو الظلمات الهابطة،

وطوراً تختفي في النار الوردية!

———————-

الحجر

أُعطي لي جسد – لأي غاية؟ –

هذا الجسد الوحيد، الخاص بي كلياً.

مَن، قلْ لي، يجب أن أشكر

على هذه السعادة، العيش والتنفّس؟

أنا البستاني، والزهرة أيضاً،

في سجن العالم لست أبداً وحدي.

نَفَسي وحرارتي غشّيا بالبخار

زجاج الأبدية من زمان.

إن تلتصق الخطوط بالرسم،

فبعد لحظة لن يميّزها أحد.

كم يسيل بخارٌ في لحظة!

لكن المخطّط الأثير لن يعتريه فساد.

————————

اليوم يوم سيء

اليوم يوم سيء،

وجوقة الجداجد غافية،

وملجأ الصخور المظلمة

أكثر ظلمةً من أحجار القبور.

نعيق الغربان النبوئية،

واللحن الرتيب للسهام الطائرة…

أنا في حلم، كابوس.

بعد لحظةٍ زوال اللحظة.

أبعد حدود الظاهرات،

إطّرح القفص الارضي،

ليُدَوِّ النشيد الوحشي،

نحاسُ الاسرار المتمردّة!

بندولُ النفوس الكالح

يتأرجح، عمودياً أخرس،

والقدر في شغفٍ

يقرع بابنا المحظور…

————————–

الشعاع الشحيح ينشر الضوء

الشعاع الشحيح ينشر الضوء

ببرودةٍ ضئيلة في الغابة الندية.

وأنا أحمل في قلبي الحزن

بهدوء، كطائرٍ رماديّ.

ما بوسعي أن أفعل بطائرٍ جريح؟

الجلَد صامت، جامد.

في برج الأجراس المحاط بالضباب،

ستكون نُهِبت الاجراس.

والارتفاع اليتيم الأبكم

ينتصب الآن

كبرجٍ أبيض قفرٍ

يأوي اليه الصمت والسحاب.

الصباح، يتعذّر سَبْره من الرقّة،

وشبه الوعي والتهويم

والنسيان العطش،

وأجراس الافكار المضبّة…

—————————

الريح السوداء تثير الرعشة

الريح السوداء تثير الرعشة

في الاوراق المضطربة التنفّس،

والسنونو المرتجف

يرسم حلقةً في السماء القاتمة.

الظلمة المتكاثفة

تتنازع في قلبي بهدوء

(قلبي العطوف المحتضر)

مع الشعاع الذي ينطفئ.

وعلى الغابة التي يدثّرها المساء

يُطلّ قمر نحاسي.

ولكن لمَ هذا الشح في الموسيقى

وهذا الصمت المطْبِق؟

———————–

ما الذي يجعل النفس جدّ شجيّة

ما الذي يجعل النفس جدّ شجيّة،

ويكون ثمة قلّة من الاسماء العزيزة،

والنغمُ الهارب ليس سوى مصادفة،

سوى عصفة ريحٍ فجائية؟

إنها تثير غيمةً من غبار،

تُرعش المجذاف الورقيّ،

ولا تعود أبداً ثانية، أو بالحريّ

ستعود بشكلٍ مختلف.

يا أنت، يا ريح أورفيوس العظيمة،

ستمضين نحو الأقطار البحرية!

لولعي بالعالم اللامخلوق

نسيتُ “الأنا” اللامجدية.

لقد تهتُ في غابة منمنمة

واكتشفتُ مغارةً لازورديّة…

هل صحيح أنني حقيقي،

وأن الموت حقيقةً آت؟

————————

القفير المثلوج أكثر إبطاءً

القفير المثلوج أكثر إبطاءً،

وبلّور النوافذ أكثر شفافية.

وعلى الكرسيّ مرميّ بإهمال

النقاب الأزرق.

وثملاً من شدّة السكر

يكابد القماش الصيف،

وكأن الشتاء يتجاهله،

وقد أثارت عطفه مداعبة الضياء.

وإن يُمطر ثلج الأبدية

في الألماس الجليدي،

فهنا ارتعاش اليعاسيب،

الناشطة للعيش وبأعينٍ زرقاء.

———————

========================

القصائد التالية بترجمة إبراهيم استنبولي

——————————-

آخماتوفا

بنصف استدارة ، آه أيها الحزن ،

رحت تنظرين إلى غير المبالين .

و الشال شبه الكلاسيكي جَمَد

وقد راح ينزاح عن الكتفين .

و صوت كله شؤم – يا للنشوة المريرة –

راح يزيل القيود عن أعماق الروح :

هكذا – يا فيدرا الساخطة –

وقفت يوماً ما راشيل .

—————————–

إلى مارينا تسفيتاييفا

بلغز القيامة دون أن نؤمن،

كنا نتمشى بين القبور .

أتعلمين، الأرض في كل مكان

تذكرني بتلك التلال .

……………….

…………………

حيث تنتهي روسيا

فوق بحر قاتم و أصم .

عند سفوح الأديرة

ينطلق مرج فسيح .

لم تكن لي في الجنوب رغبة،

بعيداً عن سهول فلاديمير .

لكن أن أبقى في هذه القرية

الخشبية، الغريبة و المُعتمة،

مع راهبة من ضباب

يعني ستكون مصيبة .

أقُبّل الذراع المُلوَّح من الشمس،

و بعضاً من الجبين الشاحب .

أعرف لقد ظلَّ ابيض

خلف خصلة ذهبية سمراء .

أقبّل اليد، حيث تحت السوار

يوجد شريط أبيض .

لأن صيف “تفريد” الحارق

يصنع هكذا عجائب .

كم سريعاً أصبحتِ سمراء،

والى المخلِّص المُعذَّب أتيتِ

و رحت تلثمينه بلا توقف،

بينما في موسكو عزيزةً كنتِ .

لنا بقي الاسم فقط :

صوت سحري، لوقت طويل .

فهيا التقطي الرمل

الذي تذروه يداي .

————————–

نحن نعيش

نحن نعيش ، دون أن نشعر بالوطن من تحتنا ،

أحاديثنا لا تُسمع لأبعد من عشر خطوات .

و حيث يوجد ما يكفي لنصف حديث ،

فإننا نتذكر الجبليَّ في الكرملين .

أصابعه الثخينة الدهنية كما الديدان ،

و كلماته صحيحة كما الأوزان الثقيلة ،

و شاربيه “الصرصوريين” يضحكان ،

و تتلألأ رقبة حذائه .

و من حوله أوباش من القادة بأعناق نحيلة ،

و هو يلعب بخدمات أنصاف البشر .

هذا يصفّر ، و هذا يموء و ذاك يئن ،

بينما هو وحده يقصف و ينمّ .

كما الحدوة يصدر المرسوم تلو المرسوم –

يصيب هذا في الإرب ، و يصيب ذاك في الجبين ،

يصيب هذا في الحاجب و ذاك في العين .

و كل إعدام عنده – توت عليق

و صدر منتفخ للأوسيتيني[1] .

** **

[1] – أوسيتيني أي من مواطني أوسيتيا التي كانت حتى

وقت قريب جزءاً من جورجيا .. و يقصد به ستالين .

————————-

لم تمت أنت بعد

لم تمت أنت بعد ، ما زلت غير وحيد ،

طالما أنك تستمتع بعَظَمة السهول .

و بالعتمة ، و بالبرد و بالعاصفة الثلجية .

و لتحيا بصبر في الفقر الباذخ

و في الشقاء العظيم .

مجيدة هي تلك الأيام و الليالي ،

و غير آثم العمل العذب .

إنه لتعس ذاك ، الذي يخيفه النباح ،

كما ظله ، و ترميه الرياح ،

و بائس مَن ذاته يقف نصف حي

قرب الظلّ و يطلب الصدقة .

—————————–

ألطف من اللطف وجهك

ألطف من اللطف – وجهك ،

و أكثر بياضاً من الأبيض – يدك ،

و أنت بعيدة عن مجمل العالم ،

و كل ما فيك – مما هو لا مفر منه .

و مما هو لا مفر منه –

حزنك ،

و أصابع يديك الملتهبتين

و الصوت الناعم لأحاديثك غير الشجية ،

و البُعْدُ في مقلتيك .

————————

بلاد الحجارة المُولوِلة

بلاد الحجارة المُولوِلة –

أرمينيا، أرمينيا !

يا مَن تنادين الجبال المبحوحة

إلى السلاح –

أرمينيا، أرمينيا !

يا مَن تطيرين إلى أبواق آسيا الفضية

دائماً –

أرمينيا، أرمينيا !

يا مَن تَهبين أموال الشمس الفارسية

بسخاء –

أرمينيا، أرمينيا

———————-

الشاعر الروسي أوسيب إيملييفيتش مندلشتام قصة حياته و موته

    إبراهيم إستنبولي

    مَن يتمعن في تاريخ روسيا بعد استلام الشيوعيين السلطة هناك سوف تدهشه السهولة التي كان يجري فيها اعتقال شاعر أو كاتب و الحكم عليه بالاعدام او بالنفي .. و سوف يحزن المرء لكون العشرات من المبدعين الروس قد لاقوا حتفهم إما في معسكرات الاعتقال او رميا بالرصاص او انتحاراً تحت ضغط الظلم والقهر والاستبداد .. وهم الذين عرفوا بحبهم لوطنهم ـ روسيا ، و بإبداعهم الذي كان يمكن ان يرفد اكثر ويغني اكثر نهر الثقافة والادب العالميين .. ويزداد حزن المرء لأن هؤلاء قد تم قتلهم و اضطهادهم باسم الحرية وباسم الاشتراكية وباسم العمال والفلاحين .. و باسم الاممية احياناً .. بينما الذين مارسوا ذلك القتل وذلك الاضطهاد هم من كل هذا براء . ويتعمق حزن المرء اكثر و اكثر حين تقفز الى المخيلة حالات مشابهة لأدباء ومفكرين وشعراء وفنانون وعلماء واطباء وغيرهم ، من مختلف البلدان العربية ـ من العراق والسعودية وسوريا ، من مصر والمغرب والسودان .. جميعهم قد تم نفيهم او تهجيرهم او سجنهم او قتلهم باسم الوطن وباسم الحرية والتقدم وباسم الدفاع عن الوطن وعن الامة .. وباسم فلسطين .. والوحدة العربية .. بل وباسم الشيوعية احيانا .. وكل مَن مارس ذلك هو بعيد عن كل ما تم تعداده : فلسطين ضاعت ، والوحدة المنشودة ذهبت مع الريح التاريخي .. والوعود بالحداثة وبالتقدم وبالتحرر ـ سراب ، فالعراق محتل والارض لم تُحرر ، والوطن ليس اقوى و الوحدة الوطنية ليست امتن ، بل ، للاسف ، بالعكس : شعوب لا تشعر بالامن في اوطانها ، غربة قاتلة وإحساس كما لو ان الارض غير ثابتة تحت الاقدام .. اقدام الاهل وليس الاغراب ..

    وليس هناك من بارقة امل .. فالقابضون على الاوطان تحولوا الى هواة سلطة ، والاوطان اصبحت بحجم سجونها و اجهزتها وائمتها الميامين في حقل الدعوة الى القهر والحقد والظلم ..

    هنا قصة حياة شاعر كعشرات الشعراء الروس .. ويا للعجب ـ جميعهم تقريبا لم يعمروا طويلاً .. ( في حين ان القادة التاريخيين عاشوا طويلا!.) .. منهم ، غوميليوف ، مايكوفسكي ، بلوك ، وباسترناك ، ايسنين ، اخماتوفا ، تسفيتاييفا ، بولغاكوف ، وحتى غوركي لم يسلم من ظلم السلطة ” اللينينية ” .. وغيرهم الكثير الكثير .

    ما هذا ؟ .. برهان على ان القهر أو الاستبداد ينتقل بالعدوى ؟. لكن لماذا نحن والى متى ؟ و كيف الخلاص ؟ ..

