تطور الأقتصاد السوري تحديث 01-05 أيلول 2025

لمراجعة الملف اتبع الرابط التالي
——————————————
تحديث 05 أيلول 2025
—————————-
في حذف الأصفار وبناء الدولة.. هل تستفيد سوريا الجديدة من تركيا؟/ علي أسمر
2025.09.05
تعيش سوريا اليوم مرحلة فارقة في تاريخها الحديث، فبعد عقود من الاستبداد والحروب والتشرذم، تدخل البلاد تجربة إعادة تأسيس مؤسساتها على أسس جديدة.
ولعل أبرز ما يلفت الانتباه في هذه المرحلة هو محاولة الاستفادة من تجارب الدول المجاورة، وفي مقدمتها تركيا، بما يجمع البلدين من وشائج تاريخية وجغرافية واجتماعية ودينية وعرقية. هذا التقارب لا يجعل نقل التجربة التركية إلى سوريا مجرد خيار تقني، بل يضعه في إطار طبيعي وواقعي يتناسب مع التحديات المتشابهة التي عاشها الطرفان.
ومن الخطوات الرمزية التي اتخذتها الحكومة السورية الجديدة قرار حذف صفرين من العملة. هذه الخطوة لا تبدو معزولة عن محيطها؛ فهي تعيد إلى الأذهان التجربة التركية عام 2005 حين أزالت أنقرة ستة أصفار من الليرة التركية. يومها كان الهدف مزدوجًا: تسهيل التعاملات المالية من جهة، وبناء ثقة جديدة بالاقتصاد الوطني من جهة أخرى. واليوم تتكرر الصورة في دمشق، حيث يُراد للعملة الجديدة أن تكون عنوانًا لمرحلة سياسية واقتصادية مختلفة، تعكس طي صفحة الماضي وفتح أخرى عنوانها الاستقرار والثقة.
التشابه الثاني يظهر في إعادة هيكلة الوزارات. تركيا بعد 2002 سارت في مسار دمج الوزارات المتقاربة لخفض البيروقراطية وتعزيز الكفاءة، فجمعت مثلًا الصناعة مع التجارة، والزراعة مع الغابات. وسوريا الجديدة بدأت تنتهج السياسة ذاتها، وأبرز مؤشر على ذلك إنشاء وزارة للطاقة كهيكل مستقل يجمع وزارة النفط والثروات المعدنية، ووزارة الكهرباء، ووزارة الموارد المائية. هذه الوزارة الوليدة تحمل أبعادًا استراتيجية، إذ لم تعد الطاقة مجرد ملف تقني، بل باتت جزءًا من معادلة الأمن القومي والسيادة الاقتصادية، تمامًا كما فعلت تركيا حين ربطت ملف الطاقة بمساراتها الجيوسياسية واستراتيجياتها الإقليمية.
ولا يقتصر الأمر على البنية المؤسساتية، بل يمتد إلى المجالات الأمنية والعسكرية، فقد كشفت الحكومة التركية نيتها تدريب الجيش السوري وأجهزة الأمن السورية الجديدة، في خطوة تعكس إيمانًا بقدرة أنقرة على نقل خبرة إصلاح المؤسسة العسكرية التي خضعت بدورها في تركيا لإعادة هيكلة عميقة بعد مرحلة الانقلابات المتكررة. وهنا يظهر البعد الأعمق للتشابه: ليس مجرد تقليد، بل بناء مؤسسات سيادية جديدة تستند إلى نماذج نجحت في محيطها الإقليمي.
في ميدان البنى التحتية، تسعى دمشق إلى استنساخ أشياء من نموذج التجربة التركية. فكما أولت حكومة العدالة والتنمية منذ مطلع الألفية اهتمامًا استثنائيًا لمشاريع كبرى مثل مطار إسطنبول، والجسور العملاقة، والطرق السريعة، تسعى سوريا الجديدة إلى جعل مطار دمشق الدولي مشروعًا استراتيجيًا. الجديد هنا أن الحديث لا يتوقف عند الترميم أو التحديث، بل يصل إلى تبني نظام “BOT” (التشييد والتشغيل ونقل الملكية) الذي اعتمدت عليه تركيا في العديد من مشاريعها الكبرى. وقد سمعنا مؤخرًا أخبارًا عن تعيين الخبير التركي أرسيل غورال في منصب الرئيس التنفيذي لمشروع تطوير مطار دمشق الدولي.
هذا التوجه يرتبط أيضًا بفكرة أن البنية التحتية الكبرى قاطرة للنمو. تركيا استطاعت عبر مشاريعها العملاقة جذب الاستثمارات الأجنبية، وخلق فرص عمل، وإرسال رسالة ثقة إلى الداخل والخارج بأن الاقتصاد صاعد ومستقر. وسوريا اليوم تحاول تكرار المعادلة نفسها بجعل الإعمار أولوية وطنية، ليس فقط لإعادة بناء ما تهدم، بل أيضًا لتحويل مشاريع الطرق والكهرباء والمطارات إلى أدوات سياسية واقتصادية تعيد وصل البلاد بالعالم.
في قلب هذا النموذج تقف الطاقة كملف استراتيجي. تركيا جعلت من استيراد الغاز من أذربيجان وروسيا، والاستثمار في السدود والطاقة المتجددة، ركيزة لأمنها القومي. وسوريا من جهتها تسير في الاتجاه ذاته، إذ تعلن صراحة أن أمن الطاقة شرط أساسي لبناء سيادتها. وهذا يعني أن وزارة الطاقة الجديدة لن تكون مجرد وزارة خدمية، بل أداة لصياغة تحالفات إقليمية وضمان استقلال القرار الوطني. واستثمار سوريا الجديدة في قطاع الطاقة من الممكن أن يغير معادلات وخرائط الطاقة في المنطقة، وهو ما يقلق إسرائيل كثيرًا.
لكن الأهم من كل ذلك هو البعد الفكري والسياسي للتجربة. تركيا بعد أزمة 2001 اعتمدت على تخطيط اقتصادي مركزي مع مرونة السوق، أي أنها لم تتخلّ عن دور الدولة، لكنها سمحت للسوق بأن يكون محرّكًا للنمو تحت إشراف سياسي واقتصادي صارم. وسوريا الجديدة تسير بخطوات مشابهة عبر إطلاق خطة إنعاش وإعمار بخطوط عامة مركزية، ولكنها تترك مجالًا لحرية المبادرة والاستثمار.
ولا يمكن إغفال تشابه آخر يتمثل في الهوية الجامعة. تركيا بعد 2002 قدّمت خطابًا يقوم على ربط الديمقراطية بالتنمية الاقتصادية، وإعطاء كل المكوّنات شعورًا بالشراكة. وسوريا الجديدة تواجه التحدي ذاته: كيف يمكن بناء دولة تتسع لكل أبنائها بعد سنوات من الصراع؟ هنا أيضًا يمكن أن تكون التجربة التركية مصدر إلهام جزئي، مع ضرورة أخذ الخصوصية السورية بعين الاعتبار.
باختصار، ليست الخطوات السورية مجرد سياسات منفصلة، بل هي محاولات واعية للاستفادة من تجربة دولة جارة استطاعت أن تتحول من اقتصاد هش مثقل بالأزمات إلى لاعب إقليمي صاعد. حذف الأصفار من العملة، إنشاء وزارة الطاقة، تدريب الجيش، الاستثمار في المطارات والبنى التحتية، واعتماد نظام BOT، كلها مؤشرات على أن دمشق تستلهم نموذجًا ناجحًا قريبًا منها جغرافيًا وتاريخيًا واجتماعيًا.
السؤال المفتوح يبقى: إلى أي مدى ستنجح سوريا الجديدة في تكييف هذه التجربة مع واقعها الخاص في ظل الأزمات الأمنية؟ ولكن إذا فعلتها ونجحت دمشق، سيكون الطريق مفتوحًا أمام ولادة دولة حديثة قوية في الشرق الأوسط.
تلفزيون سوريا
—————————
الصناديق السيادية: ثروات الشعوب بين الاستثمار والتنمية.. أين يقف الواقع السوري؟/ مازن الشاهين
تعالت أصوات خبراء الاقتصاد للمطالبة في إطلاق صندوق سيادي سوري للتنمية وإعادة الإعمار وأن يكون جزءاً من خطة ما بعد الحرب
2025-09-05
الصناديق السيادية: ثروات الشعوب بين الاستثمار والتنمية.. أين يقف الواقع السوري؟
بينما تُعتبر الصناديق السيادية في العالم اليوم سلاحاً اقتصادياً وذراعاً استثمارياً استراتيجياً، يبقى الواقع السوري بعيداً عن هذا النموذج، لأسباب تتعلق بالظروف الاقتصادية والسياسية، فرغم أن سوريا بلد غني بالموارد الطبيعية (نفط، غاز، قمح، قطن) إلا أنها لم تمتلك صندوقاً سيادياً في السابق بسبب غياب الفوائض المالية نتيجة الحروب والعقوبات وتراجع الإيرادات النفطية، وضعف المؤسسات المالية وانشغال الدولة بتمويل الموازنة التشغيلية، إضافة إلى غياب البيئة الاستثمارية المستقرة التي تتيح تراكم فوائض يمكن تحويلها إلى صندوق سيادي، وقد تعالت أصوات خبراء الاقتصاد للمطالبة في إطلاق صندوق سيادي سوري للتنمية وإعادة الإعمار وأن يكون جزءاً من خطة ما بعد الحرب، حتى وإن بدأ بخطوات صغيرة، لأنه يمثل أداة لحماية ثروات الأجيال وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
ما هي الصناديق السيادية؟
يتحدث الدكتور محمد الغنوش عميد كلية الاقتصاد في جامعة الفرات سابقاً لـ “963+”، عن الصناديق السيادية وأنواعها ودورها بتعريف الصندوق السيادي أنه أداة مالية تمتلكها الدولة وتُدار بشكل مستقل بهدف استثمار الفوائض المالية (غالباً من النفط، الغاز، المعادن، أو الفوائض التجارية). وتُعتبر هذه الصناديق “خزائن استثمارية” بعيدة المدى، تتجاوز مفهوم الإدخار التقليدي نحو بناء استثمارات استراتيجية داخلية وخارجية.
ويوجد اليوم أكثر من 170 صندوقاً سيادياً في العالم، تدير مجتمعةً ما يتجاوز 12 تريليون دولار، بحسب بيانات معهد صناديق الثروة السيادية (SWFI) لعام 2024.
أنواع الصناديق السيادية:
ويقول “الغنوش” إنه من خلال تتبع التجارب الدولية يمكن تصنيف الصناديق السيادية إلى عدة أنواع رئيسية:
صندوق التنمية: مثل صندوق التنمية الذي أُعلن عنه بالأمس في دمشق، يهدف بالدرجة الأولى إلى تعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة وخلق فرص عمل، من خلال استثمار الدولة في مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي، وليس لتحقيق ربح مالي مباشر، بل تمويل مشاريع البنية التحتية والاستثمار المحلي لتحفيز الاقتصاد، ويركّز على إعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية مثل المستشفيات، المدارس، الطرق، الجسور، شبكات المياه والطاقة، كما يساهم بدور فعّال في دعم عودة المهجّرين من المخيمات ومساعدتهم على ترميم مساكنهم وتأمين بيئة مستقرة تحفظ كرامتهم ، ولا مانع إذا تحقق هامش ربح بسيط من بعض المشروعات التنموية يساهم في استدامة الصندوق، ومن أمثلة ذلك جهاز قطر للاستثمار، صندوق مبادلة في الإمارات.
الصندوق الاستثماري: هدفه الأساسي تحقيق أرباح مالية للمستثمرين، حيث تستثمر أمواله في أصول مالية متنوعة مثل الأسهم، العقارات، والشركات الناشئة. ويركز على تعظيم العوائد من خلال تحقيق معدل عائد مرتفع على الاستثمار.
صناديق الاستقرار المالي: يهدف إلى حماية الاقتصاد من تقلبات أسعار السلع (خصوصاً النفط)، كما هو الحال في روسيا “صندوق الاستقرار”.
الصندوق السيادي (صندوق الثروة السيادي): يسمى أيضاً صندوق الادخار للأجيال القادمة، ويهدف إلى استثمار الفوائض المالية لحفظها كرصيد استراتيجي للأجيال القادمة، وهو صندوق تملكه الدولة لاستثمار أموالها من فائض ميزانياتها، سواء من صادرات، أو استثمارات محلية وأجنبية، أو عوائد النفط والغاز، وغيرها. يهدف إلى تحقيق أرباح طويلة الأجل بغرض صيانة الثروة الوطنية، دعم الاقتصاد، ومواجهة الأزمات المستقبلية، ويُعتبر أداة استراتيجية لتعظيم الثروة الوطنية لمصلحة الأجيال القادمة، ومن أمثلته صندوق التقاعد الحكومي النرويجي (أكبر صندوق سيادي في العالم بأكثر من 1.4 تريليون دولار).
الصناديق الاحتياطية النقدية: تهدف إلى دعم العملة الوطنية وميزان المدفوعات مثل “صندوق الصين للاستثمار”.
ويرى الدكتور الغنوش أن إطلاق صندوق سيادي سوري مخصص للتنمية وإعادة الإعمار خطوة مهمة لكن الشرط الأساسي هو تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي وتحرير الموارد ويمكن أن يبدأ الصندوق برؤوس أموال محدودة، ويُدار بشفافية على أن يكون جزءاً من خطة المستقبل، ولو بخطوات متدرجة.
+963
———————————
الليرة السورية تتخفّف من أصفارها… مقامرة أو خدعة اقتصادية؟/ محمد مصطفى عيد
الجمعة 5 سبتمبر 2035
بينما الاقتصاد منهك ويعاني من التضخم المتصاعد وضعف القوة الشرائية، عاد الحديث عن خطوة قد تبدو شكليةً، لكنها تحمل رمزيةً سياسيةً كبيرة: حذف الأصفار من الليرة السورية وإصدار “ليرة جديدة”.
هذه الخطوة، التي يراها بعضهم وسيلةً لتسهيل التداول اليومي للأموال، يعدّها آخرون اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد على الصمود أمام تحديات نقدية عميقة. في رصيف22، حاولنا جمع أبعاد هذه الخطوة عبر متابعة آراء خبراء اقتصاديين، لرسم صورة أكثر وضوحاً عن المخاطر والفوائد والدوافع الكامنة وراءها، مع الاستفادة من التجارب الدولية السابقة التي أثبتت أنّ النجاح أو الفشل مرتبطان بالقدرة على إصلاح الاقتصاد الحقيقي.
صدمة ثقة!
يرى الدكتور عماد الدين المصبح، أستاذ الاقتصاد في كليات الشرق العربي في الرياض، أنّ حذف الأصفار ليس قراراً اقتصادياً بحتاً، بل نتاج تقاطع بين ضرورةٍ تنظيمية وأهداف سياسية ورمزية.
يقول المصبح لِرصيف22: “التضخم الكبير خلال السنوات الماضية في سوريا جعل التعاملات اليومية معقدةً للغاية، وأثقل على المواطنين والمؤسسات في إدارة السيولة. من هذا المنطلق، يمثّل حذف الأصفار محاولةً لتبسيط الإجراءات وتقليل التعقيدات الفنية للأنظمة المالية”.
ويشير المصبح، إلى البعد النفسي والسياسي للخطوة، عادّاً أنها محاولةٌ لخلق “صدمة ثقة” في السوق عبر إظهار انطباع بعملة أقوى أو بداية جديدة، لكن هذا الأثر يبقى هشاً وغير مستدام ما لم يتحقق تحسن حقيقيّ في الإنتاج المحلي والقوة الشرائية للمواطنين.
ويضيف أنّ التركيز على الإجراءات الشكلية قد يؤدي إلى تأجيل الإصلاحات الاقتصادية العميقة مثل تحسين بيئة الاستثمار، وإصلاح الدعم، ومكافحة التهرب الضريبي، وهي خطواتٌ ضروريةٌ لتحقيق استقرارٍ طويل المدى.
الفوائد العملية والرمزية
من زاوية مختلفة، يسلّط ملهم الجزماتي، وهو محلل اقتصاديّ في شركة كرم الشعار للاستشارات، الضوء على الأبعاد الرمزية للخطوة. في حديثه إلى رصيف22، يؤكد أنّ التخلص من رموز النظام السابق وإزالة صورة الرئيس السابق من العملة يمثّلان انطلاقةً سياسيةً ورمزيةً مهمةً تعكس هويةً وطنيةً جديدة.
من الناحية العملية، يوضح الجزماتي أنّ حذف الأصفار سيساهم في تبسيط التعاملات اليومية وتقليل الأخطاء المحاسبية، كما سيتيح للمصرف المركزي إعادة السيطرة على السوق النقدي المحلي.
ويوضح أنّ هناك أكثر من 40 تريليون ليرة سورية يتم تداولها خارج النظام المصرفي، وبإصدار أوراق نقدية جديدة يمكن إعادة إدخال هذه القيم إلى البنوك، ما يوفر قراءةً أوضح لحجم النقد المتداول ويتيح وضع سياسة نقدية أكثر دقةً وواقعية.
لكن الجزماتي يحذّر من أنّ العملية بدورها، ستكلف الحكومة ملايين الدولارات، سواء للطباعة أو لتحديث الأنظمة المصرفية وتقنيات الحماية من التزوير، بالإضافة إلى ارتباك محتمل في العمليات الحسابية والمعاملات خلال الفترة الانتقالية. ويضيف أنّ حذف الأصفار وحده قد يؤدي إلى موجة تضخمية إذا لم يصاحبه إصلاح حقيقيّ في الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على المستوردات، وإلّا ستظل الخطوة مجرد إجراء شكليّ لن يشعر المواطن بتأثيره.
المخاطرة في الـ”نيو ليرة”
يكمل جورج خزام، مستشار وزير الاقتصاد لشؤون السيولة والنقد، الصورة من زاوية التمويل والاستدامة. ففي منشور على صفحته العامة على فيسبوك، حذّر خزام من أنّ طباعة “نيو ليرة” بحذف صفرين قد تتحول إلى كارثة مالية واقتصادية إذا استُخدمت كأداةٍ لتمويل زيادة الرواتب بنسبة كبيرة، لأنها ستضغط مباشرةً على القوة الشرائية لجميع المواطنين، بما في ذلك الموظفين.
ويشير خزام إلى أنّ الحلّ المستدام يكمن في زيادة الإنتاج المحلي الصناعي والزراعي وتحقيق إيرادات ضريبية حقيقية، لا في طباعة الأموال بلا غطاءٍ سلعي. ويضيف أنّ حذف صفرين لن يحلّ مشكلة التضخم النقدي، فالأسعار سترتفع بالنسبة نفسها، ما يجعل القوة الشرائية ثابتةً عملياً. كما يؤكد أنّ تثبيت قيمة “النيو ليرة” يحتاج إلى سياسة نقدية علمية واحترافية تحرّك عجلة الإنتاج وتحدّ من الاعتماد على المستوردات.
ويختم خزام بأنّ حذف صفرين سيكشف ببساطةٍ ضعف القوة الشرائية للرواتب الحالية، إذ إنّ 130،000 ليرة ستكون معادلةً لـ1،300 نيو ليرة، دون أي تحسّن حقيقيّ ملموس.
تجارب دولية شبيهة
تشير التجارب الدولية إلى أنّ حذف الأصفار يمكن أن يكون أداةً مؤقتةً لتنظيم النقد، لكنه ليس حلّاً للتحديات الهيكلية. ففي تركيا والبرازيل، ساعدت هذه الخطوة في تبسيط التعاملات وخلق أثر نفسيّ مؤقت، لكنها لم تكن فعالةً إلّا بعد تنفيذ إصلاحاتٍ اقتصاديةٍ شاملة.
على النقيض، فشلت دول مثل زيمبابوي وفنزويلا والأرجنتين في تثبيت القوة الشرائية، ما أدى إلى موجاتِ تضخم جديدة وفقدان الثقة بالعملة الوطنية.
ويشير خبراء تحدثوا إلى رصيف22، إلى أنّ الدرس السوري واضح: حذف الأصفار خطوة تنظيمية مفيدة مؤقتاً، لكنها لن تنجح إلّا إذا اقترنت بإصلاح شامل يحرّك الإنتاج المحلي ويقلل الاعتماد على المستوردات ويؤسس لاستقرار نقديّ طويل المدى.
وفي هذا السياق يرى المصبح، أنه لا بد من التأكيد على أنّ نجاح أي عملية لإعادة هيكلة العملة، كما أثبتت التجارب الدولية (مثل تركيا والبرازيل)، لا يكمن في الإجراء الفني بحدِّ ذاته، بل في كونه تتويجاً لحزمة متكاملة من الإصلاحات.
في السياق السوري الحالي، وبعد عودة الربط المالي الدولي، لم تعد الأولوية مجرد إعادة الدمج، بل أصبحت تتمثل في بناء الثقة وتنشيط القطاعات الإنتاجية لخلق اقتصاد حقيقيّ قادر على جذب التدفقات المالية التي أصبحت ممكنةً الآن. دون ذلك، سيظلّ حذف الأصفار إجراءً شكلياً ذا أثرٍ محدود، أشبهَ بمسكّنٍ للألم في جسد اقتصاديّ يتطلب تدخّلاً جراحياً عميقاً.
مخاطر التضخم وعدم الاستقرار
يشير الجزماتي، إلى أنّ معظم الدول التي قامت بحذف أصفار من عملاتها كان هدفها محاربة التضخم الذي كانت تعاني منه، ونجح بعضُها في تخفيض نسب التضخم وبينما فشل بعضها الآخر فشلاً ذريعاً.
وبالنظر إلى تجربة هذه الدول، نجد أنّ حذف الأصفار بحدِّ ذاته لا يعالج مشكلة التضخم، بل قد يؤدي إلى تفاقمها في بعض الحالات إذا لم تترافق هذه الخطوة مع إصلاحات اقتصادية حقيقية تعالج الأسباب الجذرية للتضخم، مثل ضعف الإنتاج والعجز في الميزان التجاري. حينها، ستكون مجرد إجراء شكليّ.
بل إنّ هناك خطراً من أن يستغلّ بعض التجار هذه الفترة الانتقالية لرفع الأسعار، ما يؤدي إلى موجة تضخم جديدة، كما أنّ “الأثر النفسي السلبي” على المواطنين الذين سيرون رواتبهم ومدّخراتهم بأرقامٍ أصغر، قد يفقدهم الثقة بالعملة الجديدة إذا لم يلمسوا تحسّناً حقيقياً في قدرتهم الشرائية.
بينما تتلاقى آراء الضيوف عند التحذير من مخاطر اقتصاديةٍ كبيرة، يبرز كلٌّ منهم زاويةً مختلفةً: المصبح يركّز على الأثر النفسي والسياسي والرمزية، الجزماتي على التحديات التشغيلية وإعادة السيطرة على النقد، وخزام على التمويل والاستدامة الاقتصادية. هذا التنوع يجعل الصورة أكثر وضوحاً للقارئ: حذف الأصفار قد يسهّل التعاملات مؤقتاً، لكنه لن يعالج التحديات البنيوية التي تواجه الاقتصاد السوري.
وفي سياق جمع المعلومات، حاولنا التواصل مع مصرف سوريا المركزي للحصول على تعليقٍ رسميّ حول خطة حذف الأصفار، إلّا أنّ الدكتور عبد القادر الحصرية، حاكم المصرف، لم يردّ على الاستفسارات حتى وقت النشر، ما يعكس -بحسب الخبراء- صعوبة الجمع بين القرارات الشكلية والشفافية في ظلّ الأزمة الاقتصادية الحالية.
ختاماً، تجمع هذه الآراء بين المخاطر المالية والاقتصادية، والفوائد العملية، والدوافع الرمزية والسياسية، لتوضح أنّ أيّ خطوةٍ لإعادة هيكلة العملة لن تكون أكثر من إجراءٍ شكليّ ما لم تقترن بإصلاحات شاملة تحرّك الإنتاج المحلي، وتحسّن القوة الشرائية، وتؤسس لاستقرار نقديّ طويل المدى.
رصيف 22
———————————
فكّ الاشتباك بين الطاقة المتجددة واستدامة المياه الجوفية في القطاع الزراعيّ شمال شرق سوريا/ سلطان جلبي
التحوّل نحو الطاقة الشمسية قد يشكّل تهديداً لاستدامة المياه الجوفية في حال لم يترافق مع تحديثٍ في أساليب الريّ السائدة لترشيد استخدام المياه.
04 أيلول 2025
“كل من لديه بير يسقي منه، وجميع المزارعين في المناطق البعيدة عن الفرات لديهم آبار تقريباً، يجري استغلالها من دون أي شكلٍ من المراقبة الحكومية لطرق وحدود استغلال هذه الآبار”.
هذا ما يقوله عبد الرحمن عبد العزيز، وهو ناشطٌ يعمل في منظمةٍ تدعم الزراعة في دير الزور، بما يسلّط الضوء على فهم: لماذا عملية تحديث أساليب الريّ صعبةٌ وبطيئة خاصة في المناطق الأكثر تأثّراً بالجفاف في شمال شرق سوريا، وهي المناطق شبه القاحلة في ريف محافظة دير الزور الشرقي.
ويبني هذا المقال على مقالٍ سابق بعنوان “الوجه القبيح للانتقال نحو الطاقة المتجدّدة في القطاع الزراعي شمال شرق سوريا” الذي تناول التحوّل المُتسارع من الديزل إلى استخدام الطاقة الشمسية في القطاع الزراعي في شمال شرق سوريا، بشكلٍ خاصّ في الري المعتمد على المياه الجوفية، حيث أظهر المقال كيف أنّ استخدام منظومات الطاقة الشمسية يجعل من استخراج المياه الجوفية عديم التكلفة تقريباً ما يشجّع على مزيدٍ من الضغط على مصادر المياه الجوفية الهشّة في المنطقة. التحوّل نحو الطاقة الشمسية قد يشكّل تهديداً لاستدامة المياه الجوفية في حال لم يترافق مع تحديثٍ في أساليب الري السائدة لترشيد استخدام المياه.
صُنِع من طين وماء
بدأ الريّ القائم على المياه الجوفية في دير الزور خلال مرحلة النهضة الزراعية في سوريا، في السبعينات والثمانينيات من القرن الماضي، بدعمٍ من الدولة التي حرصت أيضًا في التسعينات على تنظيم استغلال المياه الجوفية بشكلٍ صارم، من خلال تقييد منح تراخيص حفر الآبار الجديدة، ووضع خططٍ سنوية للزراعات الصيفية والشتوية والكميات المسموح بزراعتها من كلّ محصول، حسب ما يقول رئيس اتحاد الفلاحين في دير الزور السيد محمد الحسين. ومنذ البداية ساد أسلوب الري بالغمر الذي يعتمد تطويف الأراضي بالمياه، كما الحال في مناطق واسعة في سوريا. هذا الأسلوب يؤدي إلى هدرٍ مائيّ كبير وله أضرار عديدة على المحاصيل والتربة. مع ذلك، يستمر اعتماد غالبية مزارعي المنطقة على الري بالغمر فيما يشبه التجاهل الجماعي لأزمة الفقر المائي الشديدة في شمال شرق سوريا، فما السر وراء مقاومة أسلوب الريّ بالغمر للتغيير؟
لا يحتاج الريّ بالغمر إلى أيّة بنيةٍ تحتية أو معداتٍ أو مهاراتٍ متقدمة “كل ما تحتاجه هو الطين والماء” كما صاغها أسعد الأشمخ، وهو مزارعٌ وناشطٌ في التنمية الزراعية في ريف دير الزور الشرقي، “الريّ بالغمر لا يتطلب بنيةً تحتية أو معداتٍ متقدّمة وهو ممارسةٌ متجذرة في المجتمع يعرف جميع سكان المنطقة تقريباً كيفيةَ ممارسته. أما الريّ الحديث فما زال بديلاً مجهولاً، مُكلفاً وغير مضمون النتائج في نظر الناس”. لمزيدٍ من مقاربة الكيفية التي يمارَس بها الريّ بالغمر يمكن تقسيم هذا النظام إلى أربعة مراحل كما يبيّن الشكل التالي:
المصدر: مصدر مياه الريّ في حالتنا هي الآبار الخاصة للمزارعين، والتي تزايد عددها بشكلٍ كبير خلال سنوات النزاع. سلّطت بعض الأدبيات الضوء على الوضع الحرج للمياه الجوفية في سوريا عموماً والشمال الشرقي بشكل خاص مع تكرار موجات الجفاف. يقول عبد الرحمن العبد العزيز، وهو ناشطٌ يعمل في منظمةٍ تدعم الزراعة في دير الزور: “كلّ من لديه بير يسقي منه، وجميع المزارعين في المناطق البعيدة عن الفرات لديهم آبار تقريباً، يجري استغلال الآبار في غياب كلّ أشكال المراقبة الحكومية لطرق وحدود استغلال هذه الآبار”.
الاستخراج: يتمّ باستخدام محرّكاتٍ تعمل بالديزل تقليدياً لاستخراج مياه الآبار، وخلال السنوات الأخيرة يزداد استخدام الطاقة الشمسية لهذا الغرض. تقديرات رئيس اتحاد الفلاحين: أكثر من ثلث المزارعين يستخدمون الطاقة الشمسية، والتحوّل في تسارع. يعلّق أسعد على الأمر بالقول: “يشكّل التحوّل نحو الطاقة الشمسية مظهراً لتحديث الزراعة، لكن التحديث يقف عند هذا الحدّ، فنسبةٌ ضئيلة جداً من مزارعي المنطقة جرّبت محاصيل جديدة أو حدّثت أساليب الري”.
ثالثاً يأتي تخزين المياه، الذي يتمّ داخل بركٍ مفتوحة، هي عبارةٌ عن أربعة جوانب مرتفعة من التراب فوق مستوى السطح الأرض من دون أيّة أعمال إنشائية، كما تظهر الصورة التالية. تكمن مشكلة هذه البرك في أنها تسمح بتبخّر كمياتٍ كبيرة من الماء، خاصةً في فصل الصيف. كما يوجد فاقدٌ مائيّ نتيجة امتصاص القاع والجوانب الترابية للبرك حسب خبراء محليين بينهم أسعد. لكن، تبقى تلك البرك جزءًا وظيفيًا من نظام الريّ بالغمر، الذي يعتمد على قوّة الجاذبية لنقل المياه إلى الحقول وليس على الضخ.
باستخدام خدمة Google Earth يمكننا ملاحظة انتشار هذه البرك في المنطقة بشكلٍ كبير كما تظهر في الصورة التالية من منطقة أبو خشب، حيث نلاحظ أنّ هناك بركة خاصة على الأقل لكلّ مشروعٍ زراعي.
انتشار البرك المفتوحة المستخدمة في تخزين المياه في منطقة أبو خشب، دير الزور، غوغل ايرث، 2024.
أخيراً، في مرحلة السقاية يتمّ نقل المياه من البرك إلى الحقول الزراعية من خلال قنواتٍ ترابية مفتوحة، كتلك الموضحة في الصورة التالية. تمتدّ بعض تلك القنوات إلى مئات الأمتار ويستمرّ جريان المياه فيها حتى تغمر كلّ مساحة الحقل الزراعي، وهنا أيضاً تكون المياه عرضةً للتبخّر والامتصاص من التربة. يقول راغب الخلف (34 عام) وهو مزارعٌ محليّ في رويشد “نقسم الأرض إلى ألواح مربعة وسواقي طويلة، ونطلق المياه فيها واحدةً بعد الأخرى حتى تمتلئ كلها. عمل الفلاح يقتصر على تحويل مجرى المياه بين لوحٍ وآخر كل برهةٍ من الزمن. وعلى حسب المساحة وقوة تدفق المياه، قد تستمرّ كل سقية زرعٍ لعدة أيام”.
باختصار، في كلّ واحدة من المراحل الأربعة للريّ بالغمر، هناك فجوةٌ تؤدي إلى هدرٍ مائيّ بشكلٍ مختلف. نسب الهدر تفوق نسب الاستفادة من المياه كما يقدّر المهندس إبراهيم الأدهم (45 عاماً)، الخبير المائيّ ومدير وكالة حماية البيئة السورية، إذ يقول: “يمكن توفير ما يصل إلى 60٪ من المياه المستهلكة بالانتقال إلى أساليب الريّ الحديث، حيث تُستبدَل البرك الطينية بخزاناتٍ مغلقة، وتُستبدل السواقي المفتوحة بأنابيب خاصة، وكذلك يُستبدل التطويف بالتنقيط أو الرذاذ”. لكن ما أبرز التحديات التي تعرقل هذا التحوّل الضروري؟
المال والمعرفة
بالاعتماد على تقاطع عدّة مقابلاتٍ مع مزارعين وفنيّين، فإنّ تكلفة تركيب نظام الريّ بالتنقيط لمساحة 10 دونم في ريف دير الزور الشرقي تبلغ قرابة 1140 دولاراً أمريكيا، وهو استثمارٌ باهظٌ بالمعايير المحلية، خاصةً أنّ وسطي الحيازات في تلك المنطقة يبلغ مئة دونمٍ للمزارع. هذه الأرقام توضّح مدى صعوبة توقّع نهوضٍ ذاتيّ في هذا المجال والحاجة إلى تدخّلٍ داعمٍ للمجتمعات المحلية، “أعرف بعض المزارعين في منطقةٍ مجاورةٍ في الحسكة يستخدمون الري بالتنقيط مما يسمح لهم بزراعة الخضروات وتحقيق أرباحٍ جيدة، لكن هذا يتطلب أموالاً لا نملكها، ولسنا متأكدين مما إذا كانت ستنجح في أراضينا”، حسب ما يقول أسعد، الذي يضيف أنّ مديرية الزراعة التابعة للإدارة الذاتية لم تبذل جهوداً في الاستجابة إلى الحاجة الملحّة لتحديث نظم الريّ في المنطقة، سواء من خلال تقديم قروض أو غيرها بسبب ضعف مواردها، كما عرض المقال السابق. في المقابل تدير بعض المنظمات غير الحكومية، المحلية والدولية، برامج دعم للمزارعين هنا وهناك، لكن ليس لها أثرٌ مهمّ في المشهد الزراعيّ المحليّ، حسب ما يفيد محمد الحسين، الذي يشكو بالقول: “حتى المشاريع الصغيرة التي كانت تقدّمها المنظمات في السنوات السابقة انخفضت بشكلٍ كبيرٍ خلال العامين الماضيين، رغم تدهور وضع الزراعة وانخفاض الإنتاج الزراعيّ في دير الزور، ثم إلى حوالي النصف في الموسم الاخير مقارنةً بالعام 2021، ويعاني المزارعون لتأمين البذار والمحروقات والأسمدة وغيرها من المستلزمات”.
غياب المعرفة بأساليب الريّ الحديث يشكّل عقبةً إضافية. فكما أُشير سابقاً، مع تجذّر ممارسات الريّ بالغمر في تقاليد الزراعة المحلية، قلّةٌ من المزارعين تتقن استخدام الري الحديث. يقول أسعد إنّ “مستوى الخبرة المحلية بالريّ الحديث محدودٌ جداً، وحتى على المستوى المجتمعي لا توجد حوامل لتنمية تلك الخبرات وتعميمها، فلا توجد مراكز إرشادٍ زراعيّ تنشط بين المزارعين، أو مراكز بحثية تنفّذ تجارب ريٍّ حديث في ظروف البيئة المحلية وتوجّه المزارعين إلى أفضل التقنيات والطرق الزراعة الحديثة”. غياب الخبرة المحلية بالريّ الحديث يجعل من الصعب على المزارعين تحديد طريقة الريّ المثلى للمحاصيل التي يزرعونها كما يقول عبد الرحمن العبد العزيز (39 عاماً) العامل في منظمة دان للإغاثة والتنمية، وهي منظمةٌ محلية تدعم المزارعين في دير الزور وغيرها من مناطق شمال شرق سوريا، يقول الناشط “غالبية الناس تزرع القمح، الشعير والقطن، وهي زراعاتٌ تتطلب مساحات أرضٍ كبيرة حتى تكون مجدية اقتصادياً، ما يجعل تغطيتها بالريّ الحديث أكثر كلفة”. حول ذلك يضيف الخبير المائيّ إبراهيم الأدهم: “توجد أساليب مختلفة للريّ الحديث باختلاف طبيعة المحاصيل والبيئة كالريّ بالتنقيط للخضروات والأشجار أو الري بالمرشات الأكثر ملائمة لمحاصيل الحبوب الأساسية في المنطقة. لكن في النهاية من الضروريّ أن يكون تحديث الزراعة تحديثاً للمحاصيل أيضاً، بمعنى تنويعها والتركيز على المحاصيل الأكثر ملاءمةً للظروف البيئية المحلية”.
وسط ذلك، لا يمكن تجاهل الموقف النفسيّ للمزارعين كما يقول أسعد: “المزارعون محبطون من إصلاح الحال وكثيرون منهم انصرفوا عن العمل الزراعيّ كمورد رزقٍ أساسيّ لهم ولعائلاتهم وبذلك يقلّ حماسهم للاستثمار الزراعيّ. حالياً، من يستطيع تأمين المال يستثمر في منظومات الطاقة الشمسية لتجنّب تكاليف الديزل. لكن قليلون منهم يمضون أبعد لتحديث أساليب الريّ بعد أن تصبح المياه مجانيةً بالنسبة لهم”.
بهذا المعنى، تشكّل علاقة المزارعين مع المياه الجوفية في مناطق دير الزور المُستهدفة حالةً نموذجية لما يُسمّى مأساة المشاع أو مأساة الموارد المشتركة The Tragedy of the Commons وهو مفهومٌ يستخدمه الاقتصاديون لوصف الموقف الذي يؤدي فيه الاستخدام الفرديّ الأنانيّ وغير المنظّم للموارد المشتركة إلى استنزافها وحرمان كامل المجتمع منها. ففي مواجهة الجفاف، يعظّم المزارعون من قدرتهم على استخراج المياه الجوفية، من دون الاهتمام بإدارة تلك المياه المستخرجة بأفضل كفاءة، ما يهدّد احتياطات المياه كموارد مشتركة. ووفق النظرية، يجب أن يكون هناك نوعٌ من التفاهم الجمعيّ بين نسبةٍ كافية من مستخدمي الموارد المشتركة لتجنّب مأساة الموارد المشتركة المحتملة.
تحوّلٌ طاقيّ أكثر استدامة!
يقترح هذا المقال البناء فوق موجة التحوّل نحو استخدام الطاقة الشمسية في دير الزور والشمال الشرقي عموماً، والتي تشكّل حركة تحديثٍ زراعيّ يمكن دعمها والدفع باتجاه تعميقها وتوسيعها جغرافياً في مناطق أخرى لجعل التحوّل نحو الطاقة الشمسية جسراً نحو التعافي الزراعي والتنمية المستدامة في المنطقة، عوضاً عن دورها الحاليّ في تعميق الأزمة المائية. في الطريق إلى ذلك، ثمّة حاجةٌ للتفكير بمقارباتٍ بديلةٍ عن مشهد الدولة التي تصنع السياسات وتقود تحويل النظم الزراعية، في الوقت الحالي على الأقلّ، بسبب الوضع السياسيّ غير المستقر في المنطقة بعد سقوط النظام، والخلاف بين قوات سوريا الديمقراطية التي مازالت تحكم شمال شرق سوريا، والمعارضة التي باتت تسيطر على دمشق. وحتى بعد ذلك، سيتطلّب الأمر وقتاً أطول لحل المشكلات الحوكمية والإدارية وصولاً إلى التدخل الحكوميّ المنشود في القطاع الزراعيّ في المنطقة. في الأثناء، ثمّة فرصةٌ للّاعبين المحليين على مستوى المناطق، من جمعيات وروابط الفلاحين والمنظمات المحلية، وحتى البلديات والمديريات المحلية، لإحداث تغييرٍ من القاعدة على مستوى القرى والبلدات الريفية.
يحتاج الفاعلون المحليّون المنهكون إلى دعمٍ من خلال المنظمات الدولية لتعزيز حضورهم وسط المجتمعات المحلية وقدرتهم على التأثير في الجوانب المعرفية والتقنية في النظام الزراعي القائم. وهذا يتضمّن تغييراً للمفاهيم السائدة حول علاقة السكان بالبيئة التي يعيشون فيها، وطريقة فهمهم للموارد الطبيعية المتاحة ومحدوديتها. تلك أرضيةٌ ضرورية لإنجاز التحوّل على المستوى التقني، وإقناع المزارعين بالتحوّل نحو الريّ الحديث والاستثمار فيه. صنع تجارب ناجحة للتحوّل نحو الريّ والزراعة الحديثة في المنطقة، والترويج لها على المستوى المحليّ، قد يشكّل حافزاً للمزيد من المزارعين للمضي في الطريق نفسه. ومما قد يساعد في نشر عدوى التحوّل نحو الريّ الحديث، هو تهيئة بيئةٍ زراعيةٍ داعمة لذلك، من خلال إتاحة المعدات والتقنيات اللازمة في السوق المحلي بشكل أكبر، وإتاحة مصادر المعرفة والتعلّم حول كيفية استخدام الري الحديث، وأيضاً إتاحة القروض والدعم التقني للتحوّل. كلها قد تكون عناصر برنامجٍ تدخليّ يستجيب لاختلال النظام البيئي في المنطقة ويمنح المزارعين سبل للنجاة. لأن “الناس تريد الأفضل لأنفسها ولأطفالها، لكنهم يحتاجون لمن يرشدهم إلى ذلك (الأفضل) ويساعدهم في تحقيقه على الأرض”، كما يقول الأسعد.
صحافي وباحث اجتماعي سوري مقيم في تركيا، مهتم بقضايا التغير الثقافي والاجتماعي والتنمية الاقتصادية في سوريا.
(هذه المقالة أُعدّت بالشراكة والتعاون بين “منظمة العدالة من أجل الحياة” و”سوريا ما انحكت”)
حكاية ما انحكت
———————————
“صندوق التنمية السوري”: تبرعات بـ59 مليون دولار لإعادة الإعمار واستيعاب النازحين/ نور ملحم
05 سبتمبر 2025
أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع، الخميس، إطلاق “صندوق التنمية السوري” باعتباره مؤسسة وطنية ستشكّل أداة رئيسية لإعادة إعمار ما دمره النظام السابق خلال 14 عاماً، وبناء ما تهدم في مختلف المناطق السورية، في خطوة وصفها مراقبون بأنها بداية مرحلة جديدة في تاريخ البلاد، وسط آمال بدعم عربي وإقليمي واسع.
وجاء الإعلان خلال حفل أقيم في قلعة دمشق بحضور شخصيات سياسية واقتصادية ودينية. وقال الشرع في كلمته: “نجتمع اليوم لنعلن انطلاق صندوق التنمية السوري الذي ندعوكم من خلاله إلى الإنفاق من كريم أموالكم لنبني ما هدمه النظام البائد ونحيي الأرض التي أحرقوها خضراء يانعة”.
وأضاف: “النظام البائد دمّر اقتصادنا ونهب أموالنا وحطم بيوتنا وشتت شعبنا في المخيمات ومواطن اللجوء. نجتمع هنا اليوم لنداوي جراح سورية الحبيبة ونعيد بناءها بسواعد أبنائها، ونعيد النازحين والمهجرين إلى أرضهم”. وشدد على أن “الصندوق سيعمل بشفافية تامة، مع الإفصاح عن كل الأموال التي ستصرف على مشاريع استراتيجية واضحة”.
من جهته، قال رئيس “صندوق التنمية السوري”، صفوات رسلان، لـ”العربي الجديد”، إن ولادة الصندوق تأتي “لإعادة الإعمار في القطاعات الحيوية كافة، من صحة وتعليم وزراعة، وصولاً إلى مشاريع البنية التحتية الكبرى”، مؤكداً أن “الملف الأكثر إلحاحاً أمامنا هو إنهاء ظاهرة المخيمات في الشرق السوري، وإعادة النازحين والمهجرين إلى بيوتهم بأسرع وقت ممكن”. وأضاف أن “العلاقات السورية المتجددة مع الدول العربية، خصوصاً السعودية وقطر، ومع تركيا، تجعلنا متفائلين بإمكان أن تكون هذه الدول داعماً رئيسياً لخطط إعادة الإعمار”، مشيراً إلى أن التبرعات الأولية تخطت عشرات الملايين من الدولارات خلال ساعات من الإطلاق.
أما وزير الطوارئ السوري، رائد الصالح، فأوضح لـ”العربي الجديد” أنّ الصندوق “يركز على المناطق الأكثر تضرراً في الشمال السوري ومحافظات إدلب وحلب ودير الزور وحمص وريف دمشق، حيث تتجاوز نسب الدمار في بعض القرى 90%، بل تصل إلى 100% في قرى كاملة لم يبق منها سوى منزل أو منزلين صالحين للسكن”. وأضاف أن “نسبة الدمار في دير الزور تتجاوز 80%، وفي ريف دمشق نحو 60%”، مشدداً على أن “إعادة البنية التحتية في هذه المناطق تتطلب جهداً مضاعفاً وتمويلاً ضخماً”، مقدّراً كلفة الإعمار بما يراوح بين 250 و400 مليار دولار، وقد تصل إلى 800 مليار إذا شملت جميع القطاعات والمناطق المتضرّرة.
ولفت الصالح إلى أنّ “عدد المتضررين والمقيمين في المخيمات يتعدّى المليون شخص، فيما تسببت عودة نحو 1.5 مليون سوري منذ عام 2024 بضغط هائل على بنية تحتية متهالكة، ما يهدد الاستقرار الاجتماعي إذا لم تترافق العودة مع مشاريع تنموية سريعة وفعّالة”.
بدوره، كشف عضو مجلس إدارة الصندوق، ماهر مروان إدلبي، لـ”العربي الجديد”، أن الخطة “تستهدف على المدى القريب استيعاب مليون عائد وتأهيل 50 ألف وحدة سكنية وتشغيل مراكز استقبال وخدمات أساسية من كهرباء ومياه ومدارس وصحة، فيما نعمل على المدى الطويل على إعادة توطين 7 ملايين نازح وتسهيل عودة 6 ملايين لاجئ بكرامة”.
وأشار إدلبي إلى أن المشاريع تتضمن “بناء 5 محطات كهرباء كبرى بقدرة 3000 ميغاوات لرفع التغذية الكهربائية إلى 12 ساعة يومياً بحلول عام 2026، وإصلاح 400 محطة مياه، وإعادة تأهيل 3000 مدرسة وبناء 500 جديدة، إلى جانب بناء 20 مشفى في مختلف المحافظات”. ولفت إلى أن “هناك خطة خاصة لإعمار ريف دمشق، تتضمن دمج مخيم اليرموك ضمن الخريطة الوطنية لإعادة البناء، باعتباره رمزاً لمعاناة اللاجئين والمهجّرين”، مؤكداً أن “إعادة إعمار دمشق لم تحدد لها بعد كلفة تفصيلية، لكن الخطة العامة لإعمار البنية التحتية في سورية تتطلب نحو 60 مليار دولار في المرحلة الأولى فقط”.
وفي سياق الدعم العربي، أعلن العضو السابق في مجلس الأمة الكويتي، مبارك محمد الوعلان، تبرعه بمبلغ مليون و200 ألف دولار لصالح الصندوق، مؤكداً في تصريح لـ”العربي الجديد” أن “استقرار سورية هو استقرار للمنطقة كلها، وأن إعادة إعمارها واجب إنساني وأخلاقي على الدول العربية والإسلامية”. وأضاف أن “تبرعه رسالة دعم واضحة للصندوق، وتشجيع للجهات المانحة على أن تكون هذه المبادرة نموذجاً في الشفافية والإدارة الرشيدة لضمان وصول الأموال إلى المشاريع التي تغير حياة الناس فعلاً”.
وتجاوزت قيمة التبرعات لـ”صندوق التنمية السوري” حتى الآن 59 مليون دولار، علماً أن باب التبرعات لا يزال مفتوحاً، وأنه لم يُحصر في العاصمة دمشق، بل أُطلق في معظم المحافظات السورية في الوقت ذاته.
ويُذكر أن “صندوق التنمية السوري” أُحدث بموجب المرسوم رقم “112” الصادر في يونيو/ حزيران الماضي، وهو مؤسسة ذات طابع اقتصادي تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مقره دمشق ويرتبط برئاسة الجمهورية، ويهدف إلى المساهمة في إعادة الإعمار وترميم البنية التحتية وتطويرها، وهي تشمل كل ما يدعم الحياة اليومية للمواطنين من خدمات ومرافق كالطرق والجسور وشبكات المياه والكهرباء والمطارات والموانئ وشبكات الاتصالات وغيرها، وتمويل المشاريع المتعددة من خلال القرض الحسن.
العربي الجديد
—————————–
قيمة التبرعات تجاوزت 60 مليون دولار خلال ساعات.. ما خطة صندوق التنمية السوري؟/ حنين عمران
2025.09.05
تجاوزت قيمة التبرعات لصندوق التنمية السوري، 60 مليون دولار، وذلك خلال الساعات الأولى من إطلاقه ضمن حفل في قلعة دمشق التاريخية، بحضور الرئيس السوري أحمد الشرع، وبمشاركة عدد من الشركات المحلية والعالمية، إلى جانب رجال أعمال سوريين وعرب.
ويعود تأسيس الصندوق إلى المرسوم رقم 112 لعام 2025، حيث يتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، ويتخذ من دمشق مقراً له.
“الصندوق قائم على الشفافية”
وفي كلمة ألقاها مدير الصندوق صفوت رسلان خلال الحفل، أكد أن عمل الصندوق سيقوم على الشفافية الكاملة عبر إصدار تقارير سنوية علنية، ونشر بيانات رقمية دورية، إضافة إلى قاعدة بيانات إلكترونية محدثة باستمرار. كما أشار إلى وجود قناة آمنة مخصصة للإبلاغ عن أي مشكلات أو أخطاء تتعلق بعمل الصندوق.
من جانبه، شدد الرئيس الشرع في كلمته أمام الحاضرين على أن سوريا لا تطلب المال من أحد، بل إن إطلاق الصندوق هو دعوة للسوريين والعرب لنيل شرف المساهمة في مداواة جراح سوريا وإعادة إعمارها، مستشهداً ببيت من معلقة زهير بن أبي سلمى: “ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله على قومه يُستغن عنه ويذمم”. وأكد أن الصندوق سيعمل بكل شفافية عبر الإعلان عن كل الموارد والمصروفات.
إعمار السكن والبنى التحتية
ويتمثل الهدف الأساسي للصندوق في إعادة المهجرين إلى بيوتهم وإنهاء معاناة المخيمات داخل سوريا، وفقاً لما أكد القائمون خلال الحفل، وذلك عبر تأهيل 50 ألف وحدة سكنية لإعادة توطين 7 ملايين نازح، وتسهيل عودة 6 ملايين لاجئ بكرامة.
كما سيُخصّص جزء من التبرعات لإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية، بهدف رفع ساعات التغذية الكهربائية إلى 12 ساعة يومياً بحلول عام 2026، من خلال بناء خمس محطات كبرى بقدرة 3000 ميغاواط، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، إضافة إلى إصلاح 400 محطة مياه.
وفي إطار شعار “الاستثمار في الإنسان”، رُصدت مبالغ لإعادة تأهيل 3000 مدرسة، وبناء 500 مدرسة جديدة، وتوظيف 20 ألف معلم. كما يشمل المشروع بناء 20 مستشفى جديداً وترميم وتأهيل المرافق الصحية المتضررة.
التبرعات المالية
أسهم عدد كبير من رجال الأعمال السوريين وأصحاب الشركات، ومشايخ العشائر بمبالغ تجاوزت 500 ألف دولار. فتبرعت عشيرة المحاميد بمليون دولار أميركي، فيما قدمت شركة الهرم 100 ألف دولار، وعائلة الخياط 25 ألف دولار، وبنك بيمو 90 ألف دولار.
كما شارك عدد من الوزراء بالتبرع خلال الحفل، إذ قدّم وزير الطوارئ والكوارث رائد الصالح 1000 دولار، ووزير التنمية الإدارية 1000 دولار، ووزيرة الشؤون الاجتماعية 500 دولار، إضافة إلى كل من وزيري التربية والصحة بمبلغ 1000 دولار لكل منهما، ووزير الإعلام الدكتور حمزة المصطفى بمبلغ 500 دولار. أما عقيلة الرئيس الشرع، لطيفة الدروبي، فقد تبرعت بمبلغ 5000 دولار.
منصة للعلاقات واستقطاب المتبرعين
وفي تصريح لموقع تلفزيون سوريا، أوضح مدير العمليات في منظمة (HIHFAD)، أحمد الأقرع، أن الهدف من مشاركتهم هو ربط المتبرعين من مختلف أنحاء العالم بصندوق التنمية السوري لتقديم الدعم المباشر خلال حفل الإطلاق وما بعده.
وأشار الأقرع إلى أن منظمتهم عملت سابقاً على ترميم خمس مدارس ومسجدين في حلب وحمص، إلى جانب مشروع كبير في الشمال السوري شمل ترميم مستشفى معرة النعمان وستة مستوصفات تابعة له. وأضاف: “نعمل اليوم على وصل أكثر من 35 شركة ومئات الأشخاص من متبرعينا حول العالم بصندوق التنمية السوري بعد إطلاقه”.
كما شاركت منظمة رحمة في الحفل، بعد دورها في تنظيم فعاليات “أربعاء حمص” و”أبشري حوران” خلال الأسابيع الماضية. وقال غيث يوسف، المسؤول الميداني في المنظمة، لموقع تلفزيون سوريا: “تبرعت المنظمة بمبلغ 100 ألف دولار، وندعو متبرعينا إلى المشاركة من خلال توجيه دعوات مباشرة إليهم، ونأمل أن تكون هذه الخطوة باب خير لبلدنا”.
تلفزيون سوريا
—————————
==================
تحديث 03 أيلول 2025
——————————-
“معركة مالية”.. خلفيات إصدار الليرة السورية الجديدة وأبعادها الاستراتيجية/ عبد العظيم المغربل
2025.09.03
أدى سقوط نظام الأسد المخلوع في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2028 إلى فتح الباب أمام واحدة من أعقد المعارك الاقتصادية التي تشهدها البلاد منذ عقود، فالتضخم المتسارع، وانهيار الثقة بالعملة الوطنية، وسيطرة المضاربين على السوق السوداء جعلت من الليرة السورية رمزاً للأزمة أكثر مما هي أداة للتبادل وحفظ القيمة.
وفي هذا الإطار، طرح المصرف المركزي السوري مشروع إصدار الليرة السورية الجديدة كخطوة مفصلية تهدف إلى استعادة السيادة النقدية، وتجفيف منابع السوق السوداء، وإعادة رسم ميزان القوى الاقتصادية السورية.
دوافع تغيير العملة في سوريا
إن تغيير العملة في سوريا ليس مجرد نقاش أكاديمي أو خيار شكلي لتحسين المظهر، بل هو عملية ضرورية في سياق اقتصاد ممزق خرج للتو من تحت أنقاض نظام دمّر بنيته الإنتاجية والمالية على حد سواء. فبعد سنوات من التضخم المتسارع والانهيار المتواصل في قيمة الليرة، لم تعد هذه الورقة النقدية تعكس سوى أزمة فقدان الثقة؛ لا المواطن يثق بقيمتها الشرائية، ولا الأسواق العالمية تتعامل بها كعملة قادرة على الصمود.
أحد أبرز دوافع الإصدار الجديد يتمثل في الكتلة النقدية المهربة، فلول النظام السابق هرّبوا عشرات التريليونات من الليرات السورية إلى العراق ولبنان ومناطق أخرى بعد سقوط النظام، ما جعلهم يملكون القدرة على التأثير في سوق الصرف لكون هذه الأموال خارج سيطرة المصرف المركزي السوري. هذا الواقع خلق مفارقة خطيرة، وهي أن البنوك السورية تعاني نقصاً حاداً في السيولة، بينما السوق السوداء تسبح بوفرة نقدية ضخمة خارج سيطرة الدولة.
لا يقتصر الإصدار الجديد على إعادة تصميم ورق نقدي جديد، بل هو سلاح اقتصادي يهدف إلى تجفيف نفوذ السوق السوداء وكسر قبضة الفلول على حركة العملة. إذ بمجرد فرض فترة انتقالية لقبول العملة القديمة واستبدالها بالجديدة، تصبح الأموال المهربة بلا قيمة ما لم تدخل النظام المصرفي وتخضع لرقابة الدولة وإجراءاتها. عندها يمكن فرض قيود على سقوف الاستبدال، والمطالبة بإثبات مصادر الأموال، وصولاً إلى تجميد أو مصادرة الأموال المشبوهة.
في هذا الإطار، يقول الباحث الاقتصادي الدكتور خالد تركاوي في حديث خاص مع موقع تلفزيون سوريا: “هناك كميات ضخمة من الكتلة النقدية، سواء المهربة أو داخل البلاد، غير معروف مصدرها ولا يوجد تحكم بحركتها، لكونه يجب أن يكون هناك عملية ضبط للعملة من أجل ضمان عدم وجود تهرب ضريبي، أو الاتجار بالبشر أو التهريب”.
الدافع الآخر لا يقل أهمية، وهو استعادة السيادة النقدية. لعقود طويلة كان المصرف المركزي مجرد أداة بيد نظام الأسد وصور عائلته، يستخدمه لتمويل العجز عبر طباعة لا محدودة، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية وضرب استقرار السوق. اليوم، تحاول سوريا قلب المعادلة بحيث يكون البنك المركزي هو المرجعية الوحيدة للسيولة، وأن تمارس السياسة النقدية وفق معايير مالية عالمية، بعيداً عن التدخلات السياسية قصيرة الأمد.
وفي هذا السياق، يقول التركاوي: “تحتوي الليرة السورية الحالية على صور لعائلة الأسد، وهي عائلة شاركت بقتل الشعب السوري، فمن باب عدم النظر للعملة بازدراء يجب تغييرها وإزالة رموز نظام الأسد”.
إلى جانب البعد الاقتصادي، فإن القرار يحمل بعداً رمزياً وسياسياً، فكما أن العلم يمثل رمزاً للسيادة الوطنية في أي دولة، فإن الليرة السورية يراد لها أن تكون علامة على بداية مرحلة جديدة، عنوانها نموذج اقتصادي جديد يحوطه الاستقلال المالي والقدرة على إدارة الذات بعيداً عن وصاية السوق السوداء أو بقايا النظام السابق.
الركائز الاقتصادية لنجاح الإصدار الجديد لليرة السورية
إصدار عملة جديدة لا ينجح بمجرد تغيير الورق أو حذف الأصفار فحسب، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة من الركائز الاقتصادية التي تضمن ثباتها وتمنع تكرار أخطاء الماضي. وفي الحالة السورية، يمكن تحديد خمس ركائز رئيسية تشكّل العمود الفقري لأي خطوة ناجحة نحو الليرة السورية.
الاستقرار النقدي شرط أولي قبل الشروع في طباعة العملة الجديدة؛ كان على المصرف المركزي أن يحقق نوعاً من الاستقرار في سعر الصرف، ولو بشكل جزئي. وبالفعل، تشير التقديرات الرسمية إلى تحسّن الليرة بنسبة تقارب 35% بعد بدء تطبيق سياسات ضبط السيولة ووقف المضاربات العشوائية. وهذا التحسن ليس مجرد رقم، بل رسالة بأن السوق بدأ يتجاوب مع الإجراءات الأولية، وهو ما يمنح الثقة بأن إدخال عملة جديدة لن يكون مجرد “تغيير شكلي” يزيد الاضطراب بدلاً من معالجته. فالقاعدة الأساسية هنا أن العملة الجديدة يجب أن تكون نتيجة للاستقرار لا سبباً له، أي أن الإصدار يأتي تتويجاً لمسار إصلاحي لا محاولة قسرية لإخفاء الأزمة.
إصلاح القطاع المصرفي أمر مهم، فلا يمكن لأي عملة جديدة أن تصمد إذا بقي القطاع المصرفي السوري على حاله متمثلاً في بنوك شبه مشلولة، ثقة متدنية من المودعين، وموجات متكررة من السحوبات القسرية. فالإصلاح المصرفي يعني إعادة هيكلة البنوك، تعزيز قدرتها على تلبية طلبات السحب والتحويل، وضمان حماية أموال المودعين؛ إذ إن هذه الثقة المصرفية هي الجدار الأول الذي يقي الليرة السورية الجديدة من الانهيار المبكر، لأنها تحد من لجوء الناس إلى السوق السوداء وتعيد الدورة النقدية إلى القنوات الرسمية.
فتح الباب أمام المصارف العربية والعالمية من أبرز التوجهات الجديدة في سوريا، إذ تم السماح بترخيص مصارف عربية ودولية للعمل في السوق السورية. فهذه الخطوة تحمل بعدين: الأول تقني، إذ توفر خبرات وأنظمة متطورة تعزز من كفاءة القطاع المالي، والثاني سياسي – اقتصادي، لأنها تمنح العملة الجديدة “شهادة ثقة” إقليمية ودولية، ما يشجع على تدفقات استثمارية ويساعد في كسر العزلة الاقتصادية التي فرضتها العقوبات لعقود.
السياسة النقدية الرشيدة والمستقلة ضرورة أساسية، فطباعة النقود كانت في السابق أداة لتمويل عجز النظام البائد، ما أدى إلى تضخم هائل أفقد الليرة قيمتها. لذلك، فإن النجاح هذه المرة يتطلب التزاماً واضحاً بعدم اللجوء إلى “التمويل بالعجز”، وجعل المصرف المركزي مؤسسة مستقلة لا تخضع لتقلبات المزاج السياسي أو ضغوط النخب الاقتصادية. فالاستقلالية هنا ليست شعاراً فحسب، بل ضمانة أساسية للحفاظ على استقرار الليرة الجديدة ومنع تكرار الحلقة المفرغة من التضخم وفقدان الثقة.
التوازن بين الكتلة النقدية والإنتاج
يقول قانون مصونية القوة الشرائية للعملة: “إن القوة الشرائية للعملة لا تفنى ولا تُخلق من العدم، إنما تتحول من شكل إلى شكل آخر”، فقيمتها ترتبط بكمية السلع والخدمات المتاحة في السوق مقابل حجم النقود المتداولة. لذلك، أي إصدار جديد يجب أن يرافقه دعم للإنتاج المحلي في الزراعة والصناعة، وزيادة المعروض من السلع الأساسية، إضافة إلى إدارة ذكية للاحتياطيات من الذهب والدولار. بمعنى آخر، لا قيمة لليرة السورية إذا لم يجد المواطن أمامه بضاعة وطنية وخدمات حقيقية يمكن شراؤها بها.
الاحتياجات التقنية واللوجستية لطباعة العملة السورية
تعتبر عملية إصدار عملة جديدة سلسلة معقدة من الخطوات التقنية واللوجستية التي تتطلب تخطيطاً دقيقاً، وتمويلاً ضخماً، وأعلى درجات السرية. فنجاح الليرة الجديدة لا يتوقف فقط على الثقة الشعبية أو الإصلاحات المصرفية، بل أيضاً على قدرة الدولة على إدارة عملية الطباعة والإصدار بشكل منظم ومحكم.
البداية تكون مع وضع التصاميم الجديدة التي تحمل الرمزية الوطنية لسوريا. هذه التصاميم لا تُعنى فقط بالمظهر الجمالي، بل تركز على إدخال تقنيات أمان متطورة تقلل من مخاطر التزوير، بدءاً من العلامات المائية إلى الأحبار الخاصة والخيوط الأمنية، وصولاً إلى الترقيم المتسلسل الذي يتيح تتبع أي ورقة نقدية. فالهدف هو أن تكون الليرة الجديدة ورقة صعبة التقليد، وتزرع الثقة في يد حاملها منذ اللحظة الأولى.
الورق المستخدم في الطباعة لا يجب أن يكون ورقاً عادياً، بل يُصنَع وفق بروتوكولات أمنية معقدة تتضمن دمج مواد خاصة تجعل من المستحيل تقريباً تزويره بالوسائل التقليدية. فكل ورقة تحمل “هوية أمنية” تجعل كشف التزوير مسألة بديهية حتى بأبسط الأدوات.
وبحسب الخطة المعلنة، لن يتم الاعتماد على مصدر واحد للطباعة، بل سيتم التعاقد مع مصدرين أو ثلاثة، لغايات تشغيلية وسياسية في آن واحد؛ إذ إن هذا التنويع يضمن تفادي أي مخاطر محتملة في حال تعطلت إحدى القنوات، كما يمنح الدولة مرونة في التفاوض والحفاظ على سرية العملية.
بعد الانتهاء من الطباعة، يُتوقّع أن تخضع كل ورقة لعملية “ترقيم” دقيقة، بحيث يكون لكل فئة رقم تسلسلي خاص يتيح مراقبتها وضبط تداولها. بعدها تأتي مرحلة النقل والشحن، وهي من أخطر المراحل، حيث يتم استخدام بروتوكولات أمنية مشددة لضمان وصول الأموال إلى سوريا دون أي اختراق أو تسريب.
إصدار عملة جديدة دون تحضير المجتمع لاستقبالها يعني الفشل منذ البداية، لذلك يجب أن تكون هناك حملة توعية وطنية تشرح للمواطنين تفاصيل عملية الاستبدال، وآليات التعامل مع الليرة الجديدة، وما تعنيه عملية حذف الأصفار أو تبديل الأوراق القديمة. في الوقت نفسه، ووفقاً للخطة المعلنة، سيتم توزيع العملة الجديدة عبر البنوك، فروع المصرف المركزي، والصرافين المرخصين، بما يضمن وصولها إلى جميع الشرائح الاجتماعية بأسرع وقت ممكن.
من المتوقع أن تأخذ عملية استبدال العملة وقتاً بهدف قطع الطريق أمام الفلول والمضاربين الذين قد يحاولون ضخ كتل ضخمة من الأموال المهربة في السوق. وخلال هذه المرحلة، سيتم فرض قيود على سقوف الاستبدال، وطلب إثباتات لمصادر الأموال الكبيرة، في محاولة لجعل أي ثروة مشبوهة بلا قيمة فعلية.
في هذا الإطار، يقول التركاوي: “من المهم ضمان وجود بروتوكول أمني لطباعة العملة ونقلها من بلد الإصدار وحتى دخولها إلى المصارف، كما أن هناك حاجة لتحسين النظام المصرفي وفتح فروع جديدة للبنوك وتسريع الإجراءات ضمنها لتسريع عملية استبدال العملة”.
الأبعاد الاستراتيجية والسياسية للعملة الجديدة
كما هو معلوم، فإن العملة ليست مجرد وسيلة للتبادل أو أداة مالية، بل هي رمز سيادي يختصر في داخله موازين القوى الاقتصادية والسياسية داخل الدولة. ولهذا فإن إصدار الليرة الجديدة في سوريا يحمل أبعاداً أعمق من مجرد إصلاح نقدي، ليصبح خطوة استراتيجية متعددة المستويات.
من التحديات الكبرى التي واجهت القطاع النقدي بعد سقوط النظام، سيطرة فلول النظام والمضاربين على الكتلة النقدية الضخمة المهربة؛ إذ جعلت هذه الأموال من السوق السوداء اللاعب الأكبر في تحديد سعر الصرف، وأفقدت الدولة القدرة على التحكم بالدورة النقدية. الليرة الجديدة تعني أن الدولة تعود لتكون المصدر الوحيد للعملة، فتجفف أدوات المضاربة، وتمنع التحكم بالسيولة خارج النظام المصرفي، والنتيجة المتوقعة هي استقرار نسبي في سعر الصرف وتراجع حدة تقلبات السوق السوداء.
المواطن السوري كان الضحية الأولى لفوضى العملة، حيث تحولت أسعار الليرة إلى حالة من عدم اليقين الدائم، فكل يوم له سعر صرف مختلف، وكل سلعة لها تسعيرة غير مستقرة. وعندما يستعيد المصرف المركزي زمام المبادرة ويضمن استقرار الليرة، فإن أثر ذلك ينعكس مباشرة على حياة الناس من ناحية أسعار الغذاء، الدواء، الوقود، وحتى الخدمات الأساسية التي تصبح أكثر استقراراً، ما يخفف الضغط عن الأسر ويعيد قدراً من الطمأنينة المفقودة.
إصدار العملة الجديدة هو رسالة سياسية بأن زمن بقايا النظام المخلوع قد انتهى، ففقدانهم لورقة الضغط المالية التي مثّلتها الأموال المهربة يعني فقدان آخر أدوات نفوذهم الاقتصادي. بالتالي، يصبح القرار النقدي أداة لتعزيز الاستقرار السياسي وترسيخ شرعية السلطة الجديدة في البلاد.
عملية الاستبدال النقدي تمنح الدولة فرصة ذهبية لتصفية الأموال المشبوهة، إذ يُشترط على من يريد استبدال مبالغ كبيرة إثبات مصدرها، وإلا يخاطر بتجميدها أو مصادرتها. هذا البعد الأمني لا يقل أهمية عن الجانب الاقتصادي، لأنه يحرم شبكات الفساد والتهريب من إعادة تدوير أموالها في النظام الجديد. بعبارة أخرى، الإصدار الجديد يصبح أداة لتجفيف منابع الفساد والاقتصاد غير الشرعي.
العملة الجديدة هي أيضاً خطاب موجه إلى الخارج، خصوصاً إلى الشركاء الاقتصاديين المحتملين من العرب أو القوى الدولية، فهي تعلن أن سوريا الجديدة جادة في إعادة بناء مؤسساتها وفق معايير مالية عالمية، وأنها لم تعد رهينة اقتصاد السوق السوداء أو النظام القديم. هذه الرسالة قد تفتح الباب أمام انفتاح اقتصادي تدريجي وجذب استثمارات تبحث عن بيئة أكثر استقراراً.
تلفزيون سوريا
——————————
إشكالية الأولوية.. الأمن أم إعادة البناء في سوريا/ د. طلال المصطفى
2025.09.03
منذ سقوط النظام السوري السابق بتاريخ 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، برزت الإشكالية المركزية في النقاش التنموي العام السوري: أيهما يأتي أولًا – الأمن أم إعادة البناء؟ هل يمكن لسوريا أن تنطلق في مشاريع الإعمار من دون استقرار أمني؟ أم أن الأمن ذاته لا معنى له إذا لم يُترجم إلى تحسين ملموس في شروط الحياة؟
هذه الإشكالية ليست في سوريا فقط، فقد عرفتها دول عديدة خرجت من نزاعات عسكرية مثل لبنان والعراق والبوسنة ورواندا وغيرها، لكنها في سوريا تبدو أعقد، بسبب حجم الدمار المادي وعمق الانقسام المجتمعي وفقدان رأس المال البشري. وهنا السؤال الرئيس: كيف يمكن كسر الحلقة المفرغة بين الأمن والتنمية؟
الأمن .. شرط رئيس لإعادة البناء
الأرقام وحدها تكشف فداحة الوضع الاقتصادي السوري: الناتج المحلي انكمش بأكثر من 50%، والخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة فاقت 100 مليار دولار، بحسب تقارير الأمم المتحدة. أكثر من 70% من البنية التحتية للكهرباء دُمّرت، ونصف المدارس والمستشفيات خرجت عن الخدمة. وبالتالي في مثل هذه البيئة، أي حديث عن إعادة إعمار بلا أمن هو مغامرة محفوفة بالمخاطر.
فالمستثمرون السوريون والأجانب لا يغامرون بأموالهم وسط الفوضى الأمنية، والمجتمع الدولي لن يضخ المساعدات في بلد يفتقر إلى استقرار سياسي وأمني. والتجارب الدولية تدل على ذلك: ففي البوسنة والهرسك لم تنطلق عملية إعادة الإعمار إلا بعد تثبيت اتفاق دايتون الذي أوقف الحرب وأوجد حدًا أدنى من التوازن الأمني. أما في العراق بعد 2003، فرغم موارد النفط الهائلة، ظل الاستثمار محدودًا لأن هشاشة الوضع الأمني أجهضت أي محاولة جادة للتنمية.
باختصار، تحقيق الأمن في سوريا ليس رفاهية أو خيارًا مؤجلًا، بل هو شرط أساسي لانطلاق أي مسار تنموي.
الأمن.. لا يُختزل في البعد العسكري
رغم مركزية الأمن، إلا أن اختزاله في البعد العسكري قد يكون وصفة لتجدد العنف في المستقبل. فسلام هش يقوم على القمع أو توازنات القوى العسكرية الآنية لا يمكن أن يستمر إذا ظل المجتمع غارقًا في الفقر والحرمان.
في سوريا، يعيش نحو 90% من السكان تحت خط الفقر، في حين تبلغ البطالة 75%. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الأمن هشًا بطبيعته؛ إذ لا يمكن إخضاع مجتمع محروم بالقوة إلى ما لا نهاية.
التجارب الدولية أثبتت هذه الحقيقة: في لبنان بعد الحرب الأهلية، جرى ضخ مليارات الدولارات لإعادة إعمار بيروت، لكن غياب إصلاح سياسي واجتماعي جعل “الأمن” هشًّا، قائمًا على توازنات طائفية سرعان ما انهارت مع كل أزمة. وفي العراق، أدى غياب التنمية الشاملة إلى عودة العنف، رغم وجود قوات أمنية قوية نسبيًا. بالمقابل، في رواندا استطاع النظام الجمع بين بسط الأمن وتعزيز التنمية السريعة، ما أعاد الثقة تدريجيًا للمجتمع، حتى وإن ظل نموذجها مثيرًا للجدل من زاوية الحريات السياسية.
خلاصة القول: إن الأمن الذي لا يقترن بتنمية اجتماعية واقتصادية يصبح مجرد “أمن سلطوي” قصير العمر.
نحو مفهوم “الأمن التنموي”
سوريا اليوم عالقة في حلقة مفرغة: غياب الأمن يعيق إعادة البناء، وغياب إعادة البناء يقوّض الأمن. هذه المعضلة واجهتها دول عدة، لكنها في سوريا أشد تعقيدًا بسبب حجم النزوح (أكثر من نصف السكان بين نازح ولاجئ)، وفقدان جزء كبير من الرأسمال البشري.
في البوسنة، كُسر هذا المأزق عبر ترتيبات دولية فرضت السلام، بالتوازي مع خطة إعادة إعمار مدعومة من الاتحاد الأوروبي. أما في رواندا، فكان الحل عبر “أمن تنموي” شديد المركزية، ركّز على تحسين الخدمات وفرص العمل بالتوازي مع ضبط أمني صارم. بينما التجربة العراقية قدّمت مثالًا عكسيًا على فشل مقاربة “الأمن أولًا” من دون تنمية شاملة.
الحل في سوريا لا يكمن في الاختيار بين الأمن أو إعادة البناء، بل في صياغة مقاربة تدمج بينهما: الأمن التنموي.
هذا يعني إعادة بناء المؤسسات الأمنية على أسس وطنية جامعة، غير طائفية أو فئوية، مع إطلاق مشاريع إعمار تركّز على القطاعات الأكثر تأثيرًا في حياة الناس: الصحة، التعليم، وفرص العمل.
التجربة الرواندية تقدّم درسًا مهمًا: التنمية السريعة – حتى لو بدأت بمشاريع محدودة – يمكن أن تعزز الاستقرار وتعيد الثقة. أما التجربة اللبنانية فتنبه إلى أن إعادة الإعمار من فوق، لصالح النخب، من دون إصلاحات بنيوية، قد تؤدي إلى إعادة إنتاج الانقسام بدلًا من تجاوزه. وهذا يستدعي إعادة تعريف مفهوم الأمن نفسه: من “أمن السلطة” إلى “أمن المواطن”، حيث تصبح الأولوية حماية الأفراد وحقوقهم، لا حماية نظام الحكم.
التمويل والدعم الدولي: رهانات مشروطة
تتراوح تقديرات تكلفة إعادة الإعمار بين 400 و900 مليار دولار، وهو مبلغ يتجاوز قدرة سوريا الذاتية، ما يجعلها مرتهنة للدعم الخارجي. غير أن هذا الدعم لن يُمنح بلا مقابل، بل سيُربط بالمسار السياسي وضمان عدم عودة الاستبداد.
في البوسنة، ارتبطت المساعدات الأوروبية بآليات دمج سياسي ومؤسساتي بين المكونات المجتمعية. وفي العراق، قُدّمت المساعدات مشروطة بإصلاحات لم تتحقق، ما جعل الاستثمارات محدودة الأثر. هذا يعني أن أي دعم لسوريا سيكون مشروطًا بمسار سياسي واضح يضمن انتقالًا نحو حكم أكثر شمولية وقبولية من السوريين كافة.
في المقابل، يجب أن يُستنهض الدور المحلي: السوريون يمتلكون موارد بشرية ومادية كافية، لكن شرطها إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتوفير بيئة قانونية شفافة تكافح الفساد وتحمي الملكية.
أي مستقبل ينتظر السوريين؟
المسارات المحتملة أمام سوريا يمكن اختصارها في سيناريوهين:
استقرار أمني بلا تنمية: أي سلطة تفرض الأمن بالقوة، من دون إعادة بناء حقيقية. قد يوفر هدوءًا مؤقتًا لكنه يعيد إنتاج الانفجار.
أمن وتنمية متوازيان: خطوات أمنية ترافقها إصلاحات تنموية تدريجية تركّز على الخدمات الأساسية. هذا وحده ما يفتح الطريق إلى استقرار مستدام، شرط أن يترافق مع إرادة سياسية لإشراك المجتمع وإصلاح جوهري لطبيعة الحكم.
الإعمار الحقيقي يبدأ بالإنسان
الحديث عن أولوية الأمن أو إعادة البناء بمعزل عن الآخر ليس إلا وهمًا سياسيًا. فسوريا لن تستعيد أمنها ما دام أكثر من 20 مليونًا من سكانها تحت خط الفقر، ولن تنهض اقتصاديًا ما دامت غارقة في دوامة العنف. الإعمار الحقيقي لا يبدأ بالإسمنت والحديد، بل يبدأ بالإنسان: بضمان أمنه وكرامته، وببناء دولة تحميه لا تستبد به. عندها فقط يصبح الحديث عن إعادة الإعمار واقعيًا، وعندها فقط يمكن للأمن أن يستدام.
إن التجارب الدولية تُعلّمنا أن الأمن الذي لا يقوم على التنمية زائل، والتنمية التي لا تُبنى على أمن شامل لن تستمر. وفي سوريا، قد تكون البداية الأصعب، لكنها أيضًا الأكثر وضوحًا: لا أمن بلا إعادة بناء، ولا إعادة بناء بلا أمن، وكلاهما بلا سياسة سوريا جامعة مجرد سراب.
تلفزيون سوريا
——————————–
لاسترداد المال العام.. سوريا تبدأ حل أزمة القروض المتعثرة
تخفيف الأعباء عن المقترضين عبر برامج تحفيزية وإعفاءات تشجيعية
الرياض – العربية
03 سبتمبر ,2025
أعلن وزير المالية السوري محمد يسر برنية تشكيل لجنة استشارية متخصصة لدراسة واقع القروض المتعثرة لدى البنوك الحكومية السورية، بهدف اقتراح حلول قانونية وعملية تضمن استرداد المال العام وتخفيف الأعباء عن المقترضين، عبر برامج تحفيزية وإعفاءات تشجيعية.
وأوضح برنية، أن هذه الخطوة تأتي ضمن مساعي الدولة السورية لتنشيط الاقتصاد الوطني، مشيراً إلى أن اللجنة تضم قاضياً مختصاً، وخبراء مصرفيين، ورجال أعمال، وقانونيين، إضافة إلى ممثلين عن وزارة المالية، ومصرف سوريا المركزي، والجهاز المركزي للرقابة المالية.
وستعمل اللجنة على تسوية مديونيات المتعثرين بشكل منصف، بما يتيح لهم معاودة نشاطهم الاقتصادي، ورفع الحجوزات عنهم وعن أسرهم، إلى جانب استرداد جزء كبير من موارد البنوك، وتحسين مؤشرات الملاءة والاستقرار المالي، والمساهمة في حل مشكلة السيولة، وتنظيف المحافظ التمويلية، والحد من مخاطر المديونيات المتعثرة، وفق وكالة الأنباء السورية “سانا”.
وقال برنية، إن هذه الخطوة تتكامل مع خطة إصلاح شاملة للقطاعين المالي والمصرفي، سبق أن أعلن عنها في يونيو الماضي، وتشمل مراجعة أداء البنوك الحكومية وتحديث خدماتها، بالتعاون مع مصرف سوريا المركزي والأجهزة الرقابية المختصة.
وتواجه البنوك الحكومية في سوريا تحديات متراكمة بسبب تفاقم القروض المتعثرة، ما ينعكس سلباً على الاستقرار المالي والسيولة.
العربية
——————–
القوانين القديمة وضعف الشبكة المصرفية تعيقان الاستثمارات “المليارية” في سوريا/ محمد كساح
3 September 2025
بالرغم من توقيع العهد الجديد عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع شركات عديدة للاستثمار في سوريا، إلا أن ملف الاستثمار لا يزال يواجه حزمة من التحديات، حيث يحتاج النهوض بالواقع الاستثماري إلى متطلبات تشريعية واقتصادية وبيئات تسودها الشفافية والوضوح والتنافسية، بحسب ما يوضح الخبراء الاقتصاديون.
التراضي صيغة خطيرة
ويرى الباحث ومدير منصة “اقتصادي”، يونس الكريم، أن القوانين الحالية المتمثلة بالقانون رقم /18/ لعام 2021، بالإضافة إلى المرسومين التشريعيين /8/ و/9/ للعام 2007، عانت خلال وضعها قيد التطبيق من عراقيل البيروقراطية، رغم إعلان النظام البائد عن كون هذه القوانين تسهل الإجراءات المتعلقة بالاستثمار وتوفر حوافز ضريبية وجمركية لجذب الاستثمارات.
ويضيف خلال حديثه لموقع “الترا سوريا” أن آلية تنفيذ الاستثمارات في العهد السابق، كانت تعتمد على اقتسام كعكة الاستثمارات بين الشخصيات النافذة في البلد، وكان المستثمرون يتقربون من هؤلاء المتنفذين للاستفادة من فرص الاستثمار المتوفرة عبر إقامة شراكات مع الجهات المتنفذة.
ولفت الكريم إلى أن النظام الجديد لا يزال يعتمد على هذه السياسات القديمة، ما انعكس على حجم الاستثمارات الجديدة التي تم وضعها قيد التطبيق المباشر، والتي تعتبر قليلة بالرغم من رفع العقوبات الغربية عن سوريا، عازيًا ذلك إلى العراقيل البيروقراطية وغياب الدقة والمؤسساتية وعدم اليقين من جدوى قوانين الاستثمار التي سوف تصدر لاحقًا.
واستنادًا إلى هذه النقطة، يلاحظ الكريم أن العقود التي تم توقيعها بين الحكومة السورية والشركاء الدوليين جرت بصيغة التراضي، من دون أن تُؤطَّر بالقوانين الناظمة ما يضع هذه الاستثمارات ضمن خانة الفوضى، بسبب تداعيات صيغة التراضي هذه على مستقبل الاستثمار، موضحًا أن غياب الاستناد إلى القوانين عند إجراء العقود مع الشركاء الدوليين يعني انشطار ملف الاستثمار إلى قسمين: الأول يتعلق بالشركات الدولية الكبيرة التي تحصل على عقود مباشرة مع الحكومة، والثاني الشركات الأصغر حجمًا، والتي وضعت على قائمة الانتظار، ريثما يتم الإعلان عن القوانين الناظمة لأعمالها.
عراقيل ومتاعب
تتعدد العقبات التي تواجه الفاعلين الاقتصاديين الراغبين بالاستثمار في سوريا، وبالرغم من رفع العقوبات، فإن الواقع الاستثماري لا يزال سيئًا نتيجة عراقيل أخرى لا تتعلق بالعقوبات بشكل مباشر.
ويوضح الكريم أن من أهم العقبات عدم استقرار العملة الوطنية، حيث تزيد تقلبات سعر الصرف من مخاطر الاستثمار، نظرًا لتسببه بانعدام القدرة الشرائية، وبالتالي صعوبة تصريف البضائع والسلع، بالموازاة مع تأثيرات تذبذب سعر الصرف على نقل الاستثمارات إلى خارج البلاد في حال أراد المستثمر نقلها في وقت لاحق.
ومن العراقيل التي يلاحظها الكريم عدم وضوح القرارات الحكومية وتضارب الصلاحيات، مثل إلغاء شركات الصرافة أو ضرورة توفيق أوضاعها، يضاف إليها بعض التصريحات الصادرة عن المصرف المركزي التي يعتقد الفاعلون الاقتصاديون أنها سابقة لأوانها، ما يوحي بأن المركزي لا يسيطر بشكل كامل على القرار الاقتصادي في البلاد، وإنما يتبع سياسات تنظيرية بعيدة نسبيًا عن الواقع.
ومن أهم العقبات التي يوردها الكريم عدم وجود شبكة مصرفية قوية نتيجة العزلة المصرفية الكبيرة والطويلة عن العالم الخارجي التي جعلت الوضع المصرفي كارثيًا، ما يجعل التأثير الإيجابي المترتب عن رفع العقوبات الغربية محدودًا، يضاف إلى ذلك بعض السياسات التي اتبعها المصرف المركزي التي أثرت سلبًا على الشبكة المصرفية، وعلى رأسها منح صلاحيات واسعة لشركة “شام كاش”، من بينها إدارة البيانات وفتح الحسابات وتسلم كتلة الرواتب.
ويتابع الكريم أن البنى التحتية المتضررة في سوريا تجعل كلفة الاستثمارات مرتفعة جدًا، إضافة إلى أن هذه الاستثمارات تمنح لشركات كبيرة دون تحديد حدود هذه الاستثمارات أو كيفية تنفيذها، لا سيما في عدم وجود بيئة قانونية واضحة ومحددة ومستقرة.
ما أبرز العوامل الطاردة لرأس المال؟
ومع أن البيئة التشريعية تعتبر إحدى الركائز الأساسية لجذب الاستثمارات، إلا أن القوانين الاستثمارية الحالية تفتقر إلى العمق المؤسسي اللازم لضمان الأمان القانوني للمستثمرين.
يرى الباحث الاقتصادي، يحيى السيد عمر، أن غياب الاستقلال القضائي، وتداخل الصلاحيات بين الجهات المعنية، وتعقيدات البيروقراطية في الحصول على التراخيص، كُلّها عوامل طاردة لرأس المال، خاصةً في ظل غياب بنية تحتية مؤسسية قادرة على إنفاذ القانون بعدالة وفعالية.
ويضيف خلال حديثه لـ”الترا سوريا” أنه بناء على ما سبق، لا بد من إعادة صياغة قانون الاستثمار على نحو يعكس التزامًا فعليًّا بتبسيط الإجراءات، وتقديم ضمانات قانونية واقتصادية حقيقية.
وبخصوص تأثير رفع العقوبات على الواقع الاستثماري، يوضح السيد عمر أنها وبالرغم من أهميتها ليست كافية لجذب المستثمرين ما لم تترافق بإجراءات داعمة للاستثمار، مثل: الحوافز الضريبية، وتسهيل الحصول على التراخيص، وتبسيط العمل الإداري، وتوفير حوامل الطاقة، وتحقيق الاستقرار النقدي.
ولفت إلى أن التجارب الدولية، لا سيما في أوروبا الشرقية وجنوب شرق آسيا، أظهرت أن تدفق الاستثمارات لا يرتبط فقط بإزالة العوائق الخارجية، بل أيضًا بمدى قدرة الدولة على بناء مؤسسات فاعلة وشفّافة، ومِن ثمّ لا بد من الموازنة بين الانفتاح على العالم ومعالجة المشكلات في الداخل، خصوصًا ما يتعلق بثقة المستثمر بالقضاء المحلي، واستقرار السياسة الاقتصادية، وضمان حرية حركة رأس المال.
تحديات وتجارب
من الضروري، بحسب ما يضيف السيد عمر، أن يتضمن قانون الاستثمار حوافز ضريبية وجمركية واضحة، لا سيما للقطاعات الإنتاجية والموجَّهة للتصدير، إلى جانب تمكين المستثمر من تحويل الأرباح بالعملة الصعبة دون قيود. كما ينبغي اعتماد مبدأ “النافذة الواحدة” لتسهيل تأسيس الشركات وتذليل العقبات الإدارية، وتأسيس هيئة مستقلة للإشراف على شؤون الاستثمار، تتسم بالكفاءة والنزاهة، وتتولى التنسيق بين الجهات المختلفة بعيدًا عن التضارب البيروقراطي المعتاد.
بينما تبقى التحديات المرتبطة بالشبكة المصرفية من أبرز ما يعرقل دخول رؤوس الأموال، خاصةً في ظل عجز النظام المصرفي عن تقديم الخدمات المالية الأساسية، وافتقاره إلى أدوات الدفع الإلكتروني أو الربط مع النظام المالي العالمي. كما أن تقلبات سعر الصرف تُعدّ عائقًا جوهريًّا؛ إذ تفقد المستثمرين القدرة على التنبؤ بتكاليف مشاريعهم أو الأرباح المتوقعة، ما يعمّق مخاوفهم من المجازفة في بيئة غير مستقرة.
ويؤكد السيد عمر أنه لا بد من الاستفادة من تجارب الدول التي نجحت في خلق مناخ استثماري جاذب رغم محدودية الموارد، مثل رواندا وجورجيا وفيتنام، حيث تم التركيز على مكافحة الفساد، وتحقيق استقرار نقدي ومالي، وتقديم حوافز واضحة، وبناء شراكات بين القطاعين العام والخاص على أسس شفافة، لافتًا إلى أن اعتماد مثل هذه السياسات مع مرونة في التعديل المستمر حسب متغيرات السوق من شأنه أن يفتح الباب أمام تحوُّل تدريجي نحو بيئة استثمارية أكثر جذبًا وتنافسية.
الترا سوريا
—————————
القروض المتعثرة ترهق السوريين… ومساع لتخفيف الأزمة/ نور ملحم
04 سبتمبر 2025
في دمشق، يقف خليل التلاوي، صاحب مشروع لصناعة البلاستيك، أمام أوراق البنك وهو يحاول حساب ما تبقى له من ديونه. قبل الحرب كان بإمكانه سداد قروضه الشهرية بسهولة، أما اليوم، فقد أصبحت التزامات القروض المتراكمة تثقل كاهله، فيما تتراجع المبيعات يوماً بعد يوم. يقول الخمسيني لـ “العربي الجديد”: “لم أعد أعرف من أين أبدأ، كل محاولة لسداد القرض تؤخر دفع أجور العاملين أو شراء المواد اللازمة لمعملي”.
مشهد يعكس ما يواجهه آلاف السوريين الذين أصبحوا عالقين بين الديون والواقع الاقتصادي المتدهور. في ظل هذه الأزمة، أعلن وزير المالية محمد يسر برنية تشكيل لجنة استشارية متخصصة لدراسة القروض المتعثرة لدى البنوك الحكومية بشكل شامل. وكتب الوزير على صفحته الرسمية في “فيسبوك”: “تأتي هذه المبادرة ضمن مساعي الدولة السورية لتكريس الإنصاف والعدالة، وتنشيط الاقتصاد الوطني، من خلال اقتراح حلول قانونية وعملية تضمن استرداد المال العام وتخفيف الأعباء عن المقترضين، عبر برامج تحفيزية وإعفاءات تشجيعية”.
اللجنة تضم قاضياً مختصاً، وخبراء مصرفيين، ورجال أعمال، وقانونيين، إضافة إلى ممثلين عن وزارة المالية، ومصرف سورية المركزي، والجهاز المركزي للرقابة المالية، وتركز على إيجاد تسويات عادلة تمكن المقترضين من استئناف نشاطهم الاقتصادي، مع رفع الحجوزات عنهم وعن أسرهم، بما يسهم في استرداد موارد البنوك وتحسين مؤشرات الاستقرار المالي ومعالجة أزمة السيولة والحد من المخاطر المستقبلية.
تشير البيانات الرسمية إلى أن نسبة القروض المتعثرة في البنوك الحكومية ارتفعت بشكل كبير خلال السنوات الماضية، من 4% عام 2010 إلى 35% عام 2013، ثم إلى 42% في نهاية 2023. ويربط خبراء هذه الزيادة بتدهور البنية الاقتصادية، وتدمير المنشآت الإنتاجية، وتسريح آلاف العاملين، بالإضافة إلى التضخم وانخفاض القدرة الشرائية.
ويقول سامر، صاحب محل صغير، لـ “العربي الجديد” إن كل يوم يمر يزيد من شعوره بالضغط النفسي، وهو ما يلاحظه الخبراء أيضًا على نطاق واسع: القروض المتعثرة مرتبطة بارتفاع مستويات التوتر والاكتئاب بين أصحاب المشاريع والأسر. ويقول الخبير المصرفي الدكتور فادي العياش لـ “العربي الجديد” إن “القروض المتعثرة ليست مجرد أرقام على الورق، بل انعكاس حقيقي للواقع الاقتصادي والاجتماعي. الحلول الظرفية لن تكفي، بل يجب إنشاء منظومة مالية وتشريعية تستوعب الأزمات وتعيد إنتاج القروض كأداة تنمية”.
ولفت إلى أن ارتفاع نسبة القروض المتعثرة يضغط على السيولة البنكية ويحد من قدرة البنوك على تمويل المشاريع الجديدة، ويضيف: “كل دين متعثر يعني أن موارد مالية كبيرة خارج التداول الاقتصادي، وهذا يزيد من صعوبة دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة، ويعيق النمو الاقتصادي”.
وتشكل اللجنة الاستشارية، خطوة عملية ضمن خطة الإصلاح المالي والمصرفي التي أعلنتها الحكومة سابقًا، وتشمل مراجعة أداء البنوك الحكومية وتحديث خدماتها، والعمل على تسويات تشجع المقترضين على السداد، وتحفز النشاط الاقتصادي من دون فرض أعباء غير قابلة للتحمل.
——————————
الريف السوري وشبح الإهمال/ محمد برو
2025.09.04
بعد الحرب العالمية الثانية شهدت الكثير من المدن الأوروبية الدمار وانهيار الاقتصاد وانخفاض نسبة الذكور إلى الإناث، وقد عانت تلك المدن معاناة كبيرة في طريق النهوض من الدمار الطاغي إلى استعادة الحياة الطبيعية واستقرار الأوضاع المعيشية في حدودها المقبولة. ومن أولى المشكلات التي عانتها معظم تلك المدن والبلدات، تمركز الجهود والإعانات الأولية في الفترة التي تلت تلك الحرب في المدن الكبرى والعواصم، وهذا أمر مفهوم وتقتضيه الضرورة في معظم الأحوال، لكن هذا لا يلغي إحساس تلك البلدات والمدن الصغيرة وساكنيها بشيء من الإهمال والتهميش، والتي يُخشى أن يستمر الحال على هذا المنوال لزمن طويل، لا سيما أن تلك المدن والبلدات الصغيرة هي من ترفد المدن الكبرى بالموارد الغذائية والمواد الأولية واليد العاملة. وفي مراجعة سريعة للتجربة الألمانية، وهي من أميز التجارب الناجحة في التحول من اقتصاد منهار ومدمَّر إلى اقتصاد منافس في قمة الاقتصادات العالمية، حيث تتربع ألمانيا على قمة هرم الاقتصاد العالمي بعد أميركا والصين.
ما إن وضعت الحرب أوزارها حتى اتجهت ألمانيا إلى إعادة إحياء القرى والبلدات الزراعية، وخصصت لها الموارد الكافية من المياه والكهرباء، وسارعت لتعزيز البنية التحتية، مع توفير الدعم المستطاع للمزارعين، إدراكاً منها أن بناء التكامل بين الريف والمدينة كفيل بتحقيق رافعة مهمة للاقتصاد الألماني في رحلة التعافي الصعبة. استثمرت في أنظمة الري الحديثة، ووظَّفت التكنولوجيا، ومنحت القروض، وأسست التعاونيات التي تقوي دور المزارعين وتمنحهم فرصة أكبر وأقوى للتفاوض. وفي عام 1960 كانت نسبة المزارعين المنتظمين في التعاونيات الزراعية الألمانية تتجاوز 70% من إجمالي العاملين في الحقل الزراعي. من المخزي أن لهذه التعاونيات في الحقبة الأسدية دوراً في منتهى الفساد وتعزيز المحسوبية، ويحمل معظم سكان الريف والمناطق الزراعية السورية في ذاكرتهم حولها أسوأ التجارب.
اليوم وسوريا تنهض من تحت الرماد، وقد دُمرت بنيتها التحتية وموارد المياه وحتى التربة تدميراً غير مسبوق وبطرق منهجية، فإنها أحوج ما تكون لرسم سياسات عالية للنهوض بالريف والمناطق الزراعية التي تعتبر العصب الرئيسي في قطاع الإنتاج والموارد، لا سيما أن الاقتصاد السوري يعتمد بشكل كبير على القطاع الزراعي الذي طالما كان رافعة مهمة في زراعة وتصدير الحبوب والقطن والزيوت، خاصة أن نسبة تتجاوز 46% من السوريين يقطنون تلك الأرياف والبلدات الصغيرة. واليوم ونحن نكاد نبدأ في تأسيس المشاريع الأولى، يشهد الكثير من المتابعين كيف تتمركز المشاريع الكبرى في المدن الرئيسية، ولا يخفى على متابع أن لهذا الاتجاه اليوم مبرراته ومسوغاته المفهومة، بدءاً من استقرار تلك المدن بشكل أكبر من باقي المدن الصغيرة، وكذا رغبة المستثمرين والممولين في الاستثمار بهذه المدن لهذا السبب السابق ولأسباب أخرى.
من المهم تذكُّر أن إيلاء المدن الصغيرة والريف الزراعي القدر اللازم من الاهتمام والدعم سيخلق آلاف الفرص للعمل، كما سيخفف من حدة هجرة القوى العاملة من الريف إلى المدينة، وسينعكس هذا بشكل مباشر وسريع على الفرص في البلدات الصغيرة المتاخمة للريف، حيث ستنشأ الكثير من المصانع الغذائية وغيرها مما يعتمد في مادته الأولية على المنتجات المحلية، وستجذب هذه الصناعات الصغيرة إليها زحوفاً من العائدين من خارج القطر ومن المهاجرين من بلداتهم الصغيرة إلى مدن أخرى. وسيكون لهذا التحول معززات مهمة، منها أن الريف أقدر من المدن في إعادة الإعمار والتحول من حالة العطالة إلى حالة العطاء والإنتاج، بسبب بنية المجتمعات الريفية الأكثر تعاوناً وتعاضداً فيما بينهم، وبسبب بساطة الأدوات اللازمة لإعادة الإعمار وفتح الأسواق، ولكون المجتمع الريفي عموماً أقل ارتهاناً لنمط الحياة الحديثة المبنية على الاستهلاك الترفي وشدة الانجراف في مغرياته ومَدْحَلة إعلامه ودعاياته. وليس خافياً أن الاستثمار في الريف والبلدات الصغيرة استثمار في المستقبل، واستثمار منخفض الكلفة، كما أن عائداته المباشرة سريعة قياساً بالمشروعات الكبرى، ويمكن لمشروعات الريف الآمنة من زراعة وثروة حيوانية، بدءاً من تربية النحل وصولاً إلى تسمين العجول وتربية المواشي عامة، أن تجذب إليها مستثمرين ماليين ممن يرغبون بعائد سنوي سريع ووفير.
هذا النمط من الاهتمام سينعكس بمعطيات إيجابية، منها إحساس سكان الريف بشيء من العدالة التي كانت غائبة لعقود، وزيادة معدلات التمدن ورفع مستوى التعليم في تلك المناطق، إذ يلزم لإنجاح هذا الهدف إقامة معاهد وجامعات قريبة لا تجبر أبناء الريف على ترك أرضهم والذهاب إلى المدينة من أجل دراسة أبنائهم. هذا المستوى من الاهتمام نشهده اليوم في قطاعات كبيرة من الريف التركي، حيث يتقلص الفارق الكبير بين حياة المدينة والريف من حيث وفرة الخدمات والبنى التحتية، وهذا أحد أوجه نجاح التجربة التركية على وجه العموم.
ربما يكون أكبر التحديات التي يواجهها مشروع التنمية الريفية المستدامة يكمن في نزوح الآلاف من أبناء الريف والبلدات الصغيرة إلى المدن، إلا أن هذه المسألة يمكن تجاوز الشطر الأكبر منها لو أولت الدولة اهتماماً أكبر لتنمية الريف والدعم للمشروعات الزراعية، وتوظيف القوة الناعمة والإعلام في رفع مستوى الوعي العام بهذه المسألة. تبقى النقطة الجوهرية والتي لامست وجدان الكثير من أبناء هذه المناطق الريفية، هي الإحساس بمركزة الاهتمامات والمشاريع في بعض المناطق الحضرية الكبرى، الأمر الذي يجعل من هاجس التهميش هاجساً مشروعاً.
ختاماً، في الوقت الذي تنهض فيه سوريا والسوريون جميعاً من عقابيل الحرب المدمرة، فإن بذل المزيد من الاهتمام بالبلدات الصغيرة والريفية عموماً ليس خياراً، بل هو رهان استراتيجي على قادم الأيام. فالاهتمام بالقطاع الزراعي لا يعزز الأمن الغذائي وحسب، بل يوفر آلاف الفرص للعمل المنتج، ويعزز الإحساس بالانتماء والعدالة، ويحد من نزيف الهجرة لدى قطاعات واسعة من الشباب، ويوصل نَسَغَ التعافي إلى شرايين الاقتصاد السوري، ويَعِدُ باستمرار النمو والتعافي.
تلفزيون سوريا
—————————–
==================
تحديث 02 أيلول 2025
——————————–
تغريبة الاقتصاد السوري… التخلّي عن القطاع العام يحتاج نقاشاً واسعاً/ جمعة حجازي
02 سبتمبر 2025
كانت الاشتراكية شعاراً سياسياً أكثر منها سياسة اقتصادية فعلية، فقد احتُفظ بالقطاع العام أداة للضبط الاجتماعي والسياسي، من دون تطويره ليكون محرّكاً حقيقياً للتنمية. أما في عهد الأسد الابن المخلوع، فقد جرى تبني اقتصاد السوق الاجتماعي في إطار دور جديد للدولة، لكن التطبيق الفعلي انحرف نحو تحرير جزئي للأسواق، وتوسيع صلاحيات القطاع الخاص من دون ضوابط واضحة أو إصلاح مؤسّسي حقيقي، وذلك بفعل عوامل كبح كبيرة مورست على القائمين على تنفيذ الخطة لعدم تحقيق التحول الاقتصادي المنشود.
بعد عام 2011، اتخذ النظام سلسلة من الإجراءات المتناقضة، تجمع بين عناصر من الاشتراكية (مثل الدعم الاجتماعي) وأخرى من الليبرالية (مثل فتح الأسواق والخصخصة الجزئية)، من دون وجود إطار دستوري أو مؤسّسي يضبط هذا التحول، وقد استمر هذا التناقض حتى بعد 2020، حيث ظهرت مؤشّراتٌ إلى توجّه النظام نحو نموذج رأسمالية الدولة، على غرار النموذج الصيني، الذي يجمع بين سيطرة الدولة على القطاعات الاستراتيجية وتحرير السوق لصالح نخبة اقتصادية محددة.
اقتصاد السوق الاجتماعي ضرورة حتمية
لم يكن هناك تطبيق لاقتصاد السوق الاجتماعي قبل وصول بشّار الأسد إلى السلطة، حيث ظهرت الحاجة للتحوُّل إلى شكل آخر من أشكال تنظيم الملْكية؛ حيث أبقى على مصطلح العدالة الاجتماعية رديفاً للاشتراكية وعمل على تطوير شكل الملْكية، والحفاظ على وجود حزب البعث حزباً عقائدياً، وإحدى أدوات الحكم الرئيسية، فلا بديل له في التنظيم الاجتماعي والسياسي الذي استطاع أن يقوم به، وإنّ حلّه أو تهميشه تماماً سيقابله مَلْءُ الفراغ بأحزاب ومؤسّسات أخرى أقل انضباطاً، ما يتيح لها الحصول على هامشٍ غير مرغوب به من الحرية.
جرى إقرار مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي رسمياً في سورية في المؤتمر القُطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي عام 2005، واستند إلى دور فعّال للدولة، حيث لا يقتصر دورها على مجرد ضبط الأسواق، بل يتعدّاه إلى الاستثمار في البنية الإنتاجية والتحتية، التعليم، الصحة، وتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال سياسات الحماية الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل، فالدولة هي التي تضمن أن لا تتحوّل التفاوتات الاقتصادية إلى أزماتٍ اجتماعيةٍ من خلال تنظيم سوق العمل، دعم الفئات الضعيفة، وتفعيل دور النقابات العمالية ممثلاً أساسياً لمصالح العمّال، وتقديم الخدمات العامة وضبط السوق والتحكّم في السياستين المالية والنقدية. تم إقرار الخطة الخمسية العاشرة التي أضحت نموذجاً تنموياً مهماً على صعيد بناء الرؤى والأهداف والاستراتيجيات والبرامج والمشاريع، وقد اعتبرت تلك الخطة إحدى أهم الأدوات التي سوف تعبر بسورية نحو الاندماج في الاقتصاد العالمي، بعد مخاض عسير مرّت به على صعيدي التنمية والتخطيط الاقتصادي والتنموي. بدأت مع عصام الزعيم الذي جيء به وزيراً من المنظّمات الدولية لتعميم تجارب التحول الاقتصادي، فاصطدم الرجل بجبال من المعوقات التي حالت دون تظهير عمله، وكانت قد سبقته محاولاتٌ عديدة عبر لجان وقرارات اقتصادية عديدة لم تبصر النور.
ثنائية السوق والمجتمع
مثّل اقتصاد السوق الاجتماعي تسوية تناقضية على صعيد النظرية الاقتصادية والاجتماعية، فقد تبنّى المؤتمر العاشر لحزب البعث هذا النموذج الاقتصادي، من دون أن تكون هنالك معرفة كافية عن النموذج، ومن دون أن تكون هنالك تجارب سابقة، ولا عملية انتقال تدريجي أو سياسات تمهيدية، أو حتى حوارات داخل مراكز البحث والجامعات وسواها، رغم محاولاتٍ عديدة لرئيس هيئة تخطيط الدولة آنذاك عبد الله الدردري في عقد طاولات مستديرة مع فعاليات اقتصادية واجتماعية عديدة، إلا أنها لم تكن كافية، أو لم تمأسس بشكل كافٍ لقيادة حوارات تنموية فعالة، فاختلف الجميع في تفسير هذا المصطلح، وبرزت أسئلة من نوع ما إذا كان اقتصاد السوق الاجتماعي نظاماً اشتراكيّاً أم رأسمالياً؟ وهل اقتصاد السوق الاجتماعي بدعة سورية، أم له نظرية وتجارب دولية، وظل الناس منقسمين بشأن جوهر هذا المفهوم ومعناه، وظهرت أجوبة كثيرة متنوّعة ومتناقضة من خبراء معنيين، من قبيل أن هذا الاقتصاد ليس اشتراكياً، بل رأسمالي، يقوم على التسوية بين قوى السوق والقوى الاجتماعية، غير أن هذه التسوية بطبيعتها تناقضية، إذ كلما تعمّق تطبيق نظام السوق تراجع الإنفاق الاجتماعي، وكلما ازدادت التنمية الاجتماعية تطلب ذلك إخضاع السوق لإشراف الدولة والمجتمع. وهذا ما أخضع مشروع الخطّة الخمسية العاشرة لمزيد من الضغط من قوى المجتمع، محمّلين الدردري هذا التناقض، بالرغم من أن الرجل حاول في مناسباتٍ كثيرة أن يشرح لكل قوى المجتمع السورية أن الدعم الاجتماعي، على سبيل المثال، لن يمسّ، وإنما سيُعاد توجيهه إلى مستحقيه، وأن اقتصاد السوق الاجتماعي سيبقي على التعليم والصحة المجانيين، وسوف يتوجّه نحو برامج استهداف للطبقات الهشة والضعيفة، لكن القوى المضادّة، والتي لم يعجبها التغيير، بقيت تناكف هذا التوجّه الجديد.
كانت تلك المعطيات بحاجة إلى إصلاح ديمقراطي في نظام الإدارة الاقتصادية عبر إلغاء القرارات البيروقراطية التي تعيق اتخاذ القرار في القطاع العام، وتبنّي الشفافية، وتحييد الوظيفة العامة في إطار الولاء الوطني العام، والالتزام بالمصالح الوطنية، إلى جانب المحاسبة على أساس الكفاءة والأداء، وتفعيل دور النقابات، فأسباب اتساع الهوة بين الأجور والأسعار على سبيل المثال هو غياب آلية “التصحيح”، إذ لم تضغط النقابات على الدولة عندما تعرّضت مصالح العمّال للخطر كارتفاع الأسعار. لذا كان تطبيق اقتصاد السوق الاجتماعي يتطلب تفعيل الديمقراطية الاقتصادية، والدور المستقل لنقابات العمال والفلاحين، إلى جانب مشاركة فعّالة من ممثلي القطاع الخاص الصناعي والتجاري، مع التأكيد على التنظيم الديمقراطي المستقل لكل فئات المجتمع. وكذلك عدم مقارعة هذا النموذج من النخب الحزبية والفكرية والقوى المسيطرة في الحزب والدولة، الأمر الذي أعاق برامج ومشاريع كثيرة أقرّتها الخطّة الخمسية العاشرة.
مطبات مسار التطبيق
كان الخلاف الأساسي يتمحور حول ما إذا كان القطاع الخاصّ قادراً على أن يحلّ محلّ الدولة، وإذا كان ذلك ممكناً، فمتى يمكن تحقيقه؟ ثمّة من رأى أن سورية تأخّرت في الإصلاح الاقتصادي بسبب العوائق التي يعاني منها القطاع العام، واعتبر أن القطاع الخاص قادر على أن يحلّ محله، وأن على القطاع العام أن يتراجع، لأنه لا يحقّق المعايير الاقتصادية بمعنى الربح والخسارة. في المقابل، رأى خبراء كثيرون أن القطاع الخاص لا يستطيع أن يحلّ محلّ الدولة، وأن المسألة ليست في المفاضلة بين القطاعين، بل في التأكيد على التعدّدية الاقتصادية، والتي تشمل القطاعات، العام والخاص والمشترك والتعاوني. فالقطاع العام ضرورة تاريخية وتنموية، وليس مجرد أداة للقيام بدور اجتماعي، بل هو أحد ركائز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعنصر هام من عناصر الاقتصاد والإنتاج. كما أن القطاع الخاص ضرورة تنموية. وللقطاع التعاوني أهمية خاصة في ظل تعميق الاندماج في الاقتصاد العالمي وما يرافقه من تأثيرات سلبية ناتجة عن نظام السوق الذي يعزز التفاوت في الدخول، ويعمّق الاستقطابات الاجتماعية، ويساهم في توريد البطالة باستمرار، في حين يمنح القطاع التعاوني فرصة للفئات الضعيفة للبقاء في السوق.
لقد رافقت تطبيق نظام السوق الاجتماعي مشكلاتٌ عديدة، منها ما كان يروّجه بعضهم، أن تفعيل اقتصاد السوق تحرير التجارة وهذا يعيق نمو الصناعة، خلافاً لما يدّعيه الليبراليون. والحلّ في السياسات الاقتصادية وتعديل المهام التاريخية، وأول هذه المهام أن تصبح الصناعة القطاع الاقتصادي الأقوى في سورية، وأن يكون تحديثها وتعميقها وزيادة الاستثمار فيها وتوفير فرص العمل الهدف الأساسي. من يساهم في ذلك له دور، ومن لا تتوافق مصالحه مع هذا التوجه خارج المعادلة.
لقد ظلّ اقتصاد السوق الاجتماعي معادلة صعبة، لكنها مطلوبة، إذ يتطلب دوما التحكّم بعملية الاندماج في الاقتصاد العالمي من أجل حل التناقض بين السوق والتنمية الاجتماعية. وعلى العكس، عدم التحكّم يعني استحالة تحقيق هذه المعادلة، والحل في التنسيق والتخصص الإنتاجي والتكامل القائم على ديناميكية التنمية. لذا، كان لا بد من إطار فكري يربط بين التحرير التجاري والتنمية الصناعية، ويعالج التنافس الصناعي، ويبني مصالح مشتركة تتجاوز الحدود القطرية.
بعدما تبيّن أن اقتصاد السوق الاجتماعي نموذج رأسمالي مع إشراف اجتماعي للدولة، يصبح السؤال: كيف يمكن تطبيق هذا النموذج في بيئات مختلفة، مثل البيئة السورية التي تتميز بتحديات خاصة. ففي سورية، كما في بلدانٍ ناميةٍ كثيرة، هناك حاجة ملحّة لتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحماية الاجتماعية في ظروف معقدة تشمل ضعف الإنتاجية، هيمنة القطاع العام، وتأثيرات العولمة المتزايدة.
في سورية، الوضع أكثر تعقيداً وصعوبة بسبب انخفاض الإنتاجية، واعتمادها على تصدير المواد الخام أو شبه الخام، والتي لا تحقق قيمة مضافة كافية، ما يجعل الإنتاج المحلي غير قادرٍ على توليد فائض اقتصادي يمكّن من تمويل التنمية الاجتماعية، خصوصاً مع غياب الدعم الاشتراكي بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وكذلك غياب الدعم العربي في الموارد الإنمائية بسبب تطورات الأوضاع الإقليمية وموقف سورية من تلك الأحداث. لذا سيصبح تطبيق هذا الشعار صعب التحقيق من دون الانتقال إلى نهج جديد يقوم على رفع معدل الاستثمار في القطاعين العام والخاص، والتركيز على تعدّدية اقتصادية أكثر فاعلية، ما يتطلب توسيع دور الدولة الاستثماري، وكان هذا محكوما في عدة عوامل، منها تراجع الإنتاجية والفساد والترهل الإداري الذي سبق إعلان الخطة الخمسية العاشرة، إضافة إلى اعتماد سورية على الاقتصادي الريعي من النفط والغاز، وتراجع حصّة الزراعة والصناعة في الناتج المحلي الإجمالي.
دفاعاً عن الدولة التنموية ضد تصفية القطاع العام
في منعطف حاسم من تاريخ سورية، وبعد سنوات من النزاع والانهيار المؤسسي والاجتماعي، تبرُز توجهات نحو الخصخصة ضمن ما يُقدَّم أنه “برنامج وطني لتحديث الاقتصاد”. غير أن هذه الطروحات، عند تحليلها ضمن السياق الفعلي، تبدو أقرب إلى تفكيك تدريجي لوظائف الدولة التنموية، وإعادة تعريف القطاع العام عبئاً مالياً بدلاً من كونه أصلاً استراتيجياً ورافعة للعدالة الاجتماعية. فبدل أن تُطرح الخصخصة أداة إصلاحية ضمن رؤية شاملة لإعادة البناء، يجري ترويجها بديلاً عن دور الدولة في الاقتصاد، في وقتٍ لا تزال فيه الفجوات الاجتماعية تتسع، والمؤسّسات العامة تمثل خط الدفاع الأخير أمام الفقر والتهميش. لقد أثبتت التجربة السورية أن القطاع العام لم يكن عبئاً، بل أداة مركزية لتحقيق التوازن الاجتماعي والسيادة الاقتصادية، فمؤسّسات الدولة، رغم ما أصابها من ضعف، كانت ولا تزال الضامن الأساسي لتوفير الخدمات العامة، وتوزيع الدخل، وتوفير فرص العمل، خصوصاً في غياب عدالة السوق.
وهنا تُطرح أسئلة مركزية: هل يمكن لدولة خارجة من صراع كارثي أن تتخلى عن أدواتها التنموية؟ هل يُعقل أن تُعاد هيكلة الاقتصاد السوري على قاعدة السوق والربحية، بينما لا تزال الفجوات الاجتماعية تتسع؟ وماذا عن الحماية الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل باعتبارهما أداتين أساسيتين لإعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن؟
كان القطاع العام السوري، عقوداً، الأداة الرئيسية التي استخدمتها الدولة لتحقيق التوازن الاجتماعي وتوفير الحد الأدنى من العدالة الاقتصادية. فوفقاً لما كان يطرحه المفكر الاقتصادي عصام الزعيم، لم يكن القطاع العام مجرّد مؤسّسة إنتاجية، بل “أداة للدفاع عن السيادة الوطنية، ولتحقيق تكافؤ الفرص وإعادة توزيع الثروة في ظل سوق مختل التوازن”. في مقال له ضمن كتاباته عن “اقتصاد ما بعد الصراع”، شدّد الزعيم على أن “الخصخصة في الاقتصاديات الهشّة ليست طريقاً إلى التنمية، بل جسراً لتعميق الريع والاحتكار، وتقليص قدرة الدولة على إدارة السياسات الاجتماعية”. وبهذا المعنى، لم يكن القطاع العام مفصولاً عن الرؤية السياسية – الاجتماعية للدولة، بل جزءاً من معادلة الحماية الاجتماعية التي تضمن الوصول إلى الخدمات الأساسية، والحد من الفوارق الطبقية، وتوفير فرص العمل المستقر، خصوصاً في ظل اقتصادٍ يفتقر إلى عدالة السوق وآليات توزيع منصفة.
لا تبدأ الدول الخارجة من الأزمات بالنمو عبر “مناخ الاستثمار”، بل عبر بناء عقد اجتماعي جديد، جوهره العدالة والتكافؤ، وهو ما لا يمكن تحقيقه من دون آليات لإعادة توزيع الدخل. وتاريخياً، كانت أرباح مؤسّسات القطاع العام وأجورها المدعومة، ودورها في تمويل الدعم والخدمات العامة، القناة الأساسية التي استخدمتها الدولة السورية في عملية إعادة التوزيع. حتى المؤسّسات المالية الدولية، كالبنك الدولي وصندوق النقد، بدأت في السنوات الأخيرة مراجعة موقفها التقليدي من الخصخصة، حيث ذهب جوزيف ستيغليتز (الحائز على نوبل في الاقتصاد) إلى أن “الخصخصة في غياب مؤسّسات رقابية ديمقراطية، تؤدّي إلى تكريس الأوليغارشية، لا إلى نمو الاقتصاد”.
وبالتالي، الدفع باتجاه بيع الأصول العامة من دون خطة واضحة لإعادة التوزيع العادل للدخل، ولا منظومة حماية اجتماعية فعالة، يعني، ببساطة، دفع المجتمع نحو مزيد من الفقر، وزيادة في فجوة اللامساواة، وهي بيئة غير قابلة للاستقرار لا السياسي ولا الاقتصادي. ما تحتاجه سورية في هذه اللحظة ليس دولة تنسحب من الاقتصاد، بل دولة تستعيد أدواتها السيادية في الإنتاج والتوزيع والتخطيط، تماماً كما فعلت دول شرق آسيا بعد الحروب، وكما نادت به تجارب عديدة في الجنوب العالمي.
في الختام، ما يُطرح اليوم باسم “الإصلاح الاقتصادي” يجب أن يُخضع لنقاش عام مفتوح، شفاف، ومسؤول، فالقطاع العام ليس عبئاً، بل هو الضامن الاجتماعي الأخير، وموقع الصراع الحقيقي ليس حول “من يملك”، بل حول من يستفيد ومن يُقصى. وإذا كانت الحكومة جادّة في إعادة بناء سورية الجديدة عليها أن تعيد الاعتبار لدور الدولة في الحماية، والتنمية، وإعادة التوزيع، وإلا ستغدو الخصخصة شكلاً آخر من إعادة إنتاج اللاعدالة، كما قال الاقتصادي الفرنسي توماس بيكيتي: “كل اقتصاد لا يُعاد فيه توزيع الثروة بشكل دوري سيتحوّل إلى نظام إقطاعي جديد”.
فمن غير المبرّر، لا اقتصادياً ولا أخلاقياً، تلك الدعوات المتزايدة إلى الليبرالية المفرطة التي يروّجها بعض الاستشاريين والخبراء الاقتصاديين القادمين في معظمهم من القطاع الخاص، والذين يتعاملون مع الدولة لا بوصفها أداة لتحقيق العدالة والتنمية، بل عائقاً أمام حرّية السوق المطلقة. يفرّغ هذا المنظور الاقتصاد من بعده الإنساني، ويضعه في خدمة مصالح فئة ضيقة تملك رأس المال، وتتحكّم بمفاصل السوق، في تجاهل سافر للهشاشة البنيوية التي يعاني منها الاقتصاد السوري، وضعف القدرة الشرائية، واتساع رقعة الفقر والبطالة، وتراجع مؤشّرات التنمية البشرية.
تتجاوز هذه الدعوات المسألة الاقتصادية لتلامس إشكالية فلسفية تتعلق بمفهوم الدولة نفسها، هل الدولة كيان يرعى المصلحة العامة ويضبط تناقضات السوق؟ أم هي مجرّد حارس لحرية رأس المال؟ في واقع ما بعد الحرب، تصبح هذه التساؤلات أكثر إلحاحاً، فالدولة التي تخرُج من الحرب مثقلة بالفجوات الاجتماعية والمؤسّساتية، لا يمكنها أن تسلم مفاتيح الاقتصاد لليبرالية المتوحشة، بل عليها أن تعيد بناء علاقتها بالمجتمع على أساس التوزيع العادل للثروة والموارد، وهو ما لا يتحقّق إلا في ظل نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي، الذي يجعل من الحماية الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل مكونين بنيويين، لا مجرّد إضافات تجميلية.
التحول نحو الليبرالية المتوحشة، من دون وجود مؤسّسات رقابية قوية أو منظومة حماية اجتماعية فعالة، يعني ببساطة تفكيك المصلحة العامة، وتكريس الأوليغارشية، كما حذّر الاقتصادي جوزيف ستيغليتز. وهذا ما يتعارض مع متطلبات إعادة بناء العقد الاجتماعي في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تكون العدالة والتكافؤ حجر الأساس لأي استقرار سياسي واقتصادي. حتى المؤسّسات المالية الدولية بدأت بمراجعة مواقفها من الخصخصة، بعدما أظهرت التجارب أن البيع العشوائي للأصول العامة يؤدّي إلى تعميق الفقر، وتوسيع الفجوة الطبقية، وتراجع مؤشّرات التنمية البشرية. ما تحتاجه سورية اليوم ليس انسحاب الدولة من الاقتصاد، بل استعادة أدواتها السيادية في الإنتاج والتوزيع والتخطيط، كما فعلت دول شرق آسيا بعد الحروب. فالدولة يجب أن تكون راعية للمصلحة العامة، لا مجرّد حارس لحرية رأس المال. وبالتالي، يبقى اقتصاد السوق الاجتماعي النموذج الأكثر واقعية وعدالة، لأنه يدمج بين آليات السوق والحماية الاجتماعية، ويجعل من إعادة توزيع الثروة والعدالة الاجتماعية مكونات بنيوية، لا إضافات تجميلية.
منطق ثالث خارج ثنائية الاشتراكية والرأسمالية
نشأ هذا النموذج تاريخياً في أوروبا بعد أزمة الكساد الكبير، حيث كان الهدف حماية الطبقة العاملة ومنع التوترات الاجتماعية من خلال بناء عقد اجتماعي اقتصادي يوازن بين مصالح أرباب العمل والعمّال، مع تعزيز دور الدولة في الإشراف والتنظيم. وهو بذلك يمثل صيغة وسطية بين الرأسمالية الصرفة والاشتراكية، تضمن الاستفادة من مزايا السوق مع معالجة آثاره الاجتماعية السلبية.
تاريخياً، يمثل الجمع بين ثنائية السوق والمجتمع في نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي محاولة توفيقية صعبة تتحقق تاريخياً في ظروف استثنائية خاصة، فقد طُبق هذا النظام في دول الاشتراكية الديمقراطية في أوروبا عقب أزمة الكساد الكبير، وانتشار البطالة، وانهيار الثقة بالنظام الرأسمالي، إلى جانب تصاعد النفوذ الفكري للشيوعية، وخطر استقطاب الطبقة العاملة من الأحزاب الشيوعية. وقد دفعت هذه العوامل الرأسمالية الغربية إلى تقديم تنازلات اجتماعية واقتصادية وسياسية هامة للطبقة العاملة.
يبرز نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي خياراً متوازناً يجمع بين آليات السوق الحرّة والتدخل الحكومي لضمان العدالة الاجتماعية. ولا يعني هذا النموذج بأي حال انسحاب الدولة من مسؤولياتها التنموية، فالدولة ضمن هذا النموذج تضمن الوصول العادل إلى الخدمات الأساسية، مثل التعليم، الصحة، الكهرباء، المياه، والنقل، وتحرص على استمرار الدعم الاجتماعي، كما يظهر في عدم رفع الرسوم الطلابية والصحية، واستمرار دعم الكهرباء والنقل والمازوت. كما يعدّ القطاع العام رافعة أساسية للتنمية الاجتماعية، من خلال الاستثمار في البنية التحتية والخدمات العامة، والحفاظ على العمّال وعدم بيع المؤسسات العامة. ولا يقتصر الأمر على الدولة وحدها، بل يمتد ليشمل النقابات ومؤسّسات المجتمع المدني، التي تلعب دوراً محورياً في مراقبة الأداء والمشاركة في رسم السياسات، بما يضمن توزيعاً عادلاً للثروة والفرص، فالنقابات، على وجه الخصوص، تساهم في تحديد توزيع القوى داخل المجتمع، والدفاع عن مصالح الفئات العاملة، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
أما القطاع الخاص، فله دور تكاملي لا بديل فيه عن القطاع العام، إذ يتطلب تحقيق نمو شامل ومستدام تكامل الأدوار بين مختلف الفاعلين، وليس استبدال أحدهم بالآخر. ليست التنمية الاجتماعية نتيجة تلقائية للنمو الاقتصادي، بل هي ثمرة سياسات واعية، وتوزيع عادل للموارد، وتكامل بين الدولة والمجتمع المدني والنقابات، ضمن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي الذي لا يزال صالحاً وضرورياً لتحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
لازمت صفةُ الاشتراكية الاقتصادَ السوري نظرياً، بعد استحواذ حزب البعث العربي الاشتراكي على الحكم؛ والذي وصف اقتصاد البلاد بالاشتراكي المخطّط في دستور 1970 والدساتير التي تلته. وبقي هذا التوصيف ملازماً له حتى أزال دستور 2012 وصف الاشتراكية بشكل نظري، مع استمرار النظام البائد في العمل ببعض السياسات الاقتصادية الاشتراكية انتقائياً. لم يُحدّد ذلك الدستور سِمَة الاقتصاد، بل عرّفه بأنه وطني يقوم على تنمية النشاط الاقتصادي العامّ والخاصّ، بهدف تلبية الاحتياجات الأساسية للمجتمع والأفراد لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة.
لم تمتلك سورية تاريخياً نموذجاً اقتصادياً – اجتماعياً معرفاً بوضوح، فالنظام لم يطبّق الاشتراكية المخطّطة كما ادّعى، ولم يتبنَ الرأسمالية الليبرالية بشكل كامل، بل اعتمد تركيبة هجينة، تتغير حسب السياق السياسي والاحتياجات السلطوية. عملياً، لم تكن سياسات الأسد الأب البائد اشتراكية حادّة، ولم تقع بعهده أيّ إجراءات اشتراكية جذرية، بل حدثت جميعها؛ من تأميم وإصلاح زراعي وضمان اجتماعي ومجانية خدمات الصحة والتعليم وتوسيع القطاع العامّ الإنتاجي، في عهد الوحدة (1958 ـ 1961)، وعهد حزب البعث الأول (1963 ـ 1970). الأسد الأب اتّبع سياسات اشتراكية شكلية، مثل سياسة التوظيف لاستيعاب القُوَى البشرية والسيطرة عليها، مع تدرُّجه بسياسات قريبة من الليبرالية خاصة لصالح برجوازيات المدن الكبرى كدمشق، وتُوّجت سياساته بقانون الاستثمار رقم 10 لعام 1990، الذي ساهم في تراكُم الثروات لصالح شخصيات تابعة للنظام السوري ولم يحقق هذا القانون النهضة الاقتصادية والصناعية المطلوبة.
العربي الجديد
———————————
“أبشري حوران” تُسقط الرهان على المساعدات المشروطة/ سميرة المسالمة
الثلاثاء 2025/09/02
في خطوة عامرة بالمسؤولية الوطنية، شكلت حملة “أبشري حوران” التي بدأت مساء الجمعة الماضي، نقطة تحول حقيقية في مسار الإعمار في سوريا. فخلال ساعات قليلة، تمكن أبناء المحافظة في الداخل والخارج من جمع عشرات الملايين من الدولارات لتوجيهها مباشرة نحو مشاريع إعادة البناء والبنية التحتية. والحملة لم تكن مجرد مناسبة لجمع تبرعات، بل إعلانًاً صريحاً عن قدرة المجتمع على إدارة عملية إعادة الإعمار بنفسه، بعيدًا من المساعدات الدولية المشروطة والإملاءات الخارجية التي ترافقها عادة، وصولاً إلى حالة الهيمنة أو تقرير المصير.
قد تكون مشاعري كواحدة من نساء حوران مختلطة، بين السعادة والخوف. السعادة لأن أهالي حوران من كل الشرائح ما زالوا يؤمنون بالتكافل الاجتماعي الذي يعزز القدرة على الاستمرار والنهوض بعد كل ما مرت به حوران خصوصاً (مهد الثورة) وسوريا عموما من مآسٍ متعددة قادنا إليها نظام الأسدَين الأب والابن على مستويات مختلفة، وكان أخطرها ضرب البنية المجتمعية والأخلاقية للسوريين. أما الخوف، فمن أن تكون الأحداث الأخيرة التي شهدتها سوريا قد نالت من نفوس الناس، وقوقعتهم داخل هوياتهم الضيقة، إلا أن الترحيب الذي حظي به الشيخ ليث البلعوس، والهتافات له ولرجال الكرامة، بددت كل شك في أن السوريين قادرون كل لحظة على بناء وحدتهم الشعبية من جديد.
لقد أظهرت هذه التجربة أن السوريين يمتلكون فعلياً القدرة على التمويل الذاتي والتنظيم المجتمعي، ربما ذلك هو الترجمة الفعلية لمقولة أن سوريا قادرة بنفسها على إعادة بناء ما تم تدميره، ليس لأن كثيراً من الأثرياء السوريين ثابروا على التبرع لأعمال خيرية سراً وعلانية، بل لأن كل مواطن سوري يشعر بمسؤوليته تجاه ذلك. فالسيدة المسنة، أم فايز العدوي، التي خلعت سوارها الذهبي من معصمها، لتتبرع به، تعطي مثالاًً حياًً على وعي السوريين بمعنى المشاركة المجتمعية، وقدرتهم على بناء جسور المحبة والبنية التحتية معاً.
حملة “أبشري حوران” إلى جانب حملة “أربعاء حمص”، التي حققت هي الأخرى نجاحاً ملحوظاً في جمع قلوب السوريين على محبة حمص العدية، تجربتان جديدتان على الواقع السوري، وذلك بسبب سنوات طويلة من الهيمنة المركزية للنظام السابق، الذي احتكر الموارد والمشاريع ليحوّلها إلى مكاسب ضيقة لنخبه، بينما كانت المجتمعات المحلية خارج دائرة القرار. في المقابل، فإن ما شهدته حوران يمثل تحوّلًا جذريًا: المجتمع هو الممول والمنفذ والمراقب والمستفيد، ما يعكس قدرة السوريين على تحويل حاجاتهم إلى مشاريع ملموسة ترتبط مباشرة بمصالحهم وأولوياته.
النجاح الشعبي الكبير للحملة يكشف أيضًا البُعد الاجتماعي والسياسي للتجربة. فالتجاوب الواسع، سواء في الداخل أو بين المغتربين، يعكس قوة الروابط الأهلية والهوية المحلية رغم سنوات النزاع الطويلة. وفي الوقت نفسه، تحمل التجربة رسالة سياسية واضحة: السوريون يرفضون أن يكونوا أسرى المساعدات المشروطة، ويرفضون أن يُستخدم الإعمار كوسيلة لإعادة فرض الوصاية أو السيطرة عليهم. ما حدث هو نموذج لممارسة سيادة المجتمع على قراراته الوطنية، حيث تصبح الشفافية والمساءلة أدوات أساسية لضمان النزاهة في تنفيذ المشاريع.
الفارق الجوهري بين الماضي والحاضر يكمن في أن السوريين يمتلكون اليوم فرصة حقيقية لتوجيه مواردهم بأنفسهم، ومراقبة تنفيذ مشاريعهم، والاستفادة المباشرة من نتائج جهودهم. التجربة تعيد تعريف العلاقة بين المجتمع وملف الإعمار، بحيث يصبح المواطن شريكًا في القرار ومراقبًا ومستفيدًا، بعيدًا من أي تبعية أو وصاية. هذا التحول لا يمثل مجرد تغيير إداري، بل إعادة تأسيس لمفهوم السيادة الشعبية على إعادة البناء، ما يعزز الثقة في القدرات الوطنية ويخلق أفقًا جديدًا لإعادة الإعمار المستدام.
ما يحدث في حوران (الحملة مستمرة حتى يوم الخميس)، ليس مجرد إنجاز مالي أو مهني، بل هو علامة نوعية على ممارسة السوريين حقوقهم وواجباتهم في البناء وإدارة المستقبل. وإذا نجحوا في تعميم هذه التجربة على ريف دمشق التي عانت حقد النظام بأشكاله كافة، وكذلك بقية المدن، فإننا نكون في صدد التأسيس لعملية إعادة إعمار شامل، لا يعتمد على الخارج، ولا يخضع لشروط سياسية أو إملاءات خارجية. الانطلاقة من حوران يمكن أن تشكل بداية فصل جديد في تاريخ سوريا، حيث يكون السوريون وحدهم الممولين والمنفذين والمراقبين والمستفيدين من كل لبنة يتم وضعها، ليكون مستقبل الإعمار صناعة وطنية بامتياز…فهل نفعلها؟
المدن
———————————
ما الذي سيحمينا من انتهازية المُستثمِر؟/ خالدية الكسم
تحرير السوق في سوريا قبل التفكير في تطبيق مبادئه
14-08-2025
هَرب الأسد في 8 كانون الأول (ديسمبر) الماضي مُخلَّفاً وراءه اقتصاداً مُدمّراً، أُنهِك بفعل الفساد المُنظّم وتفاقم معدلات الفقر والعجز. خلال عهد الأسد الأب، اتسم الاقتصاد بسياسة منغلقة كانت تسعى لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتوسيع دور القطاع العام، لكن هذه السياسة أدّت إلى ضياع فرص اقتصادية تسببت في هجرة اليد العاملة وتفشي البيروقراطية وحرمان السوريين من بعض الخدمات والمنتجات الاستهلاكية. بالإضافة إلى هيمنة المؤسسات العسكرية على الحركة الاقتصادية، والتهميش الممنهج لبعض المناطق السوريّة الذي استمر لعقود. ثم جاء الأسد الابن ووعد بتطبيق سياسة التحرير الاقتصادي وتفعيل دور القطاع الخاص. بالفعل، أدخل القطّاع الخاص بعض المنتجات والخدمات الجديدة، ولكن تم احتكار السوق والثروات من قبل أشخاص محسوبين على النظام، مما أنتج «رأسمالية محاسيب»، وهي نتيجة معاكسة لما كان لينتُج من منافسة لو تم تطبيق سياسة السوق المفتوح بشكل سليم وأكثر شفافية. كانت نتائج التطبيق الخاطئ لهذه السياسات التي استُخدمت لتعزيز قوة وتَسلُّط النظام على الشعب و لقمة عيشه، غياب التطوّر والاستثمار في مقتضيات النهوض الاقتصادي كتحسين جودة التعليم وتوفر البنى التحتية المختلفة، واتساع فجوة عدم المساواة بين شرائح المجتمع السوري، الذي أضعف شعور المواطنة لدى شرائح واسعة من السوريين. يشير تقرير للأمم المتحدة نُشر في شهر شباط (فبراير) 2025 أن حجم الدمار المادي للبنى التحتية في سوريا اليوم يعادل 123 مليار دولار أميركي، وأن نسبة السكان في سوريا ممن يعيشون تحت خط الفقر هي 90 بالمئة، وأن 2.5 مليون طفل قد انقطعوا عن التعليم.
في ظل هذه التحديات الكبيرة التي تواجهها السلطات الجديدة، والتي تجلّت مؤخراً في شحّ حاد في الموارد الأساسية مثل الماء والطاقة وانعدام القدرة الماديّة للاستثمار لتحسين مستوى الخدمات الأساسية وخلق فرص عمل، يبدو أن السلطات الجديدة تتجه للاعتماد على آليات «السوق الحر» لإدارة شؤون البلاد الاقتصادية.
كان الأب المؤسس لعلوم الاقتصاد آدم سميث أول من طرح مبدأ السوق الحر، الذي يعتمد في جوهره على فكرة أن السوق يُصلح نفسه بواسطة «اليد الخفية» the invisible hand. في نظرية سميث، تلك اليد الخفية قادرة على ترتيب وتوزيع الثروات والموارد النادرة إلى المكان الذي تكون أكثر فعاليةً فيه في المجتمع، دون تدخل من الحكومة أو تخطيط مركزي. يعتقد من يتبنّى سياسة السوق الحر بأن المنافسة تؤدي إلى نتائج جيدة للمستهلكين. وكمثال بسيط عن هذه الآلية: إذا كانت مهنة الخبّاز مُربِحة (بمعنى أن الوارد أعلى من التكلفة)، فهذا سيدفع آخرين (دون طلب أو تدخل من الحكومة) لإنشاء مخابز والمنافسة على الجودة والسعر لجذب الزبائن، مما يعود بالفائدة على المستهلك. طبعاً لتكون هذه الآلية فعّالة لابد من الحد من البيروقراطية، وتأمين البيئة المناسبة للشركات والمستثمرين.
تطورت نظرية السوق الحر، وأثبتت التجارب العمليّة بأن السوق إذا ما تُرِك وحده قد يخفق market failures في إنتاج وتحقيق «الرفاه الاجتماعي» social welfare الذي يُعد حجر أساس العلوم الاقتصادية. لتجنّب إخفاقات السوق هذه، أنشأت الاقتصادات النيوليبرالية التي تشجع وتؤكد على دور القطّاع الخاص في الاستثمار في البنى التحتية، مؤسسات حكومية مستقلّة وظيفتها متابعة أحوال السوق والتدخل حينما يفشل السوق بتحقيق توزيع فعّال للثروات. وأبرز أشكال إخفاق السوق تتضمن، على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي:
– عندما تؤدي عملية الإنتاج أو الاستهلاك إلى تداعيات سلبية خارجية على أطراف ثالثة (غير المنتج والمستهلك) مثل التلوث الذي قد ينتج من المصانع وآثاره السلبية على سُكّان المنطقة، وعدم أخذ هذه الأثمان بعين الاعتبار في تحديد كمية وسعر المنتج (يدفع المتضررون أثمان هذا التلوث وحدهم على شكل تدهور في مستوى المعيشة والبيئة المحيطة).
– احتكار السوق من قِبل مُنتِج واحد أو بضعة منتجِين وفرض السيطرة على الكميات المتاحة والأسعار لزيادة الأرباح الفرديّة، على حساب الكميات التي يحتاجها المستهلك.
– عدم المساواة في الفرص الاقتصادية وتوزيع الثروات، مما قد يؤثر على الاستقرار الاجتماعي والأوضاع الأمنية وهدر الطاقات والمواهب.
ويعدُّ احتكار شركة واحدة أو بضعة شركات كبيرة للسوق، كما ورد في النقطة الثانية أعلاه، من أبرز أوجه الإخفاق، وفي تلك الحالة بإمكان المحتكِر زيادة الأسعار والمحافظة على الطلب، إلى حد ما، بحكم انعدام أي نوع من المنافسة. والمتضرر من هذا هو المستهلك بالدرجة الأولى.
تهدف مبادئ السوق الحر إلى منع حدوث ذلك بالتحديد، لكن ما مدى قدرة السوق الحر على أداء دوره بفعّالية في القطاعات التي تحدّ طبيعة السلع المتداولة فيها من فرص المنافسة؟ أتكلم هنا عن سلع مثل الماء والطاقة والاتصالات. نظراً لحجم الاستثمارات الكبيرة التي تحتاجها الدولة لتأمين هذه الخدمات وشكل وجود هذه الموارد في الطبيعة، لا يمكن، عمليّاً، إلا أن يكون هناك شركة واحدة أو عدد محدود من الشركات لتقديم هذه الخدمات. إذاً تمتاز هذه القطاعات بما يسمى في الاقتصاد بـ«الاحتكار الطبيعي» natural monopolies، ونظراً لأن هذه الموارد هي أُسس للحياة الكريمة والنهوض الاقتصادي، فإن الدول تولي أهميةً خاصة لها، وتسعى لأن تكون هذه الموارد متوافرة للمواطنين بكافة فئاتهم وبسعر يتناسب مع دخل الفرد.
في سوريا اليوم، تم دخول مستثمر إلى قطاع الطّاقة، والسماح للشركات الخاصة بإنشاء معامل لتعبئة مياه الشرب في عبوات وطرحها في السوق. بغياب معلومات إضافية تُوضح آلية حماية المستهلك من دفع مبالغ باهظة لهذه الموارد، تبقى مثل هذه التطورات الاقتصادية مُقلِقة.
السؤال التالي البديهي في هذا السياق هو: ما هي حلول ظاهرة الاحتكار الطبيعي، وكيف يمكن للدولة ضمان توافر هذه السلع للمواطنين بكافة شرائحهم الاقتصادية والاجتماعية وبأسعار مقبولة؟ في بعض البلدان، تقوم الدولة نفسها بالاستثمار وتقديم هذه الخدمات لمواطنيها بأسعار تتناسب مع الدخل القومي. أمّا في الدول التي خصخصت تلك القطاعات مثل معظم دول أوروبا الغربية وبريطانيا، فإن هذه القطاعات تخضع لتنظيم اقتصادي مباشر من الدولة economic regulation يضمن حقوق المستثمرين والمستهلكين. لا يأتي التنظيم الاقتصادي من الدولة دون تكاليف إداريّة، لذلك تراقب مؤسسات الدولة مؤشرات معيّنة في السوق لتقرر ما إذا كان هذا الأمر ضرورياً. ومن أبرز المؤشرات في هذا الصدد الخيارات البديلة المتوافرة لدى المستهلك، وإمكانية دخول منافسين لخفض الأسعار لصالح المُشتري.
تشير العناوين اليوم في سوريا إلى خصخصة هذه القطّاعات الرئيسية أو أجزاء منها، وبدا لافتاً خبر توقيع مذّكرة تفاهم بقيمة 7 مليارات دولار مع تحالف شركات في مجال الطّاقة، أبرزها شركة أورباكون التي يديرها رجل الأعمال السوري – القطري رامز الخيّاط، والتي تشمل تطوير أربع محطات توليد كهرباء في مناطق دير الزور، ومحردة، وزيزون بريف حماة، وتريفاوي بريف حمص. في كلمته خلال حفل توقيع المذكرة، أشار الخيّاط إلى أن هذا المشروع سيوفر أكثر من 50 ألف فرصة عمل مباشرة و250 ألف فرصة عمل غير مباشرة (من دون أن يوضح كيف توصّل إلى هذه الأرقام، ولكن من الجدير بالذكر أن حساب فرص العمل غير المباشرة بالتحديد هي عملية حسابية معقّدة تحتاج إلى معلومات حول قياس القطّاعات المختلفة في سوريا، وهي معلومات لا نمتلكها حالياً).
خلق فرص عمل للسوريين هو أمر إيجابي بالتأكيد، ولكن ما كان غائباً عن الخبر هو ماهيّة إدارة هذه الاستثمارات بشكلٍ يضمن توافر الطاقة للمستهلكين بأسعار معقولة. يستثمر الخيّاط مليارات الدولارات في قطاع الطّاقة، وهو بالتأكيد يفعل ذلك متوقعاً أن يجني مع الوقت القيمة الاستثمارية بالكامل بالإضافة إلى ربح سنوي. هذه هي القاعدة الأولى في الاستثمار. ما هو الربح السنوي المحدد، وما هو المدى الزمني المتوقع لاسترجاع القيمة الاستثمارية؟ وكيف سينعكس ذلك على فاتورة المواطن؟ هذه أسئلة تصب في جوهر التنظيم الاقتصادي للحكومات النيوليبرالية، والتي تقوم بتحديد سقوف للسعر الذي سيدفعه المواطن لهذه الخدمات الأساسية.
هناك أشكال مختلفة للتنظيم الاقتصادي في الدول التي اعتمدت خصخصة بعض القطاعات مثل الطاقة والماء. وعلى سبيل المثال، تحدد الولايات المتحدة الأميركية «عائد الاستثمار» rate of return وتسمح للمستثمر باسترجاع كل ما أنفق من تكاليف، بالإضافة إلى العائد. تشوب هذه الطريقة عدّة مشاكل أهمها غياب الحافز عند المستثمر لتقليل التكاليف، مما سينعكس على فاتورة المستهلك. في المملكة المتحدة، أُدخِل التنظيم الاقتصادي عام 1984 إلى قطّاع الاتصالات أولاً بعد خصخصته في عهد حكومة مارغريت تاتشر المُحافِظة، ضمن سياستها الهادفة لتقليص دور القطاع العام بسبب مصاريفه المرتفعة وعدم استجابته لاحتياجات المواطنين آنذاك. وخضعت قطاعات أخرى في المملكة المتحدة للخصخصة والتنظيم الاقتصادي مثل المطارات (1987) والكهرباء (1989) والماء (1989)، وغيرها. الهدف من التنظيم الاقتصادي هو محاكاة نتائج السوق التنافسي من حيث تحديد أسعار عادلة وجودة عالية للخدمات. لذلك، يقوم التنظيم الاقتصادي في المملكة المتحدة بتحديد التكاليف الجارية عبر جمع معلومات عن تكاليف القطاع، ومقارنتها، في حالات معينة، ببلدان و قطاعات أخرى للتأكّد من «كفاءة» مصاريف المستثمر efficiency. على سبيل المثال ولإيضاح هذه النقطة: إذا كان المستثمر يحتاج إلى كميات كبيرة من الحديد للبناء، فإن من واجب وصلاحيات المؤسسة الحكومية المسؤولة عن التنظيم الاقتصادي إلزام المستثمر بطرح مناقصة في السوق للحصول على عروض تنافسية للحديد، لضمان تنافسية السعر المدفوع للحديد بدلاً من احتكاريّته.
تدرس المؤسسات الحكومية المسؤولة عن التنظيم الاقتصادي أيضاً نسبة «الاهتلاك السنوي للاستثمار» depreciation، بالإضافة إلى عائد الاستثمار، لتحديد ما يمكن للمستثمر تحصيله كعائد سنوي من المستهلكين، كما يوضح المخطط أدناه.
يعتمد عائد الاستثمار على ما يمكن للمستثمر أن يجنيه إذا ما قام بالاستثمار في بلد آخر ذي ظروف مشابهة، وعلى درجة «خطورة» الاستثمار من حيث نسبة نجاحه. من المهم الإشارة هنا أن الحكومة البريطانية تُلزم شركات الطاقة بتقديم المساعدة اللازمة للمواطنين ذوي الدخل المحدود أو لمن لديه حالة صحيّة تتطلب وجود الكهرباء بشكل دائم في المنزل. بالإضافة إلى ذلك، قد تتدخل الحكومة للمساعدة عبر تقديم دعم مادي إلى القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد البريطاني لتخفيف كُلف الإنتاج، لتمكين هذه الصناعات وتعزيز قدراتها التنافسية في الأسواق الخارجية.
إن المهمة الرئيسية للمؤسسات الحكومية المسؤولة عن التنظيم الاقتصادي هي حماية المواطن من انتهازية المستثمر. بالطبع، يحتاج تطبيق مثل هذه الأنظمة إلى الوقت وتراكم الخبرة، وهي عملية تتطور مع الزمن والظروف. وتحتاج سوريا إلى وقت كافٍ لبناء هذه الأنظمة والخبرات، غير أن الإشارة إلى الأمثلة أعلاه ما هو إلا للتأكيد على ضرورة مساءلة حيثيات الاستثمارات التي تقوم في سوريا اليوم، والتأكيد على أهمية بناء مؤسسات مستقلّة وشفافة. لا شك أننا بحاجة إلى تقديم تسهيلات حقيقية للمستثمرين، سواء عبر تخفيض الضرائب، أو تقليص البيروقراطية وتعزيز الاستقرار الأمني والسياسي، لكن يجب ألا تكون التسهيلات للمستثمرين على حساب حقوق المواطن أو مصالحه.
أخيراً، قد يقدّم نموذج السوق الحر الفرص من حيث إمكانية إنشاء شركات وخلق فرص عمل جديدة في سوريا، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع المستوى المعيشي، ويُنهي سنوات طويلة كان تأمين لقمة العيش فيها (إن وجدت) يمثّل مشقّةً شديدة. ولكن تطبيقه دون الأخذ بعين الاعتبار حدوده وحقيقة بأن الاحتكارات قد تنشأ في السوق الحر، وكذلك الحالة الخاصة للوضع السوري، قد يجرنا إلى أزمات جديدة.
تُطبّق السلطات الجديدة مبادئ السوق الحر اليوم دون التأسيس لها بشكل سليم يعود بالفائدة على التجار المحلّيين والمستهلكين. فمثلاً، قامت السلطات الجديدة بتحرير السوق لسلعة الخبز، القوت الأساسي في بلد يعيش معظم سكانه تحت خط الفقر، وفي ظل انخفاض حاد في مستوى دعم المانحين للغذاء (انخفضت المساعدات بنسبة 80 بالمئة في 2024)، وانهيار القدرة الشرائية للمواطن السوري، يمكن لهذا القرار أن يكون له عواقب كارثية على السكّان في سوريا. كان من الأجدر أن تقوم السلطات بتحرير السوق بشكل تدريجي، بأن تقوم أولاً بدعم الفلاحين من خلال تقديم المنح أو القروض لشراء الآلات والمواد الأولية التي لها دور في جعل عملية الزراعة والإنتاج أكثر كفاءة. ففي موجة الجفاف الحادّة التي تشهدها سوريا اليوم، هناك حاجة ملحّة إلى التفكير بأساليب تقنين الري والحدّ من الهدر المائي، والعمل على تأمين بذور أكثر مقاومة للجفاف. عندما يتم دعم وتمكين الزراعة والصناعة من خلال بناء إمكانيات الإنتاج بكفاءة، فإن التكاليف، وبالتالي الأسعار، ستنخفض بشكل تدريجي على المواطن، ويزداد المحصول بحيث يمكن توريد الفائض إلى أسواق خارجية. تم الإعلان مؤخراً عن مبادرة لتقديم الدعم للخبز في مناطق محدودة بسوريا وهي خطوة ضرورية، ولكن كان غائباً عن الخبر ما إذا كان هنالك دعم للفلاحين في ظل ظروف الجفاف القاهرة.
سياسة دعم إنتاج الخبز تنطبق حتى في ظل زيادة الرواتب الأخيرة التي أعلنتها السلطات الجديدة، والتي سترفع، مؤقتاً، القدرة الشرائية للمواطنين في سوريا. هذه الزيادة في الرواتب والكتلة النقدية من الليرة السورية ستؤدي إلى زيادة الطلب على الكمية القليلة من البضائع والدولار في السوق، مما سيؤدي لارتفاع سعر الدولار والبضائع أيضاً. لتجنب هذا الأمر، يجب دعم الزراعة والصناعة لزيادة الإنتاج المحلي للاستجابة لارتفاع الطلب وزيادة الصادرات (التي ستزيد من حجم الكتلة النقدية الأجنبية). على عكس ذلك، فإن ما نراه اليوم هو فتح السوق بشكل كامل للبضائع التركيّة بالأخص (حتى عبوات مياه الشرب باتت تستورد من تركيا، مع العلم أن تركيا تقيّد بشكل غير قانوني حصة سوريا من تدفق نهر الفرات). بينما قد يؤدي الاستيراد، نظرياً، إلى تحسين جودة المنتجات السورية لكي تتمكن من التنافس مع البضائع الأجنبية. علينا أن نسأل ما إذا كان ذلك واقعياً في ظل الصعوبات التي ما زالت الشركات المحلّية تواجهها اليوم، فإلى أيّ مدى يمكنها المنافسة مع شركات تركيّة لها خبرة سنوات طويلة من العمل في السوق دون عقوبات وبتوفّر الأساسيات مثل الطاقة؟ بغياب الدعم، لن تصمد المصانع المحليّة أمام المنافسة الخارجية، وهذا سيؤدي إلى ارتفاع مستوى البطالة في الوقت الذي يجب أن يكون تأمين فرص عمل للشباب السوري اليوم أولوية قصوى لما له من دور في إرساء الأمن والسلام.
نحن بحاجة إلى التأسيس لتطبيق سياسات السوق الحر، وهذا يبدأ بدعم وحماية الإنتاج والصناعة المحليّة. غالباً ما تقوم البلدان بهذا الدعم بشكل استراتيجي من خلال التركيز على الأنشطة التي تُعد محركاً أساسياً للاقتصاد أو تُعد مُهمة للأمن القومي. فمثلاً أثناء نهوضها الاقتصادي، قامت كوريا الجنوبية بدعم صناعة السيارات بحكم أنها صناعة استراتيجية للبلد، وتقوم المملكة المتحدة إلى يومنا هذا بدعم صناعة الفُولاذ لأهميتها للأمن القومي.
في سوريا، لابد من التركيز ودعم القطّاعات التي من شأنها خلق فرص عمل للسوريين والسوريات مثل القطّاعات الزراعية والحيوانية، وصناعة المواد الأولية والصناعات النسيجية، والسياحة لما لها من دور هام في النهوض بالنشاط الاقتصادي. مع الوقت، يجب التفكير أيضاً بكيفية توسيع قطّاع الخدمات وتأسيس رأس المال الاجتماعي لذلك. من دون خطة استراتيجية وتطبيق تدريجي لمبادئ السوق الحر يقوم على الشفافية وحماية المستهلك، سيبقى المواطن السوري الخاسر الأكبر.
موقع الجمهورية
——————————
سياسات دولة أم انتقائية سوق؟/ سقراط العلو
إعادة الإعمار كفرصة تاريخية للعدالة والإنصاف
11-08-2025
قبل أيام فقط من إعلان عقود الاستثمار المليارية بتاريخ السادس من آب (أغسطس) الجاري في دمشق، شاهدت مقطع فيديو لمحافظ دير الزور يتحدث أمام حشد من الأهالي، ناقلاً ما ادّعى أنه حوار دار بينه وبين الرئيس (أحمد الشرع) حول «الشعور بالتهميش» الذي يخيّم على محافظته. قال إنه أبلغ الرئيس بذلك، وإن الأخير ضحك قائلاً إن دير الزور وريف دمشق من أولويات الدولة، لكن الخزينة العامة اليوم شبه فارغة، والمستثمرون «أحرار في اختيار أماكن مشاريعهم». ولم تمضِ ساعات على إعلان الاستثمارات وجغرافيتها حتى انفجرت وسائل التواصل الاجتماعي بانتقادات لاذعة من أبناء دير الزور وشبيهاتها من المناطق المدمرة، متهمين الحكومة بإعادة إنتاج المركزية والتهميش، بعدما ذهبت معظم الاستثمارات إلى المدن غير المدمرة.
كلام المحافظ وردة الفعل على نتائج الإعلان يشكلان مدخلاً هاماً لفهم اللحظة الاقتصادية والسياسية الدقيقة التي تمر بها سوريا ما بعد النزاع. فهما يثيران أسئلةً جوهريةً عن شكل الدولة القادمة، وعن خيارات الحكومة الانتقالية في إعادة الإعمار، هل تُترك لمنطق السوق والمستثمرين؟ أم تتدخل الدولة لتستثمر العملية في تصحيح الخلل التاريخي بين المركز والأطراف؟ هذا ما سيحاول المقال الإجابة عليه من منظور الاقتصاد السياسي.
بعد ثمانية أشهر من سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، لا تزال معالم الاقتصاد السوري في مرحلته الانتقالية مضطربة وغير مكتملة، وهو أمرٌ ليس بغريب قياساً للمدة. فقد خلفت سنوات الحرب بنية تحتية متهالكة، ومجتمعاً مثقلاً بالانقسامات، واقتصاداً منهاراً في جوهره. وفقاً لأحدث تقرير صادر عن البنك الدولي حزيران (يونيو) 2025، فإن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لسوريا لا يزال أقل بنسبة تزيد عن 50 بالمئة مقارنة بما قبل 2011، فيما تقدر نسبة مَن يعيشون تحت خط الفقر بـ 67 بالمئة من السكان، ويعيش ربع السكان في فقر مدقع، ويعاني الاقتصاد من فجوة تمويلية مزمنة، كما يشير التقرير إلى أن قدرة الحكومة على الإنفاق العام محدودة للغاية. تعكس هذه المؤشرات حجم التحدي، وتكشف هشاشة أدوات الدولة الاقتصادية، وافتقارها للقدرة على التأثير في دورة الاقتصاد الكلي دون تدخل خارجي أو إصلاح جذري.
لكن سلوك الحكومة السورية لا يُعبّر عن أزمة في الموارد فقط، بل عن مشكلة في التصورات الاقتصادية والسياسية الحاكمة للمرحلة الانتقالية. فصنّاع القرار يبدون أقرب إلى منطق السوق الحر، ويتعاملون مع مرحلة ما بعد النزاع كما لو كانت سياقاً اقتصادياً عادياً، وليست لحظةً استثنائيةً تُبنى فيها الدولة، وتُعاد فيها هيكلة الاقتصاد، وتُشكَّل فيها موازين الشرعية السياسية من خلال السياسات الاقتصادية والاجتماعية.
فمرحلة ما بعد النزاع تفرض على الدولة أن تحسم خيارها بين أن تستخدم سلطتها لقيادة التعافي عبر توجيه الموارد إلى بناء مؤسسات شاملة وتوسيع قاعدة المستفيدين من النمو، أو أن تنزلق إلى مسار تعافٍ نخبوي يُعيد إنتاج الإقصاء والفوارق التي غذّت النزاع في المقام الأول. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بالنمو الاقتصادي كمؤشر كمي، بل بمدى قدرة الدولة على استخدام أدوات الاقتصاد الكلي لإعادة التوازن بين الفئات والمناطق، وبناء الثقة، وتحقيق ما يسمى في أدبيات الاقتصاد السياسي بـ«الشرعية التوزيعية».
من هذا المنظور، فإن السياسة الاقتصادية ليست مجرد تقنية مالية بل ممارسة سيادية تُعبّر عن رؤية الدولة للعدالة والرفاه. ولذلك، فإن ميل الحكومة المؤقتة للاقتصاد الحر والخصخصة، وإعلانها الامتناع عن الاقتراض في ظل شبه انعدام مواردها الأخرى، وما يترتب عليه من عدم قدرتها على الإنفاق الاستثماري ليس قراراً مالياً محضاً، بل هو تعبير عن غياب رؤية سياسية لمرحلة ما بعد النزاع. فالحكومة، بتقاعسها عن تحمل عبء الإنفاق العام، تُحيل عملية التعافي إلى منطق الربحية والاستثمار الانتقائي، بدلاً من تبنّي مشروع اقتصادي يعيد بناء الشرعية الوطنية.
وفي هذا السياق، لا بأس في الرجوع إلى مقولة جون ماينارد كينز، رائد الاقتصاد الكلي الحديث، والتي ما تزال تحتفظ بوجاهتها رغم تطور المدارس الاقتصادية من بعده. فقد ذهب كينز إلى أن الدولة، حين تنعدم الثقة في الأسواق ويتراجع الطلب الكلي، ينبغي أن تتدخل حتى عبر وسائل تبدو غير عقلانية من منظور الكفاءة الاقتصادية، قائلاً: «على الدولة أن تدفع للناس ليحفروا حفراً ثم يردموها» لتحريك الاقتصاد وخلق فرص العمل. وفقاً لكينز، فالإنفاق العام، حتى لو لم يكن ذا مردودٍ اقتصاديٍ مباشر، يمكن أن يُنتج قيمة اجتماعية وسياسية من خلال خلق الطلب، وتعزيز الثقة، وإعادة تشغيل الاقتصاد. وصحيح أن النظرية الكينزية الكلاسيكية قد خضعت لاحقاً لنقد واسع، إلا أن تطبيقاتها في فترات ما بعد النزاع أو الكساد لا تزال تُعد من بين الأكثر تأثيراً ونجاعة في استعادة النشاط الاقتصادي.
واللافت أن الحكومة السورية المؤقتة، رغم إقرارها بحجم التحديات في سياق اقتصاد مُنهار، اختارت سياسة قائمة على الامتناع عن الاقتراض الخارجي، وتعويل مفرط على الاستثمار الأجنبي، متجاهلةً ضرورة وجود سياسات إنفاق عام واسعة النطاق تستهدف إعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية، وتحقيق العدالة الاجتماعية. والتبرير الرسمي لهذه المقاربة المتمثل بالخوف من المديونية، وإن بدا في ظاهره وجيهاً، إلا أنه في العمق يعكس خللاً في فهم المرحلة ودور الدولة كفاعل مركزي في إعادة إنتاج النظام الاجتماعي بعد الحرب.
يُعد غياب التمويل العام، خاصة من خلال الاقتراض بشروط مناسبة، حرماناً للدولة من أدواتها الأساسية في تفعيل الطلب الكلي، وتوليد الوظائف، وتحقيق الاستقرار. ويُحيل إدارة عملية الإعمار إلى القطاع الخاص الذي غالباً ما يتحرك بدافع الربح لا بدافع إعادة البناء الشامل. والنتيجة هي ما نراه اليوم، استثمارات متركزة في مناطق غير مدمرة، وفي قطاعات غير إنتاجية وليست من أولويات السوريين في المرحلة الحالية، مثل المطارات والعقارات الفاخرة والسياحة ومراكز التسوق، مقابل تهميش المناطق المنكوبة والمحرومة التي تحتاج إلى تدخل الدولة، لا إلى انتقائية المستثمرين.
لا بدّ من الوعي بأن عملية إعادة الإعمار في سوريا تُشكّل فرصةً تاريخيةً لتصحيح الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية المُزمنة في البلاد، بما يحقق قدراً أعلى من العدالة والتنمية المتوازنة بين المركز والأطراف. فهي ليست مجرد استجابة هندسية للدمار، بل هي أداة سياسية للعدالة الانتقالية من خلال إعادة إعمار المناطق المدمرة كنوع من جبر الضرر المجتمعي، ولإعادة دمج المناطق المهمشة، وتوفير البنية التحتية والخدمات وفرص العمل فيها، بما يسهم في إعادة بناء النسيج الوطني الممزق. وفي هذا السياق، يجب أن تكون خطة الإعمار مصممة ضمن رؤية تنموية شاملة، تضمن توجيه الاستثمارات نحو المناطق التي عانت من التهميش، وليس فقط تلك التي تملك جدوى تجارية فورية. فالتنمية المكانية العادلة في سوريا اليوم ضرورة لضمان الاستقرار المستدام.
وهنا من الأهمية بمكان توسيع الفهم للمجال العام ببعده الاقتصادي الاجتماعي وليس السياسي فقط، وأهمية دور الدولة في بنائه، ليس فقط كمقدم للخدمات، بل كمنظم للعيش المشترك. فالمجال العام هو الحيّز الذي تتفاعل فيه مختلف فئات المجتمع اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، وتُصاغ فيه الأولويات العامة وتُوزّع فيه الموارد بشكل عادل. وبناء المجال العام بعد النزاع يعني أن تتحمل الدولة مسؤولية إعادة الثقة بالمؤسسات العامة، وإنشاء البنى التحتية التي تتيح مشاركة جميع المواطنين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، بغضّ النظر عن مناطقهم أو فئاتهم. هذا البناء لا يقتصر فقط على المدارس والمشافي والمساحات العامة، بل يشمل أيضاً السياسات التي تضمن المساواة في الفرص، والحماية الاجتماعية، والتمثيل السياسي. ومن دون هذا الحضور النشط للدولة، يبقى المجال العام هشاً ومغلقاً في وجه من هم خارج دوائر الامتياز.
وهذا الدور يفرض على الدولة انتهاج سياسة تمويل متوازنة تقوم على تنويع مصادرها بما يعزز استقلال القرار الاقتصادي ويُقلل من الارتهان لأي جهة بعينها. يمكن تحقيق ذلك عبر مزيج من القروض الميسّرة والمنح الدولية، والتمويل المشترك مع القطاع الخاص في مشاريع ذات طابع إنتاجي واجتماعي، بالإضافة إلى تعبئة الموارد المحلية من خلال إصلاح النظام الضريبي وتوسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل. كما ينبغي استعادة الثقة بالمؤسسات العامة من خلال الشفافية والرقابة وتوجيه الإنفاق نحو مشاريع حقيقية تخلق القيمة وتوفر فرص العمل.
لا ينبغي أن تُفهم دعوة الدولة للعب دور مركزي في إعادة الإعمار على أنها دعوة لإقصاء القطاع الخاص أو المجتمع المدني. بل على العكس، من المهم أن يتم إشراك هذه الأطراف في عملية الإعمار ضمن إطار من الشراكات بين القطاعين العام والخاص. ولا سيّما في بعض المجالات مثل البنية التحتية والطاقة، ولكن يجب أن تكون هذه المساهمات تحت إشراف الدولة، وتخضع لآليات واضحة وشفافة لضمان أن تساهم هذه الاستثمارات في تحقيق أهداف التنمية المستدامة.
وفي الوقت نفسه، من الضروري إشراك المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية في هذه العملية، خاصة في المناطق التي عانت من النزاع بشكل أكبر. إذ يمكن لهذه المنظمات أن تلعب دوراً رئيسياً في تقديم الخدمات الأساسية، وكذلك في تحفيز النمو المحلي من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تساهم في استعادة النشاط الاقتصادي في المناطق المتضررة.
إن نجاح عملية إعادة الإعمار أو فشلها، كما تخبرنا تجارب دول قريبة من الحالة السورية، كان رهناً بالخيارات الاقتصادية التي تبنتها تلك الدول. فالعراق كمثال لتراجع دور الدولة بعد العام 2003، انتهج سياسة ليبرالية تتشابه في خطوطها العريضة مع الرؤى والتصورات التي يُصرّح بها مسؤولو الحكومة السورية ومسشاروهم، من قبيل انسحاب الدولة، فتح الأسواق، وخصخصة الخدمات. وكانت النتيجة اقتصاداً هشاً قائماً على الريع، مع تزايد معدلات الفقر والبطالة وتضخم القطاع غير الرسمي.
أمّا لبنان، كمثال على عدم التوزيع المكاني العادل لثمار عملية إعادة الإعمار، فبالرغم من الخطة الطموحة التي قادها رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، إلا أنها نجحت في المركز مثل وسط بيروت، في حين عمّقت التفاوت الاجتماعي والمناطقي، وخصوصاً مع الشمال والجنوب، وهي الثغرة التي استثمر فيها حزب الله لخلق دولته داخل الدولة.
وبالحديث عن التجارب الناجحة؛ لنختر رواندا، وهي مثال مُفضّل للسوريين هذه الأيام. على النقيض، شهدت منذ نهاية الإبادة الجماعية عام 1994 سياسة تنموية تقودها الدولة بقوة. اقترضت الحكومة من المؤسسات الدولية، وضخت الاستثمارات في الصحة والتعليم والبنية التحتية، مع وضع خطة مركزية لتنمية متوازنة مناطقياً. وتمكنت خلال عقدين من رفع معدل النمو السنوي إلى أكثر من 7 بالمئة، مع انخفاض كبير في معدلات الفقر. ولم يكن ذلك ممكناً دون توجيه صارم من الدولة، ورؤية متكاملة تربط الاقتصاد بالعدالة الاجتماعية.
وبالعودة إلى سوريا، فإن ملامح النهج الاقتصادي الحالي (كما بات يدرك معظم السوريين) تحمل مخاطر حقيقية لتكريس منطق «اقتصاد النخبة» الذي يُركّز المنافع في يد فئات محددة، ويترك الشريحة الأوسع من السكان في حالة انتظار مزمن. فالتوقيع على مشاريع بقيمة 14 مليار دولار في قطاعات غير إنتاجية، إن كانت واقعية، يُظهر إصراراً على إعادة إنتاج اقتصاد لا يخدم أغلبية السوريين، ولا يعالج أسباب النزاع الأساسية.
إذ يُظهر هذا النهج تقاطعاً خطيراً بين السياسة والاقتصاد، حيث تُستخدم الدولة كمنصة لإعادة دمج رأس المال الدولي والإقليمي والمحلي، دون أن تتولى مسؤولية إعادة بناء المجال العام. ورفض الاقتراض، في هذه الحالة، لا يعكس حكمة مالية، بل عدم رغبة في الشفافية التي تفرضها بصرامة شروط مؤسسات التمويل الدولية، وانسحاباً سياسياً من دور الدولة كفاعل مركزي في بناء العدالة بعد الحرب.
إن ما تحتاجه سوريا في هذه المرحلة ليس مجرد استثمارات خارجية، بل سياسة اقتصادية توحيدية، تعيد بناء الهوية الوطنية من خلال إعادة توزيع الفرص والموارد. وعلى الحكومة، إن كان لديها نوايا صادقة في هذا الاتجاه، أن تتبنى سياسة إنفاق عام توسعية، ممولة من خلال مزيج من القروض والمنح الدولية، وموجهة نحو بناء البنى التحتية، وتحفيز القطاعات الإنتاجية، وتطوير شبكات الأمان الاجتماعي. فكفاءة الدولة الاقتصادية لا تُقاس بمدى تقشفها وعزوفها عن الاقتراض، بل بقدرتها على خلق شروط الاستقرار والنمو المشترك. والتجارب المقارنة تشير بوضوح إلى أن الاقتصادات الخارجة من النزاع لا تنجح إلا إذا تولت الدولة قيادة عملية إعادة البناء، مالياً ومؤسسياً واجتماعياً.
والعدالة الاجتماعية في سياق دولة بوضع سوريا لا تأتي كنتيجة للنمو، بل تسبقه كشرط له. وإذا لم تعِ الحكومة السورية هذا المبدأ، فإن مشروع إعادة الإعمار سيتحول إلى مشروع إعادة إنتاج للانقسام، واللاعدالة، والهشاشة. وما لم تُستعاد الدولة كفاعل اقتصادي اجتماعي، فلن تكتمل لحظة التحرير، وسيُضاف الاقتصاد إلى جملة كوارث أخرى في الأداء الحكومي، قد تؤدي لعودة النزاع.
موقع الجمهورية
—————————
وهم التريليون السريع: الاقتصاد السوري بين أحلام الاستثمار وواقع الطاقة الامتصاصية/ مسلم عبد طالاس
01-07-2025
مع سقوط نظام الأسد وسيطرة هيئة تحرير الشام على السلطة في سوريا، انطلق الحديث في الأوساط الإعلامية والأكاديمية والرسمية عن اتفاقيات وإعلانات نوايا تُبشر بتَدفق استثمارات هائلة على سوريا، وضمن مدد مُبالغ في قصرها. تتحدث الأرقام عن مئات المليارات من الدولارات خلال الفترة القصيرة والمتوسطة (3-5 سنوات). بل وصل الأمر بالبعض للحديث عن فرص استثمارية تبلغ التريليون دولار وتتجاوزه. بالتوازي مع ذلك تنتشر بين الناس آمال فرص العمل والعيش الكريم الوشيكة بعد سنوات طويلة من الحرب والدمار والفقر. يُصور الأمر وكأن تدفق تلك الأموال سيُعيد بناء ما تهدم، وكأن ما ينقص البلاد يقتصر على المال فحسب. لكن الحقيقة أن جلب الاستثمارات والاستفادة منها هي مسألة مركبة، وأن الأموال رغم أهميتها، ليست سوى جزء من عناصرها. يتطلب الأمر قدراً من التأني للتعامل مع الموضوع بشكل علمي وواقعي. هذا إن أردنا التخطيط لهذه الأمور بشكل صحيح باتجاه تحقيق الغاية المرجوة إلى جانب بث آمال واقعية بين الناس. في هذا الإطار هناك ضرورة للانتباه إلى مفهوم الطاقة الامتصاصية للاقتصاد.
بداية، فإن الاتفاقيات الاستثمارية وإعلانات نوايا الاستثمار لا تعني بالضرورة أن تلك الأموال ستتدفق مباشرة إلى سوريا. فهي اتفاقيات ونوايا مقيدة بجملة من الشروط، وغالباً ما يمتد تنفيذها على فترات طويلة قد تصل لعشرات السنوات. وقد لا تأتي تلك الأموال أبداً. لن نتوسع في هذا الموضوع، فغايتنا هي الطاقة الامتصاصية. لذلك حتى لو افترضنا أن تلك الأموال ستتدفق بشكل أو بآخر، فإن الرهان الحقيقي هو القدرة على تحويل تلك الأموال إلى طاقات إنتاجية جديدة تُسهم في زيادة الناتج المحلي أو دعم النمو الاقتصادي، أي خلق فرص عمل ودخل جديدة، وبالتالي رفع مستوى الرفاه الاقتصادي للناس.
الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون هي أن الاقتصاد ليس صندوقاً يمكن أن نحشوه بما نشاء. الاقتصاد مثل جسم الإنسان. لديه طاقة محدودة على أكل الطعام وتحويله لمكونات مفيدة تحافظ على الصحة والاستمرارية، وكل طعام يُشترى زيادة عن حاجته إما أن يفسد أو يضر بالجسم عند الإفراط في الأكل. بالطريقة نفسها فإن الاقتصاد لديه طاقات محدودة على امتصاص الاستثمارات وتحويلها إلى طاقات إنتاجية جديدة تُسهم في رفع الرفاه الإنساني، وما يتجاوز تلك الطاقة يتحول إلى أمراض اقتصادية واجتماعية مثل التضخم والهدر والفساد.
لمقاربة الطاقة الامتصاصية للاقتصاد السوري وفهم حدودها لا بد من الانطلاق من بديهتين: أولاً، أن لهذه الطاقة حدوداً مثل أي ظاهرة بشرية أخرى. وثانياً، أن مفهوم الطاقة الامتصاصية كغيره من المفاهيم المستخدمة في العلوم الاجتماعية لا يمكن قياسه بدقة. بل يستدل عليه عبر مؤشرات تقريبية أو بدائل تحليلية. ورغم أننا لا نملك مقياساً حاسماً لقياس الطاقة الامتصاصية، فإننا نمتلك ما يدل عليها. فمؤشر الاستثمار الإنتاجي المتحقق في البلدان ذات المستويات التنموية المختلفة على مدى عشرات السنين يدل على قدرة الاقتصادات على امتصاص الاستثمارات. هذا المؤشر هو معدل التكوين الرأسمالي الثابت للناتج المحلي. أي نسبة الاستثمار المتحقق إلى الناتج المحلي سنوياً. دراسة سلوك هذا المتغير من خلال بيانات لبلدان مختلفة وعلى امتداد سنوات طويلة، يتيح لنا القدرة على تقدير سلوكه المستقبلي وفقاً لما هو متعارف عليه علمياً. ومن ثم يمكننا الاستدلال على حدود الطاقة الامتصاصية للاقتصاد.
لو طبقنا هذا المنطق على سوريا، سنجد أنه خلال نصف القرن الممتد من العام 1960 إلى العام 2010 بلغ متوسط معدل الاستثمار إلى الناتج المحلي حوالي 17.7بالمئة، وقد سجل أعلى مستوى له في العام 1977 حيث بلغ نحو 25 بالمئة، بينما سُجل أدنى مستوى له في العام 1988 وبلغ قرابة 11.7بالمئة. وبلغت الاستثمارات التراكمية حوالي 133 مليار دولار خلال فترة نصف القرن تلك. تشير الأرقام كذلك إلى أن المتوسط العالمي لمعدل الاستثمار إلى الناتج المحلي سنوياً يتراوح بين 23-25 بالمئة، رغم أن بعض الدول حققت مستويات أعلى من ذلك بكثير إذ سجلت الصين في بعض السنوات أعلى مستوى عالمي حيث تراوح المعدل ما بين 48-50 بالمئة. ماذا يعني هذا؟ يعني أن الطاقة الامتصاصية للاقتصاد لا يمكن أن تتجاوز الـ50 بالمئة. طبعاً هذا السقف مشروط بتحقق شروط معينة.
ما هي العوامل التي تحدد قدرة الاقتصاد على امتصاص الاستثمارات بشكل منتج؟
بداية، يحتاج أي استثمار جديد إلى بنية تحتية بمستوى معين من الجودة تشمل الطرق ومصادر طاقة، وخصوصاً الكهرباء، وإلى شبكة اتصالات.. وقد تعرضت البنية التحتية السورية لدمار واسع النطاق وتحتاج للكثير من الوقت والجهد والمال لكي تعمل بمستوى يُمكّنها من دعم النشاط الاستثماري. إلى جانب ذلك فإن تنفيذ الاستثمار يتطلب موارد بشرية تتمتع بدرجة معينة من الكفاءة. لكن، وكما نعلم أن المورد البشري في سوريا تعرض إلى استنزاف شديد خلال سنوات الحرب بفعل الهجرة والموت وتراجع جودة التدريب والتعليم. فوق ذلك يحتاج الاستثمار إلى بيئة من الاستقرار الاقتصادي والسياسي والمؤسسي، لكي يستطيع المستثمر إجراء عمليات حساب التكلفة والعائد، ومن ثم الربح والخسارة بحدود دنيا من اليقين. فضلاً عن ذلك فإن البيئة الاقتصادية والسياسية والمؤسسية في سوريا ليست بيئة مستقرة بالقدر الكافي لجذب الاستثمارات. يُضاف إلى ذلك محدودية حجم السوق وضعف كفاءة النظام المالي، إلى جانب عوامل أخرى، لا تبشر بالخير.
على الرغم من ذلك، وبافتراض تحقق الشروط المثالية، فإننا يمكن أن نقبل أن طاقة الاقتصاد السوري الامتصاصية هي 50 بالمئة من الناتج المحلي. ووفقاً لأكثر التقديرات تفاؤلاً لم يتجاوز الناتج المحلي لسوريا في العام الماضي عتبة 10 مليار دولار. وإذا افترضنا، جدلاً، أن «عامل العنقاء» سيلعب دوره، وأن هناك طاقات إنتاجية ستعود للعمل بدون استثمارات جديدة، وأنها ستنتج ما يعادل الناتج الحالي أي 10 مليار دولار، سيصبح الناتج المحلي الإجمالي في سوريا هذا العام 20 مليار دولار، بالطبع هذا افتراض مفرط في التفاؤل. بناء عليه، فإن طاقة امتصاص 50 بالمئة، تعني أن الاقتصاد السوري يستطيع أن يمتص استثمارات سنوية تقارب 10 مليار دولار تزداد بالتدريج، وبذلك يحتاج إلى نحو 7 سنوات لامتصاص الـ100 الأولى من مليارات الدولارات الموعودة. ولا بد أن نُشير هنا إلى أن هناك تقديرات متشائمة تقدر الطاقة الامتصاصية للاقتصاد السوري بأقل من مليار دولار سنوياً، طبعاً بموجب هذا التقدير سيحتاج الأمر إلى عشرات السنوات لامتصاص 100 مليار دولار.
إن تجاوز التدفقات الاستثمارية للطاقة الامتصاصية يعني ظهور مشكلات عديدة. فالأموال الزائدة عن الطاقة الامتصاصية إما ستُنفق على بنود وهمية من خلال المبالغة في أسعار الإنفاق عليها، أو ستُنفق على مشروعات وهمية على الورق وتتسرب إلى جيوب البعض من المحاسيب المقربين من السلطة الحاكمة، أو تحول إلى حسابات مصرفية في البنوك الأجنبية لمصلحة بعض المتنفذين وشركائهم من الأجانب، وسينعكس ذلك فساداً وتضخماً في الأسعار وزيادة في الفوارق الاجتماعية والفقر.
هذه ليست دعوة للتشاؤم أو تقييد الطموح، بل دعوة لإعادة ربط الأحلام بالواقع، والعقل بالعلم، والخيال بالمسؤولية. وحده الاقتصاد الذي يحترم حدوده الداخلية ويعمل على توسيعها تدريجياً عبر بناء قدرته الامتصاصية، هو القادر على تحويل أي فرصة استثمارية إلى قفزة تنموية حقيقية. نحن في حاجة إلى خطط واقعية تنطلق من الإمكانيات الفعلية، وتراكم الإنجازات دون استعجال، وتجعل من كل دولار يُستثمر مصدراً فعلياً للنمو، لا رقماً في حسابات الفساد أو الأوهام. أما أن نسمح لتوقعاتنا أو تصريحاتنا بأن تحلق بلا سقف فوق جراح الناس، فهذا لا يؤدي سوى إلى مزيد من الخيبات وخسارة الثقة في أي خطاب أو مشروع مستقبلي.
موقع الجمهورية
———————————
أثمان ليرة سورية جديدة: العملة عقد اجتماعي ويجب عدم التسرع في استبدالها/ مسلم عبد طالاس
17-06-2025
منذ سقوط نظام الأسد قبل ستة أشهر، تتردد في الأوساط السياسية والاقتصادية السورية فكرة استبدال الليرة السورية، باعتبارها خطوة محتملة في مسار بناء دولة واقتصاد جديدين. في ظاهر الأمر، قد يبدو هذا الطرح منطقياً، خاصة في بلد أنهكته الحرب والانقسام، وفقدت فيه العملة الوطنية جزءاً كبيراً من قيمتها، وانهارت ثقة الناس بمؤسسات الدولة. لكن ما يغيب عن كثيرين أن العملة ليست مجرد رمز سيادي، أو أداة تبادل، أو حتى مظهر من مظاهر الاستقلال الوطني. العملة في جوهرها عقد اجتماعي بين الدولة والمجتمع، بل يمكن القول إنها المرآة التي تعكس عمق الثقة بين السلطة والمواطنين.
عادة ما يَختزلُ الناس العملة في شكلها المادي: ورقة نقدية أو قطعة معدنية أو حتى رقم في حساب مصرفي. لكن جوهر العملة يتجاوز المادة إلى المعنى. فقبول الناس لتلك الورقة أو الرقم ينبع من إيمانهم بقدرة الدولة على الوفاء بتعهداتها، وعلى رأسها الحفاظ على قيمة العملة وضمان استقرارها. ما يُميز العملة الوطنية عن أي ورقة مطبوعة أخرى هو أن خلفها سلطة تتعهد للناس بأن هذه الورقة ستحفظ قيمتها، وستكون مقبولة من الجميع، وستعكس قوة الاقتصاد الوطني.
هذا التعهد المتبادل، غير المكتوب لكنه راسخ في وعي كل مواطن، هو ما نسميه «العقد الاجتماعي النقدي». هو أشبه بوعد غير معلن بأن الحكومة ستحمي العملة وتضمن استخدامها الآمن والعادل في كافة المعاملات. من هنا، كلما أخلّت الدولة بهذا الوعد، سواء عبر سياسات نقدية فاشلة أو فساد مالي أو عجز عن فرض سلطتها، تآكلت الثقة وانهارت قيمة العملة.
الثقة ليست قراراً سيادياً يُفرض بمرسوم، بل تُبنى على مدار سنوات من الإدارة الرشيدة، والاستقرار السياسي، والشفافية المالية، والوفاء بالالتزامات. فعندما تلتزم الحكومات بتطبيق سياسات اقتصادية متوازنة، وتوضح للرأي العام كيفية إدارة الموارد، وتعالج قضايا الفساد والهدر المالي، تتعزز الثقة تدريجياً بين المواطنين والدولة.
لقد شهد التاريخ حالات فقدت فيها حتى أقوى الاقتصادات الثقة في عملتها الوطنية، كما حدث في ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، حين أدت طباعة كميات هائلة من النقود بعد الحرب العالمية الأولى إلى تضخم مفرط، حتى أصبح الناس يحملون أكياساً من النقود لشراء أبسط الحاجيات، وفقد المارك الألماني قيمته تماماً نتيجة غياب الثقة في العملة. وكذلك في الأرجنتين مطلع القرن الحادي والعشرين، حيث تسببت الأزمات المالية وسوء الإدارة الاقتصادية وتراكم الديون بانهيار قيمة البيزو، وفقدان المواطنين ثقتهم بعملتهم الوطنية، ما دفعهم للجوء إلى الدولار أو المقايضة في معاملاتهم اليومية. في هذه اللحظات الحرجة، تظهر هشاشة العملة إن لم تكن مسنودة بعقد اجتماعي قوي، يضمن التزام الجميع – حكومةً وشعباً – بالحفاظ على استقرار الاقتصاد الوطني.
في الحالة السورية، يعيش الناس منذ سنوات في ظل تآكل مستمر للثقة، ليس فقط بالعملة، بل بالدولة نفسها. السلطة السياسية منقسمة، والمؤسسات مفككة، والاقتصاد مدمر، وحياة الناس اليومية يطغى عليها الشك والبحث عن الأمان بأي ثمن. في مثل هذا السياق، أي حديث عن استبدال العملة يبدو فاقداً للأساس الذي يمنحه المعنى: الثقة.
استبدال العملة في دول تمر بمراحل انتقالية قد يكون خطوة ضرورية في بعض الأحيان، خاصة إذا كانت العملة القديمة مرتبطة بنظام ساقط أو فقدت قيمتها بالكامل بفعل التضخم والانهيار الاقتصادي. لكن هذا الاستبدال لا يكون مجدياً إلا إذا أُدرِج كجزء من عملية أوسع لإعادة بناء العقد الاجتماعي، وترسيخ الثقة، وإطلاق مشروع اقتصادي وسياسي جديد.
في سوريا اليوم، تغيب معظم هذه الشروط: ليست هناك سلطة مركزية موحدة تحظى باعتراف غالبية المواطنين وولائهم، والمؤسسات المالية في حالة انهيار شبه كامل، والاقتصاد مدمر على ن غير مسبوق. في ظل هذا الواقع، فإن استبدال العملة لن يكون سوى خطوة رمزية بلا أثر حقيقي، بل على العكس قد يؤدي إلى نتائج عكسية خطيرة.
لن يكون سهلاً أن تحظى العملة الجديدة بقبول شعبي ما لم يلمس الناس تغييراً جوهرياً في السياسات والمؤسسات والأوضاع العامة، وسيزداد الطلب على العملات الأجنبية (الدولار، اليورو، الليرة التركية) وعلى الذهب. وربما تظهر عملات محلية في مناطق خارجة عن سيطرة السلطة المركزية، ما يؤدي إلى تجزّؤ الأسواق واتساع الفوضى، ويقوضُ القدرة على إدارة السياسة النقدية. في غياب الثقة والعقد الاجتماعي، لن تصمد العملة الجديدة طويلاً، بل ستتحول إلى رمز جديد للفشل، وتتآكل قيمتها بوتيرة أسرع من العملة القديمة.
التاريخ الاقتصادي الحديث مليء بالأمثلة عن دول حاولت استبدال عملتها، بعضها نجح وبعضها فشل، وكان الفيصلُ دوماً في مدى توفر الثقة بالعقد الاجتماعي. في زيمبابوي، حين انهارت الدولة وعجزت الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها، جرى استبدال العملة الوطنية أكثر من مرة، لكن دون جدوى. تخلى الناس ببساطة عن التعامل بأي عملة تصدرها السلطة، واتجهوا للدولار الأميركي والراند الجنوب إفريقي. لم يُجدِ أي غطاء قانوني، ولم تنجح محاولات الإقناع، لأن العقد الاجتماعي كان قد انهار تماماً. وفي يوغوسلافيا السابقة، أدى الانقسام السياسي والعسكري إلى تعدد السلطات وظهور عملات محلية في الأقاليم، وسرعان ما تحولت العملة الرسمية إلى ورقة لا قيمة لها. فرضت كل منطقة عُملتها، وكل جماعة منطقها، وتبددت كل إمكانية لإدارة اقتصادية موحدة.
في المقابل، شكلت تجربة ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية نموذجاً ناجحاً، حين تم استبدال عملة الرايخ المتهالكة بعملة جديدة، لكن ذلك لم يحدث إلا بعد توحيد السلطة في مناطق الحلفاء الغربيين، ووضع خطة مارشال لإعادة الإعمار، وتوفير الدعم الدولي والمؤسساتي والسياسي. هنا كان العقد الاجتماعي قائماً على صورة حكومة مركزية قوية، وبرامج اقتصادية واضحة، ودعم خارجي غير محدود. لم يكن المارك الألماني الجديد مجرد ورقة، بل رمزاً لبداية جديدة وثقة متجددة بين الدولة والمجتمع.
ليس الاستبدال النقدي أداة سحرية لحل الأزمات، بل هو في حقيقته نتيجة نهائية لسلسلة طويلة من الإصلاحات السياسية والمؤسساتية والاقتصادية. والخطوة الأولى يجب أن تكون في إعادة بناء العقد الاجتماعي: سلطة شرعية وموحدة، ومؤسسات شفافة وقادرة، وسياسات اقتصادية رشيدة، وضمانات حقيقية لحماية قيمة العملة. فقط عندما يشعر المواطن أن الدولة قادرة على الوفاء بتعهداتها، وتملك الأدوات والموارد للقيام بذلك، تصبح فكرة استبدال العملة قابلة للنقاش ومبنية على أسس واقعية.
وفي هذا السياق، لا بدّ من توعية الرأي العام بحقيقة أن القيمة الحقيقية للعملة ليست في الورق أو التصميم أو التسمية، بل في الثقة المتبادلة بين الناس ودولتهم. وهذه الثقة هي رأس المال الأكبر لأي دولة، وهي الحاجز الأخير أمام الانهيار الشامل.
العملة ليست شعاراً وطنياً ولا قراراً سيادياً يتم اتخاذه بمعزل عن الواقع، بل هي عقد اجتماعي ومقياس للثقة بين المواطن والدولة. في ظل غياب هذا العقد، والانقسام والدمار وانعدام المؤسسات، فإن أي محاولة لاستبدال العملة لن تزيد الوضع إلا تعقيداً. المطلوب اليوم في سوريا ليس استبدال الورق بآخر جديد، بل إعادة بناء الأُسس التي تمنح هذا الورق قيمته الحقيقية: الثقة والاستقرار والوفاء بالالتزامات. هذه هي العملة الحقيقية التي يجب السعي إليها قبل أي مشروع نقدي جديد.
* مسلم عبد طالاس هو اقتصادي سوري وأستاذ جامعي. باحث في المعهد الألماني للتنمية والاستدامة IDOS في بون، ألماني
موقع الجمهورية
———————————-
الحكومة السورية تطلق “برنامجاً وطنياً” لمكافحة الفقر
برنامج مكافحة الفقر بالتعاون مع منظمات دولية
2025-09-02
أعلن وزير المالية السوري محمد يسر برنية أمس الإثنين، عن قرب إطلاق “برنامج وطني” لمكافحة الفقر في سوريا.
وقال برنية خلال جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض دمشق الدولي، إن “البرنامج الوطني يأتي ضمن استراتيجية شاملة تعمل عليها وزارة المالية بالتعاون مع الجهات الحكومية والمنظمات الدولية”.
وأضاف، أن “الاستراتيجية الحكومية تهدف لمعالجة أسباب الفقر بشكل جذري، لاسيما بعد أن ارتفعت نسبته إلى ما بين 70 و 90%”، بحسب ما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).
وذكر، أن “هناك قدرات وإمكانيات متوفرة لتحقيق رؤية واضحة هي أنه لا متسول في الشارع ولا يتيم دون رعاية، ولا أسرة فقيرة دون دعم”.
ولفت، إلى أن “المرحلة الأولى من الاستراتيجية تركز على تحديد الفئات الفقيرة بدقة، تليها مرحلة إطلاق برامج تساعد المستفيدين على الخروج من حالة العوز إلى الإنتاج من خلال دعم مشاريع متناهية الصغر وصغيرة ومتوسطة، وتأهيل الفقراء للعمل، وتحسين الضمان الصحي والرواتب”.
وشدد وزير المالية السوري، على أن “محاربة الفقر شرط أساسي لتشجيع الاستثمار وتحقيق النمو، والحكومة السورية تبذل جهوداً مكثفة لبناء هذه الاستراتيجية بالشراكة مع مؤسسات دولية”.
وأشار، إلى “نية وزارة المالية إعفاء بعض رجال الأعمال من الضرائب المتراكمة مقابل تقديم مساهمات مجتمعية فاعلة في مناطقهم ضمن خطة لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص”.
وأكد برنية، على “العمل من أجل إصلاح نظامي الزكاة والوقف لاستثمار مواردهما في القضاء على الفقر”.
يشار، إلى أنه وبحسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن “نسبة البطالة في سوريا تجاوزت 45%، فيما يعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر. وتفاقمت أزمة الجوع بسبب الجفاف وتدهور القطاع الزراعي”.
ووفقاً للمنظمة الدولية، فإن “أكثر من 14.5 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي. أما خسائر البنية التحتية منذ 2011 فقد تجاوزت 400 مليار دولار”.
————————
دمشق تستقطب الاستثمارات… ومن المعرض يبدأ الإعمار
دمشق – يوسف الحيدر
الثلاثاء 2025/09/02
يأمل المهندس جمال السعدي في أن يساهم في إعادة إعمار سوريا كما ساهم سابقاً قبل عام 2011 في إنشاء سبعة مجابل زفتية في محافظات مختلفة، لم يبقَ منها الآن إلا واحد، شأنه شأن بعض المشاركين في معرض دمشق الدولي الذين يرون في سوريا الجديدة فرصة استثمارية كبيرة، للعودة إليها أو البدء فيها بعمل في سوق يتحمّل وجود مشاركين كثر بسبب الدمار الموجود والحاجة الكبيرة إلى مختلف الاختصاصات.
ويرى السعدي مدير المبيعات في الشركة التركية E-MAK المختصة في مجال التزفيت وكسارة الأحجار أن مجاورة سوريا والخبرة التي حازت عليها الشركة سابقاً خلال العمل على أراضيها يدعمان فرص شركته الاستثمارية في السوق السورية، وخصوصاً لجهة نقل المعدات وإجراء الصيانة وتوريد قطع التبديل، كما أن سمعة منتجهم تضاهي المنتج الأوروبي. وهذا له دور كبير في حصولهم على فرص استثمارية كبيرة وواعدة.
شركات في معرض دمشق (المدن)
الأقربون أولى بالفرص
ومن الحدود المجاورة الأخرى لسوريا تشارك عدة شركات أردنية متخصصة في البنية التحتية والإسمنت والصناعات المعدنية والتكنولوجيا والمواد الكيميائية التي تدخل في عمليات البناء.. الخ. ويؤكد المهندس أحمد عبد القادر مدير المبيعات في الشركة الوطنية للكوابل والأسلاك الكهربائية في الأردن أن مسافة 200 كيلومتر تفصل مصنعهم في مدينة الزرقاء عن العاصمة دمشق، وأنّ مدة ساعتين كفيلة بوصول منتجاتهم إلى السوق، بما في ذلك الوقت الذي تتطلبه الأمور الجمركية، ناهيك باتفاقية التجارة الحرة العربية المشتركة التي تعفيهم من الضرائب. وكل ذلك يجعل فرص شركته التنافسية، والشركات الأردنية، أكبر في السوق السورية من الشركات الأخرى.
وبيّن عبد القادر بأنّ شركته كانت تزود سابقاً السوق السورية بمنتجاتها، وهي تسعى الآن إلى إعادة ذلك من خلال وكلاء لها في سوريا.
ومن اختصاص آخر، المهندس شادي الداغا، وهو المدير العام لشركة الرائد للصناعات المعدنية المتخصصة بصناعة البناء الجاهز الحديدي البديل من النظام البيتوني، أضاف ميزات تنافسية أخرى تجعل فرص شركته الاستثمارية كبيرة أهمها مناخ البلدين المتجاورين المتقارب، وسهولة الفك والتركيب وخفة الوزن والسرعة في التصنيع والنظام الصديق للبيئة. وأضاف: “وفق النظام الجديد يمكن بناء 150 متراً مربعاً في 10 أيام، وهذه السرعة مفيدة في بلد يسعى إلى إعادة الإعمار بأسرع وقت”، مؤكداً جهوزية شركته لإقامة عينة (فيلا) في أي مكان من دمشق لمعاينتها.
أمن تكنولوجي يشجع الاستثمار
وبالنظر إلى كون المعلومات وأمنها من أهم جوانب إعادة الإعمار وجذب الاستثمار وفق المهندس مؤيد أبو صريخ المدير التنفيذي في شركة لودي الأردنية، فإنّ القيمين عليها يجدون فرصتهم الاستثمارية، من خلال تقديم خدمات تكنولوجية وخصوصاً الأمن السيبراني والشبكات التحتية التي تخدمه، وكذلك شبكات إدارة المستشفيات وأمن المصارف، مبيناً أن سوريا في حاجة إلى أن تكون أكثر أمناً من حيث المعلومات التكنولوجية، معتمدين في شركتهم على خبرة في العمل في المناطق التي تعرضت لظروف مشابهة مثل العراق وأربيل.
الجناح السعودي معرض دمشق (المدن)
جديد الاستثمار السعودي
أحد أشكال الاستثمار السعودي الذي دخل البلاد حديثاً يظهر نفسه من خلال مشاركته في معرض دمشق الدولي، إذ يبيّن المهندس حسام عبد الحافظ مدير تطوير أعمال في شركة المُنى السعودية، إحدى الشركات الرائدة على مستوى الشرق الأوسط بالمنتجات البلاستيكية، أنّ مشاركتها هي الأولى لكنها تهدف للدخول إلى السوق السورية بقوة لأنّها سوق واعدة، مستنداً على ميزات منتجات شركته التي تتصف بالجودة العالية والسعر التنافسي والأهم التقنيات الحديثة التي سوف تشكل إضافة في السوق السورية، حسب تعبيره.
بينما يرى عمران خلف، من شركة الروّاف للمقاولات، أن سوريا أرض خصبة للاستثمار وأنّ هناك عدة اتفاقيات قيد المداولة مع عدة جهات في سوريا، مؤكداً أن لشركتهم اليد الطولى في إعادة الإعمار فيها بفضل خبراتهم التي تمتد لأكثر من 30 سنة في جميع قطاعات المقاولات المختلفة.
رؤية استثمار جزائرية
ونظراً إلى حاجة سوريا الكبيرة إلى إعادة تأهيل الشبكة الكهربائية وهيكلة وبناء محطات التوليد، يقول “الأخ محمد” -كما عرّف عن نفسه: رأينا في شركة سايغ الفرع الصناعي لمجمع سونلغاز فرصةَ كبيرةً لتقديم خدماتنا وعرض قدراتنا في خدمة سوريا وإعادة بنائها، ولاسيّما في قطاع الطاقة، وخصوصاً الكهرباء، لافتاً إلى أن شركته هي الجهة الوحيدة تعمل بقطع تصنيع محطات الكهرباء والغاز في الجزائر، ما يدلّ على الخبرة والمهنية التي تملكها.
الاستثمار في الإعمار المالي
ولأن الاستثمار في الموارد المالية من أهم الأمور التي تحتاج إليها أي دولة خلال عملية بنائها جنباً إلى جنب مع إعادة إعمار المباني وعودة رؤوس الأموال، فإنّ شادي حمدو مدير المبيعات في شركة APC المتخصصة بالأسواق المالية العالمية يؤكد أنّ مشاركته في معرض دمشق الدولي غايتها المساهمة في إعادة إعمار سوريا من خلال الجانب المالي.
ويتمنى حمدو من الحكومة -كما تمنى في لقاءاته مع البعض سابقاً- إصدار التشريعات اللازمة التي تواكب هذه الأعمال والخبرات التي حملها المغتربون السوريون معهم من بلاد المهجر، لأن الحاجة كبيرة إلى مواكبة الركب العالمي في هذا الاختصاص
==================
تحديث 01 أيلول 2025
——————————-
أحمد الشرع وعصر التنمية/ كيف تصبح سوريا حلقة وصل بدلا من ساحة صراع؟
آخر تحديث 31 أغسطس 2025
في كل حديث للرئيس السوري أحمد الشرع في الأشهر الأخيرة، تتكرر كلمة واحدة: “التنمية”. يريد أن يضعها عنوانا وأولوية لحكومته، وبوابة لإعادة وصل سوريا بمحيطها لتصبح حلقة وصل بدلا من ساحة صراع، مقتنعا بأن العصر اليوم هو عصر التنمية، ويريد لبلاده الخارجة من الركام وما سببته سنوات الحرب من جروح عميقة، أن تكون جزءا من هذا العصر، ومن حركة التاريخ.
في الجلسة الخاصة التي جمعتني وشخصيات إعلامية عربية بالرئيس الشرع قبل أيام، غابت الأيديولوجيا والشعارات، وطغت على الحديث الذي استغرق ساعتين، قضايا واقعية واقتصادية. وحول سيرته الشخصية، قال: “لست امتدادا للأحزاب الإسلامية سواء التنظيمات الجهادية أو الإخوان المسلمين، ولست مؤيدا لـ(الربيع العربي)”.
قد ترمي هذه العبارة إلى إرسال رسائل طمأنة إلى دول عربية قلقة من ماضيه “الجهادي”، لكن واقع الحال أن باقي حديثه يدل على التحول الكبير. بالنسبة إليه، كل مرحلة تحكم بظروفها ومعاييرها، فقد ذهب إلى العراق قبل الغزو الأميركي في 2003 وسجن في 2005 ثم خرج وعاد إلى سوريا. بعد اندلاع الثورة، ركز كل القتال ضد النظام السوري، كما حاربت قواته “داعش” وحصلت اشتباكات كثيرة قتل فيها حوالي ألفي شخص من قواته، فأصبح هو “المستهدف رقم واحد لـ(داعش)”.
كانت هناك معضلة بعد سقوط الأسد نهاية العام الماضي. شاركت في القتال ضده، إلى جانب قوات النظام، ميليشيات عراقية و”حزب الله” اللبناني بدعم من إيران. لم يذهب الشرع إلى التصعيد مع بغداد وبيروت، بل قرر “تصفير المشاكل” مع الجوار بطي صفحة الماضي ومخاطبة المستقبل بالمصالح والبحث عن المشتركات. وعندما سئل عن لبنان، تحدث عن “قهر الجغرافيا” وتجاوز “الجروح” التي فتحها “حزب الله” في سوريا وقرر “فتح صفحة جديدة بيضاء” عبر “دخول البيوت من أبوابها” فتحدث إلى الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، وركز على ضرورة استفادة لبنان من “الهبة الاقتصادية الكبيرة” في سوريا.
ينطبق الأمر ذاته على العراق. فرغم تدخل ميليشيات عراقية في سوريا- بل إن بعضها كان يقابل قواته على خطوط التماس شمال سوريا- فإنه قرر تجاوز جروح المعارك وأرسل رسائل طمأنة إلى بغداد بعد تحرير حلب في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي. فالتقط رئيس الوزراء محمد شياع السوداني الرسالة، واكتفى بقرار حماية الحدود. اللافت أنه عندما أراد تقييم السوداني، قال: “أنا أتابع سياسات السوداني، إنه شخص يهتم بالتنمية”. واتخذ قرارات كثيرة لتشجيع الاستثمار ودفع الإنتاج بمشاريع جريئة تلفت الأنظار. وهو عاكف على بناء الجسور بين البلدين خطوة-خطوة.
اهتمام الشرع بالملف الاقتصادي واضح أيضا في تعاطيه مع الشأن الداخلي. هناك رغبة وقرار لاستثمار موقع سوريا الجغرافي وطاقاتها، لجعلها عقدة ربط إقليمية ودولية. هناك رغبة في خلق مصالح اقتصادية وجيوسياسية لدول كثيرة وربط مصالحها بدعم الاستقرار، لتصبح سوريا نقطة تعاون بدلا من ساحة صراع. تحدث بالتفصيل عن مشاريع ربط مينائي طرطوس واللاذقية بموانئ عربية، وتصدير النفط العراقي عبرهما، ومد سكك حديد وخطوط الغاز من الخليج إلى تركيا، وتحويل سوريا أيضا عقدة ربط لخطوط الإنترنت وتقديم حلول لمشاكل الأزمة في سلاسل التوريد.
كل هذا يقوم تحت مظلة الانتقال من “ثقافة اقتصادية شرقية إلى ثقافة اقتصادية غربية”، أي الاعتماد على القطاع الخاص في “تحقيق النهضة الاقتصادية” وتركيز دور الدولة على التنظيم بدل الملكية.
لا شك أنه في موازاة تلك الرؤية الطموحة هناك حاجة لمعالجة ملفات أخرى لا تقل أهمية، تخص وحدة سوريا ومستقبل المفاوضات مع شرق الفرات حيث الثروات الاستراتيجية وملفي الساحل والسويداء والمفاوضات مع اسرائيل وترتيبات الجنوب.
وفي موازاة المشاريع الكبيرة التي تضمنت مذكرات تفاهم في مجالات الطاقة والإعمار والنقل لمشاريع استراتيجية، هناك حاجة لضمادات وجرعات لمعالجة ملفات داخلية. فبعد 14 سنة هناك 15 مليون مهجر بين لاجئ ونازح، و4 ملايين منزل مهدم وعائلات مليون قتيل و140 ألف مغيّب، ومليونا جريح، ودمار كبير في البنية التحتية. وكما قال أحد الخبراء: “مع المترو نريد الميكرو”، أي بالتوازي مع التفكير في بناء مترو استراتيجي لدمشق نريد توفير إمكانية استخدام الحافلات لعموم الناس.
هناك قناعة بأن ميزة طبعت كل عصر. هناك عصر السحر وعصر الطب وعصر الأدب. أما عصرنا فهو عصر التنمية والأرقام. التحدي هو وضع سوريا الجريحة والطموحة في عصر التنمية.
المجلة
—————————–
الكهرباء في سوريا… إرث ثقيل والرهان على حلول براغماتية ومستدامة/ جيسي ماركس
الجغرافيا عامل جذب للقوى الإقليمية لإعادة دور البلاد كممر للطاقة نحو أوروبا
آخر تحديث 31 أغسطس 2025
بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب، عم الخراب قطاع الطاقة في سوريا، والمنافسة على إعادة البناء انطلقت بالفعل. فمع رحيل بشار الأسد، عاد الاهتمام بقطاع النفط والغاز إلى الواجهة، وفي الوقت نفسه، بدأت تتبلور ثورة هادئة أنابيب في مجال الطاقة الشمسية على المستوى الشعبي. واليوم تقف البلاد عند مفترق طرق في مجال الطاقة: هل سيرتكز تعافيها على النفط والغاز، أم أنها ستغتنم الفرصة للاتجاه نحو الطاقة المتجددة وبناء منظومة أكثر مرونة واستدامة؟
الخراب يعم قطاع الطاقة
دمرت الحرب الأهلية السورية البنية التحتية التقليدية للطاقة في البلاد، وأضعفت كثيرا قدرتها على استخراج الوقود الأحفوري وتكريره وتوزيعه. قبل النزاع، كان قطاعا النفط والغاز في سوريا يشكلان عماد الاقتصاد الوطني ومصدرا رئيسا لإيرادات الدولة. لكن الحرب أحدثت انخفاضا حادا في القدرة الإنتاجية. فهبطت القدرة على توليد الكهرباء من 9.5 غيغاواط إلى 1.6 غيغاواط فقط، في حين قدرت خسائر البنية التحتية في قطاع الكهرباء وحده بنحو 40 مليار دولار. وشهدت المزايا الجيوسياسية التي كانت تتمتع بها سوريا ذات يوم بوصفها مركزا إقليميا للطاقة، تراجعا كبيرا بسبب عدم الاستقرار والانقسام الداخلي بين مختلف المناطق، ما زاد صعوبة استعادة ممرات الطاقة الآمنة أو جذب الاستثمارات الخارجية. واليوم، تتوقف استعادة دور سوريا في تدفقات الطاقة الإقليمية على آفاق الأمن والاستقرار الاقتصادي وإعادة الإعمار المادي على المدى الطويل، وليس هناك ما يضمن تحقق أي منها.
منحت السلطات السورية الجديدة الأولوية لإعادة بناء قطاع الطاقة. وفي مارس/آذار الماضي، استحدثت وزارة الطاقة الجديدة بعد دمج وزارات الكهرباء والنفط والثروة المعدنية والموارد المائية. مع ذلك ستمضي مدة من الوقت قبل أن تتمكن السلطات الجديدة من إنشاء هيئة وطنية تنظيمية فعالة وقادرة على إدارة سياسات الطاقة، والإشراف على إعادة إعمار البنية التحتية لإنتاج الطاقة في سوريا، ومتابعة تدفق المستثمرين الأجانب الراغبين في استكشاف الفرص في قطاع الطاقة. لكن إعادة بناء الأصول المادية، مع أنها من الخطوات الأولى الأساس، ليست سوى نصف الطريق. أما نصفها الآخر الذي لا يقل أهمية وإلحاحا، فهو إعادة بناء منظومة الحوكمة لإدارة موارد الطاقة وتوزيعها بعدالة.
اعتمد نظام الأسد قبل سقوطه اعتمادا شبه كامل على الوقود المستورد من إيران، والنفط المهرب الذي تبيعه جهات فاعلة غير حكومية عبر خطوط النزاع، والطاقة الشمسية للحفاظ على استمرار توفر الكهرباء. ومع تعذر الوصول إلى حقول النفط في شرق البلاد، حاول الأسد وضع استراتيجيا وطنية للطاقة المتجددة لمعالجة العجز المتزايد في الكهرباء. ففي عام 2024، أعلنت الحكومة خططا لتطوير 2500 ميغاواط من الطاقة الشمسية و1500 ميغاواط من طاقة الرياح في حلول عام 2030، وزعمت أنها تمكنت من ربط نحو 100 ميغاواط من الطاقة الشمسية بالشبكة الوطنية.
وسعى وزير الكهرباء في حكومة الأسد للحصول على الدعم من “الدول الصديقة” مثل الصين لدعم مشاريع جديدة، بما في ذلك إنشاء مزرعة رياح بقدرة 200 ميغاواط في حمص ومناطق أخرى غنية بالرياح. غير أن تلك الاستراتيجيا ظلت في إطار الأمنيات إلى حد كبير بسبب القيود المالية وانقسام منظومة الحكم.
الوقود الأحفوري أم الطاقة المتجددة؟
رحل الأسد الآن، لكن أزمة الطاقة في سوريا لا تزال قائمة، فيما يستمر أيضا تقسيم أصول الطاقة الأكثر قيمة في البلاد. ومع أن حقول النفط في شرق سوريا خضعت مدة طويلة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد، فإن اتفاق مايو/أيار 2025 بين السلطات السورية وقيادة “قسد”، أعاد الى الحكومة المركزية السيطرة على عدد من الحقول الرئيسة. وقد فتح هذا التحول الباب أمام سلسلة من صفقات الطاقة الجديدة الرامية إلى إنعاش قطاع الوقود الأحفوري في البلاد. وفي مايو/أيار، أعلن كونسورتيوم تقوده قطر، حزمة طاقة بقيمة 7 مليارات دولار لتوليد نحو 4000 ميغاواط من الكهرباء بالغاز و1000 ميغاواط من الطاقة الشمسية. وتلت ذلك لاحقا خطة تدعمها قطر لتزود الوقود الأذربيجاني لتحسين إنتاج الكهرباء في شمال سوريا.
في غضون ذلك، تدرس سوريا أيضا مشروعا مشتركا محتملا مع شركات طاقة أميركية كبرى —أطلق عليه مبدئيا اسم “سيري يو إس إنرجي” (SyriUS Energy) لإعادة تأهيل البنية التحتية للنفط والغاز وضمان الحصول على الطاقة بأسعار ميسورة. وبموجب هذا الاقتراح، ستمتلك سوريا حصة مقدارها 30 في المئة من خلال صندوق سيادي للطاقة. وتشير هذه الصفقات إلى استمرار هيمنة الوقود الأحفوري على أجندة إعادة الإعمار في سوريا، لكن إدراج الطاقة الشمسية في الاتفاق القطري يمثل تحولا ملحوظا. وتبدو هذه الترتيبات الهجينة حاليا استثناء وليست قاعدة، مع أن على صانعي السياسات في سوريا تجنب منح الأولوية للحلول السريعة، كالاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري، على حساب الاستدامة على المدى الطويل.
لا تزال الجغرافيا السورية عامل جذب للقوى الإقليمية الراغبة في إعادة تشكيل مسارات تدفق الطاقة. فإذا عاد الاستقرار، يمكن أن تستعيد البلاد دورها بوصفها ممرا رئيسا يربط المنتجين بالأسواق الأوروبية. وقد اقترحت تركيا توسيع “خط أنابيب الغاز العربي” عبر غرب سوريا لتوفير بديل لطرق شحن الغاز الطبيعي المسال ومواجهة “منتدى غاز شرق المتوسط”، وهو تحالف طاقة إقليمي يضم مصر وإسرائيل واليونان وقبرص. غير أن الطموحات المتداخلة تنطوي على أخطار قد تجعل من سوريا ساحة سباق على النفوذ الخارجي. وقد يؤدي ذلك إلى تأثر طرق عبور الطاقة بالتنافس الاستراتيجي أكثر من تأثره باستراتيجيات التنمية المتماسكة أو تنويع مصادر الطاقة.
في الوقت نفسه، لا يزال الوصول إلى الطاقة داخل سوريا يتسم بقدر كبير من عدم المساواة. ففي حين استطاعت بعض الأسر وأصحاب الأعمال في المدن تركيب الألواح الشمسية أو الاستثمار في أنظمة احتياطية، فإن العديد من المجتمعات الريفية والسكان النازحين والمستوطنات غير الرسمية لا تزال محرومة من هذه المكاسب. فالحياة اليومية لملايين الأشخاص تعتمد على مولدات الديزل والكهرباء غير الموثوق بها، مما يساهم في زيادة التلوث والاعتماد على الوقود. وما لم تمنح خطط التعافي في مجال الطاقة الأولوية الصريحة للمجتمعات المهمشة، فإنها تخاطر بتعميق عدم المساواة القائمة وتعزيز خطوط الانقسام نفسها التي أذكت الصراع.
نحو استراتيجيا وطنية للطاقة المتجددة
في مايو/أيار 2025، أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وحكومة النروج “الخطة الرئيسة للطاقة المتجددة” لتوجيه تعافي سوريا في مجال الطاقة. وستسعى الخطة في السنة المقبلة لتقييم احتياجات البلاد المستقبلية من الطاقة، وتحديد مقدار ما يمكن الحصول عليه بواقعية من مصادر متجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتقديم توصيات بالإصلاحات التي يجب إدخالها على القوانين والسياسات العامة لتمكين التحول إلى الطاقة النظيفة. وتحدد الخطة اثني عشر مجالا تحظى بالأولوية، من بينها توسيع نطاق الحصول على الكهرباء، وتقليل واردات الوقود، واستحداث وظائف في مجال الطاقة النظيفة، وتجنب إهدار الاستثمارات في البنية التحتية القديمة. وتقدّم أيضا إرشادات لدمج مصادر الطاقة المتجددة في شبكة الكهرباء القائمة وتضع معايير لتتبع التقدم. كما يعمل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع المؤسسات والجامعات المحلية لتدريب جيل جديد من المهنيين في الطاقة المتجددة.
يقدم التحول في مجال الطاقة في سوريا من القاعدة إلى القمة ميزة نادرة، على الرغم من جسامة التحديات. فبدلا من انتظار إعادة بناء الشبكة المركزية، تستطيع البلاد الاستفادة من هذه الأنظمة لتجربة تقنيات منخفضة التكلفة يمكن تكييفها ومصممة خصيصا للبيئات الهشة، وهي نماذج ربما توفر دروسا لدول أخرى متأثرة بالنزاعات. لقد دفعت سنوات من فشل الشبكة والدمار الذي أحدثته الحرب العديد من الأسر والشركات على اللجوء إلى الألواح الشمسية لتوفير الكهرباء، مما أوجد قاعدة شعبية للطاقة المتجددة لا تكاد تشاهد في البلدان الأخرى الخارجة من الصراع.
ومع أن هذه البنية التحتية المرتجلة محدودة بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، فإنها وضعت الأساس لنموذج لامركزي للطاقة. وساعدت المشاريع الصغيرة التي يمولها القطاع الخاص أو المنظمات غير الحكومية في إنشاء منظومة من الوحدات الشمسية اللامركزية المنزلية. ففي شمال غرب سوريا على سبيل المثل، أنشئت شبكات غير رسمية من عمال تركيب الألواح الشمسية، وبائعي البطاريات، وفنيي الصيانة منظومة هشة لكنها تتسم بفعالية كبيرة. وعلى الرغم من غياب التنظيم الرسمي لهذه السوق المحلية للطاقة النظيفة، فإنها أثبت قدرتها على التكيف والابتكار في ظل ظروف الحرب. ويمكن أن يؤدي دعم هذه الجهات، من طريق التدريب أو التمويل المتناهي الصغر أو التكامل مع برامج التعافي الرسمية، إلى تعزيز انتقال سوريا إلى الطاقة المتجددة من القاعدة إلى القمة ويضمن ألا يكون التعافي خارجيا فحسب.
هل سيكون التعافي مرتكزا على الوقود الأحفوري؟
يشكل التخلص من الكربون في سياقات ما بعد النزاع تحديا بالغ الصعوبة، إذ تواجه الحكومات الخارجة من الحرب في الغالب مطالب مالية ملحة، وقدرات مؤسسية محدودة، وضغوطا سياسية شديدة لإعادة الخدمات الأساسية. وهذه الظروف تدفعها إلى تفضيل الحلول السريعة والمألوفة للوقود الأحفوري على بدائل الطاقة المتجددة التي تتسم بالبطء وتتطلب رؤوس أموال كبيرة.
وفي حالة سوريا، حيث لا تزال الحوكمة هشة والوصول إلى التمويل محدودا، قد يكون الانتقال إلى الطاقة النظيفة طموحا على المدى الطويل وليس أولوية فورية للسلطات المحلية. فلا يزال قطاع الوقود الأحفوري يهيمن على الواقع الاقتصادي في سوريا. ومع أن البنية التحتية للنفط والغاز قديمة ومتضررة وتفتقر إلى الكفاءة، فإنها تقدم للدولة أسرع طريق للحصول على دخل يتيح لها إعادة بناء مؤسساتها الناشئة وتوسيع نطاق تقديم الخدمات. وذلك يحدث تعارضا أساسيا بين تلبية الحاجة الفورية إلى الطاقة والإيرادات والحاجة على المدى الطويل إلى بناء مستقبل طاقة مستدام وآمن.
سيكون تنويع الاستثمارات الدولية عاملا حاسما لضمان عدم اعتماد سوريا بشكل مفرط على الوقود الأحفوري في المستقبل. وقد يوفر هذا المزيج من الاهتمامات الإقليمية مجالا أمام تبني مجموعة أوسع من استراتيجيات الطاقة. ففي دول أخرى خارجة من النزاع، مثل سري لانكا ورواندا، قدمت المساعدات الخارجية المقترنة ببرامج الطاقة المتجددة مساهمة كبيرة في إعادة بناء البنية التحتية المحلية وتوسيع نطاق الوصول إلى الكهرباء. في سري لانكا، ساعد التركيز على برامج الطاقة المتجددة، مثل “برنامج الطاقة الشمسية والشبكات الصغيرة في المناطق الريفية”، البلاد في تحقيق كهربة بنسبة 100 في المئة تقريبا خلال عشر سنوات من انتهاء الحرب الأهلية.
وفي رواندا، أدى توسيع شبكة الكهرباء إلى زيادة وصول الكهرباء إلى المنازل من 6 في المئة فقط في عام 2009 إلى أكثر من 75 في المئة في عام 2024، بفضل مزيج من مصادر الطاقة المتجددة والتقليدية. وتستطيع سوريا اعتماد نماذج مماثلة وتكييفها بتوفير التنسيق والدعم المناسبين.
الطريق للمضي قدما
الطريق إلى الأمام ليس سهلا على الإطلاق، إذ يتسم مشهد الطاقة في سوريا بسلوك مسارين متوازيين: مشاريع واسعة النطاق تتطلب رؤوس أموال كبيرة، مثل صفقة الكونسورتيوم القطري من جهة، والجهود الشعبية القائمة على الطاقة الشمسية من جهة أخرى. القيود الاقتصادية لا تزال شديدة مع أن العقوبات قد رفعت. وستتمكن سوريا قريبا من الحصول على تقنيات الطاقة المتجددة، لكنها ستفتقر إلى القدرة المالية لتوسيع نطاق استخدامها. ومع ذلك، قد تكون البلاد في وضع فريد يمكّنها من الاستفادة من البنية التحتية الشمسية التي تطورت مصادفة لرسم مسار للطاقة أكثر شمولا وقابلية للتكيف.
سيتطلب ذلك تخطيطا يأخذ الحساسية السياسية في الحسبان. فالقرارات المتعلقة بالطاقة في مرحلة ما بعد النزاع، وخاصة المشاريع التي توضع من أعلى إلى أسفل، ويعتقد أنها تحابي فئات محددة، يمكن أن تفاقم التوترات. لذا على القادة الجدد في سوريا صوغ استراتيجيا تضمن عدالة التوزيع وتتجنب تكرار أخطاء المركزية السابقة. ومع أن التخلص الكامل من الكربون خيار متاح للدول الغنية، فإن الوقود الأحفوري لا يزال أسرع وسيلة لتحقيق الإيرادات في سوريا. وذلك يزيد أهمية اتباع أساليب أنظف للاستخراج ونماذج هجينة منذ البداية. كما أن دخول الشركاء الخليجيين، وخاصة قطر، لا يتيح الفرصة فحسب وإنما المسؤولية أيضا للاستثمار في نهج أكثر ذكاء واستدامة.
ستشكل البراغماتية في النهاية مستقبل الطاقة في سوريا بعد الحرب. ومن المرجح على ما يبدو أن يكون الوقود الأحفوري ركيزة أساسية للتعافي في المستقبل المنظور. لكن قد تتمكن سوريا من صوغ نموذج هجين للطاقة بفضل الابتكارات الشعبية في مجال الطاقة الشمسية، والاهتمام الدولي المتجدد، والاعتراف المتزايد بالحاجة إلى إعادة إعمار تراعي المناخ. وإذا أدير هذا النموذج ببصيرة وتوازن، فربما يصبح مثالا تحتذيه دول أخرى هشة ومتأثرة بالصراع تسير في طريق الانتقال المعقد من البقاء إلى الاستدامة.
المجلة
———————————–
واشنطن بوست: أسوأ موجة جفاف منذ عقود تهدد تعافي سوريا
05 أيلول 2025
أفاد تقرير لواشنطن بوست الأميركية أن أجزاء واسعة من شرق البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط تواجه أسوأ موجة جفاف منذ عقود، إذ تجف الأنهار والبحيرات، وتذبل المحاصيل الزراعية، فيما تعاني المدن الكبرى من انقطاعات في المياه تمتد لأيام.
وذكرت الصحيفة أن الوضع الأكثر مأساوية تتعرض له سوريا، إذ يقول الخبراء إن معدلات هطول الأمطار في تراجع منذ عقود، فيما تحاول الحكومة الوليدة أن تعيد لحمة البلاد بعد حرب طاحنة استمرت 14 عاما تاركة ملايين السوريين في حالة صعبة.
وقال المزارع منصور محمود الخطيب إنه لم يكن يستطيع خلال الحرب الوصول إلى مزرعته في ضاحية السيدة زينب بدمشق، لأن مقاتلي حزب الله اللبناني -المتحالف مع الرئيس المخلوع بشار الأسد– كانوا يغلقون الطرق.
ورغم أن تلك المشكلة انتهت بعد انسحاب حزب الله إثر سقوط الأسد، إلا أن الجفاف دمر مزرعته وجفف الآبار التي كانت ترويها.
المحاصيل الذابلة
يقول جلال الحمود، مسؤول الأمن الغذائي الوطني في منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في سوريا، إن المزارعين، الذين كانوا أصلا مرهقين ماليا بسبب الحرب الطويلة، ليس لديهم القدرة على مواجهة آثار الجفاف.
وقبل الحرب كان إنتاج سوريا من القمح يتجاوز 4 ملايين طن سنويا ويغطي حاجة السكان. أما اليوم، فتقديرات وزارة الزراعة تشير إلى أن الحصاد لن يتجاوز مليون طن هذا العام، مما سيجبر الدولة على استيراد ما يصل إلى 70% من احتياجاتها.
وحذر سعيد إبراهيم، مدير التخطيط الزراعي والاقتصادي في وزارة الزراعة السورية، من أن الاعتماد الكامل على الواردات غير مستدام.
وأشار التقرير إلى أن نهر العاصي في إدلب جف لأول مرة، وظهرت الأسماك النافقة على مجراه، بينما تراجع منسوب المياه الجوفية أكثر من 10 أمتار خلال أشهر قليلة.
ويرى خبراء المناخ أن المنطقة بأسرها تواجه خطرا متزايدا مع استمرار التغير المناخي الذي يجعلها أكثر جفافا عاما بعد آخر. ويحذرون من أن غياب إجراءات عاجلة، مثل تخزين مياه الأمطار والتحول إلى محاصيل مقاومة للجفاف وتطوير أنظمة ري فعالة، قد يجعل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية غير صالحة للزراعة في العقود المقبلة.
وصرح مضر ديوب، المتحدث باسم وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، أن محصول القمح هذا العام لن يكفي لأكثر من شهرين أو ثلاثة، وأن الحكومة تعتمد حاليا على توقيع عقود لاستيراد القمح من الخارج وعلى التبرعات، بما في ذلك من العراق المجاور.
ونقلت الصحيفة عن وكالة أسوشيتد برس قولها إن الجفاف ليس وحده سبب الأزمة الكبرى في سوريا، فهناك أيضا كلفة إعادة إعمار ما دمرته الحرب.
أزمات مترابطة
على أن الأزمة المائية لا تقتصر على الداخل السوري. ففي لبنان -تفيد الصحيفة الأميركية- تقلصت بحيرة القرعون إلى بركة صغيرة بعد شتاء جاف غير مسبوق، ما حرم سوريا من جزء من حصتها في المياه العابرة للحدود.
ويشكّل سد نهر الليطاني في سهل البقاع اللبناني بحيرة القرعون، وهي خزان مائي يمتد على نحو 12 كيلومترا مربعا.
وعادة ما يتدفق إلى البحيرة نحو 350 مليون متر مكعب من المياه في موسم الأمطار، وهو ما يغطي ثلث احتياجات لبنان السنوية، لكن هذا العام لم يتجاوز التدفق 45 مليون متر مكعب، بحسب التقرير.
وقد زادت أزمة المياه في لبنان من تفاقم الجفاف في سوريا، التي تعتمد جزئيا على الأنهار القادمة من جارها الغربي، وأكبرها نهر العاصي، توضح واشنطن بوست.
وقالت الصحيفة إن الدول المتضررة بحاجة لاتخاذ خطوات للتخفيف من الأثر السلبي للجفاف، مثل تعزيز تخزين مياه الأمطار، والانتقال إلى زراعات أكثر تحملا للجفاف، واستخدام أنظمة ري أكثر كفاءة حتى لو كانت بسيطة.
المصدر: واشنطن بوست
——————————
أسوأ موسم منذ عقود.. هل يحل القمح العراقي أزمة سوريا؟/ حسن إبراهيم
2025.09.05
مرّ محصول القمح في سوريا بأحد أسوأ مواسمه هذا العام، إذ لم يصل حجم الإنتاج إلى ربع الحاجة المحلية، متأثراً بجفاف حاد وقلة الأمطار، وعوامل اقتصادية منها ارتفاع تكاليف الزراعة، وصعوبة إتمام السقاية.
وسبق الموسم ورافقه تحذيرات من “منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة” (FAO) بأن سوريا تشهد أسوأ موسم زراعي منذ نحو 60 عاماً، بسبب جفاف غير مسبوق أثر على حوالي 2.5 مليون هكتار من أراضي القمح.
وفي محاولة لتحفيز مزارعي القمح، حددت الحكومة السورية سعر شراء الطن من الفلاحين بـ450 دولاراً أميركياً، متضمناً مكافأة تشجيعية، وهو الأعلى منذ سنوات.
وشهدت الأشهر الماضية توقيع عقود استيراد، ووصول كميات من القمح من روسيا والعراق، عقب سقوط نظام بشار الأسد، مع إبداء عدة دول استعدادها تزويد سوريا بالقمح.
في هذا التقرير، يسلط موقع “تلفزيون سوريا” الضوء على موسم القمح في سوريا لعام 2025، وظروف المحصول، وكمية الإنتاج، والحاجة الفعلية، والخيارات لسد النقص.
القمح في سوريا محصول استراتيجي
يعتبر القمح من المحاصيل الاستراتيجية في سوريا، فقد تجاوز متوسط الإنتاج السنوي بين عامي 1990 و2010 أكثر من أربعة ملايين طن، وبلغ الإنتاج ذروته في عام 2006، مسجلاً 4 ملايين و900 ألف طن.
وكان متوسط الاستهلاك المحلي حوالي مليونين و500 ألف طن، مما وفر فائضاً للتصدير يتراوح من مليون و200 ألف طن إلى مليون و500 ألف طن، وفقاً للمكتب المركزي للإحصاء.
وبعد عام 2011، اعتمدت حكومة النظام المخلوع على روسيا في تأمين القمح من خلال اتفاقيات ثنائية نادراً ما كُشف عن تفاصيلها، أو عبر مناقصات أعلنتها المؤسسة العامة للحبوب لشراء القمح.
وتلقّت حكومة النظام المخلوع كميات من القمح الروسي تحت مسمى “مساعدات”، كما أشارت تقارير إلى أن روسيا سرقت قمحاً من أوكرانيا وأرسلت جزءاً منه إلى سوريا.
أما في مناطق شمال شرقي سوريا، التي تعد خزان القمح السوري، فتشتري “الإدارة الذاتية” المحصول من الفلاحين، وتصدر الفائض منه إلى حكومة النظام، مع بعض المحاولات إلى العراق.
وبالنسبة لمدينة إدلب حيث كانت تسيطر “حكومة الإنقاذ”، وأرياف حلب حيث كانت تسيطر “الحكومة المؤقتة”، فكان إنتاج القمح لا يسد الحاجة، ويجري الاستيراد عبر المنافذ الحدودية مع تركيا.
وخلال السنوات الماضية، لم تكن أسعار القمح مرضية أو ملبية لتوقعات المزارعين في جميع أنحاء سوريا، إذ كانت لا تغطي تكاليف الإنتاج، ما دفع العديد منهم إلى العزوف عن زراعة القمح والتوجه إلى زراعات ثانية.
الجفاف أنهك الموسم الحالي والأسعار لم تعوّض
زرع عماد السلامة 120 دونماً من القمح في مدينة رأس العين شمال غربي الحسكة هذا العام، ولم ينتج الدونم سوى 150 كيلوغراماً من القمح، رغم أن الأرض مروية، لكنها تأثرت بالجفاف وقلة الأسمدة، وعدم كفاية المياه الجوفية لري المحصول.
ويقول عماد (43 عامًا) لموقع “تلفزيون سوريا” إن الإنتاج المطلوب لتغطية تكاليف الزراعة يجب أن لا يقل عن 350 كيلوغراماً للدونم الواحد، ما يعني أنه خسر أكثر من 60% من قيمة التكاليف.
ويضيف أن الأسعار التي أعلنتها الحكومة السورية كانت جيدة وتشجع على الزراعة، غير أن ضعف الإنتاج وغياب الدعم لم يتركا هامش ربح للمزارع.
وتنطبق حالة محصول المزارع عماد على مناطق واسعة في سوريا، منها سهل الغاب في ريف حماة، حيث تراجعت نسبة تنفيذ خطة زراعة القمح فيها إلى 83%، نتيجة لعوامل متعددة، أبرزها الجفاف، وتهجير الفلاحين من قبل النظام المخلوع، وسرقة معدات الري.
وفي حزيران/يونيو الماضي، حددت وزارة الاقتصاد أسعار شراء طن القمح من المزارعين بـ320 دولاراً وينخفض إلى 290 دولاراً حسب الدرجة والنوعية، وذلك للقمح المسلّم إلى مراكز المؤسسة السورية للحبوب.
وبموجب مرسوم رئاسي، يُمنح المزارع مكافأة تسويق قدرها 130 دولاراً عن كل طن يتم تسليمه، ما رفع السعر الفعلي للطن إلى 450 دولاراً.
واعتبر مدير عام المؤسسة السورية للحبوب، المهندس حسن عثمان ، أن تسعير شراء القمح والمكافأة، مبادرة من الحكومة لتحفيز الفلاحين وتشجيعهم على الاستمرار في زراعة القمح خلال المواسم القادمة.
ويقول المهندس حسن عثمان لموقع “تلفزيون سوريا” إن المؤسسة تسلّمت من المزارعين 373 ألف طن من القمح في موسم 2025، مؤكداً أن إنتاج القمح ضعيف وظهرت نتائجه مبكرة أول الموسم.
من جهة ثانية، حددت “الإدارة الذاتية ” المسيطرة على شمال شرقي سوريا سعر طن القمح بـ420 دولاراً متضمناً دعماً مباشراً بقيمة 70 دولاراً على كل طن، وتسلّمت هذا العام حوالي 300 ألف طن.
وبالاعتماد على المعلومات التي حصل عليها موقع “تلفزيون سوريا” من الحكومة، وما أعلنته “الإدارة الذاتية”، فإن مجموع الإنتاج الذي تسلّمته الجهات الرسمية في موسم 2025 بلغ 673 ألف طن فقط، وهو أدنى رقم يُسجّل منذ عقود.
وبالعودة إلى تقرير أممي صدر عام 2018، فقد بلغ إنتاج القمح في سوريا حينها نحو 1.2 مليون طن، وكان ذلك أدنى مستوى يُسجّل منذ 29 عاماً، ما يعني أن أرقام هذا العام تمثل تراجعاً غير مسبوق في إنتاج القمح.
وحذرت “منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة” من أن التدهور الحاد في الإنتاج المحلي للقمح هذا العام يهدد الأمن الغذائي لأكثر من 16 مليون شخص، ويدفع السلطات للعودة إلى الاستيراد.
واعتبرت المنظمة أن جفاف عام 2025 الأسوأ على الإطلاق منذ ما يقرب من 36 عاماً، وتتجلى آثاره بشكل أكبر في المناطق الزراعية البعلية، وهي السلال الغذائية الرئيسية في حلب والحسكة وإدلب وحماة ودرعا وحمص والرقة وريف دمشق ودير الزور.
خيارات استيراد القمح.. بانتظار رد عراقي
بعد أيام من هروب بشار الأسد، علقت روسيا تصدير القمح إلى سوريا حتى إشعار آخر، بسبب “عدم اليقين بشأن السلطة الجديدة”، ولتأخير سداد المستحقات المالية السابقة.
وفي 20 نيسان/أبريل الماضي، وصلت إلى سوريا شحنة تبلغ 6600 طن من القمح الروسي عبر ميناء اللاذقية، وذلك لأول مرة منذ سقوط النظام، وكانت “إجراء لمرة واحدة فقط”، وليست جزءًا من خطة لاستئناف توريد القمح.
توالى بعدها وصول كميات من القمح إلى المرافئ السورية، من دون تحديد أو الإفصاح عن جهة الاستيراد، أحدثها شحنة بوزن 6600 طن أيضاً، وصلت إلى مرفأ طرطوس في 17 من أغسطس/آب الماضي، لتصل الكميات التي استقبلها المرفأ إلى 136 ألف طن، بعد سقوط نظام الأسد.
وأبدت عدة دول استعدادها تزويد سوريا بالقمح، منها بريطانيا التي خصصت نحو 3 ملايين جنيه إسترليني (نحو 3.7 ملايين دولار) لتمويل إمدادات الحبوب والمنتجات الغذائية الأخرى من أوكرانيا إلى سوريا.
وفي 27 كانون الأول/ ديسمبر 2024، أعلنت أوكرانيا تقديم مساعدات من دقيق القمح إلى سوريا بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، في حين وصلت دفعات من القمح العراقي إلى سوريا، في إطار منحة تشمل 220 ألف طن.
من جانب آخر، توقع رئيس اتحاد مصنعي الدقيق في تركيا، أرن غونهان
أولوصوي
، أن تتجاوز صادرات تركيا من دقيق القمح إلى سوريا 400 ألف طن عام 2025، مشيراً إلى أن إدلب والرقة أصبحتا مناطق تصدير بالنسبة لتركيا مؤخراً.
المدير العام للمؤسسة السورية للحبوب، المهندس حسن عثمان، يقول لموقع “تلفزيون سوريا” إن المؤسسة لا تملك محصولاً سوى لشهرين أو ثلاثة أشهر، وتعتمد حالياً على آلية توقيع عقود من أجل استيراد قمح من الخارج.
ويوضح أن المؤسسة استوردت 180 ألف طن من القمح عبر الموانئ منذ سقوط النظام حتى 14 آب/أغسطس الماضي، يضاف إليها المنحة العراقية التي تقدر بـ146 ألف طن.
ويرى عثمان أن الحل يكمن في توقيع عقود استيراد لتأمين احتياجات البلاد من القمح، مشيراً إلى أن المؤسسة السورية للحبوب قد رفعت كتاباً رسمياً إلى الجانب العراقي بهدف استيراد مليون طن من القمح.
وقد تم طرح هذا الطلب خلال زيارة وفد عراقي إلى دمشق، كما تنتظر المؤسسة حالياً الرد على طلب زيارة رسمية لمؤسسة الحبوب إلى العراق، بعد كتاب أرسلته منذ نحو 40 يوماً، وفق عثمان.
خطوة اقتصادية وسياسية نحو بغداد
بدا العراق متوجساً من الإدارة السورية الجديدة، ولم تتبلور العلاقات بين بغداد ودمشق بسرعة بعد سقوط الأسد، وكانت الزيارة الرسمية الأولى بين الطرفين، حين زار رئيس الاستخبارات العراقي، حميد الشطري، العاصمة دمشق، والتقى الرئيس السوري أحمد الشرع، في 26 كانون الأول/ديسمبر 2024.
ويسعى الطرفان إلى تعزيز التعاون في ملفات متعددة، وسط تصريحات عراقية تؤكد دعمها للعملية السياسية في سوريا، ورغبة سورية في بناء شراكة قوية تعزز الروابط بين الجارين.
وتعد الملفات الاقتصادية من أبرز مفاتيح تعزيز العلاقات بين سوريا والعراق، وتأتي زيارة وزير الطاقة السوري محمد البشير إلى بغداد في 11 آب/أغسطس الماضي كأبرز تحرك في هذا الإطار.
وبحث البشير مع مسؤولين عراقيين سبل التعاون في قطاع الطاقة، إلى جانب مشاريع استراتيجية أبرزها إعادة تشغيل خط نفط كركوك – بانياس.
الباحث بمجال الإدارة المحلية والاقتصاد السياسي في مركز “عمران للدراسات الاستراتيجية” أيمن الدسوقي، يقول إن سوريا تعاني نقصاً حاداً في إنتاج محصول القمح نظراً للظروف المناخية وانحسار سياسات دعم القطاع الزراعي، الأمر الذي دفع الحكومة السورية لتعزيز الاعتماد على خيار الاستيراد لسد العجز في إنتاج القمح.
ويشير في حديثه لموقع “تلفزيون سوريا” إلى أن روسيا ودول حوض البحر الأسود كانت خياراً مرجحاً لاستيراد القمح في السابق، إلا أن قضايا تتصل بالديون المستحقة على سوريا وتعثر سدادها، والخشية من استخدام ملف القمح كورقة تفاوضية سيما من قبل الروس في علاقتهم مع الإدارة السورية الجديدة، دفع الأخيرة للبحث عن خيارات بديلة كان منها العراق، والذي حقق للعام الثالث على التوالي فائضاً في إنتاج القمح.
وبلغت كميات القمح التي تسلّمتها السلطات العراقية من الفلاحين خلال موسم 2025 نحو 5.11 مليون طن، ما أسهم في تكوين مخزون استراتيجي يكفي لتغطية احتياجات البلاد حتى عام 2027.
ويرى الدسوقي أن توجه الحكومة السورية للعراق فيه محاولة لتوفير الوقت والكلفة فيما يتعلق باستيراد القمح، وتجنب إشكاليات لوجستية وقانونية محتملة، كذلك استخدام القمح للتعبير عن سياسة عودة سوريا لبُعدها العربي.
ولعل الأهم، بحسب الباحث، هو الاعتقاد بأن العراق يمكن أن يقدم تسهيلات فيما يتعلق بتسديد أثمان القمح، فضلًا عن وجود ملفات معينة لدى الإدارة السورية قد تشجع الجانب العراق على التعاون بالمقابل في ملف القمح.
ورغم اعتماد خيار الاستيراد كحل مؤقت في سوريا، دعت “منظمة الأغذية” إلى تدخلات زراعية عاجلة لمواجهة آثار الجفاف، تشمل تحسين الري، وتوفير المدخلات الزراعية، ودعم تغذية الماشية، وإعادة تأهيل البنية التحتية، مع التركيز على دعم مزارعي القمح لضمان إنتاج جيد في موسم 2025-2026.
تلفزيون سوريا
—————————–
الهوية والتنظيم والتشاركية اللامركزية ونجاح حملة “أبشري حوران”/ زيدون الزعبي
2025.09.05
في بلدٍ أنهكته الحرب، والاستقطاب، وانهيار الاقتصاد، يكتسب نجاح أي مبادرة محلية معنى يتجاوز حدودها الجغرافية. إذ بقدر ما تصبح هذه المبادرة مهمة على المستوى المحلي، بقدر ما تصبح فرصة لدروس متعلمة على المستوى الوطني.
جاءت حملة “أبشري حوران”، والتي انطلقت في نهاية شهر آب، واستمرت حتى الرابع من شهر أيلول 2025، مقدمةً نموذجًا حظي باهتمام محلي واسع، وبإشادة كبيرة من أغلب شرائح ومحافظات البلاد. اعتُبرت الحملة ناجحة لسببين أساسيين. فمن ناحية أولى، تمكنت الحملة من جمع ما يقرب من 50 مليون دولار، منها 40 مليونًا في اليوم الأول، متجاوزةً الرقم المعلن المستهدف، والذي كان بحدود 32 مليون دولار. ومن ناحية ثانية، ظهرت الحملة كعامل مكرّس للتماسك الاجتماعي ضمن المحافظة، بعيدة كل البعد عن الاستقطابات السياسية والاجتماعية. بالتأكيد، لا يمكن تعميم هذا الأمر خلف حدود المحافظة الإدارية، كونها ربما كرّست الشرخ مع الجارة السويداء في ظل الظرف الراهن.
بالتأكيد لا يمكن اختزال نجاح حملة “أبشري حوران” بالأرقام، ولا في حجم الموارد التي تم حشدها فقط، على أهميتهما. إذ إن الأمر الأهم – برأيي – هو أنها أعادت تعريف الممكن: نعم، يستطيع المجتمع المحلي بموارده الذاتية أن يدير استجابة منظمة تعجز عنها مؤسسات أكبر وأغنى. ونعم، يمكن للمجتمع المحلي أن يوفر موارد أكثر أهمية من تحويلات المانحين، ناهيك عن استقلاليتها وسيادتها! هذا النجاح هو رسالة بأن المجتمع، حين يُمنح المساحة والثقة، قادر على تنظيم نفسه وبناء نموذج بديل لما يمكن أن تكون عليه سوريا الغد.
ما الدروس التي تعلمناها؟
ثلاثة دروس برأيي هي الأسس: القلب أو لنقل الهوية، والعقل أو لنقل التنظيم، والربط بينهما عبر عملية تشاركية.
الدرس الأول: الهوية المحلية أو القلب
الهوية المحلية قوة جامعة تعزز الهوية الوطنية ولا تضعفها، شريطة أن تحترم الهوية الوطنية نظيرتها المحلية!
استندت الحملة إلى الجذر الفلاحي الحوراني ومعنى “الفزعة”، أي ثقافة النجدة المتأصلة في المجتمع. غير أن سر قوتها لم يكن في استدعاء الهوية المحلية فحسب، بل في تحويلها إلى هوية سورية جامعة. فاستخدام بصرى كرمز لم يكرّس الانقسام، بل وسّع دوائر الانتماء. يقول أحد المنظمين:
“كان بالإمكان الذهاب إلى الجامع العمري، لكن الجامع رمز من رموز الثورة، ونحن نريد الانتقال من الثورة إلى الدولة. من جهة أخرى، أردنا احترام المقدّس لأننا أردنا الاحتفال والغناء، فذهبنا إلى المسرح، حيث يجب الغناء والمسرح. لم نختر رمزًا يفرق على أساس ديني أو سياسي، أردنا رمزًا جامعًا.”
فوق هذا وذاك، كان واضحًا أن الخطاب ابتعد بذكاء عن الاستقطاب الديني والسياسي والجهوي، ليكرّس فكرة أن “أبشري حوران” ليست لأهل حوران وحدهم، بل لكل السوريين والسوريات.
الدرس الثاني: التنظيم أو العقل
دون أدنى شك، لعبت الهوية عاملًا حاسمًا. غير أن العمل الجماعي لا ينجح في نهاية المطاف بالنيات والفزعات وحدها، بل بآليات واضحة. وهنا جاءت المسألة الأبرز: عملية التنظيم التي انطوت على مبدأ التخصص وفصل السلطات. إذ قامت السلطات المحلية (المحافظ والمكتب التنفيذي بالتعاون مع المجالس المحلية) بتحديد الاحتياجات ومن ثم التنفيذ، في حين تصدّى المجتمع عبر تشكيلاته المدنية ذاتية التأسيس بتحصيل التمويل، ومن ثم الرقابة على التنفيذ.
من يمول يراقب بسلطته الاجتماعية، ومن ينفذ ينسق بين أطراف الحكومة المحلية والمركزية لضمان حسن الأداء مستندًا إلى سلطته الحكومية.
يفترض أن تمنع هذه البنية تضارب المصالح، لتعطي للناس شعورًا بأن مساهماتهم تُدار بعقل منظم وبارد لا بعشوائية. الثقة التي تولّدت كانت أكبر من أي حملة دعائية.
الدرس الثالث: التشاركية تصنع الشرعية وتربط العقل بالقلب
أحد العوامل الحاسمة – برأيي – كانت قضية التشاور مع المجتمعات المحلية. فالمجالس هي من حددت الأولويات، وبدورها عقدت لقاءات تشاورية مع المجتمع للوقوف على الاحتياج. لم تكن الاجتماعات إجراءً شكليًا، بل مساحة حقيقية للحوار والمشاركة. فقد جمعت المنظمات مع المجالس المحلية، وفتحت المجال أمام المجموعات النقابية والنسائية لتكون جزءًا من النقاش. كما عقدت اللجنة المنظمة العديد من الاجتماعات مع مختلف الفعاليات المحلية لتنسيق الجهود وتوحيد الرؤية.
منح هذا التفاعل العملية طابعًا شعبيًا، وأبعدها عن صورة القرارات المفروضة من فوق. وهكذا شعر المجتمع أنه شريك حقيقي في صياغة ما يجري، لا مجرد مستفيد منه، وأن الشرعية نُسجت بالتشاور والاتفاق لا بالفرض أو الإملاء.
على المستوى الوطني
لكن ما الذي يعنيه كل هذا على المستوى الوطني؟ ربما كان الدرس الأهم هنا أن “أبشري حوران” كانت تجربة عملية في اللامركزية. فالقرار محلي ومستند إلى احتياجات حددتها المجتمعات بصيَغ تشاركية، والموارد وإدارتها ذاتية، والرقابة المباشرة للمجتمع هي في حقيقة الأمر جوهر اللامركزية.
لقد أثبتت التجربة أن المجتمعات المحلية، حين تمتلك زمام المبادرة، قادرة على الإنجاز بكفاءة وعدالة تفوق بيروقراطية المركز، مما يجعل هذه الحملة أقرب ما يكون إلى مختبر حي لما قد تكون عليه سوريا إذا ما تبنّت نهج اللامركزية الفعلية. وبالتالي فإن من أبرز ما تكشفه التجربة أنها ليست استثناءً محكومًا بالظروف، بل تحمل عناصر يمكن نقلها وتكييفها في مناطق أخرى، وعلى الأسس الثلاثة الأساسية:
الاعتماد على الهوية الجامعة.
بناء هياكل تنظيمية واضحة.
فتح المجال للتشاركية الشعبية.
غير أن هذه اللامركزية لم تعنِ أن المركز كان غائبًا، بل على العكس، فإن جوهر اللامركزية هو وجود مركز قوي. فالمركز قدّم جزءًا مهمًا من الموارد، وبالتالي سيكون جزءًا من اتخاذ القرار، وهو أيضًا جوهر اللامركزية. فاللامركزية لا تعني إضعاف المركز، بل تعني مركزًا قويًا وأطرافًا قوية.
أبعد من هذا، أن بعض التبرعات كانت محددة بمنطقة أو بلدة بعينها. وهنا، بدل المحافظ والمكتب التنفيذي كسلطات مركزية في المحافظة، فإن المعني هو المجلس المحلي مباشرة، دون تدخل من “مركز المحافظة” فيه، بما يعني هذا تكريسًا حقيقيًا للامركزية، وعلى كل المستويات.
الخاتمة
إن تجربة “أبشري حوران” لا تقدّم لنا قصة نجاح محلية فحسب، بل تضع أمامنا خريطة طريق لمستقبل الحكم المحلي في سوريا. فقد أثبتت أن الهوية حين تُستَخدم كجسر لا كخندق، تصبح أداة للوحدة الوطنية، وأن التنظيم حين يقوم على وضوح الأدوار وفصل السلطات، يولّد ثقة تتجاوز أي حملة دعائية، وأن التشاركية حين تُمارَس بجدّية تخلق شرعية لا تستطيع أي سلطة أن تفرضها من فوق.
وربما كان الأهم هو أن هذه التجربة أعادت الاعتبار لفكرة اللامركزية، ليس كمجرد شعار سياسي أو مطلب نخبوي مضطرب أو مفهوم غائم، بل كواقع عملي يولد من رحم المجتمعات المحلية ويعتمد على توازن صحي بين المركز والأطراف. فهي تقول لنا بوضوح: لا نجاح لمركز قوي من دون أطراف قوية، ولا معنى للامركزية إن لم يكن هناك مركز قادر على ضمان العدالة والتكامل.
وهكذا، فإن “أبشري حوران” لم تكن مجرد حملة عابرة، بل لحظة كاشفة لما يمكن أن تبنيه سوريا الغد إذا آمنت بقدرة مجتمعاتها على الفعل، وإذا تحوّل التفاعل بين القلب (الهوية) والعقل (التنظيم) والروح (التشاركية) إلى منهج دائم في إدارة الشأن العام.
—————————-
سوريا تدشن هيئة جديدة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة
سوريا تسعى لإعادة إحياء الاقتصاد بعد ما لحق به من أضرار
الرياض – العربية
نشر في: 01 سبتمبر ,2025
قال وزير الاقتصاد والصناعة السوري، محمد نضال الشعار، إن الوزارة بصدد إنشاء هيئة جديدة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في سوريا، بهدف توفير التمويل اللازم وتدريب الكوادر المناسبة.
وأعرب الشعار، خلال ندوة في جناح الوزارة بمعرض دمشق الدولي بدورته الـ 62، عن أمله بأن يسهم المعرض في جذب المزيد من الاستثمارات إلى السوق السورية.
وأكد أهمية تطوير أساليب الإنتاج في سوريا عبر تغيير العقلية السائدة، مشيراً إلى أن مواجهة التحديات الاقتصادية يتطلب إنشاء بيئة استثمارية جاذبة تسهم في تحفيز النمو والتنمية، وفق وكالة الأنباء السورية “سانا”.
ولفت الشعار إلى ارتفاع معدلات البطالة في البلاد، مشدداً على ضرورة توفير فرص عمل جديدة، وهو ما يتطلب استثمارات نوعية تسهم في تحقيق النمو الشامل.
وقال إن جميع القطاعات الاقتصادية في سوريا بحاجة إلى دعم مالي وتقني لدفع عجلة التطور.
ودعا الشعار المستثمرين من مختلف أنحاء العالم للعودة إلى سوريا، مؤكداً أن الدولة ستوفر كل التسهيلات والدعم المطلوب لضمان نجاح مشاريعهم.
وأضاف أن سوريا شهدت في الآونة الأخيرة حراكاً اقتصادياً كبيراً، تجسد في توقيع اتفاقيات مع عدة دول في مختلف القطاعات، مشيراً إلى أن البلاد تسعى جاهدة لإعادة إحياء الاقتصاد بعد ما لحق به من أضرار.
—————–
على هامش معرض دمشق الدولي: صفقات وشراكات قيد التحضير
دمشق – رهام علي
الاثنين 2025/09/01
تمثل فعاليات الدورة الثانية والستين من معرض دمشق الدولي، الذي انطلق في 27 آب 2025، الحدث الاقتصادي والثقافي الأكبر في سوريا والمنطقة، كما تمثل عودة قوية للمعرض بعد توقف دام ست سنوات، لتكون منصة استراتيجية تجمع بين المستثمرين، رجال الأعمال، والمبتكرين، وتتيح للشركات السورية عرض منتجاتها أمام جمهور دولي واسع، في حين تستكشف الشركات الأجنبية الفرص الاستثمارية في سوق يعيد نفسه تدريجًا بعد سنوات من التحديات. وتتنوع عروض المعرض بين الصناعات الغذائية، التكنولوجيا، النسيج والطاقة، ليجمع الحدث بين الزخم الاقتصادي والرسائل الثقافية والفنية، ويؤكد عودة دمشق إلى خارطة المعارض الدولية في المنطقة.
مشاركة عربية ودولية لافتة
شهدت الدورة الحالية حضورًا بارزًا من دول الخليج والعالم العربي؛ إذ حلت المملكة العربية السعودية ضيف الشرف، في خطوة تعكس التقارب السياسي والاقتصادي المتنامي بين دمشق والرياض. الجناح السعودي جاء على مساحة كبيرة واستعرض اتفاقيات اقتصادية قُدّرت بنحو 24 مليار ريال سعودي، مع استعداد لتوقيع اتفاقيات جديدة في قطاعات الطاقة والاستثمار المشترك.
كذلك، شاركت تركيا بقوة عبر وفد رسمي وشركات متنوعة، حيث أكد وزير التجارة التركي، عمر بولات، أن “المعرض فتح مساحة للتعاون التجاري والإعمار”، مشددًا على عمق الروابط الاقتصادية بين البلدين.
وإلى جانب السعودية وتركيا، حضرت وفود من قطر، مصر، الأردن، إضافة إلى مشاركات أوروبية وآسيوية، وتوزعت هذه العروض على مساحة تجاوزت 95 ألف متر مربع، ضمن مدينة المعارض التي تمتد على مساحة 1.2 مليون متر مربع.
تحضيرات لتوقيع الصفقات
عن المشاركة الرسمية السورية، يوضح الخبير الاقتصادي إيهاب زكور، لـ”المدن”، أن وزارة الاقتصاد تشارك هذا العام بجناحين. الأول يهدف إلى إبراز الواقع الاقتصادي قبل مرحلة التحرير، والإنجازات التي تحققت بعدها، إضافة إلى الرؤية الاقتصادية الجديدة وفق إدارات الوزارة الثلاث: الاقتصاد، الصناعة، والتجارة الداخلية.
ويبين زكور أن التركيز في الجناح ينصب على التحول نحو اقتصاد السوق الحر سواء عبر جناح الفرص الاستثمارية، الذي يقدّم مشاريع متنوعة أمام المستثمرين المحليين والعرب والأجانب. تشمل: منشآت “السورية للتجارة”، أملاك النقل والشحن، وأملاك الإدارة المختلفة، ومنشآت الشركة السورية العامة للتجارة الخارجية وعقارات استثمارية تابعة للوزارة، إضافة إلى منشآت صناعية جاهزة أو بحاجة لتشغيل وفق عقود BOT أو PPP، مع خطط توسعة المدن الصناعية القائمة والجديدة وعقود استثمار لتطوير البنية التحتية.
أما الجناح الثاني، فهو المعرض الوطني للابتكار والاختراع، الذي يسلّط الضوء على دعم الوزارة للمبتكرين والمخترعين. ويشير زكور إلى أن مشاركة الأطفال المبتكرين بدءًا من عمر خمس سنوات كانت من أبرز ما ميز هذه الدورة.
ووفقاً لزكور فإن إمكان توقيع بعض الاتفاقيات خلال فترة المعرض مطروحة في حال الانتهاء من صياغتها والاتفاق على تفاصيلها، لكنه يوضح أنه لم تُجدوَل حتى الآن أية عملية توقيع رسمية ضمن برنامج المعرض.
منصة تجمع بين الشركات المحلية والدولية
من جانبه يرى الأمين العام للمجلس العربي الأفريقي للتنمية والإعمار، محمد أبو عزة، أن الدورة الجديدة من معرض دمشق الدولي “تمثل حدثاً اقتصادياً وثقافياً بارزاً في المنطقة، وتشكل منصة استراتيجية تجمع بين الشركات المحلية والدولية تحت سقف واحد”.
ويوضح أبو عزة لـ”المدن” أن المعرض هذا العام يشكّل “فرصة ذهبية لتعزيز العلاقات التجارية، ودعم المنتج المحلي، وإبراز التنوع الثقافي السوري”، مشيرًا إلى أن مشاركة الشركات العربية والأجنبية تمنح السوق السورية دفعة جديدة بعد سنوات من التحديات.
ويضيف أن ما لفت انتباهه هو “الحضور القوي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والابتكارات التي تعكس هوية سوريا الاقتصادية والثقافية”، معتبرًا أن “الاتفاقيات والشراكات التي ستُوقّع على هامش المعرض ستسهم في تنشيط الاقتصاد الوطني، وتفتح آفاقًا واسعة للتعاون الإقليمي والدولي”.
وعليه، يؤكد أبو عزة أن القيمة المضافة للمعرض لا تقتصر على الجانب التجاري فقط؛ بل تمتد لتشمل “الفعاليات الثقافية والفنية التي تعكس التراث السوري العريق”، وهو ما يمنح الحدث طابعًا احتفاليًا، ويعزز من جاذبيته للزوار والمستثمرين معاً.
الفعاليات المرافقة
يُشار إلى أنه يواكب فعاليات المعرض الاقتصادية، برنامج متنوع من الفعاليات الثقافية والفنية، بينها عروض موسيقية ومعارض فنية وتراثية، إضافة إلى نشاطات للأطفال، وهذا ما يمنحه طابعًا احتفاليًا يزيد من جاذبيته للزوار. كما يوفر المعرض فرص عمل مؤقتة لعشرات الآلاف من السوريين خلال فترة انعقاده، سواء في الخدمات اللوجستية أو التسويق أو التنظيم.
رسالة سياسية واقتصادية
تحمل الدورة الحالية دلالات سياسية واقتصادية بارزة، لكونها الأولى بعد التحولات السياسية الأخيرة في سوريا والمنطقة. فعودة المعرض بهذا الزخم الدولي تمثل رسالة عن قدرة دمشق على استعادة دورها بوصفها وجهة اقتصادية وثقافية إقليمية، وعن استعدادها لفتح أبواب جديدة أمام الاستثمارات والشراكات.
وبمشاركة أكثر من 850 شركة من مختلف القطاعات، وتوقّع إبرام اتفاقيات بمليارات الدولارات، يعكس المعرض بوادر استقرار اقتصادي نسبي، وإرادة للانفتاح بعد سنوات من العزلة والتحديات
————————
سوريا تعود إلى أسواق النفط الدولية: تصدير 600 ألف برميل
الأحد 2025/08/31
تستعد سوريا لتصدير أول شحنة من النفط الخام الثقيل، منذ رفع العقوبات، بكمية تصل إلى 600 ألف برميل، عبر الناقلة اليونانية “Nissos Christiana” التابعة لشركة “فيتول” السويسرية، من مصب النفط شمال طرطوس.
وتعد مجموعة “فيتول”، أكبر شركة مستقلة لتجارة النفط عالمياً، المسؤولة عن نقل الشحنة إلى مصفاة في إيطاليا، وفق ما أفاد به تقرير نشرته وكالة “بلومبيرغ” الأميركية، التي أشارت إلى أن هذه الشحنة هي الأولى منذ رفع العقوبات الغربية، ما يجعلها خطوة مهمة لاستئناف صادرات النفط السوري إلى الأسواق العالمية.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد رفع في تموز الماضي العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، والتي كانت سارية لعقود، بهدف دعم الاقتصاد المتعثر والحكومة الجديدة، فيما رفع الاتحاد الأوروبي جميع العقوبات الاقتصادية المتبقية على سوريا قبل شهرين.
في السياق، طرحت وزارة الطاقة السورية الشهر الماضي مناقصة لبيع نحو 500 ألف برميل من النفط الخام متوسط الكثافة وعالي الكبريت، في إطار جهود الحكومة لاستئناف صادرات النفط وتعزيز الإيرادات الوطنية.
ويُعد هذا الحدث مؤشراً إلى عودة سوريا إلى الأسواق النفطية الدولية، خاصة الأوروبية، ويعكس جهود الحكومة لتعزيز قطاع الطاقة وجذب الاستثمارات ودعم الاقتصاد الوطني.
————————
===================



