العلاقات السورية الروسية تحديث 19-27 تشرين الأول 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
الشرع في موسكو.. مخاطر وأثمان إشراك روسيا في الأمن الداخلي السوري/ جاد يتيم
2025.10.25
يكسر الرئيس السوري أحمد الشرع العديد من المحرمات على صعيد العلاقات الدولية. ولم تشذ زيارته إلى موسكو، في منتصف تشرين الأول/أكتوبر الجاري، ولقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عن هذه القاعدة. لكن هذه الحصانة الخارجية المتزايدة لا تعكس حتى الآن مناعة داخلية في وجه العديد من التحديات التي تواجهها سوريا الجديدة.
طبعًا شكَّلت زيارة الشرع إلى موسكو قمة التحولات الهائلة في ملف العلاقات الخارجية التي ينتهجها النظام الجديد.
لم تأتِ زيارة الشرع من فراغ، بل سبقها زيارة هي الأولى من نوعها لمسؤول سوري من النظام الجديد، لوزير الخارجية أسعد الشيباني، يرافقه وزير الدفاع مرهف أبو قصرة، في نهاية تموز/يوليو الماضي حين التقى كل من بوتين ونظيره الروسي سيرغي لافروف.
ردت روسيا بزيارة وفد إلى دمشق في التاسع من أيلول/سبتمبر نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، حيث التقى الشيباني في دمشق.
وقبل أيام من زيارة الشرع، أي في الثاني من تشرين الأول/أكتوبر، وصل وفد عسكري سوري برئاسة رئيس هيئة الأركان العامة اللواء علي النعسان إلى موسكو، في زيارة يمكن وصفها بالتحضيرية.
من المفهوم أن الشرع يعيد هيكلة علاقات سوريا الدولية بطريقة تخرجها من العزلة التي فرضها عليها نظام الأسدين منذ عشرات السنين، وازدادت مع بشار الأسد. هكذا تبني الدول علاقاتها على أساس المصلحة وتحقيق الأهداف الوطنية سواء الداخلية أو الخارجية. ومن هنا يبرز الانفتاح السوري في العلاقات وكسر المحرمات في مقاربة الملفات العالقة والتي تعيق تقدم سوريا وبنائها، سواء في العلاقة مع الولايات المتحدة، والتفاوض المباشر مع إسرائيل، وصولًا إلى زيارة موسكو الأخيرة، ناهيك عن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي والدول العربية والإقليمية، وعلى رأسها السعودية وتركيا وقطر.
لكن، إذا كان استعجال النظام السوري الجديد لإعادة ترميم هذه العلاقات وهيكلتها مفهوما من أجل النهوض بسوريا من الهوة العميقة والدمار الممنهج للنسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وحتى العمراني، فإن القفز السريع فوق الذاكرة والتجربة الجمعية للسوريين بهذه السرعة له محاذير عدة.
تَسَمَّر الكثير من الرفاق السوريين طويلا أمام الشاشات أو شاهدوا الصور ومقاطع الفيديو المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي للحظة دخول الشرع إلى الكرملين ومصافحة بوتين وممازحته. صحيح أن العديدين شعروا بالرضا لرؤية علم الثورة الأخضر حاضرًا في الكرملين، بما يمثل من انتصار على ما أرادته روسيا أصلاً، وصحيح أن العديدين قارنوا بين زيارات الأسد التي كانت بمثابة استدعاء لرئيس صوري، لكن الجميع اجتاحه هذا الشعور بالغضب والحيرة لمصافحة بوتين، الرجل الذي أطال معاناة السوريين لتسع سنوات إضافية، ما يعنيه ذلك من عشرات آلاف الضحايا والمدن المدمرة، ونهاية وأبدًا تأمين إفلات الأسد من العقاب على جرائمه وعلى رأسها المجازر الكيماوية.
من الواضح أن السوريين يمنحون الحكم الجديد فرصة ليروا النتائج، حين يتعلق الأمر بالانفتاح مع دول يناصبها السوريون عداء تاريخي مثل إسرائيل، أو ما زالت أياديها ملطخة بدمائهم مثل روسيا.
لكن لا يبدو أن النتائج، وتحديدًا عدم التحدث عنها رسميًا، يساعد النظام الجديد.
والحال أنه لا يمكن مقارنة إعادة التواصل والانفتاح مع روسيا، بتلك مع الولايات المتحدة الأميركية.
فالولايات المتحدة بالنسبة للسوريين هي الدولة التي وقفت، مع الاتحاد الأوروبي، ضد نظام الأسد منذ 2011، وحضور سفيرها لتظاهرات حماة في صيف ذلك العام، وصولًا إلى قطع العلاقات.
كما أن العقوبات الأميركية، وأبرزها قانون “قيصر”، كان لها الأثر البالغ في إضعاف نظام الأسد ومحوره الإيراني ككل.
كما أن مد الجيش الحر بالسلاح، وأبرزها صواريخ “تاو”، كان لها أثر بالغ في المسار العسكري في مراحل دقيقة من عمر الثورة، وتزامنت مع تمسك أميركا والغرب بإيجاد حل لسوريا يكون القرار ٢٢٥٤ ورحيل الأسد في صلبه.
هذا في زمن الثورة، أما في زمن الانتصار وسقوط الأسد، فإن الانفتاح على الولايات المتحدة أدى إلى رفع العقوبات، وضغط الولايات المتحدة على إسرائيل لمحاولة ضبطها في التوسع جنوبًا وإجبارها على مسار تفاوضي مع سوريا الجديدة، بالإضافة إلى الضغط الأميركي على قوات سوريا الديمقراطية الذي أدى إلى توقيع اتفاقية بين الشرع ومظلوم عبدي.
رفع العقوبات عنى المس المباشر بحياة الناس والتجار وإعادة نهوض الاقتصاد، وبالتالي لمس الناس نتائج هذا الانفتاح بطريقة سريعة وملموسة. الأمر نفسه ينطبق على السعودية وتركيا وقطر وغيرها من الدول العربية والإقليمية الداعمة لمسار الدولة الجديدة.
أما بالنسبة لروسيا، فلا يتضح حتى الآن ما هي النتائج التي يحصدها السوريون جراء إعادة بناء العلاقات “التاريخية” مع روسيا. فباستثناء الأخبار عن استكمال طبع وتوريد العملة السورية، ليس هناك نتائج مرئية.
على العكس من ذلك، تبدو روسيا واضحة وصريحة في رفض تسليم الأسد وفي الاحتفاظ بقواعدها في سوريا. أي فعليًا تستمر بجني المكاسب التي من أجلها دعمت بشار الأسد.
يضيف غياب الشفافية والمصارحة الرسمية السورية لأهداف سوريا الجديدة من الزيارة، بل إن هذا الود الظاهر تجاه بوتين يترك مجالًا واسعًا للغضب والتأويلات أو على الأقل لعدم الارتياح في أوساط السوريين الذين خسروا بيوتهم وأحباءهم ومستقبلهم بسبب كل من دعم بقاء بشار الأسد في السلطة.
صحيح أن الموقف الروسي في الأيام الأخيرة قبل سقوط الأسد كان واضحًا بالتخلي عن الأسد، على الرغم من الشك بأن أي خيار آخر كان ليغير مصيره يوم 8 كانون الأول/ديسمبر، لكن ذلك لا يلغي تاريخًا طويلًا من دعم الديكتاتور.
يبدو أن ما يريده الشرع من روسيا لا يتعلق بإعادة الإعمار أو الدعم الاقتصادي وهو أمر ليست روسيا قادرة عليه، بل استخدام نفوذها من أجل ضبط الوضع الداخلي السوري، وتحديدًا مع العلويين ساحلًا ومع السوريين الكرد وقوات سوريا الديمقراطية، شمال شرق سوريا.
إذا، إنه قرار النظام الجديد في دمشق بجعل روسيا شريكًا في الأمن الداخلي السوري، خصوصًا فيما يخص العلويين والسوريين الكرد.
لكن هل يحتاج الشرع إلى وسيط دولي من أجل الحوار مع السوريين في الساحل؟ ولماذا فشل النظام في تطمين العلويين الذين عانوا من تشبيح عصابات النظام وقواته الأمنية تحت حكم الأسد أيضًا؟
وإذا كانت روسيا استقبلت عقب معارك ومجازر الساحل، “نحو 9000 علوي في حميميم”، فما هو المطلوب منها حاليًا؟
وماذا سيقدم النظام السوري الجديد في المقابل؟
هل تكون محاولة القضاء على كتيبة “الغرباء” في حارم، أي ريف إدلب الغربي القريب من الساحل والقواعد الروسية، أول الغيث؟ أم أن محاولة قوات الأمن السيطرة على مخيم عمر أومسين مباشرة بعد زيارة روسيا هي محض مصادفة؟
أما في الشمال الشرقي، فيبدو أن إدخال روسيا كوسيط ضامن مع قوات سوريا الديمقراطية ثمنه كبير أيضًا: السكوت عن تحول القاعدة الروسية الضخمة في القامشلي إلى قاعدة استراتيجية، خصوصًا أنها تحوي أجهزة تشويش وتجسس إلكتروني.
على العكس من العلاقة مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية والإقليمية، من الوارد أن تتحول العلاقة مع روسيا بهذا الشكل المتسارع إلى أزمة، ما لم تظهر للسوريين مكاسب التنازل عن حقهم بمحاسبة روسيا على دعمها للأسد.
هذه النقمة قد لا تبقى موجهة ضد روسيا فقط، بل إنها قد تشكل مادة لتقوية الجماعات الجهادية الأجنبية المنتشرة شمال البلاد.
قاد الشرع بلاده إلى الخروج من النفق وهذا مفهوم جدًا، لكن لا يمكن القفز فوق دماء الناس وذاكرتهم بسرعة من دون مكاسب ملموسة.. ذلك قد يؤسس إلى انفجار لاحق لا يستفيد منه إلا أعداء استقرار سوريا وحرية السوريين.
تلفزيون سوريا
—————————–
هل تكفي البرغماتية لإعادة تعريف العلاقات الروسية – السورية؟/ سامر إلياس
زيارة الشرع شكلت بداية حذرة لبناء الثقة بين دمشق وموسكو
آخر تحديث 26 أكتوبر 2025
في حين ساد إجماع على رمزية وأهمية زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع موسكو، والاستقبال الحافل من الرئيس فلاديمير بوتين في واحدة من قاعات الكرملين المخصصة للضيوف المقربين، تباينت التقديرات بشأن التوصل إلى اختراق ملموس في الملفات المطروحة للنقاش بين طرفين يجمعهما تاريخ من العداوة لسنوات طويلة، والقتال في خندقين متقابلين على الجغرافيا السورية.
دفعت طموحات الشرع “المتمرد” القادم من كهوف إدلب لترسيخ حكمه إلى تجاوز العداء، والذهاب إلى الكرملين الذي طالما وجه طعنات للسوريين وتسبب في إطالة معاناتهم بدعمه السياسي والعسكري والاقتصادي للنظام السابق. ووسط تحديات كبيرة لإعادة بناء بلد مدمر واستتباب الأمن فيه، والمحافظة على وحدته في ظل تدخلات وضغوط خارجية، يراهن الشرع على دور روسي جديد يساهم في الاستقرار على أساس المنفعة المشتركة، من دون فرض وصاية، ويأمل في أن تساعد سياسة النفس الطويل على الوصول إلى النتائج المرجوة، كما ساعدته الرياضة في صعود درج الكرملين الطويل.
في المقابل، دفعت الخشية من خسارة سوريا بموقعها الجيوسياسي المهم، وعلاقاتها التاريخية الراسخة مع موسكو منذ الحقبة السوفياتية، سيد الكرملين إلى استقبال الشرع، والمبالغة بالاحتفاء به عبر عقد الاجتماع في قاعة المعيشة الخضراء لاستقبال ضيف كان يعدّ قبل أقل من سنة صيدا ثمينا لجيشه، وما زال تنظيمه (هيئة تحرير الشام) مدرجا على قائمة الإرهاب الروسية. ومع تراجع دور روسيا في المنطقة بعد أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما تلاها من إضعاف كبير لحلفائها في المحور الإيراني، والسقوط المدوي للأسد، بدا أن الولايات المتحدة تتجاهل تماما الدور الروسي في جهود إعادة ترتيب منطقة الشرق الأوسط، ما تجسد في عدم توجيه دعوة لأي ممثل عن روسيا لحضور قمة شرم الشيخ بشأن غزة. وفي ظل التغيرات الإقليمية، فإن الرهان على إعادة العلاقة مع الحكم الجديد إجباريا بالنسبة للقيادة الروسية لتجنب خروجها بالكامل من شرق المتوسط، وخسارة جميع المكاسب التي حققها الوجود الروسي على صعيد تقوية العلاقات مع دول المنطقة سياسيا واقتصاديا، فضلا عن الدور المهم لقاعدتي طرطوس وحميميم كمركزين لوجستيين لتحقيق طموحات التوسع الروسي في القارة السمراء.
ورغم عدم تحقيقها اختراقات ملموسة، فإن زيارة الشرع شكّلت بداية حذرة لإعادة بناء الثقة بين دمشق وموسكو بعد سقوط نظام بشار الأسد، مع الأخذ بعين الاعتبار أن القضايا الخلافية بين دمشق وموسكو شديدة التعقيد، وتشمل مستقبل القواعد العسكرية الروسية في سوريا، ومصير الاتفاقيات الاقتصادية والعسكرية السابقة، والديون الموروثة عن النظام السابق، فضلا عن ملف العدالة الانتقالية المتعلق بتسليم الأسد، وعدد من كبار الضباط والمسؤولين السابقين الذين يقيم بعضهم في موسكو، بعد حصولهم على لجوء إنساني.
وبالعودة إلى التصريحات الرسمية في مستهل اللقاء بين الرئيسين، بدا أن هناك إجماعا على عدم التطرق علنا إلى النقاط الأكثر إيلاما. واقتصر الحديث على العلاقات التاريخية، والمصالح الثنائية، وتم تحديد النقاط المهمة في التعاون المستقبلي. وعلى عكس التوقعات السابقة، كشفت التصريحات أن مصير الأسد، الرئيس المخلوع واللاجئ المقيم على بعد كيلومترات قليلة من مقر الكرملين، لم يشكل عقبة في بحث أفق التعاون المستقبلي في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية كما يتضح من تشكيلة وفد البلدين في المباحثات. ومن المرجح أن لا يشكل مصير الأسد، عائقا حقيقيا أمام تطور العلاقات بين موسكو ودمشق. فالقيادة السورية الحالية تواجه مشكلات أكثر إلحاحا مثل الحفاظ على السلطة وضبط الأوضاع الداخلية، وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية. وربما ارتأت القيادة الجديدة في سوريا أن استعداد موسكو للعب دور إيجابي في مستقبل البلاد أفضل بكثير من التوقف عن قضية تسليم الأسد والتي تشكل إحراجا كبيرا لبوتين الذي منح الأسد حق اللجوء الإنساني.
وإضافة إلى القضايا المعلنة، تكشف مشاركة رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية إيغور كوستيكوف في الاجتماعات أن الجانبين بحثا محاربة التنظيمات الإرهابية المتشددة التي تضم أفرادا من روسيا وآسيا الوسطى، وعدم السماح لعناصرها بالعودة إلى بلدانهم الأصلية ونشر أفكارهم أو تجنيد أفراد جدد لتنفيذ أعمال إرهابية داخل روسيا وهو هدف حدده الرئيس بوتين في تبرير التدخل العسكري في 2015 عبر استهداف الإرهابيين في سوريا من أجل عدم انتقال الإرهاب إلى المدن الروسية. ومن جهة أخرى، يمكن للاستخبارات العسكرية الروسية بما لديها من أرشيف ضخم راكمته في سنوات تدخلها في سوريا وعلاقاتها مع ضباط الجيش السوري والقوات الإيرانية لسنوات طويلة على مساعدة الحكم الجديد في دمشق في الحد من تحركات فلول النظام السابق الذين قرروا عدم مغادرة البلاد بعد هروب الأسد. ويمكن أن يلعب التنسيق الاستخباراتي بين الطرفين في إحباط عمليات إرهابية فردية، أو تحركات لقوى ترفض الحكم الجديد، أو تسعى لزعزعة الاستقرار لتبرير عدم رغبتها في الانضمام إلى كيان الدولة الجديدة. ومع انتشار الروس في شمال شرق سوريا، فإن الحكم الجديد بأمسّ الحاجة إلى مساعدة الجيش الروسي في عملية الوساطة مع “قوات سوريا الديمقراطية” وربما لعب دور أكبر من ذلك.
ومعلوم أن آلاف المقاتلين من جمهوريتي الشيشان وداغستان الروسيتين، وبلدان آسيا الوسطى مثل أوزبكستان وطاجكستان حاربوا في سوريا ضمن جماعات منفصلة، وانضم مئات من مقاتليها ضمن كتائب في “هيئة تحرير الشام”، وظل قسم منهم في تنظيمات صغيرة أكثر تطرفا أو يحاربون في صفوف تنظيم “داعش”. وفي المقابل، زعمت تقارير أن ضباطا تابعين للنظام وموجودين في موسكو نسقوا لتمرد في الساحل ربيع العام الحالي، والذي نتجت عنه الأحداث المؤسفة والانتهاكات الخطيرة.
وإذا كان من المبكر الحكم على ما قد ينتج مستقبلا عن زيارة الشرع، كان لافتا أن الجانبين أبقيا الباب مواربا أمام إدخال تعديلات على الاتفاقيات الموقعة والتي أعلن الشرع التزامه بها، بما ينسجم مع المرحلة الجديدة. وأكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في مقابلة مع قناة “الإخبارية” السورية، 18 أكتوبر/تشرين الأول الجاري أن “التعامل مع روسيا تمّ بتدرّج، ولم تُوقّع أي اتفاقيات جديدة، فيما تبقى الاتفاقيات الموقعة مع النظام السابق معلّقة، لأننا لا نقبل بها بصيغتها القديمة”. وهو ما يمكن اعتباره أرضية لاختبار حدود الثقة وإعادة تعريف المصالح بين الطرفين ضمن واقع إقليمي ودولي متغيّر.
وفي هذا السياق، أكّد الشيباني في المقابلة مع قناة “الإخبارية” السورية أن “السياسة الخارجية السورية اليوم تنأى عن الاستقطاب والمحاور، وتنتهج الحوار والانفتاح والتعاون المتوازن مع الجميع، مضيفا أن دمشق “تتعامل مع الملف الروسي بعقلانية ورويّة، انطلاقا من مبدأ الحفاظ على السيادة الوطنية وعدم السماح بعودة أي شكل من أشكال التبعية أو الارتهان”.
وتُعبّر تصريحات الشيباني عن مفاهيم مغايرة ترتكز إليها السياسة السورية الجديدة، وتنطلق من الانفتاح المتوازن القائم على البرغماتية بهدف بناء الشراكات مع البلدان الأخرى على أساس المصلحة الوطنية لا الاصطفاف السياسي. إلا أن تحقيق معادلة النأي عن الاستقطاب والمحاور والحوار والتعاون المتوازن مع الجميع، يبدو صعبا في الواقع العملي.
ورغم أن بناء العلاقات الروسية-السورية على أسس جديدة ضرورة ملحة للطرفين، فإن الخشية من ردود الفعل الأميركية والأوروبية تُعدّ أحد أبرز العوائق أمام إعادة بناء العلاقات السورية-الروسية، لا سيما في الجانبين العسكري والاقتصادي.
ففي الجانب العسكري، تجد دمشق نفسها مضطرة للتعاون مع روسيا والصين وتركيا لإعادة بناء قدراتها الدفاعية التي تضررت خلال سنوات الحرب، وأجهزت إسرائيل على معظمها بعد انهيار النظام السابق، في ظل استحالة الاعتماد على الولايات المتحدة أو دول الاتحاد الأوروبي في هذا المجال. ومن المستبعد، وجود استعداد لدى الغرب لتزويد سوريا بأي منظومات دفاعية أو تكنولوجيا عسكرية متقدمة، ويربط أي انخراط أمني بشروط سياسية تمسّ جوهر السيادة السورية.
ويعد التوجّه نحو روسيا والصين الخيار المتاح واقعيا، وتمليه حاجات الأمن الوطني واستعادة توازن الردع أكثر مما تمليه التحالفات التقليدية مع ما يستتبع ذلك من حذر في إدارة هذه الشراكات لتفادي إثارة حساسيات الغرب أو تهديد توازنات الاستقرار الإقليمي. وفي هذا الإطار لا يوجد يقين مطلق بأن روسيا تجمع بين الرغبة والقدرة على تزويد سوريا باحتياجاتها العسكرية كاملة على المدى المنظور بسبب الحرب على أوكرانيا.
ويبرز في هذا السياق العامل الإسرائيلي بوصفه أحد أهم محددات الموقف الغربي من إعادة بناء القدرات الدفاعية السورية. إذ تتمسك واشنطن والعواصم الأوروبية، إلى حدّ ما، بـمراعاة المطالب الإسرائيلية فإدارة ترمب اعترفت بضم إسرائيل للجولان السورية المحتلة، وتشترك مع بلدان الاتحاد الأوروبي بالسعي للحد من أي تطوير نوعي للقدرات الصاروخية أو منظومات الدفاع الجوي السورية، ما يجعل أي تعاون سوري مع الولايات المتحدة أو الغرب في المجال العسكري بما يلبي الحاجة السورية شبه مستحيل.
أما في الجانب الاقتصادي، فإن إمكانية اعتماد حكومة الشرع على الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي لإعادة الإعمار واستنهاض الاقتصاد السوري يواجه عقبات بنيوية واضحة، فالانفتاح النسبي الأميركي والغربي على حكومة الشرع ما زال يتسم بالحذر، والعقوبات لم تُرفع بالكامل حتى الآن، والاستثمارات الغربية ما زالت مشروطة بإصلاحات سياسية عميقة يصعب تحقيقها في المدى القريب.
وفي المقابل، لا يمكن المراهنة على روسيا في القضايا الاقتصادية والاستثمارية بسبب العقوبات الغربية. وخلال زيارة الوفد الروسي برئاسة نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك إلى دمشق في سبتمبر/أيلول الماضي، عرضت موسكو المشاركة في إعادة إعمار قطاع الطاقة والمجال الإنساني. وبناء على نتائج مباحثات بوتين والشرع الأخيرة، وافقت روسيا على النظر في إمكانية توريد القمح، الأدوية والمواد الغذائية إلى سوريا، والعمل في حقول النفط.
ورغم أن هذه القطاعات غير كافية لتحسين الأوضاع، فإن الولايات المتحدة والبلدان الأوروبية تخشى من أن تتحول سوريا إلى منفذ خلفي للالتفاف على العقوبات المفروضة على موسكو، خصوصا في قطاعات النفط والغاز والمعادن والمصارف. ومن هذه الزاوية، يبقى أي تقارب اقتصادي أو عسكري بين دمشق وموسكو خاضعا لرقابة دقيقة، لكن تعزيز العلاقات السورية مع روسيا يشجع الصين على ضخ أموال في مشروعات إعادة الإعمار في سوريا والاستثمار في بعض القطاعات.
مجمل التعقيدات السابقة تضع حكومة الشرع أمام معادلة شديدة التعقيد: فهي تسعى إلى تنويع شراكاتها والانفتاح على الجميع، لكنها مضطرة في الوقت ذاته إلى التعامل بواقعية مع موازين القوى الدولية التي لا تمنحها سوى هامش محدود للحركة. ومؤكد أن نجاح دمشق في الحفاظ على هذا التوازن الدقيق بين ضرورات الأمن ومتطلبات السيادة وإعادة الإعمار واستنهاض اقتصادها سيحدّد شكل علاقاتها المستقبلية مع الشرق والغرب، ويكشف إلى أي مدى يمكن للسياسة السورية الجديدة أن تحقّق استقلالها دون عزلة، وانفتاحها دون ارتهان، وهنا تكمن صعوبة تحقيق المعادلة التي تحدث عنها الشيباني.
ومن المؤكد أن زيارة الشرع أصبحت نقطة انطلاق جديدة في العلاقات الروسية-السورية، بناء على مصالح متبادلة. القيادة السورية الجديدة بحاجة لتعزيز شرعيتها، وكذلك حل المشكلات الاقتصادية والأمنية، التي تستطيع موسكو المساهمة في التخفيف منها على الأقل. ومن جهته، تمثل لقاءات بوتين مع الشرع فرصة للحفاظ على ماء الوجه بعد سقوط نظام الأسد، وإظهار أن روسيا لا تزال حاضرة في الشرق الأوسط. ولكن لعب روسيا الأدوار السابقة فيما يخص الحد من اعتداءات إسرائيل المتكررة على الجنوب يبدو مستبعدا، فالوجود الروسي في جنوب سوريا قبل تغيير السلطة في دمشق كان يخدم المصالح الإسرائيلية، والدوريات الروسية كانت مكلفة أساسا بمنع انتشار الجماعات الموالية لإيران في جنوب سوريا. ورغم أن إسرائيل تفضل بقاء قاعدتي حميميم وطرطوس خشية تفرد تركيا بقواعد عسكرية في شمال سوريا، فإن المواقف الأوروبية تربط مساعدة الحكم الجديد بقطع العلاقات مع روسيا، كما أن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى تقاسم نفوذها الذي اكتسبته مع موسكو، أو أن تملأ روسيا الفراغ في منطقة الجزيرة السورية في حال قررت إدارة ترمب الانسحاب.
في القسم المفتوح من القمة، قال الشرع: “نسعى إلى استعادة وإعادة تعريف طبيعة هذه العلاقات بطريقة جديدة، بما يضمن استقلال سوريا، وسيادة سوريا، ووحدة وسلامة أراضيها، واستقرارها الأمني”. وأعطى حديث بوتين وتصريحات المسؤولين الروس لاحقا الشرع نظريا كل ما يريد، فقد امتدح بوتين انتخابات مجلس الشعب وأكدت روسيا على رفض الحركات الانفصالية ودعم وحدة وسلامة الأراضي السورية.
وأخيرا، فإن اجتماع موسكو يمثل بداية فصل جديد في العلاقات السورية-الروسية، عنوانه الضرورة المتبادلة. لكن استعادة العلاقة لا يرتبط فقط بطي صفحة الماضي، على صعوبة الأمر، بل يتجاوزه إلى تأثير الواقع الإقليمي والدولي على الأوضاع في سوريا، وحجم الموارد الاستراتيجية التي يمكن أن تحولها روسيا إلى منطقة الشرق الأوسط في ظل انشغالها بحرب وجودية في أوكرانيا.
المجلة
———————————–
العلاقة السورية- الروسية في المرحلة الانتقالية/ لمى قنوت
تحدبث 27 تشرين الأول 2025
بعد سقوط نظام الأسد، لم يكن العديد من الباحثين في العلوم العسكرية الروس على يقين بالاحتفاظ بالسيطرة الروسية على القاعدتين العسكريتين في سوريا، رغم أن التقدم العسكري لقوات “ردع العدوان” التي أطاحت بالأسد، كان نتيجة تفاهمات إقليمية ودولية، أسهمت فيها روسيا، التي امتنعت بدورها عن استهداف تلك القوات، وحيّدت نفسها عسكريًا عن المعركة مقابل اتفاق وضمانات لم يصرح عنها كل من أحمد الشرع في حوار أجراه على “الإخبارية السورية” في 12 من أيلول الماضي، وأسعد الشيباني في الحوار الذي أجراه على ذات القناة في 18 من تشرين الأول الحالي، وأخبرنا الأخير بأن المحادثات بينهم وبين موسكو بدأت قبل يومين من سقوط النظام في 6 من كانون الأول 2024، وهو أمر ورد في بيان وزارة الخارجية الروسية، بعد وصول فصائل المعارضة إلى دمشق، أعلنوا فيه أن الأسد “ترك” منصبه الرئاسي و”غادر” البلاد، وبأنهم على اتصال مع جميع مجموعات المعارضة السورية، وأشار البيان أيضًا إلى أن تسليم السلطة سيكون سلميًا.
يُرجَح بأن روسيا طلبت من الأسد حل الجيش قبل حماية فراره، وهي من تقف وراء انسحاب فصائل درعا، الذين وصلوا إلى دمشق قبل وصول فصائل عملية “ردع العدوان”، وأمّنوا تولي رئيس وزراء النظام السابق محمد الجلالي، الذي بدوره، وافق على تسليم السلطة إلى حكومة “الإنقاذ“. لقد حيّدت روسيا نفسها عسكريًا عن استهداف تقدم قوات “ردع العدوان” بعد وصولهم إلى حماة، واكتفت، ظاهريًا، بإنقاذ الأسد ورموز نظامه مع ما نهبوه خلال سنوات سلطتهم، وأعطت الأسد اللجوء الإنساني كملاذ آمن في روسيا، وتخلت، “مؤقتًا على الأقل”، عن قاعدتها البحرية في طرطوس إثر تقدم قوات “ردع العدوان” إلى دمشق، وغادرت ميناء طرطوس خمس سفن حربية روسية وثلاث فرقاطات وغواصة، وحصلت على ضمانات من أجل سلامة مواطنيها، والأصول الروسية في سوريا.
بدا المشهد بعد لقاء الشرع مع ترامب في السعودية، ومشاركته في الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول الماضي، والتعاون الأمني المتواصل مع واشنطن، حيث بلغ عدد العمليات المشتركة خمسًا، أحدثها كانت عملية في معضمية القلمون، وظهر سعي السلطة الانتقالية للانضمام إلى “التحالف الدولي لمحاربة داعش”، وكأنه انزياح للمحور الذي تقوده الولايات المتحدة، وتجسيد لما صرح به توم براك مؤخرًا، “سوريا عادت إلى صفنا”، لكن، وفي الواقع، فإن المحادثات بين السلطة الانتقالية وموسكو متواصلة، وقد توجت بزيارة الشرع للكرملين ولقائه مع بوتين، في 15 من تشرين الأول الحالي، وتصريحه بأن سوريا تحترم الاتفاقيات الموقعة بين البلدين، وتجنب ذكر كلمة “تحرير” سوريا خلال اللقاء، واستعاض عنها بجملة: “ونحن في سوريا الجديدة بعد الذي حصل في سوريا…”. وحسب أحد المستشارين المقربين من القيادة الروسية رامي الشاعر، “لم يتم التطرق رسميًا إلى تسليم بشار الأسد”، لأن “الشرع يتفهم حساسية الموضوع”، وليس أولوية في “المرحلة الراهنة”، وفقًا لما قاله الشاعر.
الأمن والاقتصاد قبل العدالة
ركز الوفد السوري خلال اللقاء على الحصول على ضمانات من موسكو “بعدم إعادة تسليح بقايا قوات النظام السابق”، ووفقًا لـ”رويترز“، وبحسب مصدر سوري، لم يؤكده الجانب الروسي، سيتم طرح إعادة دوريات عسكرية روسية لمنع أي خروقات إسرائيلية جديدة، وتقديم دعم للحد من توغلاتها وإكراهاتها بنزع السلاح في الجنوب السوري، بالإضافة إلى تعويضات عن أضرار الحرب، أشار مصدر سوري أيضًا، إلى أنه قد يتم طلب المساعدة في إعادة بناء الجيش السوري الجديد، وهو مطلب سبق ونوقش خلال زيارة رئيس الأركان السوري لموسكو. وعلى الصعيد الاقتصادي، طرح الشرع توسيع التعاون مع روسيا في مجالات الطاقة وبضمنه قطاع النفط، والزراعة، والمياه، وبناء المصانع، بالإضافة إلى استئناف توريد القمح من روسيا بشروط مُيسَّرة.
بينما كان المحور الرئيس الذي ركز عليه الكرملين هو ملف القواعد العسكرية الروسية، وتناول النقاش مستقبل قاعدتي “حميميم” الجوية في اللاذقية و”طرطوس” البحرية على الساحل السوري، حيث يُتوقع تجديد الاتفاقيات الخاصة بهما، بناء على تقييم للوجود الروسي في سوريا، وبضمنه الوجود العسكري في مطار القامشلي شمال شرقي البلاد، والذي شهد تعزيزات منذ حزيران الماضي، لكنها تفادت لفت الأنظار والإعلام لتحركاتها في المنطقة، رغم أن السلطة الانتقالية لم تطلب إنهاء الوجود العسكري الروسي.
منذ سقوط الأسد، وتوقف استخدام قواعدها العسكرية في سوريا، وحسب الأقمار الصناعية، نقلت موسكو العديد من معداتها العسكرية في سوريا إلى منشآتها أو منشآت تعود لحلفائها في إفريقيا، لتعزيز وجودها في كل من ليبيا والسودان ومالي. ومنذ العام الماضي، سعت لإنشاء قاعدة كبيرة في جمهورية إفريقيا الوسطى، وتوصلت في شباط الماضي إلى “تفاهم كامل” لإنشاء قاعدة بحرية روسية في بورتوسودان– السودان، لكن نقل معداتها إلى تلك المنشآت أو القواعد يعد مكلفًا ويحتاج إلى مدة زمنية أطول، وخاصة مع تجنب موسكو الأجواء التركية عندما تكون الوجهة إلى ليبيا على سبيل المثال، حيث التعاون والمنافسة بينهما قائمان. ووفق رولاند مارشال– معهد “باريس للدراسات السياسية”، فإن تحليق طائرات الشحن المحملة بالأسلحة الثقيلة من روسيا إلى إفريقيا، مع إعادة التزود بالوقود، يمثل تحديًا كبيرًا، ويحتاج إلى تأمين حقوق طيران في المجال الجوي لتركيا، منافستِها الإقليمية، والعضو في حلف شمال الأطلسي، الأمر الذي يقوي من أوراق الضغط السياسي لتركيا.
ومن تلك التعقيدات، تأتي أهمية القاعدتين العسكريتين لموسكو في سوريا، ورغم ذلك، فإن التقارب بين السلطة الانتقالية والكرملين هو علاقة تكتيكية أمنية- اقتصادية، لا تعفي موسكو من تحمل مسؤوليتها التاريخية منذ تدخلها لدعم نظام الأسد خلال العقد الماضي.
عنب بلدي
——————————-
العلاقات الروسية – السورية في مواجهة التاريخ والسياسة
كيف تحصد موسكو أثمان رهانها على حكم الأسد؟
موسكو: رائد جبر
23 أكتوبر 2025 م
كرست الزيارة الأولى للرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو، بعد مرور نحو عشرة أشهر على الانقلاب الكبير الذي غير كثيراً معالم السياسة في سوريا كما عرفها العالم طويلاً، وقوض تحالفاتها السابقة، واقعاً جديداً في العلاقات الروسية-السورية التي مرت على مدى عقود بكثير من التغيرات، وشهدت مراحل شد وجذب، فوصلت إلى مستويات متقدمة من التحالف حيناً، وتراجعت إلى درجات لافتة من الفتور في أحيان أخرى.
ولا شك في أن مجريات الزيارة ونتائجها التي ستتكشف تدريجياً سوف تعيد رسم ملامح هذه العلاقة، وتحدد مسار تطورها؛ لكن الثابت أن أولويات الطرفين تواجه تبدلات كبرى، مع تموضع سوريا الجديدة، وتغير آليات اتخاذ القرار فيها، برغم كل الإشارات من الجانبين إلى أهمية المحافظة على إرث واسع من علاقات التعاون الوثيق.
كانت عبارة «العلاقات التاريخية» بين البلدين، التي تعود في انطلاقتها الأولى إلى العام 1944، الجملة المفصلية التي ركز عليها الرئيس فلاديمير بوتين وهو يضع مقدمات الحوار مع ضيفه الاستثنائي في الكرملين.
والانطلاق من «تاريخية» العلاقات الروسية-السورية يرتبط ليس بالحرص على المصالح الكبرى التي تجمع الطرفين فحسب، بل وأكثر بالحرص الروسي على تقليص حجم الخسارة التي قد تكون موسكو منيت بها بعد التقلبات التي شهدتها سوريا.
مصالح روسيا قبل 2011
المصالح الروسية في سوريا ذات طبيعة سياسية استراتيجية وعسكرية واقتصادية في جوهرها. ورغم أهمية المصالح الروسية التجارية المباشرة مع سوريا، فإن قيمة هذه المصالح الفعلية لم تشكل في أي وقت من الأوقات أهمية استثنائية لتكبد تكلفة الدفاع عنها كما في المجالين العسكري والأمني.
* قاعدة طرطوس
على مدى عقود ظلت الأولوية الأهم لروسيا هي الاحتفاظ بقاعدتها العسكرية في ميناء طرطوس، فهي آخر موقع بحري لأسطول روسيا بمنطقة البحر الأبيض المتوسط.
وتُعتبر القاعدة مرفقاً روسياً استراتيجياً طويل الأمد. فبموجب اتفاقية بين البلدين عام 1972 يستضيف ميناء طرطوس قاعدة روسية للإمداد والصيانة من الفترة السوفياتية تم تشييدها أثناء فترة الحرب الباردة لدعم الأسطول السوفياتي بالبحر الأبيض المتوسط.
وسعت روسيا على مدى سنوات إلى توسيع وتطوير هذه القاعدة حتى تزيد من حضورها في البحر المتوسط، في الوقت الذي خططت فيه واشنطن لنشر درع صاروخية في بولندا. وقد نجحت في بدء ترتيب وجود أوسع في طرطوس في وقت مبكر للغاية، وقبل اندلاع الحدث السوري الكبير بسنوات. وخلال زيارة للرئيس السوري السابق بشار الأسد عام 2008 إلى موسكو وافق على تحويل ميناء طرطوس، أو جزء منه على الأقل، إلى قاعدة ثابتة للسفن النووية الروسية في الشرق الأوسط.
ومنذ 2009 أطلقت روسيا أعمالاً سارت ببطء لتحديث القاعدة، وتوسيع الميناء حتى يستطيع استقبال سفن عسكرية أكبر حجماً.
* مبيعات السلاح وشطب الديون
في تلك الفترة أيضاً، عمدت موسكو إلى شطب أكثر من عشرة مليارات دولار من ديونها على دمشق التي كانت تبلغ 13.4 مليار دولار في العهد السوفياتي.
ونشطت موسكو منذ تاريخ شطب نحو ثلاثة أرباع دينها على دمشق واردات الأسلحة إلى سوريا لتغدو دمشق أحد أكبر مستوردي السلاح الروسي في المنطقة.
وقد شمل ذلك أسلحة حديثة بينها نظم الصواريخ المضادة للدبابات والطائرات، والتي من شأنها تحسين قدراتها القتالية.
وفي عام 2008 أبرمت سوريا عقوداً لشراء طائرات «ميغ 29» المقاتلة، ونظم «بانتسير» و«إسكندر» الدفاعية، وطائرات «ياك130» متعددة الأغراض، وغواصتين من طراز «آمور1650».
وقالت موسكو في حينها إن مبيعات الأسلحة لسوريا تهدف إلى تعزيز الاستقرار، والحفاظ على الأمن في المناطق القريبة من الحدود الروسية.
وعموماً بلغت قيمة عقود سوريا مع روسيا عام 2011 أربعة مليارات دولار. واحتلت سوريا بذلك المرتبة السابعة في ترتيب الدول التي تشتري أسلحة من روسيا.
* استثمارات في الطاقة والطيران والاتصالات
بلغت استثمارات روسيا في سوريا عام 2009 نحو عشرين مليار دولار. وأهم المجالات الاقتصادية المدنية التي تخدم المصالح الروسية في سوريا مجال التنقيب عن النفط والغاز، وإنتاجهما، وكان الحضور الأبرز لشركتي «تاتنفت» و«سويوزفتغاز» اللتين ما زالتا حتى الآن تملكان مشروعات مجمدة لاستخراج النفط في سوريا.
كذلك حصلت مجموعة «ذا نورث ويسترن غروب» على مناقصة عام 2008 لتشييد مصنع لمعالجة البترول بالقرب من دير الزور. وخططت شركة «جيوريسرس» المتفرعة من شركة «غازبروم» الروسية العملاقة للمنافسة في مناقصات للتنقيب عن النفط.
لكن هذه المشروعات تلقت دفعة قوية للغاية بعد التدخل الروسي المباشر في سوريا في 2015، وحظيت بحصص مهمة في عدد من المناطق السورية.
انخرطت الشركات الروسية في وقت مبكر في تنفيذ مشروعات أخرى في مجال الطاقة، بما في ذلك الفوز بإدارة وتشغيل محطات للطاقة الكهربائية، وأعلنت شركة «روساتوم» الروسية في 2010 التحضير لبناء أول مفاعل لإنتاج الطاقة النووية، والخدمة المستمرة من شركة «تخنوبرومكسبورت» الروسية لمرافق إنتاج الطاقة التي أقامتها في سوريا.
وشاركت شركات روسية أخرى مثل «سوفنترفود» و«رسغيدرو» أيضاً في مشروعات للري بسوريا.
كما لعبت شركات التصنيع الروسية أيضاً دوراً في الاقتصاد السوري، فشركة «أورال ماش» أبرمت عقداً عام 2010 لتزويد شركة سورية بمعدات للتنقيب عن النفط. وفي سبتمبر (أيلول) 2011 وقعت شركة «توبوليف آند أفياستار إس بي» مذكرة تفاهم لتزويد الخطوط الجوية السورية بثلاث طائرات ركاب طراز «تي يو204 إس إم»، ومركز لخدمات هذه الطائرات.
وأعلنت «تراكتورني زافودي» خططاً لاستثمارات مشتركة مع شركة سورية لبناء وحدة معدات زراعية، وقامت مجموعة «سينارا غروب» الروسية ببناء مجمع فنادق باللاذقية، كما وقعت شركة «سيترونيكس» عقداً عام 2008 لتشييد شبكة لا سلكية لسوريا.
كان هذا هو واقع الحضور الروسي في سوريا عشية اندلاع الثورة ضد نظام بشار الأسد.
المصالح أهم من التحالف
رغم كل ذلك، لم تتسرع موسكو للانخراط القوي في الأزمة السورية بشكل مباشر في سنواتها الأولى؛ بل ولم تكن موسكو تنظر إلى الأسد الابن بصفته حليفاً مهماً لها. وقد قال بوتين عنه يوماً إنه زار موسكو للمرة الأولى بعد مرور خمس سنوات على توليه الحكم، لأنه كان قبلها يراهن على العلاقات مع الغرب.
ومثلما أيقنت موسكو أن تحول الأسد شرقاً في تلك المرحلة كان بسبب دوافع محلية وإقليمية، وضغوط غربية مورست عليه، فإن تدخلها المباشر في الشأن السوري جاء لبروز نفس الأسباب عندها.
وضع الكرملين هدفين استراتيجيين رئيسين عند تنشيط التدخل الروسي في سوريا: تحدي الهيمنة الأميركية على الساحة العالمية، ومساعدة نظام بشار الأسد في محاربة المتطرفين الذين يُعتبرون أعداء روسيا اللدودين، لا سيما بالنظر إلى التجربة المريرة معهم في الشيشان، وشمال القوقاز.
ورغم أن روسيا نأت بنفسها في البداية عن العلاقة مع الأسد، لدرجة أن بوتين تحدث معه هاتفياً للمرة الأولى بعد اندلاع الأزمة في 2013، فإن هدف بقاء الأسد في السلطة خدم عدداً من المصالح الروسية.
من وجهة نظر الكرملين، أثبتت سوريا أنها اختبار حاسم لجهود روسيا لمنع استخدام الولايات المتحدة للقوة العسكرية. وكان من شأن التدخل الأميركي العسكري أن يقوض الاتجاه نحو تقليص النشاط العسكري الأميركي في الخارج الذي بدأه الرئيس باراك أوباما -وهو اتجاه عدته موسكو إيجابياً. علاوة على ذلك، سعت روسيا إلى منع تغيير النظام في سوريا بمساعدة أو تشجيع خارجيين، الأمر الذي سيكون محفوفاً بعواقب وخيمة على دول ما بعد الاتحاد السوفياتي الواقعة على أطراف روسيا، والمناطق ذات الأغلبية المسلمة في الاتحاد الروسي نفسه.
شكلت هذه الأسباب مع العناصر الاستراتيجية المتعلقة بالتطلعات الجيوسياسية لروسيا عبر قاعدة طرطوس العناصر الأهم لتحول السياسة الروسية نحو دعم مطلق للأسد.
ومع تصاعد الانتفاضة ضد الأسد إلى حرب أهلية، أصبح الشاغل الرئيس لروسيا هو منع التدخل الغربي أو العربي المحتمل في سوريا لتمكين حكومة موالية للغرب مكان نظام الأسد.
الدرس الليبي
صُدمت موسكو بالأحداث في ليبيا عام ٢٠١١، عندما أتاح قرارها عدم استخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بفرض منطقة حظر جوي فوق البلاد فرصةً للتدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي وتغيير النظام. اعتبرت روسيا الحادث الليبي سابقةً لا ينبغي تكرارها في سوريا، ولذلك رفضت موسكو أي مقترحات في مجلس الأمن لإدانة نظام الأسد.
وبفضل معرفتها الدقيقة بالوضع في سوريا، خلصت القيادة الروسية بسرعة إلى أنه في غياب التدخل العسكري الأجنبي، فإن حكومة الأسد لديها كل فرصة للبقاء، خصوصاً مع تشرذم المعارضة التي فتحت موسكو معها قنوات اتصال لضبط تحركاتها، واستجلاء نقاط قوتها وضعفها. وبنت سياساتها لاحقاً على هذا الأساس.
أما التدخل العسكري المباشر في سبتمبر 2015 فقد كان مدفوعاً أكثر ليس فقط بمخاوف من انهيار محتمل للنظام، بل وبتطورات الوضع داخل روسيا نفسها بعد وصول خصوم الكرملين إلى السلطة في 2014، والمخاوف من خسائر استراتيجية فادحة لروسيا، ما دفعها لإعلان ضم القرم، وفرض سيطرتها العسكرية في شبه الجزيرة، وما تبع ذلك من ضغوط وعقوبات غربية واسعة النطاق.
ورغم المخاوف من انزلاق روسيا في سوريا إلى أفغانستان ثانية، فإن موسكو انطلقت من ضعف الأطراف الأخرى، أو عدم رغبتها في التورط بشكل واسع في سوريا.
وانطلقت موسكو من أن السياسة الأميركية تجاه سوريا تفتقر إلى أهداف استراتيجية، وأهداف واضحة، وتقييمات واقعية. ومن وجهة النظر الروسية، عكست سياسة واشنطن تجاه سوريا استنزاف القوات الأميركية على الساحة العالمية، و«إرهاقها» المتزايد.
مصالح روسيا اليوم وغياب البدائل
لا يزال الحفاظ على الوجود العسكري الروسي في سوريا قضية محورية بالنسبة لموسكو في مسار سياستها الخارجية في الشرق الأوسط. وتمثل قاعدة حميميم الجوية، وميناء طرطوس نقطتين رئيستين لبسط النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، والبحر الأبيض المتوسط.
تلعب القاعدتان دوراً لوجستياً حاسماً في العمليات بشمال أفريقيا ومنطقة الساحل. فمن دون التزود بالوقود في «حميميم» ستواجه طائرات النقل صعوبة في إيصال البضائع والأفراد إلى مراكز وجود موسكو الأفريقية في ليبيا، وجمهورية أفريقيا الوسطى، ومالي، والنيجر، وبوركينا فاسو. في الوقت نفسه، تُطرح مسألة مصير تمركز قوة المهام الدائمة التابعة للبحرية الروسية (سرب البحر الأبيض المتوسط)، التي شُكّلت في مارس (آذار) 2013.
في الوقت الحالي، يصعب مناقشة طرق لوجستية بديلة. نقاط العبور البديلة الأكثر ترجيحاً هي طبرق وبنغازي في شرق ليبيا. لكن هناك صعوبات جدية أمام موسكو يفرضها واقع الحال في ليبيا، فضلاً عن أن الأساس القانوني للوجود الروسي في ليبيا أضعف بكثير.
نظرياً، يمكن لطائرات النقل العسكرية الروسية أن تبدأ باستخدام القواعد الإيرانية. ومع ذلك، كانت تجربة هذا التعاون، ومنها استخدام قاعدة همدان الجوية من قبل القاذفات الاستراتيجية الروسية عام ٢٠١6، قصيرة الأجل، ومثيرة للجدل إلى حد كبير.
تبدو الخيارات الأخرى، ومنها مصر والجزائر والسودان، هشة للغاية. فالجزائر متشككة للغاية من توسع الوجود العسكري الروسي في منطقة الساحل الأفريقي. ولن توافق مصر، التي تضع في اعتبارها شراء القاذفات الروسية، على مثل هذا التصعيد مع الغرب. أما السودان، فهو غير قادر على ضمان أمن البنية التحتية العسكرية الروسية.
لذلك فإن الخيار السوري على صعوبته الحالية يشكل الخيار الأفضل بالنسبة إلى موسكو للمحافظة ليس فقط على حضورها في البحر المتوسط، بل ولترتيب خطوط إمداد حيوية ودائمة تضمن مصالحها المتنامية بقوة في أفريقيا.
إعادة ترتيب الاولويات
في المقابل، تبدو روسيا مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها في التعامل مع الشأن السوري، خصوصاً بعدما أظهرت التطورات بوضوح محدودية نهج روسيا في حل قضايا الأمن الإقليمي بالاعتماد على العلاقات مع تركيا وإيران. وفي حالة تركيا، من الواضح أن أي اتفاقيات لحل النزاعات -سواء في سوريا أو ليبيا أو جنوب القوقاز- لن تصمد أمام اختبار الزمن. وقد أظهر تباين أولويات روسيا وتركيا حيال ملف أذربيجان وأرمينيا بوضوح مدى هذا الخطر.
وهذا ليس مفاجئاً: فبالنسبة لتركيا، تُعد هذه النزاعات ذات طابع وجودي أكثر بكثير مما هي عليه بالنسبة لروسيا، وخاصةً النزاع السوري. وبغض النظر عن مدى كثافة تعاونها الاقتصادي مع أنقرة، بما في ذلك ما يتعلق بالالتفاف على العقوبات الغربية، فإن جمهورية تركيا ليست شريكاً استراتيجياً لروسيا في المنطقة.
وفيما يتعلق بإيران، تُبرز الحالة السورية حدود التعاون مع «محور المقاومة» الذي دخل في صراع مباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل. ورغم أن هذا الصراع لا يخدم المصالح الروسية بأي شكل من الأشكال، فإنه لعب دوراً مباشراً في انهيار نظام الأسد، ما قوض التوازن الهش الذي عملت موسكو لسنوات على المحافظة عليه. كذلك اختفاء الرابط الرئيس بين موسكو وطهران في المنطقة في إعادة تقييم علاقات روسيا مع الجهات الفاعلة الرئيسة في الشرق الأوسط.
عملياً أظهرت سوريا نقاط ضعف النموذج الروسي في بناء علاقات مع الحلفاء في الشرق الأوسط، لكنها أيضاً كشفت خيارات دولة مثل روسيا في ترتيب مصالحها، وكيفية اختيارها لـ«استثماراتها العسكرية». فإذا كانت موسكو قد تكبدت تكلفة في سوريا منذ تدخلها العسكري في 2015 لتثبيت حكم الأسد، يبقى من المثير معرفة كيف ستحصد ثمار رهانها، وهو ما قد تكشفه الاتفاقات التي ستبرم بين البلدين في القريب المنظور.
———————————
===========================
تحديث 23 تشرين الأول 2025
———————————————
زيارة موسكو.. هل تعيد سوريا رسم دورها أم تكرّس النفوذ الروسي؟/ ميشال شماس
2025.10.23
جاءت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو في ظرف بالغ الدقة، داخلياً وإقليمياً، حيث تختلط حسابات النفوذ بالتحالفات القديمة، وتتقاطع مصالح القوى الكبرى على الأرض السورية. وبينما سارع البعض إلى تصوير الزيارة كـ”انتصار سياسي”، كان من الأجدر النظر إليها كفرصة لإعادة تعريف العلاقة بين دمشق وموسكو، بما يحفظ المصلحة الوطنية السورية ويعيد للساحة السياسية شيئاً من المبادرة المستقلة التي غابت طويلاً.
رغم أن الاستقبال الروسي للشرع بدا لافتاً في رمزيته بحضور بوتين ووزير خارجيته لافروف، وتغطية إعلامية متقنة، وإشارات توحي بأن الكرملين يفتح الباب أمام صفحة جديدة مع القيادة السورية الجديدة وأنه يتعامل معها بجدية سياسية، إلا أن خلف هذه المظاهر، تبقى الأسئلة الجوهرية معلّقة. ما الذي تريده روسيا فعلاً من سوريا في هذه المرحلة؟ وما الذي يمكن لدمشق أن تحققه من هذه الزيارة إذا أحسنت استثمارها سياسياً؟
ما حدث في عهد نظام الأسد المخلوع هو أن العلاقة مع موسكو مالت كفّتها لصالح الأخيرة، فتحوّلت من تعاون استراتيجي إلى هيمنة غير معلنة في ملفات الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية. وهذا الواقع، بكل ما يحمله من اختلال، يفرض اليوم مقاربة واقعية: فسوريا بحاجة إلى علاقات متوازنة مع القوى الفاعلة دولياً، وروسيا بحاجة إلى شريك عربي شرعي ومستقر في الشرق الأوسط.
في هذا السياق، جاءت زيارة الشرع إلى موسكو كمحاولة أولى لإعادة ضبط هذه العلاقة المختلة، لا عبر المواجهة، بل عبر إعادة ترسيم حدودها السياسية والاقتصادية. ولم تُعلن نتائج تفصيلية كبيرة للزيارة، وهذا كان متوقعاً، إذ لم يكن الهدف التوقيع على اتفاقيات جديدة، بل فتح مسار تفاوضي يخرج دمشق من موقع “الزبون السياسي” إلى موقع “الشريك المتكافئ”. وقد أبدت روسيا استعدادها للحوار، دون أن تُبدي أي نية للمساس بجوهر النفوذ الذي راكمته على مدى عشر سنوات. ومع ذلك، يمكن القول إن الزيارة كشفت عن تحول في طريقة التعاطي الروسي، إذ باتت موسكو تتعامل مع الرئاسة السورية الجديدة كمرجعية سياسية شرعية، وأعادت فتح ملف إعادة الإعمار والديون، ولكن ضمن شروط تُلزم دمشق بتقديم ضمانات إضافية.
فالنتائج المعلنة للزيارة ليست هي ما يستحق التوقف، بل ما ظل في خلفية المشهد: الإرث العسكري والسياسي الذي خلّفته سنوات التدخل الروسي في سوريا، وما يفرضه من مراجعة أخلاقية وسيادية لا يمكن تجاوزها. فموسكو شاركت في عمليات عسكرية خلّفت آلاف الضحايا المدنيين ودمّرت البنية التحتية في مناطق واسعة، واستمرت في حماية بشار الأسد وعدد من المسؤولين الأمنيين والعسكريين، رغم ارتباطهم بانتهاكات جسيمة. ويُضاف إلى ذلك ما كشفه تقرير رويترز خلال وجود الشرع في موسكو، بشأن تورط روسيا في طمس الأدلة على الجرائم الجماعية، عبر تقديم النصح للنظام البائد بنقل الجثث من مقابر القطيفة إلى صحراء الضمير.
روسيا، التي لم تكتف بالمشاركة في القتل والتدمير، بل ساعدت في إخفاء آثار الجرائم، لا يمكن أن تُعامل كضامن لمصلحة الشعب السوري. هذا الدور يكشف أنها تعارض شكل الحكم في سوريا، بل تدعمه ما دام يضمن لها النفوذ، حتى لو كان ذلك على حساب مصلحة الشعب السوري. وإذا كانت القيادة السورية الجديدة جادة في بناء علاقة متوازنة، فإن ذلك يقتضي فتح ملف المساءلة، لا بهدف التصعيد، بل لترسيخ مبدأ أن الشراكة لا تُبنى على الإفلات من العقاب، وأن السيادة لا تُستعاد إلا حين يُعاد الاعتبار للضحايا، ويُعاد النظر في من مثّل الدولة خلال سنوات الحرب.
ورغم أن التصريحات الرسمية لم تتناول ملفات حساسة كالقواعد العسكرية أو عقود الطاقة، إلا أن بعض التسريبات غير المؤكدة تشير إلى أن الشرع طرح خلال لقائه مع القيادة الروسية تصوراً أولياً لمراجعة تدريجية للوجود العسكري الروسي في سوريا، يبدأ بإعادة توصيف قاعدة حميميم كمركز تدريب مشترك، وينتهي بإخضاع عقود الامتيازات الاقتصادية لمراجعة برلمانية سورية.
وإذا ثبتت صحة التسريبات، فإنها تعكس تحولاً في طريقة تفكير القيادة السورية الجديدة تجاه العلاقة مع موسكو من إدارة التبعية إلى محاولة هندسة شراكة متوازنة، عبر مسار تفاوضي طويل يعيد رسم حدود النفوذ ويستعيد شيئاً من القرار الوطني المستقل. لكن هذا المسار، مهما بدا واعداً، يصطدم بجدار الاتفاقيات السابقة التي كرّست واقعاً سياسياً وأمنياً بالغ التعقيد، وهو ما يستدعي مراجعة قانونية وسياسية دقيقة لما تم توقيعه في سنوات الحرب.
من الناحية القانونية البحتة، يمكن لأي دولة أن تراجع أو تلغي اتفاقاً دولياً إذا توافرت شروط محددة، مثل أن يكون الاتفاق قد أُبرم تحت ضغط أو إكراه عسكري، أو أن يتعارض مع المصلحة العليا للدولة أو مبدأ السيادة، أو أن يتجاوز الصلاحيات الدستورية لجهة التوقيع. لكن من الناحية الواقعية، إلغاء الاتفاقيات بالقوة أمر شبه مستحيل في المدى القريب، بسبب الوجود العسكري الروسي الفعلي على الأراضي السورية، وبسبب حاجة الدولة السورية إلى الغطاء السياسي والأمني الذي توفره موسكو في مجلس الأمن.
الحل الممكن إذاً هو المراجعة التدريجية: فتح مفاوضات لإعادة صياغة بنود الاتفاقيات بما يحدّد مدة زمنية واضحة لوجود القواعد العسكرية؛ تحويل الوجود الروسي من “وجود دائم” إلى “وجود تدريبي–استشاري”؛ ووضع جميع العقود الاقتصادية تحت رقابة برلمانية ودستورية.
المصلحة السورية الحقيقية ليست في الاصطفاف الأعمى مع موسكو، ولا في القطيعة معها، بل في بناء معادلة مصالح متبادلة تحفظ السيادة وتضمن الاستقرار. الزيارة يجب أن تُستثمر لإطلاق حوار جاد حول مستقبل العلاقة، يقوم على تحديد سقف زمني واضح للوجود العسكري الروسي، وإعادة النظر في عقود الطاقة والمرافئ لتخدم الاقتصاد السوري لا الشركات الروسية فقط، وتوسيع العلاقات الخارجية لتشمل شركاء عرباً وغربيين، كي لا تبقى روسيا هي النافذة الوحيدة إلى العالم. بهذه الطريقة فقط يمكن تحويل الزيارة من مجرد حدث بروتوكولي إلى محطة تأسيسية لسياسة خارجية جديدة تقوم على مبدأ “التوازن لا التبعية”.
زيارة الشرع إلى موسكو ليست انتصاراً ولا هزيمة، بل لحظة اختبار حقيقي لمدى قدرة القيادة السورية على استعادة القرار الوطني، دون إنكار الواقع، ودون الارتهان لوعود لا تعيد بناء الدولة، بل تعيد إنتاج التبعية. إنها فرصة لإعادة تعريف العلاقة مع قوة كبرى، لا عبر المجاملة الدبلوماسية، بل عبر مساءلة الإرث، وتثبيت السيادة، وإعادة الاعتبار لمن دفعوا ثمن الحرب، لا لمن أفلتوا من تبعاتها.
فإذا كانت موسكو راغبة فعلاً في شراكة جديدة، فإن أول شروطها هو الاعتراف بأن الشعب السوري ليس هامشاً في معادلة المصالح، بل في جوهرها. وأن العدالة ليست عبئاً على التسوية، بل شرطاً لها. وأن من يريد أن يكون ضامناً للاستقرار، لا يمكن أن يكون شريكاً في طمس الحقيقة.
بهذا المعنى، لا تُقاس نتائج الزيارة بما قيل فيها، بل بما سيتبعها من مراجعات جريئة، ومواقف واضحة، وخيارات لا تساوم على الكرامة الوطنية، ولا على حق السوريين في معرفة الحقيقة، ومحاسبة من دمّر حياتهم باسم التحالفات.
تلفزيون سوريا
———————————–
في التقارب السوري الروسي/ محمد أحمد بنّيس
23 أكتوبر 2025
تبدو سورية معنيةً أكثر من غيرها بالتحولات الجيوسياسية التي يشهدها الإقليم منذ “7 أكتوبر” (2023)، مروراً بسقوط نظام بشّار الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول 2024، وانتهاءً بانحسار النفوذ الإيراني وتراجع قوة حزب الله، وتفكّك ما كان يعرف بـ”محور الممانعة”. ويعي النظام الجديد في دمشق أن إعادة التموضع داخل الإقليم تمرّ، بالضرورة، عبر استيعاب هذه التحوّلات وتوجيهها، والتحكّم في ارتداداتها في الداخل السوري.
ضمن هذا المنحى، تندرج زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع موسكو (الأسبوع الفائت). زيارة وإنْ بدت مفاجئةً ومربكةً بالنظر إلى الدعم العسكري واللوجيستي الذي قدّمه الروس لنظام الأسد (إبّان الحرب الأهلية) في مواجهة المعارضة المسلّحة (النظام الحالي)، إلا أن حسابات المصالح والمكاسب فرضت على الطرفَين إعادة النظر في علاقاتهما التي تعود إلى فترة ما بعد استقلال سورية (1946). وللإشارة، تبادل الطرفان، قبل زيارة الشرع موسكو، زيارات مماثلة، أبرزها زيارة وفدٍ روسيٍّ رفيعٍ دمشق في مطلع الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، في خطوة أشّرت إلى تحوّل في مزاج النخبتَين السورية والروسية بشأن علاقات البلدَين ومستقبلها.
حسابات المصالح والمكاسب إذن هي القوة الدافعة باتجاه ترميم العلاقات السورية الروسية، وإعادة تقييم الطرفَين لها في ضوء ما يشهده الإقليم من تحوّلات، تنذر بإعادة صياغة المشهد الإقليمي برمته. … وقد تناولت المباحثات السورية الروسية في موسكو ملفّات سياسية واقتصادية كبرى، أبرزها العلاقات الثنائية، ومستقبل الاتفاقيات العسكرية، بما في ذلك احتفاظ روسيا بقاعدتَيها في طرطوس وحميميم، وإعادة تأهيل الجيش السوري وتطوير منظومته الدفاعية، ومساعدتِها في إعادةِ بناء الدولة السورية الجديدة وتعزيز سيادتها، ودعم مسار المصالحة الوطنية، ومساهمتِها في مشاريع إعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية وتطوير قطاع الطاقة وتعافي الاقتصاد السوري بعد سنوات من الحرب الأهلية.
يدرك الشرع أن إعادة اندماج سورية في الإقليم تتطلّب إعادة رسم علاقاتها مع القوى الإقليمية والدولية، وفي مقدّمتها روسيا، من دون أن يكون ذلك على حساب علاقاتها بالغرب. ويبقى احتلال إسرائيل أجزاءً واسعةً في الجنوب السوري أحد الملفّات التي يراهن النظام الجديد في سورية على أن يكون للروس دورٌ في وضع إطار عام للتفاوض بشأنها مع إسرائيل، على أساس انسحابها من الأراضي التي احتلّتها عقب سقوط نظام الأسد، خصوصاً أن المساعي التي بذلها هذا النظام لدى الدول الغربية للضغط على دولة الاحتلال كي توقف اعتداءاتها لم تؤتِ أُكلها.
في المقابل، تعي روسيا أن صفحة نظام الأسد قد طويت للأبد، في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تغيُّراً في التحالفات بصورة تعيد صياغة موازين القوى، وتفتح المجال أمام صراعِ هيمنةٍ ضارٍ على موارد القوة والنفوذ في السنوات المقبلة. ولذلك، من مصلحتها الحفاظ على نفوذها في سورية، التي كانت دائماً في صلب الاستراتيجية الروسية في الإقليم منذ استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما لمّح إليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال استقباله الشرع. يُضاف إلى ذلك، أن شرق المتوسّط يمثّل بالنسبة إلى موسكو واجهةً رئيسةً لإعادة موضعة نفوذها السياسي والاقتصادي، وتوسيعه نحو جنوب المتوسّط والقارّة الأفريقية، بما يعنيه ذلك من أهمية استراتيجية بالنسبة إلى دولة كبرى بحجم روسيا، تتطلّع إلى نظام دولي متعدّد الأقطاب. هذا من دون السهو عن أنّ تعزيز روسيا نفوذها في الشرق الأوسط، من خلال عودتها إلى سورية، قد يمكّنها من أوراق جديدة تساوم بها الغربَ في إدارة منعرجات الأزمة الأوكرانية. ويمكن القول إن الاستقبال اللافت الذي حظي به الشرع في الكرملين يمثّل إشارةً سياسيةً ورمزيةً روسيةً لا تخلو من دلالة، تعكس رغبة الروس في فتح صفحة جديدة في علاقاتهم مع غريمهم السابق.
يبدو أن المصالح المشتركة والمكاسب السياسية والاقتصادية الكبيرة تفرض على سورية وروسيا تخطّي مخلّفات الحرب الأهلية وسقوطِ نظام الأسد، وتفكّك قاعدته الاجتماعية، وإنجازَ تقاربٍ بينهما أكثر براغماتية وارتهاناً لما يشهده الإقليم من تحوّلات متسارعة.
العربي الجديد
—————————————
========================
تحديث 22 تشرين الأول 2025
———————————-
الشرع يصعد درج الكرملين.. مصالح فوق رماد الحرب/ موفق الخوجة | وسيم العدوي | عمر علاء الدين
تحول عدو الأمس إلى صديق اليوم، بعدما صافح الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، عقب صعوده درج الكرملين الطويل، في منتصف تشرين الأول الحالي.
موسكو التي منحت اللجوء للرئيس الهارب، بشار الأسد، استقبلت في الكرملين، على مسافة لا تتجاوز خمسة كيلومترات من مكان إقامة الأسد في “موسكوفا سيتي”، الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، برفقة وفد رفيع المستوى.
وحملت الزيارة الكثير من الملفات والدلالات، وواجهت انتقادات قابلتها الإشادات، لكنها شكّلت لحظة مفصلية في علاقة الدولتين.
روسيا التي قصفت سوريا لسنوات، ودعمت الأسد سياسيًا وعسكريًا، وساندته حتى بعد سقوطه، من خلال تهريبه مع رجالاته ومنحه اللجوء الإنساني، تفتح صفحة جديدة مع دمشق الجديدة، لكن عوائق تواجه إعادة العلاقات، أولها حقوقية تتعلق بماضي روسيا في سوريا، خلال السنوات الـ14 الماضية، فضلًا عن علاقات دمشق بالعواصم الغربية، التي تكنّ بعضها العداء لموسكو.
تبحث عنب بلدي في هذا الملف، مع باحثين وأكاديميين وخبراء، أبعاد زيارة الشرع الأولى إلى موسكو، وتناقش أهدافها ودلالاتها، إلى جانب إمكانية تسليم الرئيس المخلوع، بشار الأسد.
أربعة ملفات ترسم العلاقة
ترتبط سوريا مع روسيا بعلاقة سياسية طويلة، تمتد إلى سبعينيات القرن الماضي، منذ عهد الاتحاد السوفييتي، التي عززها الرئيس الأسبق، حافظ الأسد، واستمرت هذه العلاقة إلى عهد الأسد الابن، وشكلت إحدى أبرز ركائز دعم نظامه.
وبعد سقوط النظام السوري السابق، تحولت العلاقة بين الإدارة السورية الجديدة، من الحرب إلى البرود، الذي طغى بداية على المشهد السياسي، وصولًا إلى محاولات تبحث عن تصفير المشكلات واستئناف العلاقات، تكللت مؤخرًا بزيارة الرئيس السوري، أحمد الشرع، إلى الكرملين.
الباحث السياسي السوري الدكتور نادر الخليل، يرى أن زيارة الشرع إلى موسكو ليست مجرد تحرك دبلوماسي عادي، وإنما تشكل “لحظة مفصلية” تعكس براغماتية سياسية، تهدف إلى إعادة تموضع سوريا في خارطة التحالفات الدولية بعد سقوط نظام الأسد.
وأشار إلى أن الملفات المطروحة تكشف عن رغبة في تجاوز “الضغائن” التاريخية لمصلحة مصالح وطنية مباشرة ذات بعد مستقبلي وتكتيكي.
وأثيرت العديد من القضايا بين البلدين، بداية من تسليم الرئيس المخلوع إلى القضاء، سواء المحلي أو الدولي، مرورًا بالقواعد الروسية في سوريا، وعلى رأسها قاعدتا “حميميم” الجوية في اللاذقية، ومرفأ “طرطوس”، إلى جانب قضايا أمنية واقتصادية وعسكرية وإقليمية.
ويرى الباحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز “الدراسات العربية الأوراسية”، ديمتري بريجع، خلال حديث إلى عنب بلدي، أن هناك عدة ملفات أساسية تدفع موسكو للحفاظ على هذه العلاقة وتطويرها نحو شراكة أكثر عمقًا، وتتمثل في أربعة ملفات رئيسة:
الجنوب السوري
الملف الأول، بحسب بريجع، يتعلق بالجانب الأمني في الجنوب السوري، حيث تسعى روسيا إلى منع أي تصعيد عسكري أو فوضى على حدود الجولان المحتل والحدود الأردنية، بما يحافظ على توازن القوى ويمنع تمدد النفوذ الإسرائيلي أو عودة المجموعات المسلحة.
وقال الباحث، إن موسكو تعتبر الجنوب السوري منطقة اختبار حقيقية لنفوذها الإقليمي، وتسعى إلى لعب دور الضامن لوقف إطلاق النار والاستقرار الأمني هناك.
وسبق أن نشرت روسيا نقاطًا أمنية في منطقة الجنوب السوري، بالقرب من خط فضّ الاشتباك، على الحدود بين سوريا وإسرائيل، منعًا لأي توتر بين الجانبين.
وبعد سقوط النظام، أثير الحديث عن عودة هذه النقاط، وتسيير دوريات روسية، منعًا للتوغل الإسرائيلي الذي تشهده محافظتا درعا والقنيطرة على الحدود.
تسليح الجيش
يتعلق الملف الثاني، وفق الباحث في الشؤون الروسية ديمتري بريجع، بتدريب وتسليح الجيش السوري الجديد، إذ تعمل روسيا على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية ضمن رؤية مهنية حديثة، تشمل دعم وتطوير أنظمة القيادة والسيطرة، وتزويده بمنظومات دفاع جوي متقدمة، وتدريبات على الأسلحة الروسية الحديثة.
يهدف هذا الدعم إلى بناء مؤسسة عسكرية محترفة وقادرة على حماية البلاد وضمان استقرارها، بما يجعل من الجيش السوري ركيزة أساسية في الحفاظ على الأمن الإقليمي والدفاع عن وحدة الأراضي السورية، وفق بريجع.
وقبل زيارة الشرع، وصل وفد عسكري من وزارة الدفاع السورية إلى العاصمة موسكو، في 2 من تشرين الأول الحالي، ترأسه رئيس هيئة الأركان العامة، اللواء علي النعسان.
واطلع الوفد السوري على منظومات الدفاع الجوي، والطائرات المسيرة الاستطلاعية والقتالية المذخرة، إضافة إلى المعدات العسكرية الثقيلة، وذلك في إطار تعزيز التعاون وتبادل الخبرات، وفق بيان لوزارة الدفاع.
وكان الجيش السوري السابق، المنحل حاليًا، يعتمد بشكل كلي على المعسكر الشرقي، المتمثل في روسيا، من ناحية التسليح والهيكلية، وإدارة المؤسسة العسكرية ومناهجها.
مصالح اقتصادية مشتركة
يتمثل الملف الثالث، بحسب الباحث بريجع، في إدخال الشركات الروسية إلى السوق السورية، خصوصًا في مجالات الطاقة، والنفط، وإعادة الإعمار، والنقل، والبنى التحتية.
وترى موسكو في إعادة إعمار سوريا فرصة اقتصادية ضخمة، وتعتبرها امتدادًا لنفوذها الاقتصادي في الشرق الأوسط، مما يعزز حضورها كمنافس مباشر للغرب في المنطقة، وفق بريجع.
الباحث نادر الخليل، يرى من جانبه أن موسكو قادرة على توفير موارد حيوية خارج العقوبات الغربية، فضلًا عن عودة شركات مثل “تاتنفت” المتخصصة بالنفط، و”غوزناك” المتخصصة بطباعة الأموال النقدية، ما يعكس شراكة عملية لا أيديولوجية.
كما يجري الحديث عن إنشاء صندوق استثماري سوري- روسي مشترك، يهدف إلى تمويل مشاريع إعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد المحلي، عبر شراكات تجمع بين القطاعين العام والخاص من الجانبين.
واعتبر ديمتري بريجع أن هذا الصندوق سيُعد رافعة مالية لتنفيذ المشاريع الكبرى وتوفير السيولة اللازمة دون الاعتماد على مؤسسات التمويل الغربية.
المقاتلون الأجانب
يرتبط الملف الرابع، بحسب ما يرى الباحث بريجع، بقضية المقاتلين الأجانب المنحدرين من الجمهوريات الروسية، المنضوين في الجيش الجديد.
ويعتقد بريجع أن روسيا ترى في بقاء ما أسماها “بؤر التطرف” تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، إذ اعتبر أن ملف المقاتلين الأجانب من أخطر الملفات التي تواجه الدولة السورية في المرحلة الحالية، وهو من القضايا التي تضعها موسكو ودمشق في صلب التعاون الأمني والعسكري بينهما.
ويرى أن وجود آلاف المقاتلين الذين دخلوا إلى سوريا خلال سنوات الحرب لا يزال يشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الداخلي، وللسيادة السورية، وللأمن الإقليمي بشكل عام.
ويعتقد أن هذا الملف أصبح اليوم ملفًا مشتركًا سوريًا- روسيًا من الدرجة الأولى، لأن تداعياته لا تقتصر على سوريا فقط، بل تمتد إلى العمق الروسي نفسه.
كثير من هؤلاء المقاتلين ينتمون إلى جمهوريات القوقاز وآسيا الوسطى، وبعضهم يحمل خبرات قتالية اكتسبها خلال الحرب، ما يجعل احتمالية عودتهم إلى بلدانهم الأصلية مصدر قلق دائم لموسكو.
وتعمل موسكو حاليًا مع دمشق على إعادة هيكلة آليات التعامل مع هذا الملف، بحيث تشمل الجانب العسكري والاستخباراتي والإنساني في آن واحد، بحسب بريجع.
على المستوى الميداني، يجري إعداد خطط مشتركة لـ”تطهير” مناطق الشمال والبادية من “فلول” الجماعات المسلحة ذات الطابع الأجنبي، وخاصة في إدلب وريف حلب الشرقي، حيث لا يزال نشاطها قائمًا بدعم خارجي.
أما على المستوى الاستخباراتي، فقد تم الاتفاق على إنشاء قنوات تنسيق لتبادل المعلومات، وتعقب شبكات التمويل والتهريب التي تغذيها عبر الحدود التركية والعراقية، بحسب الباحث بريجع.
من جانب آخر، أشار الباحث بريجع إلى اهتمام روسي خاص بإطلاق برامج لإعادة التأهيل الفكري والإنساني للعناصر الذين لم يتورطوا في “جرائم” مباشرة، كجزء من مشروع المصالحة الوطنية في سوريا.
ماذا لو تجاهلت دمشق موسكو
تلقت الإدارة السورية العديد من الانتقادات، وخاصة من الشارع الثوري، بسبب علاقات دمشق مع موسكو، ودور الأخيرة في دعم نظام الأسد المخلوع.
وفي هذا الصدد، تثار الأسئلة حول النتائج المتوقعة في حال تجاهلت الحكومة السورية روسيا، ورفضت التعامل معها وإعادة العلاقات.
الباحث السياسي نادر الخليل، قال لعنب بلدي، إن روسيا لاعب دولي لا يمكن تجاهله، ويدرك الرئيس السوري ذلك.
بالمقابل، يرى أن تكون العلاقة الجديدة محدودة ومشروطة، بما يضمن مصالح سوريا دون تكرار أخطاء التبعية السابقة، مشيرًا إلى أن البراغماتية تتجاوز العاطفة لمصلحة الاستقرار.
ويرجح الباحث السوري، الخليل، أن قطع العلاقات مع روسيا سيؤدي إلى فوضى، حيث يحتاج الشرع إلى روسيا كـ”موازن” ضد الضغوط الإسرائيلية والتركية وغيرها، داعيًا إلى السعي لعلاقات متوازنة لضمان الاستقرار السوري.
وأوضح أن القطيعة ستكون مكلفة على أربعة مستويات، الأول اقتصادي، فخسارة الدعم الروسي تعني تفاقم الأزمة القائمة في سوريا، والثاني أمني يتعلق بوجود احتمال دعم روسي لفصائل مناوئة أو فرض وجودها بالقوة، إذ تشير تقارير إعلامية إلى دور لعبته قاعدة “حميميم” في اللاذقية، لدعم عناصر النظام السابق خلال أحداث الساحل، في آذار الماضي.
على المستوى الدبلوماسي، يربط الخليل القطيعة مع موسكو بفقدان الغطاء الروسي في مجلس الأمن وعزل دمشق دوليًا. أما على الجانب الإقليمي، فسيؤدي قطع العلاقات إلى تعقيد الوساطة مع تركيا وإيران، وزيادة العزلة.
تسليم الأسد.. رهن الآليات
أثار طلب الرئيس السوري، أحمد الشرع، من نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، تسليم الرئيس المخلوع، بشار الأسد، خلال زيارته إلى موسكو، نقاشًا واسعًا حول البعد القانوني والسياسي لهذه الخطوة التي تمثل مطلبًا شعبيًا سوريًا، لمحاكمة رئيس النظام السابق ورموزه، على الجرائم المقترفة بحق الشعب السوري.
الطلب السوري، أكده نائب مدير إدارة روسيا وشرق أوروبا في وزارة الخارجية والمغتربين، أشهد صليبي، في تصريحات صحفية، قال فيها إن الرئيس الشرع طالب نظيره الروسي بتسليم الأسد بشكل واضح وأكثر من مرة، وأبدى الجانب الروسي تفهُّمًا واضحًا تجاه تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا.
لكن صليبي ربط تسليم المطلوبين إلى سوريا بوضع آليات قانونية جديدة، وأضاف أن سوريا تسعى في هذه المرحلة لتحقيق الاستقرار الأمني عبر إنجاز العدالة الانتقالية كأساس للاستقرار الشامل، وتم الاتفاق مع روسيا على وضع آليات قانونية جديدة للتعاون في ملف المطلوبين والملفات العالقة، مؤكدًا في الوقت ذاته أنه تم بحث ملف المطلوبين من رؤوس “المجرمين” الأمنيين والعسكريين السوريين المقيمين حاليًا في موسكو.
اتفاقية تسليم وقّعها الأسد.. قد تؤدي إلى تسليمه
يبلغ عدد اتفاقيات تسليم “المجرمين” الموقّعة بين سوريا ودول العالم حوالي 23 اتفاقية مع دول عربية وأجنبية، من ضمنها اتفاقية تسليم لـ”المجرمين” موقّعة بين سوريا وروسيا، قُدمت من قبل مجلس الوزراء الروسي في عام 2022 بناء على اقتراح سوري، ووافق عليها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وأصدر رئيس النظام السوري السابق، الأسد، مرسومًا بالتصديق عليها آنذاك.
وأشار إلى الاتفاقية المحامي محمد الحربلية، الباحث والخبير في القانون الدولي، في حديث إلى عنب بلدي، بالقول إن الرئيس المخلوع أصدر، في تشرين الأول 2022، المرسومين “32” و”33″ للتصديق على اتفاقيتي تسليم “المجرمين”، والتعاون القانوني المتبادل مع روسيا لمكافحة الجريمة بين البلدين، وصدّق مجلس “الدوما” الروسي على الاتفاقيتين، في نيسان 2023.
وأكد المحامي الحربلية أن الاتفاقيتين لا تزالان ساريتي المفعول حتى الآن، أي أن بشار الأسد قد يتم جلبه للمحاكمة في سوريا بموجب اتفاقية سبق وأن سعى إليها ووقّعها لتبادل تسليم “المجرمين” بين سوريا وروسيا الاتحادية.
المرسوم رقم “32”
تصدّق اتفاقية التعاون القانوني المتبادل في القضايا الجزائية الموقّعة في بطرسبورغ بتاريخ 29 من حزيران 2022 من قبل وزير العدل نيابة عن حكومة الجمهورية العربية السورية ووزير العدل نيابة عن حكومة روسيا الاتحادية.
المرسوم رقم “33”
تصدّق اتفاقية تسليم المحكومين الموقعة في بطرسبورغ بتاريخ 29 من حزيران 2022 من قبل وزير العدل نيابة عن حكومة الجمهورية العربية السورية ووزير العدل نيابة عن حكومة روسيا الاتحادية.
عقوبة الإعدام قد تمنع تسليم الأسد
تكشف اتفاقية “تسليم المجرمين” الموقّعة بين سوريا وروسيا عن معضلة حقيقية حول ملف مرتكبي “الجرائم”، بمن في ذلك بشار الأسد ورموز نظامه، قال المحامي محمد الحربلية، إذ تؤكد الاتفاقية بوضوح على تسليم مرتكبي الجرائم الجنائية العادية، باستثناء الجرائم السياسية أو الحالات التي قد يعاقب عليها بالإعدام (ما لم تقدم الدولة طالبة التسليم ضمانات بعدم تنفيذ العقوبة)، وهذا الأمر يفتح باب النقاش حول حدود الالتزامات القانونية ومبدأ سيادة الدولة في هذه القضايا.
من جهة، يُعتبر الأسد ورفاقه ضمن فئة الجرائم الخطيرة التي يفرض القانون الدولي تسليم مرتكبيها، بما يشمل “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” والإبادة الجماعية، ما يجعل منح روسيا حق اللجوء لهم أمرًا غير متوافق مع المواثيق الدولية، والاتفاقيات الدولية المتعددة، من اتفاقية منع الإبادة الجماعية إلى اتفاقيات جنيف ومناهضة التعذيب، التي تؤكد أن الدول التي تؤوي مرتكبي هذه الجرائم ملزمة بتسليمهم أو بمحاكمتهم على أراضيها.
ولكن من جهة أخرى، تمنح الاتفاقية روسيا مخرجًا قانونيًا مؤقتًا يمكنها التذرع به، وهو أن تسليم المطلوبين قد يعرضهم لعقوبة الإعدام، وهو شرط مقبول في القانون الدولي لرفض التسليم.
هذا الموقف يضع موسكو أمام مفترق طرق حقيقي، حيث يجب عليها الموازنة بين التزاماتها القانونية الدولية وموقفها السياسي الداخلي، ما يجعل ملف الأسد ورفاقه واحدًا من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في العلاقات السورية- الروسية.
ما موقف القانون الدولي
من حيث المبدأ، يعتبر قرار تسليم المجرمين قرارًا سياديًا، أي يتعلق بسيادة أي دولة كانت، بحسب ما أكده الخبير بالقانون الدولي، لكنه رغم ذلك يجب ألا يتنافى مع ما ورد في نصوص الاتفاقيات الدولية التي تفرض على الدولة التي تؤوي مرتكبي “جرائم” القانون الدولي (مثل بشار الأسد ورموز نظامه) كـ”جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” والإبادة الجماعية، إما تسليم المطلوب إلى الدولة الطالبة وإما محاكمته لديها.
وجاء النص على ما تقدم، أضاف الحربلية، في العديد من الاتفاقيات الدولية، منها اتفاقية منع الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، واتفاقيات جنيف الأربع لعام 1948، واتفاقية مناهضة التعذيب لعام 1984، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006.
وأكد المحامي الحربلية، أن جميع الاتفاقيات السابقة تعني أن قيام روسيا بمنح حق اللجوء الإنساني لبشار الأسد ورموز نظامه يتعارض مع القانون الدولي، الأمر الذي يزيد من حجم التساؤلات حول أسباب قيام روسيا بمنح حق اللجوء الإنساني للأسد وأعوانه.
قرار أممي يلزم روسيا بتسليم الأسد أو محاكمته
أشار الخبير بالقانون الدولي محمد الحربلية، إلى أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم “3074” لعام 1973، يكتسب أهمية خاصة لشموله، والتوصيف القانوني الدقيق في نصه، بهدف ضمان عدم إفلات مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من العقاب، حيث تعلن الأمم المتحدة بموجبه عددًا من مبادئ التعاون الدولي في تعقب واعتقال وتسليم ومعاقبة الأشخاص المذنبين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهي:
أن تكون جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، أيًا كان المكان الذي ارتكبت فيه، موضع تحقيق، ويكون الأشخاص الذين تقوم دلائل على أنهم قد ارتكبوا الجرائم المذكورة محل تعقب وتوقيف ومحاكمة، ويعاقبون إذا وجدوا مذنبين.
لكل دولة الحق في محاكمة مواطنيها بسبب جرائم الحرب أو الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية.
تتعاون الدول بعضها مع بعض، على أساس ثنائي ومتعدد الأطراف، بغية وقف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والحيلولة دون وقوعها، وتتخذ على كلا الصعيدين الداخلي والدولي التدابير اللازمة لهذا الغرض.
تؤازر الدول بعضها بعضًا في تعقب واعتقال ومحاكمة الذين يشتبه بأنهم ارتكبوا مثل هذه الجرائم، وفي معاقبتهم إذا وجدوا مذنبين.
يقدم للمحاكمة الأشخاص الذين تقوم ضدهم دلائل على أنهم ارتكبوا جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، ويعاقبون إذا وجدوا مذنبين، وذلك، كقاعدة عامة، في البلدان التي ارتكبوا فيها هذه الجرائم، وفي هذا الصدد، تتعاون الدول في كل ما يتصل بتسليم هؤلاء الأشخاص.
تتعاون الدول بعضها مع بعض في جمع المعلومات والدلائل التي من شأنها أن تساعد على تقديم الأشخاص المشار إليهم سابقًا، إلى المحاكمة، وتتبادل هذه المعلومات.
لا يجوز للدول منح ملجأ لأي شخص توجد دواعٍ جدية للظن بارتكابه جريمة ضد السلم أو جريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية.
لا تتخذ الدول أي تدابير، تشريعية أو غير تشريعية، قد يكون فيها مساس بما أخذته على عاتقها من التزامات دولية فيما يتعلق بتعقب واعتقال وتسليم ومعاقبة الأشخاص المذنبين في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
تتصرف الدول، حين تتعاون بغية تعقب واعتقال وتسليم الأشخاص الذين تقوم دلائل على أنهم ارتكبوا جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، ومعاقبتهم إذا وجدوا مذنبين، وفقًا لأحكام ميثاق الأمم المتحدة وإعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقًا للميثاق.
خطوتان واجبتان..
وجهة نظر حقوقية
لم يكن الوجود الروسي في سوريا عابرًا، حيث شاركت موسكو بقوة في دعم نظام الأسد منذ اندلاع الثورة السورية، بداية على الصعيد السياسي، واستخدام حق “النقض” (الفيتو) في مجلس الأمن، لمصلحة الرئيس المخلوع.
وتعزز دعم موسكو بتدخلها عسكريًا، في 30 من أيلول 2015، الذي قلب الموازين لمصلحة النظام السابق، وغيّر من خرائط السيطرة، عبر قضم مناطق سيطرة المعارضة.
ويرى المختص في القانون الجنائي وحقوق الإنسان المعتصم الكيلاني، خلال حديث إلى عنب بلدي، أن الجانب السلبي الأساسي لمثل هذه الزيارة هو أنها قد تُقدم سياسيًا كنوع من إعادة التطبيع قبل تحقيق العدالة، موضحًا أن ذلك يُضعف الثقة لدى الضحايا وذويهم، ويُعطي انطباعًا بأن العدالة يمكن تجاوزها باتفاقات سياسية أو رمزية، بدل أن تكون أساس أي مسار للحل.
ويعتقد أن “الخطأ الأكبر” هو تحويل الزيارة إلى بوابة لإعادة العلاقات دون وضع شروط واضحة تتعلق بمحاسبة المتورطين، وكشف مصير المختفين قسرًا، وتعويض المتضررين وتسليم مجرمي الحرب.
مطالب بالتعويض
إعادة بناء أي علاقة بين دمشق وموسكو بعد هذا التاريخ الطويل من الانتهاكات يجب أن تبدأ من الاعتراف بالمسؤولية الأخلاقية والقانونية، لا من المصالح السياسية فقط، وفق ما يراه الكيلاني.
وحدد الكيلاني خطوتين في هذا المسار يجب على روسيا أن تتخذهما، وتكون الأولى بأن تتحمل مسؤولياتها وتعترف بجرائم الحرب المرتكبة، والثانية أن تعوض روسيا الضحايا وأن تسهم بإعادة إعمار ما دمرته الماكينة العسكرية، عبر التزام الطرفين بإنشاء آلية وطنية مستقلة للحقيقة والمساءلة تُعنى بجبر الضرر.
يكسره تعليق أممي
صمت أمريكي- أوروبي
زيارة الرئيس السوري إلى موسكو ذات أثر على ملفات تتعلق بالإقليم والعالم وعلاقات سوريا الجديدة مع أوروبا والولايات المتحدة، إلا أن صمتًا دوليًا رافق الزيارة، ما أثار تساؤلات حول موقف هذه الدول منها.
ورغم أن العلاقات السورية مع أوكرانيا (عدو روسيا الحالي وحليف الأوروبيين والأمريكيين) تبدو في تحسن مستمر، إضافة إلى تطور العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لم تعلق هذه الدول التي اشترطت بعد سقوط النظام خروج القواعد الروسية من سوريا.
هذا الصمت، كسرته الأمم المتحدة، التي كانت أول المعلقين على الزيارة حيث اعتبر المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، أن وجود الشرع في موسكو “مهم”.
وقال في تصريحات لقناة “روسيا اليوم”، في 16 من تشرين الأول، “من المهم لسوريا أن تُرسخ علاقاتها ليس فقط مع جيرانها، بل مع جميع الدول”.
ضوء أخضر أمريكي
تواجه إدارة ترامب حالة من الانقسام بشأن كيفية الرد على الوجود العسكري الروسي في سوريا، وما إذا كان ينبغي لها أن تطلب من الحكومة الجديدة إخراج القوات الروسية من القاعدة البحرية والجوية غربي سوريا، وفق ما ذكرته صحيفة “The Hill” الأمريكية، في 6 من نيسان الماضي.
ونقلت الصحيفة عن مصدر وصفته بـ”المطلع” (لم تسمّه) قوله، إن “هناك جدلًا داخليًا واسع النطاق داخل الإدارة حول الموقف الذي يجب اتخاذه تجاه القاعدة الروسية. ونوقش هذا الأمر داخل وزارة الخارجية والبيت الأبيض، وكان هناك ضغط من بعض أعضاء الإدارة لإزالة القاعدة الروسية”.
وأضاف المصدر أن إخراج القوات الروسية “ليس مطلوبًا حاليًا من السوريين مقابل رفع العقوبات”.
من جانبها، رفضت الخارجية الأمريكية التعليق على سؤال عنب بلدي، في 16 من تشرين الأول الحالي، حول زيارة الشرع إلى روسيا وبقاء القواعد الروسية، وعزت ذلك إلى الإغلاق الحكومي الذي تشهده الولايات المتحدة.
الصحفي السوري المقيم في الولايات المتحدة محمد عبد الرحيم، يرى أن واشنطن لم تعلق على زيارة الشرع لـ”أسباب مفهومة”، لأن علاقتها مع موسكو تمر الآن بـ”ظروف دقيقة بسبب الحرب في أوكرانيا”.
وفي حديث إلى عنب بلدي، اعتبر الصحفي أن واشنطن لا تستطيع تأييد هذا التقارب، لأن كل حلفائها الغربيين هم ضد أي تقارب سوري- روسي، وطالبوا دمشق علنًا بقطع أي علاقة مع موسكو.
لكن يمكن الاستدلال على موافقة واشنطن على هذه الخطوة بأن سلطات دمشق لم تكن لتقدم عليها لولا وجود موافقة صامتة من واشنطن، فالحكومة السورية ليست بوارد أي صدام مع الولايات المتحدة الأمريكية في هذا التوقيت.
واشنطن تحث على دور روسي في سوريا
يعتقد الصحفي السوري أن واشنطن تحتاج إلى دور روسي في سوريا، يتمثل بعدم انجرار تركيا وإسرائيل لمواجهة في سوريا، كما أن الوجود الروسي في الساحل السوري يقدم تطمينات لتل أبيب أن المواني السورية لن تُستخدم لنقل أسلحة إلى ما سماها “فصائل متطرفة”.
وتحاول دمشق استغلال علاقات بوتين مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، لوقف الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا، معتبرًا أن حالة التقارب هذه تخدم أطرافًا متعددة كلها صديقة لواشنطن، مثل أنقرة وتل أبيب.
ربما عبّر بعض أعضاء الكونجرس عن غضبهم، ولكنهم ليسوا جزءًا من المؤسسات الفاعلة، هذا الغضب آتٍ من تصور أن سوريا الجديدة يجب أن تكون على قطيعة كاملة مع ماضيها الدائر في الفلك السوفييتي، وأن النظام الجديد يجب أن ينتمي للغرب واقتصاد السوق.
عضو الكونجرس الأمريكي جو ويلسون، المعروف بمناصرته للثورة السورية ودعمه للحكومة السورية، دعا لإخراج القواعد الروسية من سوريا، وقال عبر منصة “إكس”، في 15 من تشرين الأول، إنه “يجب بذل كل الجهود لإزالة قواعد بوتين المجرمة القاتلة من سوريا”.
واعتبر الصحفي السوري محمد عبد الرحيم، أن واشنطن تفهم كل هذه التعقيدات التي تمر بها العلاقات بين سوريا وروسيا بدءًا من بناء الجيش السوري والديون والاستثمارات والحلف القديم الممتد قرابة 80 عامًا، حيث يمكن أن تقدم موسكو السلاح مقابل المنتجات بينما الدول الغربية لا تفعل ذلك.
في أوروبا.. من الصمت إلى القلق ثم الذعر
عقب سقوط نظام الأسد، حملت الوفود الأوروبية القادمة إلى سوريا الجديدة عددًا من المطالب، أبرزها إخراج روسيا من سوريا كليًا، حيث تجلى ذلك بعدة تصريحات أبرزها لوزيرة الخارجية الألمانية السابقة، أنالينا بيربوك، التي طالبت خلال زيارتها إلى دمشق، في 3 من كانون الثاني الماضي، بانسحاب القوات الروسية من سوريا، مشيرة إلى أن فلاديمير بوتين قدم دعمًا طويل الأمد لبشار الأسد وغطى على جرائم النظام السابق وساندها.
منسق الحكومة الألمانية لشؤون سوريا، توماس ليندنر، قال لمجلة “دير شبيغل” الألمانية، في 16 من كانون الثاني الماضي، إن الوجود العسكري الروسي في سوريا “له آثار أوسع على أمن أوروبا”، وإن روسيا تشكل “أكبر تهديد للأمن الأوروبي في المستقبل المنظور”.
الباحثة الفرنسية والمتخصصة في السياسات الأوروبية في الشرق الأوسط دوروثي شميد (Dorothée Schmid)، ترى أن رفض الأوروبيين للوجود الروسي في سوريا يعود إلى عدة عوامل أبرزها تهميشهم في “الصراع السوري” الذي جسدته روسيا، حيث دعمت موسكو ذلك النظام بينما طالب الأوروبيون بإسقاطه.
وأضافت شميد، في حديث إلى عنب بلدي، أن الوجود الروسي في البحر الأبيض المتوسط عبر سوريا أمر “يُقلق الأوروبيين استراتيجيًا”، والقلق الأكبر من أن يستعيد بوتين “موطئ قدم دبلوماسي وعسكري في الشرق الأوسط”.
وباعتقاد الباحثة الفرنسية، فإن تجاهل التعليق على لقاء الشرع وبوتين من قبل أوروبا، يعود إلى “جهل الأوروبيين الحالي بالتوازن الجيوسياسي المحيط بسوريا” ونظرة سلبية للنظام السوري الجديد أو “نظرة حذرة للغاية”، لأن “ماضي الشرع الجهادي ما زال موضع شك”، ورعاة الحكم الجديد في سوريا هم دول الخليج وتركيا.
شميد أرجعت تجاهل أوروبا للتقارب السوري- الروسي إلى نوع من “قصر النظر الاستراتيجي” الذي يكرسه بوتين نفسه، من خلال ضغوط شديدة يمارسها حاليًا على العديد من جيران روسيا الأوروبيين.
وقالت إن “هذا يُسبب ذعرًا أوروبيًا يمنعنا من التفكير بشكل أوسع في إعادة الانتشار الروسي، ومن إدراك أن إعادة الانتشار هذه تجري أيضًا في الشرق الأوسط، ناهيك بالقوقاز”.
وبسؤالها عما إذا كان هناك موقف مشترك أو رؤية للموقف من دول مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا، أجابت الباحثة الفرنسية، بأنها لا تعتقد أن هناك موقفًا أوروبيًا مشتركًا بشأن عودة روسيا إلى سوريا، و”هو ما يعتبره معظم المحللين الأوروبيين مفاجئًا”، على حد قولها.
وقالت، “على الأقل، هذا هو الحال في فرنسا، بينما في الواقع، لو تابعنا الأمر من البداية، فمنذ تولي أحمد الشرع منصبه، لم تنقطع العلاقات مع روسيا، الأمر فقط أنهم اليوم يتخذون منعطفًا أكثر مؤسسية وانتظامًا”.
وبالنسبة لفرنسا، ترى الباحثة أن باريس منشغلة بالوضع الفلسطيني، وهو ما شعرت أنها قد تجد فيه فائدة، بينما لا تزال مترددة في مسألة إعادة إعمار سوريا.
في ألمانيا، التي تعد من أقوى معارضي بوتين داخل الاتحاد الأوروبي، تعتقد الباحثة أن برلين قلقة للغاية بشأن ما يحدث في أوروبا الوسطى والشرقية، و”تنظر إلى الشرق الأوسط بشكل أقل بكثير”.
أما بريطانيا، فوفق تحليل دورثي شميد، فتمر بمرحلة من “الحذر الهيكلي” تجاه سوريا.
وأشارت إلى أن الأوروبيين يظلون “لاعبًا هامشيًا” إلى حد ما في هذا المجال، لأنهم يدركون أنهم لا يملكون القرار، ويعتبرون أن المواجهة مع روسيا سوف تدور على الأراضي الأوروبية.
عنب بلدي
———————————–
معهد واشنطن: نافذة مواجهة روسيا في سوريا تُغلق
ربى خدام الجامع
2025.10.22
عادت روسيا لتعزيز نفوذها في سوريا ولكن بهدوء شديد، فقد خلق سقوط نظام بشار الأسد الذي كانت روسيا تدعمه قبل عام تقريباً فرصة لا يمكن أن تتكرر لأجيال وذلك لإعادة تشكيل حالة توازن القوى في الشرق الأوسط لصالح الولايات المتحدة، ولعل هذه النافذة باتت في طور الإغلاق الآن، لأن عدم مجابهة روسيا في سوريا ستكلف الغرب كثيراً على مستوى العالم كله.
يعرض موقع تلفزيون سوريا هذه المادة في إطار التغطية الإعلامية للملفات المتعلقة بسوريا، مع الإشارة إلى أن ما ورد فيه يعكس رؤية المعهد ومصادره، ويُقدّم كمادة تحليلية تساعد على فهم طريقة تناول الإعلام الدولي للملف السوري، من دون أن يُعد توثيقاً شاملاً لكامل المشهد أو تبنياً لاستنتاجاته.
“إعادة تعريف” العلاقات مع روسيا
خلال هذا الشهر، استقبل فلاديمير بوتين الرئيس السوري أحمد الشرع للمرة الأولى منذ سقوط الأسد، فقد حرص الشرع على “إعادة وضع تعريف” للعلاقات مع موسكو، أما بالنسبة لروسيا، فإن سوريا تتمتع بأهمية كبيرة كونها تمثل موقعاً استراتيجياً يطل على شرقي البحر المتوسط، وهذا الموقع يسمح لها باستعراض قوتها في الشرق الأوسط وإفريقيا والخاصرة الجنوبية لحلف شمال الأطلسي، وكذلك في مختلف أرجاء جنوبي أوروبا. ومع احتدام الحرب الروسية في أوكرانيا، أصبح الوصول إلى شرقي المتوسط طريقاً مهماً أمام الأمور اللوجستية الروسية.
انحسر الضوء المسلط على روسيا في سوريا بشكل كبير، غير أن الوجود الروسي بات يتعزز مرة أخرى ولكن ببطء، فقد احتفظت موسكو بقاعدتيها العسكريتين في سوريا وذلك في كل من طرطوس وحميميم، حيث يمكنها إعادة تخطيط الهدف منهما وذلك لتأدية مهام إضافية، كأن تتحولا إلى مركزين لإرسال المساعدات الإنسانية إلى إفريقيا. وقد أكد الشرع في لقائه مع بوتين بأنه يحترم الاتفاقيات السابقة التي عقدت مع روسيا، وهذا ما يؤكد سلامة القاعدتين الروسيتين وبقاءهما على حالهما.
ماتزال روسيا المورد الأساسي للنفط إلى سوريا، كما أنها ستطبع العملة السورية الجديدة، فضلاً عن السفارة الروسية ظلت مفتوحة في سوريا، ومع تراجع القيود على الصفقات الاقتصادية التي تبرم مع سوريا، أصبحت روسيا في موضع يؤهلها بشكل كبير لتعزيز علاقاتها مع هذا البلد عبر الاستعانة بوسطاء سريين في مجال المشاريع التجارية.
في مطلع أيلول من هذا العام، ترأس نائب رئيس الوزراء الروسي ألكساندر نوفاك وفداً طار إلى سوريا ليقدم المساعدات ويعرض التعاون في مجال الطاقة، وقبل ذلك، دعت الحكومة السورية شركة تاتنيف وهي خامس أكبر شركة طاقة بروسيا، إلى جانب غيرها من الشركات الروسية، لمواصلة عملياتها في سوريا، ولم يعد هنالك أي حظر على روسيا في مجال تزويد سوريا بالنفط، وفي الوقت الذي تركزت المصلحة الأميركية في الحفاظ على استقرار سوريا، فإن ذلك لا يجوز أن يأتي على حساب أولويات أخرى في مجال السياسة الخارجية.
وقبل زيارة الشرع لموسكو في هذا الشهر، أكد غير مرة على ضرورة وجود علاقات مع روسيا، فمن منظور براغماتي صرف، ماتزال سوريا تعتمد على روسيا في مجال العتاد العسكري والدعم الدبلوماسي والاقتصادي، على الرغم من إبداء سوريا لتوجهات والت الغرب بنسبة أكبر.
والحق يقال إن سقوط الأسد بحد ذاته لم يكن نقطة التحول بالنسبة للنفوذ الروسي كما اعتقدت جهات كثيرة في الغرب. إذ في مقابلة أجريت منذ فترة قريبة مع الشرع، تبين لنا بأن سقوط الأسد لم يكن ضربة استراتيجية قاتلة لروسيا، فقد كشف الشرع بأن قواته عندما ترأست الهجوم العسكري الذي أطاح بالأسد، دخلت في مفاوضات سرية مع الروس بغية التوصل إلى تفاهم، وهكذا وصلت قوات الشرع إلى مدينة حمص، فنأت روسيا بنفسها عن المعركة حسب قوله، كما تجنبت قوات الشرع الهجوم على قاعدة حميميم الجوية التابعة لروسيا، أي أن روسيا اختارت التخلي عن الأسد مع الاحتفاظ بوجودها ونفوذها المهم في سوريا، من خلال العلاقات التي أقامتها مع القيادة السورية الجديدة.
هدف بوتين الأهم
بيد أن عدم مجابهة الولايات المتحدة لروسيا واستمرارها في علاقاتها مع سوريا يمكن أن يودي بمصداقيتها مع حلفائها وشركائها في أوروبا والشرق الأوسط، كما أن عدم التدخل في سوريا قد يمنح روسيا موارد إضافية تساعدها على مواصلة حربها على أوكرانيا، حيث يمكن لذلك أن يرفد الجهود التي تبذلها في شتى أصقاع العالم للحد من النفوذ الأميركي بغية تشكيل عالم متعدد الأقطاب، إذ لطالما ركزت سياسة موسكو في سوريا على تحقيق هذا الهدف الأكبر الذي يضمره فلاديمير بوتين، أي أن هدفها لم يكن دعم الأسد أو حتى سوريا نفسها، لذا، فإن عدم إبعاد روسيا عن سوريا اليوم يمكن أن يقوض الأهداف الأميركية المتعلقة بأوروبا وأوكرانيا وحلف شمال الأطلسي، وتنافس القوى العظمى على قيادة العالم.
منذ أمد بعيد، أعلن السياسيون الأميركيون بأنه لا يجوز لروسيا أن تستفيد من جرائم الحرب التي ارتكبها الأسد، غير أن روسيا استفادت قبل كل ذلك من توسيع علاقاتها الاقتصادية وغير الاقتصادية مع سوريا بعد سقوط الأسد. كما لم يحاسب الأسد أو فلاديمير بوتين على جرائم الحرب التي ارتكباها في سوريا، والتي شملت الاستعانة بالتعذيب والقصف العشوائي الذي استهدف المدنيين، ناهيك عن استغلال روسيا لسوريا كساحة لتجريب عتادها وتكتيكاتها العسكرية والتي استخدمها الكرملين في أوكرانيا بعد ذلك.
مع تراجع نفوذ موسكو في سوريا إلى حد كبير الآن مقارنة بما كان عليه أيام وجود الأسد في السلطة، أضحت تلك لعبة طويلة الأمد بالنسبة للكرملين، وذلك لأن موسكو تبنت نهجاً أشد حذراً وأخذت تبني علاقات على عدة جبهات ولكن بصورة بطيئة، مع تقديمها لنفسها كقوة مضادة لغيرها من العناصر الفاعلة الخارجية في سوريا، غير أن الشرع نفسه وغيره من العناصر الفاعلة الخارجية، وعلى رأسها إسرائيل، لا يستعجلون أمر حرمان روسيا من هذا الدور الذي تلعبه.
النفوذ الروسي وزعزعة الاستقرار في سوريا
بيد أن موسكو أضحت في موضع يخولها العودة من جديد إلى سوريا، في حال عدم وقوف الغرب في وجه مطامحها. إذ بخلاف بقية العناصر الفاعلة في سوريا التي تلعب اليوم دوراً أوضح وأهم في سوريا، مثل تركيا، حافظت موسكو على ميزة إبقائها على علاقات مع جميع الأطراف، ولهذا فإن بوسعها أن تعتمد على دعمهم جميعاً، وعلى رأس تلك الأطراف تأتي قوات سوريا الديمقراطية، والعلويون، وكذلك الدروز، إذ يرى بعض الناس بأنه بوسع موسكو استغلال هذه العلاقات لإشعال مزيد من التوتر العرقي وغير العرقي بما يسهم في إبقاء سوريا ضعيفة ومقسمة، ويجعل البلد عرضة لمد نفوذ قوى أخرى فيه وتلاعبها به.
لذا، يتعين على الغرب أن يتصرف الآن قبل أن تغلق النافذة التي تمثل فرصة لمجابهة روسيا، كما على الغرب أن يدعم بدائل أفضل في سوريا بالنسبة لروسيا مع الضغط على الشرع لكبح جماح موسكو، وبوسع الغرب استغلال نفوذه الاقتصادي لتحقيق هذا الغرض، فسوريا بحاجة لاقتصاد فاعل نشط، وروسيا لا يمكنها رفد سوريا باقتصاد كهذا، ولدى دمشق رغبة بالتعامل مع الغرب.
وفي حال ظهور فرص يمكن للروس استغلالها ليتدخلوا في سوريا في ظل غياب الغرب، فإنهم لابد أن يذكروا الحكومة السورية بأن الدعم الروسي سيصل بسرعة ومن دون أي شروط، مقارنة بما تفعله الدول الديمقراطية التي تؤخر إرسال المساعدات لتطالب بتحسين حقوق الإنسان. وفي حال عودة تنظيم الدولة، فإن روسيا لن تقف في وجهه بثبات ورسوخ، بل إن النفوذ الروسي هو ما يضمن زعزعة أكبر للاستقرار في سوريا، وفي الشرق الأوسط عموماً، كما بوسع موسكو مضاعفة التوتر الإقليمي القائم حالياً بهدف تشتيت الغرب، وإرغامه على إنفاق موارده على صراعات ستحدث مستقبلاً، مع صرف اهتمامه عن أوكرانيا. ما يعني بأن الشرق الأوسط مايزال مسرحاً مهماً لمواجهة أكبر بين موسكو والغرب، لذا فإن عدم كبح جماح بوتين لابد أن يتسبب بعودة روسيا إلى المنطقة من جديد.
المصدر: The Washington Institute
تلفزيون سوريا
—————————————
الشرع في موسكو … الحاجة والضرورة/ حسين عبد العزيز
22 أكتوبر 2025
ينطلق هذا المقال من مُحاججة استراتيجية مفادها صعوبة أن تكون سورية تابعة للفلك الأميركي بالمعنى الاستراتيجي القائم بين الولايات المتحدة ودول ما يطلق عليها اسم الاعتدال العربي: الأردن ودول الخليج وغيرها.
لا يتعلّق الأمر باختلاف الأيديولوجيات والأمزجة السياسية، وإنما بالجغرافيا السياسية والمصالح الاستراتيجية الكبرى، فلا يمكن تحت أيّ شكل أن تكون سورية جزءاً من المصالح الأميركية ـ الإسرائيلية إلا في حالة تكرار المسار المصري ـ الإسرائيلي في الحالة السورية، أي توقيع معاهدة سلام تُعيد فيها إسرائيل الجولان بالكامل إلى سورية مع ترتيبات أمنية مُشتركة وترتيبات اقتصادية واسعة على المستوى الدولي.
ولمّا كان هذا الأمر يبدو مستحيلاً في الأمدين، القريب والمتوسط، لاختلاف المناخ الدولي والإقليمي مقارنة مع سبعينيات القرن الماضي، ولاختلاف موازين القوى الهائل بين إسرائيل وسورية، فإنّ الحلّ المطروح أميركياً وإسرائيلياً لسورية هو القبول بالواقع الحالي القائم المُتمثّل في إبقاء الوجود العسكري الإسرائيلي على جبل الشيخ الاستراتيجي، وتأجيل مناقشة مصير الجولان إلى أجل مفتوح، أو على الأقل إيجاد صيغة تبقى فيها إسرائيل بشكل من الأشكال ضمن معادلة الجولان. … بعبارة أخرى، المطلوب من سورية ليس أن تصبح دولة مستسلمة كامل الاستسلام للمصالح الإسرائيلية فحسب، بل أيضا أن تقبل بالتدخل الإسرائيلي في الشأن السوري الداخلي، ولربما لهذا السبب تعطّل مسار التفاوض بين الجانبين أو توقّف.
أدرك الرئيس السوري أحمد الشرع أخيراً هذه المعادلة، فالجولات التفاوضية بين سورية وإسرائيل خلال الأشهر الماضية برعاية أميركية كشفت له أنّ الرضى الأميركي عن سورية الجديدة يتطلّب القبول بما تريده إسرائيل، وما تريده إسرائيل لا تتحمّله سورية والسوريون، كما كشفت له هذه المفاوضات أنّ إسرائيل لا تفهم لغة السلام أبدًا، بل تفهم لغة القوّة فقط.
لماذا روسيا؟
ضمن هذه المقاربة، تكون زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع موسكو زيارة طبيعية جدّاً في عالم السياسة، بل هي ضرورية للغاية من الناحية الاستراتيجية، فسورية اليوم بحاجة ماسّة إلى روسيا أكثر من أيّ يوم مضى، خصوصاً في مسألة تسليح الجيش السوري، إذ وفق التسريبات الإعلامية ركّز الشرع في البداية على مسألة حصول سورية على منظومات صواريخ، وهذا يعني أنّ الأولوية السورية حالياً وضع حدّ للطيران الإسرائيلي في الأجواء السورية.
وبلغة الحرب امتداد للسياسة، فإنّ هذه الخطوة ستُقوّي موقف الشرع التفاوضي مع إسرائيل، حيال النقاط الجغرافية التي تسيطر عليها إسرائيل في العمق السوري وحيال مصير الجولان، بعدما تبيّن له أنّ السياسة من دون مقوّمات القوة العسكرية أداة فاشلة للتعامل مع المطامع الإسرائيلية في سورية.
لتحقيق ذلك، لا يوجد أمام سورية سوى روسيا، لأسباب عدّة، أهمها: أولًا، ثمّة علاقة تاريخية بين البلدين يمكن البناء عليها، خصوصاً في المجال العسكري، حيث الخبرات العسكرية السورية هي منذ أجيال خبرات روسية بامتياز.
ثانيًا، عملية تحويل منظومة الجيش السوري بالكامل من السلاح الروسي إلى السلاح الغربي عملية معقّدة وذات تكاليف مالية هائلة، فضلاً عن أنّ مثل هذه الخطوة تتطلّب تغييرًا استراتيجيًا في السياسة السورية (القبول بالمطالب الأميركية ـ الإسرائيلية)، ومن دون حصول هذا التغيّر لا تقبل الولايات المتحدة بشكل خاص، والغرب بشكل عام، توفير نظام عسكري غربي لسورية.
ثالثا، ستكون عملية تسليح روسيا لسورية خارج المنظومة الدولية للعقوبات على سورية، فبحكم المعاهدة العسكرية بين روسيا والنظام السوري السابق، تستطيع روسيا جلب ما تريده من سلاح إلى سورية.
رابعاً، من وجهة نظر سورية، الرغبة الاستراتيجية الروسية في إبقاء حضورها العسكري في المياه الدافئة، إذا ما أضيفت إلى سنوات الحرب الروسية في سورية وتدميرها لبنى تحتية، فإنّ روسيا مستعدّة لتقديم مساعدات هامة إلى سورية: تسليح، وقود، قمح، إعادة إعمار، تدريب خبرات… إلخ.
خامسًا، تمتلك روسيا خبرة كبيرة في سورية ولديها علاقات مُتشابكة مع كلّ أطراف المجتمع السوري، ما يؤهلها للعب دور بارز وهام في الساحة السورية خلال هذه المرحلة، وإذا ما أضيف إلى ذلك وجود عسكري روسي في مطار القامشلي وفي قاعدتي حميميم وطرطوس، يصبح الدور الروسي في سورية ذا أهمية أكبر بالنسبة للحكم المؤقّت في سورية.
سادساً، أرسلت موسكو منذ سقوط نظام الأسد، وربما قبله، إشارات إلى تقبّلها الواقع الجديد في سورية، وأنّها يمكن أن تتعامل معه، فبالنسبة إليها ضرورة إبقاء العلاقات قوّية بين الدولتين من أجل الحيلولة دون فقدان نفوذها في سورية، وبالتالي في المنطقة. وعليه، تبدو روسيا على استعداد للتعامل مع سورية الجديدة في إطار المصالح الاستراتيجية للبلدين، وهو إطار يتجاوز الشخوص وطبيعة الأنظمة الحاكمة.
سابعاً، لروسيا قدرة على القيام بعرقلة جهود حكومة الشرع في توحيد البلاد، فبحكم وجودها العسكري في سورية (وإن كان قليلاً) وبحكم علاقاتها مع شخوص نظام الأسد المتبقين في سورية، وبحكم علاقاتها بـ “قوات سوريا الديمقراطية”، والعشائر العربية في البادية السورية، وبحكم علاقاتها بدروز السويداء، يمكن لروسيا أن تلعب دوراً مخرّبا، وبالتالي، أيّة علاقة بين سورية وروسيا تُرضي الجانبين كفيلة بتحويل القدرات الروسية لصالح السلطة السورية.
ثامنًا، جاء الشرع إلى السلطة في وقت عصيب جدّا تمرّ به المنطقة، حيث التجاذبات في أعلى مستوياتها، وحيث العلاقات الإقليمية والدولية مُتداخلة، بقدر ما هي مُتخارجة، في وقت لم تتضح بعد معالمها وشكلها الكلي بشكل جلي.
تاسعًا، بغضّ النظر عن العلاقات المتوتّرة بين روسيا والغرب، والحصار الاقتصادي والسياسي الذي يفرضه الأخير، تبقى روسيا قوة كبرى على المستوى الدولي، وهي عضو دائم في مجلس الأمن لها حقّ استخدام الفيتو (النقض)، الأمر الذي لا يمكن تجاهله بالنسبة لسورية التي تتلمس طريقها نحو الحصول على الشرعية الدولية، وعلى إزالة اسمها من قوائم العقوبات الدولية وتصنيفات الأمم المتحدة حول الإرهاب.
في ضوء ذلك، من الأهمية بمكان أن تكون روسيا جزءاً من المقاربات السورية في المنطقة، في نوع من التوازن الاستراتيجي يُقدّم لسورية منافع أكثر بكثير من بقاء روسيا خارج المعادلة السورية.
هذه المعطيات السابقة بمجملها، تجعل العلاقة بين سورية وروسيا ضرورة استراتيجية كبرى في ضوء المتغيّرات الاستراتيجية التي حصلت في المنطقة خلال العامين الماضيين.
دلالات استقبال الشرع
للسياسة أحيانا لغتها السيميائية (الرموز، الطقوس)، وهي لغة تبدو ضروريةً ليس على مستوى الشكل فحسب، بل أيضًا على مستوى المضمون، لما تحمله من إشاراتٍ ورموزٍ مُضمرة تستهدف شخصًا بعينه.
لم يكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في استقبال الرئيس الشرع في أثناء خروجه من سيارته، بل كان على الأخير صعود درج الكرملين الطويل جدّاً للوصول إلى “سلطان” موسكو، مع ما في ذلك من ترميز سياسي مفاده بأنّ الوصول إلى بوتين يتطلّب جهدًا، وهو جهد يبدو أنّ الشرع كان مستعدّاً له، حين مازح بوتين بالقول “درجكم طويل وجيد أنني ألعب الرياضة”. غير أنّ سيمياء الدبلوماسية الروسية لم تقتصر على ذلك، فقد حملت رسائل متضاربة في الوقت نفسه، إذ حظي الرئيس السوري باستقبال حافل في الكرملين، حيث خُصّصت القاعة الخضراء في الكرملين لاستقبال الوفد السوري، وهي قاعة الاستقبال الرسمية الأفخم في القصر الرئاسي، ولم يكن قد زارها الرئيس المخلوع بشّار الأسد.
بلغة السياسة، يعني ذلك أنّ قادة الكرملين يولون أهمية كبيرة لزيارة الشرع، وأنّ هذه الزيارة قد تشكّل صفحة جديدة ومهمّة يحتاجها البلدان في هذه المرحلة، وليس شمول الوفد الروسي على وزيري الدفاع أندريه بيلاوسوف، والخارجية سيرغي لافروف، ونائب رئيس إدارة الرئاسة مكسيم أوريشكين، ومساعد الرئيس لشؤون السياسة الخارجية يوري أوشاكوف، ونائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك، إلا دليلا على أهمية هذا اللقاء بالنسية لموسكو.
رسميًا، افتتح الرئيس بوتين اللقاء بالتأكيد على الجانب الإيجابي والتاريخي الذي يجمع البلدين، فأكد “على عمق الصلات التاريخية التي ربطت روسيا بسورية أكثر من 80 عاما، وقد تأسّست في أصعب الأوقات التي مرّت بها روسيا والاتحاد السوفييتي عام 1944.. وأن علاقة روسيا مع سورية كانت دائما تسترشد بمصالح الشعب السوري، لا بالمصالح السياسية أو الظروف الخاصة بموسكو”.
كانت هذه عبارات تطمينية هامة للشرع الذي سرعان ما طمأن بوتين بأنّ “سورية تحترم كل ما مضى من اتفاقيات وهذا التاريخ العظيم، ونحاول أن نعيد ونعرف بشكل جديد طبيعة هذه العلاقات وأن تكون هناك استقلالية للحالة السورية وسلامة أراضيها ووحدتها واستقرارها الأمني المرتبط بالاستقرار الإقليمي والعالمي”.
نتائج القمّة
من المبكّر الحديث عن نتائج قمّة الشرع بوتين وتجسّداتها المادية، لكن يبدو واضحا أن الجانبين اتفقا على إعادة تفعيل العلاقة بينهما كما كانت في السابق على كافة المستويات، وهو ما عبّر عنه نائب رئيس الوزراء الروسي، ألكسندر نوفاك، في ختام المحادثات، من أنّ الجانبين توصّلا إلى اتفاق لإعادة إطلاق عمل اللجنة الحكومية المشتركة، وعلى دعم روسيا لقطاعات الطاقة والنفط والنقل والمواد الغذائية. غير أنّ أهم مجال بالنسبة للبلدين وله الأولوية القصوى، الجانب العسكري المتعلّق بالاتفاقيات العسكرية الموقّعة إبّان حكم النظام السابق باعتبارها حجر الرحى في أيّة علاقة مستقبلية ذات جدوى بين الدولتين.
بالنسبة لروسيا، أسّست هذه الاتفاقيات لوجودها العسكري طويل الأمد في سورية والمنطقة، وجعلت من روسيا على تماسّ مباشر مع الفرقاء الإقليميين (تركيا، إسرائيل) الأمر الذي حوّلها إلى محطة لا يمكن تجاوزها، خصوصاً مع إسرائيل التي كانت تُنسق هجماتها في سورية مع الروس، فقاعدة طرطوس البحرية تؤمّن الدعم اللوجستي للقوات الروسية في البحر المتوسط وشمال أفريقيا وشرقها، ومن دون هذه القاعدة سيكون التأثير الروسي في هذه المنطقة ضعيفًا للغاية. أما قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية، فهي تؤمن لروسيا وجوداً في عمق المنطقة، بما يسهل عليها توجيه طائراتها العسكرية إذا ما اقتضت الظروف ذلك.
بالنسبة إلى سورية، يعني استمرار بقاء هاتين القاعدتين استمرار التعاون العسكري والاستراتيجي بين سورية وروسيا، واستمرار الحضور العسكري الروسي بما يخدم مصالح سورية حالياً لا مصالح نظام الأسد كما كان الأمر في السابق. وعليه، سيشكّل بقاء القاعدتين عامل قوّة لسورية في مواجهة التحدّيات العسكرية والأمنية، سواء في الخارج أو الداخل. كما أنّ الحفاظ على الاتفاقيات العسكرية بين البلدين لا يقتصر على الاتفاقيتين اللتين وقعتا عامي 2016 و 2017 (الشقّ الروسي من استمرار الاتفاقيات العسكري)، بل يشمل أيضا اتفاقيات عسكرية تعود إلى مرحلة ما قبل الثورة السورية، تتعلّق بتزويد روسيا لسورية بالأسلحة والعتاد وقطع الصيانة (الشقّ السوري من استمرار الاتفاقيات العسكرية).
صحيحٌ أن روسيا بعد نحو ثلاثة أعوام من استنزاف قدراتها العسكرية والاقتصادية في حرب أوكرانيا لم تعد كما كانت، من حيث القدرة على توسيع انتشارها العسكري بالزخم السابق نفسه، الأمر الذي يقلّل من قوّتها في الساحة السورية، لكن روسيا ومع ذلك، قادرة على تسليح الجيش السوري وإعادة تأهيله، وقادرة على الأقل على لعب دور إلى جانب تركيا في المعادلات الداخلية السورية لصالح دمشق، وربما تكون قادرةً لاحقاً على ضبط إيقاع التدخّل الإسرائيلي في سورية.
وستكون الأشهر المقبلة اختبارًا حقيقيًا للعلاقة الجديدة بين سورية وروسيا، فقد أعاد الشرع لروسيا حضورها الاستراتيجي في سورية، وفتح أرضها للمشاريع الروسية المستقبلية، لكنه حصل في المقابل على علاقة قوية مع دولة قوية، وفق موازين القوى في المنطقة والعالم، علاقة ستسمح له بالحصول على دعم مهم في كلّ المجالات، سيما المجال العسكري بعدما دمّرت إسرائيل قواعد الجيش السوري.
العربي الجديد
—————————–
مشهد سوريالي في الكرملين/ رفيق خوري
الفرصة مفتوحة أمام دمشق لكن من الضروري أن تكتمل بمنح السوريين جميعاً فرصة للمشاركة في بناء الدولة
الأربعاء 22 أكتوبر 2025
وحتى الآن، فإن الرئيس أحمد الشرع الذي ساعدت الظروف الإقليمية والدولية في انتقاله من إمارة إدلب إلى حكم دمشق يعطي الأولوية للعلاقات الخارجية، وهذه من الضرورات. أما الانفتاح على الداخل فإنه بطيء جداً ومحدود جداً، وسط تحديات لا محدودة.
ليس قليلاً ولا بسيطاً ما تحتاج إليه سوريا الجديدة، لكي تتجدد بالفعل وفي العمق. من “سوريا الأسد” إلى “سوريا أولاً”، ومن إعادة ترتيب العلاقات مع الخارج إلى إعادة تنظيم العلاقات في الداخل. فالحاجة كبيرة إلى الانفتاح على العرب والغرب من دون تجاهل الشرق الذي خلت دمشق إلا منه، وكانت سوريا من أوائل البلدان العربية في التوجه شرقاً. لكن الحاجة أكبر إلى الانفتاح على التنوع السوري، بعد عقود من غربة سوريا عن نفسها، كما عن الحرية والحياة السياسية والفكرية.
وحتى الآن، فإن الرئيس أحمد الشرع الذي ساعدت الظروف الإقليمية والدولية في انتقاله من إمارة إدلب إلى حكم دمشق يعطي الأولوية للعلاقات الخارجية، وهذه من الضرورات. أما الانفتاح على الداخل فإنه بطيء جداً ومحدود جداً، وسط تحديات لا محدودة، وأوضاع مأسوية، واعتداءات على أهل الساحل الغربي والسويداء، وهذا يتقدم الضرورات بعد نصف قرن من حكم سمى نفسه “قائد الدولة والمجتمع” فأنهى الدولة ومزق النسيج الوطني في المجتمع.
ذلك أن سوريا في المرحلة الحالية هي سلطة هشة ومجتمع هش، سلطة احتاجت بالاضطرار، إلى مجلس نيابي فاختارت 6 آلاف شخص من بين 23 مليون سوري وسمتهم ناخبين، كما اختارت المرشحين للعضوية في ثلثي مقاعد المجلس وتركت للرئيس تسمية الثلث الباقي. وهذا عملياً مجلس خارج السياسة في إدارة سلطوية مركزية يمسك بها رجل واحد مع ترك حرية الكلام للناس من دون قانون الأحزاب وحرية تنظيم النقابات، قليل من القمع السياسي وكثير من القمع الاجتماعي.
والعمل خارج خطاب الشرع يجري على أيدي سلفيين “جهاديين” لا يعرفون التنوع السوري، ولا يتقبلون الأقليات، ولا يفهمون وسطية الأكثرية السنية في سوريا. ولا أحد يجهل ماضي “هيئة تحرير الشام”، ولا أحد يعرف إلى أي حد يمكن أن تتغير في الحاضر كما يوحي خطاب الشرع، وكيف تكون في المستقبل. والأسئلة حائرة حول المرحلة الانتقالية الطويلة جداً على مدى خمسة أعوام، هل هي مرحلة التحضير لنظام شمولي آخر أم للسير نحو المواطنة؟ هل هي صورة من”إدارة التوحش” على الطريق إلى “التمكين” أم من التثقيف الفكري والسياسي والاجتماعي، وصولاً إلى التغيير الديمقراطي؟ الواقع أنه ليس في خطاب الإدارة الجديدة أي ذكر لكلمة ديمقراطية.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب المعجب بالشرع يقول “امنحوا سوريا فرصة”، والفرصة مفتوحة بالفعل، لكن من الضروري أن تكتمل بمنح السوريين جميعاً فرصة للمشاركة في بناء الدولة. فالشرع عرف كيف يوسع الفرصة بالانفتاح على السعودية وقطر ومصر والإمارات وفرنسا وأميركا التي بادرت إلى الانفتاح عليه، فضلاً عن التفاوض مع إسرائيل مباشرة على المستوى الوزاري من أجل اتفاق أمني يعيد الوضع لما كان عليه في اتفاق فك الارتباط في الجولان لعام 1974.
والرحلة الأخيرة كانت إلى روسيا، وفي الأساس فإن سلاح سوريا روسي، والعقيدة الأمنية للجيش السوري هي العقيدة السوفياتية، والعلاقات السياسية والدبلوماسية بدت أوسع حتى من معاهدة التعاون الاستراتيجي بين دمشق وموسكو أيام السوفيات، وليس مشهد المسؤولين السوريين في موسكو، ولا سيما أيام الرئيس حافظ الأسد ووريثه بشار، سوى مشهد تقليدي. أما مشهد الرئيس الشرع في الكرملين مع الرئيس فلاديمير بوتين، فإنه أقرب إلى السوريالية. محادثات في الكرملين بين من حمى بشار الأسد ومن أسقطه على مقربة من وجود الأسد اللاجئ إلى موسكو لـ”أسباب إنسانية”، بحسب قول بوتين.
محادثات يطلب فيها الرئيس السوري من نظيره الروسي تسليم الأسد لمحاكمته في سوريا، مع معرفته أن الأمر غير ممكن. ومحادثات لإعادة تنظيم العلاقات والوجود العسكري الروسي في سوريا من دون توقف أمام كون بوتين هو الذي تولى طياروه قصف المعارضين السوريين، الذي أطال عمر نظام الأسد منذ عام 2015 إلى عام 2024، بعدما كان مهدداً بالسقوط “خلال أسبوعين” كما قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. ولا مجال بالطبع للمطالبة بمحاكمة بوتين شريك الأسد، لأن كلفة المواجهة مع دولة كبرى باهظة.
والكل في الداخل والخارج، باستثناء إيران ووكلائها، يتصرف على أساس أنه لا بديل عن الإدارة الجديدة برئاسة الشرع. وما يدور حالياً هو لعبة تنظيم النفوذ الإقليمي والدولي في سوريا الجديدة، بعد أعوام من احتكار الروس والإيرانيين للنفوذ هناك. فالتنافس الصراعي بين تركيا وإسرائيل له طابع استراتيجي وجيوسياسي، وأدوار السعودية وقطر والإمارات سياسية واقتصادية. أما لبنان والعراق فيطلبان أفضل العلاقات مع دمشق، مع حل القضايا المتراكمة من تركة آل الأسد. ومصر تبحث عما يطمئنها، بالنسبة إلى ضبط الإخوان المسلمين. وفرنسا في حاجة إلى دور في سوريا يكمل دورها في لبنان، بينما أميركا تمسك بالمفاتيح الإقليمية ومفتاح الكرد، إلى جانب حاجة الإدارة السورية إلى دورها السياسي والاقتصادي.
روسيا تعطي الأولوية للحفاظ على قاعدتها الجوية في حميميم والبحرية في طرطوس، وتستعد لتسليح الجيش السوري بما لا يدعو إسرائيل إلى تدميره كما فعلت بعد سقوط النظام، بصرف النظر عن دعوات أوروبية وغير أوروبية إلى إخراج روسيا في سوريا. أما إيران، فإن الكل يجمع على إبقائها خارج أي نفوذ أو وجود في سوريا، ثم في لبنان والعراق واليمن، وسط سعيها إلى استعادة الجسر السوري الذي كانت خسارتها له ضربة قوية قطعت “الهلال الشيعي”، وهو الاسم المستعار للمشروع الإيراني.
والفارق كبير بين الحاجة إلى المساعدات والاستثمارات وبين السباق على النفوذ، ومن الصعب ضبط النفوذ الخارجي إن لم تكن الأرض الداخلية موحدة والمشاركة واسعة في الحكومة. ومن هنا تبدأ الأولويات أمام الشرع، والميزان هو ترتيب العلاقات بين لبنان وسوريا على أساس المصالح المشتركة والقوية.
و”الجدران العالية تضع جيراناً طيبين” كما في قصيدة لروبرت فروست.
——————————————-
===========================
تحديث 21 تشرين الأول 2025
———————————-
الشرع في موسكو: خارج الحسابات/ بشير البكر
الاثنين 2025/10/20
زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو واجتماعه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ليست حدثا عاديا، ولا تشبه في ثقلها، وما يترتب عليها مستقبلا، غير الاجتماع الذي جمعه مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 14 أيار الماضي في الرياض، بترتيب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ومشاركة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن طريق تقنية الفيديو كونفرانس.
تشكل زيارة موسكو ذروة جديدة، في سلسلة القفزات الدبلوماسية التي حققها الشرع خلال عشرة أشهر من وجوده على رأس السلطة في دمشق، والتي بدأت أولى خطواتها من العالم العربي، بالمملكة العربية السعودية وقطر والامارات، ومن ثم تركيا الدولة الجارة المؤثرة في الشأن السوري، وفرنسا بوابة أوروبا، ورأس القاطرة الأوروبية.
مثلما لم يكن من المتوقع أن تنجح السلطات السورية الجديدة، خلال وقت قصير، ببناء علاقة جيدة مع واشنطن، رجحت غالبية التقديرات أن خط دمشق موسكو، لن يصبح سالكاً في المرحلة الحالية، وذلك لأسباب كثيرة، يظل أبرزها أن روسيا استضافت رئيس النظام السابق بشار الأسد، وشقيقه ماهر قائد الفرقة الرابعة، وعدداً كبيراً من المسؤولين السياسيين والعسكريين، يتجاوز عددهم 700 شخصية، جميعهم ضالعون في سفك الدم السوري، ونهب أموال سوريا وتهريب جزء منها إلى روسيا. والسبب الثاني أن روسيا هي التي أطالت أمد مأساة السوريين، حينما تدخلت بكل ثقلها العسكري في أيلول عام 2015 لمنع سقوط نظام الأسد، وقامت قواتها باقتراف جرائم واسعة وتهجير الملايين، ولا يزال الدمار الذي ألحقته بالعمران شاهدا من أقصى الجنوب، حتى نهايات الشمال.
حينما زار مساعد وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف دمشق في شباط الماضي، ساد الظن بأنه ينقل رسالة تهديد للقيادة السورية الجديدة، تنطلق من أوراق التأثير القوية التي تمتلكها روسيا في سوريا، وهي تبدأ من استضافة الأسد وحاشيته وضباطه، ولا تنتهي عند القاعدتين العسكريتين الجوية والبحرية، في منطقة الساحل السوري، بالإضافة إلى نفوذ وتأييد لدى فئات وأوساط سياسية، وحتى دينية، يعود إلى عقود عدة، ولا يكاد يضاهيه لجهة الاستمرارية والعمق، سوى الحضور التركي القائم على تاريخ مشترك مديد، وتفاعل يومي مستمر. وبالإضافة إلى ذلك، اعتمدت سوريا خلال 60 عاما على التسليح والخبرات التقنية السوفياتية، ومن ثم الروسية، في البنى التحتية، من مطارات وسكك حديد واستخراج البترول، ودرست في الجامعات والمعاهد السوفياتية والروسية أجيال سورية عدة. ويمكن القول من دون حرج إن الاتحاد السوفياتي شريك في بناء الدولة السورية.
الانطباع حول التهديد الروسي لسوريا، سرعان ما تبدّد عندما استقبل بوتين في نهاية تموز الماضي، وزير الخارجية أسعد الشيباني في موسكو، وتسرب في حينه أن القيادة الروسية تمد حبال الوصل مع دمشق، وترغب بفتح صفحة جديدة معها. وكان رد فعل القيادة السورية على قدر كبير من المرونة، وهنا كانت المفاجأة التي لم تكن في الحسبان. لقد تعامل الشرع مع الانفتاح الروسي ببراغماتية لافتة، فبدلا من أن يستحضر الماضي، وضع الحاضر والمستقبل نصب عينيه.
السؤال الذي طرح نفسه، ما الذي دفع الرئيس السوري إلى المرونة؟ أول مكسب حققه من ذلك هو، أنه ضمن عدم تدخل روسيا في الشأن الداخلي السوري، وحيد بذلك الأسد وجماعته الذين كانوا يخططون للنشاط من موسكو، وأحبط، بالتالي، حلم الجهات المحسوبة عليهم داخل سوريا من فلول، وغير فلول، كانت تنتظر تغطية موسكو، كي تخرب مساعي التحول الجديد.
يكمن المكسب الثاني في إعلان موسكو حرصها وتأييدها لوحدة سوريا، وفي ذلك رسالة موجهة إلى إسرائيل، والأطراف الداخلية السورية، التي تتبنى مشاريع انفصال وفيدرالية، وما شابه ذلك، ومنها قوات سوريا الديموقراطية “قسد”، التي خسرت بذلك تأييدا محتملا جدا لمشاريعها، لو أن موسكو ودمشق على خلاف، وهذا ما يفسر التصريح الذي صدر عن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في الثامن الشهر الحالي، حول ضرورة حفظ وحدة وسيادة الأراضي السورية لأمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط. وقال “وحدة سوريا يجب أن تهم جميع الدول المؤثرة في الأوضاع بمنطقة الشرق الأوسط، وروسيا مستعدة لمساعدة دمشق في مختلف المجالات”.
الأمر الإيجابي الثالث هو قطع الطريق على أي إمكانية لتفاهمات روسية إيرانية للعمل ضد السلطة الجديدة في سوريا. ومن المعروف أن لموسكو وطهران مصالح مشتركة في سوريا، وقد جمعهما تحالف طويل الأمد تمثل في التعاون العسكري على الأرض، والسياسي في المحافل الدولية لدعم نظام الأسد.
على هذا يبدو إصلاح العلاقات السورية الروسية ضرورة، وليست خيارا، فسوريا تنتقل من حال إلى آخر، وهي بحاجة لالتقاط أنفاسها، وترتيب أوضاعها السياسية والعسكرية والاقتصادية، بينما لا تزال روسيا حاضرة بقوة على أراضيها، وفي شتى تفاصيلها، ولذا تعد الزيارة، وما نتج عنها نقلة مهمة في مرحلة عالية المخاطر.
النجاحات الخارجية حتى تستثمر على نحو نافع، وتتحول إلى رصيد فعلي للنهوض بالبلد، ووضعه على طريق التعافي، يجب أن تترجم داخليا من خلال إجراءات وسياسات وبرامج عمل، ليس فقط من أجل إعادة بناء ما دمره النظام السابق، وحلفاؤه الإيرانيون والروس، بل لمعالجة الجراح التي نجمت عن الأخطاء والتجاوزات في السويداء والساحل، والتي لا تزال طرية، وتحتاج إلى عمل جاد يضع عربة السلم الأهلي على السكة، وعدم التأخر فيما يخص العدالة الانتقالية، وهي الضمانة الفعلية من أجل انصاف الضحايا.
المدن
———————————–
في السفر إلى موسكو/ معن البياري
21 أكتوبر 2025
تبدو البراغماتية مفردةً مذمومةً، على ما يوحي به بعضُ ما قيل وانكتب إن الرئيس السوري، أحمد الشرع، زاولها في زيارته موسكو الأسبوع الماضي. وأياً كان الموقفُ منها، وهي، على أي حال، ليست مبعث هجاءٍ إذا ما أُخذت من مظاهر حذاقةٍ لدى هذا السياسي أو ذاك، عندما يخلُص إلى أن شيئاً منها يعود بالنفع على بلدِه وشعبِه. ولكن الشرع لم يُبادر إلى هذه الزيارة، المثيرة لا شكّ، لأنه براغماتي، عندما تخفّفَ من حمولة أرشيف قواتٍ من جيش روسيا وكثيرٍ من طائرات هذا الجيش الحربية المعتدية، في سورية، بعد التدخّل العسكري المعلوم في 2015، فأصبحت موسكو شريكةً مع بشّار الأسد في قصف مدنٍ وبلداتٍ وأسواقٍ ومستشفياتٍ وأحياء بلا عدد في البلاد. وأمرٌ كهذا، يتجاوز توصيفُه هذا المرور المرتجل عليه، من العسير أن يُقفَز عنه أو إهمالُه أو التعامي عنه، وأنت ترى وفوداً روسية في دمشق وسورية في موسكو، ثم استقبالاً بحفاوةٍ ظاهرةٍ للرئيس الشرع الذي ضجّت الحرارة في مصافحة بوتين له.
تُراها إكراهاتُ السياسة، أو ضغوط المصالح والمنافع المتبادلة، أو كلاهما وغيرُهما، دفعت القيادتين إلى تغليب الراهن على الماضي، إلى اللقاء في المشترك والجامع، سيّما وأن البقاء في الجروح لا يُسعف بأي شيء؟ الإجابة بالإيجاب طبعاُ، أو غالباً. والراجح أن المواطن السوري يتفهّم هذا، ويسوّغه، عندما يعرف ويُعرّف بأن حسابات الدول غير حسابات الأفراد، وأن زوايا النظر إلى التاريخ متعدّدة، وأن (وهذا الأهم)، مصافحاتٍ بين الشرع وبوتين لا تعني نسيان ما اقترفه الطيران الروسي في العباد والبلاد. وهنا مربط فرسٍ يحسُن الوقوف فيه، فيلزَم أن ينقال وينكتب إن العلاقات الحسنة بين دولتين مرّتا في ظرفٍ بالغ السواد، ومثقلٍ بالدم، تتوطّد أكثر إذا ما امتلكت إحداهما أو كلتاهما شجاعة الاعتراف والاعتذار ثم التعويض. ومحسومٌ أن هذا وذاك وثالثُهما ليسوا في أمخاخ بوتين وأيٍّ من رفاقه، وربما لن يكونوا في أفهام من سيخلفون هؤلاء في الكرملين. ولكن الملفّ لا يجوز طيُّه، ولا التهاون والعبث فيه. وهذا درسُ الجزائر حاضر، ثمّة العلاقات الطبيعية بينها ومستعمرها السابق فرنسا، منذ عقود، غير أن الدولة الجزائرية لم تتخلَّ عن مطالبها الباقية والمحقّة بالاعتذار المُعلن من الدولة الفرنسية عن جرائم موثقة في عقود الاستعمار المعلوم.
أما مسألة انفتاح الرئاسة السورية على الخارج وانغلاقها في الداخل، على ما صار سرديةً ذائعةً في خطابٍ ثقافيٍّ وسياسيٍّ واجتماعيٍّ سوريٍّ معلن، فصحيحةٌ في غير وجهٍ ووجه، ويحسُن أن تبقى مُشهرةً وعاليةَ الصوت مطالبةُ السلطة في دمشق بمحاورة المجتمع المحلّي بتنويعاته، وبمغادرة المكوث في ذهنية هيئة تحرير الشام التي حكمت إدلب في الظروف إياها. ويبقى، في هامش المسألة هذه ومتْنها، أن الحماس لإقامة أفضل العلاقات مع السلطة السورية، برئاسة الشرع، وبتكوينات هيئة تحرير الشام (وحلفائها) فيها، شديد الوضوح لدى الدول العربية (باستثناء تونس!)، ودولٍ في الغرب والشرق، ما يعود إلى خصوصيّة موقع سورية، وأهمية أن يكون لها دورٌ في غير ملفٍّ وشأنٍ في الجوار والإقليم، ما يعني أن سلطةً أخرى لو كانت غير التي ينعقد لها الحلّ والعقد في الشام حالياً، لكنّا أمام الحال نفسه، فليست العيون الزّرق لأهل السلطة الانتقالية هي بواعثُ تقاطُر كل هذه الوفود، الأجنبية والعربية، ومنها الأميركية وسواها، إلى دمشق منذ الشهر الأول لخلاص سورية من حكم آل الأسد. وأن تتحرّر الولايات المتحدة وأوروبا، ودولٌ عربيةٌ مشهورة في محاربتها الإسلام السياسي (والجهاديين السلفيين)، من منظوراتها إلى قوى هذا التيار وتنويعاته، عندما تخاطب سورية الجديدة، فذلك يعني، من بين كثيرٍ يعنيه، أن ثمّة سوريةً أخرى يصوغُها العالم في حساباتِه ورهاناتِه وخرائطه غير التي في أفهام مواطنيها وناسها. والمؤكّد، من قبل ومن بعد، أن سورية التي يتطلّع إلى بنائها ناسُها، ويناضلون من أجل تشييد أفقٍ آخر لها، ديمقراطيٍّ تتحقق فيه كامل المواطنة لكل أبنائها، في الوسع أن تتكامل مع سورية تلك… وفي ظن صاحب السطور أعلاه أن هذا لا يستقيم بالتسامح مع روسيا وتناسي فظاعاتها في البلاد، وإنْ أوجبت جبالٌ من الإكراهات والمصالح علاقاتٍ طيّبةً معها، ومصافحةً حارّة بين الشرع وبوتين في الكرملين.
العربي الجديد
——————————
إعادة تموضع على أنقاض الماضي/ نزار السهلي
2025.10.20
كثيرة هي الأسباب التي تدعو إدراج العلاقة السورية الروسية، ضمن التجارب غير المتكافئة بين البلدين، والتي تركت بالضرورة تأثيرات هائلة على الأرض، بسبب دعم موسكو لوحشية نظام بشار الأسد الهارب إليها.
من هذه الأسباب استمراريتها الزمنية غير المسبوقة في محاولة كسر إرادة الشعب السوري، ومشاركة موسكو المباشرة في تحطيم المجتمع السوري، ومسؤوليتها المباشرة عن إزهاق أرواح آلاف السوريين، والدفاع عن جرائم النظام السابق في المحافل الدولية، وبكل ما امتلكته من قوة غاشمة، وتجربة قمعية، واستخدام حق الفيتو في مجلس الأمن لحماية جرائم نظام المخلوع، كل ذلك ترك ندوباً كثيرة في الذاكرة السورية عن السياسة الروسية.
زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو، تفتح بعض هذه الندوب، التي خلفتها هذه العلاقة، واختراقها ضمن مسار استئناف المراجعة السياسية في سوريا الجديدة، من خلال الإشارة لـ”احترام الاتفاقات بين البلدين”، بحسب كلام الرئيس الشرع أمام بوتين، ورد الأخير بأن علاقة روسيا بسوريا تاريخية ولدعم الشعب السوري، فيها كثير من الاستخفاف بحقائق سوريا من دم ولحم وحطام، ويعرفها الشعب السوري.
فالتوصل إلى حلقة تقودها براغماتية المصالح، من خلال إبراز قدرة تكتيكية للسلطات السورية في مجال تحديد الأهداف بالعلاقة مع موسكو، تطرح شعارات سياسية تعبر عن المطلوب إنجازه، رغم ثقل إرث هذه العلاقة المكبّلة بقيود وملفات عديدة فرضتها العلاقة “التاريخية” لموسكو مع دمشق، برزت معها شمولية الهيمنة الروسية على قرارات النظام السابق، وأكسبته ثراءً قمعياً بالدرجة الأولى، وجعلته مصدر إلهام في هذا المجال، كما أتاحت هذه الشمولية وصول نظام الأسد إلى ذروة فاعليته الوحشية بالاستعانة بـ”عاصفة السوخوي” الروسية، نهاية أيلول 2015.
إلى جانب هذه الأسباب كلها، وغيرها من أسباب مصلحة روسيا في قطاعات حيوية من الاقتصاد والنفط والغاز، إلى القواعد العسكرية، ليس متصوراً في واقع الأمر، أن تكون الصفحة الجديدة في علاقة موسكو مع دمشق، بغير الإطار التاريخي الذي يربط مصالحها في سوريا.
فالجعبة الروسية عسكرية في الدرجة الأولى، واعتمدت على تذخير مؤسسة النظام تاريخياً لبناء منظومة أمنية، لا علاقة لها بندية المصالح، بالدفاع عن مصالح سوريا الإستراتيجية المتمثلة نظرياً بمواجهة العدوان الإسرائيلي واستعادة هضبة الجولان، أو برفد الاقتصاد السوري بما يلبي حاجات بناء اقتصاد حقيقي وقوي، بعيداً عن دعم نفوذ “نخبة” تقليدية عائلية من النظام السابق، وتوفير الملاذ المالي لها، فالتنسيق الروسي-الإسرائيلي من خلال معاهدة “عدم الاحتكاك” في الأجواء السورية، عرى كل هذه العلاقة.
كانت المصلحة الروسية أولاً، بوجود نظام تابع وضعيف أمامها في دمشق، يؤمن سيطرة متبادلة، النظام على المجتمع، مقابل وجود أمني وعسكري لروسيا في شرق المتوسط، واليوم بعد كل ما جرى من أنهار الدم السوري، وهذا الحطام، تعود العلاقة السورية الروسية لتطرح أثقل الأسئلة، وعلى سبيل المثال:
ما مدى جدية موسكو بالتعامل مع الملفات المشتركة وعلى رأسها ملف بشار الأسد ونخبته الهاربة إلى موسكو؟
هل تنوي موسكو فعلاً دعم وإعادة بناء للمؤسسة العسكرية الجديدة في سوريا؟
هل تنوي المساهمة في إعادة اعمار ما تسببت بدماره على الأرض؟
وتلك غدت موضع تساؤل شعبي وسياسي، حيث تصطدم بعض الإجابات، لهذه الأسئلة وغيرها، بقدر وافر من الحقائق، فسوريا بحاجة إلى حليف قوي كروسيا، والتي ينبغي عليها الاعتراف بتطلعات السوريين وإنجازاتهم واحترام خياراتهم وإرادتهم، وأن تتحمل مسؤولية كبيرة تجاه الثمن الذي دفعه السوريون بخسارتهم الثقيلة، والإقرار بأن ما تغير في سوريا، بالضرورة، يجب أن يواكبه تغيير في موسكو بطريقة حساب مصالحها “ما بعد الأسد”، ومراجعة السياسات والمصالح السابقة على هذه الأسس.
لذلك يبقى الحرص على بدء تجربة جديدة من العلاقات السورية-الروسية، بعدم معاداة إرادة الشعب السوري، مرتبط بمستويات الاستجابة لهذه الإرادة، وقد تحقق جزء منها بالاعتراف الروسي بالسلطة الجديدة، وبنتائج إزاحة نظام الأسد.
ومن هنا، أهمية الوعي الذي أبدته موسكو في استمرار مصالحها في سوريا، وحرص النظام الجديد على أبعاد تنفيذ عملية سياسية تحافظ على وحدة الجغرافية والمجتمع السوري، هي واحدة من أهم الأسلحة الواجب الحفاظ عليها وتقويتها، لسبب بسيط أن مركز الثقل السوري ومكمن القوة ليست بامتلاك سوريا لحليف قوي كروسيا فقط، بل أيضاً بعدم جواز إثارة المسألة الاجتماعية والطائفية على حساب مرجعيات المواطنة والعدالة والديمقراطية، فالشعب السوري بمجموعه تضرر من مخلفات الاستبداد والاحتلال المختلف على أرضه، والذي كان غطاء لحقبة الأسد، والسلطة في دمشق عليها تقديم صيغة تحالفاتها وعلاقاتها الدولية والإقليمية، لا لتكون غطاءً لها أو تغطية على ممارسات خاطئة، وهو ما تنفيه بالطبع، لكنه حدث على أرض الواقع.
الواضح من العرض السابق، أن القيادة الجديدة الصاعدة في سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تحرص على تقليص دائرة العداء لها، ولسوريا، وتتيح فرصاً للتفاعل والحوار، بما ينسجم مع الأوضاع المتغيرة في البلد، وقد أثبتت تجربة الشهور الماضية قدراً معقولاً من الفاعلية السياسية.
إلا أنها بقيت على المستوى الداخلي غائبة عن معقولية، تظهر فيها السياسة السورية أكثر جاذبية للبراغماتية في عواصم عربية وغربية، ومن موسكو إلى واشنطن مروراً بـ”تل أبيب”، بخلاف ما تقتضيه ضرورات بناء الدولة والسلطة لشعبٍ بمختلف فئاته ومكوناته الاجتماعية.
فإعادة تموضع علاقة موسكو بدمشق، على نقيض الماضي تماماً، لا على أنقاضه يفترض شروطاً يجب توافرها لنجاحه، وأوّل الشروط، أن يكون تحالف السلطة في دمشق مع جبهتها الداخلية وتلك لها شروط كثيرة، وتضع السوريين على سكة حل مشكلاتهم الضخمة.
تلفزيون سوريا
————————–
أوقفوا كل هذا الصراخ/ أحمد عسيلي
سافر الرئيس السوري الأسبوع الماضي إلى روسيا الاتحادية، في أول زيارة له إلى واحدة من أهم الحلفاء التقليديين للنظام السابق، وبطبيعة الحال، لم تمر هذه الخطوة بهدوء، بل أثارت ردود فعل متباينة لدى السوريين، أضافت طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد اجتماعي وسياسي مثقل أصلًا بالتنافر والانقسامات، وكأن المجتمع السوري يحتاج إلى المزيد من الشروخ بين معسكراته المتعددة.
وكالعادة، لم تتأخر الاتهامات الأخلاقية المتبادلة في الظهور، بعض المنتقدين سارعوا إلى اتهام الشرع بأنه تناسى معاناة السوريين وضحاياهم نتيجة القصف الروسي، وللمفارقة، الشرع نفسه، ومعه إدلب تحديدًا، كانا أكثر المتأثرين بالهجمات الجوية الروسية، أي أنه لم يأتِ من فندق فخم في أوروبا ليطلق تصريحاته، بل عاش جسديًا ونفسيًا تحت وطأة تلك الضربات، وذاق خطورة أن يكون في لحظة واحدة هدفًا لسلاح موسكو ومطلوبًا لواشنطن.
في المقابل، رأى آخرون في الزيارة خطوة براغماتية ضرورية لحماية الدولة، هذا التناقض يكشف أحد أوجه الانقسام في الخطاب السوري، غير أن المهم في هذه الاتهامات ليس الخلاف بحد ذاته، فالاختلاف حول التوجهات السياسية لأي دولة، خاصة في علاقاتها الخارجية، أمر صحي وضروري في أي مجتمع، لكن الكارثة في هذا الحامل الأخلاقي الذي يغلّف به كل طرف موقفه من السلطة، فكل معسكر يصر على أنه الممثل الأوحد للأخلاق، فيما يُشيطن الطرف المقابل باعتباره لا أخلاقيًا، خائنًا أو شريرًا. وهنا يدخل عنصر السخرية كأداة إضافية للنفي والاحتقار: فالآخر يُختزل إما في صورة “الداعشي”، “الإرهابي” و”الخائن”، أو يُسخر منه بوصفه “كيوت”، “مائع”، “ناشط بارات برلين”، “جماعة المنظمات”، أو “العنجهية السنية”، هي قائمة لا تنتهي من التسميات التي تنم عن ازدراء واحتقار، أكثر مما تعكس رغبة في النقاش أو الفهم.
لا يترك أي طرف مجالًا للتساؤل عن صحة موقفه أو لفتح باب الحوار، فالحوار مع “الشر” يصبح غير وارد أصلًا، وبذلك يُقطع الطريق على أي إمكانية للنقد الذاتي أو الاعتراف بالتناقضات، هذا المنطق الثنائي، الذي يقسّم العالم إلى خير مطلق وشر مطلق، هو بالضبط ما وصفته ميلاني كلاين بآلية الانقسام (clivage)، حيث تنشطر الذات والموضوع إلى قسمين متعارضين لا يلتقيان: بقايا الشعور بـ”الأم الجيدة” و”الأم السيئة” لدى الطفل، أو صورة “الذات النقية” و”الآخر المدنس” لدى البالغين.
هذا النمط من التفكير يظهر على مستويين، انقسام الأنا (clivage du moi)، حيث تنشطر الذات نفسها إلى جانب نقي مثالي يُنكر كل ما هو عدواني أو مظلم فيها، وجانب آخر يُسقَط بعيدًا أو يُنفى. المستوى الثاني انقسام الموضوع/الآخر (clivage de l’objet)، حيث يُقسّم الآخر إلى موضوع جيد وموضوع سيئ، فلا يُرى ككائن معقّد يحمل تناقضات، بل كشر أو خير مطلق.
في السياق السوري، يظهر هذان المستويان بوضوح، فكل معسكر يحافظ على صورة مثالية عن نفسه وينفي أي إمكانية للاعتراف بأخطائه أو تناقضاته، فيما يُصوّر المعسكر المقابل على أنه موضوع شرير بالكامل، هذه الثنائية ليست فقط آلية نفسية لتخفيف القلق عبر تبسيط العالم، بل تتحول إلى إطار سياسي وأخلاقي يعيد إنتاج الصراع ويمنع أي شكل من أشكال الحوار.
إنها أيضًا واحدة من أشهر آليات الدفاع غير الناضجة، حيث يحمي الإنسان نفسه من القلق عبر الانغلاق على الذات والتشبث بقيم ثابتة وبسيطة تفسر العالم في صورة ثنائية حادة، غير أن الكارثة هنا أن هذه الآلية ليست حكرًا على الصراعات السياسية، بل هي نفسها التي يلجأ إليها الإرهابي حين يقسم العالم إلى خير مطلق وشر مطلق. عندها يصبح الحوار مع “الشر” أمرًا غير وارد، وتغدو مهمته “المقدسة” القضاء عليه، فالشر، بحسب هذا المنطق، ليس موقفًا قابلًا للتغيير، بل جزء من كيان ثابت لا يمكن إصلاحه، وهكذا يُبرَّر العنف بوصفه دفاعًا عن نقاء الذات.
في هذه البيئة، يصبح القبول بمحو الآخر أمرًا ممكنًا ومقبولًا، وهذا ما يفسر ميل كل طرف إلى السكوت، ولو جزئيًا، عن التجاوزات والانتهاكات التي تصدر من معسكره، أو على الأقل عدم تناولها بنفس الحدة التي يواجه بها خصومه، هنا يتحول الصراخ الأخلاقي المشترك إلى أرضية خصبة للعنف والإنكار، أكثر مما هو محاولة للبحث عن حلول أو مساحات مشتركة.
وأمام حالة الاستعصاء هذه، لا يبدو أمامنا من خيار سوى إحداث بعض الفجوات في تلك الجدران الصمّاء ، فجوات تبدأ بالتساؤل عن مدى قدرتنا على ممارسة نقد الذات قبل نقد الآخر، وعن ضرورة الاعتراف بوجود الآخر وآلية تفكيره وحتى مخاوفه، مهما بدت لنا خاطئة أو مبالغًا فيها، فهي موجودة وفاعلة ولا يمكن تجاوزها بالإنكار، سواء كان الآخر درزيًا أو علويًا أو سنيًا أو ضحية لمجازر ارتكبها أي طرف، والأهم من ذلك كله هو تعزيز الاستبصار بالآلية النفسية التي يتبعها كل معسكر في التعامل مع خصومه، والتشجيع على التخلي عنها تدريجيًا، إذ لا سبيل لبناء لغة جديدة للحوار من دون هذه الخطوة المؤلمة والضرورية في آن واحد.
عنب بلدي
—————————-
لنكف عن المتاجرة بمطلب تسليم الأسد/ غزوان قرنفل
في خضم المشهد السوري المتشظي، لا تزال قضية المساءلة والمحاسبة عن الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري تشكّل بندًا مركزيًا في أي حوار جاد حول العدالة الانتقالية، غير أن تحويل هذا المطلب النبيل إلى مادة للاستهلاك الإعلامي الرخيص، تحت شعارات جوفاء تطلقها السلطة السورية الحالية، قد أفرغته من مضمونه، بل وأساءت إليه أيّما إساءة.
ولعل أبرز أشكال هذا التسخيف ما نراه في تكرار المطالبات الدعائية بـ”تسليم الأسد” من قبل روسيا، وكأن الأمر مجرد بطاقة ضغط سياسية يمكن التلويح بها ثم طيّها عند اللزوم، حيث بات من الضروري الآن أكثر من أي وقت مضى سحب مسألة “طلب تسليم الأسد” من التداول الإعلامي، لا لأنها فقدت مشروعيتها القانونية، بل لأن الترويج السطحي لها والمتاجرة بمشاعر الجمهور، أسهم في تحويلها إلى أداة بيد المطبّلين والمرقعين للسلطة الحالية، يتم استخدامها في سياق التسويق لتلك السلطة التي تحاول الإيحاء أنها لن تتنازل عن هذا المطلب الأخلاقي أو عن قضية المساءلة والمحاسبة عمومًا بدلالة أنها لم تُحِل أي متهم ممن تم القبض عليهم طوال الأشهر العشرة الماضية إلى أي محكمة.
السلطة السورية تعرف تمامًا أن روسيا التي وفرت ملاذًا آمنًا للأسد بعد أن حمته من السقوط لعقد كامل وأمعنت في استباحة حياة ومدن السوريين، لن تقدم على خطوة تسليم الأسد، ولن تلطخ سجلها الدولي بسابقة لم تفعلها حتى في حالات أقل تعقيدًا وأكثر وضوحًا من الناحية القانونية والسياسية، بل إنها لم تسلّم أي رئيس سابق لجأ إليها سواء لأسباب سياسية أو قانونية، وهي بالتالي ترى في تسليم الأسد خرقًا خطيرًا لتحالفاتها الدولية، واعترافًا ضمنيًا بمسؤولية حليفها (ومسؤوليتها معه) عن جرائم حرب كثيرة ارتكبت بحق السوريين، ما من شأنه أن يفتح أبوابًا من المساءلة الدولية حتى على صعيد القيادة الروسية ذاتها.
لذلك فإن تظاهر السلطات السورية بأنها ستطالب ولن تتنازل عن مطلب تسليم الأسد وبأن تسليمه مسألة ممكنة، أو أنها رهن الضغط أو التفاوض، هو عبث سياسي ومحاولة مضحكة لإعطاء انطباع لدى جمهورها أنها طرف “ملتزم بالمحاسبة”، بينما العمل جارٍ على قدم وساق في الواقع على شل يد العدالة.
وإذا كانت السلطة السورية الحالية صادقة حقًا في ما تطرحه من دعوات للمساءلة، وهو أمر مشكوك فيه بطبيعة الحال، فإن أمامها مسارًا قانونيًا أكثر جدية ومصداقية وهو الانضمام إلى نظام روما الأساسي المنشئ لمحكمة الجنايات الدولية والتصديق عليه ليكون جزءًا من الالتزامات القانونية الدولية للدولة السورية، ومن ثم منح تلك المحكمة صلاحية التحقيق والمحاسبة، حتى بأثر رجعي عن الجرائم المرتكبة قبل توقيع وتصديق الدولة السورية على الميثاق استنادًا إلى الفقرة الثالثة من المادة “12” من الميثاق، فهذه الخطوة وحدها الكفيلة بإعادة الاعتبار لمطلب العدالة لأنها ستكون دليلًا على نية حقيقية للالتزام بالعدالة الدولية، أما الاستمرار في لعبة الشعارات الإعلامية حول مطلب تسليم الأسد، فهو في حقيقته مجرد تكرار لمواقف فارغة تعبث بقيمة العدالة ومشروعية المساءلة، بل ويمكن القول إن هذا الخطاب بات يستخدم كأداة لتفريغ العدالة من مضمونها، إذ يضع الجمهور في حالة انتظار دائم لحل لن يأتي ويخلق وهمًا بأن العدالة تصنع بقرارات فوقية، لا عبر أدوات قانونية مؤسساتية، الأمر الذي يسهم بشكل غير مباشر في شرعنة غياب المحاسبة، حيث يتم تصويرها كأداة انتقامية لا كمسار قانوني وأخلاقي لإحقاق الحق وإنصاف الضحايا، وهذا ما يضعف مع الأسف من زخم مطالبات الضحايا- الناجين وذويهم الذين يُنظر إلى أصواتهم اليوم كمجرد أصداء في خطاب سلطوي، لا كصرخات حق تستحق الإنصات والدعم.
خلاصة القول، إذا أردنا فعلًا تأسيس مسار حقيقي للمساءلة والعدالة في سوريا، لا يكفي أن تُنشَأ هيئة وطنية للعدالة الانتقالية دون أن يتوفر لها من الدعم والمتابعة والاحتياجات ما يمكنها من النهوض بمسؤولياتها، وعلينا أن نكف عن هذه المتاجرة الرخيصة بمطلب “تسليم الأسد” كلما حصل تواصل أو اتصال سياسي أو دبلوماسي مع روسيا، بل أن نتوجه نحو خطوات عملية سواء على المستوى الوطني لجهة دعم هيئة العدالة الانتقالية الكسيحة لتنهض بعملها وإحالة جميع المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ممن تم القبض عليهم ومن الفارين حتى للمحاكمات العلنية، وكذلك على المستوى الدولي انضمام سوريا إلى نظام روما الأساسي كما ذكرنا سابقًا، فذلك وحده كفيل بإعادة النقاش إلى سكّته الجدية ويمنح الضحايا أملًا حقيقيًا في أن يأتي يوم يُنظر فيه إلى جرائم الحرب بوصفها جرائم لا تسقط بالتقادم، ولا تُمحى بشعارات جوفاء، بل تعالَج بأدوات القانون والعدالة.
عنب بلدي
—————————-
التاريخ المثقوب: علاقة روسيا بـ”سوريا الأمويّة”/ ربيع بركات
متى بدأت العلاقة “التاريخية” بين روسيا وسوريا بالتّشكل، وكيف تقلّبت؟ هل كانت “تاريخية” في زمن الأسدَين؟ وهل كانت كذلك قبل حكم الأسد الأب؟
يحلو لأنصار الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وصف الدولة التي يقودها، خلفًا للرئيس السابق بشار الأسد، بـ”الدولة الأمويّة”. تنطوي هذه الاستعادة على منطق جذّاب. فهي تقوم على استحضار تاريخ سحيق يتقلّص معه حضور الدولة السورية الحديثة إلى حدودٍ دنيا، ويكادُ معها التاريخ السوري يبدأ منذ لحظة إسقاط نظام الأسد. أما الأزمنة الفاصلة بين الدولة الأمويّة قبل 13 قرنًا والدولة النيو ــــ أمويّة اليوم فتُصبح تفصيلًا، بل مجرّد وصلٍ بين مرحلتين مَجيدتين.
تتشابه الرغبة هذه بابتلاع التاريخ مع ما سبقَ لحافظ الأسد أن فعل، لا لجهة اختصاره الدولة السورية بشخصه فحسب، بل أيضًا لجهة استناده إلى الماضي نفسه في عمليّة تشكيل صورته في أذهان مجموع السوريين (وغير السوريين). فالأسد الأب كان بالغ الاهتمام بإظهار انتسابه إلى “ماضٍ أمويّ” أيضًا، برغم خلفيته “العلويّة”، بل بسببٍ منها على الأغلب، ورغبةً منه بتجاوز الحواجز المعنويّة التي تفرضها هذه الخلفية عليه.
وفي هذا السياق يورد المؤرخ الفرنسي المختصّ بالشأن السوري جان بيار فيليو أن الأسد “بنى مشروعًا سُلاليًا تحت راية حزب البعث (…) على غرار ما كان الأمر بالنسبة لسلالة الأمويين”. أما عبد الحليم خدام، نائب الأسد الأب والمنشقّ لاحقًا عن ابنه بشار، فيجيب ردًا على سؤال حول “النموذج التاريخي الذي كان حافظ الأسد يتمثل شخصيته” بالقول إنه “معاوية بن أبي سفيان، فعندما تمّ بناء مجمع المؤتمرات سُمّي مجمع الأمويين، وكان حافظ الأسد يتحدث كثيرًا عن معاوية”. ويتفّق معه على ذلك وزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم، الذي يقول في سلسلة مقابلات أجرتها معه جريدة “القبس” الكويتية قبل سنوات، إن حافظ الأسد يبدأ “في اجتماعاته التي قد تدوم سبع ساعات بالحديث عن الأمويين” وإنه “يستعيد تاريخ سوريا من تلك اللحظة”.
غير أن سعي النظام الانتقالي في سوريا اليوم إلى إعادة إنتاج بعض أوجه النظام السابق ليست محصورة بـ”النسب التاريخي” الأمويّ فحسب، بل تنطبق على جوانب أخرى تتجاوز الحقول الرمزية وتطال ميادين عملية. ومن الأمثلة على ذلك ما يتّصل بالعلاقة بين سوريا وروسيا التي وصفها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بـ”التاريخية” بُعيد زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع الأخيرة إلى موسكو. وهذا، في الحقيقة، أمرٌ مفهوم. إذ حتى لو أراد النظام الجديد إحداث قطعية نهائية مع سلفه، فإن التاريخ ليس لعبة “ليغو” قابلة للفكّ والتركيب كيفما اتفق. بيد أن المشكلة تكمن في رغبة النظام الجديد بتجاوز التاريخ والإقرار بعدم القدرة على ذلك في الوقت عينه. المشكلة في غياب الحد الأدنى من الاتساق، وهو غياب يبدو ملمحًا أساسيًا من ملامح النظام الجديد.
لكن متى بدأت هذه العلاقة “التاريخية” بين روسيا وسوريا بالتّشكل، وكيف تقلّبت؟ هل كانت “تاريخية” في زمن الأسدَين؟ وهل كانت كذلك قبل حكم الأسد الأب؟
سوريا وروسيا: أكثر من بداية
حين ظهرت الدولة الروسية المستقلة في سبعينيات القرن الخامس عشر، بعد مسار تاريخي استمرّ قرونًا من الزمن، كان الجانب الديني في الهوية الروسية، ممثلًا بالكنيسة الأرثوذكسية، حاضرًا بقوّة. وكان هذا الحضور بارزًا على نحو خاص في علاقة روسيا بالعالم الإسلامي والشرق الأوسط. إذ إن هوية الإمبراطورية الروسية، وفق المؤرخ البريطاني المختصّ بالشأن الروسي أورلاندو فيجيس (Orlando Figes)، ” تم تحديدها عمليًا من خلال الصراع بين المستوطنين المسيحيين والبدو التتار [المسلمين] في السهوب الأوراسية”. لاحقًا، خاضت روسيا حروبًا مع الإمبراطورية العثمانية، بينها واحدة أوصلتها إلى احتلال بيروت التي كانت حصنًا عثمانيًا على الساحل السوري عام 1770.
غير أن المقصود بالعلاقة “التاريخية” بين سوريا وروسيا لا يستوجب التنقيب في الماضي السابق لولادة الدولة السورية بالطبع. والعلاقة بين الدولتين ــــ وإن كان البعض يُعيدها إلى مراسلاتِ عام 1919 السريّة بين إبراهيم هنانو الثائر على الفرنسيين وفلاديمير لينين مؤسّس الاتحاد السوفييتي ــــ وُلدت في حقيقة الأمر عام 1955، يوم كانت سوريا أول دولة عربية تستلم أسلحة سوفييتية، قبل أن تتبع ذلك بعام (أي سنة 1956) أوّلُ زيارة لرئيس سوري إلى موسكو، قام بها شكري القوتلي.
جذور العلاقة، إذًا، تعود إلى ما قبل حافظ الأسد. لكنّ مطلقها، أي القوتلي، ينتمي بدوره إلى تاريخ سوري تمّ “حذفه” أو تجاوزه قبل أسابيع قليلة من اليوم مع إلغاء “عيد الشهداء” (الذين أعدمهم العثمانيون) في سوريا. فالقوتلي كان ناشطًا في جمعية “العربية الفتاة” المناهضة للدولة العثمانية، وصدر عليه حُكم بالإعدام عام 1916 قبل أن يُسقط عنه. أي أنّ المسار الذي أوصله إلى رئاسة الجمهورية ومن ثمّ إلى تأسيس العلاقة مع موسكو (وكان يمكن أن يوصله إلى المشنقة)، لم يعُد معترفًا بأهميته في الرواية الرسميّة اليوم. ليس هذا فحسب، بل إنّ القوتلي الذي اعتبره السوفييت حليفًا محتملًا بعد الإطاحة بسلفه أديب الشيشكلي المقرّب من الغرب، فتح أبوابه لموسكو في ظلّ أزمة سورية ـــ تركية كان يُمكن أن ينجُم عنها غزوٌ للأراضي السورية عام 1955، وقد شكّلت الأزمةُ مع أنقرة دافعًا مُهمًا لتأسيس العلاقة تلك.
بين عهد القوتلي ووصول “البعث” إلى الحكم بقيادة صلاح جديد عام 1966، تذبذت العلاقة بين دمشق وموسكو برغم متانتها بشكل عام. إذ ساءت أثناء الوحدة مع مصر (1958 ــــ 1961) بسبب القيود التي وضعها عبدالناصر على الشيوعيين (والتي تجاوزت قيود “البعثيين” عليهم)، ثمّ، مع انقلاب عام 1966 ووصول الجناح اليساري لـ”البعث” إلى السلطة بقيادة صلاح جديد، تحسّنت قبل أن تزداد رسوخًا مع زيادة اعتماد نظام “البعث” على موسكو إثر هزيمة 1967 أمام إسرائيل.
وقد شكّل الاعتماد على موسكو مصدر انقسام داخل القيادة السورية التي كانت تشهد تنافسًا بين فصيل يوصف بـ”الراديكالي” (ويستلهم النموذج السوفييتي) بقيادة صلاح جديد وآخر يوصف بـ”المعتدل” بقيادة حافظ الأسد. حتى أن الأسد انتقد آنذاك “التدخل السوفييتي” في الشؤون السورية علنًا، وحين تواجه الرجلان، دعم السوفييت جديد لكنهم تبنّوا نهجًا محايدًا حيال الأسد بعد نجاحه في تنحية خصمه والوصول إلى السلطة (مثيرٌ للانتباه هذا التفصيل إن قارنّاه بالسلوك الروسي اليوم).
وبرغم ما سبق، شهدت الأعوام اللاحقة لانقلاب الأسد تقاربًا لافتًا بين موسكو ودمشق. وقد برز ذلك على نحو خاص في مجال التعاون العسكري قُبيل حرب أكتوبر 1973 وخلالها وبعدها مباشرة. إذ تُظهر بيانات “معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام” أن قيمة واردات السلاح السورية من روسيا زادت من 562 مليون دولار (عام 1971) إلى 1.4 مليار دولار (عام 1972)، ثمّ بلغت 3.327 مليارات دولار (عام 1973) و3.702 مليارات دولار (عام 1974).
هذه السنوات مثّلت ـــ “تاريخيًا” ـــ ذروة التعاون العسكري بين دمشق وموسكو، وقد ارتبط هذا التعاون ارتباطًا وثيقًا بحرب 1973، أي التاريخ الذي حُذف ـــ للمفارقة أيضًا ـــ من جدول الأعياد الرسمية السورية الجديدة قبل أيام.
علاقة قوية، لكن متذبذبة
في السبعينيات زادت أهمية سوريا كحليف للاتحاد السوفييتي مع توتّر العلاقات بين موسكو والقاهرة، أولًا إثر طرد الرئيس المصري أنور السادات الخبراء السوفييت قُبيل حرب أكتوبر (عام 1972) ثمّ بعد إلغائة “معاهدة الصداقة” بين الجانبين عام 1976. لكنّ دمشق، حتى تلك اللحظة، ظلّت تحافط على مسافة من موسكو تسمح لها بالمناورة. إذ تُظهر وثيقة من أرشيف “وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية” (CIA)، مثلًا، تقييمًا لهذه العلاقات مفاده أنها “لم تُمكّن السوفييت من السيطرة على سوريا (…) فبرغم سنوات من الإلحاح، فشلت موسكو في إقناع سوريا بتوقيع معاهدة صداقة كتلك السارية مع العراق، وكانت حتى وقت قريب سارية مع مصر”. بيد أنّ الوثيقة أشارت إلى التحسّن المطّرد لهذه العلاقات، وهو ما تجلّى من خلال استخدام البحرية السوفيتية الموانئ السورية في طرطوس واللاذقية بعد حرب 1973، وتقديم السوفييت مساعدات عسكرية بقيمة 2.5 مليار دولار لسوريا منذ عام 1955، 90% منها بعد حرب 1967.
إثر اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 ودخول الجيش السوري بعد ذلك بعام في مواجهة مع “منظمة التحرير الفلسطينية” بقيادة عرفات وحلفائه من قوى اليسار في لبنان، تراجعت علاقة دمشق بموسكو. ومع هذا التراجع جاء دور حافظ الأسد (بعد السادات) لإخراج نصف المستشارين العسكريين السوفييت من سوريا (وكانوا آنذاك أكثر عددًا من أي مكان آخر في العالم). ثمّ، في منتصف 1976، أي في ذروة التباعد بين دمشق وموسكو في الملف اللبناني، زار الأسد باريس لأول مرة خلال رئاسته وأعلنت سوريا نيتها شراء أسلحة فرنسية، في ما بدا رسالة واضحة منها تفيد برغبتها بتخفيف الاعتماد على موسكو.
لكنّ هذا التردّي لم يدُم طويلًا. إذ وقّع الجانبان عام 1980 معاهدة صداقة وتعاون (علمًا أنهما اختلفا لاحقًا حول تفسير ما نصّت عليه من التزامات)، وعام 1982 أبرما صفقة تسلّح نفّذ بموجبها الرئيس السوفييتي أندروبوف ما تعهّد به سلفه بريجنيف (خلال زيارة الأسد إلى موسكو منتصف العام نفسه) لجهة تسليم وحدات دفاع جوي سوفييتية من طراز سام – 5 إلى سوريا. كانت تلك المرّة الأولى التي تُنشر فيها مثل هذه الصواريخ خارج الاتحاد السوفييتي، وقد ترافقت الصفقة مع تحذيرات سوفيتية لإسرائيل يومذاك من مغبة القيام بأي عمل عسكري ضد سوريا.
وبرغم بلوغ الشراكة السوفيتية ــــ السورية أعلى مستوياتها عامي 1983ــــ 1984، إلا أن نقاط خلاف مهمة ظلّت عالقة بين الجانبين، أبرزها الخلاف بين سوريا و”منظمة التحرير”، والموقف السوري في الحرب العراقية ـــ الإيرانية (كانت موسكو تضغط من أجل تحقيق مصالحة سورية ــــ عراقية).
لاحقًا، ومع الانفتاح الذي أبداه الرئيس السوفييتي الأخير ميخائيل غورباتشوف نحو إسرائيل في النصف الثاني من الثمانينيات، مالت العلاقة بين الجانبين مجددًا إلى الفتور، خصوصًا بعد تصريح غورباتشوف بأن هدف سوريا المتمثل في التكافؤ الاستراتيجي مع إسرائيل غيرُ واقعي، ودعوته دمشق إلى تحقيق ما تصبو إليه من خلال تسوية سلمية.
ومع انهيار الاتحاد السوفييتي وانكفاء روسيا على نفسها في ظلّ أزماتها السياسية والاقتصادية الطاحنة، تراجعت قدرة دمشق على التعويل عليها كظهير دولي. لكنّ الدور الروسي عاد إلى النمو مطلع الألفية، ومعه عاد البحث عن أدوار خارج الحدود. بيد أن رحلة الأسد الابن في السلطة لم تطُل دون تعثّر. فمع تآكل شرعية النظام ومعها بنيته وتقلّص الجغرافيا السورية الآمنة بدءًا من العام 2012، حاولت موسكو فرض نفسها كضابط إيقاع داخل سوريا ومع دول الجوار إثر قلبها الموازين العسكرية على الأرض في مصلحة الأسد. لكنّ ضعف “المردود الاستثماري” الناجم عن دعم الأسد الابن ظهر في نهاية المطاف، ومعه ظهر ترهّل نظامه وصعوبة الرهان على استدامته، وجاءت التحوّلات الإقليمية الجارفة التي أطلقت شرارتها عملية “طوفان الأقصى” والحرب الإسرائيلية التالية لها لتقلب دفّة الميزان وتُنهي عهد بشار الأسد في غضون أيام.
هذه لمحة شديدة الاختصار لـ”تاريخٍ” من العلاقات شديدة التعقيد بين دمشق وموسكو. وهو “تاريخ” يُحال إليه في سياق “شرح” وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لطبيعة العلاقات بين سوريا وروسيا اليوم.
تكمن المعضلة في أن هذا التاريخ، بمحطاته الفاصلة (مثل “حرب أكتوبر” 73 واجتياح لبنان 82 اللذين شهدا ذروة التعاون بين دمشق وموسكو)، يُراد حذفه أو القفز عنه في السرديّة والخطاب الهادفين إلى صياغة عقل جمعي جديد في سوريا (حذف “حرب أكتوبر” من الأعياد الرسمية مثلًا)، من دون أن تكون هناك قدرة على تجاوز تبعات هذا “التاريخ” في الحاضر.
على هذا النحو، تقدّم السلطة الحالية التاريخ للجمهور بعد تشذيبه من منعطفاته البارزة، وتهرب منه عبر استعادة أمجاد أمويّة لا تتجاوز قيمتها الحقول الرمزية، علمًا أن نظام الأسد الأب نفسه سبق أن استعان بها في سياق صناعة “أسطورته التأسيسية”.
موقع أوان
——————————-
معهد أميركي يحذر من محاولات موسكو ترسيخ نفوذها في سوريا
تقرير: سقوط نظام الأسد لم يكن ضربة استراتيجية لروسيا
2025-10-21
حذر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأوسط، من محاولات روسيا إعادة ترسيخ نفوذها في سوريا عبر صفقات “بدون شروط” مع الحكومة السورية الانتقالية.
وقال المعهد في تقرير أصدره أمس الاثنين، إن الصفقات الروسية مع دمشق تستهدف استخدام البلاد كورقة استراتيجية طويلة الأمد ضد المصالح الأميركية، ما يجعل من الضروري للحكومات الغربية استثمار نفوذها الاقتصادي الحالي بشكل كامل.
وأشار، إلى أن روسيا تعمل على إعادة توطيد وجودها في سوريا بهدوء، بعد قرابة العام على سقوط نظام بشار الأسد الذي كان مدعوماً من موسكو.
ووصف التقرير سقوط الأسد بأنه أتاح فرصة استثنائية للولايات المتحدة لإعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط لصالحها، لكنه حذر من أن هذه الفرصة بدأت تتلاشى مع إعادة روسيا تموضعها داخل سوريا.
وأكد أن سوريا تكتسب أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لروسيا بسبب موقعها على شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث توفر قاعدة لموسكو لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط وأفريقيا، وللوصول إلى جنوب أوروبا، خصوصاً مع استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا التي تجعل الوصول إلى شرق المتوسط طريقاً لوجستياً بالغ الأهمية لموسكو.
ورغم أن الاهتمام الدولي بالوجود الروسي في سوريا قد تراجع، أشار التقرير إلى أن موسكو تواصل تعزيز نفوذها تدريجياً، فهي تحتفظ بحق الوصول إلى القاعدتين العسكريتين في طرطوس وحميميم، وقد تعيد توظيفهما لمهام إضافية، مثل إنشاء مراكز لإرسال المساعدات الإنسانية إلى إفريقيا.
وأوضح التقرير أن روسيا لا تواجه أي حظر على توريد النفط إلى سوريا، وأن استقرار البلاد يجب ألا يكون على حساب أولويات السياسة الخارجية الأميركية الأخرى.
كما كشف التقرير أن سقوط الأسد لم يكن ضربة استراتيجية قاصمة لروسيا كما اعتقد كثيرون في الغرب، موضحاً أن قوات المعارضة السورية دخلت في مفاوضات سرية مع الروس أثناء هجوم “ردع العدوان” الذي أطاح بالأسد.
وحذر، من أن الفشل في مواجهة النفوذ الروسي المستمر سيضر بمصداقية الولايات المتحدة مع حلفائها وشركائها في أوروبا والشرق الأوسط، كما سيمنح موسكو موارد إضافية لتعزيز حربها على أوكرانيا وتقليل النفوذ الأميركي عالمياً، مؤكداً أن سياسة موسكو في سوريا تركز على هذا الهدف الاستراتيجي الأوسع للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وليس فقط على دعم الأسد أو سوريا نفسها.
ونوه التقرير إلى أن الكرملين يتبع نهجاً حذراً، ويبني علاقاته تدريجياً على عدة جبهات، مقدماً نفسه كقوة توازن أمام الفاعلين الآخرين في سوريا، دون أن يكون هناك استعجال من الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع أو من أطراف خارجية مثل إسرائيل لإقصاء روسيا من هذا الدور.
ودعا معهد واشنطن، الغرب للتحرك بسرعة قبل أن تغلق نافذة الفرصة لمواجهة النفوذ الروسي، موصياً بتعزيز بدائل اقتصادية وسياسية أمام دمشق، والضغط على دمشق لتقليل اعتمادها على موسكو، مشيراً إلى أن سوريا بحاجة إلى اقتصاد فعال لا تستطيع روسيا تقديمه.
ورأى، أن روسيا قد تسعى لتعزيز نفوذها حيثما تغيب القوى الغربية، مع تقديم دعم سريع وغير مشروط، على عكس الديموقراطيات التي تربط المساعدات بتحسين حقوق الإنسان، مؤكداً أن هذا النفوذ سيزيد من عدم الاستقرار في سوريا والمنطقة، وقد يصرف أنظار الغرب عن أوكرانيا ويزيد من التوترات الإقليمية.
ويوم الأربعاء الماضي، زار الشرع روسيا على رأس وفد من الحكومة السورية الانتقالية والتقى بالرئيس الروسي ومسؤولين آخرين في موسكو.
وكانت قد كشفت الحكومة الروسية عن تفاصيل المباحثات بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في موسكو.
وقال نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك في تصريحات للصحفيين بعد انتهاء اللقاء، إن “سوريا بحاجة إلى إعادة تقييم شاملة لبنيتها التحتية التي تضررت بشكل كبير خلال السنوات الماضية، وروسيا قادرة على تقديم الدعم والمشاركة في هذه العملية”.
وأضاف، أن “المباحثات بين بوتين والشرع تناولت ملفات إنسانية واقتصادية واسعة، شملت الطاقة والنقل والصحة والسياحة”.
وأشار، إلى أن الجانبين اتفقا على أن “شركات روسية أبدت اهتماماً بتطوير قطاعات النقل وإعادة تأهيل منظومة الطاقة التي أنشأت خلال حقبة الاتحاد السوفييتي”.
وشملت المباحثات بين الطرفين، التعاون الثقافي والإنساني، وتطوير السياحة والرعاية الصحية، بحسب نائب رئيس الوزراء الروسي، الذي أكد أن الطرف السوري أبدى اهتماماً بالحصول على القمح والأدوية الروسية
—————————-
توضيح من الدكتور محمود الحمزة حول أمور تخص الجالية السورية في روسيا:
وضع الجالية السورية في روسيا هو من أصعب الجاليات في العالم لأنها تاريخيا كانت تتبع لسفارة النظام التي تشرف وتدير الجالية عن طريق مخابراتها وازلامها الذين انكشفوا لكل أبناء الجالية. هؤلاء الذين صفقوا لنظام الأسد وساعدوه ماديا ومعنويا وكانوا يتقاتلون على من يمكنه لقاء المجرم بشار الأسد عند زيارته لموسكو.
وكنا نحن معشر المعارضين للنظام الاسدي غرباء عن السفارة وحتى عن الجالية تجنبا لأفعال السفارة والمخابرات لأنها مركز لكتابة التقارير بالسوريين ومحاربة وإرهاب الطلبة والسوريين في دراستهم واعمالهم وحياتهم في روسيا وحتى حياة اهلهم وذويهم في سوريا.
وعندما بدأ الربيع العربي بدأ معارضون في روسيا بالإعلان عن تأييد الثورة السورية والبدء بنشاط سياسي واعلامي مكثف عن طريق المواقع الالكترونية بالعربي والروسي وكذلك في وسائل الاعلام والندوات المختلفة والمقالات المكتوبة وتعرض عدد من معارضي الأسد المجرم الى ضغوطات هائلة منها الفصل من العمل بطلب رسمي من سفير الأسد رياض حداد والتهديد بالقتل وكانت يد سفارة الأسد طائلة وقادرة على الحاق الضرر بالسوريين من طلبة ورجال اعمال وناشطين وشخصيات علمية وإعلامية وسياسية وغيرهم.
وكانت السفارة طول عمرها بؤرة ووكر للمخابرات السورية القذرة وكانت ذات سمعة سوداء لأنها تغطي على كل الأفعال المشينة التي ارتكبها الدبلوماسيون وموظفو النظام من تجارة في السوداء الممنوعة في روسيا في العهد السوفيتي الى تصريف العملات الأجنبية والتجارة الممنوعة وغيرها. وهناك سوريين لم يدخلوا السفارة خلال 50 سنة وهم موجودين في موسكو.
وخلال فترة الثورة انقسمت الجالية الى عدة أصناف فهناك الأخوة الكرد الذين شاركوا بحماس بداية في المظاهرات المؤيدة للثورة ولكنهم سرعان ما ابتعدوا عن الحراك السياسي وتوقفوا عن أي عمل مؤيد للثورة ضد النظام. وهناك فئة ليست قليلة من شبيحة النظام وهم أولئك الموالين لمصالحهم الخاصة او لخوفهم من المخابرات لان لهم اهل في سوريا او لهم مصالح مادية وكذلك فئة أيدت النظام إما لاعتبارات طائفية او بسبب الانتماء ات والخلفيات الدينية والقومية بحجج مختلفة.
وفي السنوات الأخيرة قبل سقوط النظام يأس الكثيرون من الوضع لأنهم اعتقدوا ان النظام باقي وتصالحوا مع النظام لأسباب شخصية ومصلحية وغيرها.
وعدد من الموالين بقوا مع النظام حتى اخر دقيقة قبل سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024. وبمجرد سقوط الأسد كوع العشرات منهم ورفعوا علم الثورة وأصبحوا يكتبون ويتواصلون مع معارضي الأسد ليثبتوا انهم أصلا كانوا معارضين ولكن الظروف كانت صعبة واجبرتهم على الصمت.
واذكر كيف أخطأ عدد من الاخوة بعضهم محسوب على المعارضة حيث قاموا مع بعض شبيحة السفارة برفع علم الثورة فوق السفارة بتوجيه من سفير الأسد بشار الجعفري الذي كوع هو أيضا فور اسقاط الأسد وعدما طلبته وزارة الخارجية بالعودة الى دمشق رجع الى موقفه الأصلي المعادي للثورة والحكم الجديد.
وواضح ان قيامهم بهذه الخطوة كان بدفع من اشخاص يريدون تلميع صورتهم واللعب في الوقت الضائع. فرفع العلم له أصول وهو موضوع سياسي وكان يجب ان يقوم به ممثلو المعارضة الحقيقية وليس برغبة شخصية من أحد للبروز والتصوير والأنكى من ذلك انهم قاموا بذلك مع شبيحة السفارة.
لكن الحقيقة ان كل من أيد الأسد بفعالية اما ماليا او معنويا وروج للمجرم الهارب وكتب التقارير ضد الاحرار السوريين وحارب الثوار فهو شريك بجرائم الأسد ضد الشعب السوري. ومن المنطقي ان يخجلوا اليوم ويكون سلوكهم عاديا ويعتذرون من الشعب السوري لا ان يزاودوا ويركضون شمالا ويمينا لإبراز انهم معارضين لنظام الأسد بعد سقوطه ويمدحون القيادة الجديدة ويريدون ان يعاملوا معاملة الثوار الذين تعرضوا لأبشع الضغوطات وخسروا الكثير ولكنهم ثبتوا على مواقفهم. وكما يقال بالعامية: بدها شوي تواضع وخجل، لا ان يتهافتوا للقفز الى الصفوف الامامية وكأنهم طول عمرهم كانوا ذوي مواقف سياسية صلبة ويتمتعون بالنزاهة علما ان السوريين يعرفونهم جيدا ويعرفون نشاطاتهم في مجال البزنس غير النظيف وعلاقاتهم الاجتماعية والأمنية.
وبالنسبة للصراخ والعويل الذي صدر من بعض فلول النظام ومن يدور في فلكهم ومن أصحاب النفوس الضعيفة التي لا يهمها الا حضور اللقاءات والتصوير والبروزة، الذي رافق زيارة معالي وزير الخارجية أسعد الشيباني في نهاية تموز وزيارة فخامة الرئيس أحمد الشرع الى روسيا يوم 15 تشرين الأول ولقاءاتهم مشكورين مع وفود من أبناء الجالية بالرغم من قلة الوقت والارهاق الذي تكبدوه في مباحثات طويلة وصعبة مع الجانب الروسي.
نقول أن قوائم الوفود وضعت من قبل وزارة الخارجية السورية حيث لديها قوائم طويلة ومفصلة لمئات السوريين وهم من اختار القائمة ولا استبعد انه الخارجية السورية استأنست بآراء بعض الناشطين في روسيا ولكن القرار النهائي كان بيد دمشق.
ولذلك اود ان أتوجه لكل من حاول النيل من أهمية الزيارات ومن طبيعة الوفود المشاركة مهما كانت فهي قرار الجهات الرسمية المعنية في سوريا، وكذلك البعض الذين أصدروا بيانات مزيفة لا نعرف باسم من ويتهمون ناشطين معارضبن للأسد بأنهم شبيحة. وهذا شيء مضحك ويدين من كتب البيان.
فزيارة فخامة الرئيس أحمد الشرع إلى روسيا على رأس وفد رفيع المستوى هو حدث سياسي تاريخي لمصلحة شعبي البلدين سوريا وروسيا، والزيارة هي دعم معنوي لأبناء الجالية السورية التي هي جزء من الشعب السوري بغض النظر عن المواقف السياسية والانتماءات المختلفة.
واشير هنا الى مقالات المدعو جورج كدر المليئة بالكذب والافتراء وعدم احترام للسوريين لأنه حاقد على انتصار الثورة واسقاط نظام الأسد.
وكذلك بيان حسان سراج الدين الذي يدعي انه ناضل من اجل ان تكون الجالية غير مسيسة وبعيدة عن هيمنة الأمن والمخابرات. وهو يكذب تماما لأنه يعرف ان سفارة النظام الاسدي كانت مهيمنة على الجالية وكانت تلعب بها وتقسمها الى كتل متصارعة مرجعيتها جهاز أمن السفارة. وأقول لحسان سراج الدين علي مملوك يهديك تحياته فهل نسيت كيف جاءت رسالة خاصة موقعة باسم المجرم علي مملوك تطلب من مجلس إدارة الجالية ان يعيدوك الى عضويته بعد ان غبت عن الاجتماعات اشهر طويل مدعيا بتوجيه من المخابرات ان تلعب دور المعارض وعندما اعتقدت في أواخر عام 2024 بان الأسد باقي قررت العودة للعمل في إدارة الجالية فرفضوا طلبك بالرغم من ضغط سفير الأسد بشار الجعفري وكبار الشبيحة أمثال أمجد دوبا وعندما سقط نظام الأسد سارعت وادعيت انك معارض وذهبت الى سوريا لمقابلة المسؤولين مدعيا بالكذب بانك تمثل الجالية السورية كونك سجلت فرع الجالية في كراسنادار.
كلمة أخيرة:
نحن كثوار ومعارضين سابقين لنظام الأسد، موقفنا اليوم هو دعم الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، ولا نسكت عن أخطاء المؤسسات الحكومية، ولكننا ننصح وننتقد بروح الحرص على الدولة السورية الوليدة ولا نسمح بالنيل منها من قبل الفلول ومن يدور في فلكهم الذين تربوا على ايدي المخابرات الاسدية الكاذبة والخبيثة والمجرمة.
وأنا ادعو السوريين في روسيا الاتحادية باتخاذ مواقف وطنية وان يكونوا ايجابيين وغير مثيرين للفتن والمشاكل مع حقهم في النقد ولكن دون التشكيك بالعهد الجديد والترويج لدعايات كاذبة تثير الكراهية والنعرات الطائفية والقومية.
تعالوا نبني جالية تكون جزءا من الوطن السوري تحترم معتقدات وآراء كل فرد منا ولكن على ان نتفق على اظهار وجه سورية الحضاري- سوريا مهد الديانات والثقافات المختلفة، التي يفتخر بها مفكرو العالم ومؤرخوها.
لقد ولى عهد المجرم الهارب وبدأ عصر جديد عصر الحرية والكرامة وبناء الدولة السورية الوطنية، وأن الانتصار الكبير على نظام الأسد هو انتصار لكل السوريين الذين يؤمنون بالحرية والكرامة ونحن جزء منهم.
وقطار سورية الجديدة يسير…….
———————————
80 عاما من العلاقات السورية الروسية/ محمد شعبان أيوب
تُعد سوريا واحدة من أقدم نقاط الارتكاز في الإستراتيجية الروسية بالشرق الأوسط، ولا يمكن فهم حضور موسكو في المنطقة دون العودة إلى جذور العلاقة بين الطرفين التي بدأت منذ أربعينيات القرن العشرين.
فقد كانت موسكو من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال سوريا وأقامت معها علاقات دبلوماسية رسمية عام 1944.
وسرعان ما خرجت هذه العلاقة سريعا من إطار التمثيل الدبلوماسي التقليدي، لتتحوّل إلى شراكة سياسية ذات بُعد أيديولوجي خلال الحرب الباردة، حيث وجدت سوريا في الاتحاد السوفياتي داعما سياسيا في مواجهة القوى الغربية، بينما رأت موسكو في سوريا بوابة إلى المياه الدافئة ونقطة متقدمة في صراع النفوذ العالمي.
حافظ الأسد يلوّح بيده بعد استقباله في موسكو من قِبل رئيس الوزراء السوفياتي أليكسي كوسيجين (غيتي)
آل الأسد وموسكو
مع تسلُّم حافظ الأسد السلطة عام 1970، انتقلت العلاقات بين دمشق وموسكو إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية، حيث مُنحت البحرية السوفياتية تسهيلات في ميناء طرطوس منذ عام 1971، قبل أن تتعزز هذه الشراكة رسميا بتوقيع معاهدة الصداقة والتعاون في 8 أكتوبر/تشرين الأول 1980.
ويشير الباحث الأميركي ريموند هينبوش في كتابه “سوريا.. الثورة من أعلى” أن هذه الخطوات لم تكن مجرد تعاون عابر، بل أسست لتحالف طويل الأمد جعل الاتحاد السوفياتي الداعم الدولي الأبرز لسوريا خلال الحرب الباردة، ولاحقا لروسيا الاتحادية بعد عام 1991.
وعلى المستوى العسكري تحديدا، أصبحت سوريا أحد أكبر مستوردي السلاح السوفياتي في الشرق الأوسط، وشكّل الخبراء العسكريون الروس العمود الفقري لتحديث الجيش السوري خلال العقود اللاحقة، وأمست موسكو شريكا في صناعة النخبة العسكرية والفنية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين.
فمنذ سبعينيات القرن الماضي، أرسلت دمشق آلاف الضباط والمهندسين والأطباء والاختصاصيين المدنيين للدراسة والتدريب في الأكاديميات العسكرية والجامعات السوفياتية، في إطار برنامج تعاون منظم شمل المؤسسة العسكرية السورية والبنية التعليمية والتقنية للدولة.
ويشير الباحث الأميركي رايموند هينبوش إلى أن هذا التعاون أسهم في إعادة هيكلة الجيش السوري وفق عقيدة التدريب السوفياتي، مما عزز مكانة موسكو كحليف إستراتيجي رئيس لدمشق خلال الحرب الباردة.
وانعكس الأمر على المستوى الثقافي حيث شهدت تلك الفترة إرسال آلاف الطلاب السوريين للدراسة في الجامعات السوفياتية، مما أسهم في تأسيس نخبة سورية متأثرة بالفكر السياسي الروسي.
بل إن باتريك سيل يؤكد في كتابه “الأسد، الصراع على الشرق الأوسط” أن حجم التنسيق والتفاهم بين الجانبين حينئذ بلغ حد التوافق في كل مسائل الشرق الأوسط تقريبا، مع الدعم المطلق للثورة الإيرانية التي فتحت الباب لطرد الأميركان من إيران.
وكما يقول: رخص السوفيات لسوريا وليبيا بيع أسلحة سوفياتية لإيران، وكانت هناك تقارير فورية عن جسر جوي من سوريا بين طهران ودمشق.
وقد شهدت العلاقات بين موسكو ودمشق فتورا واضحا خلال تسعينيات القرن الماضي عقب تفكك الاتحاد السوفياتي وانشغال روسيا بأزماتها الداخلية، غير أنها بدأت تستعيد زخمها تدريجيا مع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة مطلع الألفية الجديدة.
وقد شكّل عام 2005 نقطة تحول حاسمة حين قررت موسكو شطب الجزء الأكبر من الديون السورية المتراكمة منذ الحقبة السوفياتية وإعادة جدولتها، في خطوة اعتُبرت إعلانا لعودة روسيا كلاعب مؤثر في الساحة السورية.
ويشير الباحث الروسي نيكولاي كوزهانوف، في تحليلاته الصادرة عن مركز كارنيغي ومعهد تشاتهام هاوس، إلى أن سوريا كانت منصة رئيسية لاستعادة النفوذ الروسي في الشرق الأوسط خلال المرحلة البوتينية.
روسيا وحقبة البراميل المتفجرة
ولكن شهدت سوريا منذ عام 2011 واحدة من أعقد الأزمات في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، إذ تحولت موجة الاحتجاجات التي بدأت بطابع سياسي واجتماعي إلى ثورة شاملة، وصراع مسلح متعدد الأطراف.
ووفق تقديرات صادرة عن الأمم المتحدة ومعهد ستوكهولم لأبحاث السلام، فقد أسفر النزاع خلال سنواته الأولى عن سقوط مئات الآلاف من الضحايا وتشريد ما يزيد على نصف السكان داخليا وخارجيا، ولجأ ملايين السوريين إلى دول الجوار وأوروبا، في واحدة من أكبر موجات اللجوء في القرن الحادي والعشرين.
ولم تكن موسكو بعيدة عن تطورات الأزمة السورية منذ اندلاعها، إذ وفّرت لدمشق غطاء دبلوماسيا ثابتا في مجلس الأمن عبر سلسلة من عمليات الفيتو، بالتوازي مع استمرار التعاون العسكري الذي مهّد للتدخل الروسي المباشر عام 2015.
ويشير الباحث الروسي ديمتري ترينين في دراسته الصادرة عن مركز كارنيغي تحت عنوان “روسيا والشرق الأوسط: عودة موسكو إلى المنطقة” إلى أن الكرملين نظر إلى سوريا بوصفها ساحة دفاع متقدمة عن مصالحه الجيوسياسية.
وقامت روسيا بتأسيس قاعدة حميميم الجوية في اللاذقية لتعزيز وجودها العسكري، ثم فعّلت حضورها البحري في ميناء طرطوس ضمن إطار اتفاقات طويلة الأمد تحت شعار مكافحة الإرهاب ودعم استقرار الدولة السورية.
وفي بداية سبتمبر/أيلول 2015 تحول التدخل العسكري الروسي في سوريا لمرحلة الاشتراك العسكري الميداني المباشر بعد مرحلة الدعم السياسي والدبلوماسي التي سبقت ذلك؛ حيث بدأت موسكو بإعادة تشكيل ميزان القوى على الأرض من خلال بناء قوة جوية ضاربة في الساحل السوري.
أطلق الجيش الروسي تدخله العسكري المباشر في سوريا بتجميع قوة جوية ضاربة في قاعدة حميميم بمحافظة اللاذقية، تشكلت من طائرات هجومية وقاذفات ومقاتلات متعددة المهام إلى جانب المروحيات وطائرات الاستطلاع المسيرة.
شاحنات عسكرية روسية تدخل قاعدة حميميم العسكرية الروسية بمحافظة اللاذقية (الفرنسية)
وبالتوازي مع هذا الانتشار الجوي، عززت موسكو وجودها البري في القاعدة عبر نشر وحدات من مشاة البحرية الروسية وعناصر مدرعة مع أنظمة دفاع جوي ورادارات متقدمة لتأمين المجال الجوي فوق الساحل السوري.
وهو ما فسره الباحث العسكري مايكل كوفمان من مؤسسة سي إن إيه بأنه جزء من عقيدة روسية تستند إلى فرض “تفوق جوي دفاعي” عبر دمج القوة الجوية مع أنظمة الحماية الأرضية لضمان استقرار التموضع العسكري في مسارح العمليات الخارجية.
وفي 30 سبتمبر/أيلول 2015، طلب بوتين تفويضا رسميا من مجلس الاتحاد الروسي لإرسال قوات مسلحة إلى سوريا، وهو ما وافق عليه المجلس بالإجماع في اليوم نفسه تحت ذريعة “محاربة الإرهاب” وضمان “استقرار الدولة السورية”، كما ورد في تغطية وكالة تاس الروسية.
ووفقا لبعض المصادر الإخبارية وقتها فإن التدخل الروسي جاء بناء على طلب رسمي من الرئيس السوري بشار الأسد، الذي منح موسكو حق استخدام القواعد الجوية في اللاذقية وطرطوس.
بعد ساعات فقط من حصول الكرملين على التفويض البرلماني بالتدخل العسكري في سوريا، انطلقت أولى الضربات الجوية الروسية لتستهدف مدنا وبلدات سورية بداية من الرستن وتلبيسة والزعفرانية في ريف حمص، قبل أن تمتد لاحقا إلى حلب وإدلب وريف دمشق ودير الزور وحماة وغيرها.
ورغم أن موسكو بررت عملياتها بأنها “ضد الإرهاب”، فإن منظمات دولية مثل هيومن رايتس ووتش والشبكة السورية لحقوق الإنسان وثقت سقوط آلاف الضحايا المدنيين نتيجة القصف العشوائي واسع النطاق الذي استُخدمت فيه صواريخ فراغية وقنابل عنقودية وقذائف بعيدة المدى.
وفي الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2015 أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية أن بلاده نشرت أكثر من 50 طائرة حربية في سوريا خلال فترة قياسية، مؤكدا أن جزءا كبيرا من العتاد العسكري كان مخزنا مسبقا في مستودعات طرطوس البحرية.
وبعد 3 أشهر فقط نقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين أميركيين قولهم إن روسيا نجحت بتكلفة منخفضة نسبيا في منع انهيار النظام السوري.
وقد أشارت تقارير صحفية وتحقيقات دولية، أبرزها ما نشرته وكالة رويترز في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 إلى أن الدور الروسي تجاوز ذلك بكثير، مشيرة إلى أن شركات أمنية روسية خاصة مثل “فاغنر” شاركت فعليا في المعارك البرية إلى جانب قوات النظام، في تنسيق وثيق مع وزارة الدفاع الروسية.
وقد خاضت هذه القوات معارك في مناطق مثل تدمر ودير الزور، وساعدت في تأمين حقول النفط والغاز لصالح دمشق وموسكو معا.
ومنذ عام 2017 دخل الدور الروسي في سوريا مرحلة أعمق من التدخل العسكري المباشر، حيث تحولت موسكو إلى الفاعل الأبرز في إدارة الصراع السوري عبر مسار أستانا إلى جانب تركيا وإيران، كما انخرطت في إعادة هيكلة الجيش والأجهزة الأمنية السورية، وأشرفت على اتفاقات المصالحات في درعا والغوطة وحمص لإعادة مناطق المعارضة إلى سيطرة النظام.
وبين عامي 2019 و2023 عززت روسيا وجودها طويل الأمد بشرعنة قواعدها في حميميم وطرطوس بعقود تمتد حتى 49 عاما، وسيطرت على عقود الطاقة والفوسفات والمرافئ، وحافظت على تفاهمات ميدانية مع إسرائيل سمحت للأخيرة بضرب مواقع إيران في سوريا تجنبا للاحتكاك المباشر.
حقبة جديدة تتشكل
ولكن مع تصاعد الضغط الاقتصادي على دمشق وتزايد التنافس الروسي الإيراني على القرار السوري بعد 2022، حاولت موسكو لعب دور الوسيط بين شبكات النفوذ داخل النظام، غير أنها فشلت في منع تآكل السلطة المركزية، وصولا إلى انهيار نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.
وعقب الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024، بدا أن نفوذ روسيا في سوريا قد وصل إلى مفترق طرق، ورغم مشهد انسحاب العديد من القوات الروسية من الداخل السوري إلى الساحل، فقد تمكنت موسكو من الاحتفاظ بقاعدتيها الرئيسيتين الجوية في حميميم، والقاعدة البحرية في طرطوس.
واللافت أن موسكو سارعت بعد التغيير السياسي في دمشق إلى تثبيت قنوات الاتصال مع القيادة السورية الجديدة، مستفيدة من الصورة التي تحتفظ بها لدى قطاعات من السوريين باعتبارها قوة دولية مؤثرة يمكن التعامل معها بواقعية سياسية.
وفي المقابل اعتمدت حكومة أحمد الشرع خطابا براغماتيا تجاه روسيا، إدراكا لأهمية استمرار التعاون معها في مجالات الطاقة والقمح والتسليح والدعم الدبلوماسي داخل الأمم المتحدة.
ووفقا لحنا نوت، مديرة ملف أوراسيا بمركز “جيمز مارتن” لحظر انتشار أسلحة الدمار الشامل، في مقالها الذي ترجمته الجزيرة نت، فكما تستخدم دمشق انفتاحها على موسكو كورقة توازن في معادلة النفوذ الداخلي والخارجي؛ فإنها توجّه من خلاله رسالة إلى بقايا شبكات النظام السابق بأنها ليست معزولة، وإلى العواصم الغربية بأنها تملك بدائل إستراتيجية إذا فشلت محاولات تطبيع العلاقات معها، إضافة إلى رهانها على أن الوجود الروسي قد يسهم في الحد من العمليات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية.
ولكن من المرجح بحسب تقديرات مراكز أبحاث “كارنيغي موسكو” و”المجلس الروسي للعلاقات الدولية”، أن موسكو لن تستعيد موقع اللاعب المهيمن في سوريا كما كانت خلال سنوات ما قبل التغيير، بفعل استنزافها في أوكرانيا وتراجع قدرتها الاقتصادية.
ورغم أنها ستسعى إلى الحفاظ على نفوذ عسكري وسياسي متواضع، فإن الفاعلية الكبرى في صياغة مستقبل سوريا ستكون على الأرجح لدول الخليج وتركيا وربما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إذا زاد انخراطهما في الملف السوري.
وتشير بعض التحليلات الجيوسياسية إلى أن الوجود الروسي في سوريا بات جزءا ثابتا من معادلات الصراع الإقليمي، وأن التعامل معه كواقع إستراتيجي يبدو أكثر عقلانية من محاولات عزله أو إقصائه عبر الضغط الدبلوماسي، إذ إن ذلك قد يدفع دمشق إلى مزيد من الارتهان لموسكو أو الارتماء في تحالفات أكثر تشددا.
وفي هذا السياق يذهب الباحث الروسي نيكيتا سماجين في دراسته الصادرة عن مركز كارنيغي للسلام الدولي بعنوان “نهج روسي جديد في سوريا” إلى أن موسكو لم تعد تتعامل مع الملف السوري بوصفه ورقة نفوذ عابرة، بل كمجال إستراتيجي مستدام يجب إدارته من خلال موازنة علاقاتها مع أطراف إقليمية متعددة.
ومن ثَم -بحسب سماجين- فإن المقاربة الأكثر واقعية للحد من النفوذ الروسي لا تقوم على الصدام المباشر، بل على تعزيز استقرار الدولة السورية وإعادة بناء مؤسساتها واقتصادها بما يقلّص هشاشتها الداخلية ويمنحها قدرة أكبر على تنويع شراكاتها الخارجية بدل الارتهان لطرف واحد.
ولهذا السبب شهدت موسكو في منتصف أكتوبر/تشرين الأول 2025 حدثا لافتا بزيارة الرئيس أحمد الشرع في أول تحرك باتجاه روسيا بعد انتقال السلطة في دمشق، وهي زيارة عكست انتقال العلاقات السورية الروسية من مرحلة التحالف مع النظام السابق إلى صيغة جديدة قائمة على المصالح الإستراتيجية المستمرة.
ووفق ما نشرته وكالة تاس وصحيفة إزفستيا الروسيتان، فقد هيمنت على المباحثات ملفات الوجود العسكري الروسي في سوريا، ولا سيما مستقبل قاعدتي حميميم الجوية وطرطوس البحرية، مع تأكيد الكرملين أن العلاقة بسوريا تقوم على ثوابت جيوسياسية تتجاوز التغيرات السياسية الداخلية.
وقد قدّم بوتين للشرع تطمينات بأن موسكو مستمرة في دعم استقرار الدولة السورية مع الانفتاح على ترتيبات تعاون جديدة لا تقوم على الإرث الأمني والعسكري فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد والطاقة وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة.
وقد طُرحت خلال المباحثات 3 محاور رئيسية للتفاهم تتمثل في الإبقاء على الوجود العسكري الروسي ضمن إطار قانوني متفق عليه، وتوسيع الاستثمارات الروسية في قطاعات الطاقة وإعادة الإعمار، وتأسيس آلية تنسيق أمني إقليمي تشمل العلاقة مع كل من تركيا وإسرائيل وإيران.
وبذلك مثلت زيارة الشرع إلى موسكو إيذانا ببدء مرحلة إدارة المصالح المشتركة بدلا من التحالف المطلق، مع احتفاظ روسيا فيما يبدو بدورها كضامن رئيسي لمعادلات القوة في سوريا ما بعد الأسد.
المصدر: الجزيرة
———————————-
هل فهمت سورية مثلّثات بريماكوف أخيراً؟/ عمر عبد العزيز الحلاج
21 أكتوبر 2025
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي سعت روسيا جاهدةً لاستعادة هيبتها، لكنها وجدت نفسها تفتقر إلى الموارد اللازمة والنفوذ الكافي لتسترجع دورها دولةً عظمى لتقارع الولايات المتحدة والصين في آن واحد. وكان عليها أن تختار. إذ لو سعت إلى التقارب مع إحداهما في مواجهة الأخرى، لوجدت نفسها تلعب دوراً ثانوياً فقط دولةً من الوزن المتوسط. لم يكن العالم متعدد الأقطاب قد رأى النور بعد، لكنه كان يترقّب نشوءه على يد دولٍ صاعدةٍ متوسطة الثقل تسعى إلى لعب أدوار إقليمية ودولية كبرى. غير أن هذه الدول لم تكن تثق ببعضها كثيراً؛ إذ ورثت مرارة التنافس والنزاعات الحدودية من حقبة الحرب الباردة، كما خشي بعضها ألا ينفع الانحياز لأحد القطبين في حمايتها من القطب الآخر. وسط هذه الأجواء المشحونة بالارتياب، بات الخروج من أسر القطبية الثنائية وآليات التحالف التقليدية السبيل الأجدى لتعزيز النفوذ والمكانة السياسية.
في هذا المناخ السياسي القلق أطل يفغيني بريماكوف على المشهد، شاغلاً منصبي رئيس الوزراء ووزير الخارجية في روسيا. للوهلة الأولى كان يبدو كرجلٍ يسكن الظلال، بعد أن قضى زمناً في رئاسة جهاز الاستخبارات السوفييتية (كي جي بي) قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، حاملاً معه حرصاً شديداً على صون حياته الخاصة. تعود أصوله إلى خلفيةٍ جورجيةٍ غامضة، زاد من غموضها خسارةً شخصيةً مأساوية عندما فقد زوجته وطفله في مطلع ثمانينيات القرن الماضي. وربما كان معروفاً لدى بعض دوائر السياسة الخارجية ـ لا سيما تلك المعنيّة بالشرق الأوسط وآسيا ـ إلّا أنّ بداية صعوده في مراتب الحزب الشيوعي لم تجلب له سوى المزيد من العزلة. اعتمد عليه ميخائيل غورباتشوف في إطلاق إصلاحات البيريسترويكا، فاحتفى به الجناح الليبرالي والإصلاحي في البرلمان الروسي بعد زوال الإمبراطورية السوفييتية، بينما منحته خلفيّته كرئيسٍ للاستخبارات السابقة مهابةً في عيون الشيوعيين والقوميين المتطرّفين داخل مجلس الدوما. رأى فيه الرئيس بوريس يلتسن حلاً وسطاً بين هذين التيّارين، لكنّه سرعان ما ندم على هذا الرهان إذ خرج “رجل الظلّ” من مخبئه إلى دائرة الضوء.
خلال الفترة الوجيزة التي تولّى فيها المنصب بعد أن عيّنه الرئيس بوريس يلتسين عام 1998، وقبل أن ينسحب في محاولة للمنافسة على كرسي الرئاسة في روسيا، حاول بريماكوف توظيف علاقاته القديمة في الجوار الآسيوي المحيط بروسيا لإعادة تموضع بلاده على الساحة الدولية. كانت فكرته الأولى مدّ الجسور مع الصين، وبناء تحالفٍ ثنائي يقف في وجه الولايات المتحدة، ويُفشل سنواتٍ من المناورات الأميركية التي دأبت على استغلال الخلاف بين موسكو وبكين. غير أنّ تجاوب الصين وقتها بدا فاتراً.
كانت السياسات المتوارثة منذ عهد وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر لا تزال حاضرةً بقوة. فقد برع ذاك السياسي الشاب آنذاك، في استراتيجيات “فرِّق تَسُد”. وتمحورت رؤيته الآسيوية حول منع تقارب القوى في أكبر قارات العالم، كي لا تُسخَّر مواردها وإمكاناتها الجيواستراتيجية في تكتلٍ موحّد. كان كيسنجر مهندس الانفتاح الأميركي الصيني، لكنه أيضاً كان يُعيد ضبط إيقاع العلاقة بين الصين وروسيا بشكلٍ دوري، لئلا تستغل القوتان انتماءهما الأيديولوجي الشيوعي لبناء جبهةٍ موحّدةٍ ضد الولايات المتحدة.
لاحقاً، حاول بريماكوف مرةً أخرى، فاقترح نوعاً جديداً من التحالف: تشكيل تحالفٍ ثلاثيّ يضمّ روسيا والصين والهند، في محاولةٍ لتبديد تردّد الصين. كان الهدف تقليص الحاجة إلى التنافس المباشر على الساحة الأوراسية، وتركيز الموارد على مقاومة النفوذ الأحاديّ للولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد أثار مسعاه الجديد ـ إقامة علاقةٍ ثلاثيّة مع أكبر كيانين جيوسياسيَّين في آسيا ـ شبهات تتعلق بنيّة روسيا تبوء رأس المثلث. رفضت الصين الفكرة مجدداً، كما رفضت قبلها مسألة تحالف ثنائي صينيّ روسيّ. أمّا الهند فقد ساورها القلق؛ إذ كان بريماكوف يمضي في بناء مثلّثاتٍ أخرى تضمّ باكستان. لم يكن واضحاً بعد أنّ هذه المثلّثات يمكنها أن تتعدّد لتكون أدوات توازنٍ أكثر منها تحالفاتٍ دائمة. كانت أذهان السياسيين، في أعقاب الحرب العالميّة الثانية، ما تزال حاضرةً على ذكرى المثلّثات التي تأسّست إبّان الحرب ضدّ ألمانيا النازية ثمّ انهارت في الحرب الباردة. جاءت دعوة بريماكوف في أواخر الحرب الباردة، حين كانت ملامح نظامٍ عالميٍّ جديدٍ في الأفق، ولكنها لم تكن قد أخذت شكلاً واضحاً. فلم تلقَ خطته الطموحة قبولاً فورياً، ولم تحظَ ببعض الرواج لدى الصينيين إلّا بعد عشرين عاماً. بيد أنّ فكرة إدارة العلاقات الدوليّة عبر هندسة علاقات ثلاثيّة بدأت تكتسب رواجاً، ليس على النحو الذي تصوّره بريماكوف، بل على نطاقٍ أصغر، حيث تكثر البلدان من بناء المثلّثات وتوازن بينها، بما يتيح لها التخفيف من تناقضات إدارة أولوياتها المتعارضة في السياسة الخارجيّة.
وسرعان ما انتشرت فكرة نسج العلاقات الثلاثية كأداة بيد الدول المتوسّطة الحجم لتعظيم مواردها وتقليص حاجتها إلى علاقاتٍ قائمة على الربح والخسارة الصفرية مع الدول الأخرى. قد تشمل الشراكة أكثر من ثلاثة أطراف، لكن يبدو أنّ صيغة الثلاثة هي الأكثر ثباتاً واستدامة. ويوفّر الترتيب الثلاثي سبيلاً لتجنّب ترك مصير الشراكات رهيناً بالتقلّبات في العلاقات الثنائية. تركّز كلّ شراكةٍ على موضوعٍ أو مجموعةٍ صغيرةٍ من المصالح المشتركة، مع الاحتفاظ بإمكانية التنافس في قضايا أخرى. ففي كلّ مثلّث، حين ترغب دولتان في تخفيف حدّة خلاف ما ـ كالنزاعات الأمنية والحدوديّة أو تضارب المصالح مع طرفٍ ثالث ـ فإنّهما تستعينان بشريكٍ ثالث يُتيح إقامة مصالحٍ جماعيةٍ تحدم من تصعيد الخلاف الثنائي بينهما. وتوفّر المنفعة المشتركة بين الشركاء الثلاث حافزاً لتجاوز الإشكالات الثنائية بين أيّ شريكين.
أصبح تحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة عنوان اللعبة، وصار إجمالي ثقل “مثلّثات” أيّ دولة يفوق بمجموعه حصيلة شراكاتها الجزئية المنفردة. سعت الدول جهدها كي لا تنزلق شرقاً أو غرباً، خوفاً من أن تتحوّل إلى دولٍ تابعة في حربٍ باردةٍ جديدة. وكان تأسيس شبكةٍ من العلاقات الثلاثية خطوةً معقولةً من الناحيتين المالية والسياسية. نجحت تركيا وإيران وروسيا في احتواء خلافاتها بشأن سوريا ضمن ما عُرف بـ “مثلّث أستانا”، فيما أدار الثلاثة تناقضاتهم على ساحاتٍ أخرى عبر مثلّثاتٍ موازية مع دول أخرى. وحين بات هذا المثلّث عديم الجدوى، بعدما أُطيحت قوات الأسد سريعاً على يد ائتلافٍ من الفصائل المعارِضة بزعامة هيئة تحرير الشام، ساعدهم المثلّث على الحدّ من خسائرهم وتأمين انسحابٍ نظيفٍ من التزاماتهم في دعم الأسد. فالمثلّثات ليست هياكل دائمة، بل أدواتٌ سياسيةٌ ذات منفعةٍ محدودة.
في الاتجاه الآخر، عقدت روسيا وقطر وإيران شراكةً ثلاثيةً في مجال الغاز، تعويضاً عن تحالف أوبك+ الذي يجمع السعودية وروسيا والإمارات، وتتقاطع فيه مصالح تنظيم أسعار النفط. وفي الوقت نفسه، دخلت روسيا والصين لعبة “المثلّثات” مع عددٍ من الدول الآسيوية، مثل ميانمار، ومؤخراً في أفغانستان. وعلى هذا المنوال، مضيا في ترسيخ تحالف “البريكس” ومعاهدة شنغهاي تدريجياً. بيد أنّ المنافسة ما تزال محتدمة وسط المصالح الجماعية التي تسعى إليها تلك التحالفات وشركاؤها المحتملون. فما يجري داخل ممر أوراسيا لا يزال يُدار بواسطة مثلّثاتٍ صغيرة، تسعى للحدّ من النزاعات الحدودية والتي مازالت تشكل تحديات لبناء الثقة بشكل مطلق على طول المحور الأوراسي. إذا تسعى كل دولتين منهما إلى إنشاء روابط مع أطرافٍ ثالثةٍ، لتعزيز المنافع المشتركة وتقليل فرص الاحتكاك بين الجيران على امتداد ذلك الممر.
على خُطى كيسنجر، حاولت الولايات المتحدة خوض لعبة “المثلّثات” لكبح نفوذ الصين في بحر الصين الجنوبي. غير أنّ النهج المفضّل لديها ظلّ قائماً على الاستفادة من قوتها الهائلة بأسلوبٍ ثنائيٍّ داخل تلك التحالفات الثلاثية، سعياً للاستئثار بالصدارة. وما زالت السياسة الأميركية في هذا المضمار ترتكز على رؤيةٍ قديمةٍ تقوم على اقتسام مناطق النفوذ في إطار تحالفاتٍ صلبةٍ ـ وإن كانت واشنطن لم تعد تقوى على المحافظة عليها ـ بدلاً من اعتماد توازناتٍ دقيقةٍ ومرنة تتناسب مع تعقيدات الجغرافية السياسية الحديثة. تكمن الإشكالية بالنسبة للولايات المتحدة في أنّ بعض أقرب شركائها باتوا ينجذبون نحو علاقاتٍ ثلاثيةٍ مع روسيا والصين. وتُعدّ المصالحة السعودية ـ الإيرانية الأخيرة، التي رعتها الصين، خير مثالٍ على ذلك.
كانت الصين تُفضّل في السابق نهجاً ثنائيّاً في عقد الشراكات، لكنها اليوم تبدو عازمةً على اختبار فكرة بريماكوف. فهي تمدّ جسور تحالفاتها حول العالم، ثنائيّةً تارة وثلاثيّةً تارة أخرى. وقد أضحى العالم متعدّد الأقطاب واقعاً ملموساً أخيراً. لكن، كلّما اتسعت رقعة نفوذ دولةٍ وازدادت سطوتها، ضعفت مقاومتها لإغراء تحويل المثلّثات التي وُضعت لضبط توازناتٍ حسّاسة، إلى علاقات يفرض فيها الطرف الأقوى سطوته عبر تحالفاتٍ غير مرنة ومتسلطة مع الطرفين الآخرين.
ورغم أن مثلّثات بريماكوف باتت وسيلةً متاحة للدول متوسّطة القوّة لتعظيم نفوذها، فإنّ تبعاتها على مناطق النزاع كانت كارثية. إذ نشهد اليوم تجميداً للنزاعات في إفريقيا والشرق الأوسط، نظراً لغياب أي حافزٍ لدى الأطراف الإقليمية والدولية لإنهائها. فالقوى الكبرى والمتوسطة لديها القدرة على إدارة خلافاتها بخوض لعبة “المثلّثات” كي لا تغرق في رمال النزاعات. أمّا الدول المنغمسة في النزاع، فلم يعد هناك دافعٌ حقيقيٌّ لحلّ مشكلاتها. فمهما كانت الانعكاسات الجانبيّة التي قد تؤثّر على جيرانها، يبقى بالإمكان الحدّ من مخاطر انتشارها خارج حدودها من خلال إدارة تلك النزاعات من بعيد، من خلال إعادة معايرة مثلّثاتهم أو إنشاء مثلثات بديلة.
بالنسبة للدول الكبرى والمتوسطة فإن تكلفة إنهاء الحروب وإرساء السلام في جوارها القلق تفوق إلى حدٍّ كبيرٍ التكاليف الهامشية لاستمرارها. فالنزاعات يمكن أن تُجَمَّد في الزمن وتُبعد عن دائرة الأنظار. ولكن مثلثات بريماكوف لا تنفع اللاعبين الأصغر. فصحيحٌ أنّ هذه المثلثات منحت قدراً من الاستقرار لللاعبين المتوسطين والكبار، لكنّها في الوقت نفسه كبّلت حركتهم في المسائل التي لا تشكّل تهديداً فوريّاً لتوازن القوى المحيط بهم. مما يحد من التزامهم مع الشركاء الأصغر، وهو ما واجهه بشار الأسد في نهاية المطاف.
ليس أمام الدول الصغيرة أو تلك التي ترزح تحت وطأة الحروب أيّ خيارٍ سوى اللعب عند حافة الهاوية. فلتفكيك حالة الجمود التي تفرضها مثلثات بريماكوف، تلجأ هذه الدول في كثيرٍ من الأحيان إلى جرّ مناطقها نحو شفير الهاوية والتلويح بشبح الفوضى. وبذلك تستطيع تجاوز وزنها الحقيقي عبر تصعيد التوترات، فتُجبر جيرانها واللاعبين الدوليين الكبار على التدخّل لإنقاذ الموقف. إنّ هذه المقاربة جذّابةٌ؛ إذ إنّ مخاطر الفوضى وتدفّق اللاجئين وتصاعد التطرّف تبدو كافيةً لحمل الجميع على تركيز جهودهم ووقف نزيف الحروب ذات الأبعاد الإقليمية. لكن في كلّ مرّةٍ يحدث ذلك، يزداد تشجيعُ الأطراف المتحاربة على الاقتراب أكثر من حافة الهاوية. وفي بعض الحالات، عندما تتيقّن تلك الأطراف أنّ كلّ المثلّثات قد استُنزفت في سبيل إنقاذها، تمضي قُدماً لتلقي بنفسها في الهاوية بغية تحصيل مزيدٍ من المكاسب. وهذا بالضبط ما فعله الأسد حين سعى إلى استثمار مثلّث أستانا إلى أقصى الحدود، إلى أن تركته روسيا يسقط في الهاوية.
يدرك رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بدوره قيمة اللعب على حافة الهاوية، إذ يظنّ أنّ في وسعه تحريك خيوط العديد من القوى الدولية والإقليمية ليضمن بقاءه في مواجهة أزماته الداخليّة والخارجيّة. وكلّما أجهد اللاعبون الإقليميّون شبكات علاقاتهم الإقليميّة لاحتواء النزاع في غزة، يشعر نتنياهو بجاذبية المزيد من تصعيد الحرب جنياً لمكاسب أكبر. واليوم، وصلت مثلّثات التوازن الإقليميّ إلى حدودها القصوى. ولنزع فتيل الصراعات، يسعى الفاعلون الإقليميّون إلى استحداث أساليب جديدةٍ لضبط شبكاتهم، بل وابتكار شبكاتٍ موازيةٍ إن تطلّب الأمر. فمن جهة، تحاول الولايات المتحدة جذبهم إلى تحالفاتٍ ثلاثيّةٍ مع إسرائيل، ومن جهةٍ أخرى، يدرك هؤلاء أنّ مصالحهم البعيدة المدى ترتبط بعالمٍ متعدّد الأقطاب يضمن لهم حيّزاً أوسع لإدارة شؤونهم بأنفسهم. ومعظم اللاعبين الإقليميين يتعلّمون بالطريقة الصعبة ضرورة الابتعاد عن حافة الهاوية، باستثناء نتنياهو ربما. ولا يمكن لأحدٍ الجزم اليوم ما إذا كانت مطالبته بالمزيد من الدعم لمواصلة حربه ستُلبّى، رغم كلّ العنتريات التي يبديها فريق ترامب في تأييدهم له. ففي نهاية المطاف، فترامب هو الذي رسّخ عالماً يجري فيه مقايضة المصالح على نحوٍ يقتضي أنّ كلّ منفعةٍ تُقدّم على إحدى حوافّ علاقة ما، تُعوّض بمنفعةٍ مقابلةٍ على حافّةٍ أخرى.
ورغم ارتباط اسم بريماكوف بمفهوم المثلّثات، فإنّ لهذه الأداة أصولاً تاريخيّةً ضاربةً في القدم. فالمؤرخون السياسيّون قد يستحضرون مثلاً إرث شبكة المثلّثات التي نسجها أوتو فون بسمارك إبّان عمله على توحيد ألمانيا في القرن التاسع عشر. وُلد بسمارك في أسرة نبيلة تملك مساحةً متواضعة من الأراضي الزراعية، والتزم التزاماً راسخاً بالنظام الملكي حرصاً على تعزيز مكانة الأرستقراطيّة الإقطاعيّة في بروسيا، الولاية الألمانيّة الأكبر آنذاك. بزغ نجمه خلال ربيع الثورات الأوروبيّة عام 1848، مدافعاً شرساً عن النظام الملكي في وقتٍ أوشك فيه القيصر على التخلّي تماماً والاستجابة لمطالب القوى الليبراليّة والثوريّة المتشدّدة. كان الملك الضعيف قد أقرّ بتشكيل برلمانٍ جديدٍ ووضع دستورٍ جديد. تآمر بسمارك كي يحمل هذا الملك على التنازل لصالح شقيقه، بطريقة أثارت ريبة زوجة الشقيق وجعلها تضمر له عدم الثقة. وقد ظلّت مشاعرها تلك ملازمةً لها حتّى بعد سنوات، حين اعتلى زوجها العرش أخيراً وصار القيصر فيلهلم الأوّل.
بحلول أواخر عام 1848، عاد الملكيّون في ألمانيا ـ كما في معظم أرجاء أوروبا ـ لاستعادة مواقعهم. فتراجع القيصر عن كثيرٍ من الإصلاحات التي كان قد تبنّاها تحت وطأة الضغوط. لكن بسمارك، ومعه العديد من أفراد الأرستقراطيّة، شعروا بالقلق حيال طموح القيصر الجامح في توحيد السلطة على حساب إضعافهم بعد تلك الأحداث. فقد اعتادت النخب الإقطاعيّة الحفاظ على نفوذها عبر استثمار مكانتها كطبقةٍ مالكةٍ للأراضي ضمن النظام السياسي المتشظّي الذي أعقب انهيار الإمبراطوريّة الرومانيّة المقدّسة. وفي خضمّ ذلك، برز بسمارك بوصفه ضابطاً عسكريّاً شاباً وواعداً، يتمتّع بحضورٍ لافتٍ وقدرةٍ فائقةٍ على الخطابة والإقناع؛ فكان مدافعاً شديد الشراسة عن النظام القديم.
بيد أنّ ألمانيا المتفكّكة باتت فريسةً سهلةً للقوى الأوروبيّة الأخرى. ورأى القيصر أنّ توحيد ألمانيا سيجعل منها القوّة المركزيّة في القارّة، إلا أنّه لم يكن قويّاً بما يكفي لمواجهة الأرستقراطيّة والكنيسة الكاثوليكيّة بمفرده، إذ تمسّك كلاهما بالنظام القديم لخدمة مصالحه الخاصة المرتبطة بتوحيد ألمانيا تحت حكمه. ولم يكن لدى القيصر من خيارٍ سوى التنازل كثيراً لليبراليين لإضعاف الكنيسة والأرستقراطيين في محاولته توحيد ألمانيا.
وجد المحافظون والأرستقراطيون أنفسهم أمام خياراتٍ محدودة: إمّا الانضمام إلى مشروع الملك وقبول إدارته لمسار الانتقال من ألمانيا المفكّكة إلى الرايخ الموحّد سعياً للحفاظ على ما تبقّى لهم من امتيازات ومكاسب، وإمّا خسارة المواجهة لصالح الليبراليين. في خضمّ ذلك، دفعوا ببسمارك إلى الواجهة ليتصدّر قيادة هذه العمليّة. فأنشأ بسمارك أوّل مثلّثٍ من التحالفات، جمعه مع جنرالَين: أحدهما مارشال عسكري والآخر عنصرٌ رفيعٌ ضمن الهيكل الإداريّ فكسب بذلك الجانبين الميداني والبيروقراطي. وقد ارتفع نجم بسمارك سريعاً بعد أن عُيّن رئيساً لوزراء بروسيا بفضل ذلك التحالف.
مضى بسمارك في تشكيل مثلّثاتٍ سياسيّةٍ داخليّةٍ مختلفة، ترمي إلى ترسيخ نفوذه ضمن نفوذ النظام الملكي الساعي للتوسع في ألمانيا. فتحالف مع حزب الوسط والليبراليين الأقلّ تطرفاً ضدّ الكنيسة الكاثوليكيّة، تلك القوّة النافذة التي ما زالت قادرةً على التأثير في صنع القرار آنذاك والتي شكلت عائقاً أمام نظام ملكي مستقل عن إرادتها. وفي الوقت نفسه، نسج مثلّثاتٍ أخرى مع الأحزاب الصغيرة لضبط نفوذ الكتل الكبيرة. اصطفّ إلى جانب الليبراليين الأقلّ تطرفاً بتبنّي فكرة تأسيس دولة الرعاية الاجتماعيّة في مواجهة الليبراليين الأكثر راديكاليّة والاشتراكيين المطالبين بتحديد الملكيات الخاصة، كلّ ذلك مع حرصه الدائم على الحفاظ على توازنٍ دقيقٍ من الدعم يُبقيه في قلب تلك التحالفات. كانت كتلته في البرلمان صغيرةً نسبيّاً، لكنّه لجأ إلى لعبة “المثلّثات” لحماية موقعه الهشّ من هجمات الليبراليين والاشتراكيين الأكثر تطرّفاً، ومن المحافظين الأكثر تشدّداً على حد السواء.
لجأ بسمارك أيضاً إلى لعبة “المثلّثات” في سياساته الخارجية لاحتواء تدخلات فرنسا والنمسا وروسيا، إذ عمد إلى تبديل تحالفاته باستمرار، موازناً بين قوتين لمواجهة الثالثة في كلّ محطةٍ. وهكذا نسج تحالفاتٍ داخليّةٍ وخارجيّةٍ قادت في نهاية المطاف إلى توحيد ألمانيا عبر مسارٍ طويلٍ وشاق. لكنّ فنّ التوازن في لعبة المثلّثات اقتضى تقديم تنازلاتٍ لشركائه في كلّ مثلّث، ما أفسح المجال للقوى الاجتماعية الناشئة كي تُعظّم حضورها في الساحة السياسيّة. في نهاية الأمر لم تنبثق الأنظمة السياسيّة الليبراليّة والديمقراطيّة في أوربا من صُلب ثوراتٍ جياشة كما تفترض الكثير من السرديّات الرومانسيّة، بل جاءت نتيجة إعادة معايرة دقيقة لتحالفاتٍ جديدةٍ سعت إلى استقرار الدول بعد أزماتٍ وصراعاتٍ عصفت بها.
غالباً ما يُوصَف بسمارك بأنّه المهندس البارع لسياسة السياسة الواقعية أو “الريال بوليتيك” (Realpolitik)، لكن فضل ابتكار هذا المصطلح يعود في الواقع إلى خصمٍ سياسيٍّ له، هو الثائر السابق أوغست لودفيغ فون راوخو. أمضى راوخو جزءاً غير يسيرٍ من شبابه هارباً في دولٍ أوروبيّةٍ عدّة إثر مشاركته في هجماتٍ على وحدات الشرطة في فرانكفورت إبّان شبابه. ومع ذلك، عاد في نهاية المطاف إلى ألمانيا للعمل صحفيّاً خلال ثورة 1848. وعندما باءت الثورة بالفشل، نُفي مجدّداً. وفي منفاه حظي بما يكفي من الوقت للتأمّل، فنشر في 1851 دراسته الشهيرة بعنوان “أساسيات السياسة الواقعية”. ذهب راوخو في دراسته إلى أنّ القيصر والكنيسة والأرستقراطية الإقطاعية شكّلوا مثلّثاً مصيريّاً قضى على الثوّار. ولم تكن تلك القوى، في الأحوال الاعتيادية، على وفاقٍ فيما بينها، وحياة بسمارك نفسها دليلٌ على تناقضاتها. لكنّ الهجمات التي شنّها الثوّار ضدّ الثلاثي الملكي ـ الكنسي ـ الأرستقراطي أجبرت الثلاثة على التحالف معاً، رغم تضارب مصالحهم. ورأى راوخو أنّ على القوى التقدميّة أن تنسج بدورها تحالفاتٍ مع جهاتٍ لا تتفق معها بالضرورة من الناحية الأيديولوجية، إذا أرادت أن تُحدث أثراً حقيقياً في السياسة الألمانيّة. وقد انضمّ هو وحزبه إلى لعبة “المثلّثات” التي أتقنها بسمارك على مدى العقدين التاليين، تلك اللعبة التي أتاحت للقيصر توحيد ألمانيا، ولبسمارك تعزيز سلطته، وللقوى الاجتماعية الديمقراطيّة أن تقيم دولةً دستوريةً ليبراليّةً بنظام رعايةٍ اجتماعيّة يحمي الطبقات العاملة.
كان بسمارك سيّداً في فنّ تحقيق التوازن السياسي عبر نسج “المثلّثات”، لكنَّ لقب “عرّاب المثلّثات” رسا في نهاية المطاف على بريماكوف. وكثيراً ما يُنسَب خطأً لبسمارك ابتكار مصطلح “الريال بوليتيك”، بينما الحقيقة أنّ وضع هذا المفهوم يعود إلى خصمه الليبرالي أوغست لودفيغ فون راوخو. لقد اختبر بسمارك استخدام المثلّثات في إدارة السياسات الخارجيّة، وأعاد بريماكوف إحياءها، غير أنّ انتشارها اليوم يعود إلى عددٍ كبيرٍ من القوى المتوسّطة التي باتت تتقن هذه اللعبة على نحوٍ يفوق ما تخيّله الثلاثة مجتمعين.
ومع ذلك، حين نتحدّث اليوم عن مثلّثات بريماكوف، نميل إلى اعتبارها محض أدواتٍ للسياسة الخارجيّة، وننسى أنّ وظيفتها الرئيسة كانت أساساً في إدارة التوتّرات الداخليّة. فالمتظاهرون الذين خرجوا إلى الشوارع العربيّة مطلع عام 2011، وهم يعتقدون أنّهم يطيحون بالأنظمة ويشيّدون صروح الديمقراطيّة، لم يدركوا كيف استدرجوا مباشرةً إلى لعبةٍ معقّدةٍ من شبكات المثلّثات الداخليّة والخارجيّة على امتداد الإقليم. وفي حين استطاعت بعض الدول التي اجتاحها الربيع العربيّ الاتّكاء على تحالفاتٍ قويّة، لم تحظَ دولٌ أخرى بتحالفاتٍ توازيها في الصلابة. ففي بعض الحالات، نفّذ الجيش انقلاباتٍ صامتةً من خلف الستار، وبدّل شراكات بلاده كي تضمن الدولة العميقة بقاءها، ولو جاء ذلك على حساب التضحية برؤوس الأنظمة الحاكمة. وفي دولٍ أخرى، ظلّت المؤسّسة العسكريّة على ولائها للأنظمة، واستخدمت العنف المفرط للدفاع عنها. وقد حفّز هذا الاختلال في المعادلة القوى الدوليّة والإقليميّة على التدخّل؛ سعياً منها لتعظيم موقعها في تلك المناورات الحسّاسة لتوازنات المثلّثات الإقليميّة. ومن أجل تحقيق مكاسبها، لعبت تلك الدول بورقة دعم الثورات باعتبارها ورقةً تفاوضيّةً، ثمّ استغنت عنهم عند اللحظة المناسبة، ضمن لعبة الشدّ والجذب التي تحكم حسابات هذه المثلّثات.
ما يبعث على الأسى حقّاً هو أنّ عدداً كبيراً من أبناء العالم العربي ما زالوا ينظرون إلى الأمور بعينٍ لا ترى سوى لوني الأسود والأبيض، كما يتجلّى في الخلافات التي نشهدها اليوم في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، حيث يتنازع المجتمع المدني الليبرالي العلماني مع الثوار الإسلاميين المحافظين. في أخر المطاف ففي البلدان التي الخارجة من النزاعات، يلزم للقوى السياسية أن تبدأ بتعلّم قواعد لعبة بريماكوف في مهمة إعادة تشكيل كيان الدولة.
لقد كان بسمارك، الذي نسج طيفاً واسعاً من المثلّثات الدوليّة لترسيخ أسبقيّة بروسيا وتوحيد ألمانيا، بارعاً أيضاً في توظيف المثلّثات الاجتماعيّة والاقتصاديّة وسط القوى السياسيّة الألمانيّة البارزة. لكنّه ما كان ليتمكّن من بناء تحالفاته الثلاثيّة من دون أن يتعاطى مع أشخاصٍ من طراز راوخو. وفي نهاية المطاف، لم يتحقّق التغيير إلّا عندما استطاعت القوى الاجتماعيّة والسياسيّة، على اختلاف توجّهاتها الأيديولوجيّة، إدارة خلافاتها عبر التفاوض الدقيق في أعقاب الثورات.
وفي الخلاصة، قد يكون مصطلح “مثلّثات بريماكوف” في غير محلّه، لكنّ تشكيل تحالفاتٍ ثلاثيّةٍ مدروسةٍ يبقى سبيلاً لا مفرّ منه لإدارة الشؤون الدوليّة والداخليّة. ففي عالمٍ متعدّد الأقطاب، وفي بلدانٍ تخرج من أتون النزاعات، يمثّل البناء المتأنّي لهذه المثلّثات وضبط توازنها مدخلاً واعداً لتعزيز مسارات السلام والتحوّل الديمقراطي، شريطة أن تُدرك الأطراف عبثية الدخول في صراعاتٍ صفريّةٍ على حافّة الهاوية.
العربي الجديد
——————————-
المبعوث الروسي إلى سوريا في طهران ويلتقي لاريجاني وعراقجي
مراقبون في موسكو رأوا أنها في سياق دفع الإيرانيين لعدم التدخل في الوضع السوري الداخلي
موسكو: رائد جبر
21 أكتوبر 2025 م
أبلغ مصدر دبلوماسي روسي «الشرق الأوسط»، أن روسيا تعمل على دفع جهود الاستقرار الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط. وتابع أن زيارة المبعوث الرئاسي الروسي إلى سوريا، ألكسندر لافرنتييف، لطهران، جاءت في إطار «الجهود الروسية الرامية إلى تطبيع العلاقات في المنطقة، ومنع التدخلات الخارجية التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار».
وأفادت وكالة «تسنيم» الدولية للأنباء بأن ألكسندر لافرنتييف، المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا، التقى، يوم الثلاثاء، في طهران، علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، كما أجرى محادثات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
وجاء في بيان إيراني نقلته وسائل إعلام حكومية روسية، أنه «جرى خلال الاجتماع تأكيد الموقف المشترك لموسكو وطهران بشأن التغيّرات في الشرق الأوسط، بما في ذلك ضرورة الحفاظ على وحدة أراضي سوريا، والتصدي لأي تعدٍّ على سيادتها، ومنع تحولها إلى بيئة خصبة للإرهاب».
ورغم أن الزيارة تطرقت أيضاً إلى ملف إعادة فرض العقوبات الأوروبية على إيران، على خلفية النقاشات حول برنامجها النووي، فإن الأنظار اتجهت أكثر إلى توقيت الزيارة، كونها جاءت مباشرة بعد زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو، والمحادثات التي أجراها في الكرملين مع الرئيس فلاديمير بوتين.
وربطت تعليقات محللين وخبراء بين الزيارتين، على خلفية أن لافرنتييف أدار على مدى سنوات الحوارات المتعلقة بالوضع في سوريا، في إطار «مسار آستانة».
ولم تُعلق «الخارجية الروسية» على التقارير الإعلامية التي تحدّثت عن الزيارة، ونقلت وسائل الإعلام الرسمية تفاصيلها عن مصادر إيرانية. لكن محللين في موسكو رأوا أنها تأتي في سياق دفع الإيرانيين لعدم التدخل في الوضع السوري الداخلي.
لكن في سياق موازٍ، قال المصدر الروسي لـ«الشرق الأوسط»، إن زيارة لافرنتييف إلى طهران «تأتي في سياق الجهود التي تبذلها روسيا لتطبيع العلاقات بين جميع بلدان منطقة الشرق الأوسط، بما فيها إيران التي تُعد دولة إقليمية كبرى»، وأشار إلى أن روسيا معنية بمواصلة الجهود لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة القريبة بشكل مباشر إلى حدودها.
وإضافة إلى ذلك، لفت الدبلوماسي إلى أن إيران تعد شريكاً لروسيا، إلى جانب تركيا، في الجهود المبذولة منذ سنوات للتوصل إلى تسوية سياسية للصراع القائم في سوريا.
وقال إن «مجموعة آستانة» عملت بشكل مشترك لمعالجة المهام التي كانت مطروحة عليها في إطار تهدئة الوضع، ووقف النار، وتقليص معاناة المدنيين.
وأضاف أنه مع انتهاء حقبة النظام السابق، وتسلُّم الإدارة السورية الجديدة زمام الأمور، فإن هناك حاجة لـ«مواصلة الجهود والتنسيق بين الأطراف المختلفة، خصوصاً بين روسيا وتركيا وإيران وبلدان منطقة الخليج العربي، لضمان الأمن والاستقرار لكل بلدان المنطقة والعمل على إفشال أي مخططات خارجية تسعى إلى زعزعة الوضع الإقليمي بهدف تكريس الهيمنة على المنطقة وإخضاعها لأهداف ومصالح خارجية»، مشيراً إلى أن هذا يشمل «التحركات التوسعية الإسرائيلية، ومحاولة واشنطن فرض هيمنة مباشرة».
——————————
=======================
تحديث 19 تشرين الأول 2025
———————————-
الشرع وزيارة الضرورة/ عبسي سميسم
19 أكتوبر 2025
شكّل الدور الكبير الذي لعبته روسيا في سورية طوال السنوات الثمانين الماضية عموماً، ودورها السلبي خلال فترة الثورة السورية خصوصاً، أدوات تحكّم روسية في الكثير من القطاعات السورية، التي تُمكّن موسكو من تغيير الكثير من المعطيات على الأرض لصالح الحكومة السورية الانتقالية، أو ضدها، وذلك وفقاً لشكل العلاقة بين الطرفين. هذا الأمر دفع الإدارة السورية للتقارب مع روسيا ليتوّج ذلك بلقاء القمة بين الرئيسين السوري أحمد الشرع والروسي فلاديمير بوتين، مستفيدة من رغبة الروس في الحفاظ على موطئ قدم لهم في سورية، رغم كل المجازر التي ارتكبوها بحق السوريين والدمار الذي خلّفه الطيران الروسي خلال دعمه نظام بشار الأسد.
وتسعى الإدارة السورية من خلال التقارب مع موسكو لتثبيت الأمن الداخلي والحفاظ على وحدة الأراضي السورية بالدرجة الأولى، وذلك بسبب إدراكها حجم أدوات التحكّم التي يتمتع بها الروس في سورية. ففي منطقة الساحل السوري يستطيع الروس من خلال علاقاتهم بضباط نظام الأسد أن يحركوا أو يساعدوا على لجم أي تحرك لفلول النظام السابق، وكذلك الأمر في الجنوب السوري، حيث يتمتع الروس بعلاقات جيدة مع فصائل درعا والقنيطرة التي كانت تقاتل ضد الأسد كون موسكو دخلت وسيطاً في عمليات مصالحة واتبعت هذه الفصائل لها من خلال ما سمي اللواء الثامن. وكذلك الأمر في السويداء، فللروس علاقات جيدة مع المرجعيات الدينية فيها، إلا أن الأهم في موضوع الجنوب بالنسبة للحكومة السورية هو كسب الروس في موضوع التفاوض مع الاحتلال الإسرائيلي من أجل خلق حالة توازن مع الموقف الأميركي المنحاز لإسرائيل.
وفي شرق سورية تمتلك روسيا علاقات جيدة مع معظم قيادات “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، كما تمتلك قاعدة عسكرية في مدينة القامشلي، ما يخوّلها لعب دور مهم لصالح الحكومة السورية في مفاوضاتها مع “قسد” في حال توافقها مع موسكو. كما أن التقارب مع موسكو ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن يضمن التصويت لصالحها أو على الأقل عدم استخدام حق النقض “الفيتو” حيال القرارات المصيرية التي تخص سورية. وإلى جانب الحفاظ على الأمن الداخلي ووحدة الأراضي السورية، هناك مصالح اقتصادية تتعلق ببعض القطاعات التي اعتمدت سابقاً على التكنولوجيا الروسية ويحتاج استمرارها إلى تفعيل اتفاقيات سابقة مع روسيا، بالإضافة إلى موضوع تسليح الجيش السوري الذي اعتمد لعقود سابقة على السلاح الروسي الصنع.
كل هذه الأسباب تجعل من زيارة الشرع إلى موسكو زيارة ضرورة، بعيداً عن موضوع تسليم بشار الأسد وأعوانه وعن المساهمة في تحقيق العدالة الانتقالية، وبعيداً عن الجوانب الإنسانية كالمطالبة باعتذار عما بدر من موسكو من انتهاكات في سورية خلال الفترة السابقة.
العربي الجديد
———————————-
الشرع وبوتين… توازن العلاقات/ فاطمة ياسين
19 أكتوبر 2025
إذا سلمنا بأن روسيا هي وريثة الاتحاد السوفييتي، فإن لسورية تاريخاً معها، من دون إغفال ما مرّ في العقد الأخير باعتباره جزءاً من هذا التاريخ. يمكن الاستفادة من العلاقة التاريخية، خصوصاً أن الرئيس أحمد الشرع قال إن اتفاقاً قد حصل بالفعل مع الروس خلال عملية ردع العدوان، بما سرّع الوصول إلى دمشق، والتخلص نهائياً من حكم الأسد، مع الوضع في الحسبان أن ما جرى خلال سنوات الحرب نقطة شديدة السواد في التاريخ السوري والروسي المشترك. بدا أن الرئيس الروسي بوتين قد قفز فوقها وهو يرحّب في الغرفة المذهبة بالرئيس السوري الجديد، عازماً على البدء بعلاقات جديدة معه لا تستند بأي حال إلى إرث الأسد، ولم يبدُ بوتين مُحرَجاً على الإطلاق، والجميع يعرف أنه “يستضيف” بشّار الأسد على أراضيه ضيافة إنسانية، كما كان قد قال وزير الخارجية لافروف، وهو لا يرغب في التخلي عن هذه الاستضافة لصالح العدالة السورية الكاملة.
لا يبدو أن الشرع قد تغاضى عن فترة الثورة والسلوكيات العسكرية الروسية الإجرامية في سورية، ولكنه أكّد أنه راغب في فتح جميع الأبواب المتاحة أمامه، وهو يرى سورية قطعة من الحطام. رغم مرور حوالى سنة على انتصار الثورة، يحاول الشرع أن يجهز قائمته الخاصة لإعادة إعمار المباني والعلاقات السياسية والحالة الاقتصادية، وتحت هذه العناوين لا يغلق مجالاً مفتوحاً، حتى إن كان باب الروس، فقد أدّى وزير خارجيته أسعد الشيباني زيارة سابقة، وكذلك فعل وزير الدفاع، وكل منهما يحمل ملفات مهمة بين البلدين، ثم وجد الشرع نفسه في وسط موسكو مُحاطاً باحتفاء خاص، بمعنى أن بوتين يرغب بالفعل في أن يقيم علاقات جيدة مع ساكن قصر الشعب الجديد. ورغم أنه كان قد عزّز سلطة بشّار الأسد، إلا أنه يرغب في إبقاء صفحة سورية مفتوحة، وبعناوينها الجديدة التي يمثلها أحمد الشرع. ما يريده الشرع واضح، وقد قاله في مناسبات عديدة، وفي هذه المرّة أيضاً، ويروّس مطالباته باستعادة رؤوس النظام الذين يختفون في موسكو، وتعديل العلاقات بشكلٍ كاملٍ لتصبح ندّية وفيها تبادل منافع، مع الأخذ بالاعتبار الوجود الروسي على الأرض السورية. يمكن أن يحقق الشرع توازناً في العلاقات التي أصبحت شديدة التميز مع الولايات المتحدة والغرب الذي أزال سورية ومسؤوليها الجدد من قوائم الإرهاب ورفعَ العقوبات بشكل كامل. وكي لا تكون الكفّة السياسية شديدة التحيّز، فتح الشرع، بمساعدة من حلفائه، الباب الروسي، وكانت هذه الزيارة تتويجاً للتوازن.
في المقابل، يريد بوتين الكثير من سورية، وقد يكون ما يريده منها يفوق ما يريده الشرع من هذه العلاقة. فروسيا حالياً، وبعد بعض التقدم الميداني الذي حققته بداية الصيف في أوكرانيا، تراجعت مرّة أخرى، لتستقرّ الجبهاتُ على وضعٍ لا يخدمها. وحالة قتالية كهذه تجعل بوتين في موقفٍ غير جيّد، بل تشدّه إلى منطقة الضعف، وتجعله راغباً في مزيدٍ من العلاقات، وحتى إن كانت مع بلدٍ مثل سورية، وهو يستقبل الشرع، وفي نيته أن يضع سورية ضمن البلدان غير المعادية، وهو بحاجةٍ لمثل هذا الموقف في الصفقة المقبلة مع ترامب الذي “حلّ” مسألة غزّة بطريقة استغل فيها إلى أقصى حد فشل العملية الإسرائيلية بقتل قادة حركة حماس، ففرض ترامب ما يريده على نتنياهو الذي تلقى صفعةً قوية. الحال مع بوتين غير مماثل، ولكن ترامب يمكن أن يضع في صالحه الفشل الروسي الجديد في أوكرانيا، وهنا يهيئ بوتين نفسه لكل ما يمكن أن ينتج من حلول ترامب، كذلك يرغب في بقاء قواعده العسكرية في سورية، وهي تشكّل له نقطة تفاوضية لن يفرّط بها، حالياً على الأقل، مهما كان الوضع على الجبهة الأوكرانية، وبوابة هذا بالنسبة إليه استقباله أحمد الشرع في موسكو.
العربي الجديد
—————————–
دمشق تطالب بتسلم بشار الأسد… وبوتين لن يتخلى عنه/ محمد أمين
19 أكتوبر 2025
منذ هروبه من دمشق فجر الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الماضي بمساعدة من الروس، ومصير بشار الأسد يُطرح للتداول الإعلامي والسياسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالعلاقة ما بين روسيا التي منحته “لجوءاً إنسانياً” مع عائلته، وبين الإدارة الجديدة في سورية التي كما يبدو تضع مسألة تسلّم بشار الأسد وأركان حكمه الأمنيين والعسكريين ضمن الأولويات. وقال نائب مدير إدارة روسيا وشرق أوروبا في وزارة الخارجية السورية أشهد صليبي إن الرئيس السوري أحمد الشرع طالب نظيره الروسي فلاديمير بوتين بتسليم بشار الأسد بشكل واضح ومتكرر، أثناء الزيارة التي قام بها الشرع إلى موسكو الأربعاء الماضي. وقال الصليبي، في تصريحات لقناة “الإخبارية السورية”، مساء الجمعة الماضي، إن “الجانب الروسي أبدى تفهماً تجاه تحقيق العدالة الانتقالية في سورية”، مشيراً إلى أنه “جرى الاتفاق مع روسيا على وضع آليات قانونية جديدة للتعاون في ملف المطلوبين والملفات العالقة”، مؤكداً أنه “بُحث ملف المطلوبين من رؤوس المجرمين الأمنيين والعسكريين المقيمين حالياً في موسكو”، ولكنه لم يخض بالتفاصيل.
بشار الأسد في حماية الروس
وكان بشار الأسد وأركان حكمه، خصوصاً الأمنيين والعسكريين، قد فروا فجر الثامن من ديسمبر الماضي بطرق مختلفة عندما كانت الفصائل العسكرية السورية المعارضة له في ذلك الحين تتجه من حمص إلى دمشق، لتُعلن في صباح ذلك اليوم نهاية حكم عائلة الأسد الذي استمر 54 سنة. ووفق التفاصيل المنشورة، نقل الروس بشار الأسد وبعض أفراد عائلته واثنين من مستشاريه الماليين بمدرعة إلى مطار دمشق الدولي قبل منتصف ليل السابع ـ الثامن من ديسمبر الماضي، فاستقل طائرة إلى قاعدة حميميم الروسية ومنها إلى موسكو حيث منحه الرئيس الروسي “لجوءاً إنسانياً”. وبحسب تقرير نشرته صحيفة دي تسايت الألمانية قبل أيام، يعيش بشار الأسد في موسكو “حياة تجمع بين الرفاهية المفرطة والعزلة الكاملة”، وأنه تحت “حماية مباشرة من الكرملين”. ووفق تقارير إعلامية من موسكو، تملك عائلة الأسد نحو 20 شقة فخمة موزعة على ثلاثة طوابق في ناطحة سحاب وسط موسكو.
وبحسب تقرير الصحيفة الألمانية يقضي بشار الأسد ساعات طويلة مع ألعاب الفيديو، ويزور المراكز التجارية في موسكو بين حين وآخر، بينما يقيم شقيقه ماهر في فندق خمس نجوم. ونفى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الأسبوع الماضي صحة الأنباء عن تعرض الأسد لمحاولة تسميم في موسكو. وقال خلال لقاء مع ممثلي وسائل إعلام: “منحنا اللجوء لبشار الأسد وعائلته لأسباب إنسانية بحتة. لا يواجه أي مشكلات في العيش في عاصمتنا، ولم تحدث أي حالات تسمم”. وكانت روسيا قد تدخلت بشكل مباشر في سبتمبر/ أيلول من عام 2015، إلى جانب بشار الأسد ضد المعارضة السورية، وشنت على مدى نحو تسع سنوات حملات قصف جوي أدت إلى مقتل وإصابة آلاف من السوريين، فضلاً عن تدمير هائل طاول مدناً وبلدات.
رصد
“بيت من ورق”… كيف قرأت الصحافة الروسية إسقاط نظام الأسد؟
وتشير المعطيات إلى أن موسكو لا تنوي تسليم بشار الأسد للحكومة السورية الجديدة، وترى أن المطالبة به من قبل دمشق “أمر غريب”، بحسب توصيف النائب الأول لرئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما الروسي دميتري نوفيكوف. وزعم البرلماني الروسي قبل أيام أن الأسد “كان في الماضي قائداً منتخباً وفقاً للتشريعات السورية”، مشيراً في حديث مع وسيلة أنباء محلية إلى أنه “قد يتعرض للتصفية في حال إعادته إلى سورية”. وقال إن “العديد من الشخصيات السياسية السابقة من دول مختلفة توجد داخل الأراضي الروسية، بما في ذلك الرئيس الأوكراني الأسبق فيكتور يانوكوفيتش”، مضيفاً: “لو سلكت روسيا هذا الطريق سيعني تناقضها مع مبادئ حقوق الإنسان”.
وجزم المحلل السياسي المختص بالشأن الروسي طه عبد الواحد، في حديث مع “العربي الجديد”، أن روسيا “لن تسلّم الأسد أو أحد أفراد عائلته على الأقل ما دام بوتين في السلطة”. وتابع: “المسألة ليست متعلقة بالأسد وأمواله في روسيا، بل مرتبطة بهيبة فلاديمير بوتين وسمعة بلاده في العالم. لن يقوم بوتين بأي إجراء بحق الأسد يوحي لحلفائه بأنه شريك غير موثوق به ويمكن أن يتخلى عن الأصدقاء في صفقات”. وأعرب عن اعتقاده بأن نظرة بوتين لبشار الأسد “لا تحمل احتراماً”، مضيفاً: “لقد أحرج الروس كثيراً منذ عام 2016 في المحافل الإقليمية والدولية بسبب وعوده الكاذبة في ما يخص العملية السياسية قبل سقوطه”. وبرأي عبد الواحد “ربما يتم تسليم بعض الضباط المتهمين بارتكاب مجازر للحكومة السورية”، مشيراً إلى أنه “ربما تبحث روسيا أيضاً في موضوع الأموال التي سرقها هؤلاء الضباط من سورية” مع الحكومة السورية الجديدة. والى جانب الأسد وعائلته وشقيقه ماهر، يُعتقد أن عشرات ضباط النظام البائد العسكريين والأمنيين وصلوا إلى روسيا بعد الثامن من ديسمبر الماضي، بطرق مختلفة، ومن بينهم سهيل الحسن الذي كان يُنظر إليه على أنه “رجل روسيا” في سورية، إضافة إلى كمال حسن الذي كان رئيس شعبة المخابرات العسكرية وكان يُوصف بـ”رجل المهمات القذرة”.
مطلوبون وتمرّد الساحل
وبحكم المؤكد وجود وزير دفاع النظام علي عباس، ورئيس أركانه عبد الكريم إبراهيم في روسيا، إضافة إلى قحطان خليل الذي كان يرأس جهاز المخابرات الجوية وهو الجهاز الذي كان الأكثر فتكاً بالسوريين. وأدى عدد من أركان النظام البائد الفارين إلى روسيا، وفي مقدمتهم محمد جابر، دوراً في محاولة التمرد العسكرية في مارس/ آذار الماضي، في الساحل السوري والتي أفضت إلى مقتل عدد كبير من المدنيين أثناء التصدي لها، وإجهاضها. وأبدى الخبير القانوني محمد صبرا، في حديث مع “العربي الجديد”، اعتقاده بأن “روسيا بوضعها الحالي لن تتعاون مع الجهود الدولية لمنع الإفلات من العقاب”، مضيفاً: “روسيا عضو دائم في مجلس الأمن وتقع عليها التزامات قانونية بموجب الميثاق، إلا أنها دولة تنتهك القانون الدولي”. وتابع: “هي (روسيا) متهمة أصلاً بارتكاب جرائم حرب، سواء في سورية أو في أوكرانيا، وهناك مذكرة توقيف صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق فلاديمير بوتين”.
العربي الجديد
———————————-
من كهوف إدلب إلى الكرملين/ إبراهيم حميدي
آخر تحديث 19 أكتوبر 2025
خلال عشرين عاما، تنقّل أحمد الشرع بين أكثر من خمسين منزلا وسجنا وكهفا، وارتدى أسماء مستعارة كثيرة، قبل أن يستقر رئيسا في القصر الرئاسي في دمشق وخطيبا في الأمم المتحدة وضيفا في الكرملين.
قبل عقدين، كان “أمجد مظفر” يقاتل الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس في الموصل بعد غزو العراق في 2003. وفي سبتمبر/أيلول الماضي، جلس رئيسا يحاوره بترايوس جنرالا متقاعدا إلى طاولة في أروقة نيويورك، قبل أن يزور قائد القيادة المركزية الأميركية، براد كوبر، دمشق للبحث مع الشرع في سبل التعاون لمحاربة “داعش” وبقية التنظيمات الإرهابية.
وكما كان لقاء الشرع مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 14 مايو/أيار الماضي حدثا استثنائيا، حصل بعد عشرين عاما من اليوم نفسه الذي اعتُقل فيه “أمجد مظفر” لأنه قاتل الأميركيين في العراق، فإن استقبال الرئيس فلاديمير بوتين للشرع في الكرملين، بعد مرور عقدٍ على التدخل الروسي في سوريا عام 2015 لإنقاذ نظام الأسد، لا يقل أهمية أو رمزية.
فعلى مدى عقدٍ من الزمن، كانت طائرات بوتين تلاحق عناصر “هيئة تحرير الشام” وقائدها “أبو محمد الجولاني” في مغارات إدلب وكهوفها. أما اليوم، فقد جلس “القيصر” و”الرئيس” في الكرملين، يتباحثان حول مستقبل العلاقات الروسية-السورية، في مشهدٍ يلخّص تبدّل الأزمنة وتغيّر الأسماء والأدوار وثبات الوجوه وتغيرها.
زيارة الشرع إلى موسكو ليست مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل عودة إلى مشهدٍ قديم-جديد، وإلى علاقةٍ صاغت عقودا من التاريخ بين دمشق وموسكو، وتُرسم اليوم في ضوء معادلاتٍ مغايرة في البلدين والإقليم والعالم.
فالذاكرة السورية ما زالت تحفظ كيف كانت روسيا، يوم كانت تُدعى الاتحاد السوفياتي، حاضرة في كل زاوية من القرار السوري: في التسليح والتعليم والسياسة والأيديولوجيا والطموحات. كانت موسكو الحليف البعيد القريب، تحاول أن تنافس واشنطن بندّية، ما منح دمشق شعورا دائما بأن في ظهرها قوة كبرى تحميها ومجالا للمناورة بين لاعبين كبيرين: الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي.
لكن تلك العلاقة تراجعت مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانشغالات روسيا وخيارات سوريا، قبل أن تعيد الحرب السورية فتح أبواب التاريخ مجددا. وحين خرج السوريون إلى الشوارع في ربيع عام 2011 مطالبين بالحرية، اختار بوتين أن يقف في الجهة المقابلة، معتبرا الثورة مؤامرة غربية، ورأى في بقاء بشار الأسد ونظامه ضمانة لمصالح روسيا ولمفهوم الدولة، بل لمفهوم النظام الدولي الذي يسعى إلى ترميمه.
هكذا، تحوّل الدعم السياسي إلى “فيتو” في مجلس الأمن، ثم إلى طائراتٍ وقواعدَ عسكرية غيّرت وجه الحرب ومصير النظام. ومنذ ذلك الحين، صار الأسد مدينا لبوتين بالبقاء، وصارت سوريا بوابة روسيا إلى المتوسط، ومفتاح حضورها في الشرق الأوسط وأفريقيا.
لكن موسكو لم تكن يوما وفيّةً إلى حدّ العمى، فقد أدركت أن في سوريا لاعبا آخر لا يمكن تجاوزه هو رجب طيب أردوغان، وأن في الشمال الغربي صاعدا لا يمكن محوه، هو “أبو محمد الجولاني”. في شمال غربي سوريا، نسجت شبكة تفاهماتٍ معقدة جمعت بين التصادم والتقاطع. من آستانه إلى سوتشي، ومن موسكو إلى أنقرة ومن إدلب إلى حميميم، كانت الجغرافيا تُرسم وفق موازين الطائرات والمصالح.
تركيا ضمنت حدودها وأمنها، وروسيا ضمنت قواعدها ومناطق نفوذها، أما سوريا فكانت في انتظار الزلزال، بسقوط الأسد وانتصار الشرع.
اليوم، وبعد سقوط النظام السابق، تعود موسكو ودمشق لتفتحا باب السياسة مجددا بوجهٍ جديد. الشرع في الكرملين ليس زائرا عابرا، بل حامل فكرة: أن تستعيد سوريا موقعها في لعبة التوازنات الدولية، لا في اصطفافاتها القديمة.
يدرك الرئيس السوري أن إعادة ترميم العلاقة مع روسيا ليست ترفا، بل ضرورة لتخفيف وطأة الحضور الأميركي والتوغّل الإسرائيلي، ولإحياء مساحة المناورة التي فقدتها دمشق طويلا ولاستعادة الجغرافيا السورية.
أما القيصر الروسي، فيرى في العلاقة مع سوريا رصيدا إضافيا في معادلة الشرق الأوسط: يفاوض بها إسرائيل، ويوازن بها تركيا، ويواجه بها واشنطن من موقعٍ متقدم على المياه الدافئة، من المتوسط إلى أفريقيا.
هكذا يلتقي الخصمان مجددا، لكن من موقعين مختلفين: في الكرملين لا في الميدان. في الحوارات لا في الغارات. في العقود لا في الكهوف. سوريا تبحث عن توازنٍ يحميها، وروسيا تبحث عن نفوذٍ يكرّس حضورها. وبينهما، تتقاطع الذاكرة مع المصالح، والتاريخ مع الجغرافيا، في لحظةٍ يبدو فيها أن الشرق الأوسط يُعاد تشكيله مرة أخرى، من بواباتٍ كثيرة… ودمشق إحداها.
المجلة
——————————————-
تطبيع العلاقات السورية – الروسية بين الخيار الإستراتيجي والترف السياسي/ مصطفى إبراهيم المصطفى
2025.10.19
يُخبرنا التاريخ أن العداوة ليست أبدية، وأن المصالح، والدين، والتجارة، والتهديدات المشتركة يمكن أن تحوّل الخصومة إلى تحالف. فالعلاقات؛ سواء بين الشعوب أم بين الأفراد والجماعات تتبدّل بتبدّل الظروف، وغالبًا ما تنتصر البراغماتية على الكراهية. ضمن هذا السياق جاءت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى موسكو، ولكن بوجود أعداء للحكومة يحاولون التشكيك بكل ما تفعله الحكومة، وبوجود البعض ممن يفكرون بعواطفهم؛ أثارت هذه الزيارة جدلا واسعا بين السوريين، فهل كان تطبيع العلاقات مع موسكو خيار خاطئ؟ أم هو خيار يندرج في سياق البرغماتية يمكن الاستغناء عنه؟ أم أنه خيار إستراتيجي؟
تطبيع العلاقات بين الأعداء ظاهرة تاريخية
لا يعد تطبيع العلاقات والتقارب بين الأعداء – كما يحصل بين سورية وروسيا – سابقة في العلاقات الدولية، إنما هو سلوك مكرر ومعروف، فمنذ العصور القديمة، شهد التاريخ الإنساني تحوّلات كثيرة في العلاقات بين الدول والشعوب، حيث تحوّل الأعداء إلى أصدقاء نتيجة لتغيّر المصالح أو الظروف السياسية والاقتصادية أو بسبب الحروب نفسها، والتاريخ زاخر بالأمثلة التي يرجع بعضها لعهد الفراعنة. بل كانت الشعوب تتعايش مع الغزاة وتخضع لحكمهم. ومن أهم الأمثلة على ذلك: التحوّل في العلاقة بين الفرس والعرب، فبعد الفتح الإسلامي، أصبح كثير من الفرس جزءًا من الدولة الإسلامية وأسهموا في نشر العلوم والإدارة والفكر الإسلامي، ما خلق اندماجًا حضاريًا كبيرًا.
أما في العصر الحديث، فالأمثلة على ذلك متعددة، ولعل المثال الأبرز هو العلاقة بين أميركا واليابان؛ فمن قرأ تاريخ اليابان وقرأ عن نهضتها التي أصبحت مضربا للأمثال؛ سيكتشف بسهولة أن العامل الأبرز من عوامل نهضتها الحديثة أنها انصاعت لإملاءات العدو الذي هزمها شر هزيمة في الحرب العالمية الثانية بعد إلقاء القنبلتين الذريتين على “هيروشيما” و”ناغازاكي”، فبعد الحرب، ساعدت واشنطن في إعادة إعمار اليابان عبر “خطة دوغلاس ماك آرثر”، وأصبحت اليابان حليفًا رئيسيًا لأميركا في آسيا. ولكن هنا لا بد من تسجيل ملاحظة: صحيح أن العلاقة بين اليابان وأمريكا تصلح كمثال عن الصداقة بعد العداء، ولكن في المثال السوري لم تكن سورية هي الدولة المهزومة.
لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل مصالح دائمة
لا تقوم العلاقات بين الدول على الحب أو الكراهية، بل على تقاطعات المصالح، فالعداوات والتحالفات تتغير بتغير الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية. إنها قاعدة السياسة الواقعية التي لخصها اللورد “بالمرستون” بقوله: “لا توجد صداقات دائمة، ولا عداوات دائمة، بل مصالح دائمة”. هذا المبدأ يعبّر عن الواقعية السياسية التي تقوم على أن الدول تتصرف وفق ما يخدم بقاءها وقوتها ونفوذها، لا وفق العواطف أو الأخلاق المجردة. وفي الحقيقة أن هذا المبدأ لا يحكم العلاقات بين الدول وحسب، وإنما يحكم العلاقات الإنسانية بالعموم، فالمصلحة قد تجمع بين أشخاص فرقتهم الخصومات، أو تفرق بين قلوب جمعها الودّ.
بمعنى آخر، وبمنظور موضوعي؛ يعد تطبيع العلاقات بين سورية وروسيا سلوكا طبيعيا من المفترض ألا يثير حفيظة السوريين، والأمثلة على سلوك مشابه في العلاقات الدولية والعلاقات الإنسانية أكثر من أن تحصى، فمن منا من لم يحدث معه، أو لم يشاهد في محيطه تقلبا في العلاقات تحت ضغط وتأثير المصالح؟ إن تعقيدات المشهد السوري تفرض على الحكومة السورية تطبيع العلاقات مع روسيا لما لها من نفوذ إقليمي ودولي مؤثر في الملفات السورية الحساسة، كملف سورية وإسرائيل وملف العقوبات الأممية. هذا عدا عن المصالح المشتركة على جميع المستويات نتيجة لعلاقة تاريخية امتدت لعشرات السنوات. بالإضافة إلى ذلك؛ فاستعداء روسيا – بمنظور ما – قد يكون خطأ إستراتيجيا، وذلك لسببين:
الهروب من هيمنة أميركا
لدى أنصار النظرية الواقعية في العلاقات الدولية قاعدةً صارمةً مفادُها: إنّ القوى الكبرى تتوازن ــ داخليًّا أو خارجيًّا أو كليهما ــ ضد الطامحين للهيمنة؛ فإمّا تلجأ لزيادة موارد قوتها (توازنٌ داخلي)، وإمّا إلى التحالفات (توازنٌ خارجي)، أو تفعل الأمرين معًا. ويستخلص الباحثون هذه القاعدةَ ممّا تقرّره نظريتا «ميزان القوى» و«الواقعية الدفاعية» (وهما من تفرّعات الواقعية الجديدة). فـ«ميزانُ القوى» يشير إلى أنّ الدول تضمن بقاءها بمنع قوةٍ من الهيمنة، إذ تتحد الدول الأضعف ضدّ الدولة الأقوى، ويكون النظامُ الدوليُّ أكثرَ استقرارًا عندما تتوزّع القوةُ أو تتوازنُ بين القوى العظمى.
شئنا أم أبينا؛ نحن اليوم نعيش فترة نظام دولي “أحادي القطب” رغم تشكيك عدد من المنظرين الدوليين بذلك، ورغم تحذير كبار منظري الواقعية لأميركا من السعي إلى الهيمنة؛ لاحظ بعض قادة العالم أن أميركا تجنح أحيانا نحو الهيمنة، ولكن رد الفعل لم يكن كما تتنبأ النظرية الواقعية تماما، وإنما بأسلوب معدل. أي، لم تتحد الدول الأضعف أمام أميركا، إنما بدأت بعض القوى بفتح قنوات اتصال مع قوى دولية غير قانعة؛ تماما كما فعلت تركيا بتقاربها مع روسيا مع احتفاظها بعلاقاتها مع أمريكا، أو كما فعلت دول الخليج بعدها، فقادة هذه الدول وغيرهم بدؤوا يشعرون بالتوجس من ارتباطهم كليا بأميركا والانصياع لإملاءاتها التي يغلب عليها طابع الهيمنة. وهذا السبب الأول الذي قد يجعل من استعداء روسيا خطأ إستراتيجيا.
عندما تتحول المعلومة إلى هاجس
وصل أبو الفضل الشيبي إلى رئاسة أذربيجان كأول رئيس بعد الاستقلال كزعيم للجبهة الشعبية الأذرية (1992) ببرنامج سياسي يركز كثيرا على الأصول التركية للشعب الأذري، وكان من بين وعوده الانتخابية: تطوير التعاون مع تركيا باعتبارها الوطن الأم، والعمل على إقامة أذربيجان الكبرى، بالإضافة إلى الاستغلال المستقل للثروة النفطية الأذرية بعيدا عن السيطرة الروسية. في هذا السياق أنشأ الرئيس أبو الفضل الشيبي مجمع “كونسورتيوم” من مجموعة شركات أميركية وبريطانية ونروجية وتركية وأذرية لاستغلال النفط على نطاق واسع؛ لدرجة أن العملية اصطلح على تسميتها: “صفقة القرن”. لكن الذي حضل أن “الشيبي” لم يتمكن من الاستمرار في السلطة أكثر من عام واحد.
إن تحدي روسيا وإيران بكل ما تملكه هاتان القوتان من أدوات الضغط على أذربيجان عجل بإسقاط الرئيس “الشيبي”، وكانت عقيدته التركية عقبة أمام فهمه للجغرافيا السياسية المحيطة ببلاده، فقد تحدى النفوذ الروسي معتمدا على أنقرة، في حين أثار غضب إيران بمناداته بأذربيجان الكبرى. لم تكن هذه المعلومات شديدة الأهمية في سياق كتاب “دراسات المناطق”، إلا أن الشبه الشديد مع الحالة السورية من جهة أشخاص اللاعبين وتموضعهم؛ جعل من هذه المعلومات هاجسا يؤرق كاتب المقال. لذلك، بعد سقوط النظام البائد لو طلبت الحكومة منه استشارة لقال: إياكم واستعداء إيران وروسيا معا. وهذا هو السبب الثاني الذي قد يجعل من استعداء روسيا خطأ إستراتيجيا.
بناء على ما سبق؛ لم يكن خيار تطبيع العلاقات مع روسيا مجرد ترفا سياسيا، وإنما هو خيار استراتيجي شديد الأهمية؛ لما لروسيا من نفوذ دولي وإقليمي يؤثر بشكل عميق ومباشر في الملف السوري شديد التعقيد. أما بخصوص الجدل الذي أثارته قضية التطبيع؛ فالمشكلة لا تكمن في القضية بحد ذاتها، بل في طريقة عرضها من قبل بعض أعداء الحكومة، وفي طريقة فهمها من قبل من تغلب العاطفة على أفكارهم.
تلفزيون سوريا
————————————-
هذا ليس نقد سياسي، إنها مزايدات رخيصة
سوريا وروسيا: لنقرأ المثل الياباني والفيتنامي والجزائري !
أثارت زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى روسيا ردود فعل متباينة، ولا سيما من قبل بعض السوريين الذين عبّروا عن رفضهم للتقارب مع موسكو، بسبب مساندتها النظام السابق خلال سنوات الحرب، ومسؤوليتها عن القصف والتدمير الذي طال العديد من المدن والمناطق السورية، في مواقف لا تخلو من جهل بالسياسة و من مزايدة حيث ظهر بعض المنتقدين كما لو أنهم ناطقين باسم الضحايا.
لكن، وبغض النظر عن المزايدات هذه ، ورغم مشروعية الألم والمعاناة التي خلفتها سنوات النزاع، إلا أن النظرة الواقعية للسياسة تفرض قراءة مغايرة، تضع مصالح الدول والشعوب فوق الحسابات العاطفية أو الذاكرة المثقلة بالجروح والدم.
الرئيس الشرع، ومنذ توليه السلطة، عبّر مراراً عن رغبته في إعادة سوريا إلى الخارطة الدبلوماسية العالمية، وكسر العزلة التي خنقت البلاد لسنوات. وزيارته إلى موسكو تأتي ضمن هذا التوجه المصلحي، الرامي إلى بناء علاقات متوازنة مع القوى الكبرى، بما يخدم مصالح سوريا في إعادة الإعمار، جذب الاستثمارات، وتثبيت الاستقرار.
التاريخ مليء بأمثلة لدول خاضت حروباً دامية، سقط فيها آلاف القتلى، لكنها تمكنت لاحقاً من طيّ صفحات الماضي، وبناء علاقات استراتيجية مع “أعداء الأمس”. الجزائر، على سبيل المثال، عانت ويلات الاستعمار الفرنسي لأكثر من 130 عامًا، قُتل خلالها أكثر من مليون جزائري. ورغم ذلك، اليوم تربط الجزائر بفرنسا علاقات دبلوماسية واقتصادية متقدمة، وتبادل تجاري وثقافي واسع.
كذلك، الولايات المتحدة الأمريكية ألقت قنبلتين نوويتين على اليابان في الحرب العالمية الثانية، أودتا بحياة مئات الآلاف في هيروشيما وناغازاكي. ومع ذلك، أصبحت اليابان واحدة من أقرب الحلفاء للولايات المتحدة في آسيا، بعلاقات سياسية واقتصادية وعسكرية عميقة. والشيء نفسه ينطبق على العلاقات بين واشنطن وهانوي، فرغم حرب فيتنام التي خلفت مئات الآلاف من القتلى، فإن العلاقات بين البلدين اليوم تشهد تعاوناً في مجالات الدفاع والتجارة والتعليم.
ما تقدمه هذه الأمثلة هو درس واضح في السياسة الدولية: المصالح تتفوق في النهاية على الجروح والدم والذاكرة، والدول التي تنجح في تجاوز مآسي الماضي هي التي تضع رفاه شعوبها وأمنها القومي في مقدمة أولوياتها. ليس في ذلك خيانة للذاكرة أو تنكّر للتضحيات، بل هو اعتراف بضرورة البناء على الحاضر من أجل المستقبل، بدلاً من الارتهان لدوائر الانتقام أو العزلة.
إن إعادة العلاقات مع روسيا لا تعني تبرئة مواقفها السابقة أو تجاهل الألم السوري، لكنها تمثل خطوة في إطار رؤية سياسية جديدة أكثر توازناً. فروسيا، بحكم دورها الإقليمي والدولي، تظل لاعباً أساسياً لا يمكن تجاهله في الملفات السورية الحساسة، سواء في ما يتعلق بإعادة الإعمار أو إعادة اللاجئين أو حتى فيما يخص ملف سوريا وإسرائيل بكل تشعباته.
الادارة الجديدة في سوريا، من الواضح أنها تدرك تعقيدات المشهد السوري، لكنها تراهن على مبدأ “الانفتاح دون التبعية”، والعلاقات المتوازنة مع الجميع دون ارتهان لمحاور. وهي بذلك تسير على خطى كثير من الدول التي نهضت من رماد الحروب، مستندة إلى الواقعية السياسية، لا الخطابات الشعبوية.
في النهاية، فإن بناء الدولة الحديثة لا يتم عبر اجترار الماضي، بل عبر شجاعة الاعتراف به، وتجاوزه، وتوظيفه لصياغة مستقبل يليق بالسوريين، يضع كرامتهم وأمنهم ورفاههم في صدارة الأولويات..
شعبان عبود
————————
بين دمشق وموسكو… إسرائيل الحاضر الدائم/ خيرالله خيرالله
الاثنين 2025/10/20
إذا نظرنا إلى تاريخ العلاقة بين روسيا وسوريا، وقبل ذلك بين الإتحاد السوفياتي وسوريا، نجد أنّ الزيارة التي قام بها الرئيس أحمد الشرع لموسكو أخيرا تسمح بالكلام عن فتح صفحة جديدة في العلاقة بين بلدين مارس كلّ منهما، على طريقته، سياسة تتسم بالانتهازية.
بين الانتهازية التي مارسها حزب البعث بشعاراته البالية المعادية للغرب، حتى في مرحلة ما قبل وضع يده على سوريا ابتداء من آذار – مارس 1963… وبين انتهازية موسكو، كان هناك دائما رابح واحد وحيد من طبيعة العلاقة بين الكرملين ودمشق. هذا الرابح هو إسرائيل.
لم تستفد إسرائيل من الوضع الداخلي السوري، خصوصا من شخص حافظ الأسد الذي ركّز منذ بدء صعود نجمه إثر انقلاب 23 شباط – فبراير 1966، على إقامة نظام أقلوي في سوريا وحمايته إسرائيليا فحسب، بل استفادت أيضا من انكشاف الضعف السوري في حرب حزيران – يونيو 1967. تجلّى ذلك الضعف بتسليم الأسد، الذي كان وزيرا للدفاع وقتذاك، الجولان لإسرائيل. لا يزال الجولان محتلا منذ 58 عاما.
كذلك، لا يزال السؤال الذي، لا جواب عنه إلى يوما هذا، ما الذي فعلته موسكو لتفادي حرب الأيام الستة، علما أنّها كانت على علم بتفاصيل موازين القوى في المنطقة؟ لماذا سمحت بنشوب تلك الحرب التي حرضت عليها سوريا ووقع الضابط الريفي جمال عبد الناصر في فخها؟ لدى محاولة الإجابة عن هذا النوع من الأسئلة، يتبادر إلى الذهن جواب منطقي واحد. كان لدى الإتحاد السوفياتي هدف واحد يتمثّل في إضعاف سوريا كي تكون أكثر تحت رحمته ورحمة أسلحته التي لا تفيد في الحروب بمقدار ما تفيد في قمع الشعوب…
فتحت زيارة الشرع لموسكو واللقاء الذي عقده مع الرئيس فلاديمير بوتين صفحة جديدة بين البلدين. تظهر الصفحة الجديدة عمق الحضور الإسرائيلي في العلاقة المختلفة بين موسكو ودمشق ومحورية هذا الحضور. على سبيل المثال وليس الحصر، لا يمكن أن يكون هناك دور روسي في الجنوب السوري مستقبلا من دون تفاهم مع إسرائيل في شأن هذا الدور وطبيعته.
ليس سرّا حصول اتصالين بين بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو قبيل وصول الرئيس السوري إلى موسكو. يعني ذلك، في طبيعة الحال، أن البحث بين الرئيسين السوري والروسي تطرّق إلى استمرار تسليح الجيش السوري وإرسال قطع غيار، على رأسها قطع غيار للدبابات والمدرعات. لكنّ ذلك سيكون بضوء أخضر إسرائيلي ليس إلّا.
إضافة إلى ذلك، لا يمكن لروسيا البقاء في قاعدة حميميم الجوية قرب اللاذقية وقاعدة طرطوس البحرية من دون تفاهم مع إسرائيل. تريد روسيا البقاء في هاتين القاعدتين. بدت موسكو مستعدة للبحث في شروط جديدة تتحكّم بهذا الوجود مع الحكومة السورية.
إلى ذلك، يوجد حديث خارج القنوات الإعلامية عن نقاش روسي – سوري محوره موضوع المقاتلين الأجانب، الروس والشيشان تحديدا، في سوريا خصوصا أولئك الذين انضمّوا إلى “هيئة تحرير الشام”، ومستقبل بقائهم آو عودتهم.
الأكيد أنّه كانت هناك متابعة لموضوع الأموال السوريّة المودعة أو المجمدة في مصارف روسية وهي تابعة لرجال أعمال سوريين تابعين للنظام السابق. هؤلاء بقوا في سوريا وسوّوا وضعهم أمنيا. لكنّ روسيا ما زالت تتحفظ عن تلك الأموال التي تعود إلى أشخاص معيّنين. يبقى الأهم من ذلك كلّه موضوع الديون السورية مع روسيا خلال السنوات الأخيرة والتي استخدمها بشّار الأسد لشراء أسلحة ومعدات للمحافظة على نظام لم يمتلك يوما أيّ شرعيّة. حافظت موسكو على علاقتها القويّة بالنظام العلوي على الرغم من أنّ حافظ الأسد لم يبحث يوما سوى عن ضمانة إسرائيلية.
توجد لدى روسيا حاجة للإدارة السورية الجديدة نظرا إلى أنّ لديها مصالح كبرى في سوريا، من بينها قاعدة حميميم التي تعتبر مطارا تتوقف فيه طائرات الشحن الروسية في طريقها إلى القارة الإفريقيّة. لا تريد الخروج من سوريا بسبب تغيير نظام الحكم. لكنّ متابعين للموضوع السوري يعتقدون أنّه يجب توخي الحذر من تداعيات تحسين العلاقات مع روسيا في ظل المزاج المتقلب للرئيس ترامب والوضع الحالي في أوروبا المعادي للحرب الروسية على أوكرانيا.
تجاهل الشرع مشاركة روسيا، بناء على طلب إيراني مباشر حمله قاسم سليماني إلى موسكو، في الحرب التي شنّها بشّار الأسد على الشعب السوري. لعب سلاح الجو الروسي انطلاقا من حميميم دورا أساسيا في منع سقوط الساحل السوري في يد المعارضة خريف العام 2015.
أي دور لروسيا في سوريا مستقبلا وهل يفيدها هذا الدور في إيجاد توازن مع أميركا وأوروبا يصبّ في مصلحة النظام الجديد؟ الأكيد أن أحمد الشرع ما كان ليذهب إلى موسكو، وأن يرسل إليها قبل ذلك وزير الخارجيّة اسعد الشيباني، لولا دور تركي في تسهيل الزيارة الرئاسيّة. توجد علاقات متميّزة بين الرئيس الروسي والرئيس رجب طيب أردوغان. كان من بين الأخطاء التي عجّلت في سقوط بشّار الأسد تجاهله لنصائح بوتين رافضا السير في اتجاه مصالحة مع أردوغان. ركب بشّار في الشهور التي سبقت فراره رأسه. ظنّ أنّه سياسي محنّك وذهب بعيدا في معاداة تركيا والاتكال على استمرار الحماية الإسرائيلية له. كذلك، اتكل على مراعاة إسرائيليّة لعلاقته بإيران غير مدرك أنّ “قواعد الاشتباك” بين “حزب الله وإسرائيل تغيّرت، بل لم تعد موجودة، في ضوء “طوفان الأقصى” و”حرب إسناد غزّة”.
في العلاقة السوريّة – الروسيّة، وقبلها العلاقة السوريّة – السوفياتيّة، كانت إسرائيل حاضرة. سيزداد حضورها الآن في ضوء الوضع السوري الداخلي، الذي أقلّ ما يمكن أن يوصف به أنّه في غاية التعقيد تفرض مصالحات داخلية حقيقيّة مع الدروز والسنّة والعلويين، وهي مصالحات ليس ما يشير إلى الفريق المحيط بأحمد الشرع استطاع القيام بها…
إعلامي لبناني
العرب
————————-
زيارة الشرع إلى موسكو.. وقفة ضرورية/ أحمد مظهر سعدو
2025.10.19
تحوم الرؤية السياسية التحليلية طويلاً وكثيراً حول مجمل الزيارة المهمة التي قام بها الرئيس أحمد الشرع إلى موسكو، ومن ثم محاولة كسر الجليد الذي تراكم تباعاً من جراء ما فعلته روسيا في الجغرافيا السورية، منذ أن قررت الولوج عميقاً في جوف الملف السوري، توخياً وعَملاً جدياً نحو إنفاذ مصالحها الجيوسياسية أولاً، ومن ثم إعادة إحياء نظام الاستبداد والفاشيست الأسدي بعد أن كاد ينهار هذا النظام الدكتاتوري أواخر عام 2013.
لقد دخلت القوات الروسية في 30 أيلول/سبتمبر إلى سوريا، مستهدفة كل ظواهر وتجليات العسكرة السورية المناهضة لنظام الأسد، ثم مارست في الساحة والجغرافيا السورية كل أنواع القهر والقمع والقتل ضد الشعب السوري، الناهض والمنتفض في مواجهة الطغيان الأسدي الذي عاث فساداً ونهباً وسلباً واستلاباً في الواقع السوري منذ ما يزيد على أربعةٍ وخمسين عاماً خلت.
إذًا يمكن القول إن الذاكرة السورية ما زالت حبلى وممتلئة بكثير من الآلام التي خلّفها الوجود الروسي الاحتلالي في الساحة السورية، ولا أعتقد أن السوريين عموماً، حكومةً حاليةً وشعباً، يمكن أن ينسوا أو يتناسوا ما حصل لهم من خلال ما فعلته آلة القتل الروسية خلال عشر سنواتٍ أو يزيد، من المقتلة الروسية ـ الأسدية ـ الإيرانية المتحالفة ضد إرادات الشعب السوري، ضمن سياسة الإكراهات الكبرى التي مورست حينها ضد السوريين عموماً، وخاصة المناهضين لسياسات إيران ونظام الاستبداد الأسدي الطغياني، الذي راهن على استسلام السوريين وتسليم زمام الأمور إلى نظام الاستبداد العدواني ضد شعبه.
لكن اليوم نجد أن الدولة السورية الوليدة والجديدة، التي خرجت من رحم ثورة الشعب السوري، ثورة الحرية والكرامة، وصلت إلى موسكو، والتقت بالرئيس الروسي بوتين وكل العسكر والسياسيين الروس الذين أوغلوا بالدم السوري. هذه المشهدية أصبحت واقعاً رأيناه، وكل هذا صحيح. أمّا الصحيح الآخر، والذي لا يمكن القفز فوقه، فهو أنه لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة في السياسة كما يُقال دائماً، وأن القواعد العسكرية الروسية ما انفكت موجودة وباقية أمام الأعين، وهنا لابد من التوقف عندها ومحاولة إعادة صياغة تلك الاتفاقات الأسدية التي استجلبت الروس إلى سوريا، لتكون اليوم السيادة الوطنية السورية أولاً ولا شيء يعلوها أو يتقدم عليها.
كذلك، فإن هناك على الأراضي الروسية، وضمن العمارة الروسية، يعيش الرئيس المجرم بشار الأسد، الفارّ إلى موسكو والناهب لخيرات وأموال السوريين، ولابد من محاولةٍ ما للمقايضة معه في عملية تسليم رأسه، إمّا للجنائية الدولية أو للقضاء السوري المدني، لينال جزاءه العادل، ولا شيء فوق العدالة. ولعل أولى أولويات العدالة الانتقالية في سوريا هي عملية الولوج في السلم الأهلي، ومن ثم تسليم الجناة الذين ارتكبوا الفظائع بحق الشعب السوري، وأولهم المجرم الأكبر بشار الأسد الذي ما زال يعيش في موسكو تحت الرعاية الروسية، مجرماً طليقاً هارباً من العدالة.
صحيح أن الروس اليوم، وضمن ظروف السياسة الإقليمية والدولية، من الصعب أن يسلموا بشار الأسد حالياً للحكومة السورية، لكنه ليس مستحيلاً أبداً في قادم الأيام. وقد عُرف عن الروس براغماتيتهم في ذلك، وأنهم غير متمسكين إلا بمصالحهم، وهذا ما قالوه كثيراً للمعارضة السورية التي كانت تزورهم قبل التحرير، حيث يُعرف عن الروس أنه إذا اقتضت المصلحة الروسية تسليم رأس بشار الأسد أو سواه، فيمكن ذلك بكل تأكيد. وقد لا يكون هذا الأمر الآن، لكن في قادم الأيام قد يكون ممكناً ما كان غير ممكن في لحظةٍ زمنيةٍ أخرى.
كما أن ملفاتٍ عديدة وكثيرة ما برحت موجودة ومتراكمة، حيث تم تشكيل لجانٍ كثيرة لمتابعتها بين روسيا وسوريا، ولعل منها احتمالية ممارسة الضغط الروسي على تل أبيب كي تكفّ عن تعدياتها المستمرة على الأراضي السورية، وتتوقف عن الاستمرار باللعب بما تسميه إسرائيل “ورقة الأقليات”.
علاوة على ذلك، تأتي عملية استرداد الأموال السورية المنهوبة، التي حملها المجرم الفار بشار الأسد عبر الطائرات الروسية المتتابعة والمتجهة إلى موسكو نحو البنوك الروسية، كما حمل معه الكثير من الجناة الآخرين من رجالاته المجرمين الذين أوغلوا في الدم السوري واقتتلوا ونهبوا الكثير في سوريا أيام حكمه وحكم أبيه حافظ الأسد.
كل ذلك وسواه من إمكانية توريد قطع الغيار للسلاح الروسي المتوفر في سوريا، وتزويد السوريين بأسلحة حديثة، وكذلك إسقاط الديون أو شطبها، التي سبق واستدانتها قوات وأدوات وأنظمة بشار الأسد لقتل شعبه بها، وأيضاً أهمية وجود حراكٍ جديٍّ للتجارة البينية بين الدولتين في مجالات الطاقة والغذاء وسوى ذلك كثير، مع إمكانية أن تكون روسيا إحدى الدول التي ستشارك في استثماراتٍ كبرى لإعادة الإعمار في سوريا، وهو حلمٌ روسي قد يتحقق فيما لو تمكن المفاوض السوري في اللجان المشكلة من مقايضة ذلك بمصالح روسيةٍ كثيرة مطروحةٍ على الطاولة، ومنسوجةٍ مع جملة المصالح السورية أيضاً.
لقد كانت الزيارة واللقاء بين الشرع وبوتين ضروريين بكل تأكيد، وسوف يحملان الكثير من المصالح المتبادلة. وعادةً ما تكون المصالح بين الدول هي الأولى والأهم، حيث يتم تناسي العواطف والماضي القريب والبعيد بكل ما فيه، لصالح بناء المستقبل وبناء الدولة السورية اليوم ومؤسساتها الضرورية والأكثر أهمية من أجل المصلحة الفضلى للوطن والشعب.
تلفزيون سوريا
——————————-
العلاقات السورية ـ الروسية: لماذا صعد الشرع كل هذا “الدرج الطويل”؟/ سمير صالحة
2025.10.19
“الدرج الطويل” الذي صعده الرئيس السوري أحمد الشرع إلى قصر الكرملين، ليس بهدف إثبات لياقته البدنية، بل يحمل قيمة رمزية قوية تعبّر عن تراكم الأعباء، وصعوبة المسار، وتغير المكانة من التبعية إلى التفاوض المتكافئ.
هي ليست مجرد حدث سياسي – دبلوماسي عابر، بل إعلان عن بداية جديدة تحمل في طياتها إعادة تعريف كاملة للعلاقة بين دمشق وموسكو. صعود الدرج الطويل كان لا بد منه لإعادة تعريف كل شيء. من هنا رحبت موسكو بزيارة الشرع، وهي تدرك أن من نصح بها أيضًا هم حلفاء وشركاء دمشق الجدد عربياً وإقليمياً ودولياً.
سوريا اليوم لم تعد بوابة نفوذ روسية مجانية، والنظام الجديد الذي يمثله الشرع لا يشبه نظام الأسدين. سوريا لن تعيد رسم سياستها الروسية وفقًا لما تقوله وتريده موسكو، وتقاطع المصالح الثنائية والإقليمية هو الذي سيحدد معالم المسار الجديد على طريق تحسين العلاقات، مما يتطلب الكثير من النقد الذاتي ومراجعة المواقف وقبول الواقع السوري بشقه الداخلي والخارجي الجديد.
كان الشرع بالأمس العدو رقم 2 لبوتين بعد زيلينسكي، والهدف العسكري الروسي الأول في إدلب. اليوم هو المنتصر. ليس هو من سيفرض شروطه على الرئيس الروسي، بل متطلبات المرحلة المقبلة وحاجة موسكو لحماية مصالحها في الجيوبوليتيك السوري.
يوجه الرئيس السوري رسالة واضحة ومباشرة لنظيره الروسي: “أنا صعدت الدرج الطويل للوصول إليك، وأنت عليك أن تفتح أبواب المسار الملتوي والمعقد في علاقاتنا حيث الكثير من المطبات والعراقيل”.
منظومة علاقات جديدة، بعيدة عما فعله واختاره وخضع له نظام الأسدين، ومركز الثقل فيها هو إعادة تعريف المطالب والمواقف والحسابات.
صحيح أن روسيا حصلت على مكاسب كبيرة من علاقاتها مع سوريا في المنطقة، وصحيح أن دمشق استفادت من الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي غير المحدود، لكن دوافع وأسس العلاقة تغيرت مع سقوط النظام. سوريا التي كانت قاعدة سوفياتية روسية متقدمة، لم تعد تريد لعب هذا الدور، وهذا الواقع الجديد فرضته موسكو على نفسها عندما حركت قواتها ضد الشعب السوري لإجهاض ثورته عام 2015.
حتى لو تبنى الشرع وحكومته قرار البداية الجديدة مع روسيا، لن يتعايش ثوار الشعب السوري مع هذا الواقع الجديد بين ليلة وضحاها، فهناك إرث ثقيل رسمت إراقة دماء السوريين وسقوط عشرات الآلاف معالمه لأكثر من عقد كامل.
المكاسب والحسابات الاستراتيجية قد تسهل تليين المواقف والحوار وعقد اتفاقيات جديدة بين البلدين، لكن أسباب التباعد والخلاف والخصومة ستبقى عقبة في الطريق ولن تسمح بذلك طالما بقيت ماثلة.
إزاحة بشار الأسد لم تكن مجرد نهاية نظام، بل كانت نهاية مرحلة كاملة من السياسة الروسية في سوريا، بنيت على شخص لا على مؤسسات، وعلى نفوذ مفروض أكثر من الإصغاء لما يقوله ويريده الشعب السوري، وهذه هي مشكلة روسيا التي ستجد صعوبة في معالجتها.
صحيح أن الشرع هو من يصعد الدرج الطويل، لكن موسكو هي التي عليها أن تغلق الدفاتر وتزيل رواسب الماضي. شراكة اليوم مشروطة بقبول موسكو بواقع سوري جديد لم تعد هي من يفرضه أو يحدد معالمه. فالورقة الخاسرة لا تُلعب مرتين.
الدرج الذي صعده أحمد الشرع في موسكو لم يكن اختباراً للياقة بدنية، بل تمرينًا على الصبر السياسي والمفاوضة الندية. سوريا الجديدة تقول لروسيا: العلاقة مستمرة، لكنها لن تعود كما كانت. فإما شراكة على أرض صلبة، أو وداع بطيء لنفوذ انتهى زمانه.
لا مفر من مناقشات مكثفة مصحوبة بصراحة كاملة في الحوار بين موسكو ودمشق حول ما يريده كل منهما. هي بداية تفاوض صعب لإعادة صياغة إرث من الاتفاقيات التي كانت تمثل زواجًا أرثوذكسيًا، انتهى مع سقوط الأسد.
شارك الشرع في قمم دولية وإقليمية، من مؤتمر بغداد إلى قمة القاهرة، وزار باريس، وعقد لقاءات مع مسؤولين أوروبيين في بروكسل، وأعاد فتح قنوات حوار مع أنقرة ودول الخليج.
التحول الأبرز جاء مع دخول السعودية على خط الوساطة بين دمشق وواشنطن معلنة في أيار 2025 انتهاء قطيعة أميركية – سورية مزمنة بين البلدين. المشهد قد يبدو رمزيًا لبعضهم، ولكن ليس بالنسبة لموسكو، فسوريا لم تعد تقبل الحصرية في تحالفاتها.
السياسة الخارجية السورية تتحرك اليوم في فضاء أوسع عربياً وإقليمياً ودولياً، والشرع يصعد الدرج الطويل لإبلاغ بوتين، وهو مبتسم، أن العلاقة مع روسيا ستستمر لكنها لن تعود إلى شكلها السابق، وأن خيارات موسكو محدودة بين قبول الواقع الجديد والتكيف معه، أو خسارة ما تريد موسكو حمايته من مصالح ونفوذ في سوريا الجديدة.
روسيا دولة كبرى نحتاجها جميعًا لموازنة علاقاتنا مع الغرب، لكنها عندما تتحمل هي مسؤولية تعريض هذه العلاقة لاختبارات صعبة كما حدث في سوريا، فعليها تحمل أعباء ارتدادات المرحلة القادمة، والتي تتطلب مرونة سياسية روسية عالية مصحوبة بتقديم تنازلات لا بد منها.
ما الذي تريده موسكو من دمشق، وما الذي تريده دمشق من موسكو؟
هذا هو الذي نوقش مطولًا بين الرئيسين. هناك بداية تفاوض صعب على إرث من العقود والاتفاقيات التي ربطت البلدين في زواج أرثوذكسي انتهى صباح الثامن من كانون الأول المنصرم. الشراكة لا التبعية هي التي نوقشت في موسكو.
يجتمع مجلس الأمن الدولي قريبًا بطلب أميركي لرفع اسم الرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الداخلية أنس خطاب، وشخصيات سورية أخرى من قائمة عقوبات الأمم المتحدة. الترجمة العملية لمساهمة بكين في الخطوة الأميركية قد تكون ترتيب موعد زيارة للرئيس السوري إلى العاصمة الصينية.
في الروايات الروسية القديمة، لم تكن السلالم تقود دائمًا إلى القصور، بل كثيرًا ما كانت تفضي إلى اختبارات مصيرية، تُحدَّد نتائجها بذكاء اللحظة لا بعلو الهدف.في السياسة كما في القصص، التوقيت أحيانًا أهم من الوجهة.
صعد أحمد الشرع السلالم الطويلة في الكرملين، لا ليستعرض لياقته، بل ليختبر لياقة موسكو السياسية ومدى استعدادها للتأقلم مع واقع سوري جديد ، لم تعد هي من يرسم ملامحه.
العلاقة بين دمشق وموسكو لن تعود إلى شكلها السابق، لا لأن سوريا تغيّرت فقط، بل لأن الزمن تغيّر.
الآن، روسيا أمام خيارين: إما التكيّف مع سوريا الجديدة، أو مواصلة الهبوط وحدها على الدرج الذي صعده الآخرون.
تلفزيون سوريا
————————————
سوريا: زيارة الشرع إلى موسكو وتزايد الاغتيالات مع بطء العدالة الانتقالية/ منهل باريش
زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى موسكو كانت مهمة للغاية، وستنعكس على مستقبل الساحل السوري، مع تزايد حوادث الاغتيالات في صفوف أفراد كانوا تابعين لأجهزة النظام البائد.
في تطور أمني مقلق شهدت سوريا ارتفاعًا في معدل الاغتيالات في عموم البلاد. وبخلاف تركزها السابق في حمص وحماة، فقد اغتيل تسعة أشخاص في مدينة حلب وحدها منذ نهاية أيلول (سبتمبر) وحتى 17 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.
استهدفت هذه العمليات شخصيات محلية متهمة بالعمل مع الأجهزة الأمنية أو ميليشيات مرتبطة بالنظام السوري السابق، في تطور يوحي بتفاقم الاضطرابات الأمنية داخل المدينة الخاضعة لسيطرة دمشق. وفقًا لمصادر متقاطعة أفادت «القدس العربي»، بدأ المسلسل بمقتل صالح أحمد ثلجة، المدير السابق لبنك مدينة أريحا، والذي يُشتبه بأنه كان يزوّد الأجهزة الأمنية بتقارير عن سكان المدينة، قبل أن يُستهدف برصاص مجهولين. وفي سياق متصل، في الأحياء الغربية من حلب، قُتل هشام خزامي في حي الفرقان، وتصفه بعض المصادر بأنه كان حلقة وصل محلية للحرس الثوري الإيراني، وهو مسؤول تفاوضي ووسيط في صفقات تبادل الأسرى بين المعارضة السورية وقوات النظام والميليشيات الإيرانية سابقًا.
كما طالت الاغتيالات، في حي السكري، كلا من بلال ساطو، نجل متطوع عسكري برتبة مساعد أول، ومصطفى جميل الركبي، ويُعتقد أنهما كانا يخدمان في صفوف «الفرقة 25» المعروفة باسم «قوات النمر» التي قادها اللواء سهيل الحسن. إضافة إلى ذلك، طالت الاغتيالات غسان الحمدو في حي الفردوس، وهو شخص يُتهم بالعمل لصالح فرع المخابرات الجوية، وعبد اللطيف أبو راس في حي النيرب، وعلي كامل دقماق في حي الشعار. وفي حي الجابرية، قُتل رياض ماردلي المعروف بلقب «أبو جمهور»، وتصفه مصادر محلية بأنه من الدائرة المقربة للقيادي الأمني خالد حزاري.
واختُتمت السلسلة بمقتل عبد الكريم أمين في باب جنين، بعد أن أطلق عليه مسلحون يستقلون دراجة النار من مسافة قريبة. مع ذلك، لم تُعلن أي جهة مسؤوليتها عن هذه العمليات التي نُفّذت جميعها بأسلوب متشابه، ما يثير شبهات بتصفية حسابات أمنية داخلية أو ردود فعل انتقامية فردية.
في المقابل، يربط ناشطون محليون هذه الحوادث بتنامي حالة الفوضى الأمنية والانقسام داخل الأجهزة التابعة للنظام البائد، ولا سيما بين المجموعات المرتبطة بروسيا وتلك المقرّبة من إيران.
في غضون ذلك، اعتبرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن شهري كانون الثاني (يناير) وآذار (مارس) هما الأكثر عنفًا منذ مطلع العام في إدلب، حيث قُتل 52 شخصًا، ما يجعل المحافظة من أكثر المناطق السورية اضطرابًا أمنيًا خلال المرحلة الانتقالية. وفي سياق متصل، شهدت المحافظة في الأسبوع الأخير ثلاث عمليات اغتيال متتالية خلال أقل من 24 ساعة، ما أثار مخاوف من تدهور الوضع الأمني في المنطقة التي يُنظر إليها باعتبارها الخزان البشري للسلطات السورية الجديدة، ولا سيما الأمنية والعسكرية. وفقًا لمصادر محلية، قُتل صدام الحميدي المعروف بـ«الكابتن أبو عدي»، وهو مدرب رياضي عسكري في وزارة الدفاع السورية، بعد استهدافه في مدينة سرمدا بريف إدلب الشمالي.
كما اغتيل هاني الجدعان برصاصة في الرأس شرق معرة النعمان، في حين نجا أبو سعيد رأس الحصن، القيادي السابق في هيئة «تحرير الشام» والعامل حاليًا في وزارة الدفاع، من محاولة اغتيال على طريق سرمدا ـ رأس الحصن في أقصى شمال سوريا.
غياب مسار العدالة يزيد من الانتقام
حول تصاعد عمليات الاغتيال والقتل المنفلت، استطلعت «القدس العربي» آراء محللين أمنيين وعسكريين. من جانبه، رأى الباحث السوري عمار جلو من مركز الحوار للأبحاث والدراسات في واشنطن أن موجة الاغتيالات التي تشهدها البلاد منذ أشهر هي «نتيجة طبيعية لمرحلة انتقالية هشّة»، مشيرًا إلى أن السلطة الجديدة لم تتمكن بعد من فرض سيطرة أمنية متماسكة على كامل الجغرافيا السورية، وبالتالي فتح الفراغ الناتج عن ذلك الباب أمام عمليات تصفية شخصية وسياسية تتخذ طابعًا انتقاميًا.
وقال جلو في تصريح خاص لـ«القدس العربي» إن ما يحدث اليوم «ليس استثناءً سوريًا، بل يتكرر في معظم الدول التي تمر بمرحلة ما بعد سقوط الأنظمة»، موضحًا أن الانفلات الأمني، وغياب العدالة الاجتماعية، وتأخر إطلاق عملية عدالة انتقالية حقيقية، كلها عوامل تساهم في تفاقم العنف الأهلي والاغتيالات. وأكد أن «تراجع الثقة بالمؤسسات القضائية والأمنية الجديدة دفع كثيرين إلى أخذ حقهم بأيديهم، في ظل شعور عام بتمييع العدالة».
وفي السياق ذاته، يرى الباحث في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية محسن المصطفى أن تزايد عمليات القتل والاغتيالات خلال الأسابيع الأخيرة يرتبط مباشرة ببطء مسار العدالة الانتقالية وبالإرث الثقيل للانتهاكات السابقة، إضافة إلى وجود عدد كبير من المتورطين في جرائم لم يُقدَّموا بعد إلى العدالة. ويشير المصطفى إلى أن هذا الواقع دفع بعض المتضررين إلى تنفيذ عمليات قصاص فردية ضد أشخاص ارتكبوا جرائم في الماضي أو دعموا النظام السابق، موضحًا أن غياب الأدلة القانونية وصعوبة الوصول إلى المحاكم جعل الانتقام يتحول إلى بديل شخصي للعدالة، وهو ما ينذر بفتح باب جديد لدورة من العنف يصعب ضبطها.
ويضيف الباحث أن المنطقة تشهد أيضًا جرائم قتل ذات طابع عشائري أو جنائي لا ترتبط مباشرة بالملف السياسي، لكنها تتغذى من حالة الانفلات الأمني وضعف الأجهزة المختصة. ويحذر من أن استمرار هذا الواقع بدون تفعيل آليات قضائية انتقالية فعّالة أو اتفاقات محلية تضبط السلاح وتحدّ من منطق الثأر، قد يؤدي إلى تفشي الفوضى وتكرار مشاهد العنف في مناطق مختلفة من البلاد.
والجدير بالذكر أن زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى موسكو كانت مهمة للغاية، وستنعكس على مستقبل الساحل السوري، الذي شهد تمرّدًا عسكريًا خلال آذار (مارس) الماضي، تسبب بردة فعل عنيفة من قبل السلطة الجديدة، خلفت انتهاكات واسعة خلال أيام قليلة.
وفي معرض حديثه عن الأوضاع في الساحل السوري، شدد جلو على أن القول بقدرة «الفلول» على تنفيذ أعمال مؤثرة هناك هو «مبالغة سلطوية مقصودة»، موضحًا أن «القدرات البشرية والمادية المحدودة، وغياب أي دعم إقليمي أو دولي حقيقي، تجعل هذه الفرضية ضعيفة للغاية».
من جهة أخرى، ميّز الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية نوار شعبان قاقيبو بين فئتين أساسيتين في الساحل السوري، إحداهما اجتماعية والأخرى أمنية، موضحًا أن الفئة الأولى «ذات طابع محلي ومجتمعي كانت تميل، في فترات سابقة، إلى النظر إلى روسيا كجهة يمكن الاتكال عليها أو اللجوء إليها لضبط الإيقاع الأمني بعد أحداث الساحل»، مشيرًا إلى أن الحكومة السورية «حاولت في المرحلة الماضية التقرب من هذه الفئة من خلال مبادرات ومشاريع تهدف إلى امتصاص التوتر».
أما الفئة الثانية، التي يعتبرها قاقيبو «الأخطر والأكثر تأثيرًا أمنيًا»، فهي تلك التي تنشط في أعمال إجرامية أو في هجمات تستهدف وحدات تابعة للحكومة السورية. ويعتقد أن هذه المجموعات كانت تنظر إلى روسيا خلال مراحل سابقة على أنها «الضامن أو القناة التي قد تُعيد فتح خطوط الدعم أو التنظيم معها».
ويرى الباحث أن زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى موسكو، وما رافقها من تغطية إعلامية روسية إيجابية، قد «تحمل انعكاسات مزدوجة، إذ يمكن أن تُفسَّر من قبل بعض الفاعلين المحليين على أنها رسالة دعم، بينما تراها المجموعات المسلحة مؤشرًا على تراجع الضمان الفعلي الذي كانت تراهن عليه».
ويحذّر قاقيبو من أن بعض هذه المجموعات قد تتخلى عن منطق العمل العسكري المنظَّم لتتجه نحو الجريمة المنظمة والابتزاز والتهريب، في محاولة لتعويض خسائرها السياسية والميدانية.
بالرغم من ذلك، إن غياب الضامن الخارجي، وعدم إنجاز استراتيجية أمنية داخلية واضحة من قبل السلطات السورية الوليدة، يفتحان الباب أمام مرحلة حساسة قد تشهد انفلاتًا أمنيًا خطيرًا في الساحل السوري من نوع مختلف عمّا حصل في آذار (مارس)، وهو ما يعزز الدعوات السابقة القائلة بضرورة دمج المجتمعات المحلية في الساحل بمؤسسات الدولة، وإعطاء أدوار اجتماعية أكثر فاعلية، خصوصًا للوجهاء والنخب التي جرى إقصاؤها من قبل نظام الأسد، الأب والابن.
القدس العربي»
———————————-
ضباط النظام البائد يبحثون عن فرص لتشغيل أموالهم في روسيا/ مصطفى محمد
الأحد 2025/10/19
في إحدى المدن الروسية القريبة من العاصمة موسكو، يبحث نزار، الضابط البارز في جيش النظام البائد، عن مشروع يمكّنه من تشغيل الأموال التي استطاع أن ينقلها معه إلى روسيا، أثناء سقوط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر الماضي.
نزار الذي كان يشغل منصباً عسكرياً رفيعاً في مؤسسة “معامل الدفاع” التي كانت تتبع لوزارة الدفاع زمن النظام، يعتبر من الضباط المحظوظين لأنه يتقن اللغة الروسية التي تمكنه من الانخراط في بلد لم يتضح بعد مستقبله فيه.
يذكر أنه منذ وصولهم إلى روسيا، اقتصرت الأوراق القانونية الممنوحة لمئات رجالات النظام السابقين على ورقة “دراسة لجوء” مدتها عام واحد، من غير أن تُفصح روسيا بعد إن كانت ستمنحهم اللجوء الدائم.
مليون دولار على أقل تقدير
وبسبب الفساد في مؤسسة التصنيع العسكرية في منطقة السفيرة شرق حلب، تمكن نزار الذي ينتمي للطائفة العلوية من جمع مليون دولار أميركي – على أقل تقدير- كما أخبر رجل أعمال روسي من أصل سوري “المدن”.
ويضيف رجل الأعمال الذي تجمعه علاقة قديمة بالضابط نزار، أنه اتصل به، بعد نحو 3 أشهر من سقوط النظام و”طلب مني الدخول في مشروع استثماري، بكلفة تقارب المليون دولار أميركي، لكني رفضت”.
وحول أسباب الرفض، يقول: “لا نية لدي لفتح عمل جديد، الوضع المالي جيد”، “عموماً أمواله مشبوهة، وأنا في غنى عن الدخول في شراكة مع رأس مال ملطخ بدماء السوريين”.
ويتابع رجل الأعمال الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن نزار حاول التنصل من الجرائم التي ارتكبها النظام والحجة “لم أتورط في الدم”، يعقب ضاحكاً: “كان يشرف على مؤسسة لتصنيع السلاح الذي دمر سوريا”.
خوف من المستقبل
حديث “المدن” مع رجل الأعمال الروسي، كان متزامناً مع الزيارة التي أجراها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى روسيا، وهنا أشار إلى حالة الخوف التي أشاعتها الزيارة في أوساط رجالات النظام، وخاصة أن الأنباء انتشرت عن طلب الشرع من روسيا تسليم بشار الأسد.
وبحسب رجل الأعمال فإن الضباط يعيشون في وضع اجتماعي صعب، سيما وأن غالبيتهم يعيشون منفصلين عن عائلاتهم التي بقيت في سوريا (الساحل السوري).
ويضيف أن غالبية الضباط يعيشون في خوف على أموالهم التي نقلوها إلى روسيا، مشيراً إلى محاولات بعضهم نقل أمواله إلى خارج روسيا، رغم الصعوبات التي تفرضها العقوبات الغربية على حركة الأموال من وإلى روسيا.
وكانت روسيا قد نقلت أثناء سقوط النظام، عدداً من كبار الضباط إليها، وذلك بعد توجههم إلى قاعدة حميميم العسكرية في الساحل السوري.
هل تسلم روسيا الأسد؟
“كل الاحتمالات واردة، وأنا لا أستبعد”، هكذا يرد رجل الأعمال على سؤال “المدن” عن احتمال تسليم روسيا بشار الأسد إلى دمشق.
ويضيف أنه “وفق المعلومات المؤكدة، جرّدت روسيا الأسد من الكثير من أمواله، وأبقت له على قسم غير معروف، يمكنه من العيش برفاهية في ضواحي موسكو”.
يُذكر أن مدير إدارة روسيا وشرق أوروبا في وزارة الخارجية والمغتربين السورية، أشهد صليبي، أكد أن الرئيس السوري أحمد الشرع طالب خلال لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين تسليم الأسد الهارب بشكل صريح، مضيفاً: “الجانب الروسي أبدى تفهماً واضحاً تجاه تحقيق العدالة الانتقالية في سوريا”.
————————
=======================