    أوسيب إيملييفيتش مندلشتام

    Osip Mandelshtam

    1891- 1938

    ولد اوسيب مندلشتام في 3 ( 15 ) كانون الثاني من عام 1891 في مدينة وارسو .

    والده إيميل فينيامينوفيتش سليل اليهود الاسبان ـ تلقى تربيته في عائلة أبوية السلطة ، مما دفعه للهروب من البيت صبياً ، حيث تمكن بنفسه من التعرف على الثقافة الاوروبية ـ غوته ، شيلر ، شكسبير . وكان يتكلم الالمانية والروسية بشكل سيئ . و هو الانسان ذو الطبع الحاد ، لم يكن ناجحا في عمله التجاري بنفس الدرجة كما في المنزل كفيلسوف ” ذاتي التعليم ” . والدته فلورا اوسيبوفنا ، وكنيتها قبل الزواج فيربلوفسكايا ، كانت من عائلة مثقفة ـ كانت تجيد العزف على البيانو ، كما اكنت تحب بوشكين وليرمنتوف ، تورغينيف و دوستويفسكي … وهي من اقرباء المؤرخ المعروف للادب الروسي فيلينغيروف .

    لقد كان اوسيب الاكبر بين اخوته الثلاثة . قريبا بعد ولادة اوسيب انتقلت العائلة للعيش في بلدة بافلوفسك بالقرب من  بطرسبورغ .. و ثم منذ عام 1897 ـ في بطرسبورغ نفسها .

    في عام 1900 انتسب اوسيب مندلشتام الى مدرسة خاصة ، حيث كان لمدرس قواعد اللغة الروسية فلا . غيبيوس تأثير كبير على تبلور الشاعر .. وخلال دراسته بدأ اوسيب ينظم الشعر .. وفي نفس الوقت ظهر اهتمامه بأفكار الحركة الشعبية الروسية”ESERI ” . لذلك فورا بعد إنهائه للمدرسة قام الاهل ، وقد اقاقهم النشاط السياسي لابنهم ، بارساله للدراسة في جامعة السوروبون في باريس . وهنا في فرنسا اكتشف مندلشتام لنفسه اشعار فايون وادب بودلير وفيرلين .. وغيرهم . وهناك ايضا تعرف الى ن . غوميليوف . وراح يكتب الشعر ويحاول النثر ايضا . وفي عام 1909 – 1910 تلقى مندلشتام دروساً في الفلسفة وعلوم النحو في جامعة هايدلبيرغ . زكان في نفس الفترة يزور في بطرسبورغ اجتماعات اللجنة الدينية ـ الفلسفية ، والتي كان من بين اعضائها مفكرون وادباء بارزون جداً من امثال ن . بيردياييف ، د . ميريجوفسكي ، فتشيسلاف إيفانوف[PU1] . وفي ذلك الوقت اقترب مندلشتام من الوسط الادبي الروسي في بطرسبورغ .. حيث ظهر مندلشتام لاول مرة في ” قلعة [PU2] ” ف . ايفانوف ، حيث يلتقي مع آنا أخمادوفا . . وفي آب من عام 1910 تمت عمليا الانطلاقة الادبية لمندلشتام : في العدد التاسع من مجلة ” ابوللون [PU3] ” تم نشر مقتطفات من خمسة قصائد للشاعر مندلشتام .

    في عام 1911 تم تأسيس ” ورشة الشعراء [PU4] ” ـ وقد كان مندلشتام احد اعضائها . وفي نفس العام اعتنق مندلشتام المسيحية مما سمح له لادخول الى القسم الاماني ـ الروماني لكلية التاريخ والآداب في جامعة بطرسبورغ .. حيث تابع محاضرات و دروس لكبار العلماء في مجال النحو ، وحيث تحت تأثير العالم الشاب ف. شيليكو بدأ اهتمام مندلشتام بالحضارة الآشورية وبحضارة مصر وبابل القديمتين . كما اصبح الشاعر في ذلك الحين واحداً من رواد مقهى ” الكلب الشارد [PU5] ” .

    في عام 1913 تمت طباعة ونشر اول ديوان شعري لمندلشتام تحت عنوان ” الصخرة ” . في تلك الفترة كان الشاعر قد ابتعد عن الرمزية و اعتنق مذهب الكمالية . . كما راحت تُطبع اشعره بكثرة في مجلة ” ابوللون ” . وحاز الشاعر على الشهرة .

    غي عام 1914 ، بعد تطوع غوميليوف وذهابه الى جبهة القتال ، تم انتخاب مندلشتام رئيسا لـ ” ورشة الشعراء ” .

    في كانون الاول من عام 1915 قام منلشتام بنشر الطبعة الثانية من ديوانه ” الصخرة ” ـ وقد كانت الطبعة الثانية اكبر بحوالي ثلاث مرات من الاولى .

    في بداية عام 1916 جاءت مارينا تسفيتايفا الى بطرسبورغ .. التقت هناك في امسية ادبية مجموعة من الشعراء .. ومنذ تلك الامسية ” الغير رسمية ” بدأت صداقتها مع مندلشتام ، والتي تم تتويجها بمجموعة من القصائد التي كتبها الشاعران الى بعضهما البعض .

    بعد الثورة عمل مندلشتام موظفا عاديا في مختلف الدوائر الرسمية في بطرسبورغ . ومع بداية عام 1918 غاد الى موسكو . ليترك موسكو الجائعة في شباط من عام 1919 وليبدأ حياة التشرد في انحاء روسيا : موسكو ، كييف ، فيوديسيا .

    في ايار من عام 1919 وفي مقهى ” خلام ” في كييف تعرف مندلشتام الى ناديجدا اخازينا ذات العشرين عاما والتي ستصبح زوجته في عام 1922 .. وبعد سلسلة من المغامرات بما في ذلك السجن لدى قوات فرانغل ، عاد منلشتام الى بطرسبورغ في خريف 1920 . . حيث تسلم غرفة في ” بيت الفنون ” الذي تم تحويله الى منزل للفنانين والادباء .

    صيف وخريف عام 1921 قضت عائلة مندلشتام في جورجيا .. حيث وصلهم نبأ وفاة الكسنادر بلوك .. ومن ثم نبأ اعدام غوميليوف .

    خلال عامي 1922 – 1923 نشر مندلشتام ثلاثة دواويين شعرية : “tristia تريستيا  ” 1922 ، ” الكتاب الثاني ” 1923 الطبعة الثالثة من ” الصخرة ” 1923 . وقد طبعت اعماله في موسكو و بطرسبورغ وبرلين .. فقد كتب مندلشتام في تلك الفترة سلسلة مقالات حول قضايا ملحة في حقل الثقافة والتاريخ والانسنة : ” الكلمة والثقافة ” ، ” حول طبيعة الكلمة ” ، وكذلك ” قمح البشرية ” … وغيرها ..

    في عام 1924 انتقل مندلشتام من موسكو الى لينيغراد . وفي عام 1925 نشر مندلشتام كتاب عن سيرته الذاتية بعنوان ” ضجيج الزمن ” . وفي عام 1928 صدر آخر ديوان شعري لمندلشتام خلال حياته ” أشعار ” ، وبعده بقليل ـ مجلد ضم مقالات ” حول الشعر ” و قصة طويلة بعنوان ” علامة مصرية ” ..

    قضت عائلة مندلشتام الجزء الاكبر من عام 1930 في ارمينيا .. ونتيجة لتلك الرحلة كانت مقالة نثرية ” رحلة في ارمينيا ” .. وسلسلة اشعار ” ارمينيا ” .. وفي نهاية عام 1930 عاد مندلشتام الى لينيغراد .

    في كانون الثاني من عام 1931 و بسبب مشاكل السكن غادرت عائلة مندلشتام الى موسكو .. وهناك منح مندلشتام راتبا شهرياً 200 روبل مدى الحياة ” لقاء خدماته تجاه الادب الروسي ” .

    كتب مندلشتام في موسكو الكثير : بالاضافة للشعر عمل على انجاز دراسته ” حديث عن دانتي ” .. لكن اصبح من الصعب عليه طباعة اعماله .. فبسبب نشر الجزء الاخير من ” رحلة في ارمينيا ” في جريدة ” النجمة ” اللينيغرادية كان قد اعفي من مهامه المحرر فولبيه .

