العدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العدالة الانتقالية تحديث 18 أيلول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية في سوريا

————————————–

نموذج “ثلاثي الأبعاد” لاستعادة حق الضحايا في سوريا.. ما هو؟/ فضل عبد الغني

16 أيلول 2025

3- يعتقد مراقبون أن مسألة المقاتلين الأجانب في سوريا جرى تضخيمها إلى حد كبير ويمكن حسمها بحلول وسطية (مواقع التواصل)

تعقيد الإجراءات يسهم في بناء نظام تصفية ضمني لا يتيح سوى لفئة محدودة من الضحايا الوصول الفعلي إلى آليات العدالة (مواقع التواصل)

تعتبر المشاركة الفاعلة للمجتمعات المحلية في تصميم آليات العدالة وتنفيذها ومراقبتها شرطا لا بد منه لنجاح أي عملية للعدالة الانتقالية. وقد شهد الخطاب المرتبط بهذه القضية، أو ما يسمى “الملكية المحلية في العدالة الانتقالية” تحولا عميقا على مدار العقدين الماضيين.

فما بدأ كالتزام بلاغي، تطور إلى إطار تحليلي متقدم يتعامل مع التعقيدات الواقعية لمجتمعات ما بعد الصراع. ويعكس هذا التحول إدراكا بأن الإسقاط التلقائي لنماذج العدالة الانتقالية الدولية على سياقات محلية متباينة يُقوض فعليا المجتمعات التي يُفترض خدمتها بهذه النماذج.

لقد انتقل الفهم من اعتبار هذه المشاركة الفاعلة (أو الملكية المحلية) فعلا إجرائيا إلى الإقرار بها كضرورة متعددة الأبعاد، تعترف بأن المجتمعات الخارجة من الصراع تمتلك تواريخ وسياقات ثقافية ومفاهيم مختلفة للعدالة، لا يمكن احتواؤها أو تمثيلها بصورة كافية من خلال نماذج موحدة.

وقد أدى تجاهل هذا التعقيد إلى نشوء آليات عدالة انتقالية، رغم تطورها التقني والتزامها بالمعايير الدولية، ظلت في الغالب منفصلة عن التجارب المعاشة لأولئك الأكثر تضررا من انتهاكات الماضي.

الإطار ثلاثي الأبعاد “للملكية المحلية”

تتطلب إعادة بناء مفهوم الملكية المحلية في سياق العدالة الانتقالية إطارا تحليليا يُجسد تعقيد مشاركة المجتمع في مسارات العدالة ما بعد النزاع.

وقد طور الباحثون المعاصرون في مجال العدالة الانتقالية نموذجا ثلاثي الأبعاد يضم السيطرة الفعلية، والعملية، والمضمون، وهي أبعاد مترابطة تمثل جوانب متميزة لكيفية ممارسة المجتمعات المحلية ملكيتها الفعالة على آليات العدالة الانتقالية، وهو تماما ما نوصي بتطبيقه في سوريا.

أ. السيطرة الفعلية: ما وراء الأدوار الاستشارية

يرتكز هذا البُعد الأول على الآليات الملموسة التي تمكن المجتمعات المحلية من بسط سيطرتها الفعلية على عمليات العدالة الانتقالية.

وهو يتجاوز نماذج المشاركة المحدودة التي ميزت العديد من التدخلات الدولية، حيث تُحصر أدوار الفاعلين المحليين في الاستشارة، بينما تظل القرارات الجوهرية بيد الخبراء الدوليين أو النخب الوطنية.

وتشمل السيطرة الحقيقية القدرة على اتخاذ قرارات هامة بشأن تصميم وتنفيذ آليات العدالة، بالإضافة إلى المشاركة الفاعلة في تخصيص الموارد التي تحدد نطاق هذه العمليات واتجاهها.

ويمثل التحول الجذري في هذا السياق إعادة النظر في تصور المجتمعات المتضررة ليس كمجرد متلقين سلبيين لتدخلات خارجية، بل كفاعلين يرسمون بأنفسهم مسارات العدالة.

ولا يقتصر الأمر على تعديلات إجرائية، بل يستدعي إعادة هيكلة لعلاقات القوة داخل العمليات الانتقالية، بحيث لا يُكتفى بمنح المجتمعات حق التشاور، بل تُمنح سلطة اتخاذ قرارات ملزمة بشأن الآليات المعتمدة، وتكييفها بما يلائم السياق المحلي، وتحديد أولويات نتائجها.

ب. العملية: النهج التصاعدي وآليات المشاركة

يركز هذا البُعد على الجوانب الإجرائية للملكية المحلية، مشددا على أهمية النهج التصاعدي والتشاركي المنطلق من القاعدة المجتمعية في سياق العدالة الانتقالية. ويُقر بأن شرعية هذه العمليات لا تستند فقط إلى مخرجاتها النهائية، بل إلى كيفية صياغتها وتنفيذها.

وعليه، يبحث هذا البعد كيف يمكن لآليات العدالة أن تنبثق من حاجات المجتمع وتستجيب لها، بدلا من أن تُفرض عبر أوامر خارجية تنازلية.

وتقوم الشرعية الإجرائية على شمولية حقيقية تتجاوز التمثيل الرمزي، من خلال توفير فضاءات تتيح لأصوات متعددة داخل المجتمع التأثير الفعلي في مسار العدالة. ويجب أن تمتد هذه المشاركة إلى تنفيذ الآليات، ومراقبتها، وتكييفها بشكل دائم.

والتحدي الجوهري هنا يتمثل في تطوير آليات إجرائية قادرة على استيعاب وجهات نظر مجتمعية متنوعة وأحيانا متعارضة، دون الإخلال بالتماسك الداخلي أو الفاعلية في مواجهة انتهاكات الماضي. ولهذا أوصينا في الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن تشكل هيئة العدالة الانتقالية عبر قانون من المجلس التشريعي.

ج. الجوهر: دمج القيم والأولويات المحلية

يركز هذا البُعد على البنية الجوهرية للعدالة الانتقالية، من خلال دراسة سبل إدماج القيم والممارسات والأولويات المحلية في تصميم وتنفيذ آليات العدالة.

ويطرح هذا البعد التحدي الأبرز: كيف يمكن التوفيق بين مفاهيم العدالة المستندة إلى السياقات الثقافية المحلية، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان؟ تختلف أولويات المجتمعات في هذا الصدد بناء على خلفياتها الثقافية وتجاربها التاريخية واحتياجاتها الفورية، وغالبا ما تكون هذه الأولويات متباينة بشكل جوهري عن تلك المعتمدة في النماذج الدولية المعيارية.

التوتر بين الاستقلال المحلي والمعايير الدولية

يؤدي إدماج الآليات المحلية في عمليات العدالة الانتقالية بالضرورة إلى نشوء توترات عميقة بين استقلالية المجتمعات والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

ويتجاوز هذا التوتر العقبات التقنية المتعلقة بالتنسيق القانوني، ليكشف عن إشكاليات جوهرية تتعلق بعالمية مبادئ العدالة، وشرعية فرض معايير خارجية على مجتمعات خارجة من العنف الجماعي.

التنقل في جدلية العالمي والخاص

إن الصراع بين النسبية الثقافية وعالمية حقوق الإنسان في سياقات العدالة الانتقالية لا يُعد مجرد جدل أكاديمي؛ بل يتجلى في تحديات ملموسة عند تصميم آليات تحترم المفاهيم المحلية للعدالة، دون الإخلال بالالتزام بمبادئ حقوق الإنسان الدولية.

وتبرز هذه الإشكالية بوضوح حينما تتعارض ممارسات العدالة التقليدية مع معايير دولية متفق عليها، كالإجراءات القانونية الواجبة، والمساواة الجندرية، وحماية الأقليات.

فبينما قد تستند المجتمعات إلى مبررات الأصالة الثقافية لتبرير ممارسات تُعد انتهاكا للحقوق الأساسية، قد تفرض الجهات الدولية معايير تعتبرها هذه المجتمعات غريبة وغير منسجمة مع واقعها القيمي.

تحديد موقع القاعدة وتفسيرها

يُقدم مفهوم “توطين المعايير” إطارا أدق لفهم كيفية تفاعل المعايير الدولية لحقوق الإنسان مع السياقات المحلية، مقارنة بالنماذج الثنائية المبسطة التي تفترض القبول أو الرفض.

يفترض هذا المفهوم أن الفاعلين المحليين ليسوا متلقين سلبيين للمعايير الدولية، بل هم مفسرون نشطون يقومون بتكييفها، أو حتى معارضتها، وإعادة صياغتها بما يتلاءم مع حاجاتهم وظروفهم الخاصة.

تتجسد عملية التوطين في مفاوضات معقدة تكسب المعايير الدولية معاني وتطبيقات جديدة عند إدماجها ضمن الإطار القيمي المحلي.

ويتفاعل الفاعلون المحليون مع هذه المعايير من خلال عمليات ترجمة تشمل تكييفا لغويا ومفاهيميا، تُضفي طابعا محليا على المفاهيم المُطورة في المحافل الدولية.

وبهذا، لا يُعد التحول الناتج بالضرورة إضعافا أو تحريفا للمبادئ الدولية، بل قد يمثل عملية تهجين مُثمرة تُكسب المعايير طابعا أكثر تأثيرا وفاعلية في سياقات محددة.

ويكمن التحدي في التمييز بين التكييف المشروع، الذي يحافظ على الوظائف الوقائية الأساسية للمعايير، وبين التشويه المضلل الذي يُضعف هذه الحماية تحت غطاء الترجمة الثقافية.

مركزية دور الضحايا

تستلزم إعادة تعريف مفهوم الملكية المحلية في العدالة الانتقالية تحولا جوهريا، يُنتقل فيه من تمثيل المجتمعات من خلال الهياكل التقليدية إلى تمركز دور الناجين.

ويعكس هذا التحول قناعة بأن تحقيق الملكية المحلية الحقيقية لا يتم بمجرد إشراك السلطات القائمة أو المؤسسات الثقافية، بل عبر التركيز على تجارب وتطلعات من عانوا الانتهاكات بشكل مباشر.

تجاوز هياكل السلطة التقليدية

يُعد الخلط بين الملكية المحلية والسلطة التقليدية من أكثر الافتراضات رسوخا وإشكالية في ممارسات العدالة الانتقالية. فغالبا ما تُفترض تمثيلية القيادات المجتمعية الراسخة، والمؤسسات العرفية، والآليات التقليدية، كممثلين حقيقيين للرؤى والمصالح المحلية.

بيد أن هذه الافتراضات تتجاهل علاقات القوة الكامنة داخل تلك الهياكل، والطرق التي قد تُقصي بها هذه البنى فئات معينة بصورة ممنهجة، لا سيما النساء، وأولئك الذين تمثل تجاربهم تهديدا للسرديات المجتمعية السائدة.

وتشكل النُهج المُركزة على الناجين إعادة توجيه جذرية للعدالة الانتقالية، تنقل الأولوية من الكفاءة المؤسسية والاستقرار السياسي إلى تلبية احتياجات وتجارب الفئات الأكثر تضررا.

ففي حين تركز المؤسسات عادة على الإنجاز الكمي والامتثال المعياري، تعطي هذه النُهج الأولوية لجودة المشاركة، ولأهمية النتائج بالنسبة للمتضررين، وللإمكانات التحويلية التي تتيحها عمليات العدالة للناجين.

المجتمعات العاطفية والتعبئة عبر الوطنية

أظهرت دراسات حديثة الدور المحوري للأبعاد العاطفية في تعبئة الناجين، ودفع حركات العدالة الانتقالية.

ويتحدى هذا التوجه الافتراضات العقلانية الكلاسيكية حول العمل السياسي، معترفا بأن مشاعر الناجين (كالغضب، والحزن، والأمل، والتضامن) ليست استجابات فردية فحسب، بل مصادر أساسية للعمل الجماعي والتحول السياسي.

ويُجسد مفهوم “المجتمعات العاطفية” كيفية بناء الناجين لهويات جماعية قائمة على التجارب العاطفية المشتركة، تتجاوز الألم الفردي، وتُيسر تعبئة مستدامة من أجل العدالة.

ولا يقتصر دور العاطفة على التحفيز الأولي للحركة، بل يمتد إلى الحفاظ على تماسك الجماعة وتحفيزها على المدى الطويل، رغم التهميش المؤسسي أو مرور الزمن.

فالممارسات العاطفية (كالاحتفالات، والشهادات، والتعبيرات الفنية) لا تؤدي فقط أدوارا علاجية، بل تشكل أدوات سياسية للحفاظ على الذاكرة الجمعية، وللتأكيد على مطالب الاعتراف والعدالة.

وتبرز أهمية هذه الأبعاد في سياق العدالة الانتقالية السورية، التي تتطلب تعبئة ممتدة على أربعة عشر عاما، بل وخمسين عاما، من السعي وراء الإنصاف.

التحديات الهيكلية التي تواجه المشاركة الهادفة

رغم التصاعد الواضح في الخطاب الحقوقي المؤيد لمشاركة الناجين وتعزيز الملكية المحلية ضمن عمليات العدالة الانتقالية، ما تزال العقبات الهيكلية تشكل عائقا كبيرا أمام تحقيق مشاركة فعالة للمجتمعات المتضررة.

سياسات الانتظار وعدم المساواة الزمنية

تُعد الأبعاد الزمنية في العدالة الانتقالية من أدوات الإقصاء الهيكلي غير المرئية غالبا، لكنها بالغة الأثر. فسياسات الانتظار (أي الفترات المطولة بين حدوث الانتهاكات وبين الاعتراف بها أو تعويض ضحاياها) تمثل شكلا من أشكال القوة التي تعيد تشكيل تجارب الناجين وتحد من قدرتهم على الانخراط الفعال.

ولا يظهر هذا التفاوت الزمني في شكل تأخيرات فحسب، بل كآلية منهجية من التهميش تُحول الناجين من مطالبين نشطين إلى مستجدين سلبيين، مما يُضعف قدرتهم الفردية ويقوض إمكانات التعبئة الجماعية.

وتتجاوز عوائق الوصول في هذا السياق، الحواجز المادية أو الإجرائية، لتشمل الإقصاءات الزمنية التي تُفاقم من هشاشة الناجين، لا سيما الفئات المهمشة مثل سكان المناطق الريفية، وذوي التعليم المحدود، والنساء المعيلات، والأشخاص الذين تعيقهم صدماتهم النفسية عن خوض العمليات البيروقراطية المعقدة.

ويُسهم تعقيد الإجراءات، والنظم المصممة دون مراعاة لواقع الناجين، في بناء نظام تصفية ضمني لا يتيح سوى لفئة محدودة من الضحايا الوصول الفعلي إلى آليات العدالة، مما يُضعف المطلب الجوهري بالمشاركة الواسعة.

ولا تمثل التأخيرات الإجرائية مجرد فشل إداري، بل تُجسد شكلا من أشكال العنف المؤقت الذي يفاقم آثار الانتهاكات الأصلية. فالانتظار الطويل من أجل الاعتراف أو التحقيق أو الإنصاف يُعد بحد ذاته استمرارا لعملية التهميش.

ويؤثر هذا بشكل خاص على كبار السن من الناجين، الذين قد يموتون قبل أن ينالوا العدالة، مخلفين وراءهم مطالب غير مُحققة وصدمة موروثة لأجيالهم القادمة.

وتؤدي محاولة تطبيع هذه التأخيرات، من خلال الخطاب الرسمي الذي يُحيلها إلى ضغوط الموارد أو كثرة القضايا، إلى إخفاء الطريقة التي تُدار بها مطالبات الناجين من خلال أنظمة مؤقتة تُعيد إنتاج التهميش بدلا من معالجته.

فجوة التنفيذ

تشكل الفجوة بين الالتزامات السياسية المعلنة تجاه مشاركة الناجين، والواقع الفعلي لتطبيقها، واحدة من التحديات الهيكلية الأبرز التي تتجاوز اختلاف السياقات أو الأدوات المعتمدة.

تظهر هذه الفجوة في عدة مستويات: من قصور في ترجمة السياسات إلى خطوات تنفيذية واضحة، إلى ضعف تخصيص الموارد اللازمة، وانعدام الإرادة السياسية للحفاظ على النَهج التشاركي حين يهدد التوازنات القائمة أو يُعقد النتائج المحددة مسبقا.

ويُعد الاستغلال السياسي لعمليات العدالة الانتقالية من أبرز العقبات البنيوية التي تعيق المشاركة الفعالة. فعندما تُحوَل هذه العمليات إلى أدوات للشرعنة السياسية، أو وسائل للدعاية الانتخابية، أو إدارة للصورة الدولية، تصبح مشاركة الناجين ذات قيمة فقط بقدر ما تخدم هذه الأهداف النفعية.

ويتجلى هذا الاستغلال في أشكال متعددة: انتقائية إدماج الناجين المؤيدين للسرديات الرسمية، وتوقيت المبادرات وفقا للتقويمات السياسية بدلا من احتياجات الضحايا، والتركيز على الرمزية على حساب التحول البنيوي.

ومع الوقت، يُدرك الناجون أن دعوتهم للمشاركة تهدف إلى الاستعراض لا التمكين، مما يُولد شعورا بالانفصال والاستهزاء، يُقوض شرعية مسار العدالة الانتقالية بأكمله.

نحو نهج متكامل

يُظهر هذا التحليل لأبعاد الملكية المحلية في مسار العدالة الانتقالية في سوريا مدى تعقيد وضرورة التوفيق بين المقاربات المجتمعية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

وإن تجاوز مرحلة النقد يتطلب الانتقال إلى تقديم بدائل عملية ومنهجية، عبر تطوير أدوات سياساتية مبتكرة تسمح بالتعامل مع توترات الاستقلال المحلي والمبادئ العالمية، مع إبقاء التركيز على دور الناجين في صلب هذا المسار.

وسوف يتم التوسع في هذه المحاور في المقال القادم من هذه السلسلة، التي تسعى إلى رسم معالم العدالة الانتقالية في السياق السوري.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

مؤسس ومدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، حاصل على الماجستير في القانون الدولي، ومتوّج بالجائزة الفرنسية الألمانية لحقوق الإنسان عام

الجزيرة

—————————-

 العدالة الانتقالية والسلم الأهلي: أخطاء اللجنة في سوريا وضرورة تصويب المسار

2025.09.15

أصدرت الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان اليوم تقريراً حقوقياً بعنوان: “العدالة الانتقالية والسلم الأهلي: أخطاء لجنة السلم الأهلي في سوريا وضرورة تصويب المسار”. يتناول التقرير الإطار النظري والمفاهيمي للعلاقة بين العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، ويحلل طبيعة هذه العلاقة المركبة، مقدماً قراءة نقدية مفصلة لأداء لجنة السلم الأهلي المُشكَّلة في سوريا، ويُختتم بجملة من الاستنتاجات والتوصيات الموجَّهة إلى الجهات المعنية.

يشير التقرير إلى أنَّ العلاقة بين العدالة الانتقالية والسلم الأهلي تُعدّ من أكثر التحديات تعقيداً في مجتمعات ما بعد النزاع، إذ تتقاطع متطلبات المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة مع ضرورات بناء الاستقرار المجتمعي. ويطرح التقرير في هذا السياق جملة من الأسئلة الجوهرية حول إمكانية التوفيق بين مقتضيات المحاسبة القانونية وحاجات المصالحة المجتمعية في الحالة السورية.

ينطلق التقرير من تعريف العدالة الانتقالية بوصفها منظومة من العمليات والآليات التي يعتمدها المجتمع للتعامل مع إرث الانتهاكات، وتشمل الملاحقات القضائية، ولجان تقصي الحقائق، وبرامج التعويضات، والإصلاحات المؤسسية، إضافة إلى المبادرات المعنية بتخليد الذكرى. كما يستعرض التقرير مفهوم السلم الأهلي كحالة من الانسجام والتعاون المجتمعي، ويشمل برامج منع العنف، وتحويل النزاعات، وتعزيز أسس السلام المستدام. هذا المفهوم الواسع يؤكد على الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي طويل الأمد.

 ويؤكد التقرير على نقاط الالتقاء والتكامل بين العدالة الانتقالية والسلم الأهلي، مستعرضاً أبرز التوترات النظرية والتطبيقية بين المسارين، مع التشديد على أهمية تجاوز الثنائية الزائفة بين “السلام مقابل العدالة”، وضرورة تكييف النماذج والمفاهيم بما يتلاءم مع السياق المحلي.

تحليل نقدي لعمل لجنة السلم الأهلي

يتناول التقرير السياق السوري الذي اتسم بتعقيد النزاع، وما ترتب عليه من انتهاكات جسيمة شملت القتل الممنهج، والتعذيب، والإخفاء القسري، والاعتقال التعسفي. ويبرز التقرير الحاجة إلى تصميم دقيق لآليات العدالة الانتقالية بما يتناسب مع طبيعة الانتهاكات، محذراً من غياب التنسيق بين الهيئات المختلفة، ومنها لجنة السلم الأهلي، ولجنة العدالة الانتقالية، ولجنة المختفين قسرياً.

يسلط التقرير الضوء على أبرز الإشكالات المتعلقة بعمل لجنة السلم الأهلي، ومنها:

• تجاوز الصلاحيات القضائية، من خلال ممارسة اللجنة لصلاحيات تنفيذية تتعلق بالإفراج والعفو دون تفويض قانوني.

• إصدار قرارات بالعفو دون سند قانوني واضح، ما يشكل انتهاكاً للمبادئ القانونية.

• غياب المعايير والضوابط التي تنظم عمل اللجنة، وصدور قرارات دون الإعلان عن أسسها.

• الخلط بين الدور المجتمعي من جهة، والدور القضائي والتنفيذي من جهة أخرى، بما يهدد مبدأ استقلال السلطة القضائية.

اقرأ أيضاً

الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية

“الشبكة السورية” والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية يعقدان اجتماع تشاورياً بدمشق

غياب الشفافية والمساءلة

يرصد التقرير مجموعة من الانتهاكات الإجرائية، أبرزها:

• عدم نشر المعايير التي تستند إليها قرارات العفو والإفراج، بما يقوّض مبدأ الشفافية.

• تجاهل حقوق الضحايا في المعرفة والمشاركة في عملية اتخاذ القرار.

• استخدام تبريرات عامة وغير محددة، مثل “المساهمة في ردع العدوان”، دون توضيح كافٍ.

الانعكاسات السلبية على مسار العدالة الانتقالية

يوثق التقرير جملة من الآثار السلبية التي نجمت عن أداء لجنة السلم الأهلي، من بينها:

• تقويض ثقة المجتمع في مسار العدالة الانتقالية بسبب اتخاذ قرارات خارج الإطار القانوني.

• إرسال رسائل خاطئة إلى الضحايا توحي بتغليب الاستقرار على العدالة.

• تعميق خطر الإفلات من العقاب، ما يسهم في إعادة إنتاج العوامل المؤدية إلى النزاع.

المسار الصحيح: نحو تكامل حقيقي

يدعو التقرير إلى عدد من الخطوات التصحيحية، أهمها:

• سنّ قانون خاص بالعدالة الانتقالية من خلال المجلس التشريعي، مع ضمان مشاركة مجتمعية واسعة.

• تنسيق المسارات الأربعة للعدالة الانتقالية: المساءلة، الحقيقة، التعويضات، والإصلاح المؤسسي.

• احترام استقلال السلطة القضائية، وضمان حقوق الضحايا في التقاضي ورفع الدعاوى الفردية.

• الاستفادة من الخبرات المحلية والدولية، مع تكييفها بما يتناسب مع الواقع السوري.

استنتاجات

يخلص التقرير إلى أنَّ العدالة الانتقالية والسلم الأهلي ليسا مسارين متناقضين، وأنَّ ممارسات لجنة السلم الأهلي التي تتسم بتجاوز الصلاحيات، وغياب الشفافية، وتجاهل حقوق الضحايا، تمثل تهديداً حقيقياً لمسار العدالة وتقويضاً لفرص السلام المستدام.

التوصيات

أولاً: للحكومة السورية الانتقالية

• إعداد إطار قانوني متكامل للعدالة الانتقالية بمشاركة جميع الأطراف المعنية.

• إعادة تحديد مهام لجنة السلم الأهلي، لتقتصر على الحوار والمصالحات المحلية.

• ضمان استقلالية القضاء ومنع تدخل أي جهة غير قضائية في صلاحياته.

• اعتماد الشفافية من خلال نشر جميع قرارات العفو والإفراج مرفقة بتبريراتها.

ثانياً: للجنة السلم الأهلي

• الالتزام بدورها المجتمعي دون ممارسة أي صلاحيات قضائية أو تنفيذية.

• تعزيز المشاركة المجتمعية من خلال تنظيم جلسات استماع دورية.

• وضع دليل إجرائي واضح، ومعايير معلنة تحكم عمل اللجنة، إلى جانب آلية رقابة وتقييم مستقل.

ثالثاً: للمجتمع الدولي

•  تقديم الدعم التقني والمالي للمبادرات المتعلقة بالعدالة الانتقالية.

•  تدريب القضاة والمحققين، ودعم منظمات المجتمع المدني.

•  تبادل الخبرات مع الدول التي خاضت تجارب مماثلة في العدالة الانتقالية.

اقرأ أيضاً

54

3 استنتاجات قانونية.. الشبكة السورية تدين الهجوم الجوي الإسرائيلي قرب الكسوة

توصيات عامة لجميع الأطراف

• الالتزام بمبدأ “لا سلام دون عدالة”.

• اعتماد منهجية تشاركية في العملية الانتقالية.

• الاستفادة من التجارب الدولية مع تكييفها للسياق السوري.

تؤكد الشَّبكة السورية لحقوق الإنسان أنَّ مسار العدالة الانتقالية في سوريا يجب أن يستند إلى أسس قانونية وحقوقية راسخة، تضمن العدالة والشفافية والمشاركة المجتمعية. كما تحذر من أنَّ أي تجاوز لهذه الأسس، بما في ذلك تدخل لجنة السلم الأهلي خارج نطاق اختصاصها، سيؤدي إلى تقويض الجهود الرامية إلى بناء دولة القانون وتحقيق المصالحة المجتمعية المستدامة.

تلفزيون سوريا

—————————

العدالة الانتقالية: بوابة المصالحة الوطنية في سوريا الجديدة/ صلاح قيراطة

ما مدى حاجة سوريا إلى العدالة الانتقالية؟

2025-09-15

منذ أن بدأت النقاشات العالمية حول العدالة الانتقالية في تسعينيات القرن الماضي، عقب انهيار أنظمة استبدادية وحروب أهلية دامية، أصبح هذا المفهوم ركيزة أساسية في أي عملية تحول ديموقراطي. فالعدالة الانتقالية ليست مجرد آلية قانونية لمعاقبة المرتكبين، بل هي منظومة متكاملة من الإجراءات التي تهدف إلى كشف الحقيقة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، وضمان عدم تكرار الانتهاكات.

جوهر العدالة الانتقالية يكمن في الموازنة بين العدالة والسلم الأهلي؛ فهي لا تقتصر على محاسبة الجناة، بل تضع الضحايا في قلب العملية، اعترافًا بمعاناتهم وضمانًا لحقوقهم، وهذا ما يجعلها خطوة حاسمة في بناء عقد اجتماعي جديد يقطع مع الماضي المؤلم ويفتح الباب أمام مستقبل مشترك.

ولتقريب الفكرة، سأعرض فيما يلي بعض تجارب الشعوب التي تبنت هذه الرؤية ونفذتها كوسيلة ضرورية لتحقيق الاستقرار، وذلك من جنوب إفريقيا إلى المغرب.

جنوب إفريقيا تُعد النموذج الأكثر شهرة في هذا المجال عبر “لجنة الحقيقة والمصالحة” بقيادة ديزموند توتو، التي وفرت منصة لضحايا نظام الفصل العنصري لسرد معاناتهم، مقابل عفو مشروط للجناة الذين اعترفوا بجرائمهم. هذا النموذج أبرز قيمة الحقيقة العلنية كشرط لتحقيق مصالحة وطنية.

في المغرب، شكّلت “هيئة الإنصاف والمصالحة” تجربة مختلفة، حيث ركزت على جبر الضرر المادي والمعنوي لضحايا “سنوات الرصاص”، مع تقديم توصيات لإصلاح المؤسسات الأمنية والقانونية. أما في أمريكا اللاتينية، مثل الأرجنتين وتشيلي، فقد اعتمدت العدالة الانتقالية على محاكمات واسعة لضباط الأنظمة العسكرية السابقة، معتبرة أن عدم المحاسبة يعني فتح الباب لانتهاكات مستقبلية.

هذه النماذج تؤكد أن العدالة الانتقالية ليست وصفة جاهزة، بل تجربة تُصاغ وفق خصوصية كل بلد، لكنها تشترك في أربع ركائز أساسية: الحقيقة – المساءلة – جبر الضرر – ضمان عدم التكرار.

وهنا لابد أن نتساءل: أين هي سوريا بعد تسعة أشهر من العهد الجديد؟

اليوم، وبعد مرور نحو تسعة أشهر على وصول العهد الجديد في سوريا، تبدو العدالة الانتقالية في قلب النقاش العام والسياسي. وهناك إدراك متزايد لدى السوريين، سواء من الضحايا أو من عموم المجتمع، أن الانتقال إلى مستقبل آمن يتطلب معالجة الماضي، لا طيه أو الهروب منه.

لكن حتى اللحظة، يمكن القول إن الخطوات المتخذة رمزية أكثر منها مؤسسية. فقد جرى الإعلان عن إطلاق سراح دفعات من المعتقلين، وبدأت بعض لجان تقصي الحقائق بالعمل، كما افتُتحت مكاتب لاستقبال شكاوى ذوي المفقودين. هذه خطوات مهمة لكنها لا تزال متواضعة أمام حجم التحديات، فلا توجد حتى الآن استراتيجية وطنية شاملة للعدالة الانتقالية، ولا هيئة مستقلة تُعنى بكشف الحقيقة أو جبر الضرر.

الأخطر أن بعض مؤسسات الدولة لم تُجر إصلاحات جوهرية بعد، مما يترك المخاوف قائمة من إعادة إنتاج المنظومة السابقة بأدوات جديدة.

ما المطلوب من الحكومة الانتقالية؟

إن نجاح سوريا في هذا الملف سيحدد إلى حد كبير استقرارها السياسي والاجتماعي في العقود المقبلة، ولذا يمكن اقتراح مجموعة من الخطوات العاجلة:

    تفعيل هيئة وطنية مستقلة للعدالة الانتقالية، على أن تضم ممثلين عن الضحايا، والمجتمع المدني، والحقوقيين، ومراقبين دوليين لضمان الشفافية.

    إطلاق برنامج وطني لكشف الحقيقة، يركز على جمع الشهادات، وتوثيق الانتهاكات، ونشر تقارير دورية للرأي العام.

    تعويض الضحايا وأسرهم، ماديًا ومعنويًا، عبر صندوق خاص يُمول من الموازنة العامة ومن دعم المجتمع الدولي.

    إصلاح المنظومة الأمنية والقضائية، بما يشمل التدقيق في خلفيات القيادات لضمان عدم تورطها في الانتهاكات السابقة.

    دمج العدالة الانتقالية في المناهج التعليمية والإعلام الوطني، لترسيخ ثقافة عدم الإفلات من العقاب.

    الاستفادة من خبرات دولية من خلال شراكات مع منظمات مثل المركز الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ)، لتفادي الأخطاء وتبني أفضل الممارسات.

وبناء عليه فإن على الحكومة الانتقالية أن تعلم أن تطبيق العدالة الانتقالية ليس ترفاً سياسياً، بل شرط وجودي لبقاء سوريا موحدة وقادرة على النهوض من ركام الاستبداد والحرب. وكل تأخر في معالجتها قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من الثأر والانقسام. بعد تسعة أشهر من العهد الجديد، الفرصة لا تزال قائمة، لكن المطلوب إرادة سياسية شجاعة، وإشراك واسع للضحايا والمجتمع المدني.

فمن دون عدالة، لن تكون هناك مصالحة. ومن دون مصالحة، لن تكون هناك سوريا جديدة بحق.

+963

—————————

العدالة الانتقالية والشرعية السياسية في سورية بعد 8 كانون الأول 2024 (قراءة في الفرص والتحديات)

نشر في 15 أيلول/سبتمبر ,2025

يرى د. محمد حسام حافظ، في ورقته بأن تطبيق العدالة الانتقالية في سورية يمثلُ فرصةً جوهريةً لتعزيز الشرعية السياسية للإدارة الجديدة، إذ يسهم في ترميم الثقة بين المواطنين والدولة، ويعزز من صدقية هذه الإدارة على المستويين الداخلي والخارجي. ويرى حافظ أن أي تساهل من جانب الإدارة السورية في محاسبة كبار مجرمي النظام السابق وداعميه من رجال الأعمال ومموليه، سيقوّض صدقيتها وشرعيتها في نظر السوريين، ويعكس عجزاً وتناقضاً في التعامل مع التحديات المعقدة لملف العدالة الانتقالية، بما قد يفضي إلى ما يشبه “العدالة الانتقائية”. ويضيف د حافظ بأن هذا التناقض يتضح بشكل أكبر في التغاضي عن الجرائم الكبرى مقابل التركيز على معاقبة صغار المنتهكين من دون الالتزام بالمعايير القانونية المقبولة، فضلًا عن غياب الموارد الكافية لتنفيذ إجراءات أساسية، مثل تعويض الضحايا أو تمويل تحقيقات مستقلة.

ويخلص حافظ إلى أن نجاح العدالة الانتقالية هو شرط حاسم لتحقيق المصالحة الوطنية، واستعادة الثقة بالدولة وإدارتها الجديدة، وتعزيز شرعيتها السياسية، وصولاً إلى بناء عقد اجتماعي جديد يضمن المساواة والعدالة في الحقوق والفرص لجميع المكوّنات السورية، مع مراعاة تعدديتها الثقافية.

تجدر الإشارة إلى أن د. محمد حسام حافظ هو مدير المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة. أكاديمي وباحث في القانون والسياسة، ودبلوماسي سابق، وأن بحثه يأتي في سياق ملف مجلة قلمون المخصص لـ   “مسار العدالة الانتقالية في سورية:  تحديات التعافي وبناء المستقبل“.

يمكن الاطلاع على دراسة حافظ كاملة من الرابط الآتي:

والعدد الثاني والثلاثين من مجلة قلمون من الرابط الآتي:

مركز حرمون

————————-

الهيئة الوطنية تتحقق من رفات في حي التضامن بدمشق

أيلول 15, 2025        

استجابت الهيئة الوطنية للمفقودين الأحد 14 أيلول، لبلاغ من مخفر منطقة التضامن في دمشق يفيد بالعثور على رفات عظمية فوق أسطح مبان سكنية.

وأشارت الهيئة في حديثها لوكالة سانا، إلى أنها أرسلت فريقاً ميدانياً مختصاً وذلك بالتعاون مع الدفاع المدني وبحضور ممثلين عن النيابة العامة والأمن الجنائي ومركز الاستعراف في وزارة الصحة.

كما أفادت الهيئة إلى أنه جرى التعامل مع الرفات وفق القواعد التقنية المعتمدة وتخزينها أصولاً، وأن المعطيات الأولية تدل على ملامح مقبرة جماعية خلّفها النظام البائد.

وتندرج استجابة الهيئة ضمن عملها على كشف مصير المفقودين والمختفين قسراً وتوثيق الحالات في قاعدة بيانات وطنية، إضافة إلى تقديم الدعم القانوني والإنساني لعائلاتهم، بموجب المرسوم رقم 19 لعام 2025 الصادر عن الرئيس أحمد الشرع، القاضي بتشكيل الهيئة كجهة رسمية معنية بملف المفقودين.

وفي آب الفائت وقعت الهيئة الوطنية للمفقودين بروتوكول تعاون مع مجموعة من منظمات المجتمع المدني، بهدف إطلاق منصة لدعم جهود الهيئة في مجال التوثيق والبحث وتقديم الحقيقة لعائلات المفقودين في سوريا.

وأكدت الهيئة الوطنية حينها، استمرار عملها في كشف مصير المفقودين وتحقيق العدالة، وفق خطة مستقبلية بالتعاون مع المنظمات الحقوقية والجهات المعنية.

——————————

 توثيق الجحيم في سوريا: متحف للسجون يصنع الذاكرة الجماعية/ واصل حميدة

الأربعاء 2025/09/17

على مدى أكثر من عقد، مثلت السجون السورية أفظع تجسيد للانتهاكات بحق الإنسان، حيث شهد المعتقلون أبشع أشكال التعذيب الوحشي على يد نظام الأسد، إلى جانب التجويع المتعمد، والإخفاء القسري، وابتزاز الأهالي، والإعدامات الجماعية. هذه الممارسات تركت جراحاً عميقة في نسيج المجتمع السوري، وجعلت من السجون ليس مجرد أماكن للرقابة والعقاب؛ بل أيضاً سجلاً مؤلماً للذاكرة الجماعية، ومرتكزاً أساسياً لإرساء أسس العدالة الانتقالية المستقبلية.

توثيق معاناة المعتقلين

وفي خطوة تاريخية نحو توثيق معاناة المعتقلين والمفقودين السوريين، أطلقت مؤسسة متحف السجون أمس الاثنين 15 أيلول في المتحف الوطني في دمشق موقع “متحف سجون سوريا”، بحضور معتقلين سابقين وعائلات مفقودين.

يُعدّ هذا المتحف الافتراضي الأول من نوعه في تاريخ البلاد، ويهدف إلى تحويل الذاكرة الجماعية للسوريين حول السجون إلى سجل علني، يتيح للأجيال الحالية والمقبلة الاطلاع على تفاصيل الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت خلف الجدران المغلقة.

افتُتحت الفعالية بكلمة للمعتقل السابق رغيد الططري، أقدم السجناء السياسيين في سوريا، الذي استعاد ذكرياته داخل المعتقل، مؤكداً أن “المتحف ليس جداراً من صور فقط؛ بل مساحة للعدالة والاعتراف بمعاناة أجيال كاملة عاشت خلف القضبان”. من جانبها تحدثت الصحفية والناجية زينة شهلا عن تجربتها مع الاعتقال، قائلة إن “الذاكرة لا تكتمل إلا حين تصبح متاحة للعامة”، مشيرة إلى أن التوثيق الرقمي يجعل من حكايات النساء المعتقلات جزءاً لا يُمحى من التاريخ السوري.

زيارة افتراضية

المتحف يقدم تجربة لزواره بالدخول افتراضياً إلى الزنازين، وممرات سجن صيدنايا العسكري، الذي لطالما شكّل رمزاً للرعب، حيث أعاد فريق البحث بناء موقع الإعدامات بدقة عالية، بالاستناد إلى شهادات الناجين والأدلة الموثقة.

عمر خيطو، المدير والمؤسس المشارك للمتحف، أوضح لـ”المدن” الغاية من تحويل شهادات الألم إلى فضاء عام يمكن للجميع الاطلاع عليه والتعلم منه، حيث يرفض أن يبقى الحديث عن السجون محصوراً في ذاكرة ضيقة: “من أسوأ الأشياء التي قد تحصل بعد سقوط النظام، هي أن ننسى الضحايا الذين قضوا داخل هذه السجون”. بالنسبة إليه، تسجيل الذكرى ليس رفاهيةً؛ إنما عمل ضروري يواجه خطر التلاشي، ويجب أن يصاحبه فعلٌ تعليميّ وتوثيقيّ، يحفظ أسماء الضحايا، وأماكن اعتقالهم، وآخر مواقع ظهورهم.

المتحف، كما يشرح، يذهب أبعد من كونه معرضاً: هو “أداة تعليمية” مخصّصة للأجيال القادمة، لتبيان كيف عملت منظومة السجون، وكيف استطاع نظامٌ أن يمد سلطته على المجتمع زمناً طويلاً. خيطو لا يخشى مواجهة الأرقام أو الإحصاءات، لكنه يحذر من اختزال التجربة إلى إحصاءٍ جامد، مشدداً على أهمية رصد شواهد الناجين، وربطها بمواقع الاعتقال: “علينا أن نشتغل ونوثّق أسماء المعتقلين، وأماكن اعتقالهم الأخيرة، وننقّب عنها، ونخلّدها في متحف كهذا الذي نطلقه اليوم”. يضع خيطو المتحف في موقع وسيط بين ذاكرة الضحايا وفضاء المجتمع العام: فضاء يذكّر، يعلّم، ويوفّر مادة أولية لأيّة عملية عدالة مستقبلية. دعوته كانت واضحة ومباشرة: توثيق لا ينسى، وذاكرة لا تُغلق أمام الحقيقة.

تفكيك البنية الأمنية

خلال الافتتاح، قدم الباحث محسن المصطفى، من مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، خلاصات بحث تناول “تفكيك البنية الأمنية” للنظام، وآليات إحالة المعتقلين إلى مسارات قضائية ومواقع احتجاز مختلفة.

يشرح المصطفى لـ المدن أن البحث الذي شارك في إعداده مع زميله الباحث ساشا العلو مقسومٌ  ثلاثة فصول رئيسة وخاتمة تتضمّن توصيات، موضحاً أنهما ركّزا أولاً على فكّ بنية الأجهزة الأمنية ودورها، ثم تتبع آليات الإحالة إلى محاكم ومسارات متنوّعة، من محاكم ميدان عسكرية إلى القضاء العسكري، وصولاً إلى الإحالة المباشرة إلى سجن صيدنايا أو العرض على الشرطة العسكرية. ويفسّر أن “التحويل لا يتم عشوائياً”؛ بل يخضع إلى مجموعة من المعايير.

يوجز الباحث خمسة معايير رئيسة تحدد مسارات الإحالة: “طبيعة الجهاز الأمني”، و”طبيعة التهمة”، و”الانتماء المذهبي”، و”الانتماء الجغرافي- المناطقي”، إلى جانب عوامل بنيوية داخل أجهزة القمع نفسها. ويشير المصطفى إلى ملاحظة مقلقة مفادها أن بعض الفئات الجغرافية والمذهبية، وُجّهت إلى مسارات أخطر — في إشارته إلى صيدنايا — بغضّ النظر عن مشاركة الأفراد الفعلية في الاحتجاجات.

خارج التحليل البنيوي، يحمل البحث مجموعة توصيات عملية: إنشاء هيئة وطنية للمفقودين، تأسيس آليات عدالة انتقالية، إصلاح الأجهزة الأمنية والقضاء. ويؤكد المصطفى أن هذه التوصيات ليست طموحات نظرية فحسب؛ بل خطوات لازمة لتفكيك منطق الإفلات من العقاب، وفتح مسارات للمساءلة القانونية.

وختم المصطفى حديثه بأن بحثه يقدم نفسه إلى جهات التحقيق والمخططين السياسيين بوصفه أداة معرفية؛ إذ إن فهم “قواعد اللعبة” داخل منظومة القمع يُعدّ شرطاً مسبقاً لأيّة عملية إصلاح حقيقية أو مساءلة مستقبلية.

من جانبه، قدّم الناجي من سجن صيدنايا دياب سرية ومدير رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، صورةً قاسية لكن مرتّبة عن جدوى تحويل الذاكرة إلى مادة يمكن للكل الوصول إليها. المشروع، كما أوضح دياب لـ”المدن”، شمل توثيقاً رقميّاً ثلاثي الأبعاد لسجن صيدنايا، يسمح بالتجوال داخل غرف الاعتقال، أماكن الإدارة، غرف الإعدام، ومساحات أخرى لم تكن متاحة سوى في شهادات الناجين.

سرية يؤكّد أن هذا التحول النوعي “يعطي صورة كاملة عمّا كانت عليه الحياة في صيدنايا”، بدلاً من أن تظل الشهادات شفهية فقط: “اليوم ننتقل أكثر: الشهادات تكون على شكل فيديو وصور، وبإمكان أي شخص أن يتجول فيها”. ووفق قوله، ليس المغزى توثيق المعاناة فحسب؛ بل تهيئة مدخلٍ عملي لأي تحقيق أو محكمة مستقبلية: “أي قاضٍ أو أي محقق يمكنه أن يطلع على هذه التقنية، ويرى الأماكن التي كنا نتحدث عنها”.

تقديرات الرابطة التي يقودها سرية تشير إلى أرقامٍ كبيرة؛ إذ يقول إنَّ نحو “40 ألف إنسان دخلوا هذا المكان منذ 2011 وحتى 2021″، ويضيف أن عدد الناجين الذين خرجوا أحياء من بين هؤلاء قليل نسبياً لا يتعدى الـ 5 آلاف، وفقاً لعملهم الميداني. ينتهز سرية الفرصة للحديث عن الطموح الأعمق: تحويل سجن صيدنايا نفسه إلى متحف حقيقي محفوظ، كما فعلت دول أوروبا الشرقية مع مواقع الاعتقال السابقة، “كي لا يُنسى ما حصل، ولكي يكون درساً للأجيال”.

السجن مسرح للجريمة

يضع سرية المشروع في قلب نضالٍ مدني طويل، يسعى إلى منع تكرار التجربة: “نحن لا نريد أي سجن صيدنايا آخر… النظام أو أي سلطة جديدة مطالبة بالشفافية الكاملة في موضوع الاعتقال والسجون”. رسالته موجّهة بوضوح: توثيق، مساءلة، ومنع تكرار الانتهاكات من أجل سوريا أخرى تحترم حقوق الإنسان وكرامة مواطنيها.

يفتح متحف السجون السورية اليوم الباب أمام سؤال أساسي عن أهمية حماية السجون والمعتقلات السورية، فكل سجن من سجون الأسد يمثل مسرحاً للجريمة، ويحتفظ في تفاصيله بأدلة قد تقود إلى معرفة مصير المعتقلين، الذين ينتظر ذووهم إجابة منذ اللحظة الأولى لاعتقالهم وحتى يومنا هذا.

توثيق هذه المواقع وحمايتها، ليس مجرد واجب أخلاقي أو تاريخي؛ بل يشكل العمود الفقري لمسار العدالة الانتقالية في سوريا. فالأدلة الحية على سنوات الاستبداد والإجرام هي الضمان الوحيد لمساءلة المسؤولين وتحقيق العدالة، وتمكين السوريين من تجاوز إرث الدم والقهر، وإرساء أسس الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وبناء مستقبل يحترم حقوق الإنسان وكرامته.

المدن

—————————

العثور على رفات نحو 100 شخص استشهدوا بكمين للنظام البائد قبل سنوات في ريف دمشق       

أيلول 18, 2025        

أفاد مصدر في وزارة الداخلية للإخبارية اليوم الخميس 18 أيلول، أنه جرى العثور على رفات نحو 100 شخص استشهدوا بكمين للنظام البائد قبل سنوات على أطراف بلدة العتيبة في ريف دمشق.

وشهدت الفترة الماضية اكتشاف عشرات المقابر الجماعية جراء المجازر التي ارتكبتها قوات النظام البائد كان آخرها الأحد 14 أيلول، وذلك في حي التضامن بدمشق، حيث انتشل الدفاع المدني رفات بشرية يعود لأكثر من 5 أشخاص مجهولي الهوية.

وعثر أهالي بلدة معان شمال شرقي حماة، في منتصف تموز الماضي، على رفات 15 شخصاً داخل أحد الآبار تعود لمجزرة ارتكبها النظام البائد عام 2012.

وتصاعدت المطالبات الشعبية والرسمية بالكشف الكامل عن مصير أكثر من 100 ألف مختفٍ قسرياً، ومحاسبة المتورطين في جرائم القتل الجماعي والإخفاء القسري، وذلك ضمن مسار العدالة الانتقالية الذي نصّ عليه الإعلان الدستوري للبلاد.

وأهاب الدفاع المدني بضرورة إبلاغ مراكزه أو الجهات المسؤولة عند العثور على رفات بشرية أو مقابر جماعية، وعدم العبث بها لما يلحق ذلك من ضرر بالغ بمسرح الجريمة وطمس الأدلة الجنائية التي تعد أساسية في الكشف عن مصير المفقودين وتحديد هوياتهم، وتعقب المتورطين بجرائم الاختفاء القسري.

——————————

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى