عن أزمة الموقوفين السوريين في لبنان -مقالات مختارة-

عن الدور السوري الجديد العابر للحدود/ سميرة المسالمة
الثلاثاء 2025/07/15
وسط المعادلات الجيوسياسية الجديدة، وما تشهده المنطقة من تحولات سياسية عميقة تعيد رسم خريطة النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط، وفي وقت تتقاطع فيه الملفات الكبرى من اليمن إلى غزة، ومن طهران إلى دمشق وبيروت، تفتح الولايات المتحدة الأميركية الباب واسعًا أمام أدوار جديدة للدول التي كانت على هامش التأثير الإقليمي خلال العقد الأخير، وفي مقدمتها سوريا، التي تستعيد مكانتها خارج التصنيف الإرهابي أو المتصدر لقائمة المعاقبين دولياً. ما يقود إلى لحظة إعادة ترتيب للمشهد الشرق أوسطي بكليته، مع التركيز على سوريا باعتبارها نقطة التقاء إقليمي بين المحاور المتصارعة، وممرًا طبيعيا للربط الاقتصادي والسياسي بين المنطقة الشرق أوسطية والعالم.
ضمن ذلك، لا يمكن تجاهل التصريحات الأميركية الأخيرة حول لبنان والعلاقة المتداخلة مع سوريا، بوصف الأخيرة حاضنة ما كان يسمى بلاد الشام، (التي تضم سوريا، لبنان، الأردن وفلسطين)، وهي وإن حملت طابعاً تهديدياً، تُظهر اعترافاً ضمنياً، بأن استقرار لبنان لا يمكن أن يُفصل عن محيطه الطبيعي، وبأن الفراغ السياسي في بيروت لا يمكن ملؤه من دون شراكة سورية-عربية تتيح للبنان الخروج من أزماته المتشابكة.
لكن هل يعني هذا إعادة إنتاج وصايات أو أدوار قديمة؟ أم أنه مجرد “تهويش إعلامي” بما يمكن أن يشكله تدخل النظام السوري الجديد بطابعه الإسلامي وخلفيته الجهادية، لوضع سكة الحلول اللبنانية على مسار التطبيق، بعد تراخي الأطراف في التعامل معها؟ وضمن ذلك استعادة دور سوريا كلاعب مطلوب لصياغة هندسة التوازن الاقليمي. ولعل ذلك كان يمكن تفهمه لبنانياً، في ظل علاقات بينية حديثة، وليس من موقع القوة فقط، أو الرغبة الأميركية، بل من باب المسؤولية الإقليمية الجديدة التي قد تتسلمها حكومة دمشق (الجديدة) كجزء من صفقة استقرار أكبر في المنطقة.
طبعا، ظلت العلاقة السورية ـ اللبنانية تاريخياً محفوفة بالتوتر في كافة العقود. إذ خرج البلدين من عباءة بلاد الشام، وتالياً من إسار الفكرة القومية، إلى عهد الاستقلال لشعبين في بلدين. بيد إن ذلك التوتر تفاقم أكثر بسبب من عوامل خارجية، وليس بسبب عوامل داخلية. فمنذ البداية وجد البلدان نفسيهما إزاء نظامين سياسيين مختلفين، فقد بني النظام السياسي في لبنان على أسس ديمقراطية، برلمانية، طائفية، في حين بني النظام السياسي في سوريا على أساس نظام “جمهوري”، مركزي، أفضى فيما بعد إلى نظام تسلطي بكل معنى الكلمة، خصوصاً في عهد نظام الأسد (الأب والإبن).
وبسبب من ذلك، فقد عرف لبنان نوعاً من الحريات الديمقراطية، بما فيها حرية الأحزاب والإعلام والحريات الشخصية، والانتخابات البرلمانية، والتداول على السلطة، والاقتصاد الحر، في حين لم تشهد سوريا شيئاً من ذلك، ما شكل أساساً للتوتر المضطرد بين النظامين في البلدين.
وشكلت إسرائيل والصراع العربي الإسرائيلي سبباً آخر للتوتر، وسهل تمركز المقاومة الفلسطينية في لبنان، بعد إخراجها من الأردن (1970) من حيث تدري أو لا تدري، أن تلعب الحركة الوطنية الفلسطينية دور حصان طروادة للنظام السوري، حيث تمكن من إدخال جيشه إلى لبنان، بدعوى وقف “الحرب الأهلية” فيه (1976)، الأمر الذي جعله يهيمن على الشعب والدولة، وعلى الأحزاب والإعلام، لثلاثة عقود (1976 ـ 2005).
وفي مرحلة امتدت لعقدين من الزمن، من العام 2005 إلى العام 2024، بات النفوذ السوري في لبنان غاية في الضعف، خصوصاً بعد موجة اغتيالات مارسها النظام وأعوانه لساسة ورموز لبنانية، وبعد اندلاع الثورة السورية (2011)، إذ بدا أن هذا النظام بات مديناً لإيران، وأذرعها الميلشياوية، وتحديداً “حزب الله”، بالبقاء. الأمر الذي انتهى بعد “طوفان الأقصى”، وحرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على الفلسطينيين في غزة (أواخر 2023)، والتي وصلت تداعياتها إلى شن إسرائيل حرب مدمرة في لبنان أدت إلى تقويض البنى العسكرية لحزب الله، واغتيال قيادته، مع حرب معلنة على إيران. وقد وفرت حرب الإبادة الإسرائيلية معطيات إقليمية ودولية أدت إلى انهيار النظام السوري، جملة وتفصيلاً، لصالح فصائل المعارضة المسلحة بقيادة هيئة تحرير الشام.
على ذلك، فإن البلدين يعيشان في هذه الظروف في طور مرحلة جديدة في العلاقات بينهما، مع نظامين جديدين في سوريا ولبنان، ومع معطيات عربية وإقليمية ودولية مختلفة عن السابق، خصوصاً بعد انتهاء نفوذ إيران في المشرق العربي. ما يجدر بناء تفاهمات تتجاوز مخلفات الماضي، والترويجات المتسرعة، والمغرضة، التي تتحدث عن الجولان مقابل طرابلس، أو عن العودة إلى فكرة بلاد الشام.. فكلها مجرد ادعاءات وتصريحات لا أساس مادياً أو قانونياً لها.
في ظل التحولات المتسارعة في المنطقة، تبرز الحاجة إلى دور سوري- لبناني متوازن لا يُبنى على الأوهام التاريخية أو المشاريع العابرة للحدود، بل على رؤية وطنية واقعية تستند إلى المصالح المشتركة والاحترام المتبادل بين الدول. والتعاطي المسؤول مع هذه المتغيرات في كلا البلدين، هو ما سيحمي الاستقرار ويصون القرارات الوطنية في وجه العواصف المقبلة. ولعل أولى الخطوات يفترض أن تأتي من لبنان، بالإفراج عن معتقلي الرأي السوريين، الذين تم الزج بهم في السجون اللبنانية في الحقبة الماضية، وإنهاء حالة الفوضى على الحدود والاعتداءات المتكررة على عناصر الأمن العام.
إن مستقبل العلاقة بين سوريا ولبنان، كما سائر محيطها، ينبغي أن يُبنى على أسس السيادة والتكامل الاقتصادي والتعاون الأمني، بعيدًا عن أي خطاب وحدوي ماضوي أو وصاية سياسية، أو تصفية حسابات دولية تستخدم سوريا كذراع لها في المنطقة
المدن
————————————-
مئات الموقوفين السوريين في لبنان: قنبلة موقوتة على طريق بيروت – دمشق!/ نادر حجاز
12 يوليو 2025
“فُتحت سجون سوريا ولا نزال نحن خلف القضبان.. فمتى خلاصنا؟”، عبارة توجّه بها الموقوفون السوريون في لبنان إلى رئيس بلادهم أحمد الشرع، خلال تحرّك احتجاجي منذ شهرين داخل “سجن رومية”، الذي يُعتبَر الأكبر والأكثر اكتظاظًا.
تصدّرت قضية الموقوفين السوريين المشهد اللبناني في الساعات الأخيرة، بعد تسريبات إعلامية تحدّثت عن تصعيد سوري مرتقب تجاه بيروت.
فقد نقل “تلفزيون سوريا” أن الرئيس أحمد الشرع أعرب عن استيائه، خلال لقائه وفد دار الفتوى في دمشق برئاسة مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، بسبب ما اعتبره تجاهلًا من السلطات اللبنانية لملف الموقوفين السوريين.
وبحسب التسريبات، لوّح الشرع باتخاذ خطوات تصعيدية متدرجة، تبدأ بتجميد بعض القنوات الأمنية والاقتصادية، وقد تصل إلى إغلاق المعابر البرية وفرض قيود على حركة الشاحنات اللبنانية.
نفي غير رسمي
ورغم الضجة الكبيرة التي أحدثتها هذه التسريبات، لم يصدر أي تصريح عن جهة رسمية سورية تعليقًا على ما أشيع. إنما النفي جاء على لسان مصدر في وزارة الإعلام السورية، مؤكدًا أن “لا صحة لما يتداول عن وجود نية لدى الحكومة السورية باتخاذ إجراءات تصعيدية تجاه لبنان”.
وأضاف: “تؤكد الحكومة السورية على أولوية ملف المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية وضرورة معالجته بأسرع وقت من خلال القنوات الرسمية بين البلدين”.
الشيباني إلى بيروت
تفيد المعلومات بأن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، يعتزم القيام بزيارة إلى بيروت كانت مقرّرة أواخر حزيران/يونيو الماضي، إلا أن موعدها لم يُحدّد بعد. ومن المتوقّع أن يكون ملف السجناء السوريين بندًا رئيسيًا على جدول أعمالها.
وتُعرب مصادر سياسية لبنانية، عبر “الترا صوت”، عن استغرابها لعدم قيام أي مسؤول سوري رفيع بزيارة رسمية إلى لبنان منذ سقوط نظام بشار الأسد، رغم ما يفترض أن تكون عليه العلاقات الوثيقة بين البلدين، لا سيما في ظل الأزمات المتراكمة بينهما منذ عقود.
وأما المفارقة في المقابل، بحسب المصادر، أن رئيسي حكومتين لبنانيتين، هما نجيب ميقاتي ونواف سلام، زارا دمشق والتقيا الشرع.
وبالتالي فإن زيارة شيباني حتى وإن حصلت في الأيام المقبلة ستكون متأخرة جدًا بعدما جال في زيارات خارجية كثيرة عربية وغربية، ولم يمرّ بجارته الأقرب.
قنبلة الموقوفين
في هذه الأثناء، لا يعني النفي السوري غير المباشر، عدم وجود أزمة خفية بين دمشق وبيروت على مستوى ملف الموقوفين، لا سيما وأن قسمًا كبيرًا من هؤلاء هم جزء من قضية “الموقوفين الإسلاميين في لبنان”، الذين يبلغون حوالى 1500 سجين، وقد أوقفوا بغالبيتهم بعد اندلاع الثورة السورية في العام 2011 على خلفية ارتباطهم بالجماعات الإسلامية في سوريا، ومن بينها جبهة النصرة، (هيئة تحرير الشام)، التي كان يرأسها الشرع (أبو محمد الجولاني).
وعليه فهذا الملف بمثابة قنبلة موقوتة تحتاج الى تفكيك سريع عبر القنوات الرسمية بين البلدين، لا سيما وأن أصوات لبنانية تنادي أيضًا بضرورة صدور عفو عن هؤلاء، في حين يعترض آخرون على اعتبار أن بعض السجناء محكومين بقضايا تعرّض للجيش اللبناني وبتفجيرات استهدفت مناطق لبنانية عدة.
تشريع ضروري
الكاتب المتخصّص في الشؤون القضائية والأمنية يوسف دياب يشرح عبر “الترا صوت” تفاصيل هذه القضية والاجراءات المطلوبة من الجانب اللبناني، موضحًا أن “ملفات الموقوفين السوريين تخضع للإجراءات القضائية اللبنانية العادية. والمتهمون سواء بجرائم أمنية أو عادية يُحاكموا، وقسم كبير منهم صدرت بحقهم أحكام”،وكشف أن هناك 370 موقوفًا من المتهمين بجرائم أمنية صدرت بحقهم أحكام نهائية، وكان لبنان مستعدًا لتسليمهم إلى سوريا، إلا أن الأمر تبيّن أنه يتطلّب إبرام اتفاقية لتبادل المحكومين بين البلدين.
وأضاف دياب: “توجد اتفاقية بين لبنان وسوريا لتسليم المطلوبين، أما تسليم المحكومين فيتطلّب إبرام اتفاقية جديدة. وبعد توقيعها من الجانبين، ينبغي أن يصدر قانون بشأنها عن مجلس النواب اللبناني، ليُصبح بإمكان لبنان تسليمهم إلى سوريا. أما الموقوفون، فلا يمكن تسليمهم بأي حال من الأحوال قبل استكمال محاكماتهم وصدور أحكام مبرمة بحقهم.”
وعن شروط التسليم، أشار دياب إلى ضرورة تعهّد الجانب السوري باستكمال مدة العقوبة لهؤلاء في سوريا وضمان منع عودتهم الى لبنان بعد انقضاء مدة محكوميتهم.
كشف دياب أن “أكثر من 2000 سوري موقوفين في لبنان بتهم مختلفة، تشمل السرقة والمخدرات والقتل والتزوير وغيرها. وهؤلاء لا يشملهم القانون في حال صدوره، إلا إذا كان قد صدر بحقهم حكم مبرم، ولم يكن هناك أي ادعاء شخصي ضدهم، إضافة إلى تسديدهم كامل التعويضات المطلوبة للمدّعين”.
وعمّا إذا كانت هذه المسألة ستفجّر مشكلة بين البلدين، قال دياب: “لا أعتقد أن سوريا ستخلق أزمة مع لبنان، ونفت هذا الموضوع. ولن تقبل بمخالفة القانون اللبناني. وأستبعد أن يكون هناك اجراءات عقابية او اجراءات دبلوماسية واقتصادية قاسية بحق لبنان كما أشيع”.
ولفت إلى أن “السجناء السوريين قد يستفيدوا في حال صدور عفو عام في لبنان عن كل الجرائم. ما سيؤدي الى تخفيض محكوميتهم”.
علاقة غير ناضجة
ربما لن تتجه العلاقة بين دمشق وبيروت نحو مسار تصعيدي، لكن من الواضح أنها لم تنضج بعد، لأسباب متعددة وظروف دقيقة ومتشابكة تحيط بها. فرغم أن المبادرة اللبنانية سبقت نظيرتها السورية، فإن الموروث السياسي والتاريخي والجغرافي الثقيل يجعل من أي أزمة سببًا للتوتر، كما حدث في الاشتباكات الحدودية التي استدعت تدخلًا سعوديًا لعقد قمة بين وزيري دفاع البلدين في جدة.
صحيح أن انتهاء حكم الأسد طوى عقودًا عجافًا من العلاقات بين البلدين الجارين، لكن المرحلة التي تلت ذلك قد تحتاج إلى سنوات طويلة لترميم ما تصدّع.
الترا صوت
——————————–
سقط بشار وبقي سوطه في رومية/ عالية منصور
آخر تحديث 12 يوليو 2025
الساعة السادسة و18 دقيقة بتوقيت دمشق، سوريا من دون بشار الأسد..
بهذه الكلمات أعلن الزميل حسين الشيخ نبأ سقوط النظام السوري وهروب بشار الأسد من البلاد في صباح الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 على شاشة “الحدث”.
سقط نظام الأسدين وهرب بشار من البلاد، تحرر السوريون من إجرام وقمع لم تنكشف كل تفاصيله بعد، فكل يوم نسمع عن قصة جديدة، ومقبرة جماعية جديدة، أساليب لا تخطر على بال الشيطان نفسه في التعذيب والقتل، أطفال سرقوا من أحضان عائلاتهم وتغيرت أنسابهم بـ”شحطة” قلم مسؤول في نظام الأسد، باعهم مسؤولون في نظام الأسد. معتقلون بيعت أجسادهم، فحتى تجارة الأعضاء مارسها هذا النظام.
فُتحت السجون وخرج من بقي حياً، ولا زال مصير عشرات الآلاف مجهولاً، بدأ العالم يسمع قصص سجن صيدنايا، وفرع فلسطين. شاهد العالم أين وكيف التقطت صور “قيصر”، وهو الذي كان يسمع بقيصر وتدمر وصيدنايا ويصم آذانه عن تصديق ما يسمع.
7 شهور على فتح السجون ليخرج السوريون إلى الحياة، ولكن لم تفتح كل أبواب السجون وما زال العشرات من السوريين محرومين من أدنى مقومات الحياة، نحو 170 معتقلا على خلفية الثورة السورية لا زالوا في سجون النظام اللبناني ينتظرون الحرية والعودة إلى بلادهم.
التغيرات التي حصلت في المنطقة طالت شيئاً من النظام اللبناني ولكنها لم تطل بنيته، وكأن هناك في العمق من يرفض أن يصدق أن بشار الأسد سقط، وكأن هناك من ينتظر عودته ليخبره بأنه كان وفياً لنهجه حتى بعدما فر هو شخصياً من البلاد.
نحو 170 معتقلاً على خلفية الثورة السورية ما زالت حريتهم مصادرة ومسجونين في سجن رومية في لبنان، صار العالم يعرف كم اعتقل الأسد سوريين ظلماً وكيف عذبهم، ولكن هل يعرف العالم أن بعض السوريين استشهد تحت التعذيب في لبنان؟ هل يُسمع صوتهم اليوم وهم لا يتوانون عن إطلاق صرخات استغاثة؟
حسن حربا، شاب بسيط هجرته ميليشيا “حزب الله” اللبنانية من بلدته في القصير فلجأ إلى لبنان، حسن كان يعمل في بيع الحليب والأجبان، ذهب إلى مبنى الأمن العام اللبناني بمدينة بعلبك في 26 فبراير/شباط 2015 لإجراء تسوية الوضع لشرعنة إقامته في لبنان، فتم توقيفه ومن ثم نقله إلى فرع أبلح التابع لمخابرات الجيش اللبناني في منطقة البقاع، وليبدأ التحقيق معه على أنه شخص آخر اسمه حسن يونس حربا “أبو علي الوادي”، حسن تعرض للتعذيب الشديد وسحبت منه اعترافات على أنه شخص آخر، ولكن حتى بعدما قدم الدفاع والشهود كل ما يثبت أن المطلوب أبو علي الوادي قتل في إحدى المعارك في سوريا وأن بيانات الموقوف حسن حربا مختلفة بالكامل عدا تشابه الأسماء، إلا أن المحكمة العسكرية قررت الحكم على حسن حربا بائع الحليب بالمؤبد. وللمفارقة، قبل نحو شهرين أصدرت المحكمة الفيدرالية في واشنطن حكماً اعتبر المحكمة العسكرية في لبنان أداة بيد “حزب الله”.
حسن ليس حالة نادرة في السجون اللبنانية، فأغلب المعتقلين السوريين قصتهم كقصة حسن، وقد تكون أكثر إيلاماً وظلماً، ولكن للمفارقة أيضاً المعتقلون ظلماً في سجن رومية ليسوا فقط من السوريين، فهناك عشرات اللبنانيين المعتقلين دون محاكمات منذ أكثر من عشرة أعوام لمناصرتهم الثورة السورية، ومن لا يعرف كيف تلفق الاتهامات في لبنان بحق كل من عارض بشار الأسد و”حزب الله”.
ملف المعتقلين اليوم وتلكؤ السلطات اللبنانية عن إيجاد حل سريع وعاجل يقضي بتسليم معظمهم إلى السلطات السورية، ومحاولات بعض المسؤولين اللبنانيين مقايضة هذا الملف بملفات أخرى يطرح سؤالاً جدياً عن شكل العلاقة التي يريدها لبنان مع سوريا، فحتى هذه اللحظة لم يتحدث أي مسؤول سوري عن ارتكابات “حزب الله” في سوريا ولم يفتح باب المطالبة بالتعويضات عما اقترفه هذا “الحزب” من جرائم بحق السوريين، جرائم ارتكبت تحت أعين الجيش اللبناني والسلطات اللبنانية والحكومات التي كان جزءاً منها.
حتى اللحظة لم تقدم أمام المحاكم شكوى رسمية ضد الأجهزة الأمنية التي قتلت معتقلين سوريين تحت التعذيب أثناء التحقيق معهم في لبنان، في وقت تخرج أصوات لبنانية تطالب بالتعويضات عن جرائم الأسد في سوريا وعن كشف مصير المفقودين اللبنانيين في سجون الأسدين، وهي طلبات محقة ولكن النظر بعين واحدة هو ما يثير الاستغراب.
تنتظر السلطات اللبنانية زيارة رسمية من وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لتباشر بحلحلة الملفات العالقة، ولكن هل يبرر تأجيل الزيارة لأسباب خارجة عن إرادة الطرفين الاستمرار في مصادرة حياة البشر؟ ألم يتحدث رئيس الحكومة اللبنانية السابق نجيب ميقاتي بعد زيارته دمشق في عيد التحرير أنه تم الاتفاق على تسليم المعتقلين للدولة السورية؟ ألم يذهب الرئيس نواف سلام بزيارة إلى دمشق ويبحث الأمر؟ الرئيس السوري أحمد الشرع أكد أنه لن يتخلى عن المعتقلين وهو يتابع ملفهم شخصياً، فلماذا لا تبادر السلطات اللبنانية إلى إطلاق سراحهم كبادرة حسن نية للعلاقات بين البلدين بعد كل ما شابها خلال العقود الماضية
قبل الساعة 6:18 دقيقة من صباح 8 ديسمبر 2024 كنا نرفع الصوت يومياً مطالبين بعدم تسليم هؤلاء المعتقلين إلى نظام الأسد، وكانت السلطات اللبنانية بأكملها تقول بضرورة تسليمهم فعبء “إقامتهم وإطعامهم” في سجونها لم يعد محتملا، بعد الساعة 6:18 دقيقة من صباح 8 ديسمبر 2024 لا تمر لحظة دون أن يطالب المعتقلون وأهاليهم ورفاقهم بضرورة تسليمهم إلى السلطة الجديدة في سوريا، ولكن فجأة ما كان مطلباً لبنانياً صار المسؤولون اللبنانيون يرون دونه تعقيدات قانونية.. كيف؟ لا جواب.
المجلة
——————————–
ملف الموقوفين السوريين في لبنان: اختبار جديد للعلاقات بين دمشق وبيروت
2025.07.11
في ظل العلاقات المتداخلة بين لبنان وسوريا، يبرز ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية كإحدى القضايا الإنسانية الملحّة بين البلدين. وتفيد مصادر حقوقية بأن أكثر من ألفي سجين سوري يعيشون أوضاعًا صعبة داخل السجون اللبنانية، في حين يؤكد الجانب السوري على أهمية إيجاد حلول سريعة وعادلة لهذا الملف الإنساني والأمني.
ويُعد هذا الملف من أبرز القضايا في العلاقات بين البلدين بعد التغييرات السياسية الأخيرة في سوريا، حيث يدور النقاش حول سبل معالجة أوضاع الموقوفين السوريين بشكل يحترم حقوقهم الإنسانية ويحقق التعاون المشترك بين بيروت ودمشق. وتبدي الأوساط المعنية في البلدين حرصها على إيجاد آليات واضحة تضمن تسوية هذا الملف بما يراعي القوانين والمعايير الإنسانية.
في هذا السياق، تتزايد التساؤلات بشأن مصير أكثر من ألفي موقوف سوري، معظمهم دون محاكمات، ويأمل ذووهم في معالجة أوضاعهم وتحسين ظروفهم داخل السجون، في انتظار خطوات عملية تضع حدًا لمعاناتهم.
وتتعامل الإدارة السورية الجديدة، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، مع ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية بوصفه قضية كيانية غير قابلة للتنازل أو التأجيل، مؤكداً أنه شرط أساسي لأي مسار تعاون سياسي أو اقتصادي بين بيروت ودمشق.
ووفق معطيات خاصة حصل عليها «تلفزيون سوريا» من مصادر لبنانية، فقد عبّر الشرع، خلال استقباله وفداً من دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية برئاسة مفتي لبنان الشيخ عبداللطيف دريان، عن استيائه الشديد من تلكؤ السلطات اللبنانية في معالجة هذا الملف، مشيراً إلى أن التجاهل المتكرر من بيروت لهذا “الملف الإنساني” لم يعد مقبولاً.
وأبلغ الرئيس السوري الوفد الديني اللبناني أنه قرر تكليف وزير الخارجية السوري، أسعد شيباني، بزيارة بيروت في الأيام القليلة المقبلة خصيصاً لبحث هذا الملف، مشدداً على أن هذه الزيارة ستكون بمثابة “الفرصة الدبلوماسية الأخيرة” قبل أن تتخذ دمشق خطوات تصعيدية سياسية ودبلوماسية متدرجة ضد الحكومة اللبنانية. كما أكد الشرع أن معالجة قضية الموقوفين هي أولوية قصوى تسبق أي نقاش في ملفات التعاون أو إعادة العلاقات أو حتى مسارات اللاجئين.
من جهته، عبّر وفد دار الفتوى، الذي ضم مفتي المناطق، عن امتعاضه البالغ من طريقة تعامل السلطات اللبنانية مع قضية الموقوفين السوريين، لا سيما ما يتصل بالتوقيف العشوائي وسوء المعاملة والتمييز في آليات المحاكمة والمعالجة القانونية.
وبحسب المعلومات، فقد أبلغ عدد من مفتي المناطق الرئيس السوري بأن الإهمال الرسمي اللبناني قد يفتح الباب أمام انفجار ملف آخر موازٍ، وهو ملف الموقوفين الإسلاميين اللبنانيين، الذي يضم قرابة 1500 سجين لبناني لا يزالون قيد الاحتجاز على خلفية دعمهم للثورة السورية، أو مشاركتهم في إيصال مساعدات أو دعم لوجستي لفصائل معارضة قاتلت نظام الأسد السابق.
وأشارت مصادر لبنانية متابعة للّقاء إلى أن الوفد الديني ألمح إلى أن استمرار تجاهل هذا الملف قد يؤدي إلى تفجيره سياسياً داخل لبنان نفسه، لا سيما أن بعض القوى السياسية تستخدم ملف الموقوفين الإسلاميين كورقة مساومة سياسية وأمنية، وهو ما لا يمكن القبول به، وفق تعبيرهم.
انتحار معتقل
وتطالب منظمات حقوقية الحكومة اللبنانية أن تبادر إلى بلورة «خطة طوارئ حدودية» تتضمّن معالجة عاجلة لملف الموقوفين، وتنسيقاً سياسياً وأمنياً رفيع المستوى مع دمشق لتفادي خيار الإقفال، إضافة إلى مسار دبلوماسي مع الجهات الدولية المانحة لتأمين دعم مالي ولوجستي يحدّ من الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية المحتملة على لبنان.
وكان قد شهد سجن رومية اللبناني، حادثة مأساوية جديدة تمثّلت بانتحار السجين السوري محمد فواز الأشرف شنقًا يوم الجمعة الماضية، ما أعاد تسليط الضوء على الظروف اللاإنسانية التي يعيشها مئات الموقوفين السوريين في لبنان، سواء الملاحقين بتهم جنائية أو أولئك المعتقلين على خلفية سياسية مرتبطة بمواقفهم من الثورة السورية.
وبحسب ما أفاد به فريق “أنقذوا المعتقلين السوريين في لبنان”، فإن الأشرف كان معتقلاً منذ أكثر من سنتين ونصف دون محاكمة، رغم تدهور حالته الصحية والنفسية، وحرمانه من إدخال علاجات أساسية. وقد وجد نفسه في عزلة قانونية واجتماعية، إذ لا أقارب له في لبنان، وينحدر من محافظة حمص، بينما زوجته أجنبية. وتؤكد لجنة “أهالي سجناء لبنان” أن حالته ليست فريدة، بل تُجسّد معاناة شريحة واسعة من السجناء السوريين الذين يُحتجزون لفترات طويلة من دون إحالتهم إلى القضاء، ما يتسبّب بانهيارات نفسية وانتحارات متكررة.
أما على الصعيد الإنساني، فإنّ الحدود اللبنانية-السورية تشكّل متنفّساً رئيسياً لحركة العودة الطوعية للاجئين السوريين. وتشير تقديرات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين إلى أنّ ما يفوق 628 ألف سوري عادوا عبر المعابر البرية في الفترة بين ديسمبر 2024 ويونيو 2025، ما يجعل أي إقفال جديد مدخلاً لأزمة إنسانية مزدوجة تطول العائدين والمجتمعات اللبنانية المضيفة على السواء.
تلفزيون سوريا
—————————————–
دمشق تلوّح بالتصعيد ضد بيروت: ما علاقة زيارة باراك؟/ واصل حميدة
الجمعة 2025/07/11
شهدت العلاقة السورية اللبنانية اليوم تصعيداً مفاجئاً تمثل بتصريحات غير مسبوقة صدرت عن الرئيس السوري أحمد الشرع، تجاه السلطات اللبنانية، على خلفية ما اعتبرته دمشق تجاهلاً متعمداً ومتكرراً لملف المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية، وفي مقدمتها سجن رومية سيئ الصيت.
مصادر سياسية مطلعة كشفت لموقع “تلفزيون سوريا” المقرب من الحكومة، أن الشرع وجّه تعليمات عاجلة لوزير الخارجية السورية أسعد الشيباني، بالتوجه إلى بيروت في الأيام القليلة المقبلة، محمّلاً بملف واحد يتقدّم على سائر الملفات: مصير السوريين المحتجزين داخل السجون اللبنانية، وضرورة الإفراج عنهم أو نقلهم وفق تفاهمات قانونية وسياسية واضحة. وأوضحت المصادر أن القيادة السورية المؤقتة تنظر إلى هذا الملف باعتباره اختباراً حقيقياً لجدية العلاقة بين البلدين في مرحلة ما بعد الأسد.
في السياق ذاته، كشفت المعلومات أن دمشق تدرس اتخاذ خطوات متدرجة قد تبدأ بتجميد بعض قنوات التعاون الأمني والاقتصادي مع لبنان، وإعادة تقييم العمل المشترك على الحدود، وصولاً إلى احتمال إغلاق بعض المعابر أو فرض قيود مشددة على حركة الشاحنات اللبنانية الداخلة إلى سوريا. وقد تصاعدت المخاوف من إغلاق كامل للمعابر البرية، بعد أن أقدم أهالٍ لمعتقلين سوريين على قطع طريق بعلبك-الهرمل عند معبر جوسية الحدودي، في رسالة رمزية تعكس عمق التوتر الشعبي.
امتصاص التوتر
في المقابل، سارعت وزارة الإعلام السورية إلى محاولة امتصاص التوتر، بنفي ما تم تداوله من أخبار عن وجود نية حكومية لاتخاذ إجراءات تصعيدية ضد لبنان، مؤكدة أن دمشق “تتمسك بضرورة معالجة ملف المعتقلين السوريين عبر القنوات الرسمية والدبلوماسية”.
هذا التصعيد السوري المفاجئ يأتي عقب أيام فقط من زيارة المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك، إلى بيروت، حيث أدلى بتصريحات حملت في طياتها رسائل إقليمية دقيقة بشأن الدور السوري في لبنان، رغم تجنّبه الإشارة إليه بشكل مباشر. باراك، الذي بدا حريصاً على الإبقاء على خيوط التوازن الدقيقة بين جميع الأطراف، شدد خلال لقاءاته مع مسؤولين لبنانيين على أن استقرار لبنان لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الداخل، منبهاً إلى أن واشنطن لا تملي حلولاً، لكنها تتابع المشهد باهتمام بالغ، وتراهن على إصلاح العلاقات الإقليمية
في إحدى تلك التصريحات، قال باراك إن لبنان وسوريا جزء من نسيج مشترك، وأن العالم يمنح البلدين الآن فرصة تاريخية للعبور نحو مرحلة جديدة من الاستقرار، بشرط أن تتوفر الإرادة السياسية. وقد ألمح إلى أن التقارب السوري اللبناني مطلوب وضروري، سواء لترسيم الحدود أو لضبط المعابر، أو لإعادة تشغيل عجلة التبادل الاقتصادي.
ورغم حرص باراك على إبقاء “حزب الله” ضمن إطار القضية اللبنانية الداخلية، فقد تطرّق إلى أهمية معالجة ملفه ضمن رؤية لبنانية جامعة، محذراً في الوقت ذاته من أن الفرص لا تنتظر طويلاً، في إشارة إلى ضرورة اتخاذ قرارات سيادية سريعة تواكب التحولات الإقليمية، ومن بينها التقارب بين دمشق وتل أبيب، ومسار التطبيع المتدرج الجاري منذ أسابيع في الكواليس.
توقيت التحرك
في هذا السياق، يرى محللون أن الشرع اختار التوقيت بعناية للضغط على بيروت في قضية المعتقلين، مستثمراً المناخ الإقليمي المتغير، والدعم الدولي المتزايد لحكومته الانتقالية. ويعتقد مراقبون أن الضغط السوري لا يقتصر على بعد إنساني أو حقوقي، بل يحمل أبعاداً سياسية عميقة، مفادها أن سوريا لم تعد تقبل بلعب دور الطرف الغائب في المعادلة اللبنانية، وأنها مستعدة لحماية مصالح مواطنيها بكل الوسائل الممكنة، بما في ذلك استخدام أدوات الردع الدبلوماسي والاقتصادي.
قضية سجن رومية باتت تمثل قنبلة موقوتة داخل العلاقة بين دمشق وبيروت. إذ تقول منظمات حقوقية إن المئات من السوريين لا يزالون محتجزين دون محاكمات عادلة أو توجيه تهم رسمية، وأن هناك حالات موثقة لتوقيفات تعسفية استمرت لسنوات دون مراجعة قضائية. وتتهم أطراف في دمشق بعض الجهات السياسية اللبنانية بتوظيف الملف كورقة مساومة في التوازنات الداخلية، ما يضاعف من غضب الشارع السوري، ويحرج الحكومة الانتقالية التي وعدت بتحقيق كرامة مواطنيها في الداخل والخارج.
ورغم النفي الرسمي لأي نية تصعيدية، فإن التحركات الشعبية على الأرض، والتصريحات المتسربة من دوائر صنع القرار السوري، تشير إلى أن المسألة دخلت طوراً جديداً من التوتر المحسوب، وأن الأيام المقبلة قد تحمل تغييرات في مستوى التعامل السوري مع لبنان، خصوصاً إذا لم يحقق وزير الخارجية الشيباني اختراقاً واضحاً في زيارته المنتظرة.
في الوقت ذاته، تبدو الولايات المتحدة حريصة على بقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين الطرفين، وتعمل على هندسة تسوية هادئة تعالج الملف من دون أن تنفجر العلاقة مجدداً أو تعود إلى زمن التوترات الأمنية.
ومع غياب موقف لبناني رسمي واضح إزاء ما يحدث، تبقى الأسئلة معلقة: هل تمضي دمشق فعلاً نحو خطوات تصعيدية؟ أم أن ما جرى اليوم لا يتعدى كونه رسالة ضغط محسوبة لتثبيت أوراق تفاوضية قبل الجلوس إلى الطاولة؟
ما حدث اليوم لا يمكن قراءته كمجرّد موجة غضب عابرة من دمشق، بل كمحاولة لإعادة ترسيم حدود العلاقة بين الجارين. الرئيس الشرع، الذي يسعى لترسيخ مكانته كفاعل إقليمي يحترم التوازنات لكنه لا يتنازل عن الكرامة السيادية، يستخدم ورقة المعتقلين كورقة أخلاقية، وإنسانية، وسياسية في آن معاً.
إذا استمر التجاهل اللبناني، فإن الحكومة السورية قد تجد نفسها مضطرة للمضي أبعد من التهديد، خصوصاً أن جمهورها الداخلي يتوقع تحركاً حازماً يعكس خطاب المرحلة الجديدة. أما إذا تجاوبت بيروت، فقد يكون هذا الملف مدخلاً لتفاهمات أوسع تشمل الحدود والاقتصاد وربما الأمن.
المدن
————————————
دمشق تنفي أنباء التصعيد ضد لبنان بسبب ملف الموقوفين السوريين
الجمعة 2025/07/11
نفى مصدر في وزارة الإعلام السورية لقناة “الإخبارية السورية”، “صحة ما يتم تداوله عن وجود نية لدى الحكومة السورية باتخاذ إجراءات تصعيدية تجاه لبنان”.
وقال المصدر: “تؤكد الحكومة السورية على أولوية ملف المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية، وضرورة معالجته بأسرع وقت من خلال القنوات الرسمية بين البلدين”.
الشرع هدد بالتصعيد؟
وكان موقع “تلفزيون سوريا” قد نقل في وقت سابق اليوم الجمعة، عن مصادر لبنانية، أن الرئيس السوري أحمد الشرع، عبّر خلال استقباله وفداً من دار الفتوى اللبنانية برئاسة مفتي الجمهورية الشيخ عبداللطيف دريان، عن استيائه الشديد من تلكؤ السلطات اللبنانية في معالجة هذا الملف، مشيراً إلى أن التجاهل المتكرر من بيروت لهذا “الملف الإنساني” لم يعد مقبولاً.
وقالت المصادر إن الشرع أبلغ الوفد الديني اللبناني، بأنه قرر تكليف وزير الخارجية السورية أسعد شيباني، بزيارة بيروت في الأيام القليلة المقبلة خصيصاً لبحث هذا الملف، مشدداً على أن هذه الزيارة ستكون بمثابة “الفرصة الدبلوماسية الأخيرة”، قبل أن تتخذ دمشق خطوات تصعيدية سياسية ودبلوماسية متدرجة ضد الحكومة اللبنانية. كما أكد الشرع أن معالجة قضية الموقوفين هي أولوية قصوى تسبق أي نقاش في ملفات التعاون أو إعادة العلاقات أو حتى مسارات اللاجئين.
رد المفتين
وقال “تلفزيون سوريا” إن وفد دار الفتوى، عبّر عن امتعاضه البالغ من طريقة تعامل السلطات اللبنانية مع قضية الموقوفين السوريين، لا سيما ما يتصل بالتوقيف العشوائي وسوء المعاملة والتمييز في آليات المحاكمة والمعالجة القانونية.
وأضاف أن عدد من مفتي المناطق أبلغوا الرئيس السوري، بأن الإهمال الرسمي اللبناني قد يفتح الباب أمام انفجار ملف آخر موازٍ، وهو ملف الموقوفين الإسلاميين اللبنانيين، الذي يضم قرابة 1500 سجين لبناني لا يزالون قيد الاحتجاز على خلفية دعمهم للثورة السورية، أو مشاركتهم في إيصال مساعدات أو دعم لوجستي لفصائل معارضة قاتلت نظام الأسد السابق.
ونقل الموقع عن مصادر لبنانية متابعة للّقاء، أن الوفد الديني ألمح إلى أن استمرار تجاهل هذا الملف قد يؤدي إلى تفجيره سياسياً داخل لبنان نفسه، لا سيما أن بعض القوى السياسية تستخدم ملف الموقوفين الإسلاميين كورقة مساومة سياسية وأمنية، وهو ما لا يمكن القبول به، وفق تعبيرهم.
—————————————-
احتجاجات سورية عند الحدود: المعتقلون السياسيون مؤشر لاشتباك لبناني سوري/ لوسي بارسخيان
الجمعة 2025/07/11
بينما تتصاعد منذ أيام التحركات لمواطنين سوريين على مقربة من حدود لبنان الشمالية الشرقية، للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية، توجهت الأنظار الى الجهة السورية من هذه الحدود اليوم الجمعة، إثر أنباء جرى تداولها، عن خطوات تصعيدية ستتخذها سوريا من أجل الضغط على السلطات الرسمية اللبنانية حول هذا الملف. إلا أن هذا الأمر جرى نفيه على المستوى الرسمي في سوريا، على رغم ما ذكرته مصادر اعلامية نقلا عن جهات مسؤولة، حول كونها “تولي الملف الأولوية، وتشدد على ضرورة معالجته بأسرع وقت من خلال القنوات الرسمية بين البلدين”.
غير أن توالي التحركات الشعبية حول هذا الملف، كشفت عن نار تغلي تحت الرماد في أوساط المجتمعات السورية، ولا سيما تلك التي نزحت الى لبنان لأسباب سياسية قبل سقوط نظام بشار الأسد، حيث تطالب بعض العائلات باستعادة “معتقلي الرأي” أو “المعتقلين السياسيين” الذين زج بهم في السجون على خلفية مناصرة الثورة السورية بوجه نظم بشار الأسد. وتوزعت آخر هذه التحركات اليوم الجمعة بين قطع طريق جوسيه، وتجمعات عند معبر جديدة يابوس المقابل لمعبر المصنع على الطرف السوري من الحدود، وفي تلة الحصن، وفي قلب مدينة تلكلخ.
مطلب الأهالي في كل من هذه التجمعات وفقاً لأوساط إعلامية سورية هي استعادة هؤلاء المعتقلين، خصوصا أن تهمة الإرهاب سقطت عنهم برأيها مع سقوط نظام بشار الأسد. وبحسب معتقل “رأي” في سجن روميه تواصلت معه “المدن” وتحفظ على ذكر اسمه، “فإنه لا يعقل لمسؤولين لبنانيين أن يقابلوا الرئيس أحمد الشرع، وهو من كان يشاركنا عقيدتنا بالتحرير، بينما لا يزال لبنان على المستوى الرسمي يماطل في تسليمنا لسلطته”.
ويقول المعتقل أنه “بعد الثامن من كانون الأول الماضي كل لحظة تمر علينا في السجن، هي مقابل سنوات مما قبل التحرير، والأهالي ضاق صدرهم”. ويؤكد المعتقل “أن ليس المطلوب الإفراج عنا إنما تسليمنا للسلطات السورية، وهذا ما كنا نخشاه قبل سقوط بشار الأسد حتى لا نسلم الى المشانق، بينما نحن نثق بالسلطة الجديدة”. ويعرب عن خشيته “من أن يتحول ملف المعتقلين ورقة تفاوض يحاول البعض أن يستغلها لغايات سياسية”.
في سجون لبنان وفقا لأرقام غير رسمية نحو 160 معتقل رأي على خلفية الثورة السورية، وتتقاطع قضايا هؤلاء مع ملفات المعتقلين الإسلاميين في السجون اللبنانية. وإنطلاقاً من هنا جرى الربط في بعض الأوساط بين زيارة وفد مشايخ لبنان برئاسة مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان، الى سوريا، واعتبار التحرك الشعبي استكمال لما بحث في لقاءات مغلقة حول ملف المعتقلين الإسلاميين عموماً.
الا أن مفتي بعلبك الشيخ أيمن الرفاعي نفى لـ “المدن” أي بحث لهذا الملف في سوريا. مؤكدا أن موضوع المعتقلين لم يبحث “لا بأول الزيارة ولا في نصفها ولا آخرها”. وتحدث المفتي في المقابل عن تضخيم لما يجري من تحركات شعبية حول ملف المعتقلين السوريين بالسجون اللبنانية، وكأن المطلوب منها برأيه “المساومة على ملفات أخرى”. وإعتبر الرفاعي “أن هذا الملف لا يعالج بالشارع” داعيا “من لديه مطلب ليرفعه الى دولته لتخاطب السلطات الرسمية من دولة الى دولة. وحينها يجب تطبيق القوانين المرعية، وإذا كانت المعاهدات المعقودة بين الدولتين تقضي بتسليم هؤلاء الى سلطات بلدهم فليسلَّموا، وإذا لا، فنحن في دولة لبنانية تتبع قوانينها”. رافضاً أي محاولة لاستعادة مرحلة التدخل بالشؤون اللبنانية.
ودعا الرفاعي في المقابل لأن يكون رفع الصوت لتسريع الملفات والمحاكمات، والمطالبة بالإصلاح في القوانين. لافتا فيما يتعلق بملف الموقوفين الإسلاميين عموماً، “الى أن الدولة اللبنانية لا تتعامل مع الملف بالجدية المطلوبة. فهناك موقوفين ومعتقلين تأخرت محاكماتهم، وقسم كبير ملفاتهم تكاد تكون شبه فارغة”. وأضاف “نشعر أن القضاء بهذا الموضوع تحديدا كأنه يتباطأ وبالتالي يدفع الى الظن أن هذا الملف مسيس.”
وإذ تمنى الرفاعي “أن يطوى هذا الملف، وخصوصا بالنسبة للمعتقلين الإسلاميين”، شدد على أن “أي ملف يثبت تورط بالاعتداء على الجيش اللبناني او محاولة اثارة فتنة، لا يتحمله أحد أو يدافع عنه.”
يذكر أن المطلب بالافراج عن معتقلي الرأي السوريين في السجون اللبنانية بدأ منذ لحظة سقوط نظم بشار الأسد. وربطت بعض العائلات السورية وخصوصا في منطقة عرسال عودتها الى بلادها بالإفراج عن أبنائها المعتقلين. واتخذت التحركات المؤيدة لاقفال الملف منحى تصاعدياً خلال الأشهر الماضية، وخصوصا بعد اضراب عدد من المعتقلين السياسيين في سجن روميه عن الطعام، ولكن من دون أن تصل الأمور الى خواتيمها المرجوة بالنسبة لهم حتى الآن.
————————————-
ملف الموقوفين السوريين: قنبلة موقوتة بين لبنان وسوريا/ فرح منصور
الجمعة 2025/07/11
يبرز ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانيّة كقضية حساسة قد تُفجّر العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في أي لحظة. وتصدّر هذا الملف واجهة النقاشات في لبنان بعد التداول بنية الحكومة السورية اتخاذ إجراءات تصعيدية تجاه لبنان تصل إلى حد إقفال المعابر الحدودية بين البلدين بسبب عدم تسليمها الموقوفين، قبل أن توضح السلطات السورية الأمر.
زمع ذلطك، يحظى هذا الملف باهتمامٍ قضائيّ وسياسيّ بالغ في الداخل اللبناني، لكونه ملفًا حساسًا يحتاج إلى مسارٍ واضح قائم على التنسيق بين البلدين
أرقام رسمية
يقبع داخل السجون اللبنانية أكثر من 2100 سجين سوريّ، بينهم 1756 سجينًا داخل السجون الرئيسية، وحوالى الـ350 أصدرت بحقهم أحكامًا مبرمة، والعدد الأكبر من باقي السجناء لم يتم محاكمتهم منذ سنوات طويلة وفقًا لمصادر أمنية لـ”المدن”. الموقوفون السوريين يشكلون حوالى 30 بالمئة من عدد السجناء في لبنان. ومن ضمنهم، مئات السجناء بتهم الارهاب، والانتماء لتنظيمات جهادية وفصائل مسلحة، وشن هجمات على الجيش اللبناني. ومع سقوط نظام بشار الأسد، فُتح النقاش مجدّدًا بين لبنان وسوريا لكنه لم يصل لأي خطوة متقدمة.
يشرح مصدر قضائي لـ”المدن” “وجود اتفاق قضائي بين البلدين منذ العام 1951، ذكر في مضمونه شروط تسليم السجناء وهي أن يكون التسليم فرديًا وليس جماعيًا، ويتطلب ذلك تقديم طلب رسميّ لكل سجين من النائب العام السوري للنائب العام اللبناني، وأن يكون المطلوب تسليمه مُلاحقًا في سوريا، ويحق للقضاء اللبناني أن يمتنع عن التسليم إذا كانت الجريمة ذات طابع سياسيّ أو ارتكبت على الأراضي اللبنانية”.
في السياق، أفاد مصدر قضائي آخر لـ”المدن” إلى “أن لجنة التنسيق المُشتركة بين البلدين حُلّت بعد سقوط نظام بشار الأسد وحاول القضاء اللبناني التواصل معهم عدة مرات لكنه أبلغ بعدم تعيين أي لجنة بديلة وأن مقرهم الرسمي أقفل، ومنذ ذلك الوقت لم يتم التواصل مع أي أحدٍ في هذا الملف”. وأضاف المصدر نفسه إلى أنه بحسب القوانين، “لا يمكن تسليم جميع الموقوفين لسوريا، بل يجب مُتابعة ملف كل سجين بشكل منفرد، بسبب اختلاف الجرائم، مضيفًا إلى وجود حاجة لحصول القضاء اللبناني على ضمانة بأن يستكمل السجين محكوميته في سوريا في حال لم ينهها داخل السجون اللبنانية، مشيرًا إلى أن الأمور ليست واضحة ويجب إعادة ترتيبها وتوضيحها مع الجانب سوريا بشكل مفصّل، خصوصًا بعد سقوط نظام الأسد، وما تبعه من تغيير في بعض القوانين والإجراءات الإدارية والقضائية في سوريا”.
اقتراح رجّي
في المقابل، نفى وزير الخارجية والمغتربين اللبناني يوسف رجّي، اليوم الجمعة 11 تموز تلقي أي إشعار رسمي بزيارة نظيره السوري أسعد الشيباني إلى بيروت، مؤكدًا أن وزارة الخارجية اللبنانية لم تتسلم أي مذكرة سورية لا عبر القنوات الدبلوماسية المباشرة ولا من خلال اللجنة المشتركة.
ووفقًا لمعلومات “المدن” فإن وزارة الخارجية اللبنانيّة لم تتبلّغ رسميًا من الدولة السورية نية الرئيس أحمد الشرع بتصعيد الضغط الدبلوماسي والاقتصادي على لبنان بسبب هذا الملف. وحسب المصادر فإن رجي سبق أن اقترح تخطي الإجراءات الإدارية والقضائية التي تحتاج لوقت طويل لترتبيها بين لبنان وسوريا، وأن يباشر القضاء اللبناني بتجهيز لائحة مفصلة حول السجناء السوريين وتهمهم والأحكام الصادرة بحقهم، وفرز كل الأسماء لتسريع حلّ هذا الملف وتسليم سوريا كل سجين تنطبق عليه شروط الاسترداد، لكن لم ينفذ هذا الأمر.
وعلى الرغم من نفي دمشق للمعلومات المتداولة، لكن يبدو مُلحًا معالجة هذا الملف لأسباب كثيرة وأبرزها لتخفيف الاكتظاظ داخل السجون اللبنانية، إلا أن هذه القضية تأخذ مسارًا سياسيًا دقيقًا، خصوصًا في ظل وجود سجناء جرى توقيفهم بسبب انتماءهم إلى الجيش السوري الحر الذي شكله منشقون عن الجيش السوري السابق وقاتلوا بشار الأسد. وبعضهم شنّ هجمات على عناصر في الجيش اللبناني خلال معارك سابقة، وهؤلاء تحديدًا، لا يمكن للقضاء اللبناني تسليمهم. ومع إعادة طرح هذا الملف، تبقى بعض التساؤلات عالقة: هل تتأثر العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في حال تأخر البت به؟ أم سنشهد على اتفاقٍ سياسيّ قريب ينهي هذا الملف المزمن والشائك؟
المدن
———————————-
ملفّ السجناء السوريين يربك لبنان وحلّه يحتاج أطراً قانونية/يوسف دياب
أكثر من 2000 موقوف بينهم نحو 800 يحاكمون بقضايا أمنية
11 يوليو 2025 م
عاد ملفّ السجناء السوريين في لبنان إلى الواجهة مجدداً، إثر تسريب معلومات تتحدّث عن «استياء الإدارة السورية حيال مماطلة لبنان في تسليمهم إلى بلادهم، والتلويح بإجراءات سياسية واقتصادية ضدّ لبنان».
وخلقت هذه المعلومات إرباكاً في الأوساط السياسية اللبنانية، قبل أن يسارع الجانب السوري إلى نفيها.
وكشف مصدر رسمي لبناني لـ«الشرق الأوسط»، أن «اتصالات سريعة أجرتها الحكومة اللبنانية مع المسؤولين السوريين، الذين نفوا صحّة هذه المعلومات». وشدد المصدر على أن «ملفّ السجناء السوريين لا يزال في صلب اهتمام المراجع السياسية والقضائية والأمنية، وتجري مقاربته بالطرق القانونية»، مؤكداً «استعداد لبنان للتعاون في تسليم السجناء السوريين الذين تنطبق عليهم شروط التسليم من دون مخالفة القوانين والأنظمة المرعية الإجراء».
ونقل «تلفزيون سوريا»، في تقرير له، معلومات عن الإدارة السورية الجديدة، تفيد بأن الرئيس أحمد الشرع «عبّر خلال استقباله وفداً من دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية برئاسة مفتي لبنان الشيخ عبد اللطيف دريان عن استيائه الشديد من تلكؤ السلطات اللبنانية في معالجة قضية السجناء السوريين، وأشار إلى أن هذا التجاهل المتكرر من بيروت لهذا الملف الإنساني لم يعد مقبولاً». وأعلن التقرير أن الرئيس الشرع «لوّح بإجراءات سياسية واقتصادية قاسية ضدّ لبنان، بينها فرض قيود على حركة الشاحنات اللبنانية العابرة للأراضي السورية وإقفال بعض المعابر البرية».
وسارعت مصادر مطلعة على نتائج زيارة مفتي الجمهورية اللبنانية إلى دمشق، إلى نفي هذه المعلومات جملة وتفصيلاً، وأكدت لـ«الشرق الأوسط»، أن الرئيس الشرع «لم يناقش مع المفتي دريان والوفد المرافق ملف السجناء السوريين لا من قريب ولا من بعيد، بدليل أن البيان الذي صدر عن دار الفتوى في الجمهورية اللبنانية لم يتحدث عن هذا الأمر».
ويوجد في السجون اللبنانية أكثر من 2000 موقوف سوري، بينهم نحو 800 يحاكمون بقضايا أمنية، ويتهمهم القضاء العسكري اللبناني بـ«ارتكاب جرائم إرهابية»، ما دفع هؤلاء إلى مناشدة الرئيس أحمد الشرع مرات عدّة للعمل على نقلهم إلى بلادهم وإكمال محاكمتهم هناك. وكشف مصدر في إدارة السجون التابعة لوزارة العدل اللبنانية أن «اللجنة القضائية – الأمنية التي شكلتها وزارتا الداخلية والعدل أنجزت ملفات عائدة لمئات السجناء السوريين من أجل تسليمهم إلى بلادهم، إلّا أنها اصطدمت بعقبات قانونية حالت دون إتمام هذه المهمّة». وأكد لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يمكن تسليم أي سجين إلى بلاده ما لم يكن محكوماً»، مشيراً إلى أن قرار التسليم «لا يسري بأي حال على الموقوفين الذين لم تصدر أحكامٌ بحقهم، خصوصاً إذا كان الشخص ارتكب جريمته في لبنان وضحيته مواطن لبناني». وقال: «توجد عدد من الاتفاقيات القضائية الموقعة ما بين لبنان وسوريا، بينها اتفاقية استرداد المطلوبين، أي إذا ارتكب مواطن سوري جرماً في لبنان يمكن تسليمه للسلطات اللبنانية لمحاكمته والعكس صحيح». وشدد على أنه «لا توجد اتفاقيةٌ لتسليم المحكومين، ويمكن لوزارتي العدل في البلدين أن توقعا هذه الاتفاقية قريباً، وبعدها تُحال على المجلس النيابي لإقرار قانون بشأنها»، لافتاً إلى أنه «إذا تحقق هذا الأمر يمكن أن يستفيد منها 370 سورياً محكوماً عليه ويقضي عقوبته بالسجون اللبنانية».
وينتظر أن يزور وزير العدل السوري مظهر الويس، بيروت، قريباً ليبحث مع المسؤولين اللبنانيين عدداً من الملفات ذات الاهتمام المشترك، ولا يستبعد المصدر اللبناني «إمكانية توقيع اتفاقية تتعلق بنقل المحكومين»، معتبراً أن لبنان «صاحب مصلحة في نقل مئات السجناء السوريين إلى بلادهم، شرط أن تتوفر الشروط القانونية لذلك»، وأن الأمر «لا يعالج بطريقة عشوائية، أو بإرسال حافلات إلى السجون وترحيل السجناء عبرها».
وشهد سجن روميه المركزي في الأشهر الماضية حالات شغب وفوضى، خصوصاً في «المبنى ب» الذي يضم الموقوفين الإسلاميين، بينهم السوريون المتهمون بجرائم أمنية. وطالب مثيرو الشغب بـ«إقرار قانون العفو العام وتحسين ظروفهم داخل السجن». كما أعلن أكثر من 100 موقوف سوري إضراباً عن الطعام في 12 فبراير (شباط) الماضي، واستمروا لمدة أسبوعين، لكنهم علقوا الإضراب بعد زيارة وفد من السفارة السورية سجن روميه ولقائه عدداً من المضربين عن الطعام، وإبلاغهم بأن الحكومة السورية ستولي ملفهم الاهتمام اللازم.
وأكد مصدر في وزارة العدل اللبنانية لـ«الشرق الأوسط» أن «هناك اتصالات قائمة ما بين وزارتي العدل في لبنان وسوريا». وقال: «أبدينا استعدادنا الكامل للتعاون بملفّ السجناء السوريين، ونحن جاهزون للبدء بتنفيذ عمليات تسليم المحكومين السوريين إلى بلادهم، عندما تستكمل كل الإجراءات القانونية».
الشرق الأوسط»
——————————–
هل اتخذت سوريا إجراءات تصعيدية تجاه لبنان؟
تأخذ قضية المعتقلين السوريين في سجن “رومية” في لبنان، أولوية في ملف العلاقات بين دمشق وبيروت، في وقت دار حديث عن اتخاذ الحكومة السورية “إجراءات تصعيدية تجاه لبنان لتجاهله الملف”.
قناة “الإخبارية السورية”، نقلت عن مصدر في وزارة الإعلام السورية، اليوم 11 من تموز، نفيه لاتخاذ إجراءات تصعيدية تجاه بيروت بشأن هذا الملف.
وقال المصدر إنه “لا صحة لما يتم تداوله عن وجود نية لدى الحكومة السورية باتخاذ إجراءات تصعيدية تجاه لبنان”.
وأضاف، “تؤكد الحكومة السورية على أولوية ملف المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية وضرورة معالجته بأسرع وقت من خلال القنوات الرسمية بين البلدين.
وكان موقع “تلفزيون سوريا” نقل عن مصادر وصفها بالخاصة، قوله إن الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، هدد بـ”تصعيد دبلوماسي واقتصادي ضد بيروت بسبب تجاهل ملف الموقوفين السوريين في لبنان”.
المصادر، حسب الموقع، قالت إن دمشق تدرس “خيارات تصعيدية تدريجية” ضد لبنان تبدأ بتجميد بعض القنوات الأمنية والاقتصادية، كما تدرس إعادة النظر في التعاون الأمني الحدودي المشترك، و إغلاق معابر حدودية وفرض قيود على الشاحنات اللبنانية”.
الرئيس اللبناني، جوزيف عون، أبدى خلال لقائه بوفد مجلس العلاقات العربية والدولية، اليوم، الجمعة 11 من تموز، حرص بلاده على إقامة علاقات جيدة مع سوريا.
وقال عون، “نحرص على إقامة علاقات جيّدة مع سوريا، مع التأكيد على عدم التدخّل في الشؤون الداخلية لأيّ من البلدين”.
ويقبع العديد من السوريين في السجن منذ سنوات دون محاكمات عادلة، بحسب أهالي السجناء، وهناك من لم يعرض على لجنة القضاء منذ أكثر من تسع سنوات.
يعاني نزلاء سجن رومية بشكل عام نقصًا في الرعاية الصحية والغذاء والخدمات الأساسية.
وتقدر سعة سجن رومية بـ 1200 سجين فقط، بينما يحتجز فيه اليوم أكثر من أربع أضعاف هذا العدد.
ويعود الأمر في هذا الاكتظاظ بشكل أساسي إلى سوء الأوضاع في مناطق تقع فيها بعض السجون، واضطرار السلطات لنقل السجناء إليه، ولجوء القضاة إلى التوقيف الاحتياطي والتوقيف غير المبرر وبطء عمليات المحاكمة.
وناقش وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، مع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في 18 من أيار الماضي، ضرورة تسريع إنهاء معاناة السوريين الموقوفين في سجن رومية.
وأكد الشيباني حينها أن الحكومة حريصة بالكاملة على إنهاء هذا الملف في أقرب وقت ممكن، وذكر أنه اتفق مع نواف سلام على بعض خطواته العملية.
كما بحث الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية والمغتربين مع وفد لبناني برئاسة نواف سلام، في 14 نيسان الماضي، مصير المفقودين والمعتقلين ونسقوا ملفات قضائية بين البلدين.
عنب بلدي
——————————–
مطالب سورية أمنية وقضائية وسياسية: الكمّاشة حول لبنان تكتمل
السبت 2025/07/12
تقدَّمَ الجانب الشائك من العلاقات اللبنانية السورية. هذا الملف الذي كان مؤجلاً، يقترب من الانفجار في توقيت مفصلي وحساس. إذ يعيش فيه لبنان ضغوطاً من اتجاهات متعددة، أولاً من جهة إسرائيل بالمعنى الأمني والعسكري، وثانياً من جهة الولايات المتحدة الأميركية بالمعنى السياسي، وثالثاً من جهة سوريا بالمعاني المختلفة، سياسياً، اقتصادياً، وحتى أمنياً. يعتبر لبنان أن هناك خللاً في إدارة التنسيق مع دمشق، أما سوريا فتعتبر أن هناك قنوات تواصل واضحة ومعروفة من خلال اللجنة العسكرية والأمنية التي تنسق، ويجب أن يمرّ كل شيء من خلالها.
قبل الزيارة أم بعدها؟
بحسب المصادر في سوريا، فإن دمشق أوصلت مطالبها إلى لبنان عبر أكثر من محطة، عند زيارة رئيس الحكومة نواف سلام ولقائه بالرئيس أحمد الشرع، أو من خلال التواصل مع المسؤولين العسكريين اللبنانيين في لجنة المتابعة. ولكن حتى الآن لم تتلق دمشق أي جواب من لبنان على مطالبها.
بالنسبة إلى المسؤولين اللبنانيين، فهم كانوا بانتظار زيارة وفد رسمي سوري برئاسة وزير الخارجية أسعد الشيباني، على رأس وفد من الوزراء المعنيين بالملفات العالقة، للعمل على معالجتها. لكن الزيارة لم تحصل حتى الآن، ولم يطلب الشيباني أي مواعيد رسمية من المسؤولين اللبنانيين.
بحسب ما تقول مصادر من دمشق، فإن ما تريده سوريا هو نجاح الزيارة، أي أن يتم معالجة ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية وحلّه نهائياً، وأن تكون زيارة الشيباني تتويجاً لهذا الأمر، بينما لبنان يعتبر أن ذلك غير ممكن لأن الموقوفين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: المحكومين بجنايات، والمحكومين بجرائم “إرهابية”، وغير المحكومين، ولكل مجموعة من هؤلاء آلية قضائية معينة تحتاج إلى دراسة وإجراءات وتسريع محاكمات لغير المحكومين.
علاقات متوجسة
لكن الأسباب ليست قانونية أو تقنية فقط، بل في خلفياتها جوانب سياسية كثيرة. بالنسبة إلى سوريا، صحيح أن أكثر من زيارة رسمية أجرتها وفود لبنانية إليها، ولا سيما رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وبعده رئيس الحكومة نواف سلام، ولكن السوريين يعتبرون أن رئيس الجمهورية جوزاف عون لم يجر أي زيارة إلى دمشق، علماً أنه زار الأردن، العراق، وقبرص. أي كل الدول المجاورة للبنان. ويعود السوريون بذاكرتهم إلى التأخر اللبناني في تهنئة الشرع على الدخول إلى دمشق وسقوط الأسد، والتأخر في تهنئته على رئاسته لسوريا، بالإضافة إلى اعتبارهم أن الحملات في لبنان لا تزال قائمة على سوريا، سياسياً وإعلامياً.
في المقابل، سعت جهات دولية عديدة وعربية، السعودية وقطر بالتحديد، إلى تحسين العلاقات بين البلدين، وأبدت الرياض والدوحة كل الاستعداد لترتيب لقاءات، وزيادة منسوب التنسيق بين بيروت ودمشق. ولكن حتى الآن، بالنسبة إلى سوريا، هي تعتبر أن هناك مطالب واضحة من لبنان لم يقدم على تحقيقها، وأهمها ملف الموقوفين الإسلاميين. كما أن هناك مطلوبين لسوريا تريد دمشق من بيروت أن تعمل على تسليمهم لها. هذه أيضاً تتحكم بمسألة زيارة الشيباني إلى بيروت، لأن دمشق تعتبر أن هناك مشكلة أمنية، أولها تتمثل بقوة حزب الله، وثانيها الخوف على السلامة الأمنية لأي وفد سوري سيدخل إلى الأراضي اللبنانية.
“خطر” حزب الله
المفارقة، أن كل ما يجري يأتي في سياق المزيد من الضغوط التي يتعرض لها لبنان، في ظل المطالب الدولية والعربية الواضحة من الدولة اللبنانية للعمل على حصر السلاح في يد الدولة، ووضع برنامج تنفيذي لذلك، مع آلية عمل واضحة. وكما هو الحال بالنسبة إلى الوضع في الجنوب وشمال نهر الليطاني، فذلك يسري على البقاع أيضاً بالنسبة إلى سوريا، التي تريد تفكيك بنية حزب الله العسكرية وخصوصاً ترسانة الصواريخ. لأن السوريين لديهم قلق دائم من أي تحرك أو خطوة يمكن أن يقدم عليها الحزب لاحقاً، للتحرك عسكرياً أو أمنياً في سوريا، أو تحريك بعض المجموعات المحسوبة على النظام السابق. ذلك لا ينفصل أيضاً عن أهمية مسار ترسيم الحدود بين البلدين، بما فيها مزارع شبعا، والتي وردت في ورقة توم باراك.
ومن المفارقات أيضاً، أن هذه التسريبات السورية جاءت بعد يومين من اللقاء الذي عقده الموفد الأميركي توم باراك مع الرئيس السوري أحمد الشرع. وهو قد توجه إلى سوريا من لبنان، واطلق مواقف واضحة حول مدى التقدم في مسار العلاقة السورية الأميركية. ومن بيروت كان قد صرّح بوضوح عن ضرورة اقتداء لبنان بسوريا.
دعم أميركي
تنطلق سوريا في قراراتها أو إجراءاتها تجاه لبنان بالاستناد من حجم القوة الدولية التي تعتبرها تحظى بها، خصوصاً أن باراك أعطى للبنان سوريا كمثال، وترجم ذلك أكثر في موقفه من قوات سوريا الديمقراطية، التي قال لها إن الطريق الواضح هو دمشق ولا طريق بديل عنها. وهذا الموقف نفسه الذي تم إبلاغه إلى كل ممثلي الجماعات في سوريا، ولا سيما السويداء والشيخ حكمت الهجري. من وجهة النظر الدولية، فإن سوريا تسرع إلى القيام بكل الإجراءات المطلوبة للاندماج أكثر مع الوضع الدولي، بخلاف لبنان الذي لا يزال متأخراً ومتعثراً. وهذا أحد عناصر الضغط التي ستتشكل أكثر فأكثر على الدولة اللبنانية.
مجدداً كل هذه الضغوط تضع لبنان بمواجهة الضغط الإسرائيلي والضغط السوري، فيتم وضعه بين اللجوء إلى التفاهم مع أحد الخيارين. هذا جانب من الجغرافيا السياسية التي تحكم. فسابقاً حُكم لبنان بمعادلة “وحدة المسار والمصير” لرفض السير بأي اتفاق خارجي من دون سوريا. أما اليوم فعلى ما يبدو أنه يُحكم بالمعادلة نفسها ولكن بنتيجتها العكسية، وهي اللحاق بسوريا نحو أي تفاهمات قد يتم الوصول إليها مع إسرائيل
———————————
النظام الاسدي لم يسقط في دمشق/ ساطع نورالدين
يخطئ كثيراً من يظن انه سيكون من السهل تنظيم العلاقات بين لبنان وسوريا، التي لم تكن يوماً منذ الاستقلال-الانفصال، منتظمة أو طبيعية، وكان التاريخ شاهداً دائماً على اضطرابها، بغض النظر عن شكل الحكم في بيروت ودمشق..وهي اليوم تشهد واحدة من أسوأ مراحل توترها وترديها بين “النظامين” والشعبين، اللذين يعيدان اكتشاف بلديهما من جديد، بعد حقبة صعبة إمتدت نحو نصف قرن وتقاطعت فيها الحروب والغزوات والأزمات التي بدت في معظم الأحيان وكأنها تنفجر في وقت واحد وفي بلد واحد، ولا تعترف بالحدود الدولية التي لم تُرسم بشكل نهائي في بلاد الشام كلها.
التحدي الذي يواجهه لبنان خاصة لم يسبق له مثيل حتى في أصعب ظروف الاجتياح العسكري السوري للأراضي اللبنانية في العام 1976 الذي كان في الأصل تعبيراً صريحاً وواضحاً عن نية النظام الاسدي في دمشق، في استكمال مهمة السيطرة المطلقة على الشقيق الأصغر الذي سبق لحافظ الأسد أن ساهم بتحويل جنوبه الحدودي الى قاعدة عسكرية فلسطينية بديلة عن جبهة الجولان، التي تطلع اليها الفلسطينيون في أعقاب أزمتهم في الأردن، وافترضوا ان دمشق يمكن ان تكون ملاذهم الآمن ومنصتهم للمقاومة، قبل أن يطردهم الأسد منها ويدفعهم الى الهيمنة على لبنان وعاصمته التي ظلت حتى الغزو الإسرائيلي في العام 1982 “عاصمتهم” العربية الوحيدة.
ومنذ ذلك الحين سقط العنصر الفلسطيني من قائمة الخلافات اللبنانية السورية، ولم يبق منه سوى وجود شعبي رمزي في البلدين معاً. لكن تلك القائمة اعتمدت على أسباب أشد خطورة للخلافات التي انفجرت في مطلع القرن الحالي، عندما حالَ النظام الاسدي دون إقفال جبهة الجنوب اللبناني، وأمدّها بفرص الاستمرار الى ما لا نهاية، أو على الأقل الى ما بعد استعادة الجولان، وعمد الى تصفية التجربة الحريرية التي كانت نقيض تشبصه بلبنان كله، بوصفه القاعدة الامامية التي يمارس فيها كافة مناوراته السياسية والأمنية والاقتصادية.
توقفت تلك المناورات جراء الانسحاب العسكري السوري من لبنان في العام 2005، لكنها لم تتوقف حيث تابع حلفاء الأسد، الآب والابن، اللبنانيين نهجه ومسيرته، بلا هوادة ومن دون أدنى إعتبار للفرصة الذهبية التي حصل عليها لبنان إثر خروج الاحتلال الإسرائيلي الكامل وغير المشروط من الأراضي اللبنانية في العام 2000، وقدم حزب الله نفسه على أنه ورقة ضغط سورية رئيسية ووحيدة على طاولة المفاوضات مع العدو، لا تقتصر على اكتشاف لبنانية مزارع شبعا الحدودية.. حتى بلغت وظيفة الحزب في سنوات الثورة السورية وصار قوة أمن داخلي سوري تحمي النظام وتبطش بمعارضيه السوريين.
لكن التحول الجذري في سوريا الناجم عن فرار بشار الأسد وتحلل نظامه وجيشه الكرتوني، لم يسفر عن تحول جذري موازٍ في طريقة تعامل حكام دمشق الإسلاميين الجدد الذي استحضروا على الفور، أسوأ صفحات التاريخ اللبناني السوري وأشدها إثارة للكراهية والحقد والتباعد بين الشعبين، والتي تعود الى زمن الانفصال والاستقلال، وتحيل معركتهم مع حزب الله الى واحدة من أهم معاركهم مع فلول النظام السابق، وتسقطها على مجمل العلاقات الثنائية، الرسمية والشعبية، وتنسب اليها كل شر لحق بالسوري على يد نظام بشار..غير آبهة بأن الحزب على وشك الزوال، وبأن ثمة عهداً جديداً لم يكن جزءاً من تلك الذاكرة المشتركة بين النظامين اللبناني والسوري.
منذ اللحظة الأولى لتشكل الحكم السوري الجديد، إستعار رموزه اللغة الاسدية، وأحيانا لغة ما قبل الاسدية تجاه لبنان، وما سببه من “صداع مزمن” و”تهديد مديد” لسوريا وشعبها، بغض النظر تماما عن “استضافة” لبنان الجيش السوري على أراضيه طوال نحو ثلاثين سنة إستباح خلالها السكان والعمران والمصارف.. أكثر بكثير مما فعلت ميليشيات حزب الله في الداخل السوري، ومن دون ان يخطر في بال أي لبناني المطالبة بالتعويض عن تلك الاستباحة.
الآن تمثل أمام حكام بيروت ودمشق مشكلة المعتقلين السوريين في السجون اللبنانية والذين يزيد عددهم على 2400 سجين، سبق ان طلب بشار الأسد إبقاء معظمهم في الأسر اللبناني، حتى من دون محاكمة، وهو ما ينذر بخطر أن يلجأ حكام دمشق مجدداً الى إقفال الحدود مرة ثانية هذا العام، وتلميحاً الى أن حزب الله هو الذي يمنع حكام لبنان الجدد من محاكمتهم وإطلاقهم! مع أن الامر كما يبدو هو مجرد حماقة من جانب الحكومة اللبنانية، التي كان يجب ان تفرج عن هؤلاء المعتقلين وتسلمهم الى دمشق، فور وصول بشار الأسد الى موسكو لاجئاً.
مع ذلك، فإن ما رافق تلك المعضلة من إنذارات وتهديدات سورية رسمية وسياسية، وحتى شعبية، أطلق العنان لموجة غير مألوفة من مشاعر العداء، التي يبدو أنها تحكم كل شأن لبناني سوري، وتوحي بأن الاسدية وباء لا شفاء منه، لا في دمشق ولا حتى في بيروت.
بيروت في 12 / 7 / 2025
————————–
لماذا تعتمد الحكومة السورية على التسريبات في الرد على استفسارات المواطنين؟/ علي م. العجيل
11 يوليو 2025
في الساعات القليلة الماضية، نفى مصدر (لم يذكر اسمه) في وزارة الإعلام لقناة “الإخبارية” السورية صحة ما تداولته قنوات إخبارية محلية عن وجود نية لدى الحكومة السورية باتخاذ إجراءات تصعيدية تجاه لبنان.
جاء ذلك عقب انتشار أخبار (منقولة عن مصدر آخر لم يذكر اسمه أيضًا) تفيد بأن الرئيس الشرع يهدد بتصعيد دبلوماسي واقتصادي ضد بيروت يبدأ بتجميد بعض القنوات الأمنية والاقتصادية بسبب تجاهل ملف الموقوفين السوريين في لبنان.
وأكد المصدر (الثاني الذي لم يذكر اسمه) للإخبارية، أن ما صرّح به (المصدر الأول الذي لم يذكر اسمه أيضًا) حول التعامل مع ملف المعتقلين السوريين، غير صحيح إطلاقًا، وأنه هو (المصدر الثاني الذي لم يذكر اسمه) أقرب للسلطة وأصدق وأكثر موثوقية من ذلك الذي يسمي نفسه المصدر الأول.
في الحقيقة، الأمر لم يحدث هكذا تمامًا، مع أنه تمامًا هكذا.. أتفهمون الذي أعنيه؟ هلا لاحظتم شيئًا ما؟
منذ سقوط الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي، واستلام الحكومة الجديدة دفة القيادة في سوريا، لاحظ الكثير من المراقبين أنها (الحكومة الجديدة) تلجأ بشكل متكرر إلى “تسريبات” غير رسمية أو تصريحات غامضة من مصادر مجهولة أو شبه رسمية للرد على استفسارات الرأي العام أو معالجة القضايا الشائكة.
هذا النهج الذي اعتمدته الحكومة منذ توليها السلطة، دفع بالكثير من المتابعين إلى فقدان الثقة بوسائل الإعلام الرسمية، التي غالبًا ما تأتي بتصريحات متضاربة حول الموضوع نفسه، وطرح تساؤلات كثيرة حول أسباب الاعتماد على مثل هذه الآليات بدلًا من الخطاب الرسمي الواضح والمباشر.
تجنب تحمل المسؤولية
أحد الأسباب المحتملة لاتباع مثل هذا النهج هو تجنب تحمل المسؤولية الكاملة عن تصريحات أو قرارات قد تكون مثيرة للجدل، حيث من الممكن أن تسمح هذه التسريبات للحكومة باختبار ردود الأفعال دون الالتزام رسميًا بموقف ما.
فإذا لاقت المعلومة استحسانًا، يمكن تبنيها لاحقًا عبر بيان رسمي؛ وإن أثارت انتقادات، يُنكر مصدرها أو تُنفى أو تُقدم على أنها “اجتهادات فردية”.
وهذا ما حدث بعد التصريحات التي أدلى به الإعلامي المقرب من الحكومة، موسى العمر، حول المشاريع العظيمة التي سيحتضنها جبل قاسيون في دمشق مثلًا، لتخرج المحافظة وتنفي كل ما ذكره وتصف كلامه بـ”تكهنات” تم تداولها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
تجنب المواجهة المباشرة
من الممكن أيضًا أن تستخدم الحكومة التسريبات كأداة لخلق روايات متعددة تخدم أجندات معينة دون الحاجة إلى إصدار بيانات رسمية قد تُخضع الحكومة للمساءلة القانونية المحلية أو الدولية.
من ناحية، تتيح هذه الطريقة تشتيت الرأي العام بين روايات متناقضة، مما يُضعف التركيز على الحقائق الثابتة، ومن ناحية أخرى تُستخدم التسريبات في حالات معينة كأسلوب لتمرير رسائل مبطنة إلى أطراف داخلية أو خارجية دون الدخول في مواجهة صريحة.
وفي هذه الحالة، من الممكن أن نعود إلى خبرنا الأول ليكون مثالًا واضحًا عن هذه النقطة.
أزمة ثقة
انطلقت “الإخبارية السورية” أخيرًا وبعد طول انتظار. وارتاح المواطن أخيرًا من اللحاق بالحكومة من قناة “تيلجرام” إلى أخرى، أو هل فعل ذلك حقًا؟
في خبر بسيط يتعلق بانفجار ضخم قرب قصر الشعب في دمشق، قالت “الإخبارية” إن صوت الانفجار الذي سمع صداه في دمشق ناجم عن تدريبات عسكرية، لترد الوكالة السورية للأنباء “سانا”، وتقول: “الانفجار الذي سمع في دمشق ناجم عن تفجير مخلفات حرب من قبل الجهات المختصة”، لاحظ الكثير من المتابعين أن رحلة “التيلجرام” لم تنته بعد، ورأى كثيرون أن تحديات كبيرة لا تزال تقف أمام هذه القناة التلفزيونية.
وبعيدًا عن ضعف المعلومات هذا، فكرة التسريبات التي لا يتم فيها ذكر اسم المصدر والتي تحتمل الخطأ والصواب في الحقيقة فكرة تستخدمها الكثير من المواقع العالمية والوكالات مثل “رويترز” وغيرها، لكن السؤال هنا، هل يجوز أن تستخدمها قناة رسمية؟
ضعف المؤسسات
بعيدًا عن كل ما تم ذكره وبعيدًا عما إن كان ما ذكرناه مقصودًا أم لا، يعكس الاعتماد على التسريبات عمومًا تراجعًا كبيرًا في مصداقية المؤسسات الرسمية أو انهيارًا في آليات التواصل الحكومي المنظم.
فبدلًا من إصدار توضيحات عبر قنوات واضحة، تُترك الأمور للإشاعات والتكهنات، مما يُعمّق أزمة الثقة بين الدولة والمواطنين.
وعلى الرغم من أن هذه الآلية، وفقًا لما ذكرنا من تحليلات، قد تخدم، وفق اعتقاد الحكومة، أهدافًا قصيرة المدى، إلا أن استمرارها يُعمق انعدام الشفافية ويُغذي ثقافة الشك، كما أن الاعتماد على التسريبات يُضعف هيبة المؤسسات الرسمية ويجعل الخطاب العام عرضة للتلاعب والتضليل.
————————–
===================