    في عام 1933 حضر مندلشتام الى لينيغراد حيث اقام امسيتين شعريتين .. وفي نفس العام اقام امسية شعرية في موسكو في المتحف التابع لمعهد العلوم التكنولوجية ..

    في ايار عام 1934 تم اعتقال مندلشتام .. وحكم عليه بالنفي ثلاث سنوات الى قرية تشيردين النائية .. لكن بعد توسط اخماتوفا وباسترناك تم استبدال تشيردين بمدينة فورونيج القربية نسبيا . بعد النفي لم يعد يُسمح لعائلة مندلشتام بالعيش في موسكو او لينيغراد .. مما اضطرهم للتسكع في ضواحي موسكو ..

    اعتقل آخر مرة في 2 ايار من عام 1938 .. وحسب الاعلان الرسمي توفي في 27 كانون الاول من نفس العام 1938 وذلك في معسكر الاعتقال قرب فلاديفستوك .

————————————

=======================

قبر مجهول في معسكر اعتقال

أيها الصوف الذهبي، أين أنت، أيها الصوف الذهبي ؟

طوال الدرب كانت تضج أمواج البحر الثقيلة،

بعد أن غادر السفينة، التي أكلّت وجه البحار،

عاد اوديسيوس و قد امتلأ بالفضاء و بالزمن .

لفترة طويلة تزيد عن نصف قرن كانت الكتابة عن الشاعر الروسي أوسيب مندلشتام تعتبر من المحرمات في الاتحاد السوفييتي السابق، مما جعل جيل الشباب السوفييت، شباب ” الاشتراكية المتطورة “، يجهل تماماً هذا الشاعر المتميز، الذي كان واحداً من الأصوات القوية في الحركة الشعرية الروسية مع بدايات القرن العشرين، وذلك إلى جانب رواد الحداثة الشعرية في روسيا من أمثال بلوك، مايكوفسكي، يسينين، تسفيتاييفا و غيرهم . وفقط مع انطلاق البيريسترويكا و خصوصاً بعد انهيار الاتحاد السوفييتي راحت تطبع دواوين أوسيب مندلشتام بحرية و أعيدت ” الحياة ” إلى أشعاره .

و إذا كان الظلم و النسيان، بل التناسي و التغييب اللذين لفاَّ الشاعر في زمن سيطرة الأدب السوفييتي الرسمي قد أدّيا إلى حجب إبداعه عن المواطن السوفييتي، فإنه كان من الطبيعي أن يبقى الشاعر مجهولاً بالنسبة للقارئ العربي ؛ لأنه كان لا بد أن يظلَّ إبداع الشاعر غائباً عن المكتبة العربية .. إذ لطالما كانت حركة الترجمة الأدبية من اللغة الروسية تقتصر على الكتاب و الشعراء السوفييت الذين تمنحهم الرقابة السوفييتية الصارمة ” إذناً بالخروج إلى النور ” ؛ اللهم باستثناء الأدباء الروس الكلاسيكيين .

ولد أوسيب مندلشتام في 3 (15) كانون الثاني من عام 1891 في مدينة وارسو . والده إيميل فينيامينوفيتش سليل اليهود الأسبان تلقى تربيته في عائلة أب متسلط، مما دفعه للهروب من البيت صبياً، و قد تمكن بجهوده الذاتية من التعرف على الثقافة الأوروبية غوته،شيلر، شكسبير . كان يتكلم الألمانية والروسية بشكل سيئ . و بسبب طبعه الحاد لم يكن ناجحاً في عمله التجاري بنفس درجة فشله في المنزل كفيلسوف ” ذاتي التعليم ” . والدته فلورا اوسيبوفنا، و كنيتها قبل الزواج فيربلوفسكايا، كانت سليلة عائلة مثقفة كانت تجيد العزف على البيانو، كما كانت تحب بوشكين و ليرمنتوف، تورغينيف و دوستويفسكي … وهي من أقرباء المؤرخ المعروف للأدب الروسي فيلينغيروف . كان أوسيب هو الأكبر بين أخوته الثلاثة . بعد ولادة أوسيب بفترة قصيرة انتقلت العائلة للعيش في بلدة بافلوفسك بالقرب من بطرسبورغ .. و منذ عام 1897 في بطرسبورغ نفسها . في عام 1900 انتسب أوسيب مندلشتام إلى مدرسة خاصة، حيث كان لمدرس قواعد اللغة الروسية ف . غيبيوس Gibius تأثير كبير على تبلور الشاعر .. وخلال دراسته بدأ أوسيب بنظم الشعر .. وفي نفس الوقت ظهر اهتمامه بأفكار الحركة الثورية الشعبية في روسيا. لذلك قام الأهل، فوراً بعد إنهائه للمدرسة الابتدائية – وقد أقلقهم النشاط السياسي لأبنهم – بإرسال أوسيب للدراسة في جامعة السوربون في باريس . وهنا في فرنسا اكتشف مندلشتام بنفسه أشعار فايون و أدب بودلير و فيرلين .. وغيرهم . وهناك أيضا تعرف إلى نيكولاي غوميليوف . وراح يكتب الشعر ويحاول النثر أيضا . وفي عام 1909 – 1910 تلقى مندلشتام دروساً في الفلسفة وعلوم النحو في جامعة هايدلبيرغ في ألمانيا. كما كان في نفس الفترة يزور في بطرسبورغ اجتماعات اللجنة الدينية الفلسفية، والتي كان من بين أعضائها مفكرون وأدباء بارزون جداً من أمثال ن . بيردياييف، د . ميريجوفسكي، فتشيسلاف إيفانوف . وفي ذلك الوقت اقترب مندلشتام من الوسط الأدبي الروسي في بطرسبورغ .. حيث ظهر مندلشتام لأول مرة في ” قلعة ” ف . ايفانوف، حيث يلتقي مع آنا أخماتوفا . . وفي آب من عام 1910 تمت عملياً الانطلاقة الأدبية لمندلشتام : في العدد التاسع من مجلة ” ابوللون ” نُشرت مقتطفات من خمس قصائد للشاعر مندلشتام . في عام 1911 تم تأسيس ” ورشةالشعراء ” وقد كان مندلشتام أحد أعضائها . وفي نفس العام اعتنق مندلشتام المسيحية مما سمح له بالدخول إلى القسم الألماني الروماني لكلية التاريخ والآداب في جامعة بطرسبورغ .. حيث تابع محاضرات و دروس لدى كبار العلماء في مجال النحو، وحيث تحت تأثير العالم الشاب ف. شيليكو بدأ اهتمام مندلشتام بالحضارة الآشوsرية وبحضارة مصر وبابل القديمتين . كما أصبح الشاعر في ذلك الحين واحداً من رواد مقهى ” الكلب الشارد ” .

في عام 1913 تمت طباعة أول ديوان شعري لمندلشتام تحت عنوان ” الصخرة “. في تلك الفترة كان الشاعر قد ابتعد عن الرمزية و اعتنق مذهب الكمالية … كما راحت تُطبع أشعاره بكثرة في مجلة ” ابوللون ” . حاز الشاعر على الشهرة . و في عام 1914، بعد تطوع غوميليوف وذهابه إلى جبهة القتال، تم انتخاب مندلشتام رئيسا ل ” ورشة الشعراء “. في كانون الأول من عام 1915 قام مندلشتام بنشر الطبعة الثانية من ديوانه ” الصخرة ” وقد كانت الطبعة الثانية اكبر بحوالي ثلاث مرات من الأولى . في بداية عام 1916 جاءت مارينا تسفيتاييفا إلى بطرسبورغ .. التقت هناك في أمسية أدبية بمجموعة من الشعراء .. ومنذ تلك الأمسية ” غير الرسمية ” بدأت صداقتها مع مندلشتام، والتي تم تتويجها بمجموعة من القصائد التي تبادلها الشاعران مع بعضهما البعض . بعد الثورة عمل مندلشتام موظفا عاديا في مختلف الدوائر الرسمية في بطرسبورغ . ومع بداية عام 1918 غاد إلى موسكو . ليترك موسكو الجائعة في شباط من عام 1919 وليبدأ حياة التشرد في أنحاء روسيا : موسكو، كييف، فيوديسيا .

في أيار من عام 1919 وفي مقهى “سَقْط المتاع” في كييف تعرف مندلشتام إلى ناديجدا أخازينا ذات العشرين عاما والتي ستصبح زوجته في عام 1922 .. وبعد سلسلة من المغامرات بما في ذلك السجن لدى قوات فرانغل ، عاد مندلشتام إلى بطرسبورغ في خريف 1920 .. حيث تسلم غرفة في ” يت الفنون” الذي تم تحويله إلى بيت للفنانين والأدباء. قضت عائلة مندلشتام صيف وخريف عام1921 في جورجيا.. حيث وصلهم نبأ وفاة الكسنادر بلوك.. ومن ثم نبأ إعدام غوميليوف. خلال عامي 1922- 1923 نشر مندلشتام ثلاثة دواوين شعرية : ” tristia ” 1922، ” الكتاب الثاني ” 1923 الطبعة الثالثة من ” الصخرة ” 1923. طبعت أعماله في موسكو وبطرسبورغ وبرلين.. فقد كتب مندلشتام في تلك الفترة سلسلة مقالات حول قضايا راهنة في حقل الثقافة والتاريخ و الأنسنة : ” الكلمة والثقافة “، ” حول طبيعة الكلمة “، و كذلك ” قمح البشرية “… و غيرها.

في عام 1924 انتقل مندلشتام من موسكو إلى لينينغراد . وفي عام 1925 نشر مندلشتام كتاب عن سيرته الذاتية بعنوان ” صخب الزمن ” . وفي عام 1928 صدر آخر ديوان شعري لمندلشتام خلال حياته ” أشعار “، وبعده بقليل مجلد ضم مقالات ” حول الشعر ” و قصة طويلة بعنوان ” علامة مصرية ” .. قضت عائلة مندلشتام الجزء الأكبر من عام 1930 في أرمينيا .. ونتيجة لتلك الرحلة كانت المقالة النثرية ” رحلة في أرمينيا ” .. وسلسلة أشعار ” أرمينيا ” .. وفي نهاية عام 1930 عاد مندلشتام إلى لينينغراد . في كانون الثاني من عام 1931 و بسبب مشاكل السكن غادرت عائلة مندلشتام إلى موسكو .. وهناك منح مندلشتام راتبا شهرياً 200 روبل مدى الحياة ” لقاء خدماته تجاه الأدب الروسي ” . كتب مندلشتام في موسكو الكثير : بالإضافة إلى الشعر عمل على إنجاز دراسته ” حديث عن دانتي ” .. لكن اصبح من الصعب عليه طباعة أعماله .. و بسبب نشر الجزء الأخير من ” رحلة في أرمينيا ” في جريدة ” النجمة ” اللينينغرادية تم إعفاء المحرر فولبيه Volpeih من مهامه . في عام 1933 حضر مندلشتام إلى لينينغراد حيث أقام أمسيتين شعريتين .. وفي نفس العام أقام أمسية شعرية في موسكو في المتحف التابع لمعهد العلوم التكنولوجية .. في أيار عام 1934 تم اعتقال مندلشتام .. وحكم عليه بالنفي ثلاث سنوات إلى قرية شيردين النائية .. لكن بعد توسط اخماتوفا وباسترناك تم استبدال شيردين بمدينة فورونيج القريبة نسبيا . بعد النفي لم يعد يُسمح لعائلة مندلشتام بالعيش في موسكو أو لينينغراد .. مما اضطرهم للتسكع في ضواحي موسكو .. اعتقل آخر مرة في 2 أيار من عام 1938 .. وحسب الإعلان الرسمي توفي في 27 كانون الأول من نفس العام 1938 وذلك في معسكر الاعتقال قرب فلاديفستوك . في الشرق الأقصى

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى