سلطة النساء/ رباب هلال

29 يوليو 2025
حقّقت المرأة العربيّة، المتعلّمة والمثقّفة عامّة، لنفسها جزءًا كبيراً أو صغيراً من حقوقها، ومكّنت حضورها في شتّى المجالات العامّة. ولا نغفل فضل نضال النساء العربيّات الرائدات، وسعيهنّ الجادّ والمكين للتحرير، ودفعن الأثمان باهظة. ففي أواخر القرن التاسع عشر، برزت نظيرة زين الدين أولى الداعيات إلى تحرّر المرأة، تبعتها في القرن العشرين، نساء مناضلات عديدات، أمثال مي زيادة، نازك العابد، ماري عجمي، نوال السعداوي، وفاطمة المرنيسي مؤسّسة النسويّة العربيّة، وكثيرات سواهنّ.
بالتأكيد، كان للثورات التحرّريّة في العالم، وللتطوّر الحضاري العلميّ والإعلاميّ والتكنولوجيّ، تأثير كبير في التمرّد على القوانين الذكوريّة، ورفض العبوديّة بشتّى تجلّياتها وأشكالها. وكان لثورة الطلّاب 1986، بوجه خاصّ، دور إيجابيّ في الدفاع عن الحريّات الشخصيّة. لنشهد في النصف الثاني من القرن العشرين قيامة المرأة في شتى أصقاع العالم، للمطالبة بحقّها في تقرير مصيرها بنفسها. وبات لها حضورها الواثق، والخلّاق في شتّى مجالات الحياة العامّة.
ما تزال المرأة العربيّة، مقصيّة ومستلبة، تتحكّم بها السلطات المختلفة: ذكور العائلة، الدين، العادات والتقاليد. ولا تكاد المؤسّسات الرسميّة تنظر في قضيّتها بجديّة، فهل تدرك المرأة المتعلّمة أنّها في كثير من الأحيان تتمثّل الثقافة الذكوريّة السائدة؟ ثقافة سمّكتها التراكميّة المزمنة وصلّبت هيمنتها الاستبداديّة القاتلة، صانعة الحروب. ثقافة قامعة للمرأة والرجل معاً، تدعمها المؤسّسات الدينيّة، والتعليميّة، والإعلاميّة. وأولى هواجسها التحكّم بالمرأة.
وهل تحقّقت حرّية المرأة العربيّة المثقّفة عامّة إلى الحدّ الذي يمكّنها من صياغة خطابها الخاصّ ولغتها؟ وهل تخلّصت من تلك الثقافة المستبدّة الإقصائيّة السائدة؟ أم أنّها فضّلت، بوعي أو من دونه، البقاء كالنساء التقليديّات العازفات عن التحرّر؟
دفعني إلى طرح السؤال أمران: أوّلهما ما لاحظته، وما زلت، في بعض النصوص الأدبيّة النسائيّة العربيّة، من التباس في موقف الكاتبة وضبابيّته من الرجل، تراه حيناً ذئباً مفترساً، وحيناً آخر حامياً ومخلّصاً، وقليلا ما تراه نِدّاً. وثانيهما، ما نلحظه لدى نساء كثيرات وصلن إلى مراتب عليا أو أقلّ شأناً في السلطة. في سوريّة، مثلاً، لم يسبق أن طرحت أيّ من النساء؛ وزيرات وسواهنّ، بجدّيّة ومثابرة قضيّتها، قضيّة المرأة الشائكة والمعقّدة.
من الطبيعي، يصبح المجتمع المحتلّ، أو المتخبّط في أزماته، أو تغيب الدولة فيه، مرتعاً خصباً للهيمنة الذكوريّة وتمدّدها. وبالتالي، المرأة، وزيرة كانت، أو صاحبة شأن عامّ، تهرع للانضواء تحت عباءة السلطة الديكتاتوريّة، الفاسدة بالضرورة، خوفاً منها، أو طمعاً بالحصول على امتيازات، ومكاسب ماديّة ومعنويّة. ولا شكّ في أنّ هذه المرأة ليست حرّة في تمثّلها الثقافة البطريركيّة. وبالتالي، لن تبالي بالمطالبة بحقوقها وحقوق بنات جنسها المشروعة المسلوبة. وقد تنكشف لديها نزعة سلطويّة دفينة، وجشع، فتتماهى مع السلطة وتلغو بخطابها ولغتها. وهنا، نتساءل حول سلامة شعورها الوطني ايضاً. إذ إنّها قد تصمت في حقبة ظالمة، خوفاً أو لامبالاة ربّما، وفي عهد ظالم آخر تتحوّل إلى مدافعة عن السلطة، تبرّئها من طغيانها، بل قد تشكّك أحياناً، بمعاناة الضحايا.
وإذاً، تعود الدولة المستبدّة بالمجتمع إلى طور تخلّفه، ومعها تعيد النساء مدّعيات التحرّر، تكريس عبودية المرأة. ما يعرقل مسيرة النضال التحرّري في المجتمع بأكمله، فالمجتمع من دون حضور النساء إلى جانب الرجال في عمليّة البناء والتطوير والتحرير يبقى أعور وأعرج.
العربي الجديد



