مراجعات الكتب

مجزرة 1860 وأشباحها: مراجعة لكتاب «أحداث دمشق» للمؤرّخ الأميركي يوجين روغان/ علاء الزيات

09-10-2025

        للمؤرخ الفرنسي مارك بلوك جملة مشهورة من شأنها التأثير على رؤيتنا للماضي وتجارب السابقين، إذ يقول: «دون الارتكاز على الحاضر، من المُتعذِّر فهمُ الماضي». تعكسُ هذه المقولة المَهمَّة التقليدية للتأريخ، إذ تَعتبرُ أن الحاضرَ في ذاته أحدُ مصادر فهمنا للماضي. استطاع مارك بلوك بذلك لفت انتباهنا  للعلاقة التشاركية ما بين الحاضر والماضي، بعد أن كان هذا الأخير أحد مصادر فهمنا لأحوالنا.

        يُذكِّرنا ما جرى خلال الأشهر الأخيرة في سورية بشكل أو بآخر بأحداث عنيفة دارت مجرياتها في مدينة دمشق القديمة، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ولكن رغم تشابه الأحداث في فداحتها، إلا أن السياق مختلفٌ تماماً، فمجازر الساحل والسويداء ترتبط بشكل وثيق بحرب استمرت أربعة عشر عاماً، شهدت مجازر مروعة ونزاعاً على السلطة بين قوى متصارعة ذهب على إثره آلاف الضحايا المدنيين. بينما جاءت مجزرة القرن التاسع عشر في سياقٍ مختلف، فلم تكن دمشق تعيش أي حالة صراع بين سكانها حين هزَّ كيانها حدث عنيف تعود أسبابه إلى ظروف مختلفة. ورغم كل الفوارق الكبيرة بين الحدثين وسياقهما، إلا أنهما يتشاركان في شيء جوهري هو أن الجريمة تُعلي لحظةَ ارتكابِها من شأن هوية اجتماعية على حساب أخرى، أي أنها جريمة ذات طابع طائفي. إنَّ فَهمَنا لواقعنا اليوم من خلال تقاطعات تاريخية، ومعرفتنا بآلية خروج من سبقونا من واقع مأزوم، قد يُعيننا على تجاوز مِحَننا الراهنة.

        في كتابه الأخير تحت عنوان أحداث دمشق، 1 مجزرة 1860 وانهيار العالم العثماني القديم، 2 يعود بنا يوجين روغان، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط المعاصر في جامعة أوكسفورد، إلى مجريات تلك الأحداث التي ستترك أثرها على تاريخ كل من سورية ولبنان حتى وقتنا الحاضر. تعود فكرة الكتاب إلى سنة 1989، حيث كان روغان في خضمّ إعداد رسالة الدكتوراه حول الحقبة العثمانية. وخلال بحثه في الأرشيف الوطني في واشنطن، وقعت بين يدي الكاتب بضع مخطوطات تعود لكتاب من الجواب على اقتراح الأحباب للدكتور ميخائيل مشاقة (1800 – 1888)، الذي كتبه بعد ثلاثة عشر عاماً على أحداث دمشق كشاهد عاصرَ تلك الحقبة المهمة من التاريخ.

        الدكتور ميخائيل مشاقة – ويكيبيديا

        من إعجاب روغان بشخصية مشاقة ولدت فكرة الكتاب، الذي سيشرع في العمل عليه ابتداءً من سنة 2000، بيد أن هجوم الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) 2001 والقرارات التي اتخذها القادة الأميركيون آنذاك، والتي ستُغير من شكل المنطقة حتى يومنا هذا بحسب روغان، أَجبَرت هذا الأخير على تأجيل فكرة كتابه عن دمشق في سبيل إنجاز كتاب عن تاريخ العرب، والذي سيصدر عام 2009  3. وبعد اندلاع الربيع العربي، وانتشار أخبار سورية حول العالم، وبالرغم من الاختلاف الكبير بين أحداث دمشق وما حصل في سورية بعد العام 2011، عاد الكاتب ليعمل على مشروع كتابه الذي صدرت طبعته الأولى في أيار (مايو) 2024.

        اتَّخذَ روغان كغلاف لكتابه صورةً تعود لأواخر القرن التاسع عشر، تُطلّ على أحد الشوارع الفرعية المؤدية إلى سوق مدحت باشا، أو ما نُطلِق عليه أحياناً «السوق الطويل» المُحاذي لسوق الحميدية المشهور. في مقدمة طبعته الثانية الصادرة هذا العام، يُشير الكاتب إلى سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي وكيفية وصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة، مُذكِّراً ببعض التجاوزات التي حصلت في البداية، كإحراق شجرة الميلاد في مدينة سقيلبية، أو تعديل بعض المناهج الدراسية، والتخوّف من صعود موجة إسلامية متطرفة تطغى على التنوع الذي يمثله المجتمع السوري. يذكر الكاتب أن الجولاني، الذي سيُصبح أحمد الشرع ورئيساً للبلاد، تبنى خطاباً جامعاً واعداً بحماية التنوع السوري والحفاظ عليه، وخاصة في اجتماعه مع أساقفة الكنائس السورية، حين ذكر أن المسيحيين جزءٌ مهمٌ وعريق من التاريخ السوري. يُضيف الكاتب في الختام أنه «في حال نجاح القادة الجدد بتشكيل حكومة سورية تحترم كافة الجماعات، من دون أي تمييز عرقي أو طائفي، سيحفظون بذلك إرثاً عُثمانياً من دمشق المتنوعة من دون انقسامات طائفية».

        على الرغم من صدور النسخة الثانية للكتاب في حزيران (يونيو) الماضي، لكن يتضح أن الكاتب سلّمها لإعادة الطباعة قبل مجازر آذار (مارس) الماضي في الساحل السوري، لكن الكاتب سيعلّقُ على دور السلطة الجديدة في سورية لاحقاً خلال محاضرة له في الجامعة الأميركية في بيروت في أيار الماضي، مشيراً إلى أن «في الرئيس الشرع شيءٌ من النظام السابق، والذي استهدف كل من يعارضه دون استثناء…كذلك الأحداث التي جرت〚..〛في بانياس وطرطوس واللاذقية〚..〛ضد العلويين. بإمكان سورية الخروج من هذا، من القاع نحو بناء دولة لمواطنيها، أو قد تنهار إلى شيء لم تكن عليه منذ زمن العثمانيين…».  4

        كنيسة القديسة تيريزا، 1860

        في صبيحة التاسع من تموز (يوليو) عام 1860، أخذ حشدٌ من مسلمي دمشق يجتاح حارات باب توما ذات الغالبية المسيحية بوجوه تُضمر الغضب. تفادياً لأي عنفٍ مُحتمَل، دخل رجال الدين الفرنسيسكان إلى كنيستهم المعروفة بكنيسة القديسة تيريزا، وأغلقوا أبوابها. تجمّعَ حشدٌ على أبواب الكنيسة استعداداً لاقتحامها، وبعد أن شعر أعضاء بعثة الفرنسيسكان بدنو أجلهم، أخذوا يُقيمون قُدَّاسهم على عجل وكأنها صلاتهم الأخيرة. مع صباح اليوم التالي، تمكَّنَ المسلمون الغاضبون من اقتحام الكنيسة، ونجم عن ذلك أحد عشر قتيلاً من رعايا الكنيسة بينهم الإخوة مسابكي: فرانسيس، عبد المعطي، ورفائيل مسابكي. كان فرانسيس أكبرهم، إذ بلغ من العمر حينها سبعين عاماً، وقد عُرِضَ عليه الدخول في الإسلام حفاظاً على حياته، لكنه رفض متمسكاً بدينه، فقضى على إثر ذلك نَحبه.

        بالرغم من استمرار العنف لمدة سبعة أيام، ما أودى بحياة خمسة آلاف من مسيحيي دمشق، مترافقاً مع نهب وإحراق منازل عديدة، فإن قصة مجزرة الكنسية ستطبع ذاكرة مسيحيي دمشق، ليغدو العاشر من تموز ذكرى سنوية يُحييها مسيحيو دمشق كل عام في حارات دمشق القديمة تخليداً لذكرى شهداء كنيسة القديسة تيريزا. في عام 1926، تم تطويب  5 شهداء دمشق من قبل بابا الفاتيكان، ثم، وبعد قُرابة مئة عام، في العام الماضي 2024، أصدر الفاتيكان إعلان رفع شهداء الكنيسة إلى مرتبة القديسين.

        السؤال الأهم في هذا السياق: ما الذي دفع بعضاً من مسلمي دمشق للهجوم على مسيحييها وارتكاب كل هذه الفظائع؟ يُحاول الكاتب في فصول كتابه التسعة أن يُجيب عن هذا السؤال وأسئلة أخرى متصلة به.

        «التنظيمات» وإعادة هيكلة الإمبراطورية العثمانية

        شهدت الإمبراطورية العثمانية كغيرها من الإمبراطوريات أحداثاً كثيرة داميةً، خاصة في مرحلة التوسع الإمبراطوري، بيد أنه حين استقرت حدودها قرابة منتصف القرن السادس عشر، أخذت تُعنى بشؤونها الداخلية وساد قَدْرٌ من الحُكْم بموجب القانون أرجاء الإمبراطورية. شكّل عهد سليمان الأول (1520 – 1566) خير مثال على ذلك، إذ أن احتكامه الدائم للقانون وسعيه لحفظ حقوق الناس دفع سكان الإمبراطورية لمنحه لقب «القانوني».

        لم يَدُم الحال على هذه الشاكلة، فبعد وفاة سليمان القانوني كان مسلمو الإمبراطورية ينظرون إلى أنفسهم كأغلبية في إمبراطورية مسلمة، ما يمنحهم مكانة مختلفة عن غير المسلمين. غير أن التغيرات الجوهرية بدأت مع بداية القرن التاسع عشر، إذ اندلعت بعض الانتفاضات وحركات التحرر الوطني في الإمبراطورية، كتلك التي قامت على الجانب اليوناني بين عامي (1821 ـ 1829) والتي تخللها عنف طائفي بين مسلمي المنطقة ومسيحييها، وتدخُّلُ القوات العثمانية لقمع الحراك.

        مثّلَ الاجتياح المصري لكل من سورية وجبل لبنان (1831) التحدي الأكبر للإمبراطورية آنذاك، إذ وضعَ سلطةَ الباب العالي تحت تهديد داخلي وشيك. كان لدى محمد علي في مصر أقوى جيش في الإمبراطورية العثمانية، ما سمح له بزعزعة استقرارها بطموحاته السلطوية. ولم يكن للحكومة العثمانية أن تتغلب على قوات محمد علي باشا دون تدخل القوى الغربية إلى جانبها، بذلك ومع إجبار القوات المصرية على الانسحاب، استعادت الإمبراطورية العثمانية سيطرتها على كل من سورية وجبل لبنان. بيد أن ذلك لم يمكن انتصاراً للسلطنة بقدر ما عرّى حالة الضعف التي كانت تمر بها. خلّفَ الانسحابُ المصري حالة من الفوضى تخللتها توترات عدة في جبل لبنان بين قوى وزعامات سعت إلى فرض سيطرتها على الجبل.

        بهدف استعادة سيطرته داخلياً، ولتحسين صورته أمام القوى الغربية، خَلُصَ الباب العالي إلى ضرورة إحداث تغييرات جوهرية. فأصدرت الحكومة العثمانية عام 1839 مرسوم غولهاني (Gülhane)، والذي سيُعَدُّ أولى مراسيم الإصلاح وبداية ما سيُعرَف فيما بعد باسم «التنظيمات».

        كان من أولى تداعيات «التنظيمات» تَحوُّلُ الإمبراطورية العثمانية من مَلَكية مُطلقة إلى مَلَكية دستورية، وإعلانها المساواة بين كافة رعاياها من مسلمين وغير مسلمين على حد سواء. على الرغم من تعدد المراسيم، يذكر يوجين روغان أن الإصلاحات أخذت تلامس حياة الأفراد اليومية بين عامي 1850 و1860 (ص 82)، إذ كان وقع هذه التغيّرات ثقيلاً على مسلمي الإمبراطورية المعتادين بحسب روغان على معاملة غير المسلمين كرعايا من الدرجة الثانية.

        دمشق وجبل لبنان في القرن التاسع عشر

        يعتمد يوجين روغان في كتابه على مصادر عدة منها الأرشيف الوطني للولايات المتحدة الأميركية، والأرشيف الوطني لبريطانيا، والأرشيف العثماني في تركيا، وبعض أبحاث المعهد الفرنسي للشرق الأدنى في لبنان، وغيرها من الأبحاث والكتب المنشورة. شكلت مذكرات بعض المعاصرين لتلك الحقبة من التاريخ، من دمشقيين ولبنانيين، أحد المصادر الهامة التي اعتمدها روغان في سبر غور مجريات «أحداث دمشق». تُعَدُّ السيرة الذاتية للدكتور ميخائيل مشاقة (1800 – 1888) أحد المصادر التي يستفيض الكاتب في الحديث عنها في مقدمة كتابه. عمل الدكتور مشاقة كطبيب، ونائب للقنصل الأميركي في دمشق، وقد كان أحد رعايا الإمبراطورية العثمانية، وهو كان الدبلوماسي الأميركي الوحيد الذي لا يحمل الجنسية الأميركية. كذلك تأتي أهمية سيرته الذاتية، بالرغم من كتابته لها بعد قرابة ثلاثة عشر عاماً على «أحداث دمشق»، كونه أحد الناجين من المذبحة ضد المسيحيين في المدينة. يُقاطع الباحث رواية مشاقة مع يوميات دمشقيين آخرين، كمحمد سعيد الأسطواني شيخ الجامع الأموي آنذاك.

        يصفُ الكاتب حالَ دمشق في تلك الفترة، واهتمامَ القوى الغربية في الوصول لأسواق دمشق وفتح قنصلياتها فيها، فعندما كان لمعظم القوى الغربية قُنصلياتٌ في مصر في عهد محمد علي باشا، مثَّلَ اجتياحُ هذا الأخير لسورية فرصة ذهبية لافتتاح قنصليات جديدة في دمشق. كان الاهتمام بدمشق نابعاً من مركزية المدينة واحتوائها على فرص تجارية مهمة، إذ كان موسم الحج السنوي أحد أهم مصادر الدخل لمدينة دمشق. اتّخاذُ المَحمل الشريف لهذه المدينة كنقطة انطلاق نحو مكة، جعلَ منها مركزاً تجارياً ذا شأن، تجتمع فيه سنوياً وفود من الحجاج القادمين من شرق آسيا والمدن والبلدات المحيطة محملين ببضائع مختلفة. استطاعت بريطانيا في هذه الفترة افتتاح أول خط سفن تجارية في شرق المتوسط من خلال ميناء بيروت، كذلك تمكّنت بعض الدول الغربية من الوصول إلى أسواق دمشق وتصريفِ بضائعها فيها. اعتمدَ التجارُ الغربيون على بعض مسيحيي دمشق في إدارة شؤونهم الاقتصادية، ما أدى لصعود طبقة جديدة من المسيحيين ميسوري الحال، كما أمتلك بعضهم حمايات دبلوماسية من البعثات الغربية كونهم يديرون أعمال تجّار غربيين، فكانوا بموجب هذه الحماية يُعفَون من الضرائب العثمانية كحال الدكتور مشاقة مثلاً.

        أمّا جبل لبنان، فقد كان يقطنه مزيج من السكان من مختلف الأديان والطوائف. سيُركِّزُ الكاتب على فاعلين اثنين، الدروز والموارنة، واللذان سيؤديان دوراً مهماً في تشكيل التاريخ اللبناني المعاصر. يتشابه تاريخ كل من الجماعتين في كيفية وصولهم لجبل لبنان. فبعد انفصالهم عن الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية في بيزنطة بين القرنين العاشر والحادي عشر، وبعد تعرضهم للاضطهاد هناك، لجأ الموارنة إلى جبل لبنان واستقروا فيه. خلال الحروب الصليبية، اعترفَ المارونيون بسلطة الفاتيكان ليصبحوا ضمن الكنائس الكاثوليكية، لكن مع احتفاظهم بمعتقداتهم وطقوسهم الخاصة.  فيما يتعلق بالدروز، فإن وجودهم في الجبل يعود لزمن طويل، فبعد تعرضهم للاضطهاد تحت حكم الفاطميين في مصر في القرن الحادي عشر، وجدت مجموعات من الدروز في جبل لبنان ملجأً لهم، حيث عاشوا بحرية أكبر. «بعد اجتياح العثمانيين لجبل لبنان وسورية عام 1516، استقر الدروز في المرتفعات التي تُطل على الساحل، في صيدا وصور جنوب بيروت، وفي طرابلس في الشمال، مقابل دفع مبلغ من المال سنوياً للإمبراطورية العثمانية» (ص 101).

        على مدى القرن الثامن عشر، انتقلَ بعض المارونيين للاستقرار في مقاطعات الدروز فشكَّلوا مع الوقت مدناً مختلطة من الدروز والمارونيين معاً كحال قرية دير القمر جنوب شرق بيروت. كذلك أخذت أعداد المارونيين تزداد في جبل لبنان لتطغى على أعداد الدروز، فحتى منتصف القرن التاسع عشر، كان المارونيين يمثلون أضعاف أعداد الدروز، ليس في مناطقهم فقط، وإنما أيضاً في المناطق التي يحكمها الدروز.

        تُعدُّ أكثر المراحل حرجاً هي تلك اللاحقة على الانسحاب المصري من سورية ولبنان عام 1840. كانت المنطقة تعج بالفوضى، في الوقت الذي كانت فيه الإمبراطورية العثمانية تستعيد توازنها وتسعى لوضع برنامجها الإصلاحي «التنظيمات» موضع التنفيذ. إن امتلاك كل من الدروز والمارونيين آنذاك لمشاريعهم السياسية الخاصة صعّدَ من حدة التوتر بين الفريقين، الأمر الذي سيُفضي شيئاً فشيئاً إلى اشتعال العنف في جبل لبنان.

        المجزرة، أن تَقتل خَشْية أن تُقتَل

        كان لاعتراف مارونيي جبل لبنان بسلطة بابا الفاتيكان، وانضمامهم على إثر ذلك إلى الكنائس الكاثوليكية، أن قوَّى علاقتهم مع فرنسا تحت حكم نابليون الثالث. فشكّلت علاقتهم معها وازدياد أعدادهم في جبل لبنان مصدر قلق للدروز، خاصة حين أخذ بعض المارونيين باستعراض سلاحهم علناً في الشوارع والافتخار بقدرتهم على استهداف الدروز. مع ازدياد حدة التوتر ووعي الدروز بحساسية موقفهم ـ اثنا عشر ألف مقاتل درزي في لبنان مقابل خمسين ألف مقاتل ماروني ـ اعتمدوا سياسة المباغتة. باشر الدروز مهاجمة قرى المارونيين واحدة تلوى الأخرى. ومع غياب أي سلطة قادرة على ضبط الموقف، اشتعل لبنان بمجازر لن تنتهي قبل إبادة ما يقرب من أحد عشر ألف مسيحي في الجبل.

        مع وصول أصداء المجازر إلى دمشق، خيّمَ على سكانها حالة من الترقب إذ أخذ المسلمون يتوقعون ردة فعل مسيحيي المدينة ورغبتهم من الانتقام في أي لحظة. بيد أن المسيحيين تملَّكهُم الخوف من امتداد المجازر إلى دمشق وهجوم المسلمين عليهم. في وسط مليء بالاحتقان أخذت الشائعات تنتشر بين الناس، حتى أن أعيان المدينة كانوا عاجزين عن ضبطها، إذ كانت ردةُ فعل الشباب أسرعَ من عقولهم. في هذه الأوقات المشحونة بالتوتر، كانت القوات العسكرية العثمانية المُخصصة لحماية المدينة (العربستان) قد انقسمت بين من يدعم القوات العثمانية في حربها في البوسنة والهرسك، ومن يُرافق المحمل الشريف في طريقه إلى مكة. بناء على ذلك، قرَّرَ حاكم دمشق آنذاك، أحمد باشا، تشكيل قوات غير نظامية من الشرطة والعسكر، فجمع بعض الرجال من ضواحي مدينة دمشق وسلم قيادتهم لمصطفى بيك الحواصلي، آغا من أصول كردية عُرِفَ باضطهاده لقرويي سوق وادي بردى وكان على عداء تجاري سابق مع الدكتور مشاقة. مع تصاعد خوف المسيحيين، وعد أحمد باشا بحماية أحيائهم مقابل مبلغ مادي يدفعونه لضمان سلامتهم.

        في صباح السابع من تموز (يوليو) دخل مجموعة من الشباب أحياء المسيحيين وأخذوا يرسمون الصلبان على أحجار الطريق كاستهانة بشعارات المسيحيين. عقبَ هذه الحادثة، دفع أحمد باشا قواته إلى اعتقال أي مثير للشغب يعترضونه في طريقهم، فاتجهت قواته إلى الأحياء المسيحية واعتقلت مجموعة من الشباب المسلم. طلب أهالي الشباب إطلاق سراح أبنائهم، إلا أن أحمد باشا رفض طلبهم رفضاً قاطعاً وقرر إنزال عقاب تأديبي عليهم. في يوم 9 تموز أرسل أحمد باشا الشباب مكبلين إلى جانب بعضهم البعض، تُرافقهم قوات الشرطة التي أجبرتهم على محو الصلبان التي رُسمت في الأحياء المسيحية. لم يكن لهذه الحادثة إلا أن أشعلت مدينة دمشق. فبعد تحرير الشباب المُكبلين من أيدي قوات أحمد باشا، احتشد مسلمونَ في المدينة ودخلوا أحياء المسيحيين. لم تشهد دمشق يوماً عنفاً كالذي انطلق يوم 9 تموز عام 1860. كانت حشود من مسلمين غاضبين تقتل أي رجل مسيحي تجده، اجتاحوا بيوت المسيحيين ونهبوها ثم أضرموا فيها النيران. كان المحتشدون يتوقعون أن تدخل القوات العثمانية في أي لحظة، بيد أن هذا لم يردعهم عن إتمام ما شرعوا فيه. يكتب روغان أنه «لم يكن لأي كنيسة أو دير داخل المدينة أن ينجوا من مذبحة اليوم الأول» (ص 140). خصَّصَ الكاتب الفصل الخامس من كتابه ليروي مجريات سبعة أيام مما سيُعرف باسم «أحداث دمشق».

        لم يكن تدخُّل الباب العالي في الختام إلا بعد أن اكتشف عجزَ أحمد باشا عن إدارة شؤون دمشق وانتشار أصداء المذابح في الدول الغربية. كان الخوف الأكبر للسلطان العثماني أن تحتل القوى الغربية كلّاً من سورية ولبنان بذريعة حماية المسيحيين، لذلك عيّنَ على الفور فؤاد باشا، أحد أكفأ رجال السياسة في السلطنة، وأرسله بصلاحيات تامة إلى دمشق. كان بانتظار فؤاد باشا معضلات جمّة: استعادة السيطرة وضبط العنف المنفلت، المحاسبة وتعويض المتضررين، وإعادة إعمار ما خسرته المدينة، فخلال سبعة أيام من المذابح، تم إحراق ما يقرب من ألف وخمسمائة منزل في دمشق القديمة.

        خلاصة واستنتاجات

        تكمن أهمية كتاب يوجين روغان أنه يُبينُ خللَ التفسيرات التي تتعامل مع المجتمعات العربية كمجموعة من الطوائف والأديان غير قادرة على التعايش فيما بينها.لا شك أن للهويات الطائفية دوراً لا يمكن إنكاره، بيد أن لتصاعُد العنف بين أفراد المجتمع الواحد مُحددات سياسية واجتماعية تُهمَل في خضم التحليلات السريعة تجاه الأحداث الجارية. لا يُمكن لمن يقرأ كتاب أحداث دمشق إلا أن تُراوده بعض الأفكار عن المجازر التي حصلت في كل من الساحل السوري والسويداء، ففظاعة الأحداث تتشابه دون أن تتطابق في سياقاتها التاريخية. يُمكن إعادة أسباب أحداث دمشق في عام 1860 إلى ضعف الإمبراطورية العثمانية وعجزها أو إحجامها عن القيام بمهامها. إذ تبيّنَ فيما بعد أنه كان لدى حاكم دمشق أحمد باشا ما يقرب من ألف ومئتي جندي عثماني في المدينة كان بإمكانهم منع وقوع المجزرة. كذلك تُبيِّنُ التحقيقات التي قام بها فؤاد باشا لاحقاً أن قائد القوات غير النظامية، مصطفى بيك الحواصلي ــ الذي إن لم تساهم قواته في تسهيل المجزرة، فإنها لم تردع القائمين فيها ــ كان مديوناً لبعض التجار المسيحيين في المدينة. يُضاف إلى ذلك حملة الإصلاحات العثمانية، أو «التنظيمات»، التي عملت الحكومة على وضعها حيّز التنفيذ دون أن تسعى إلى تمهيد الظروف الاجتماعية المؤاتية لمثل هذه الإصلاحات. فمع سعي الباب العالي لإرضاء الدول الغربية، كانت «التنظيمات» أقرب لزعزعة الاستقرار منها لإصلاح الأحوال.

        من جانب آخر، كان للعامل الخارجي دورٌ أساسي في تأجيج الصراع، ففتحُ القنصليات الغربية في دمشق كان يُواجَه بغضب صاعد في المجتمع الذي تم إهماله من السلطة العثمانية والقنصليات الغربية على حد سواء. مع مُحاباة التجار الأجانب للمسيحيين، وحصول هؤلاء على حمايات دولية تُحصِّنهم حتى من القوانين العثمانية، زاد الشرخ الاجتماعي بين سكان دمشق. استمر دور العامل الخارجي حتى بعد المجزرة، فحين كان فؤاد باشا يعي ضرورة إحقاق العدالة دون الإفراط في المحاسبة تحسباً لانفجار المجتمع من جديد، كانت القوى الغربية تضغط باتجاه محاسبة أشد، إذ يذكر روغان أن أحد ممثلي القوى الغربية كان يدفع نحو عقاب يقتضي قتل ضعفي عدد القتلى المسيحيين من مسلمي المدينة.

        لا شك أن الحروب الأهلية تُهدِّدُ المجتمعات كافة متى ضعفت سلطة الدولة فيها، إذ يؤكد جيل دورونسورو أن الحرب الأهلية ظاهرةٌ عالمية ولا تقتصر على دول الشرق أو الجنوب.  6 بمعنىً آخر، ليس للمجتمعات العربية خصوصية طائفية أو عرقية تدفع بها إلى الاحتراب المستمر، بل لهذه النزاعات أسباب أعمق، تعود في أحد أوجهها إلى تغيرات مفاجئة تطرق على هذه المجتمعات، تُضعِفُ سلطة الدولة، وتنهار فيها المؤسسات المنوط بها إدارة المجتمع. شهدت سورية في تاريخها الكثير من الأحداث العنيفة والتي بالرغم من فداحتها استطاع المجتمع النهوض من بعدها واستعادة حيويته. يُخبرنا الإرث العثماني أن بعض أشهر أسواق دمشق اليوم، كسوق مدحت باشا، بُنيت بعد أحداث دمشق لعام 1860، كذلك أولى المدارس المعاصرة المُتمثلة بمكتب عنبر والذي يُعدُّ أحد المعالم التاريخية المهمة للمدينة.

        بإمكاننا الاستفادة من التاريخ في كيفية تخطي الأزمات وإعادة بناء ما خسرناه، ليس بهدف استعادة ما كان بقدر بناء ما يجب أن نكون عليه. في كتاب أحداث دمشق خصَّصَ الكاتب فصلين للحديث عن المجزرة، الرابع والخامس، في حين سخّرَ سبعة فصول للحديث عن كيفية الوصول إليها وآلية الخروج منها. ربما يشير تَوزُّعُ فصول الكتاب إلى أن وعينا بمؤشرات الكارثة قد يقينا من وقوعها، كذلك فإن إرادة الخروج منها هي وحدها ما يحكم مصير المجتمع.

        ما تزال أشباح «أحداث دمشق» وما يُشبهها تحوم في سماء سورية اليوم، لكن السؤال الأهم هل من إرادة حقيقية لتخطيها؟

        1. – Eugene Rogan, The Damascus Events, The 1860 Massacre and the Destruction of the Old Othoman World. Penguin Random House. Paperback 2025.

        2. – للكتاب نسختان، إحداهما أميركية تظهرُ في عنوانها عبارة «مجزرة 1860 وتشكيل الشرق الأوسط المعاصر»، والأخرى بريطانية وهي المُعتمَدة في هذه المراجعة «مجرزة 1860 وانهيار العالم العثماني القديم».

        3.Eugene Rogan, The Arabs: A History. Basic books edition.2009

        4. Youtube, The Kamal Salibi Memorial Lecture 2025 | Eugene Rogan.

        5. التطويب هو المرحلة الثالثة من المراحل الأربع التي ترفع الشخص إلى مرتبة القديس.

        6. Gilles Dorronsoro, Le plus grand des maux, sociologie des guerres civiles. CNRS éditons. Paris 2025. موقع الجمهورية

——————————————-

أنطر الملف الذي أعدته “صفحات سورية” حول نفس الموضوع

 عن “أحداث دمشق: مذبحة 1860” ملف كامل من إعداد “صفحات سورية”، مع بعض الكتب التي تناولتها وروابط لها

10 مايو، 2025

—————————————-

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى