سقط النظام الأبدي، ماذا الآن؟/ بكر صدقي

عن تلاقي بداياتٍ صعبة ككل البدايات
03-07-2025
كان سقوط نظام الأسد واحداً من قلائل الأحداث في حياتي التي بلغ فيها تفاعلي الوجداني ذروته، كموت حافظ الأسد، وانطلاق الثورة السورية في العام 2011، وخروجي من سجن تدمر، ولحظة احتضاني لطفلي الأول بعد دقائق على ولادته، ونزوحي مع عائلتي إلى تركيا، وزلزال السادس من شباط (فبراير) 2023…
باستثناء الأشهر الستة الماضية عشت حياتي الواعية كلها في ظل نظام الأسد بما جعلني، مثل الغالبية العظمى من السوريين، أتطبّع مع فكرة الأبد المرادفة لمشاعر اليأس، ليأتي هروب رأس النظام كصدمة إيجابية طرحت عليّ سؤال: ماذا الآن؟
كانت فترة السجن أبدية أيضاً بلا أي أفق يشي بنهاية محتملة، أذكر أنني ذات رأس سنة. في سجن حلب المركزي، كتبتُ على أحد جدران المهجع السابع العبارة المكتوبة على باب جحيم دانتي: «أيها الداخل هذا المكان تخلّ عن كل أمل!» ولامني رفاق على ذلك. كانت وزارة الداخلية تجدد توقيفنا العرفي كل ستة أشهر بصورة روتينية في إطار قانون الطوارئ، ولا يخرج أحد من السجن إلا في حالات خاصة لا تتكرر كثيراً. ثم حدثت ثورات أوروبا الشرقية في العام 1989، وسقط نظام شاوشيسكو في رومانيا بتلك الطريقة المعروفة، فتلمس حافظ الأسد رأسه بقلق جعله يقوم بخطوة غير متوقعة بخصوص وضع المعتقلين السياسيين تمثلت في تقديمهم إلى محكمة أمن الدولة بعد إطلاق سراح مئات منهم. تفاؤل المعتقلين باحتمال خروجهم بعد محاكمات شكلية تكتفي بتبرير سنوات اعتقالهم السابقة سرعان ما انقلب إلى فصل جديد من اليأس بعد صدور أولى الأحكام. كان فايز النوري يحكم على السجناء بـ15 سنة وكأنه يشرب كأساً من الماء، كحال وزير الدفاع المزمن مصطفى طلاس الذي تباهى في مذكراته بأنه كان يوقع على خمسين حكم بالإعدام كل أسبوع، في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، بعد محاكمات ميدانية لا تستغرق أكثر من دقائق. وبالنسبة لمجموعتي كان صدور الأحكام مقدمة لفصل رهيب من فترة السجن تمثل بنقلنا إلى سجن تدمر الذي يتمتع بسمعة فظيعة. سنوات جديدة مضت في تعذيب يومي تقريباً أو في انتظاره، ولم يطلق سراحنا حين انقضت السنوات المقررة في أحكامنا، فبات السجن أبدياً أبدية حكم الأسد على سوريا. أو هكذا بدا قبل أن يقرر الدكتاتور العجوز الاكتفاء وإطلاق سراح من أنهوا فترات أحكامهم. ومع ذلك لم تنس أجهزته الأمنية أن تشترط لإطلاق سراحنا أن نوقع على تعهد مذل يجهز على آخر ما قد يكون بقي في أرواحنا من ضوء.
أسرد هذه الوقائع القديمة وما رافقها من مشاعر، اليوم، ليس لذاتها بل لتشابهها مع ما قد يُمكن تسميته بالقدر السوري المشؤوم: «في سوريا الأسد توقّع الأسوأ دائماً» على ما عبّر ياسين الحاج صالح في مكان ما من كتاباته، فما من قاع يمكن بلوغه ما دام هذا النظام جاثماً على صدور السوريين. تلوح أحياناً بارقة أمل بنهاية الكابوس، ثم سرعان ما يليها نفق يأس جديد. وإذ تظن أنك وصلت أخيراً إلى ما تمنيته وعملت ما بوسعك لبلوغه، تشعر على لسانك بطعم مرّ. تخرج من السجن بعد سنوات فتريد أن تبتهج بحريتك، لكن طعم فمك مرّ. يموت حافظ الأسد «الخالد» فتفرح بطعم مر في فمك. تقوم ثورة شعبية عارمة لا سابقة لمثلها في تاريخ سوريا، فتريد أن تفرح، لكن أنهاراً من الدماء تجعلك تتساءل: هل يستحق الأمر كل هذه الفظاعة؟ وتمرّ سنوات من الخراب والموت العميم على السوريين، ثم تبدأ خطوات التطبيع العربي مع النظام فيُسيطر عليهم يأس بلا ضفاف.
وكما أدى انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية إلى «إصلاحات» أسدية تمثلت في إطلاق سراح بضع مئات من المعتقلين وتحويل البقية منهم إلى القضاء، (وإصدار قانون الاستثمار رقم 10 للعام 1991)، أدت تداعيات عملية «طوفان الأقصى» وانهيار حزب الله في لبنان إلى تخلي «المجتمع الدولي» عن نظام الأسد، فكانت عملية «ردع العدوان» التي قادتها هيئة تحرير الشام بقيادة أبي محمد الجولاني، فانهار نظام الأسد كبيت من ورق. أعني أن أحداثاً تقع في بقاع جغرافية بعيدة أو قريبة تؤدي إلى تغييرات كبيرة في سوريا، مقابل معاندة الواقع السوري لأي تغيير مهما فعل السوريون وبذلوا من جهود من أجل ذلك. هذا ما يجعل السوري يشعر بأنه عاجز عن فعل شيء ذي قيمة مهما بذل من جهد وقدم من تضحيات. إرادتهم لا شيء ما لم «يحدث شيء» خارج إرادتهم وتوقعاتهم.
رقصنا في ذلك الصباح، في إحدى ساحات مدينة عنتاب جنوب تركيا، بضع مئات من السوريين، على إيقاع أغنية «ارفع راسك فوق، أنتَ سوري حر!» وذرفنا دموعاً على ذكرى رفاق لم يعيشوا ليشاركونا بهجة هذا الصباح. هل يمكن وصف أغنية بالذكاء؟ أظن ذلك إذا خاطبت أشواقاً وحسرات عند الجموع. ألم يخرج السوريون في ربيع العام 2011 من أجل الكرامة والحرية؟ ها هي الأغنية تحثنا على رفع الرأس (الكرامة) وتصفنا بأننا أحرار (الحرية) إضافة إلى تأكيدها على الهوية الوطنية السورية. لا يهم إذا كانت الأغنية منتحلة عن أخرى سبقتها في ليبيا (أنت ليبي حر!) أو إذا كان أصل لازمتها يعود إلى أغنية إنكليزية ظهرت في مطلع السبعينات (rise your head up!) في المناخ الثقافي لثورة 1968 في الغرب الأوروبي والأميركي، فهذا ليس أول استلهام من الثقافة الغربية ولن يكون الأخير.
هل كان ثمة مرارة شابت بهجة سقوط النظام؟ لا، بل هواجس ذات صلة بالجماعة التي سيطرت على السلطة بعد انهيار النظام الأسدي. لذلك كانت الفرحة مطلقة بلا استدراكات، وكلما سمعت عبارة «ولكن…» من أحد كنت أنقض عليه بتفاؤلي العارم قائلاً ما معناه: «المهم أن الأبد انتهى، وتاريخ سوريا اليوم مفتوح على كل الاحتمالات، يتوقف على السوريين تقرير مصير بلدهم». ما زلت على قناعة بهذا الكلام، على أي حال، بعد مرور ستة أشهر، لكن تفاؤلي يتراجع باطراد على وقع التطورات السياسية والميدانية ونثريات الحياة اليومية التي نسمع عنها فيزداد طعم الفم مرارةً. فمن الصعب الحديث عن كيان اسمه «السوريون»، إذ طفا على السطح «أمويون» وعلويون ودروز وكُرد ومسيحيون و«فلول» وموالاة جديدة تكاد تتفوّق على نسختها الأسدية بابتذالها وبذاءتها، وربما غبائها؟
أجاد أحمد الشرع الذي عرفناه سابقاً بلقبه الجهادي «أبو محمد الجولاني» تسويق نفسه إعلامياً في الشهر الأول، بلغة مراوغة كان محتواها متسقاً مع تصوراتنا عن تحولاته البراغماتية في السنوات القليلة الماضية. كلامه من النوع الذي يُمكن أن يفسره كل متلقٍ بما يرغب من أفكار وتوجهات. من اللافت، على سبيل المثال، أنه لم يلفظ عبارة «دولة إسلامية» ولا مرة واحدة، ولا فعل وزير خارجيته الشيباني (ركزت الانتقادات على تجنبهما كلمة الديموقراطية، في حين أن ما يجب أن يفاجئ هو تجنب ‘الدولة الإسلامية’). فهيمنت على تحليلاتنا، في الأسابيع الأولى، نزعة رغبوية إلى درجة وافقناه فيها حتى على رفضه للإملاءات الخارجية (وجوب تطبيق قرار مجلس الأمن 2254). اليوم، بعد كل ما جرى في الأشهر السابقة، يبدو لي أن القرار المذكور فيه حكمة (بعد سقوط النظام وليس قبله)، ولو أصر المجتمع الدولي على فرضه ربما تجنبت سوريا مجازر الساحل وانتهاكات جرمانا وصحنايا وإجراءات سلطة دمشق الأحادية الهادفة إلى إقامة نظام تسلطي مستنسخ إلى هذا الحد أو ذاك عن نموذج نظام الأسد. هل سينجح في ذلك أم لا؟ هذا موضوع آخر.
والحال أن نذر التطورات المشؤومة قد برزت في صباح الثامن من كانون الثاني ذاته، فإلى جانب «ارفع رأسك فوق» رقصنا أيضاً على أغنية «مندوسهم، مندوسهم!». صحيح أنني لم أحببها، لكنني «مرّقتها» بلا تعليق، اعتبرتها تنفيساً لا ضرر منه عن غلّ متراكم لدى السوريين حتى لو تلت مطلعها عبارة «وبسيفك نقطع روسهم!» فهذا مجرد كلام، مقابل السلوك المنضبط الذي لاحظناه عند مقاتلي «ردع العدوان» أثناء تقدمهم على الطريق إلى دمشق، بلا إراقة دماء ولا أي تدخل في حياة السكان.
كان جوابي على من يسألني عما إذا كنت أفكر بالعودة إلى سوريا، هو بالإيجاب، مثلي في ذلك مثل كثيرين ممن قابلتهم في ذلك التجمع في الساحة صباح الثامن من كانون الأول، وكذلك في الأيام وبضعة الأسابيع التالية. وحين فكرت في الأمر وجدت أن العائق الوحيد الذي يؤخرني عن التنفيذ المباشر إنما هو عائق مادي يمكن تداركه بعد فترة. هل فكرت في العودة إلى النشاط السياسي بعد عودتي المفترضة ولو بعد بضعة أشهر؟ لم أجد في نفسي حماساً للنشاط السياسي بمعناه المباشر، لكني أعرف أن الأمر لن يكون موضوع اختيار، بل من المحتمل أن يُفرض عليّ الانخراط بشكل أو بآخر، بالنظر إلى تاريخي كما إلى عملي في الكتابة الصحفية. ما كنت أتوق إليه حقاً هو العيش في سوريا بلا نظام الأسد، يتمتع فيها الناس بالحريات وتحترم فيها السلطة المواطنين وتعمل لنيل رضاهم ليعيدوا انتخابها في الانتخابات القادمة، ويتساوى فيها السوريون أمام القانون ويتمتعون بفرص متكافئة، إلى آخر ما هنالك من مواصفات الدولة الحديثة في نماذجها المحترمة.
ثم حدث ما هو غير متوقع على الصعيد الشخصي. كنت قد تقدمت بطلب لجوء إلى فرنسا مع عائلتي قبل بضع سنوات، لأن البقاء في تركيا لم يعد خياراً. وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2024 تمت مقابلتنا في القنصلية الفرنسية في إسطنبول، وقيل لنا أن ننتظر النتيجة، قبولاً أو رفضاً، في غضون ستة أشهر. وهكذا دخلت في مناخ نفسي قلق استعداداً لرحيل قريب. لكن بدء معركة ردع العدوان غيرت هذا المناخ النفسي فأصبحت أقل اكتراثاً بنتيجة المقابلة. أما وقد انتهى الأبد الأسدي فقد تخلصت تماماً من تلك الحالة، وبخاصة بعدما قامت معظم دول الاتحاد الأوروبي بتجميد البت بطلبات اللجوء. لقد أراحني هذا من فكرة اغتراب جديد لم أكن متحمساً له. لكن اتصالاً من القنصلية جاءني في الأسبوع الأول من شهر نيسان وضعني مجدداً أمام اختبار صعب. فقد أخبرني الموظف أن طلبي تم قبوله وعليّ أن أسافر في غضون شهرين! بضعة أيام تنازعتني فيها مشاعر وهواجس مرهقة، من المحتمل أن مجازر الساحل التي جرت قبل ذلك بشهر قد ساهمت في ترجيح فكرة استثمار الفرصة المتاحة والسفر إلى فرنسا. هذا يعني ضمناً نسيان فكرة العودة إلى سوريا، لسنتين على الأقل، من غير أن أضمن أنني سأعيش لأكثر من ذلك.
السفر للحج والناس راجعة منه، ليس أمراً يسهل ابتلاعه. بأي حق، بعد اليوم، أستطيع أن «أتفلسف» على السوريين وأنتقد السلطة الجديدة؟ أفقط لأنني أحمل الجنسية السورية؟ بأي حق بعدما سقط نظام الأسد وزال السبب الأصلي الذي دفعني للنزوح إلى تركيا؟ وأي مبررات لديّ لاغتراب جديد وأنا لم أتعرض شخصياً ولا عائلياً لأي أذى مباشر في سوريا الجديدة، وإن كان عدم التعرض في حال العودة إلى سوريا ليس مضموناً. ثم إنك تتخلى عن حياة مستقرة ومريحة بدرجة معقولة في تركيا لترمي بنفسك في المجهول، في بيئة اجتماعية غريبة وسيتعين عليك تعلم لغة جديدة في هذا العمر.
حسمت أمري وبدأت استعدادي للسفر خلال أسابيع قليلة. وفي السابع عشر من شهر أيار (مايو) الماضي هبطت مع عائلتي في مطار ليون. فصل جديد من حياتي، أحاول فيه الاشتباك مع لغة جديدة وثقافة جديدة وبيئة جديدة من أصدقاء سبقوني إلى هنا بسنوات. بداية صعبة ككل البدايات. أعرف أنني لن أنفصل عن الشؤون السورية على مستوى المتابعة والكتابة الصحفية على الأقل. وسيبقى حلم العودة، يوماً ما، يُداعب بعض أحلامي. وسيجد السوريون طريقة ما للمضي قدماً، لا بد لهم من ذلك.
موقع الجمهورية



