تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

عن الفكرة الانتصارية المنتشرة في سورية/ راتب شعبو

31 أكتوبر 2025

تنتشر في النقاشات السورية اليوم فكرة قديمة وسطحية لكنها لا تموت، تقول إن الانتصار دليل على صواب المنتصر. تظهر هذه الفكرة اليوم لدى جمهور يريد أن يقول إن انتصار هيئة تحرير الشام ومحيطها الفصائلي في سورية دليل على صحة نهجها، ويعيدون النظر في كل انتقاد سابق على ضوء هذا الانتصار. يجتمع كثيرون على تنزيه المنتصر في كل زمان، الانتهازيون وطلاب السلطة والمتملقون والجبناء والموالون للقوي … إلخ. لكن المقلق أن قطاعاً واسعاً من الشعب السوري يشارك هؤلاء نظرتهم، بعد أن توصل، بفعل الإجرام المديد لنظام الأسد، إلى اختصار الصواب بفعل واحد، إسقاط النظام من دون أي شيء آخر. مصدر القلق أن نشوة الخلاص من نظام الأسد تعيق كثيرين من الناس عن ملاحظة العمل الحثيث لأهل السلطة الجديدة على تأسيس نظام شبيه، سيجدون نفسهم ضحيّته، ولكن حين يغدو من العسير عليهم إصلاحه.

عند بعض المهتمين بالشأن العام السوري، ممن يعبّرون عن أفكارهم السياسية للعموم بطرق مختلفة، تتحوّل هذه الفكرة الانتصارية إلى مدخل لتبخيس أفكار (وتصورات) الوطنيين السلميين والديمقراطيين السوريين الذين “فشلوا” لأنهم لا يجيدون لغة الخنادق، ولأنه تبين أن طريقهم لا يصل بأصحابه إلى القصر الرئاسي، وهكذا عليهم اليوم أن لا “يعارضوا” المنتصرين، بل عليهم أن يتعلّموا منهم بالأحرى.

يذكر هذا الميل الانتصاري المنتشر بالقصة التالية: في يوم صيفي حار، وقف رجلان على مفرق الطريق المؤدّي إلى قريتهم. الأول فلاح فقير. والثاني رجل متعلم له منصب في الدولة، ولكنه نزيه في عمله فلم يستغل منصبه للاغتناء واقتناء سيارة خاصة تحميه من مشقة انتظار سيارة عابرة تنقله إلى قريته. وسط ثقل الانتظار تحت شمسٍ حارقةٍ توجه الفلاح إلى رفيق انتظاره وقال: أعلم أنك رجل نزيه ولم تنخرط في الفساد كغيرك، ولكني أقول لك، بكل قناعة، إن مرور أحد الفاسدين بسيارته الخاصة الآن وتوقفه لإنقاذنا من هذا الحريق أفضل عندي من كل نزاهتك.

هذا الفلاح صادق مع نفسه فيما يقول، ولكنه لم يدر في خلده أن الفاسد الذي يمكن أن ينقذه من الحريق هو السبب في مشكلته. لولا الفساد، لتوفرت وسائل نقل عامة كافية لنقل الأهالي من قراهم وإليها. وهكذا، يصبح، في ذهن الفلاح، سبب المشكلة هو الحل. هكذا تختلط الأمور لدى الانتصاريين، فتبدو لهم أفكار المعارضة السلمية الديمقراطية التي لم تستطع إسقاط النظام، هي المشكلة، ويبدو الحل في القوى التي تشبهت بالنظام وانتهت إلى الحكم. وعلينا، بمعية انتصارها، أن نرحّب بأفكارها ونهجها.

على الرغم من سطحية القول الانتصاري وتبعاته السيئة، إلا أنه لا يخلو، مع ذلك، من وجاهة، فإسقاط نظام من نمط نظام الأسد يكاد يكون مستحيلاً من دون قوة عسكرية مضادّة، وتوفر هذه القوة القادرة على الوقوف في وجه نظام كهذا يتطلب توفر عنصرين: عصبية قادرة على التعبئة والحشد من أجل قتال مكلف وطويل الأمد ويتطلب تضحيات كبيرة، والدعم الخارجي. وقد كشف الواقع السوري بعد 2011 أن القوتين الأساسيتين اللتين صمدتا خلال سنوات الصراع الطويلة توفر لهما هذين العنصرين. قوات سوريا الديموقراطية ذات العصب القومي، وهيئة تحرير الشام ذات العصب الديني، وقد توفر لكل منهما دعم خارجي مهم، في الجوانب السياسية والمالية والعسكرية.

ليست هذه الحقيقة من حسن حظ السوريين، ولا أمثالهم في العالم، لأن القوة التي يمكنها إزاحة نظام تسلطي وعنيف وفاسد، تحتاج أن تكون مثله متسلطة وعنيفة وفاسدة، لأن من المتعذّر على قوة تحترم القيم الوطنية وقيم العدل والإنسانية أن تصمد في صراع يختار فيه النظام القائم عدم الاستسلام، بل المواجهة بكل ما لديه من وسائل، كما فعل نظام الأسد. على هذا، يصح القول إن الانتصار في مثل هذه الصراعات هو دليل على “سوء” المنتصر بالأحرى، لأن ما قاده إلى النصر هو، في الواقع، تشابهه مع المهزوم في آليات التعبئة وفي العنف والتجاوز على الحقوق وعلى القيم. مع ذلك، يبقى في مثل هذا النصر جانبان مضيئان يحسن استثمارهما: سقوط النظام القديم وما يفتح ذلك من احتمالات جيدة لصالح البلاد، وغضاضة عود المنتصرين في الحكم، وهو ما يسمح بمعالجة عيوبهم، قبل أن يترسخ “نظامهم”، ويمارسون تشابههم مع النظام السابق من موقع النظام هذه المرّة، وليس من موقع مواجهة النظام. ويقتضي هذا العمل على تصحيح عيوب المنتصرين، قبل أن تتصلّب مع الزمن وتصبح بحاجة إلى مواجهات عنيفة تشبه المواجهات مع النظام السابق، لن تصمد فيها، كما سبق القول، إلا قوى مشابهة تستند أيضاً إلى العصبية والدعم الخارجي، مع رجوح غلبة الميل الانعزالي في الحال السوري المستجد، كما يبدو جلياً في جنوب سورية وشمالها وغربها.

يقتضي الانتقال الجدي من زمن إسقاط النظام إلى زمن بناء الدولة الجديدة، من النخبة السورية الوطنية، المتحرّرة من العصبيات غير الوطنية ومن الولاءات الخارجية، الدخول الشجاع في الصراع المستجد على شكل الحكم، والعمل على الحدّ من حرية السلطات في تهشيم القيم الوطنية، والعمل على تحرير السياسة من أشكال العصبيات المنتعشة اليوم، من مذهبية ودينية وعرقية وعشائرية.

بعد أن كان الصراع العنيف خلال العقد المنصرم قد أدّى إلى تهميش النخبة الوطنية السورية، يأتي اليوم الوقت الذي تلعب فيه هذه النخبة دوراً أساسياً في معارضة خطوات السيطرة الكاملة للمنتصرين على مفاصل الدولة، وفي حماية البلاد من الدخول في مسار انقسامي وتسلّطي جديد. لا ينبغي المضي في تثمين فعل إسقاط النظام السابق إلى حدود التغاضي عن بناء نظام مشابه، سوف يدفع البلاد، في الظروف الجديدة، إلى التشظّي. لا ينبغي أن يقود تثميننا النصر إلى التخلي عمّا نريد (دولة قانون وطنية) لصالح ما يريده المنتصر (دولة غلبة مذهبية)، وإلا فإننا نجعل من “الانتصار” بوابة لكارثة تالية.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى