عن الأحداث التي جرت في الساحل السوري أسبابها وتداعيات المظاهرات الأخيرة تحديث 08 كانون الثاني 2026
لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
الأحداث التي جرت في الساحل السوري
—————————————-
تحديث 06 كانون الثاني 2026
———————————
في قلب الفوضى: من يقف وراء تفجيرات سوريا الأخيرة؟/ أحمد الجابر
التفجيرات في سوريا: دور الجماعات المتطرفة والتحديات الأمنية أمام حكومة دمشق الجديدة
2026-01-06
تواجه سوريا اليوم مرحلة معقدة من التحولات على الصعيدين الأمني والسياسي، حيث تتقاطع جهود الحكومة الانتقالية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع في فرض سلطة مركزية وتوحيد القوى العسكرية والأمنية، مع نشاط خلايا متطرفة ومخاطر العمليات المسلحة التي تستهدف مناطق حساسة. هذه البيئة الأمنية المتقلبة أعادت النقاش حول طبيعة التهديدات وحدودها، ومدى قدرة الدولة الجديدة على السيطرة عليها بشكل فعّال.
وفي هذا الإطار، تشير التقارير إلى تنشيط خلايا تنظيم “داعش” النائمة واستهداف مواقع مختلفة في عدة مناطق، وسط استمرار تهديدات الجماعات المسلحة التي لم تنهك بعد، ما يعكس أن العنف لم ينتهِ بالمعنى التقليدي للحرب، وأن المخاطر الأمنية والسياسية لا تزال متشابكة على الأرض.
وفي كانون الأول/ ديسمبر الماضي، سجلت سوريا تفجيرات وعمليات أمنية متعددة أسفرت عن خسائر بشرية، دفعت السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية في المدن والبادية، بينما قامت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة بعمليات عسكرية مشتركة ضد تنظيم “داعش”، أسفرت عن مقتل أو اعتقال العشرات من المقاتلين، فيما تواصل التنظيمات المتطرفة إعادة تنظيم صفوفها واستغلال الفراغات الأمنية.
تفكك السلطة الداخلية وارتباطه بالعمليات المتطرفة
يرى إبراهيم كابان، مدير شبكة الجيوستراتيجي للدراسات، والمقيم في ألمانيا، في تصريحات لـ”963+” أن “تصاعد الهجمات المتطرفة مرتبط بطبيعة تركيبة الحكومة الجديدة في دمشق، التي تضم مجموعة فصائل متباينة ومتضاربة في توجهاتها، تشمل أطرافاً متطرفة وأخرى معتدلة، ومجموعات ذات نزعة عنصرية، إضافة إلى مجموعات موالية لتركيا وأخرى موالية لقطر. هذه التعددية خلقت حالة من التناقض الداخلي، أدّت إلى ردود فعل عنيفة من بعض الجماعات الجهادية السابقة”.
ويشير كابان إلى أن “انقلاب أحمد الشرع وبعض مسؤولي الحكومة الجديدة على أفكارهم السابقة أدى إلى خلق ردود فعل قوية من قبل مجموعات كانت تُصنّف سابقاً على أنها جهادية، وأن هذا التغير السياسي والفكري، إلى جانب التوجه نحو الولايات المتحدة، جاء في إطار تفاهمات مع الاستخبارات الأميركية لمواجهة التيارات المتطرفة مباشرة”.
ويؤكد كابان أن هذه العوامل مجتمعة “تشكّل السبب الرئيسي لوجود أطراف داخل مناطق سيطرة حكومة دمشق تقوم بردود فعل عنيفة، سواء عبر مواجهات مباشرة أو تنفيذ تفجيرات”، مشيراً إلى أن قبل وصول أحمد الشرع إلى دمشق، كانت هناك قوى تلتف حول “هيئة تحرير الشام”، وكانت مجموعات جهادية تتدفق بهدف إقامة ما كانت تُسمّى “إمارة إسلامية”. وانقلاب الواقع السياسي على فكرة “الإمارة الإسلامية” دفع بعض الأطراف المتطرفة إلى الانقلاب على أحمد الشرع نفسه، وهي الأطراف التي باتت تنفّذ أعمالاً تخريبية وتفجيرات في عدة مناطق سورية.
البعد الجغرافي للعمليات الأمنية والرمزية
يضيف كابان أن مثال مدينة تدمر يوضح استمرارية وجود تنظيم “داعش”، مشيراً إلى أن التنظيم موجود في المنطقة منذ نحو عشر سنوات، وأن هذه المنطقة تمثل نقطة تلاقٍ بين النفوذ الأميركي، وحكومة دمشق، وقوات سوريا الديموقراطية، بينما يتمركز التنظيم في المساحات الفاصلة بينها.
كما يرى أن “وجود مؤسسات حكومية في هذه المناطق يجعلها عرضة للاختراق من قبل عناصر متطرفة واستخباراتية، وأن هذه العناصر تطوّر أدواتها باستمرار وتعزّز حضورها”.
ويشير إلى أن تنظيم “داعش”، بعد حصاره في شمال شرقي سوريا، اتجه نحو البادية، مستفيداً من شساعة هذه المناطق وصعوبة ضبطها أمنياً، وأن المستفيد الأول من حالة البلبلة والفوضى بين السوريين هو تنظيم “داعش”، إذ استمرار عدم الاستقرار يعرقل أي حلول سياسية محتملة، بينما الجماعات المتطرفة تواجه مأزقاً حقيقياً بسبب تفاهمات حكومة دمشق مع التحالف الدولي لمكافحة التطرف، إضافة إلى دور قوات سوريا الديموقراطية.
من جانبه، يرى الدكتور طلال مصطفى، أكاديمي وباحث سوري مقيم في فرنسا، في تصريحات لـ”963+” أن تزامن التفجيرات أو تقاربها الزمني، إضافة إلى توزّعها على مدن مثل دمشق وحمص وحلب وتدمر، “يرجّح وجود تنسيق عام أو توجيه مشترك، أكثر من كونه حوادث معزولة”.
ويضيف أن التشابه في أساليب التنفيذ، نوع العبوات، توقيت العمليات، وطبيعة الأهداف الرمزية يشير إلى وجود “مرجعية تخطيطية واحدة أو تبادل خبرات بين المنفذين”.
ويؤكد أن “استهداف تدمر يحمل رسالة مزدوجة: داخلياً قدرة المنفذين على الوصول إلى مناطق يُفترض أنها مضبوطة أمنياً، وخارجياً تذكير بالرمزية السابقة للمدينة والصراع مع التنظيمات المتطرفة”.
المستفيدون من الفوضى واستمرار العمليات
يشير كابان إلى أن المستفيد الأول من استمرار الفوضى هو الجماعات المتطرفة، إذ أنها تمنع توحيد الجهود العسكرية والأمنية بين دمشق و”قسد” والدروز وبقية الفعاليات السورية، وتجعلها الخاسر الأكبر في أي حل شامل مدعوم دولياً.
ويضيف أن بعض التيارات المتطرفة كانت متحالفة مع الشرع في البداية، ثم انقلبت عليه لاحقاً، وأن هناك تقاطعات مرحلية بينها وبين تنظيم “داعش” وفق منطق “عدو عدوي صديقي”، وأن هذه الشبكات تعمل ضمن إطار واحد، وتنفذ عمليات ضد الحكومة و”قسد” والأهداف الأميركية، مع اختراق بعض مفاصل وزارة الدفاع.
ويؤكد كابان أن دخول متطرفين إلى دمشق سابقاً تحت مسمى “الفتح” كان معروفاً، وأن تحركات حكومة دمشق وتعاونها مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في مكافحة الإرهاب دفعت هذه المجموعات إلى إعادة تنظيم نفسها، بما في ذلك تنظيم “حراس الدين” المرتبط بالقاعدة، مجموعات القاعدة الأجنبية، وبقايا تنظيم “داعش”، مؤكداً أنهم منظمون ويقودون اتصالات ولديهم قدرة على تنفيذ عمليات مركزة ضد السلطة الجديدة.
من جهته، يشير مصطفى إلى أن الأطراف المستفيدة تشمل الجماعات المتطرفة مثل “داعش”، إضافة إلى أطراف سياسية أو عسكرية معارضة مثل قوات سوريا الديموقراطية أو تنظيمات جديدة، التي قد تهدف إلى إظهار العجز الأمني أو تعطيل مسارات سياسية معينة.
كما لا يستبعد دور بعض الجهات الإقليمية مثل إسرائيل أو إيران أو “حزب الله” أو شبكات مصالح مختلفة التي ترى في زعزعة الاستقرار أداة تفاوض أو ضغط.
ويخلص مصطفى إلى أن التوقيت غالباً مرتبط بتحولات سياسية أو ترتيبات أمنية جارية، مثل التفاوض حول الجنوب السوري أو فرض وقائع أمنية وعسكرية جديدة على الأرض، وأن المؤشرات المتاحة تشير إلى أن ما يجري ليس مجرد حوادث منفصلة، بل جزء من محاولة اختبار أو إرباك أمني جزئي للسلطات السياسية والأمنية الجديدة، مع بقاء الصورة النهائية رهينة التحقيقات والأدلة التقنية والاستخباراتية.
+963
———————————
من الذي سرق ذاك الشيء؟/ عبير داغر اسبر
06 يناير 2026
في المحصلة، يدعو الظرف السوري إلى التفاؤل. يبدو المشهد هكذا: بلدٌ تخلّص من طاغيته. بنيته مفتوحة للاستثمار. شبابه متعطش للمعرفة ولخوض سوق الأعمال. شعبه فتيّ. طلابه، بمستواهم المعرفي، لا هم الأسوأ ولا الأفضل، لكنهم يبرعون مثل أي شاب وُضع في الظرف المناسب. شباب فتيّ بحاجة إلى كل شيء وإلى أي شيء.
مع ذلك، لماذا لا يجرؤ أحدٌ فينا أن يتفائل؟ من الذي سرق فرحة السوريين؟ وما الذي نفى إمكانية الفرح أساساً؟
أحبّ البلاغة. أحبّ اللغة لأنها تضع الأفكار في موضعها الواضح. تؤطّرها كي لا تخاتل ولا تُغلَّف بسكر الكلام. لو سُئلت: من سرق تلك الفرحة؟ لأجبتُ من دون رفّة قلب أو ثانية تردّد: الطائفية. قد ندور. قد نخاتل. قد نجمع عناصر المصالح. نلمّ فتات الروايات السياسية. نتحدث عن وطنياتٍ مؤجَّلة. نتحدث عن أحزاب وتجمّعات. نتحدث عن إدارات طموحة. نتحدث عن وصفات حارّة أو بائتة للسلم الأهلي. سنلفّ وندور. سنعود إلى حضن سارقنا، خجلين من أن نُدلّ عليه. نعم، كلّنا طائفيون يا عزيزي. نتمنى، في مكانٍ ما داخلنا، أن يموت الكل شرطَ ألا يكون نحن.
من هنا يبدأ الكلام الحقيقي. الطائفية في سورية اليوم تبدو رأياً، أو توجّهاً ثقافياً، أو مجرّد سوء فهمٍ تاريخيّ. تحول إلى فعل. صارت دماً يسيل. صارت سكيناً لا تتعب من تكرار ما تجيد: الذبح.
في حمص، كل ما احتاجه الأمر: لحظة وضوح فاجر. مسجد يعرفه الأهالي جيداً، ويعرفون لماذا يُسمّى هكذا. ثم وقع الانفجار فوق أجساد عُزّل. حين ماتوا، فعلوا كما كل المخلوقات، تألموا، نزّت دماؤهم. الموت لم يسألهم بمن يؤمنون، ولا عمّا فعلوه في حياتهم. الاسم لم يكن كافياً. كانت الهوية كذلك. الموت لم يختَرهم بما هم أفراد، بل بوصفهم جماعة.
وعندما أتى بيان التبنّي. جاء بارداً، مقتضباً، القتل فيه مجرد إجراء احترازيّ، فعل اعتياد، وإعلان هوية. هكذا هي الطائفية حين تكتمل. لا تحتاج إلى صراخ، ولا إلى تبريرات كبرى. يكفي أن تقول فعلتُ ليحلّ صمتٌ ثقيلٌ في قلوب المتفائلين، ويرافقه الخوف. من هناك، من التفجير، انتقل الخوف كما تنتقل العدوى. لم تتوقف الموجة عند حدود المدينة. خرج الناس إلى الشوارع كما يحبون أن يفعلوا عند الصراخ، عند الفزع، وعند الدعاء لله. لكن بسبب الطائفية التي نذكرها كثيراً، ولا نجرؤ على التخلص منها لأسباب طائفية، بدا فعل التظاهر، الذي ظننا أن السوريين، كل السوريين، ثاروا للحفاظ على أحقيتهم به، خيانة. عدم دعم التظاهرات خيانة أيضاً. فمن يخون من في هذه الملهاة التي لا تتوقف عن التوالد، ولا تكفّ عن منح الشر إلهامات لا تتوقف.
ما يجرح ويؤلم أن الشارع السوري ليس مكاناً آمناً. لم يكن كذلك يوماً. كل ما قدّمه السوريون من تضحيات لجعله كذلك انتهى إلى الفشل. لم يصبح الشارع فضاءً عاماً، بل ظل فضاءً للشك. ليس آمناً لمن يقفون مع السلطة. ليس آمناً لمن يعارضونها. الخطر فيه لا يأتي فقط من الرصاص، بل من الفضاء المفتوح على تأويل النيات، من رعب الخيانة لأطراف يعيدون تعريف خصومتهم من جديد.
الطائفية أفقدتنا الشارع، واستعادته تعني تحرير الحيز العام من هوية مالئيه. تعني فصل فعل التظاهر عن سبب هذا التظاهر. الحيز العام الذي مات كثيرون لاستعادته لا يُقاس إلا بقدرة المختلفين سياسياً، فكرياً، ودينياً على مشاركته. ما دون ذلك يجعل كل دعوة إلى النزول للشارع دعوة غير أخلاقية، لأنها تطلب من الناس أن يخاطروا بأجسادهم في فضاء لم يُنزَع عنه السلاح. سلاح التخوين.
العربي الجديد
———————————
==================
تحديث 05 كانون الثاني 2026
———————————
الطائفية السياسية في الساحل السوري من الامتياز إلى المظلومية/ مجيب مصطفى خطاب
2026.01.05
لا يشكل سقوط الأنظمة السلطوية نهاية تلقائية لمنظوماتها الاجتماعية أو الذهنية، وإنما غالباً ما يفتح المجال أمام تحولات معقّدة في سلوك الفاعلين المرتبطين بها، لاسيما أولئك الذين شكلوا جزءاً من بنيتها الصلبة أو استفادوا من امتيازاتها.
وفي الحالة السورية، تبرز الطائفية السياسية بوصفها أحد أبرز هذه الموارد، لا باعتبارها معطى ثقافياً ثابتاً أو تعبيراً تلقائياً عن انقسامات اجتماعية كامنة، وإنما كأداة سياسية جرى توظيفها تاريخياً ضمن منظومة الامتياز السلطوي، ثم أعيد استدعاؤها بعد سقوط النظام في صيغة خطاب مظلومية دفاعي.
ويشكل الساحل السوري حالة كاشفة لهذه التحولات، حيث تداخلت لعقود طويلة شبكات الولاء والامتياز مع الدولة السلطوية، قبل أن تتحول في مرحلة ما بعد السقوط، إلى مصدر خوف وقلق من فقدان الحماية والمكانة والمساءلة.
من فقدان الامتياز إلى خطاب الضحية
يعتبر مفهوم إعادة التموضع السلطوي من المفاهيم التفسيرية المركزية لفهم سلوك النخب والفاعلين المرتبطين بالأنظمة الاستبدادية في مراحل ما بعد السقوط، حيث تتقاطع هذه المقاربة مع ما تذهب إليه أدبيات التحول السلطوي الكلاسيكية ولا سيما أعمال أودونيل وشميتر، التي تؤكد أن انهيار النظام لا يفضي إلى اختفاء فاعليه، وإنما يدفعهم إلى الدخول في عمليات إعادة تموضع تفاوضية ودفاعية، يعاد من خلالها تشكيل ذواتهم السياسية بما يتلاءم مع موازين القوى المستجدّة داخل المشهد الانتقالي.
وبناءً عليه، لا يمكن فهم احتجاجات الساحل في هذا السياق، بوصفه فعلاً ديمقراطياً بالضرورة، وإنما كأداة سياسية قابلة للتوظيف الدفاعي، سواء بغرض الحفاظ على ما تبقّى من النفوذ أو لتجنّب المساءلة السياسية والأخلاقية وعلاوة على ذلك، فإنّ التحوّل من موقع (السلطة) إلى موقع (المعارضة) لا يعكس بالضرورة تحولاً قيمياً في بنية الوعي السياسي لهؤلاء الفاعلين، وإنما يمثل انتقالاً تكتيكياً محسوباً من استخدام أدوات الدولة وأجهزتها إلى استخدام أدوات المجتمع وخطاباته، وعلى رأسها الخطاب الهويّاتي بوصفه مورداً تعبوياً بديلاً.
وفي هذا الإطار، شكّل الساحل السوري، خلال العقود الماضية، إحدى الحواضن الاجتماعية الأساسية لنظام الأسد، غير أن هذا الدور لا يمكن اختزاله في قراءة طائفية مبسّطة، وإنما ينبغي فهمه ضمن شبكة معقّدة من الامتيازات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية التي أعاد النظام إنتاجها على مدى طويل، فقد ارتبطت قطاعات واسعة من سكان الساحل بوظائف الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية، الأمر الذي أتاح لهم مستوى من الاستقرار النسبي مقارنة بمناطق سورية أخرى عانت من التهميش والإقصاء.
وبالإضافة إلى ذلك، أفضى هذا الارتباط العضوي إلى نشوء اعتماد بنيوي على الدولة السلطوية، بحيث لم تعد الدولة كياناً سياسياً فقط وإنما غدت مصدراً للرزق والحماية والاعتراف الاجتماعي، فضلاً عن كونها إطاراً محدّداً للهوية السياسية.
ومع سقوط نظام الأسد، لم يقتصر الانهيار على البنية السلطوية وإنما امتد ليطول المنظومة الرمزية التي كانت تمنح هؤلاء الأفراد معنى لموقعهم الاجتماعي ودورهم العام، نتيجة لذلك، تحوّل الامتياز السابق إلى عبء ثقيل، إذ وجد العديد من الفاعلين المرتبطين بالنظام أنفسهم في موقع مساءلة أخلاقية وقانونية، أو على الأقل في حالة فقدان للحماية التي كانت توفّرها الدولة السلطوية.
وفي هذا السياق تحديداً، برز خطاب الضحية بوصفه آلية دفاعية مركزية، يعاد من خلالها تأطير الذات لا باعتبارها شريكاً في منظومة القمع والاستبداد وإنما باعتبارها جماعة مهدَّدة من (الآخرين) في مرحلة انتقالية مضطربة.
وعليه، تتحوّل الطائفية من هوية كامنة أو مستبطنة إلى خطاب سياسي معلن يتم استدعاءه لتبرير الخوف وإعادة إنتاج الاستقطاب المجتمعي، فضلاً عن خلق حالة من التماسك الداخلي في مواجهة التحوّل الوطني الأوسع، بما يسمح بإعادة التموضع داخل المشهد الجديد من دون قطيعة حقيقية مع البنى الذهنية التي أنتجها نظام الأسد.
الطائفية كاستراتيجية سياسية
لا يمكن مقاربة تصاعد الخطاب الطائفي في الساحل السوري عقب سقوط “الأسد” بوصفه انفجاراً عفوياً لهوية مكبوتة طال كبحها، إذ إن هذا الخطاب يتجاوز حدود التعبير الانفعالي ليدخل في نطاق الاستراتيجيات السياسية الواعية، أو شبه الواعية، التي اعتمدتها فئات وفاعلون وجدوا أنفسهم أمام تحوّل جذري في بنية السلطة وموازين القوة.
وفي هذا السياق، لا تظهر الطائفية كمعطى ثقافي ثابت، وإنما كأداة سياسية مرنة يعاد توظيفها وفق مقتضيات اللحظة الانتقالية وما تفرضه من تهديدات فعلية أو متخيَّلة ومن منظور تحليلي تؤدي الطائفية في هذا الإطار، ثلاث وظائف مركزية متداخلة:
أولاً، تسهم في تعطيل مسارات المساءلة من خلال نقل الصراع من مستواه السياسي-الحقوقي، القائم على مفاهيم المسؤولية والعدالة الانتقالية، إلى مستوى صراعي وجودي بين جماعات متقابلة، الأمر الذي يفرغ مطلب المحاسبة من مضمونه ويحوّله إلى تهديد جماعي يستدعي الاصطفاف والدفاع.
ثانياً، تتيح إعادة إنتاج أنماط القيادة المحلية، حيث يعيد وجهاء تقليديون أو قادة سابقون، ممن تضرّرت مواقعهم بسقوط نظام الأسد، تقديم أنفسهم باعتبارهم حماة للجماعة وضامنين لأمنها واستمراريتها، مستعيدين بذلك شرعية مستمدة من الخوف لا من التمثيل الحقيقي.
ثالثاً، تستخدم الطائفية كأداة لمقاومة الاندماج الوطني عبر التلويح بخيارات الانقسام والحكم الذاتي، بوصفها أوراق ضغط في مواجهة أي مشروع وطني يسعى إلى إعادة تعريف الدولة والمواطنة على أسس جامعة.
وفي ضوء ما سبق، يكتسب فعل الاحتجاج في الساحل السوري دلالة مغايرة جذرياً لتلك التي حملها خلال المرحلة الأولى من الثورة السورية، ففي حين كان الاحتجاج آنذاك تعبيراً عن إرادة تحررية جماعية، تتمحور حول الكرامة والحرية والعدالة، يتحوّل في هذه المرحلة إلى احتجاج مضاد في جوهره، يسعى إلى تقويض شروط التحول السياسي وإفراغها من مضمونها، بدل الإسهام في ترسيخها أو الدفاع عنها وبالإضافة إلى ذلك، يعاد توظيف أدوات الاحتجاج ذاتها، من شعارات وحشود وخطابات، ضمن بنية خطابية تناقض المعنى الأصلي الذي حملته في سياق الثورة السورية.
وعليه، فإنّ رفع الشعارات الطائفية، إلى جانب المطالبة بالانقسام أو التمايز السياسي، لا يعكسان موقفاً رافضاً للحكومة السورية بقدر ما يعكسان رفضاً لفقدان الامتيازات التي ارتبطت بنظام الأسد، وكذلك رفضاً لإعادة تعريف المواطنة على أساس المساواة القانونية والسياسية بين الأفراد والجماعات ومن ثم، يغدو الخوف من العدالة ومن تفكك الامتياز متقدّماً على أي خطاب معلن حول المظلومية أو التهميش.
وتشكّل هذه الظاهرة، في مجموعها، تحدياً بنيوياً لمسار الانتقال السياسي في سوريا حيث تسهم، من جهة في إعادة إنتاج الاستقطاب الأهلي وتعميقه ضمن خطوط هوياتية مغلقة، كما تؤدي من جهة أخرى، إلى إضعاف الثقة المتبادلة بين المكوّنات المجتمعية، فضلاً عن عرقلة إمكان بناء سردية وطنية جامعة قادرة على استيعاب الماضي الاستبدادي وتجاوزه في آن واحد وإلى جانب ذلك، تكشف هذه الديناميات أن تفكيك الاستبداد لا يمكن أن يقتصر على استبدال النخب الحاكمة أو إعادة ترتيب مؤسسات الحكم وإنما يتطلّب تفكيكاً للبنى الذهنية والاجتماعية التي أسهمت في إعادة إنتاجه، سواء عبر الخوف أو الامتياز أو تسييس الهوية بوصفها أداة للهيمنة والاستمرار.
خاتمة
في ضوء التحليل السابق، يتبيّن أن ما يشهده الساحل السوري في مرحلة ما بعد سقوط الأسد لا يمكن قراءته بوصفه ظاهرة احتجاجية معزولة أو تعبيراً طارئاً عن هويات جمعية مكبوتة، وإنما ينبغي فهمه ضمن سياق أوسع لإعادة التموضع السلطوي، حيث تعيد فئات وفاعلون ارتبطوا بالنظام السابق تشكيل مواقعهم وخطاباتهم بما ينسجم مع شروط المرحلة الانتقالية ومخاوفها.
وفي هذا الإطار، تتداخل خسارة الامتياز مع الخوف من المساءلة، ويتحوّل الخطاب الطائفي إلى أداة سياسية وظيفية تستخدم لإعادة إنتاج النفوذ، وتعطيل العدالة، وإعادة تعريف الصراع خارج إطاره الوطني والحقوقي.
وعلاوة على ذلك، تكشف هذه الديناميات أن الطائفية لا تعمل فقط كآلية دفاعية آنية، وإنما كاستراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى مقاومة التحول الديمقراطي وإفراغه من مضمونه، عبر إعادة إنتاج الاستقطاب الأهلي، وتقويض الثقة بين المكوّنات المجتمعية، ومنع تبلور سردية وطنية جامعة لما بعد الاستبداد.
ومن ثم، فإنّ الانتقال السياسي في سوريا يواجه تحدياً مركباً لا يقتصر على إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنما يمتد ليشمل إعادة بناء المعنى السياسي للمواطنة والانتماء والعدالة وبناء على ذلك، يصبح تفكيك إرث الاستبداد مشروطاً بقدرة المسار الانتقالي على مواجهة البنى الذهنية والاجتماعية التي أعادت إنتاجه، بما في ذلك تحويل الطائفية من مورد سياسي إلى موضوع للمساءلة والنقد، وإعادة وصل السياسة بالأخلاق العامة وبمبدأ المسؤولية الفردية والجماعية.
تلفزيون سوريا
————————-
الغضب الذي لا يعرف طريقه.. قراءة نفسية في المشهد الساحلي/ أحمد عسيلي
شهد الأسبوع الماضي خروج مظاهرات في عدد من المناطق ذات الأغلبية العلوية في الساحل السوري، شملت مدنًا ساحلية وامتدت، بدرجات متفاوتة، إلى معظم أماكن الوجود العلوي. جاءت هذه التحركات في سياق سلسلة من الإضرابات التي دُعي إليها سابقًا، واختلف مستوى الالتزام بها من منطقة إلى أخرى. تقول شريحة واسعة من السوريين، إن هذه التحركات جاءت استجابة لدعوات أطلقها الشيخ غزال غزال، المحسوب على نظام الأسد، مستدلين على ذلك بدعوته التي أطلقها عبر صفحاته مع تحديده لتاريخ المظاهرات، وبالهتافات التي صدحت باسمه في الشارع، بينما يرى بعضهم أنها استجابة لنداءات أطلقها مثقفون وناشطون علويون.
على أي حال، لا يمكن فصل هذه المظاهرات عن مسار حراك علوي معارض للسلطة بدأ منذ لحظة التحرير، وكانت تجلياته الأولى في 25 من كانون الأول 2024، أي بعد نحو 17 يومًا من سقوط النظام، في أزمة عُرفت آنذاك بأزمة ضريح الخصيبي، أي قبل مجازر الساحل بكثير.
تبع هذه التحركات، في مساء اليوم نفسه، خروج مسيرات في عدد من المناطق ذات الأغلبية السنية، مؤيدة للسلطة الحالية، بوصفها رد فعل مباشرًا على مظاهرات الظهيرة، ولم تخلُ هذه المسيرات من شعارات حادة، وترافقت في بعض المناطق مع خروقات واعتداءات طالت بعض العلويين، ما أعاد إلى الواجهة هشاشة السلم الأهلي وسهولة انزلاق الشارع من التعبير السياسي إلى التوتر الهوياتي.
بالتأكيد، ثمة تباين عميق بين السنة والعلويين (أقصد هنا الحالة العامة، مع تباينات فردية واسعة) في قراءة المشهد السياسي منذ سقوط نظام الأسد، غير أن هذه المقالة لا تهدف إلى مناقشة مشروعية هذه القراءات أو تفنيدها، بقدر ما تسعى إلى تفكيك التداعيات النفسية لهذه الأحداث، ودراسة أنماط التفكير التي قادت كل مجموعة إلى تبني هذه المواقف المتقابلة.
من منظور نفسي، يمكن قراءة ما جرى بوصفه مثالًا واضحًا على ما يُعرف بآلية الاستثمار المضاد (Contre-investissement). فعندما يرتفع منسوب القلق الجماعي، لا يُواجَه هذا القلق بصورة مباشرة، بل يُقابَل بضخ طاقة انفعالية مضادة تهدف إلى استعادة الإحساس بالتماسك والسيطرة، في هذا السياق، فُهمت مظاهرات الظهيرة، بما حملته من غضب واعتراض، في المخيال السني لا كمطالب سياسية قابلة للنقاش، بل كتهديد محتمل لاستقرار هش، واستدعاء غير واعٍ لذاكرة طويلة من الخوف، فجاءت مسيرات المساء لا بوصفها تعبيرًا سياسيًا مستقلًا، بل كحركة دفاعية تهدف إلى تثبيت صورة الدولة بوصفها الضامن الأخير للأمان، غير أن هذا الاستثمار المضاد، بدل أن يخفف التوتر، أسهم في تعميق الانقسام في الشارع، إذ بات كل طرف يقرأ فعل الآخر بوصفه إدانة وجودية لا دعوة للحوار.
تتضح هذه الدينامية بشكل أوضح عند التوقف أمام دعوات الإضراب، فالإضراب، في السياقات السياسية الكلاسيكية، هو أداة ضغط منظمة، تقوم بها نقابات أو مجموعات مهنية متماسكة، بهدف شل الحركة الاقتصادية أو فرض تكلفة مباشرة على السلطة الحاكمة، إلا أن الحالة الراهنة تختلف جذريًا عن هذا النموذج، فالعلويون، بحكم توزعهم المهني والجغرافي، لا يشكلون كتلة اقتصادية قادرة على تعطيل فعلي، ولا يملكون قطاعًا إنتاجيًا يمكن أن يستخدم كورقة ضغط. من هنا، لا يضغط الإضراب على السلطة، ولا يغير في ميزان القوة، بل يتحول سريعًا إلى علامة هوياتية تُقرأ طائفيًا، مهما كانت نيات القائمين به.
يحدث هنا الفعل العكسي، بدل أن يُضعف الإضراب موقع السلطة، يعزز تمسك الشارع السني بها، بوصفها درعًا واقيًا في مواجهة ما يُتصوَّر أنه عصيان طائفي، ويتحول الحراك، من حيث لا يدري أصحابه، إلى مكسب سياسي مجاني للطرف الآخر، كمن يسعى لمواجهة خصمه فيقدم له هدية على طبق من ذهب. الأخطر من ذلك أن هذا المسار يفتح الباب أمام رد فعل سني هوياتي أيضًا، قائم لا على برنامج سياسي أو قراءة عقلانية للمشهد، بل على الخوف، ما يُدخل الطرفين في حلقة استقطاب متبادل يصعب كسرها.
في قلب هذه الحلقة، يمكن توصيف المزاج الانفعالي السائد بما يعرف في التحليل النفسي بـ”الغضب النرجسي” (Rage narcissique)، أي الغضب الناتج عن جرح عميق في صورة الذات الجماعية، وفقدان مفاجئ للمكانة والدور، هو غضب دفاعي بالأساس، لا يجد موضوعًا سياسيًا واضحًا يمكن توجيهه نحوه، ولا يمتلك قنوات منظمة للتعبير، فيتحول إلى أفعال رمزية واندفاعية تهدف إلى استعادة الإحساس بالقيمة والسيطرة، غير أن هذا النوع من الغضب، حين يُترك بلا احتواء أو ترميز، غالبًا ما يرتد على أصحابه قبل أن يصيب خصومهم، ويسهم في تعميق الانقسام بدل فتح أفق للخروج منه.
المشكلة الأعمق في هذه اللحظة لا تكمن في حدث بعينه، بل في تصاعد هذا الغضب ودخوله في حلقة مغلقة من الفعل ورد الفعل، بما ينذر بالوصول إلى حالة استعصاء تام تُشل فيها السياسة ويُطلق العنان للمخيال الخائف. أمام هذا المسار، لا يبدو أن ثمة مخرجًا واقعيًا سوى خفض التصعيد من الطرفين، وتكثيف التشبيك والحوار بين المجموعات كافة، دون مزاودة أو إقصاء، مع اعتراف متبادل بالمخاوف. كما أن تعزيز العلاقات الاجتماعية والاقتصادية العابرة للهويات، بحيث يصبح الانفصال مكلفًا وصعبًا، يشكل اليوم الخيار الوحيد الممكن قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة.
عنب بلدي
———————————
==================
تحديث 04 كانون الثاني 2026
———————————
ما أسباب تصاعد التوترات في الساحل السوري؟/ أيهم الشيخ
2 يناير 2026
شهد الساحل السوري، بعد سقوط النظام، توترات متزايدة، بما في ذلك هجمات على مواقع واشتباكات أسفرت عن مقتل حوالي 1400 شخص من الأمن العام وأبناء الطائفة العلوية، وفقًا لتحقيقات حكومية.
وبدأت الجولة الأحدث من التوترات في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2025، عندما وقع تفجير في مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حمص، مما أسفر عن مقتل 8 أشخاص وإصابة 18 آخرين أثناء صلاة الجمعة.
وأعلنت جماعة “سرایا أنصار السنة” مسؤوليتها عن الهجوم. وأثار هذا الحادث احتجاجات واسعة في المناطق الساحلية، حيث خرج الآلاف من أبناء الطائفة العلوية إلى الشوارع في اللاذقية وطرطوس مطالبين بضمانات أمنية، وإطلاق سراح آلاف السجناء، ونظام فيدرالي يمنح المناطق الساحلية استقلالية سياسية أكبر.
وتحولت الاحتجاجات في اللاذقية، يوم الأحد الماضي، إلى اشتباكات عنيفة في ساحة الأزهري، حيث اشتبك المتظاهرون مع قوات الأمن ومتظاهرين مضادين مؤيدين للحكومة، وشملت الاشتباكات إطلاق نار، رمي حجارة، واعتداءات بالأسلحة البيضاء، مما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص (بما في ذلك عنصر أمني واحد) وإصابة أكثر من 100 آخرين، بينهم مدنيون وأفراد أمن.
وفي طرطوس، ألقى مجهولون قنبلة يدوية على مركز شرطة في بانياس، مما أسفر عن إصابة اثنين من رجال الأمن.
وردت الحكومة السورية بنشر وحدات من الجيش في مراكز اللاذقية وطرطوس لاستعادة الاستقرار، مع إدانة التفجير كمحاولة لزرع الفوضى.
وكانت مصادر خاصة قد أشارت، في حديثها مع “الترا سوريا”، إلى دور أفراد سابقين في ميليشيات موالية للأسد في تأجيج التوتر. موضحة: “ذُكر وجود شخص وإخوته داخل الاعتصامات التي دعا لها الشيخ غزال غزال، قبل يومين، يتفاخرون بقطع رؤوس ثوار وإهانتهم في ريف دمشق، وكانوا جزءًا من مهربي المخدرات”.
وتابعت: “بالإضافة إلى ذلك، أدى إفراج الحكومة يوم الجمعة 26 ديسمبر عن عدد من الموقوفين الذين ثبتت براءتهم قضائيًا إلى تصعيد التوتر. رغم ذلك، يتداول ناشطون صورًا وفضائح يدعون أنها تثبت تورط بعض المفرج عنهم في انتهاكات سابقة كشبيحة للنظام السابق”.
وعزا مراقبون الاحتقان الطائفي إلى غياب العدالة الانتقالية، محملين الحكومة المسؤولية عن ذلك.
وقال العقيد المنشق مصطفى فرحات، في حديث لموقع “الترا سوريا”، إن الأسباب العسكرية والاستراتيجية الرئيسية التي أسهمت في تصاعد الاحتقان في الساحل السوري، بعد سقوط النظام، تعود إلى أن منظومة السيطرة السابقة تفككت من دون تفكيك أدواتها. مشيرًا إلى عملية عسكرة بعض البيئات في عهد النظام الأب والابن من آل الأسد، حيث “لا يزال هناك نقص واضح في حصر السلاح بيد الدولة، ولا سيما السلاح المنفلت والمنتشر في الساحل، ما شجّع على استمرار الاحتقان الطائفي”.
وتابع فرحات: “لا ننسى أيضًا أن النظام السابق رسّخ، على مدار عقود، في أذهان الموالين له حالة من الشك والخوف والريبة، من خلال الترويج الدائم لفكرة مفادها أنه إذا وصل الآخرون إلى الحكم، فسيكون مصير الموالين كارثيًا. كانت هناك عملية تخويف وأدلجة مستمرة”.
وأشار إلى أن “معالجة هذا الملف تتطلب الإسراع في تحقيق العدالة الانتقالية، ووضع آليات واضحة لتطويق هذه الإشكالية”.
وأكد أن مدّ الجسور وتعزيز السلم الأهلي والمجتمعي أمران ضروريان، حتى تتضح الصورة بشكل جلي، ويصبح معلومًا أن المحاسبة تستهدف المجرم فقط، وأن بقية المواطنين في أمان. وأضاف: “هذا ملف يجب العمل عليه بجدية، فهناك الكثير من القضايا التي لا يمكن اختزالها في سبب واحد”.
وأوضح فرحات أن “المستفيدين الأساسيين من هذا الواقع هم بقايا النظام السابق، إلى جانب قوى إقليمية مثل إيران، فضلًا عن عصابات الاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة، التي تنشط بين السعودية والساحل السوري ومناطق شرق سوريا. لقد كانت سوريا دولة مصدّرة للكبتاغون، وللفوضى، وللسلاح، وحتى للاتجار بالأعضاء البشرية. جميع هؤلاء يستفيدون من حالة الفوضى واستمرار الخلل المجتمعي، ما يستدعي وضع خطة واضحة لمواجهتهم. وأعتقد أن الدولة السورية تعمل حاليًا على هذا المسار، وما تقوم به ليس من فراغ”.
وفي المقابل، شدد فرحات على أهمية إشراك أبناء جميع المكوّنات ضمن قوى الأمن والجيش، وإشراكهم في عمليات التفتيش وحفظ الأمن، لما لذلك من أثر في تعزيز الثقة، وإيصال رسالة مفادها أن الجيش يمثل جميع السوريين، لا فئة بعينها.
وفي تصريح لموقع “الترا سوريا”، قال الباحث في الشأن السياسي عبد الله الخير إن تصاعد الاحتقان في الساحل السوري بعد سقوط النظام لا يمكن فهمه من زاوية واحدة، بل هو نتيجة تداخل عوامل أمنية واجتماعية وسياسية تراكمت على مدى سنوات طويلة.
وأوضح أن تفكك منظومة السيطرة السابقة جرى من دون تفكيك كامل لأدواتها، وفي مقدمتها الانتشار الواسع للسلاح، ما أبقى الأرضية مهيّأة للتوتر والاشتباكات.
وأشار الخير إلى أن النظام السابق غذّى، لعقود، خطاب الخوف المتبادل بين المكوّنات، ما جعل بعض البيئات أكثر هشاشة أمام الشائعات والاستفزازات. وفي المقابل، شدد على أن مطالب شريحة واسعة من السوريين بالمحاسبة عن الجرائم السابقة تبقى مشروعة، لكنها تحتاج إلى مسار واضح للعدالة الانتقالية يميّز بين المجرم وبقية المجتمع.
وأكد أن غياب هذا المسار، إلى جانب نشاط مجموعات إجرامية وشبكات تهريب، أسهم في تعميق الانقسام. وختم بالتأكيد على أن تعزيز السلم الأهلي يتطلب إجراءات أمنية عادلة، وإشراك مختلف المكوّنات الوطنية في مؤسسات الدولة، بما يرسّخ الثقة ويحول دون الانزلاق نحو صراع أوسع
الترا سوريا
———————————
هل الساحل على حافة المجزرة مرة أخرى؟/ عمر قدور
السبت 2026/01/03
ليلة رأس السنة لم يتوقّف التحريض على السوشيال ميديا. من المؤكد أن هناك ملايين السوريين الذين لا يعنيهم الاحتفال بالعام الجديد، وثمة ملايين من الذين لم يستطيعوا الاحتفال أو الاحتفال كما يتمنون. المحرِّضون على السوشيال ميديا ليسوا من هؤلاء؛ هم الذين اختاروا عدم التوقف عن بثّ أجواء الكراهية حتى في الليلة التي لها رمزية عامة، والسوريون ليسوا استثناء إذ لطالما تبادلوا فيها التمنيات الطيبة، وتمنّوا فيها أن يعمّ السلام والمحبة.
التحريض مبني أساساً على موضوعين، أولهما انتهاء المهلة المفترضة لتطبيق اتفاق العاشر من آذار، حيث تُرمى المسؤولية على قسد التي لم تفِ بمطلب حلّ نفسها والاندماج ضمن السلطة المركزية. أما الوجهة الثانية فهي الساحل، حيث بدأ التحريض مع المظاهرات التي انطلقت هناك تلبيةً لعدة دعوات، منها دعوة غزال غزال، فراح التحريض يستهدف العلويين بوصفهم جميعاً من فلول الأسد، ثم أتت تسريبات قناة الجزيرة ليتلقفها هؤلاء بهدف وصم العلويين بأنهم متآمرون مع إسرائيل ضد السلطة.
إزاء كمية التحريض وشحنات الكراهية، يتمنى المتابع تصديق تلك المقولة التي يرى أصحابها أن الوضع على الأرض أفضل بكثير مما هو عليه في السوشيال ميديا. إلا أننا في مناسبة سابقة على الأقل تابعنا كيف مهّد التحريضُ الأجواءَ لدورة عنف شديدة، وتابعنا في مناسبات أخرى كيف تولّت قوى دولية وإقليمية لجمه قبل وقوع الأسوأ.
القناعة السائدة اليوم، صراحة أو مواربة، مفادها أن قوى الخارج هي التي تمنع التدهور نحو العنف. أنصار السلطة الذين يحملون هذه القناعة يرون أن إسرائيل هي التي تعيق سيطرة السلطة على السويداء، وأيضاً تدعم قسد في الشمال الشرقي والفلول في الساحل. وثمة استحياء يردعهم عن تحميل واشنطن المسؤولية، بوصفها الحليف الأكبر لإسرائيل، ومن جهة أخرى لأن قسد تخضع للمظلة الأميركية، وواشنطن هي صاحبة القرار الأول فيما يخص منطقة الجزيرة السورية. الأكراد عموماً لديهم القناعة ذاتها فيما يخص التأثير الأميركي، إذ يرون أنه هو الذي يمنع هجوم السلطة، المدعومة من أنقرة، على مناطق سيطرة قسد، مع التركيز على توقعاتهم بأن مثل هذا الهجوم سيعيد سيناريو آذار وتموز في الساحل والسويداء، أو على الأقل سيناريو عفرين 2018.
القناعة شبه المعمَّمة بين العلويين باتت أيضاً تنص على أن الخارج هو الذي يلجم السلطة وجمهورها عن عملية استباحة أضخم مما يعانون منها فعلياً، علماً أن الانتهاكات التمييزية هي ما دفعهم إلى التظاهر، ودفع البعض منهم إلى الالتحاق بالشيخ غزال غزال أو سواه ممن استغلوا المظاهرات للصعود على أكتاف الضعفاء المتضررين. في المحصلة يظهر الخارج حامياً، إن لم يكن مباشرة فلأنه يلجم السلطة وأنصارها، أو لأن هؤلاء لا يريدون خسارة الدعم الدولي الذي يحظون به.
بصرف النظر عن فحوى الخلافات، مجرد الاقتناع بأن الخارج هو الذي يحمي السوريين من حروب أهلية مصغّرة، أو حرب أهلية أوسع، هو مؤشّر على أن السنة الفائتة بعد سقوط الأسد لم تدفع بهم إلى الشروع في حوار جاد من أجل إرساء حدود دنيا من التفاهم. التوجّس من دورات عنف مقبلة سيصبّ في الدوامة نفسها، لأن الأطراف المتوجّسة ستنكفئ على ذاتها أكثر فأكثر، وسيُعاد إنتاج خطابات الكراهية هنا وهناك ليحافظ كل طرف على تأهب أنصاره تحسباً للحرب التي قد تندلع في أية لحظة.
ضمن القناعة ذاتها، تتجه الأنظار إلى الساحل أكثر من غيره، لأن العلويين لا يحظون بحماية دولية صريحة، ما يعرّضهم ليكونوا مكسر عصا، أو الفئة الأشد ضعفاً. أي أن دورة مصغّرة من العنف تبقى واردة هناك، حتى إذا لم يكن ثمة ضوء أخضر خارجي، فالنصر من وجهة نظر المهاجمين مضمون، وقد يكون مطلوباً كتعويض عن عدم إمكانية تحقيقه في الجنوب والشمال. سيناريو آذار، أو حتى على نطاق أوسع، ليس مستبعداً إذا أُخِذ التحريض في الحسبان، ولا يُستبعد أيضاً التصعيد المضبوط من دون ذلك السيناريو، وعلى مدى زمني أبعد.
من مظاهر التسليم للخارج أن لا أحد يطرح إمكانية بناء الثقة داخلياً، والملاحَظ أن أهمية الاستقرار الحقيقي، النابع من الداخل، لا تأخذ أي حيز من الاهتمام، ولا يُنظَر تالياً إلى ضرورته على المدى القريب والبعيد. والتحسن النسبي في أوضاع معيشية هنا أو هناك لا يعكس تحسناً كلياً حتى ضمن ما يُعتقد أنها جماعة واحدة. هكذا كانت مخزية رؤية الأوضاع المزرية لمخيمات الشمال التي داهمتها الثلوج، ولم ينل المهجّرون فيها ما يستحقونه من اهتمام، بينما شاهدوا خلال سنة مهرجانات باذخة توالى على منصاتها مسؤولون يجزمون بحدوث تحسّن معيشي استثنائي.
بالتأكيد حدث تحسن هنا أو هناك، وهذا منتَظر أصلاً بسبب انفتاح البلد بعد سنوات من عزلة خانقة. لكن المعطيات الخاصة بالسلم الأهلي، والمخاوف المتبادلة التي أشرنا إليها، ستبقى تعيق حدوث نقلة اقتصادية حقيقية، وهذا بدوره سيفسح للخلافات كي تتعمق أكثر فأكثر. ففي مناخ نابذ للاستثمارات لن يتاح للسوريين اختبار المنافع الآتية من السلم، ومن تشابك المصالح الاقتصادية فيما بينهم، لكي يفكروا بمنافع “الجزرة” بالمقارنة مع تلك المتوخّاة من “العصا”!
الأمن بمعنى السلامة الشخصية، ثم الأمن الاقتصادي، هذا ما يبحث عنه الجميع، من دون دليل على أن الاجتماع السوري سيحققهما. وفي غياب هذه القناعة لا يُستَغرب انتعاش الكلام عن الهويات الطائفية والإثنية، بحيث تبدو كأنها الملجأ والأمان ومحرّكَ التاريخ. وبالطبع المستثمرون كثر في موضوع الهويات، لأن الحديث في الاختلاف سهل جداً، ويعفي من مكابدة البحث في المصالح المشتركة التي تتطلب استثماراً حقيقياً.
لقد برع السوريون خلال عقد ونصف في شيطنة السوري الآخر، وهو ما يبدو جذّاباً حتى الآن، فالآخر مشجب من السهل أن تُعلق عليها الإخفاقات ومختلف أنواع الكسل. ومن السهل أيضاً الانزلاق إلى تفكير أحادي، كالظن بأن ما لا يتحقق بقليل من العنف سيتحقق بكثير منه؛ هذا بالضبط ما يلوّح به أنصار للسلطة يزعمون أنها تراخت في فرض سطوتها على الساحل، من دون أن يميّزوا بين عدالة انتقالية مطلوبة واستهداف الأبرياء الذين تظاهر البعض منهم مطالباً بسلامته الشخصية وأمنه المعيشي ليس إلا.
أصحاب هذا التحريض الذي راج بشدة في الأيام الأخيرة لا يريدون رؤية آثار مجازر آذار إذ أنعشت مخاوف الأكراد شمالاً والدروز جنوباً. واليوم أيضاً، ولأن العلويين هم الحلقة المستضعفة أكثر من غيرها، فإن ما ستفعله السلطة في الساحل سيكون له صداه شمالاً وجنوباً، لأن ما تفعله بحرية نسبية أقوى دلالة مما لا تفعله تحت الضغط، ولا مغالاة في القول إن ملامح “سوريا الجديدة” التي يُحكى عنها تبدأ ثانيةً من هناك، ولن تستثني أحداً، سلباً أو إيجاب
المدن
——————————
==================
تحديث 02 كانون الثاني 2026
———————————
من حمص الجريحة حفيد الشيخ صالح العلي.. عن العلويين والتحولات واختبار الانتماء إلى سوريا
———————————
==================
تحديث 01 كانون الثاني 2026
———————————
في معنى التظاهر والشارع مقابل شارع/ عبد الله مكسور
2026.01.01
التاريخ يخبرنا أن النُظُم السياسية التي تتقن فن إدارة الأزمات وتقديم الوجوه، التي تعبِّر عن الرؤية الخاصة بها، هي وحدها القادرة على عبورها من دون أن تنكسر أو تنهزم.
في السياق السوري -الحديث هنا تحت سقف الدولة- تكتسب هذه المسألة حساسية مضاعفة، باعتبار أن سوريا خرجت لتوّها من نظام أمني ديكتاتوري مغلق، ثم ما لبثت أن دخلت مرحلة انتقالية مثقلة بالجراح والشكوك من كل الأطراف.
يرافق كل هذا مزاج “لبّت لبّت” الذي لا يستطيع التعامل مع الشارع إلا بذهنية الشبهة الدائمة، هنا بالضبط يتحدّد معنى الدولة الحديثة القائمة في جوهرها على حماية الحق، وضبط الفعل، ومنع انزلاق السلمي إلى الفوضوي، والوطني إلى التفكيكي.
الحق في التظاهر السلمي ليس منحةً أو هِبَةً أو ترفاً سياسياً يُسحب عند أوّل ارتباك أمني، بل هو من صميم العقد الأخلاقي والتوافقي بين الدولة والمجتمع، فحين يخرج جمهور ما إلى الشارع، حاملاً مطالبه وقلقه واحتجاجه، فإنّه لا يهدّد الدولة بقدر ما يختبر قدرتها على الإصغاء، وقد احتفى السوريون بعنصر من قوات الأمن العام كان يحمي مظاهرة ضد الدولة، في مشهد غاب عن السيناريو السوري في كل منعطفاتِه السياسية عبر عقود حقبة الأسد “الأب والابن” وما قبله.
ما جرى في اللاذقية يكشف هذه المعادلة الدقيقة، فالمشهد في صورته المباشرة يتمثَّل في رجل دين متقوقع على طائفة بذاتها، يدعو للتظاهر، فتتقاطع المصالح مع حركات تمثِّل الفلول أو تتصل بهم بشكل مباشر، هذا مُدان بالمطلق، لكن لا يمكن إغماض العين عن أن غضباً حقيقياً، متراكماً هناك، له أسباب أمنية ونفسية واضحة.
إحساس بالهشاشة، فقدان مصادر العيش، الخوف من الانتقام، والقلق من المستقبل السياسي؛ كلها عناصر تدفع أي مجتمع إلى التعبير، وأحياناً إلى الصراخ، إنكار ذلك خطأ سياسي، لكن الخطأ الأكبر الذي على الدولة عدم التسامح أو التساهل به، هو تحويل هذا الغضب إلى منصة يستغلها حلفاء النظام الساقط -في الداخل والخارج- لطرح أو تحقيق مشاريع تقسيمية، أو صيغ سياسية تقوم على الفرز الطائفي والجغرافي لتفتيت المُفتَّت في الأصل.
فأيُّ حقِّ يفقد جوهره حين يُحمَّل بما لا يحتمل: حين يُستدعى الخارج، وتُستعاد لغة الكيانات المغلقة، أو تُطرح الحلول بوصفها الخريطة السحرية في بلد لم يلتئم جرحه الوطني بعد.
التجربة السورية -سياسياً وتاريخياً واجتماعياً- منذ الانتداب حتى اليوم، تقول بوضوح إنّ التقسيم لا يحل المظالم بل يجمّدها داخل حدود أصغر، ويحوّل الخوف إلى هوية دائمة، وسوريا التي نعرفها لم تكن مشكلتها يوماً في تنوعها، بل في استخدام هذا التنوع أداة للسيطرة أو للابتزاز.
وأي خطاب سياسي -مهما بدا مبرَّراً عاطفياً- إذا قاد إلى تهديد أو سعى إلى تفكيك الدولة، فهو يفتح الباب إلى حروب مؤجلة لا إلى مصالحات حقيقية تردم فجوات الماضي وتؤسس لمستقبل أفضل ومشترك.
أمام دعوات التقسيم والهتاف للأسد والفلول، يُحسب للدولة الجديدة أنها اختبرت مقاربة مختلفة في إدارة الاحتجاج، الانتشار الأمني المنضبط، وتجنب الاحتكاك، وحماية المتظاهرين، ومنع الانزلاق السريع إلى العنف؛ كلها مؤشرات على وعي جديد بأن الشرعية لا تُبنى بالهراوات والرصاص الموجّه إلى الشارع.
هذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً، بل رسالة سياسية: الدولة الجديدة -رغم كل أزماتها- تريد أن تُرى وتُختبر بطريقة مختلفة، لكن هذه الرسالة، مهما كانت مهمة، تبقى ناقصة إن لم تتبعها سياسات ملموسة تعالج جذور السخط.
الأمن، في سوريا اليوم، ليس مسألة دوريات، وسيارات جديدة، وحواجز، واستعراضات ميدانية فقط، بل في خطوته الأولى يقوم على مسألة العدالة الانتقالية الواضحة، والخطاب السياسي الجامع، فالاستقرار لا يمكن أن يُبنى عبر الإقصاء الجماعي أو القرارات الفجائية التي تترك الآلاف بلا أفق.
وفي الوقت ذاته لا يمكن أيضاً التساهل مع شبكات عنف منظمة تحاول استثمار الاحتجاج لإعادة إنتاج الفوضى أو الترويج لعودة منظومة الديكتاتورية، التحدي الحقيقي الذي يجب أن تطرحه الدولة هو التفريق الصارم بين الاحتجاج كحق، والتخريب كجريمة.
سوريا بحاجة حقيقية إلى خطاب وطني صريح تقوده الدولة، ليقطع بشكل تام مع منطق “نحن وهم”، ويعيد تعريف المواطنة على أساس الحقوق لا الانتماءات، روح الشعب متعبة، لكنها لم تنكسر، ما زالت تبحث عن دولة تحمي ولا تخوّف، تسمع ولا تتربص، وتُصلح بدل أن تؤجل الانفجار.
ووفقاً لهذا المنطق فإن الكُرَة اليوم -كما هي دائماً- في ملعب الدولة: إما أن تجعل من الشارع شريكاً في العبور، أو تتركه في ساحة مفتوحة لرياح لا يمكن السيطرة عليها في منطق الشيخ والتابع!.
يقودني هذا للحديث عن الشارع المؤيد للسلطة الذي يتحرك لمواجهة شارع معارض -بالقول أو بالفعل- هذا السلوك يتحول من مساحة تعبير إلى أداة ضغط مضاد ضد الدولة، فلا يعود الهدف من وجوده الدفاع عن فكرة أو برنامج، بل كسر الآخر، وإخافته، أو نزع شرعية مطالبه.
في هذه اللحظة -على الشارع المؤيد أن يدرك ذلك جيداً- تتراجع الدولة خطوة إلى الخلف، وتترك المواطنين في مواجهة بعضهم بعضاً، ولو من دون إعلان صريح، وهذا أخطر ما في الأمر: أن تُدار السياسة بالوكالة عبر الحشود، ثم يقول الجميع: لقد وقعنا في فخ!
فكرة “الشارع مقابل شارع”، التي يمشي إليها المجتمع السوري بكامله، ليست مجرد توصيف صحفي لحشود متقابلة، بل هي فلسفة سياسية خطِرة، تُنذر -حين تُستدعى- بأنَّ آخر القِلاع قد صارت في خطر.
إنها أشبه باتجاه أي نظام سياسي في العالم لإعلان التعبئة العامة لكل من هو قادر على حمل السلاح، حتى وإن بدت في ظاهرها شكلاً متقدِّماً وتعبيراً عن التعدد أو الحيوية العامة، لكن لا يمكن التعامل مع هذا المفهوم ببرود نظري؛ خاصة مع ما يحمل في ذاكرته القريبة أثقالاً من الدم والانقسام والانزلاق السريع من الهتاف إلى الاقتتال.
في حالة سوريا، يكتسب “الشارع مقابل شارع” طابعاً أكثر خطورة لأنّ المجتمع لم يخرج بعد من صدمة الاستقطاب السياسي والاستقطاب الطائفي، فالسنوات الماضية لم تنتج خلافاً سياسياً عادياً، بل شروخاً عميقة في الثقة، وخوفاً متبادلاً بين جماعات ترى في الآخر تهديداً محتملاً لا خصماً سياسياً.
وعندما تتواجه هذه الجماعات في الشارع فإن الذاكرة الجماعية لا تستدعي لغة الشعارات، بل صور العنف والانفلات وهذه بطبيعة الحال تتناسل من بعضها مهما بذلت أطراف محاولات لضبطها.
التجارب المقارنة في بلدان تشبه الحالة السورية بشكل أو بآخر، من بيروت، وبغداد، وصنعاء، والقاهرة، تُذكِّرنا أن لحظة “الشارع مقابل شارع” هي غالباً لحظة ما قبل الانفجار أو الانقلاب على المسار.
إذ ما إن يصبح الشارع أداة ردع متبادل، حتى يدخل الجميع في سباق استعراض القوة، وتصبح اللغة أكثر حدّة، والحدود بين السلمي والعنيف أكثر هشاشة وقرباً للاشتعال، الأخطر من ذلك أن “الشارع مقابل شارع” يعيد إنتاج منطق التخندق والدفاع عن مقولة ما، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة.
فالحشود لا تتشكل في فراغ، هي تُقرأ وتُؤوَّل اجتماعياً، ودينياً، وعرقياً، وطائفياً، ومع كل مواجهة رمزية تتعمق القطيعة النفسية، وفي ظل هذا الحال يفقد الفرد صفته كمواطن، ليعود ممثلاً لهوية ذاتية منغلقة وصلبة، تُحمَّل ما لا تحتمل من خوف وغضب، والأهم أنها تحيِّد فكرة الدولة وتستقطب كل من تأتي على هواه الضيِّق.
كي لا تصل سوريا إلى هذه المرحلة، أو لمنعها بتعبير أدق من الوصول إلى هذه النقطة، لا بد من الأخذ بكل أسباب التهدئة، بما في ذلك مسار العدالة الانتقالية، والعمل على الفصل بوضوح تام بين الفلول وأنصار العداء للدولة الوليدة من جهة، وبين أولئك المطالبين بحقوق مشروعة في وطنهم.
وبالتالي فإن إطلاق الرصاص أو الاعتداء على عناصر الأمن العام أمر مرفوض ومدان، ويجب أن يكون الرد عليه بإجراءات أمنية أكثر شدة وحسماً مع مرتكبي الجرائم وفق محاكمات علنية.
وأيضاً فكرة النزول من الشارع المؤيد إلى الساحات كلما لاحت أزمة أمنية، وكأنَّ الدولة الوليدة غير قادرة على إدارة الأمر سيضع المجتمع بكامله أمام أمواج من الكراهية لا تنتهي أبداً، وستكون عواقبه أكبر من قدرتنا جميعاً على الاحتمال.
الدولة الحديثة لا تتباهى بالشارع، لا تقوم على الاحتكام إلى الشارع بوصفه أداة حسم -كما يفعل كثير من الذين يظهرون على الشاشات من قلب دمشق دون صفات رسمية خلال الخطاب مع المعارضين- الشارع ليس معياراً حقيقياً للحكم الرشيد.
قد يندفع نتيجة لعديد من العوامل ليس المقام لذكرها هنا، لكنه في أصله فضاء للتعبير، لا منصة لتقرير الشرعية، وحين يتحول الشارع إلى مصدر وحيد للشرعية، تتراجع السياسة، ويُختصر القانون في ميزان الأعداد والانفعالات، هنا تبدأ المعضلة: من يملك الشارع الأكبر؟ ومن يحدد متى ينتهي الاحتجاج ويبدأ التفويض؟ هذه الأسئلة لا إجابات دستورية لها في سوريا اليوم، إنها تفتح الباب لمنطق القوة، حتى إن لبس ثوب “السلمية” أو “الدولة”.
تلفزيون سوريا
————————————–
احتجاجات الساحل: سوريا أمام خيار الحسم لقطع طريق الانفصاليين/ فؤاد الوادي
الأربعاء 2025/12/31
دخلت “سوريا الجديدة” المرحلة الأصعب والأخطر في استمراريتها كدولة حديثة العهد، هي مرحلة الحسم لكثير من الملفات العالقة والإشكالية، والتي لم يعد ينفع تأجيلها إلى وقت لاحق، كونها باتت العائق الرئيس أمام مسار التعافي والنهوض والتنمية، المسار الذي لا يمكن له أن يمضي نحو وجهته وهو محاط بالألغام والمتفجرات، الداخلية منها والخارجية.
ظروف معقدة وتحديات وجودية
“سوريا الجديدة” التي ولدت تحت ركام الاستبداد والفساد، تحاول النهوض والوقوف وترميم الجرح، وسط ظروف معقدة زمانياً ومكانياً وسياسياً، وفي ظل تحديات وجودية تحاول شلها وعرقلتها وثنيها عن مواصلة طريق تعافيها ونهوضها، لا سيما وأن المتربصين بها قد وجدوا فرصتهم المواتية لتحقيق طموحاتهم ومشاريعهم الانفصالية والتقسيمية والاحتلالية.
ضمن هذا السياق، يمكن وضع الموجة الجديدة من الاحتجاجات التي ضربت بعض مناطق ومدن الساحل بالأمس، حيث التحريض والاستثمار في الثغرات الطائفية الأكثر خطورة في المشهد السوري وصل إلى ذروته، كامتداد لمحاولات تفجير المشهد السوري على مدار نحو عام كامل من قبل أطراف ومجموعات في الداخل والخارج، والذين جمعهم هدف واحد، وفرقتهم غايات كثيرة، هدف ضرب ركائز الدولة الفتية، وغايات الانفصال والتقسيم والاحتلال وإعادة التموضع والحضور وجر الزمن إلى ما قبل سقوط نظام الاستبداد والفساد والطغيان.
فيما هو أعمق من ذلك، يمكن قراءة هذه الاحتجاجات، من زاويتين مختلفتين ومتناقضتين في آن معاً، الأولى، ردها إلى تخطيط ممنهج ومنسق من قبل عدة أطراف داخلية وخارجية ” الفلول والكيانات التي تسعى للانفصال كقسد والهجري، والإسرائيلي والإيراني”، بهدف توسيع الجبهات وإضعاف وإجهاد وتشتيت قوة الدولة السورية عبر نقل المعركة من مكان إلى آخر وخلق بؤر مشتعلة بشكل متواتر ودائم، كجزء من حالة الضغط المستمرة على دمشق للقبول أو التنازل هنا وهناك.
وأما الثانية، فيمكن أن تعبر عن حالة من “استواء” الصبر الذي كانت تتعامل به دمشق مع الكثير من القضايا الإشكالية التي كانت ترى في تأجيلها ضرورة وجودية حتى تعيد انفتاحها على العالم وتخرج من عزلتها التي تسببت بها عقود الاستبداد والمحاور والمشاريع الأيدلوجية.
ضرب منظومة الاستقرار
في حديث خاص لـ”المدن “، يؤكد الباحث والأكاديمي المتخصص في الشؤون الاستراتيجية الدكتور وائل مرزا من دمشق، أن أحداث الساحل بالأمس يجب أن تُقرأ كحلقة ضمن سياق ما يمكن تسميته “هشاشة ما بعد سقوط الأسد”، التي تتجسد ملامحها بالانتقال السياسي السريع، والإرث الأمني المثقل، والحساسية الطائفية المتراكمة، والبيئة القابلة للاشتعال بفعل محفّزات قريبة (مثل تفجير حمص الذي سبق احتجاجات الساحل)، ثم تحوّل الاحتجاج إلى عنف واشتباكات أدت إلى سقوط أربعة قتلى وأكثر من مئة مصاب وهذا بحسب بيان لوزارة الصحة السورية.
في هذا الإطار، يصبح شعار “الفيدرالية/اللامركزية”، حتى لو حمله جزء من المحتجين كمطلب سياسي، بحسب الدكتور مرزا، ممراً عالي الخطورة عندما يترافق مع وجود مسلحين أو فاعلين يريدون نقل الحدث من احتجاج إلى “مسرح فوضى”، لأن ذلك يفتح الباب أمام تدويل الملف وتغذية السرديات الانفصالية الطائفية.
على هذا النحو، وانطلاقاً من تلاقي أهداف وغايات المحتجين، تبرز متلازمة الربط بين المستفيدين من وراء هذه الاحتجاجات، حتى لو كان الداعي لها شخص بلبوس مرجعية دينية وطائفية، وهنا يرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية، أن هناك عدة أطراف مستفيدة من ضرب منظومة الاستقرار في سوريا ، في مقدمتهم فلول النظام السابق الذين يسعون لإثبات أن “سوريا غير قابلة للحكم” ، بالإضافة إلى سعيهم لإرباك الشرعية الجديدة، وهذا ما يتقاطع مع ما كشفته تحقيقات حديثة عن محاولات بعض رموز النظام السابق من الخارج تمويل وتنشيط مجموعات مسلحة، خصوصاً عبر شبكات مرتبطة بالساحل.
كما أن هناك، وفقاً للدكتور مرزا، قوى إقليمية ترى في دولة سورية موحدة وقابلة للتعافي تهديداً لمعادلات نفوذها، فتستفيد من إبقاء الجبهة الداخلية متوترة، هذا بالإضافة إلى أن هناك جهات متطرفة طائفية تستثمر في أي اضطراب لتوسيع الاستقطاب وتعميق الكراهية، كما ظهر في سياق ادعاءات تبنّي جهات لهجمات سابقة وارتفاع منسوب الاحتقان.
تقاطع مصالح غير معلن
لكن أمام وصول الاستحقاق الأهم الى مرحلة التنفيذ، أي اتفاق العاشر من آذار، أو عدم التنفيذ ومواصلة التأجيل والتسويف وشراء الوقت، فإن “قسد” بمواصلتها الهروب والتهرب من تنفيذ الاتفاق، تضع نفسها في موقع المتورط باحتجاجات الساحل، وهو ما يمكن الإشارة إليه -دون الجزم- من خلال معطيات سابقة تسربت في أكثر من مناسبة عن وجود قيادات وعناصر من فلول نظام الأسد داخل مناطق سيطرتها، سواء بصيغ حماية غير معلنة أو تفاهمات مصلحية ظرفية، وهو ما أشار إليه باحثون وصحافيون غربيون في سياق الحديث عن إعادة تدوير الكوادر العسكرية بعد سقوط النظام. ويُقاس على ذلك ما ذكرته صحيفة “واشنطن بوست” في تقارير سابقة عن دعمٍ سياسي وتنظيمي قدّمته “قسد” لتيارات انفصالية في السويداء، بوصفه جزءاً من توسيع هامش الضغط باتجاه تعميم نموذج اللامركزية القسرية خارج مناطقها.
ضمن هذا الإطار، يتابع الدكتور مرزا حديثه بالقول: “لا يبدو مشهد الأمس منفصلاً أو عفوياً، وإنما هو أقرب إلى تقاطع مصالح غير معلن بين فلول النظام، وفاعلين انفصاليين محليين، وأطراف ترى في إرباك الدولة السورية الجديدة فرصة لتحسين شروط التفاوض أو تعطيل مسار إعادة التوحيد السيادي، سواء وصل ذلك إلى مستوى التنسيق العملياتي المباشر، أو لم يصل”.
وختم مرزا حديثه بالإشارة إلى زاوية إضافية في التحليل، مفادها أن جزءاً من الرهان الانفصالي يقوم على سوء تقدير فادح لطبيعة الرصد الإقليمي والدولي، إذ يتصرّف بعض الفاعلين وكأن ما يجري يمكن تسويقه خارجياً بوصفه ملف “حقوق إنسان” أو احتجاجاً محلياً معزولاً، متناسين أن المشهد السوري بأكمله يخضع لرصدٍ أمني واستخباراتي متواصل، ولسلاسل متابعة طويلة، ولقراءة شبكية دقيقة للعلاقات والاتصالات والتحركات، وأن هذا يحصل على أعلى المستويات إقليمياً وعالمياً، فكل محاولة تواصل، وكل اصطفاف ملتبس، وكل تقاطع مع قوى إقليمية منبوذة أو خاسرة، لا يمرّ بوصفه “دهاء سياسياً”، وإنما يُسجل فوراً كدليل نوايا، ويُدرج ضمن ملفات تقييم شاملة تُقدم للقيادات السياسية الإقليمية والعالمية على أعلى المستويات، و بهذا المعنى، فإن محاولات “توريط الدولة” لا تُربك نظرة النظامين الإقليمي والدولي إلى الدولة السورية، بقدر ما تُنتج معطيات إضافية تُضعف أصحاب هذه المحاولات، وتُسهم -من حيث لا يقصدون- في تعزيز سردية الدولة وقدرتها على الضبط، لأن الفرق الجوهري هنا، أن الانفصاليين يعملون بمنطق تكتيكي ضيق، بينما تعمل الدولة، في سياق التعامل معهم، ضمن أفق استراتيجي أوسع
المدن
———————————–
“قسد” واحتجاجات الساحل.. تضامن مع المحتجين أم ورقة ضغط على الحكومة؟/ عمر علاء الدين
31 ديسمبر 2025
أثارت الاحتجاجات التي شهدتها مدن الساحل السوري، تلبيةً للدعوة التي أطلقها رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، غزال غزال، وما رافقها من أعمال شغب وعنف، ردود فعل على المستوى السوري من كافة التيارات والأطراف، وعلى المستوى الشعبي كذلك.
وبين رافض وناقد وداعم لهذه الاحتجاجات التي خرجت تطالب بـ “الفيدرالية ووقف القتل” وما صحبها من أعمال عنف ضد قوى الأمن التي كانت تحمي تلك المظاهرات وما أعقبها من ردود فعل، يبرز بيان مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) الجناح السياسي لـ “قوات سوريا الديمقراطية” الذي تابع -وفق بيان نشره- هذه المظاهرات بـ “اهتمام بالغ”.
وانقسم خبراء قابلهم “ألترا سوريا” بين أن هذا البيان جاء لاستغلال الاحتجاجات كـ “ورقة ضغط ضد الحكومة” وإظهار نفسها كشريك وداعم لها، وبين أن “مسد” قدمت بيانًا متعاطفًا لما رأته من مطالب محقة لدى المحتجين.
احتجاجات.. عنف.. فلول.. مسؤولية
تحولت الاحتجاجات في اللاذقية إلى اشتباكات عنيفة في ساحة الأزهري، حيث اشتبك المتظاهرون مع قوات الأمن ومتظاهرين مضادين مؤيدين للحكومة، وشملت الاشتباكات إطلاق نار، رمي حجارة، واعتداءات بالأسلحة البيضاء، مما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص (بما في ذلك عنصر أمني واحد) وإصابة أكثر من 100 آخرين، بينهم مدنيون وأفراد أمن.
وفي طرطوس، ألقى مجهولون قنبلة يدوية على مركز شرطة في بانياس، مما أسفر عن إصابة اثنين من رجال الأمن. وردت الحكومة السورية بنشر وحدات من الجيش في مراكز اللاذقية وطرطوس لاستعادة الاستقرار، مع إدانة التفجير كمحاولة لزرع الفوضى.
مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) رأى، في بيان نشره الاثنين، أن التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي حقّ أصيل لكل مواطن سوري، وركن أساسي من أركان أي مشروع ديمقراطي جاد، معبرًا عن بالغ أساه لسقوط ضحايا من المواطنين السوريين وإصابة آخرين بجروح خلال هذه التظاهرات. وحمّل المجلس ما سماها “الحكومة السورية المؤقتة” مسؤولية مباشرة عن حماية أرواح المواطنين المدنيين وصون سلامتهم، وضمان حقهم في التعبير السلمي دون تعرضهم لأي أشكال من العنف أو القمع.
“مسد” حذر في ذات السياق من مخاطر التعامل الأمني مع قضايا سياسية واجتماعية جوهرية، باعتباره يعمّق الأزمات ويوسّع دائرة الاحتقان، وقد يدفع البلاد نحو دوامات العنف التي دفع السوريون ثمنها الباهظ. وأضاف إن أخطر ما يهدد مستقبل البلاد ليس التنوع في الآراء، بل “محاولة استغلاله لتأجيج الانقسامات الطائفية والمناطقية”، أو لـ “إشعال خطاب الكراهية بين مكونات الشعب السوري”.
الجدير ذكره هنا أن البيان لم يشر إلى استهداف عناصر من الأمن العام وقوى الأمن الداخلي من قبل المتظاهرين، أو تسلل بعض من فلول النظام إلى تلك المظاهرات وفق رواية وزارة الداخلية. وتعرضت عناصر الأمن المكلّفة بتأمين الاحتجاجات -وفق بيان نشرته الوزارة- لاعتداءات مباشرة في مدينة اللاذقية، إضافة إلى حوادث استهداف في ريف طرطوس نفذتها مجموعات مرتبطة بفلول النظام، لتعلن لاحقًا مقتل عنصر وإصابة اثنين آخرين.
وأوضحت الوزارة أن التعبير عن الرأي “حق مكفول لجميع أبناء الشعب السوري ضمن الأطر السلمية”، وقد جرى توجيه العناصر الأمنية لتأمين الاحتجاجات وحماية المشاركين فيها. إلا أن بعض التحركات خرجت عن طابعها السلمي، ما أدى إلى الاعتداء على عناصر الأمن، ويُعدّ استهداف عناصر الأمن جريمة يعاقب عليها القانون، حيث تعهدت الوزارة بملاحقة الفاعلين.
إدانة أم تضامن؟
يحاول بيان “مسد”، الجناح السياسي لـ “قسد”، إدانة الحكومة السورية، واستخدام هذه الاحتجاجات ووسائل التعامل معها كورقة ضغط عليها، وفق ما اعتبر المحلل السياسي والكاتب السوري فراس علاوي في حديث إلى “ألترا سوريا”. ويسعى البيان بحسب علاوي لإظهار “قسد” كـ “فاعل محلي أساسي في المشهد السوري”، عبر تقديم النصائح والمشورات للقوى الأخرى، على اعتبار أنها ترى نفسها “طرفًا مؤثرًا في الوضع الراهن”.
ويقرأ علاوي هذا البيان باعتباره محاولة لـ “قسد” أن تظهر كـ “شريك وداعم لقوى الاحتجاج في الساحل السوري”، ملخصًا البيان السابق في ثلاث رسائل أساسية:
الرسالة الأولى: موجهة للقوى المحتجة، لتأكيد وقوفها إلى جانبهم ودعمها لمطالبهم.
الرسالة الثانية: تهدف إلى تكريس دورها كشريك فاعل للقوى الموجودة على الأرض السورية، ومن ثم تقديم مقترحات ورؤى سياسية.
الرسالة الثالثة: ممارسة الضغط على الحكومة السورية عبر إظهارها بـ “مظهر الطرف الذي يتعامل بسوء وفشل مع المحتجين السلميين”.
بالمقابل، فإن الكاتب والمحلل السياسي طارق عجيب ذهب في حديث مع “ألترا سوريا” إلى أن بيان مسد أكد على وجود تعامل غير سليم وتعاطي غير إيجابي من قبل الإدارة السورية الجديدة مع الاحتجاجات، وأن هذا التعاطي لا يبشر بالخير بالنسبة لمستقبل الحياة السياسية، أو أداء الإدارة بملفات حرية الرأي والتعبير والتظاهر.
البيان الذي رأى فيه عجيب تركيزًا على ما سماه “التعامل مع المطالب المحقة”، انتقد وفق الباحث “رد الفعل تجاه الاحتجاجات والسماح بالتعدي عليها وارتكاب أعمال عنف بحق المتظاهرين السلميين، وتوجيه اتهامات معلبة لهم”. وقال: إن المظاهرات في عموم المناطق كانت سلمية، وتطالب بحقوق مدنية وشعبية محقة، واصفًا تعامل الدولة بـ “غير المطمئن”.
ومن هذا المنطلق، وفق الكاتب السياسي، يظهر دعم وتعاطف المجلس مع هذه الاحتجاجات التي تعبر عن “حالة سياسية وشعبية صحية” على حد تعبيره. وقد دعا البيان، وفق طارق عجيب، الإدارة السورية الجديدة إلى ضرورة أن يتناسب تعاطيها مع ما ترفعه من شعارات ووعود للمرحلة السياسية القادمة، حيث يجب أن لا تسمح الدولة باستخدام الشعارات الطائفية أو الهجوم على طوائف معينة، وهو ما سُجل للأسف كخروقات واضحة تؤخذ على أداء الإدارة الجديدة، وفق ما قال الكاتب السوري.
في 30 من كانون الأول/ ديسمبر الحالي، أصدرت وزارة العدل السورية بيانًا أكدت فيه على أن حرية التعبير حق مصون على أن تمارس ضمن الإطار القانوني المحدد لها. وأكدت الوزارة أن الدولة تميّز بشكل “حاسم لا لبس فيه” بين التعبير السلمي المشروع عن الرأي، وبين الأفعال التي تنطوي على تحريض أو إساءة أو تهديد للسلم الأهلي، بما في ذلك استخدام الخطاب الطائفي أو المذهبي، أو أي شكل من أشكال الكراهية أو الانقسام بين أبناء المجتمع الواحد، حيث وصفتها بـ “أفعال محظورة ومجرمة قانونًا”.
وأضافت في بيانها أن الحفاظ على وحدة الدولة وسيادتها مبدأ دستوري ثابت لا يقبل المساس أو التجاوز، وأن أي دعوات أو ممارسات تمس هذا المبدأ أو تخرج عن الأطر القانونية المعتمدة، تُعد “جرائم خطيرة” تمس أمن الدولة، وتُواجه بالإجراءات القانونية الصارمة التي حددها التشريع السوري، مؤكدة على أن القانون سيطبق على الجميع دون استثناء.
الترا سوريا
———————————
في مطالب السوريين العلويين/ رانيا مصطفى
01 يناير 2026
التظاهر حقٌّ مشروع للسوريين كلّهم؛ إلا أنه في غياب العمل السياسي الحزبي والنقابي والمدني، وكما كان منذ 2011، يحمل ما يحمل من مخاطر التدخّل الخارجي عبر التطييف خصوصاً. وهذا ما حصل طوال سنوات الثورة مع كل الفصائل العسكرية والكيانات السياسية التي تلقّت التمويل، ويحصل في السويداء مع دعم دولة الاحتلال سيطرة الزعيم الديني الشيخ حكمت الهجري. ومؤكَّدٌ وجود محاولاتٍ من هذا النوع حصلت في تظاهرات العلويين في الساحل السوري الأحد الماضي. وسواء خرجت تظاهرات الساحل بدعوة من رئيس المجلس الإسلامي العلوي في المهجر، الشيخ غزال غزال، أو بدوافع أخرى، فهي تعبيرٌ عن انعدام قنوات التواصل مع السلطة الجديدة.
ففي حين أن غزال، الطامح إلى سلطة طائفية تشابه سلطة الهجري، يستغلّ أيَّ حدثٍ لاستمالة العلويين، ويبدو أنه جنّد بعضاً منهم ليهتفوا باسمه، وعُمِّم مطلب الفيدرالية من دون الخوض في المقصد منها وإمكاناتها حلّاً لتأزّم السوريين العلويين، طُرحت مطالب عدة تتعلّق بمحاكمة ضبّاط وعناصر النظام البائد المعتقلين منذ قرابة العام، والبدء بمسار العدالة الانتقالية، ومطالب معيشية بسبب فقدان مصادر الدخل، ومطالب بحماية العلويين من الانتهاكات المستمرّة منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024. وهناك من يطالب بالمواطنة والديمقراطية والعلمانية، ومن يرفض التقسيم، ويرفض زعامة غزال وتقديم السلطة لفادي صقر، المتهم بجرائم في دمشق، ممثّلاً للعلويين.
في كل الأحوال، هذا التشتّت في المطالب يعني أن الحراك غير مُسيَّس لجهة بعينها، وهو تعبير عن معاناة ومخاوف؛ ومن المجدي البحث في سياسات السلطة تجاه العلويين والسوريين كلّهم، خصوصاً مع استخدام الحلّ الأمني الطائفي عبر تجييش “الفزعات” و”الجهاديين” في معالجة مشكلات سياسية تحتاج إلى حوار وانفتاح وشراكة. وهذا ما عمّق استعصاء محافظة السويداء وقوّى وضخّم موقف الهجري، فيما تتصاعد الاحتجاجات في الساحل السوري، ويتجدّد التصعيد مراراً في حلب بين “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) والقوات الحكومية، مع استمرار الحديث عن تطبيق اتفاق 10 مارس (2025) حول الاندماج، في ظلّ غياب نيّات الطرفَيْن لاتخاذ خطوة حقيقية في هذا الاندماج، واختلافهما في تفسيره.
أمّا أسباب تأزّم العلويين فهي مركّبة، ولا تُناقش بمستوى واحد يتعلّق برفضهم الانضواء في الدولة السورية وانسياقهم وراء مشاريع تقسيم مدعومة خارجياً ومن “قسد”. لا يمكن قراءة هذه التظاهرات بمعزل عن عامٍ مضى من الاستهدافات الطائفية بوتيرة منخفضة للعلويين، وعن الصمت تجاهها من النُّخب السورية وعديد من منظّمات المجتمع المدني، وعن رداءة مسار العدالة الانتقالية الذي اختارته السلطة، فضلاً عن أن معالجة السلطة مجازر الساحل الحاصلة في مارس/ آذار الماضي ردّاً على تمرّد مجموعة من فلول نظام الأسد لم تكن ذات مصداقية لدى السوريين؛ فالتقرير الوطني الصادر بشأنها سُلِّم إلى الرئيس أحمد الشرع من دون أن يُنشر منه سوى عدد المتّهمين المتورّطين، ويتطابق عددهم مع ما ورد في تقرير الأمم المتحدة، ومن دون ذكر أسمائهم، ويبرئ الحكومة السورية من مسؤوليتها، والتقى التقريران في الإشارة إلى عناصر تتبع قوات حكومية ارتكبت الانتهاكات، لكنهما لا يحملان الحكومة نفسها المسؤولية. أمّا المحاكمات التي تجري في حلب، فقد بدت، في عرف سوريين كثيرين، أقرب إلى الاستعراض. وأصدرت السلطة تقريراً آخر حول اختطاف النساء العلويات نفت فيه ما ورد في تقارير صحافية وحقوقية.
بات واضحاً أن السلطة غير جادّة في المضيّ في مسار العدالة الانتقالية، ولا ثقة لمؤيّديها بقدرتها على بناء هذا المسار، الذي يحتاج إلى مشاركة المتضرّرين وذوي الضحايا ومؤسّسات المجتمع المدني والنُّخب والخبرات السورية، وألّا يقتصر على جرائم الأسد، بل أن يشمل انتهاكات الفصائل. فمنذ 8 ديسمبر 2024، اعتمدت السلطة أشخاصاً من المتورّطين في ارتكاب المجازر ممثّلين عن العلويين، وأعطتهم دوراً في ما سمّته بـ”السلم الأهلي”، في تجاوز لمسار العدالة الانتقالية. وصالحت رجال الأعمال الداعمين لحرب الأسد ضدّ الشعب، واعتمدت قادة الفصائل العاملة في الشمال قياديين في وزارة الدفاع، إضافة إلى متشدّدين سوريين وأجانب. وبدلاً من التعاطي مع السوريين من دون تمييز وعلى أساس أنهم مواطنون متساوون أمام القانون، تعاملت معهم طوائف وعشائر وإثنيات، وفق ما سمّتها “المكوّنات”. وهكذا، في غياب أيّ تأسيس لمسار العدالة الانتقالية، يصبح العلويون، كلّ العلويين، “فلولاً” ومتهمين بجرائم الأسد التي لا تنوي السلطة المحاسبة عليها، بل حلّها بمسار “السلم الأهلي” الذي أثبت فشله، مع استمرار الأعمال الانتقامية التي لا تقف عند المجرمين، بل تتجاوزهم إلى استباحة العلويين.
تعاطي السلطة مع المجتمع على أنه “مكوّنات” مقصودٌ؛ لأنه يسهم في ترسيخها سلطةً تمثّل “المكوّن الأكبر”، أي العرب السُّنة، من وجهة نظر مؤيّديها وداعميها والساعين إلى الحصول على المكاسب في كنفها. وقد قبل هؤلاء بالتفسير الطائفي لبنية نظام الأسد، وأن السلطة الجديدة تمثّلهم، وتصاعد الخطاب التكفيري والتحريضي ضدّ العلويين والدروز والأكراد. ووفق الفكرة الأخيرة، أي إن السلطة تمثّل وتعبّر عن السُّنة، بدأت تنشط أطراف معارضة طائفية بدورها في السويداء، وبدعم إسرائيلي جليّ، وسيطرت مستغلّةً المجازر التي قامت بها القوات الحكومية وعناصر جهادية وعشائر. وحصل هذا التوجّه الانفصالي على دعمٍ من “قسد” لتقوية موقفها في مفاوضاتها مع السلطة عبر تشكيل ما يسمّى بـ”حلف الأقليات”، وضمّت إليه الشيخ غزال بوصفه رئيس المجلس الإسلامي العلوي، الذي شُكّل على عجل بعد سقوط نظام الأسد، رغم أنه لا يحظى بشعبية كبيرة بين العلويين، خصوصاً أن غزال غادر الساحل السوري. وهناك مشاريع علوية تنافسه من فلول النظام البائد يموّلها رامي مخلوف، أو محمّد جابر وآخرون. ويحظى هذا التوجّه كلّه بدعم إسرائيلي خصوصاً، لأنه يحقّق سياساتها التفتيتية للمنطقة على أساس هُويَّاتي.
يغفل داعمو هذا التوجه التقسيمي أنهم، بالقدر الذي يضعفون فيه قدرة السلطة على السيطرة، يقوّونها ضمن حاضنة متخيّلة “عربية سُنّية”. والسلطة الجديدة تعتمد على هذا الوهم في الدفع بأزماتها الداخلية إلى الأمام: أن منجز التحرّر من نظام الأسد يتعرّض لخطر مشاريع غير وطنية تتبنّاها الأقليات. وهذا يقوّي موقف الشرع في الاستفراد بالحكم، وإقامته على أسس عائلية وعلى أساس الولاء وتقاسم الدولة غنيمةً، بدلاً من المؤسّسات القائمة على القانون.
وأخيراً، ككل الشعوب، يميل السوريون، ومنهم العلويون، إلى الاستقرار لا إلى التمرّد والثورات. الخروج إلى الشارع جاء بدافع اليأس من الحلول، وهو ليس حلّاً. كما أن الخضوع أمام سلطة عابثة ومستهترة بتضحيات السوريين طوال السنوات الماضية ليس هو الحلّ. ما يحتاجه السوريون البرامج الوطنية التي تتبنّاها نخب سياسية جديدة تتجاوز ما هو طائفي وإثني، وتقدّم للسوريين مشروعاً وطنياً في مواجهة مشروع السلطة الطائفي، والمشاريع الطرفية كلّها المُستنسَخة منه.
العربي الجديد
———————————
العلوية السياسية سقطت أم ستعود…مع رغيد عقله
———————————
==================
تحديث 31 كانون الأول 2025
———————————
الشيخ غزال غزال… من هو؟ وماذا يريد في الساحل السوري؟/ صبحي فرنجية
يُطل عبر كلمات مصوّرة دون أن يكون هناك أي دليل أو مؤشر عن مكانه
آخر تحديث 31 ديسمبر 2025
ينتقد الشيخ غزال غزال الطائفية ويقف على أرضيتها، يطالب بدولة لامركزية، يرى أن أفضل الحلول هو العلمانية، يعدّ الحكومة السورية الجديدة بأنها “منظومة إرهابية متكاملة”، في وقت يتحدث فيه بمصطلحات مثل: “الدم العلوي”، ويرى أنه لولا علي بن أبي طالب لما وجد إسلام، ويدعو الناس في منطقة الساحل السوري إلى التظاهر في الساحات ضد الحكومة السورية. مطالباته لاقت آذانا مصغية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وفي ديسمبر/كانون الأول الجاري، فتسبب في حالة من الفوضى خلفت قتلى وجرحى. وآخر التجليات أن رجل الأعمال رامي مخلوف شن، في فيديو، هجوما عليه، وحثه على الابتعاد عن تحريض العلويين، مذكرا بـ”دعمه” لوالده وشقيقه.
غزال هو ابن وهيب غزال رجل الدين العلوي المعروف، ولد عام 1962 في بلدة الحفة بريف اللاذقية، حيث درس فيها، وحصل على شهادة الثانوية العامة في مدينة اللاذقية. توجه غزال نحو كلية الشريعة في جامعة دمشق، وبعد إنهاء دراسته فيها التحق بالجامعة العالمية للعلوم الإسلامية في لندن عام 1988، قبل أن يعود إلى مدينة اللاذقية ليعمل مدرسا وإماما وخطيبا في مسجد محمد الباقر في المدينة، ثمّ مفتيا لها. غزال ألف عدّة كتب منها “القلب الإنساني في القرآن والسنة”، و”وسائل المعرفة في القرآن والسنة”.
حاول الشيخ غزال الوصول إلى دائرة الحكم أكثر من مرّة زمن حافظ الأسد، ثم بشار الأسد، إلا أن الأسدين لم يريا في الشيخ غزال ضالتهما، لاسيّما أنهما كانا يركزان على تصدير شيوخ من الطائفة السنية في المراتب العليا الخاصة بمجالي الشرع والدّين، كونهما فتحا الطرق أمام شيوخ آخرين من الطائفة العلوية، كما أنهما عدّا أن الطائفة العلوية هي بالضرورة حليفة لحكمهما، في حين أن الجهد ينبغي أن يُبذل في كسب غالبية السوريين من السنة. وخلال حديثه مع “المجلّة”، قال أحد الأشخاص المطلعين على ترتيبات دفن حافظ الأسد في يونيو/حزيران عام 2000، إن الشيخ غزال أثار مشاكل داخلية في الطائفة العلوية عندما اعترض على أن يقوم شيخ سنّي، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، بالصلاة على حافظ الأسد المنتمي إلى الطائفة العلوية، وهذا ما أثّر على قدرة غزال في كسب ثقة بشار الأسد في وقت لاحق.
ومع وصول الشيخ أحمد حسون إلى منصب مفتي سوريا في عام 2005، حاول غزال التقرب منه، وعدّ أن وجود شيخ علوي بموازاة مفتي سوريا- السني- أمر ضروري من الناحية الاجتماعية والسيادية، إلا أن حسون لم يُعط فرصة لغزال للتقدم أكثر، ووصل الأمر إلى أن حسون في أحد المؤتمرات التي عُقدت في طهران زمن النظام السوري- قبل بدء الثورة السورية عام 2011- طلب من الشيخ غزال الرجوع إلى المقاعد الخلفية وعدم الجلوس في المقاعد الأمامية بجانبه والإخلال بتراتبية توزيع المقاعد على الحضور. ليبقى غزال صاحب تأثير محصور في محيطه وطائفته على مدار سنوات الأسد.
مع سقوط النظام السوري السابق، وهروب بشار الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول من عام 2024، بدأ صوت الشيخ غزال غزال يظهر بشكل أوضح، فلعب على وتر الكلمات، بين متقبّل وناقد لحكومة أحمد الشرع، وفي شهر فبراير/شباط الماضي تم الإعلان عن تأسيس “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر”، وتم تعيين غزال رئيسا له، ليصبح صاحب الصوت الأكثر فعالية في الأشهر اللاحقة، خصوصا بعد أحداث الساحل الدامية التي حصلت شهر مارس/آذار الماضي والتي راح ضحيتها المئات.
يأتي تحت مظلّة “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر” مجلسان، الأول هو المجلس الديني الذي يترأسه الشيخ غزال، ويتألف هذا المجلس من 130 شيخا على النحو التالي: 30 من محافظة اللاذقية، 30 من محافظة حمص، 30 من محافظة طرطوس، 30 من محافظة حماة، و10 من محافظتي دمشق وريف دمشق. أما المجلس الثاني فهو المجلس التنفيذي الذي يضم المكتب السياسي، ومكتب العلاقات العامة، والمكتب الاقتصادي، والمكتب القانوني، ومكتب التنسيق، والمكتب الإعلامي، ومكتب الإغاثة، ومكتب التوفيق التاريخي.
أحداث الساحل السوري في مارس/آذار كانت مفصلية في بلورة موقف الشيخ غزال من دمشق، حيث بدأ الحديث عن ضرورة التدخل الدولي لحماية العلويين في سوريا، وأعلن رفضه للجنة تقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري التي تم تشكيلها بقرار من الرئيس أحمد الشرع، وبدأ بخطاب يعاكس جهود الحكومة السورية، على سبيل أن من أحد الأخطاء التي ارتكبها أهل الساحل السوري هي تسليم سلاحهم للحكومة الجديدة، ما فهمه كثيرون بأنه دعوة ضمنية من الشيخ غزال للتسلح من جديد. وفي تسجيل مصور له في يوليو/تموز الماضي، وصف غزال الحكومة السورية بأنها “منظومة إرهابية متكاملة، تتبع دينا مشوها يقدس سفك الدماء”. كما شارك غزال في مؤتمر وحدة المكونات الذي نظمته الإدارة الذاتية التابعة لـ”قسد” في أغسطس/آب 2025، وطالب – في كلمة مصوّرة- بدولة علمانية تعددية لامركزية، وعدّ أن النظام اللامركزي أو الفيدرالي هو الذي يضمن حقوق جميع المكونات السورية.
كما وجّه الشيخ غزال صوته إلى السنّة السوريين في إحدى كلماته المصوّرة، وقال إن الحلول واضحة: الفيدرالية واللامركزية السياسية. وأضاف أن نظام الحكم هذا هو ضمان لحقوق العلويين والسنة بعيدا عن الإرهاب، دون أو يوضح المعنى الذي يقف وراء الإرهاب أو مصدره. كما قال في كلمة أخرى: “إن كانت مطالبتي بحماية الناس الأبرياء ورفضي اعتبارهم فلول نظام، اتهمت بالطائفية، وأن مطالبتي سياسية، فأنا أؤكد على مطالبتي بالحماية الدولية”. واتهم الحكومة السورية بأنها “تحارب” الناس بلقمة العيش “من أبناء طائفتي لمجرد أننا لا ننتمي لفكرهم المتطرف”.
نهاية شهر نوفمبر الماضي، دعا غزال أبناء الساحل السوري إلى اعتصامات ضدّ الحكومة السورية وذلك على خلفية التوتر الذي حصل في حمص يوم 24 نوفمبر، وقال في رسالة مصوّرة له: “سلمنا السلاح لسلطة أمر واقع إرهابية تكفيرية إقصائية جعلت المكون السني أداة سياسية استخدمته ضد أي صوت يندد بالظلم”. وأضاف: “لسنا شعبا يذبح في الأزقة”، موجها نداءه “لأبناء الطوائف كافة” ودعاهم لـ”اعتصام سلمي لإيقاف آلة القتل ضد أشكال الإرهاب في الثانية عشرة ظهرا (يوم 25 نوفمبر)”، لبى المئات دعوة غزال حينها، وتدخلت قوات الأمن الداخلي لحماية الناس في الساحات، وقال قيادي في الأمن العام في اللاذقية لـ”المجلة” إن الأوامر كانت صارمة لنا “لا اعتقالات للمدنيين، ولا تدخل في مواجهة المتظاهرين مهما كانت هتافاتهم”. وأضاف: “خلال المظاهرات التي نفذها المدنيون الذين استجابوا لدعوة الشيخ غزال، كانت هناك مظاهرات مناهضة لهم، كنّا في الوسط نحاول منع الاشتباك بين الطرفين الذي كان حتميا في تلك اللحظة”.
في يوم 27 ديسمبر الجاري، طالب الشيخ غزال العلويين بالخروج إلى الساحات في اليوم التالي (28 ديسمبر)، هذه المرّة كان غزال أكثر وضوحا، حيث قال في تسجيل مصوّر: “غدا ستنقلب موازينهم، وسنري العالم أن المكون العلوي لا يمكن أن يُهان أو يُهمش، غدا سيكون طوفانا بشريا سلميا”، داعيا الجميع إلى النزول إلى الساحات بـ”صدور عارية”. اليوم التالي كان فوضويا ودمويا، حيث شهدت مدينتا اللاذقية وجلبة هجمات على عناصر الأمن الداخلي، ما أسفر عن سقوط قتلى منهم، إضافة إلى سقوط جرحى في المدينتين. وعلى الرغم من أن قوات الأمن الداخلي استطاعت السيطرة على الوضع بشكل عام، فإن الآثار الاجتماعية في الساحل السوري لهذه الاشتباكات لن تختفي بسهولة، خصوصا أن المجتمعات في المنطقة ازداد الغضب الداخلي بينها، ولحظة الانفجار قد تكون وشيكة في حال حصل أي انفلات أمني في المنطقة.
الشيخ غزال، يُطل على السوريين عامة، وأهل الساحل السوري خاصة، عبر كلمات مصوّرة دون أن يكون هناك أي دليل أو مؤشر عن مكانه. و”المجلة” حصلت على معلومات متضاربة عن مكانه، البعض قال إنه في القامشلي في الوقت الحالي، في حين قالت مصادر أخرى إنه من المرجح أن يكون قد غادر الأراضي السورية قبل عدّة أشهر. كما لفتت عدّة مصادر إلى أن ظاهرة الشيخ غزال أثارت إعجاب كثير من قادة النظام السابق الموجودين في سوريا ولبنان، وأن الأخيرين يحاولون استنساخ الحالة ذاتها في عدّة مناطق ذات غالبية علوية، وذلك في سبيل الحصول على أكبر دعم ديني لتحركاتهم وعملياتهم. إضافة إلى الماكينة الإعلامية التابعة لإيران و”حزب الله”، حيث يتم استخدام خطاب الشيخ غزال في سياق حملاتهم لشيطنة الحكومة السورية.
تعيش سوريا اليوم حالة من الانقسام الاجتماعي القائم على عدة أصوات بسرديات عديدة، منها الدينية في الساحل السوري والسويداء وبعض المناطق السورية الأخرى، والسردية القومية القائمة على جهود توحيد الصوت القومي (الكردي) الذي يتصدره قادة “قسد”، والسردية الدولتية التي تحاول الحكومة السورية تصديرها عبر قنواتها الرسمية، وما بين هذه السرديات تنشط أجندات إعلامية غير رسمية تقف خلفها دول وكيانات خاسرة من سقوط نظام الأسد تحاول تأجيج التوترات بين السوريين، وتعميق الخلافات فيما بينهم معتمدين على عدة عوامل: انتشار السلاح، والانقسام المجتمعي، وضعف المؤسسات الأمنية السورية الحالية التي تبني نفسها من جديد.
المجلة
—————————–
إعادة التفكير بأحداث الساحل من زاوية نقدية أوسع/ محمد السكري
2025.12.31
إن المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا منذ بداية الثورة وحتى اليوم، تُعد واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخها الحديث. فقد استهدفت موجات مستمرة من فلول النظام، بما فيها ميليشياته الأمنية والعسكرية، سوريا دولةً وشعبًا وحكومةً ومشروعًا. هذه الموجات تداخلت مع محاولات محلية ودولية لفرض نماذج معينة لبناء الدولة، وهو ما يستدعي اليوم أن نرصد هذه التحديات من أجل بناء أسس الدولة السورية الجديدة، التي لا بد أن تقوم على مفاهيم المواطنة الحقيقية. فمن دون هذه الأسس الواضحة والدائمة، سيكون من الصعب، إن لم يكن مستحيلاً، بناء دولة قادرة على الحفاظ على الاستقرار والسيادة والعدالة في سوريا المستقبل.
أول ما يجب أن يُقال في هذا السياق هو أن بناء الدولة لا يمكن أن يعتمد على خطاب فرعي يعيد إنتاج الأقطاب التقليدية من نوع “نحن/هم”. إن هذا الخطاب لا يخرج بالمجتمع السوري من منطق الاصطفاف والانقسام بل يبقيه رهينًا لمصالح ضيقة وتوازنات طائفية؛ وهي مسألة عميقة في تركيبة المجتمع السوري قبل وبعد الثورة. لهذا، يجب أن يكون أساس بناء الدولة السورية المستقبلية هو المفهوم الحقيقي للمواطنة المتساوية، التي تضمن حقوق وواجبات متساوية لجميع الأفراد من دون تمييز على أساس الدين أو الطائفة أو العرق. إن هذا الانتقال من منطق الاصطفاف إلى منطق الحقوق المدنية والاجتماعية هو الذي سيُخرج سوريا من دائرة الانقسام إلى فضاء الوحدة الوطنية الشاملة. وبهذا، يُتاح الفرصة لبناء مجتمع قائم على أسس ديمقراطية حقيقية، بحيث يصبح الانتماء إلى الدولة السورية مصدرًا للفخر والمواطنة، بعيدًا عن الهويات الفرعية التي تعمق الانقسامات داخل المجتمع.
إن بناء مؤسسات الدولة يحتاج إلى أساس علمي وفني ثابت لا يجوز تجاهله أو القفز فوقه تحت أي ذريعة. لا يمكن، بأي حال من الأحوال، بناء الدولة السورية على نموذج هجين يعرض الكفاءة للمكافأة السياسية، حيث يتداخل مبدأ الكفاءة مع المحسوبيات. هذا الخلط بين المصالح الخاصة والكفاءة يعكس أزمة حقيقية في إدارة الدولة وقدرتها على تقديم الخدمات اللازمة للمواطنين. بناءً على ذلك، فإن الطريق الصحيح يتطلب اختيارًا واضحًا: إما بناء دولة تكنوقراط قائمة على الكفاءة العلمية والإدارية، أو العودة إلى نموذج الدولة المحسوبية حيث تؤول السلطة والنفوذ إلى فئة محدودة تدير شؤون الدولة وفقًا لمصالح ضيقة. من المؤكد أن الدولة السورية الجديدة بحاجة إلى نموذج قائم على أسس ديمقراطية حقيقية، يتم اختيار المسؤولين فيه بناءً على معايير علمية بحتة، بعيدًا عن المحسوبيات والولاءات الضيقة.
أما فيما يتعلق بالسلطة في سوريا، فلا يجوز بناء الدولة على تسليم غير مشروط بنموذج الحكم الكلاسيكي القائم على العصبيات أو الولاءات الشخصية، التي كانت بمنزلة السلطة الفعلية في عهد النظام السابق؛ بل يجب إعادة تعريف مجال السلطة في الدولة بشكل كامل، والعمل على إعادة فرضها بنيويًا. السياسة، في جوهرها، هي تفاعل دائم مع المتغيرات والمستجدات، وهي لا تقبل السكون أو الجمود. إن سوريا بحاجة إلى مرحلة جديدة من السياسة تتجاوز الجمود والتقليدية، وتستجيب لمطالب الشعب السوري في جميع مناطق البلاد. هذا التفاعل يجب أن ينعكس في صياغة سياسات عامة تشمل كل
القطاعات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بحيث تكون هذه السياسات مرجعية في كل مرحلة من مراحل بناء الدولة السورية.
فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية، لا يمكن بناء دولة سليمة وفاعلة على عدالة انتقالية هشة، خصوصًا في بلد مثل سوريا حيث تلوح في الأفق أسئلة مصيرية تتعلق بمحاسبة النظام السابق وبالعدالة للشهداء والمعتقلين. لا يجوز أن تُعطى الأولوية للالتزامات الدولية على حساب الالتزامات الداخلية للدولة تجاه شعبها. فعدالة انتقالية تقرّ الشبيحة والقتلة في فعاليات وطنية وكأن شيئًا لم يكن، لن تعكس سوى ضعف التزام الدولة بالمحاسبة الحقيقية. العدالة الانتقالية يجب أن تكون عملية شاملة تقوم على العدالة والمساواة، ويجب أن تراعي حقوق الضحايا أولًا، وتضمن لهم العدالة قبل المصالحة. إن العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية أو صورية-رمزية، بل يجب أن تشمل كل من أسهم في الانتهاكات من دون استثناء.
من الأمور التي لا يمكن تجاهلها في بناء الدولة السورية الجديدة، هو ضرورة الحفاظ على الحياة السياسية والمدنية. من المؤسف أن نرى بعد عام كامل من بداية الثورة محاولات لتجفيف الحياة المدنية والسياسية النشطة. فالحياة السياسية ليست محصورة فقط في حرية التعبير، بل تشمل بناء مؤسسات مدنية فاعلة ومؤسسات سياسية مستدامة. في غياب هذه المؤسسات، يصبح المجتمع مغلقًا ومشلولًا، غير قادر على التفاعل مع القضايا الوطنية، ما يؤدي إلى تعميق الانقسام وخلق بيئة فاسدة تسهل للسلطة الاستبدادية العودة. بناء مؤسسات مدنية منظمة، قانونية وفنية، يتطلب أولًا وضع قوانين واضحة للأحزاب والنقابات والمنظمات والجمعيات المدنية كأولويات أساسية في بناء الدولة.
من غير المقبول أن تُرفع رايات فرعية في مواجهة الآخر، في حين تكون راية الوطن هي الأخيرة التي تُرفع. هذا يُعمّق الانقسام ويوسع الهوة بين فئات الشعب السوري. يجب أن تكون الهوية الوطنية واحدة وموحدة، وأن تكون رؤية وطنية شاملة هي الأساس في بناء المستقبل السياسي والاجتماعي للبلاد. فمن المهم أن تُعطى الأولوية للهوية الوطنية فوق كل الاعتبارات الأخرى، وأن تصبح رؤية وطنية جامعة هي القاعدة الأساسية لبناء سوريا المستقبل.
وفي إطار بناء الدولة، لا يجوز لأي مسؤول في الدولة أن يتحدث عن “انتصار الكل على الكل”، كما أشار بعضهم في خطاباته، هذا المفهوم لا يتماشى مع أسس بناء الدولة، بل هو مبدأ “هوبزي” قديم يخلق صراعًا داخليًا لا ينتهي. إن هذا المبدأ يُغتال فكرة الدولة نفسها قبل أن تولد، ويُفرغ السياسة من محتواها، مسببًا تراجعًا في قدرة الدولة على أداء مهامها الأساسية. إن الخطاب التحريضي الطائفي، سلاح فتاك يمكن أن يقضي على الجميع. لذا يجب على كل أطراف العملية السياسية أن تتبنى خطابًا وطنيًا موحدًا يهدف إلى تعزيز الوحدة الوطنية وتجاوز الهويات الفرعية.
لا يمكن للدولة السورية أن تُبنى على سيولة سياسية، تجعل المركز والإدارة العامة بابًا لصنع السياسة من بوابة الاستسهال والكوميديا. يجب أن تكون هذه المرحلة من تاريخ سوريا استحقاقًا تاريخيًا، لا مكان فيه للاستسهال أو التسويف. إما أن تكون سوريا دولةً قويةً تقوم على مؤسسات ديمقراطية ثابتة، أو لا تكون. في هذا السياق، ينبغي أن يكون هناك حرص دائم على تحقيق الإصلاحات المؤسسية وضمان استقلالية القضاء، بحيث تصبح سوريا دولة مؤسساتية تضمن لجميع المواطنين حقوقهم المدنية والسياسية.
في النهاية، إن بناء دولة سوريا جديدة يتطلب معالجة جميع هذه التحديات بعناية وحذر. يجب أن تكون الدولة القادمة دولة قانون، تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، بعيدًا عن الانقسامات الداخلية والمصالح الضيقة. وبهذا، يكون بناء دولة سوريا حرة ومستقرة ممكنًا، قادرًا على التعامل مع جميع القضايا التي تهم المواطنين ويؤسس لحقبة جديدة من الاستقرار والازدهار
تلفزيون سوريا
———————————-
الساحل السوري بين محاولة الاحتواء وحرب افتراضية بلا سقف/ علي سفر
ديسمبر 31, 2025
رغم الضجيج الذي رافق الأحداث الأخيرة في الساحل السوري، ورغم ما أظهره الشارع من توتر واستقطاب، يظل المشهد حتى الآن قابلاً للاحتواء. يمكن تهدئته، ويمكن نزع فتيله بالإرادة السياسية والعقلانية المجتمعية، وكذلك إعادة الأمور إلى مستوى خلاف طبيعي يحدث ضمن بلدٍ منهك خرج لتوّه من سنوات حرب.
كما أن سلوك البعض الذين انصاعوا لمطالب غير منطقية ليس قدراً، ولا يفترض بنا اعتباره مساراً حتمياً نحو الفتنة، بل مجرد إنذار يجب التعامل معه بحكمة، طالما أن العجب يختفي حين نعرف السبب.
بعض الناس خرجوا بدافع الغضب، والخوف، والارتباك، وبعد يأسٍ استغله آخرون، كما أن الشارع نفسه منقسم بعد أن قامت السلطة بخطوات إيجابية عبّر عنها بيان وجهاء القرداحة. لكن هذا لا يمنع من النظر بدقة إلى وجود فئات مستعدة لأن تنخرط في أعمال عنف تحت شعارات كالفيدرالية والتقسيم.
لكن الشارع، مهما بدا غاضبًا، ما زال يملك فرصة للعودة خطوة إلى الخلف. غير أن المشكلة الأكبر ليست في الشارع ذاته، بل في الفضاء الرقمي الذي تحوّل خلال ساعات إلى ساحة حرب أهلية كاملة، بلا قواعد اشتباك ولا قيود أخلاقية أو قانونية.
من يتابع منصات التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية يكتشف أن الانفجار النفسي أخطر من الانفجار الميداني؛ صور مقطّعة، تسجيلات مقتطعة، عناوين مموّهة، اتهامات طائفية، حملات سبّ وشتم، وتحشيد مبني على هوية الجماعة لا على حقيقة الحدث. ما يمكن السيطرة عليه بالقوة في الشارع يحتاج في الإنترنت إلى وعي ومسؤولية، لأن الدولة تستطيع أن تطوّق مظاهرة، لكنها لا تستطيع أن تطوّق فكرة تنتشر بآلاف المشاركات والتفاعلات.
في العالم الرقمي لا وجود لمشهد كامل، بل أجزاء يتم تجميعها وفق الهوى: تسجيل يظهر مشادة فيُفسَّر كتهديد، لقطة لعشرات الأشخاص تُبنى عليها روايات عن آلاف، خبر غير موثّق يتحوّل إلى حقيقة نفسية عند المتلقي. بهذه الآلية تتشكل الحرب قبل أن تبدأ.
لا يمكن فهم ما يجري دون العودة إلى الذاكرة. البلاد خرجت من زمن ديكتاتوري مديد انتهى بثورة وقمع دموي هائل لم تُعالَج آثاره. الناس تشعر بأنها صاحبة حق، لكنها مهملة. والهويات الدينية والطائفية والمناطقية أصبحت حساسة لدرجة أن كلمة قد تشعل معركة.
المشكلة أيضاً ليست في الاختلاف، بل في مخيال الخوف؛ فكل طرف يخشى الآخر، وكل مجموعة ترى في الأخرى خصماً ينتظر الفرصة، وكل حادثة صغيرة يتم تأويلها وفق سردية قديمة عن الثأر والتهديد.
لذلك، يصبح حدث واحد كفيلاً بإثارة الأسئلة حول: من يحكم؟ ومن يسيطر؟ ومن يملك الحق الأخلاقي في الهتاف في الشارع؟ هذه الأسئلة لا تُطرح على السوشال ميديا برويّة، بل تُطرح بانفعال، وتُجاب بعنف لغوي هو الشرارة الأولى لأي نزاع حقيقي.
من يراقب وجوه الناس في طرقات المدن في الساحل، وفي غيره من المناطق السورية، يعرف أن أحداً لا يريد حرباً جديدة. العائلات تخاف على أبنائها، والناس تريد الاستقرار، وتعرف أن النزاع الطائفي يعني سقوط الجميع. لكن الخطاب على السوشال ميديا يفعل العكس: يحوّل الفرد إلى جزء من جماعة، يُلغي الفروق بين شخص وآخر، ويدفعك للدفاع عن “الطائفة” ولو لم تطلب منك.
المؤيدون والمحتجون قد يشعرون أنهم يدافعون عن وجودهم، لكن الدفاع يتحول سريعاً إلى هجوم عندما يغيب القانون والمنطق. وهنا تصبح الدولة مطالبة بواجب مزدوج: ضبط الشارع دون قمع حرية التعبير، والحفاظ على حيوات الجميع دون تفضيل طرف على آخر، وتأمين التظاهر السلمي، وحماية الممتلكات والناس، ومنع الرد الانتقامي.
الخطأ ليس في غضبٍ مشروع ناتج عن الشعور بالإهمال، بل في تسليمه لمن يريد صبّه في مجرى طائفي. لأن الفتنة لا تحتاج إلا إلى غبي وحاقد ومستفيد. الثلاثة موجودون دائماً، لكن خطرهم يتضاعف عندما نقف متفرجين.
هناك مثقفون ظنّوا أن التظاهر بناء على دعوة من رجل دين يدّعي تمثيله للطائفة سيؤدي دور العتلة الرافعة إلى شعارات المجتمع المدني بالعدالة والديمقراطية، لكنه سرعان ما تراجع عن حماسه بعد أن رأى مشاهد لمتظاهرين يهاجمون رجال الأمن العام. وفي المقابل، لو سألت المثقفين الذين هلّلوا لفكرة شارع مقابل شارع إن كانوا يتحملون مسؤولية الدم الذي يراق لتَنصّلوا وادّعوا البراءة مما يجري!
وبناءً على ما سبق، لا يكفي أن تطلب الدولة الهدوء، وأن تخاطب الناس بكلمات عامة. المسؤولية اليوم تقع أيضاً على: المثقفين والصحفيين لخفض نبرة التحريض وتحليل الحدث دون خلق خصم متخيّل، وعلى رجال الدين والوجهاء لإطلاق رسائل واضحة ضد الخطاب الطائفي، وعلى صفحات التواصل الاجتماعي لإنتاج محتوى يقدّم روايات عقلانية لا يكرّس الكراهية، ودعوة المستخدمين العاديين للتفكير قبل المشاركة والتعليق، لأن المشاركة قد تكون رصاصة.
التاريخ القريب يخبرنا بشيء بسيط: الحرب لا تبدأ من بندقية واحدة، بل من خطاب طويل يصنع البيئة التي تحتاجها الرصاصة لتعمل. على الأرض يمكن تهدئة الناس، يمكن الجلوس والتفاوض، يمكن منع الاحتكاك. لكن على الإنترنت لا وجود للحاجز، ولا للتأني، ولا للمحاسبة. هناك يكبر الغضب مثل كرة نار تتدحرج من تعليق إلى آخر، من فيديو إلى منشور، حتى يصبح من الصعب إيقافها دون ثمن كبير.
ليس المطلوب أن نتظاهر بأن لا شيء يحدث، وليس المطلوب تضخيم ما يحدث كأنه نهاية العالم. الواقعية تقتضي أن نقول بوضوح: الساحل اليوم ليس في حرب أهلية، لكنه على حافة نفسية قد تقوده إليها إن لم نتداركها. الهروب من الحرب لا يكون بالصمت ولا بالصراخ، بل بالعقل. والعقل يبدأ من كلمة، مثلما تبدأ الحرب أيضاً من كلمة.
الثورة السورية
———————————
تظاهر أم تمرد؟ تفكيك خطاب الفيدرالية والانفصال في سوريا ما بعد الأسد/ حنان البلخي
ديسمبر 31, 2025
بين التظاهر والتمرد خيط رفيع، لكنه يتبدد حين تستخدم شعارات الفيدرالية والانفصال كأدوات سياسية في لحظة إعادة بناء الدولة. فما يجري في سوريا ما بعد الأسد لا يمكن توصيفه بوصفه خلافا مشروعا حول شكل الحكم، بقدر ما هو محاولة منظمة لتنفيذ أجندات خارجية، وتأمين غطاء سياسي لفلول النظام السابق، الذين تلطخت أيديهم بدماء السوريين على مدى سنوات طويلة، ويسعون اليوم إلى الاحتماء بخطاب “الاحتجاج” للهروب من مسار العدالة والمحاسبة، ولو كان الثمن وحدة البلاد وسلمها الأهلي.
شكل سقوط نظام بشار الأسد وصعود الأكثرية السياسية إلى السلطة، ممثلة بالرئيس أحمد الشرع، نقطة تحول تاريخية في المسار السوري، أنهت حقبة طويلة من الاستبداد والقمع، وفتحت الباب أمام إعادة تأسيس الدولة على أسس وطنية جديدة. غير أن هذا التحول، بما حمله من آمال داخلية ودعم شعبي واسع، شكل في الوقت نفسه ضربة قاسية لشبكة معقدة من القوى المحلية والإقليمية التي ارتبط وجودها السياسي والأمني ببقاء النظام السابق واستفادت من استمراره لعقود.
في مقدمة هذه القوى تأتي إيران وحزب الله، اللذان كان نظام الأسد بالنسبة لهما ركيزة استراتيجية في الإقليم، إضافة إلى إسرائيل التي ضمن لها النظام، طوال ما يقارب خمسين عاما، حدودا هادئة ومستقرة في الجولان المحتل، مقابل غض الطرف عن بقائه داخليا. ومع سقوط هذا النظام، وجدت هذه الأطراف نفسها أمام واقع جديد يهدد نفوذها ومصالحها، ما دفعها إلى البحث عن أدوات بديلة لإعادة التأثير في المشهد السوري.
في هذا السياق الانتقالي الحساس، برزت محاولات منظمة لاستثمار مرحلة التحول السياسي والانفتاح الذي انتهجته الدولة الجديدة منذ لحظة التحرير، بهدف فرض وقائع جديدة على الأرض. هذه المحاولات رفعت تحت شعارات تبدو، في ظاهرها، ديمقراطية وحقوقية، لكنها في جوهرها طائفية، تحمل مشاريع تفتيت وانقسام تهدد وحدة سوريا وسلمها الأهلي. علت دعوات الفيدرالية والانفصال وتقدمت إلى الواجهة، مدفوعة بقوى مختلفة الأجندات، لكنها تلتقي عند هدف واحد: إضعاف الدولة المركزية الجديدة ومنع تشكل سلطة وطنية جامعة.
فقد رأت “قوات سوريا الديمقراطية” في المرحلة الانتقالية فرصة سانحة لتثبيت مشروعها الفيدرالي، وتكريس واقع إداري وأمني مستقل خارج إطار الدولة. وفي الجنوب السوري، برزت مطالب انفصالية تقودها مجموعات درزية خارجة عن القانون، مرتبطة بقوات الهجري، بدعم إسرائيلي مباشر، في محاولة لاستنساخ نموذج “الكانتونات” على الحدود.
أما في الساحل السوري، فقد اتخذت التحركات طابعاً أخطر، حيث أعاد فلول النظام السابق والمتورطون في جرائم حرب إنتاج خطاب “الفيدرالية”، مستخدمين هذه المرة واجهات دينية واجتماعية. ومن بين هؤلاء، برز تحريض أحد مشايخ الطائفة العلوية، غزال غزال، المعروف بتورطه في المجازر التي ارتكبتها قوات النظام البائد في بانياس، مع دعم متقاطع من “قسد” وإيران وحزب الله. هنا، لم يكن الهدف حماية حقوق الطائفة، كما يروج، بل توفير مظلة سياسية لإعادة تموضع بقايا النظام والالتفاف على مسار العدالة والمحاسبة.
من الضروري التوقف عند حقيقة غالباً ما يتم تجاهلها: الدعوات إلى “فيدرالية علوية” لا تستند إلى أي أساس شعبي أو ديموغرافي حقيقي. فحتى في محافظتي طرطوس واللاذقية، لا يشكل العلويون الأغلبية، بل يظل أهل السنة المكون السكاني الأكبر. ورغم أن النسب وحدها ليست معياراً كافياً لتقرير شكل الحكم أو شرعية الفيدرالية، إلا أن هذه الحقيقة تكشف الطبيعة السياسية والانفصالية لهذه الدعوات، التي تهدف بالأساس إلى فرض مشروع ضيق ومناطق نفوذ خارج إطار الدولة، بعيداً عن الإرادة الشعبية الحقيقية.
اللافت في هذه التحركات هو استغلالها المتعمد لسياسة الدولة الجديدة، التي حرصت منذ اليوم الأول على تجنب منطق الإقصاء والانتقام، واحترام حق التظاهر السلمي بوصفه أحد أهم مكتسبات سوريا ما بعد الاستبداد. هذا الحرص، الذي يفترض أن يقابل بالمسؤولية السياسية، جرى توظيفه من قبل هذه القوى كأداة ضغط وابتزاز، ووسيلة لخلق حالة فوضى مقصودة. فقد دعت الجهات المحرضة إلى الإضراب والعصيان المدني والخروج بمظاهرات ترفع مطالب انفصالية صريحة، في محاولة لفرض أمر واقع على الدولة تحت غطاء “الاحتجاج”.
ومع أن بعض المدنيين من أبناء الطائفة العلوية شاركوا في هذه التحركات بدوافع معيشية أو خوف من المجهول، فإن المشهد الميداني سرعان ما كشف طبيعته الحقيقية. إذ تواجدت بين المتظاهرين عناصر مسلحة تابعة لتشكيلات متمردة مثل ما سمي بـ”سريا درع الساحل” و”سرايا الجواد” قامت بإطلاق النار على قوات الأمن المكلفة بحماية التظاهرات. هذا السلوك لا يمكن فهمه بوصفه حادثاً عرضياً أو “انفلاتا فرديا”، بل هو امتداد مباشر للعقلية الأسدية التي قامت على منطق واحد: استخدام العنف أولاً، ثم تقمص دور الضحية لاحقاً.
الهدف من هذا الأسلوب كان واضحاً: استفزاز قوات الأمن وجرها إلى مواجهة، بما يسمح بإعادة إنتاج سردية “القمع” وتقديم الدولة الجديدة، زورا، بوصفها امتداداً للنظام السابق، تمهيداً لشرعنة مطالب انفصالية أو فرض تدخلات خارجية. وهو أسلوب خبره السوريون جيداً منذ بدايات الثورة، حين كان النظام يواجه المتظاهرين السلميين بالرصاص، أو يزرع عناصر مسلحة بين المحتجين لتبرير العنف.
اليوم، تعاد التجربة ذاتها بأدوات مختلفة وخطاب مغاير، يدعي الدفاع عن “حقوق الطوائف” و”حماية الأقليات”، بينما يهدد فعلياً السِلم الأهلي ويقوض أي إمكانية لبناء دولة وطنية جامعة. من هنا، لا يمكن توصيف هذه التحركات على أنها دعوات إلى التظاهر السلمي، بل هي دعوات صريحة إلى التمرد السياسي والأمني تحت غطاء الاحتجاج.
صحيح أن التظاهر حق مشروع، بل ضرورة في أي نظام ديمقراطي، لكنه يفقد شرعيته فور تحوله إلى أداة لمشاريع انفصالية، أو حين يقرن بالعنف والتهديد. ويكفي التذكير بالشعار الذي ردّده بعض المحتجّين: “إما الفيدرالية أو نحرق البلد”، وهو شعار لا يختلف في جوهره عن مقولة “الأسد أو نحرق البلد” التي شكّلت لب خطاب النظام البائد وأنصاره.
مسؤولية الدولة اليوم لا تكمن في قمع الحريات أو إغلاق المجال العام، بل في حماية الحق العام ومنع تحويل الانفتاح السياسي إلى وسيلة لتفكيك البلاد. فالتسامح لا يعني التساهل مع العنف، واحترام التظاهر لا يعني القبول بتحويله إلى منصة لإطلاق النار وتهديد السِلم الأهلي. وفي المقابل، تقع مسؤولية تاريخية على عاتق النخب والفعاليات داخل الطائفة العلوية، كما على سائر المكونات السورية، في إدراك أن لحظة الانفتاح التي تعيشها سوريا اليوم تمثل فرصة نادرة للاندماج في الدولة الجديدة، لا مناسبة للارتهان مجدداً لمشاريع خارجية أثبتت التجربة أنها لا تجلب سوى الدمار والعزلة.
سوريا ما بعد الأسد ليست ساحة للفوضى، ولا منصة لابتزاز الدولة باسم “الاحتجاج”. وحين يتحول التظاهر إلى غطاء للعنف وسقوط الضحايا، فإنه يفقد أي شرعية سياسية أو أخلاقية. إن حماية وحدة البلاد والسِلم الأهلي ليست خياراً، بل واجب وطني يقع على عاتق الدولة والمجتمع معاً، فالفرصة ما زالت قائمة لبناء دولة سورية جامعة، لكن هذه الفرصة لن تبقى مفتوحة إلى ما لا نهاية. الإصرار على منطق التهديد والحرق لن يقود إلا إلى خسارة جديدة، يدفع ثمنها الجميع، دون استثناء.
الثورة السورية
———————————
شارع مقابل شارع: الساحل السوري بين غضب الحاضر وذاكرة 2011!/ أحمد علي
الأربعاء 2025/12/31
لم يكن يوم الأحد يوماً عادياً في مدن الساحل السوري؛ أصوات الهتافات اخترقت سكون شوارع لطالما عُرفت بالهدوء، مُعلنة عن موجة احتجاج غير مسبوقة في معاقل كانت تُعتبر آمنة ومستقرة. في طرطوس واللاذقية وجبلة وبلدات ساحلية أخرى، احتشد الأهالي تلبية لدعوات احتجاجية رُفعت خلالها شعارات تتعلق بتقرير المصير، والمطالبة بصيغ حكم لامركزية، والإفراج عن معتقلين، في سياق توترٍ متصاعد سبقته حوادث أمنية دامية في مناطق سورية أخرى.
جاءت هذه التحركات محمّلة بمشاعر غضب وخوف، وعبّرت عن قلق عميق لدى شرائح اجتماعية شعرت بأنها مستهدفة أو مهمّشة، ما دفعها للنزول إلى الشارع. وبرغم الانتشار الأمني الكثيف والتأكيدات الرسمية على أن التعبير عن الرأي حق مكفول ضمن الأطر السلمية، تصاعد التوتر على نحو أعاد إلى الأذهان مشاهد الأزمة الأولى عام 2011 بكل ما تحمله من أخطار.
شارعان.. وبلد واحد!
سُرعان ما انقسم المشهد في اللاذقية إلى فريقين متقابلين، في تكرار واضح لسيناريو “الشارع والشارع المضاد” الذي عرفته سوريا في بدايات أزمتها. فإلى جانب التظاهرة الرافضة للواقع القائم والمطالِبة بتغييرات سياسية ومعيشية، خرجت في المقابل تجمعات تؤيد السلطة القائمة وترفض أي تحرك ترى فيه تهديداً للاستقرار. وقف الطرفان في مساحات متقاربة، وتبادلوا الهتافات والشعارات وحصل صدام بينهما، قبل أن تتدخل القوى الأمنية للفصل بينهما ومنع الاحتكاك المباشر.
في جبلة وطرطوس لم يكن المشهد مختلفاً كثيراً؛ تجمعات متفرقة، توتر لفظي، ومناوشات محدودة عكست هشاشة الوضع وسهولة انزلاقه نحو العنف. ومع أن معظم المشاركين أكدوا سلمية تحركاتهم، فإن وجود أطراف متحفزة، وخطاباً عالي السقف، جعلا الشارع يبدو كبرميل بارود قابل للاشتعال في أي لحظة.
مجمل هذه المعطيات، جعلت ظاهرة “الشارع والشارع المضاد” تطلّ برأسها من جديد، لا بوصفها تعبيراً صحياً عن التعدد، بل كمؤشر خطير على انقسام اجتماعي قابل للتفجّر في أي لحظة.
شرارة فوق برميل بارود
الأحداث التي رافقت مظاهرات الساحل السوري لم تبقَ ضمن حدود التظاهر السلمي في كل المواقع. فقد سُجّلت إصابات وسقوط ضحايا نتيجة إطلاق نار وحالات فوضى وتخريب، وسط روايات متضاربة حول الجهة المسؤولة عمّا جرى. السلطات تحدثت عن مجموعات مسلحة استغلت التظاهرات لإثارة الشغب والاعتداء على المدنيين وعناصر الأمن، فيما أشار مشاركون وناشطون إلى استخدام القوة المفرطة في بعض الحالات أثناء تفريق المحتجين.
زادت هذه الوقائع منسوب القلق لدى السوريين عموماً، وخصوصاً لدى من عاشوا تجربة السنوات الأولى من الصراع، حين بدأت الاحتجاجات السلمية ثم انزلقت تدريجياً نحو العنف والفوضى. والمخاوف اليوم لا تتعلق بحادثة عابرة، بل بإمكانية تراكم الأحداث وتحولها إلى مسار يصعب ضبطه.
العقلاء: خط الدفاع الأخير
في هذا السياق المشحون، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن منع انزلاق البلاد نحو انفجار جديد لا يريده أي سوري عاقل؟ الجواب يبدأ من الإقرار بأن الشارع الغاضب ليس كتلة واحدة، وأن خلف الاحتجاجات مخاوف حقيقية ومطالب تحتاج إلى استماع جدي، لا إلى شيطنة أو تخوين. وفي المقابل، فإن تحويل هذه المخاوف إلى شعارات تقسيمية أو خطاب تصعيدي حاد يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة لا تخدم أحداً.
من هنا تبرز مسؤولية العقلاء، من شخصيات اجتماعية ودينية وفعاليات محلية وسياسية ومدنية، في تهدئة النفوس وضبط الخطاب، ومنع استثمار الغضب الشعبي من قبل أطراف لا يهمها سوى الفوضى. وقد أكدت مواقف صدرت عن وجهاء ومجموعات اجتماعية في الساحل (القرداحة وصافيتا) التمسك بوحدة سوريا ورفض أي مشاريع تقسيم أو صدام داخلي، وهي مواقف تعكس وعياً بخطورة المرحلة وضرورة حماية السلم الأهلي.
في المقابل، تقع على عاتق السلطة مسؤولية مضاعفة في طمأنة المواطنين كافة، عبر خطوات عملية لا تقتصر على الأمن، بل تشمل فتح قنوات حوار حقيقية، ومعالجة ملفات الفساد والانتهاكات، وتقديم رؤية واضحة لمستقبل الحكم والإدارة المحلية، فمن الحكمة أن يكون النقاش حول اللامركزية أو غيرها من الصيغ السياسية – الإدارية وطنياً شاملاً ولا يقتصر على فئات أو أطراف بعينها.
درس الأمس وقرار اليوم
بالمحصلة، فإن ما جرى في مظاهرات الساحل السوري ليس حدثاً معزولاً، بل إشارة تحذير أخرى تضاف إلى غيرها من المؤشرات إن كان في الجزيرة أو في حلب أو السويداء أو حمص. والذاكرة السورية مثقلة بتجارب قاسية، ولذلك، فإن أي استسهال لمنطق “الشارع ضد الشارع” قد يعيد فتح جراح لم تندمل بعد، وسوريا والسوريين، كل السوريين، بالغنى عنها.
ومن هنا فإن التقاط هذه الإشارات التحذيرية والتعامل الواعي والحكيم معها هو الخيار الذي ما زال متاحاً حتى اللحظة، فإما كبح الأصوات المنفلتة، وتغليب العقل والحوار، أو ترك المشهد يتدهور نحو مسار يعرف السوريون جيداً كيف يبدأ، ولا أحد يعرف كيف ينتهي.
في بلد دفع أثماناً باهظة خلال أكثر من عقد، تبدو الحاجة اليوم ملحّة أكثر من أي وقت مضى إلى لغة هادئة، وخيارات مسؤولة، وإرادة جماعية تمنع تكرار الكارثة عبر مسار وطني جامع يسحب كل القضايا الخلافية من الشارع ويضعها على طاولة البحث والنقاش حتى التوافق. فالمستقبل بالتأكيد لا يُبنى بالصدام، بل بالاعتراف المتبادل، والعمل الجاد على معالجة أسباب الغضب قبل أن تتحول إلى نار لا تُبقي ولا تذر.
المدن
—————————
الخطاب الوطني والعدالة… سياج حماية السوريين/ ميشال شمّاس
الثلاثاء 2025/12/30
ما جرى في بعض مناطق حمص وحماه والساحل خلال الأيام الماضية من تظاهرات وتظاهرات مضادة، وما رافقها من رفع شعارات طائفية وأعمال عنف ذهب ضحيتها أبرياء من المدنيين وقوى الأمن، هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من الخوف المتراكم، والفراغ القيادي، والارتباك الذي تعيشه الطائفة العلوية منذ سقوط نظام الأسد. هذه البيئة تجد نفسها اليوم أمام لحظة حرجة: ذاكرة مثقلة بجرائم ارتكبها النظام الأسدي باسمها، وطائفة لم تنجح حتى الآن في فصل نفسها سياسياً وأخلاقياً عن أرثه الإجرامي، وسلطة جديدة لم تتمكن حتى الآن من بناء مسار عدالة انتقالية يطمئن الجميع ويمنع الانزلاق نحو الانتقام.
من الضروري التأكيد أن العلويين ليسوا كتلة واحدة، ولا يتحملون مسؤولية جماعية عن الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد. لكن جزءاً واسعاً داخل هذه البيئة أخطأ في قراءة لحظة سقوط النظام السابق. كان الخطأ سياسياً قبل أن يكون أخلاقياً. فقد جرى التعامل مع سقوطه بوصفه تهديداً وجودياً للطائفة، لا فرصة تاريخية للفصل بين الانتماء الديني للطائفة وبين سياسة النظام السابق الأجرامية. هذا الخلط جعل كثيرين يقفون في موقع الدفاع بدل المبادرة، وفي موقع الخوف بدل المشاركة في صياغة مستقبل جديد.
لقد أمضى نظام الأسد عقوداً طويلة في بناء سردية تربط مصير الطائفة بمصيره، وقدّم بقاءه كضمانة وحيدة لأمنها. زجّ بأبناءها في الأجهزة الأمنية والعسكرية، وقمع أي قيادة اجتماعية مستقلة يمكن أن تمثل صوتاً مختلفاً، وهو لم يتردد في إخفاء المعارض الدكتور عبد العزيز الخيّر وفي ملاحقة أي صوت علوي معارض. ومع سقوطه، وجدت الطائفة نفسها أمام فراغ كامل، لا قيادة، ولا رؤية، ولا خطاب قادر على مواجهة الخوف أو الاعتراف بالجرائم أو تقديم بديل سياسي. هذا الفراغ جعل أي حراك علوي عرضة للاختطاف، وأي احتجاج قابلاً للتأويل الطائفي، وأي غضب قابلاً للاستثمار من قوى داخلية وخارجية.
في هذا السياق جاءت التظاهرات الأخيرة في الساحل. ورغم أن جزءاً منها انطلق من رفض القتل على الهوية بعد مجزرة مسجد علي بن أبي طالب في حمص، وهو أمر مشروع ومفهوم، إلا أن الإنجرار وراء دعوة من رجل دين ورفع شعارات طائفية، واستعادة خطاب النظام الساقط، مثل “نفديك بالروح والدم”، إضافة إلى شعار بالغ الخطورة: “يا فيدرالية يا حرب أهلية”. هذا الشعار لا يطالب بحق سياسي، بل يعيد إنتاج منطق الابتزاز الذي استخدمه نظام الأسد لعقود: “الأسد أو نحرق البلد”. إنه خطاب يربط أي خيار سياسي بتهديد شامل، ويحوّل المطالب المشروعة إلى لغة تهديد، ويغلق الباب أمام أي تعاطف وطني محتمل.
رفع مثل هذه الشعارات يوفّر الذريعة لمن يريد شيطنة تظاهرات العلويين وتعميم الاتهام على الطائفة، ويعيد ربط الاحتجاجات بإرث النظام الأسدي بدل أن تكون خطوة للابتعاد عنه. ورغم ذلك، لا يمكن تجاهل بعض الجوانب الإيجابية التي ظهرت في المشهد: نزول آلاف العلويين إلى الشوارع للتعبير عن آرائهم وهو أمر لم يكن ممكناً في ظل نظام الأسد، وبرزت أصوات تطالب بمحاسبة القتلة وتحقيق العدالة للضحايا، وتدعو إلى الاعتراف بالجرائم وإلى حماية المتظاهرين وحق الناس في التعبير من دون تهديد أو تحريض. إن حضور هذه الأصوات وإن كانت ضعفية فإنها تشكل دليل على إمكان بناء خطاب بديل يجب حمايته وتشجيعه.
وأيضا لا بد من التوقف عند المظاهرات المضادة من طرف المؤيدين للسلطة، التي زادت نار الطائفية اشتعالاً، وصعبت من مهمة قوى الأمن في تأمين وحماية المتظاهرين. وأيضا مشهد هجوم مجموعات مؤيدة للسلطة على بيوت المدنيين. هذا المشهد لم يأت من فراغ بل نتيجة مباشرة لشعور البعض بأنهم محميون من السلطة أو من بعض المشايخ االذين باتوا يتصرفون كمرجعيات فوق القانون. وليس أدلّ على ذلك من انشغال مجلس الإفتاء بإصدار فتوى حول العملة الجديدة، في قضية لا علاقة لها بالدين ولا بالفقه، بينما يُترك أمن الناس وكرامتهم للشارع ولأهواء بعض الخارجين عن القانون. إن ترك المرتكبين بلا محاسبة يعني عملياً أن السلطة إمّا عاجزة أو متواطئة.
إن الهجوم على المدنيين هو بالضبط ما يريده النظام السابق. فهو لا يحتاج أكثر من هذا الهجوم، كي يعيد تسويق نفسه كحامٍ للعلويين والأقليات. كما يمنح الخارج ما يحتاجه ليقول إن السوريين غير قادرين على إدارة أمنهم أو حماية مجتمعهم.
إن حماية المدنيين واجب الدولة وحدها، وأي تهاون في ذلك يفتح الباب واسعاً أمام الفوضى والانتقام، ويعيد إنتاج أخطر ما في إرث النظام السابق: تحويل الطائفة إلى ذريعة، والشارع إلى ساحة تصفية حسابات.
وفي المقابل، على عقلاء الطائفة العلوية أن يدركوا خطورة الوضع، وأن يفهموا أن أي تحرك اليوم لا بد أن يكون بعيداً عن الطائفية، ومتمحوراً حول الخطاب الوطني ومسار العدالة الانتقالية. فأي خطوة خارج هذا الإطار ستفتح الباب لتحركات مضادة، تماماً كما شهدنا خلال الأيام الماضية، وتعيد إنتاج دوامة التوتر والعنف التي نسعى جميعنا للخروج منها.
الدروس واضحة: الخطاب الوطني الجامع ضرورة، والحد من الطائفية شرط للبقاء، والعدالة الانتقالية هي الطريق الوحيد لمنع الانتقام. الدولة مسؤولة عن حماية المتظاهرين وتنظيم الاحتجاجات وضبط تصرفات بعض الجمهور المؤيد لها التي باتت تشكل خطراً عليها قبل غيرها، ومنع أي خطاب تحريضي طائفي أو كرائهي من أي جهة، ومعاقبته بشدة كما أن تعزيز أصوات علوية مستقلة، وتفكيك أكذوبة “الحماية والعودة”، وتشجيع الطائفة على دعم العدالة، كلها خطوات أساسية.
كل تأخير في هذه المسارات يترك الشارع للفوضى وللتدخل الخارجي ولأصوات التطرف. أما كل موقف وطني واضح ضد التعميم والعنف، فهو خطوة حقيقية لسحب الوقود من فتيل الفتنة. وإذا أراد السوريون الانتقال من الفوضى إلى الدولة، فلا بد من تحرك وطني عاجل: على العلويين أن يظهروا أصواتهم المستقلة، وعلى السلطة الجديدة أن تضع العدالة الانتقالية في مقدمة أولوياتها، وعلى الجميع رفض أي خطاب يشيطن الطائفة أو يوظفها كذريعة. فالعدالة لا تُقاس بعدد المشانق، بل بقدرة الدولة على حماية المجتمع من الانجرار إلى منطق الثأر الجماعي.
المدن
———————
إسرائيل وتغذية الحرب الأهلية: “طائفٌ سوري” لحماية الوحدة/ منير الربيع
الأربعاء 2025/12/31
لم تكن زيارة المسؤول الأمني في نظام بشار الأسد كمال الحسن إلى إسرائيل في بداية شهر كانون الأول هي الزيارة الاولى إلى تل أبيب، بل سبقتها زيارة أخرى في شهر أيلول الفائت، من ضمن تحركات يقوم بها ضباط محسوبون على نظام بشار الأسد يسعون للحصول على دعم خارجي بهدف إعلان منطقة الساحل إقليم مستقل بذاته. يومها حصلت زيارة كمال الحسن بطائرة خاصة، علماً أنه الشخصية التي تحتوي على كل الداتا المعلوماتية الكاملة عن آل الأسد وهو الذي عمل على إخراج هذه المعلومات معه إلى روسيا. كانت الزيارة إلى إسرائيل بعد أشهر على مجازر الساحل والتي وقعت في شهر آذار الفائت، وجاءت بعد محاولات من قبل ضباط محسوبين على الأسد للقيام بتحرك إنفصالي أيضاً.
حركة تسلح في الساحل
لم تكن التسريبات اليومية حول حوادث أمنية في دمشق أو القصر الجمهوري ولا الحديث عن حصول عمليات اغتيال تطال شخصيات قريبة من الرئيس أحمد الشرع بالتسريبات العبثية، فعادة عندما تتكاثر مثل هذه الأخبار الأمنية غالباً ما يكون هدفها التغطية على شيء ما يتم تحضيره. وفي هذا السياق، تتوارد الأخبار والمعلومات التي تتحدث عن التحضير لتحركات جديدة في الساحل السوري في المرحلة المقبلة، ولكن هذه المرة لن تكون تحركات سلمية، بل قد يتخللها عمل عسكري في محاولة لإخراج القوات التابعة لدمشق من مناطق الساحل، وإعلان المنطقة إقليماً ذاتياً. وبحسب ما تتحدث المعلومات فإن حركة تسلح كبيرة حصلت في الساحل خلال الفترة الماضية، كما أن هناك مجموعات تحتفظ بالكثير من الأسلحة التي كانت معها منذ ما قبل سقوط بشار الأسد.
تنسيق ثلاثي
يبقى الخوف قائماً من حصول تطورات دموية في سوريا، وهذا ما قد يعيد إنتاج مخاطر الحرب الأهلية واندلاعها في ظل الانسداد السياسي، بينما في المقابل تبرز جهود دولية كثيرة تسعى إلى تثبيت الاستقرار في سوريا، وهو ما يسعى إليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب من خلال إقناع رئيس الوزراء الإسرائيلي بإبرام اتفاق مع دمشق. عملياً، قد تدفع الضغوط الأميركية إسرائيل إلى خفض تصعيدها ضد سوريا والدخول في مفاوضات، ولكن هذا لا يبدو أنه سيكون كافياً في حال استمرت الأزمة الداخلية، سواء في الساحل، أو شمال شرق سوريا، أو السويداء. وسط معلومات أصبحت مؤكدة عن حصول تنسيق بين المكونات الثلاث في هذه المناطق للاتفاق على مطالب محددة، إما الفيدرالية أو اللامركزية الموسعة السياسية والمالية وليس الإدارية فقط.
إسرائيل والاستثمار في الأقليات
خلال لقائه ترامب، قال نتنياهو إن إسرائيل تريد حدوداً آمنة مع سوريا، وأن توفر الحماية للدروز والمسيحيين، أي للأقليات، وهذا ما يعني أن أي تأزم سوري داخلي سيدفع إسرائيل إلى استغلاله أكثر تحت شعار حماية الأقليات، وهو ما يدفع إلى الخوف من حصول تحركات منسقة ومتزامنة في المرحلة المقبلة لإعادة تغيير الوقائع، وفرض توازنات جديدة، لا سيما في حال حصلت التحركات بشكل متزامن من الجنوب، والشمال الشرقي والساحل، لأجل إضعاف سلطة دمشق وتشتيت قوتها وفرض أمر واقع معين.
سقوط سايكس- بيكو
في العام 2016 وخلال لقاء مع ديبلوماسي أوروبي معني بملفات المنطقة وبسوريا بالتحديد، وفي ظل معركة حلب، قال الرجل بوضوح: “لو بقيت سوريا كما كانت أيام الجنرال غورو، لما حصل كل ما تشهده هذه الأيام”. ويعتبر أن الحلّ للأزمة السورية لن يكون في ما بعد إلا وفق هذه القاعدة، لكن بالإطار السياسي الدولتي القائم؛ أي إعادة إنتاج الفيدراليات أو الدويلات على أساس عرقي أو طائفي. وقبل فترة أعلن الأميركيون على لسان مبعوثهم سقوط سايكس- بيكو وإعادة فتح التواصل السياسي والاقتصادي التركي الخليجي انطلاقاً من سوريا. سقوط سايكس- بيكو لا يروق لدول كثيرة ولا سيما دول أوروبية تعمل على التواصل مع جهات عديدة في سوريا وتعلن دوماً حمايتها للأقليات. وهذا ما سيكون قابلاً للتجدد في أي لحظة، بميدان الصراع، بينما الدول التي أعلنت أيام بشار الأسد أنها تتمسك بالحفاظ على وحدة سوريا في مواجهة “سوريا المفيدة”، فستبقى على رفضها لنموذج “غورو”، ما قد يدفع إلى تقديم طروحات سياسية جديدة حول نظام الحكم، وكيفية توزيع الصلاحيات التي يمكن تحويلها إلى مجلس الوزراء، والبحث في التوزيع الطائفي للرئاسات مع اعتماد اللامركزية التي لا تتسبب بأي تقسيم أو تهديد للكيان، أي ما يعني انتاج نموذج يمكن وصفه بـ”الطائف السوري”.
المدن
————————————
منها “درع الساحل”.. هل تتلقي ميليشيات سورية دعماً من إيران؟/ عمر علاء الدين
الأربعاء 2025/12/31
في الأوقات التي تشهد فيها سوريا اضطرابات، تتوجه أصابع اللوم إلى إيران، على اعتبار أنها أحد أبرز الخاسرين من سقوط نظام الأسد، حليفها الأبرز، وخصوصاً لفقدانها طريق الإمداد إلى حليفها اللبناني “حزب الله”.
ما يعطي المصداقية لهذا التصور هو أن التشكيلات والميليشيات التي شكلها فلول النظام السابق تتخذ ذات اللغة وذات النهج الذي لطالما اتبعته كل الميليشيات التابعة لطهران في المنطقة، ما تعكس مؤشرات على تلقيها دعماً إيرانياً، رغم أنه ليس مؤكداً بعد.
ومن بين تلك التشكيلات كانت “سرايا الجواد” و”درع الساحل” التي تسلل بعض أفرادها إلى مظاهرات خرج فيها أشخاص من الطائفة العلوية في مناطق الساحل السوري، يطالبون بـ”الفيدرالية وحق تقرير المصير” هذا الأسبوع.
طوفان الكرامة
وجاءت الاحتجاجات تحت اسم “طوفان الكرامة” استجابة لدعوة أطلقها الشيخ غزال غزال، رئيس بـ”المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر”، السبت الماضي.
شهدت هذه المظاهرات أعمال عنف ضد قوى الأمن الداخلي قام بها عدد من “فلول” النظام في اللاذقية وريف طرطوس، وفق ما قالت وزارة الداخلية السورية، وأدت إلى مقتل عنصر وأصابت آخرين.
وقال مدير الأمن الداخلي في اللاذقية، العميد عبد العزيز الأحمد، إنه جرى رصد تواجد عناصر ملثمة ومسلحة تتبع لما يسمى “سرايا درع الساحل” و”سرايا الجواد” الإرهابيتين خلال المظاهرات في اللاذقية.
واتهم الأحمد تلك الميليشيات بـ”القيام بعمليات تصفية ميدانية وتفجير عبوات ناسفة”، الداخلية نفسها كانت قد أعلنت تنفيذ عمليات ضد ميليشيا “سرايا الجواد” التي ترتبط بالمدعو سهيل الحسن (قائد اللواء 25 في جيش نظام الأسد).
تحالف عقدي.. بلا أدلة
ورجحت مصادر أمنية، تحدثت لـ”المدن” إمكانية أن تكون تلك الميليشيات مرتبطة بإيران أو تنسق مع جهات إيرانية أو متعاونة مع إيران، لكن المصادر لم توضح طبيعة هذا التنسيق أو شكله.
بالذهاب إلى تلك الميليشيات ومنها “درع الساحل” و”سرايا الجواد” فهي تضاف إلى مجموعة من الميليشيات الأخرى التي ظهرت عقب سقوط نظام الأسد، وهي:
لواء درع الساحل: بقيادة مقداد فتيحة، ويركز نشاطه على المنطقة الساحلية. وقد واجه هذا التحالف بعض الصعوبات لاحقاً، رغم وجود مؤشرات مبكرة على انضمام أعضاء من لواء درع الساحل إلى جماعة “أولى البأس”.
أشباح روح المقاومة: بقيادة الدكتور عبد الحميد الشاملي، وتنشط في شرق سوريا، إلا أن هذا التحالف لا يزال غير مؤكد.
سرايا العرين: وحدة شبه عسكرية يقودها العقيد هاشم أبو شعيب، وتتركز عملياتها في جنوب سوريا. ووفقاً لبيان جماعة “أولى البأس” الصادر في 8 من تموز/يوليو، تولّى أبو شعيب منصب رئيس قسم التعبئة والتنظيم.
المقاومة الشعبية السورية: مجموعة تظهر معاداة إسرائيل، وتكن العداء للحكومة السورية، وتتبنى شعارات النظام السابق، ويظهرون تأييداً مباشراً لرئيس النظام المخلوع بشار الأسد.
في شباط/فبراير 2025 دخلت هذه الجماعات في تحالف مع ما يسمى “جبهة المقاومة الإسلامية في سوريا” (أولي البأس) التي تشكلت في 9 من كانون الثاني/يناير 2025 بهدف محاربة إسرائيل.
ويقول الباحث في المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع (مسداد) معتز السيد في حديث لـ”المدن” إن هذه الميليشيات الناشئة في الساحل السوري مثل “لواء درع الساحل” و”سرايا الجواد” تمثل امتداداً لفلول النظام الذين ارتبطوا عقائدياً بالمحور الإيراني لأكثر من عقد، وهو ما يفسر تبنيهم لشعارات مشابهة لـ”حزب الله” وخطاب “المقاومة ضد إسرائيل”.
ويرى السيد أن هذا “الارتباط العقائدي” لم ينقطع، بل استمر عبر شخصيات عسكرية كانت مرتبطة سابقاً بطهران، ما يجعل هذه الفصائل جزءاً من محاولة إحياء النفوذ الإيراني في المنطقة.
وبالرغم من ذلك، فإن نشاط هذه المجموعات لا يزال “محدوداً ولا يرقى إلى مستوى الفوضى المنظمة”، بسبب الوجود الإسرائيلي والأميركي الذي يقوم بمراقبة وضبط أي توسع لمجموعات مرتبطة بإيران في الساحة السورية، على حد تعبير الباحث.
لكن السيد يرى أن هناك مؤشرات على وجود دعم لاستمرار هذه الظواهر بهدف “إثارة الفوضى”، حيث تحاول فلول قوات النظام، من شخصيات عسكرية ومستفيدين سابقين من أذرع النظام، إعادة تنظيم أنفسهم في الساحل وهذه المحاولات تهدف برأيه “إلى جر المنطقة نحو حالة من عدم الاستقرار لاستعادة بعض النفوذ الذي فقدوه بعد سقوط نظام الأسد”.
على العكس من ذلك، استبعد الباحث في الحركات الجهادية حسام جزماتي، في حديث للـ”المدن” أن يكون لهذه الميليشيات ارتباط بإيران، ورغم أن أسماءها أو بعض مظاهرها الرمزية تأخذ من التراث العلوي ـ الشيعي لكنها لا تعني ارتباطا بالضرورة.
وقال جزماتي، إنه لا أدلة على ارتباطها بإيران، مشيراً إلى أن بعض المنتسبين لهذه المجموعات والذين تم إلقاء القبض عليه لم يكن مسلحاً، ما يدل على عدم وجود دعم من دولة أو ما شابه ذلك.
هذه الميليشيات بحسب الباحث السوري معتز السيد، تتطلب تعزيز حضور الدولة في الساحل، ودعم المجتمع المحلي في رفض هذه المشاريع، وفضح الطابع الطائفي والإيديولوجي لهذه الفصائل، وقطع قنوات التمويل الخارجي، مشيراً إلى ضرورة بناء شبكات مدنية وأمنية قادرة على تحصين المنطقة من محاولات إعادة إنتاج الفوضى.
مهمة “مقاومة إسرائيل والحكومة”
عدة جهات أعلنت عن نفسها كمجموعات “مقاومة” عبر مواقع التواصل الاجتماعي، تزامناً مع التوغلات الإسرائيلية بعد سقوط نظام الأسد، في 8 من كانون الأول 2024.
ظهر ما سمي بجبهة المقاومة الإسلامية في سوريا (أولي البأس) التي ادعت وجود مقاتلين في سوريا يتبعون لها ويقاومون الوجود الإسرائيلي.
تتضمن منشورات وبيانات “أولي البأس” و”المقاومة الشعبية السورية”، و”سرايا العرين” تهجمات على ما تسميه “المشروع الصهيوني والأميركي والتركي”، فضلاً عن تهجمها على الحكومة الحالية، واتهامها بالتنسيق مع إسرائيل.
وتشير بعض منشوراتها إلى تبعية لفلول النظام السابق عبر اعتمادها العلم السوري القديم ذي اللون الأحمر، واعتبار النظام السابق حاضنة “محور المقاومة”.
كما أن هذه الجماعة، حظيت بـ “ترويج مبكّر” عبر شخصيات محسوبة على محور إيران، مثل العراقي عباس العرداوي، وشخصيات إيرانية بارزة، منها العميد بالحرس الثوري بهروز إصبتي، الذي أكد أن طهران تعمل مع عناصر سورية لتأسيس مثل هذه الفصائل، ما يُعزّز فرضية الرعاية الإيرانية.
وبحسب تقرير لمعهد “واشنطن لدراسات الشرق الأدنى”، يبدو أن جماعة “أولى البأس” تتقاطع أيديولوجياً وتنظيمياً مع “فيلق القدس” التابع لـ”الحرس الثوري الإيراني”. ويجري تضخيم رسائلها عبر قنوات “تلغرام” الناطقة بالفارسية التابعة للحرس الثوري، مثل “فرقة السايبر” التابعة لـ”لحرس الثوري” الايرانى، كما أن شعارها يتشابه بوضوح مع شعارات الميليشيات المرتبطة بـ”الحرس الثوري”، مثل “حزب الله” اللبناني وحركة “النجباء” العراقية.
المدن
———————————
الخطاب المنتظر في العام الجديد/ سيلفا كورية
ديسمبر 31, 2025
تستحق صورة بشار الأسد المحروقة في مظاهرات العلويين الأخيرة أن تكون من إحدى اللقطات اللافتة في نهاية العام، غابت صورته هذه عن وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، التي فاضت بسيل من الاتهامات بين طرفين غاضبين يتبادلان الشتائم والتخوين، ويتولى كل فريق دعم سرديته بكثير من الصور والفيديوهات، متجاهلاً كل ما يناقضها.
ربما أراد بعض المتظاهرين الذين حرقوا صورة الطاغية الهارب أن يقولوا: “نحن لسنا فلول، ولسنا أيتام الأسد” هذه رسالة تحتاج إلى توقف، وربما تكون نقطة انطلاق لإعادة التفكير في الخطاب السياسي الوطني.
يقابلها رسالة أخرى مؤلمة مكتوبة بدم شهيد الأمن العام، سامي الشغري، الذي يقول والده في لقاء مصور بعد ساعات قليلة من رحيله: “حمام الدم هذا يجب أن يتوقف فلا أحد مستفيد من الطرفين”.
ماذا لو التقطت الدولة هذه الرسائل جميعها، وعملت على صياغة خطاب جديد يعكس آمال جميع السوريين؟ ربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي الذي يجب أن نواجهه في عام 2026. لأن كل شيء يبدأ من اللغة، وما نحتاجه اليوم هو إنتاج لغة جديدة للتواصل، لغة تشمل الجميع، لغة تصنع الحوار وتعيد إنتاج السياسة التي غابت لعقود طويلة.
في نيويورك، حين سُئل الرئيس أحمد الشرع عن رسالته لمؤيديه، قال: “أنا رئيس كل السوريين” كانت هذه الإجابة تعكس فطنة وإيجابية كبيرة، فماذا لو حمل العام الجديد أيضاً ترجمة حقيقية لهذه الكلمات في جميع الميادين؟ ترجمة في الإعلام، في المؤسسات، في الجيش، في البرلمان، وفي الأحزاب، ترجمة في العدالة والقانون والتنمية التي يجب أن تشمل جميع السوريين.
ماذا لو تحولت هذه الكلمات إلى سياسات فعلية تُترجم على الأرض في شكل قوانين وبرامج تضمن المساواة و العدالة لكل فئات الشعب السوري؟
سوريا اليوم، الخارجة من جحيم القمع والصمت لعقود طويلة، لا تزال تحمل إرثها الثقيل، هذا الإرث يضاف إليه جراح جديدة.
ما حدث في الساحل من انتهاكات وأعمال قتل، وما تلاها في السويداء من تكرار للمشهد الدموي المنفلت سببا قطيعة وجدانية مع جزء من السوريين، كلها تفاصيل تزيد من تعقيد الواقع، ومع التعديات اليومية الإسرائيلية في الجنوب، تتراكم التحديات وتزداد الضغوط.
هذا الواقع يجعل الكثيرين يشعرون وكأن سوريا تقف على حافة بركان. يومياً على شاشة الإخبارية السورية وغيرها من شاشات التلفزة محللون وصحفيون يطلقون تحذيرات من انزلاق البلاد إلى دورة جديدة من العنف، وعلى الهواء مباشرة يستمع الجمهور إلى هويات ما قبل وطنية تتعارك، ويحاول كل واحد أن يثبت مظلومية جماعته ويغيب الهم الوطني الواحد، بينما يسيطر على المشهد الدعوات للمطالبة بـ”الفيدرالية” في بعض المناطق، وبـ”الانفصال” في مناطق أخرى، فيما مهلة الاتفاق مع قسد قد شارفت على الانتهاء، ما يزيد من ضبابية المستقبل والأفق المتاحة للحل.
إذا كان هناك شيء واضح مع نهاية العام وبداية آخر، فهو أن سوريا بحاجة حقيقية إلى نقاش سياسي عميق، وحوار وطني أكثر جدية وأصدق تمثيلاً، نقاش يخرج من دائرة الانقسامات الطائفية والمناطقية، ويُركّز على القيم الحقيقية للمواطنة. قد لا تكون العديد من الأطراف مستعدة لبدء هذا النقاش، وهذا أمر مفهوم، لا سيما أن مصالحها الفئوية تتقاطع مع استمرار حالة الفوضى وانعدام الأمن.
ولكن من غير المفهوم لماذا تتأخر الدولة في إطلاق مشروعها الوطني، خاصة وأنها نجحت في إدارة المشروع الدبلوماسي والعلاقة مع المجتمع الدولي، لمَ لم تُطلق بعد هذا المشروع في البيت الداخلي، في عمق المجتمع المدني؟ وتستعيض عوضاً عنه بتكريس الطوائف وممثليها من رجال الدين.
من غير المفهوم أيضاً أن يستمر تعطيل المجلس التشريعي في انتظار اكتمال تعيين الثلث المتبقي من أعضائه. إن هذا التعطيل لا يعكس الإرادة السياسية الحقيقية لإنهاء حالة الجمود. كما أن استمرار تعطيل مسار العدالة الانتقالية وبناء سياسات السلم الأهلي من خلال القفز فوق حقوق الضحايا يعتبر عقبة أمام بناء الثقة الوطنية.
في بداية عام 2026، لا ينتظر السوريون ما سيقوله الفلك والأبراج عن حظهم في العام الجديد، فالكل يعرف أن المهمة ليست سهلة، لكن نقلة جديدة أكثر ثباتاً ووضوحاً نحو الأمن والاستقرار والعدالة والمشاركة والانفتاح على السوريين بوصفهم أفراداً أحراراً متنوعي الرؤى السياسية، لا بوصفهم مكونات وطوائف، وليسوا كذلك فلول وانفصاليين، وما سيتبع ذلك من دوران العجلة الاقتصادية، بات نقلة ضرورية ينتظرها ويستحقها الجميع.
الثورة السورية
—————————–
سورية: رامي مخلوف يحث العلويين على عدم الانقياد وراء الشيخ غزال
عدنان علي
31 ديسمبر 2025
دعا رامي مخلوف رجل الأعمال السوري، وقريب رئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد، الطائفة العلوية في سورية، إلى عدم الانجرار وراء رجل الدين غزال غزال، الذي دعا أبناء الطائفة للخروج في التظاهرات الأخيرة، والتي أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى. وحث مخلوف في تسجيل مصور جديد بلغت مدته نحو 28 دقيقة، الطائفة العلوية على التزام الحياد والابتعاد عن الانخراط في المشكلات أو التوترات الحاصلة في البلاد، معتبراً أن “الحياد هو الخيار الأكثر أماناً في المرحلة الراهنة”، متوقعاً أن تشهد سورية خلال الأشهر الأربعة المقبلة أحداثاً كبرى، داعياً العلويين إلى التزام بيوتهم والوقوف على الحياد.
وحذّر مخلوف من عواقب الانخراط في مواجهات مع السلطة الحالية، مذكّراً بالمواجهات التي حصلت في مارس/ آذار الماضي في الساحل السوري، التي قال إنها أسفرت عن مقتل وإصابة واعتقال عشرات الآلاف من الطائفة العلوية. ولفت إلى أنه جرى خلال الأيام الأخيرة اعتقال أعداد من العلويين تفوق ما اعتقل إثر مواجهات مارس الماضي. واعترف مخلوف بأن تلك الأحداث “لم تكن ردة فعل على أحداث معينة، بل مخططاً لها من قبل بعض المتهورين الذي ورّطوا معهم أهل الساحل”، وفق وصفه.
وبعد حديثه عن الحياد، هاجم مخلوف الشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سورية والمهجر، منتقداً دعوته الجمهور العلوي إلى التظاهر و”النزول بصدور عارية”، محذّراً من أنّ هذا النهج، “يقود العلويين إلى التهلكة”، وفق تعبيره. ودعا العلويين إلى عدم الانسياق كـ”القطيع” في هذا النهج “الذي يريد تحويل العلويين إلى متطرفين”. وذكّر مخلوف بأنه هو من دعم الشيخ غزال لتسلّمه هذا المنصب، بعد أن قدّمه “بيت جابر”، لكن دعمه رجل دين، وليس قائداً سياسياً للعلويين.
كما دعا العلويين إلى الوثوق به شخصياً، وعدم الوثوق ببعض رجال الأعمال السابقين الذين وصفهم بالفاسدين، معتبراً أن لهم دوراً في الإساءة للطائفة العلوية، ودعا أيضاً إلى الوثوق بالحليف الروسي، مؤكداً أنه سيكون عوناً لهم وفق قوله.
وكان موقع “تلفزيون سوريا” قد نقل، أمس الثلاثاء، عن مصادر دبلوماسية غربية، قولها إنّ كمال الحسن رئيس شعبة المخابرات العسكرية السابق، في نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، ورجل الأعمال المحسوب على النظام المخلوع أبو علي خضر، قد زارا إسرائيل بشكل سرّي مطلع ديسمبر/ كانون الأول الجاري، وقدّما مشروعاً انفصالياً كاملاً للساحل السوري.
وفي سياق متصل، قالت المصادر إنّ رامي مخلوف عقد لقاءً في دولة إقليمية مع مسؤول في السفارة الإسرائيلية لديها، طرح خلاله ما وصفها بتحديات ما بعد سقوط النظام، وحاول تسويق فكرة تدخل إقليمي ودولي عبر إسرائيل ودول أخرى لتأمين نفوذ سياسي وأمني لدوائر مرتبطة بالنظام السابق، ضمن ترتيبات جديدة في الساحل ومناطق سورية أخرى.
ووفق المصادر، فإن هذا المسار يندرج ضمن محاولات فلول النظام إعادة التموضع بعد سقوطه في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، عبر فتح قنوات اتصال خارجية، والسعي لفرض أنفسهم طرفاً “لا غنى عنه”، أو أداة يمكن توظيفها لابتزاز الأطراف الدولية والإقليمية بمخاوف أمنية وسياسية واقتصادية.
العربي الجديد
———————————————
==================
تحديث 30 كانون الأول 2025
———————————
الحسن وخضر زارا إسرائيل.. وقدما مشروع انفصال الساحل السوري
الثلاثاء 2025/12/30
نقل موقع “تلفزيون سوريا” عن مصادر دبلوماسية غربية، قولها إن رئيس شعبة المخابرات العسكرية السابق، في نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، كمال الحسن، ورجل الأعمال المحسوب على النظام المخلوع “أبو علي خضر”، زارا إسرائيل بشكل سري مطلع كانون الأول/ديسمبر، وقدما مشروعاً انفصالياً كاملاً للساحل السوري.
دعم إسرائيلي
وقالت المصادر إن محادثات الحسن وخضر تناولت طلب دعم إسرائيلي لمناطق الساحل السوري، في ظل تراجع حماسة موسكو لتوفير حماية أو غطاء سياسي لمشروع “دولة علوية” هناك، بالتوازي مع التقارب القائم بين دمشق وموسكو، مشيرةً إلى الشخصيتين عقدتا لقاءات مع مسؤولين في جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك).
وطرح الحسن وخضر خلال الاجتماعات، مشروع انفصال عن دمشق، على أن تكون إسرائيل راعية له بالتعاون مع دول أوروبية مطلة على البحر المتوسط.
واستند الطرح إلى مخاوف أوروبية من موجات لجوء محتملة عبر المتوسط في حال تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في الساحل السوري، مع التأكيد على وجود آلاف الضباط والمسؤولين الجاهزين للتمرّد، والموجودين بين الساحل السوري ولبنان، ويمكن تفعيلهم عند توافر الغطاء السياسي والدعم الخارجي.
وأكد الحسن وخضر للمسؤولين الإسرائيليين أن عدداً من المسؤولين في النظام المخلوع، ينسّقون بشكل مطّرد مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومع جماعة الشيخ حكمت الهجري في السويداء، في إطار بناء شبكة تفاهمات ميدانية وسياسية عابرة للمناطق، بحسب المصادر.
تحرك مشترك ضد دمشق
ووفق الموقع، فإن لقاءات مباشرة عُقدت بالفعل خلال الفترة الماضية في كل من العراق ولبنان، بهدف تنسيق المواقف وتبادل التقديرات حول فرص التحرك ضد دمشق، وإمكانية توحيد مسارات الضغط السياسي والأمني في مرحلة لاحقة.
وأكدت المصادر أن التواصل بين الحسن والجانب الإسرائيلي لا يُعد مستجداً، إذ كان على صلة غير مباشرة مع المسؤولين الإسرائيليين خلال السنوات الأخيرة التي سبقت سقوط نظام الأسد، عبر قنوات تنسيق شارك فيها مسؤولون في أجهزة الاستخبارات الروسية.
وأضافت أن هذا التواصل جرى في سياق استكشاف ترتيبات محتملة تتعلق بالساحل السوري، ومستقبل البنية الأمنية فيه، ما يشير إلى أن العلاقة القائمة اليوم تمثل امتداداً لمسار تواصل سابق جرى تفعيله وتوسيعه بعد انهيار النظام، وليس وليد المرحلة الراهنة.
رامي مخلوف
وفي السياق ذاته، كشفت المصادر عن لقاء عقده رجل الأعمال السوري وابن خال رئيس النظام المخلوع، رامي مخلوف، مع مسؤول في السفارة الإسرائيلية في دولة إقليمية.
وعرض مخلوف خلال اللقاء، تحديات “الأقلية العلوية” في ظل حكم اعتبره “سنياً”، مؤكداً أهمية أن تضطلع إسرائيل، إلى جانب دول أخرى، بدور راعٍ لحماية العلويين في الساحل ومناطق سورية أخرى، في إطار مقاربة إقليمية أوسع لتوازنات ما بعد سقوط الأسد.
ولا يُعد هذا الأداء جديداً في مسار رامي مخلوف، إذ صرّح علناً، العام 2011، مع انطلاق الثورة السورية، بأن “أمن سوريا من أمن إسرائيل”، في رسالة وُجّهت حينها إلى العواصم الغربية والإقليمية، هدفت إلى التحذير من أن أي زعزعة للنظام ستنعكس مباشرة على أمن إسرائيل، وهو ما يعكس استمرارية مقاربته القائمة على ربط بقاء المنظومة الحاكمة ومعادلات الأقليات بمصالح أمنية إقليمية أوسع، في مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي، وفق المصادر.
مشروع تفاوض
وتكشف هذه المعطيات عن مسارٍ أكثر تعقيداً من مجرد اتصالات ظرفية أو تحركات فردية، إذ تعكس محاولة واضحة من بقايا بنية النظام السوري السابق لإعادة تعريف موقعها الوظيفي في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، عبر توظيف خطاب “حماية الأقليات”، وكمدخل سياسي- أمني لطلب رعاية خارجية مباشرة.
واللافت، بحسب الموقع، هو انتقال هذا الخطاب من كونه أداة ردع موجهة للغرب، كما كان عليه الحال في السنوات الأولى للثورة، إلى كونه مشروع تفاوض عملي يسعى إلى إيجاد مظلة إقليمية بديلة عن المظلة الروسية التي أظهرت حدودها، بل وتراجعها، في لحظة التحول السوري الراهنة.
إضافة إلى ذلك، فإن الانفتاح على إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء إقليميين، لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الأوسع في المقاربة الإسرائيلية تجاه سوريا، والتي باتت تنظر إلى تفكك المركز السوري ليس فقط كحالة أمنية يجب احتواؤها، بل كفرصة لإعادة هندسة هوامش النفوذ على أسس طائفية وجغرافية قابلة للإدارة.
قلق النخبة المهزومة
وقالت المصادر إن محاولات الربط بين الساحل و”قسد”، وبعض الفاعلين المحليين في الجنوب كالشيخ حكمت الهجري بالسويداء، تُظهر مؤشراً على السعي إلى بناء شبكة ضغط متعددة المسارات، وتستند إلى فرضية أن إضعاف دمشق يمكن أن يتحقق عبر تراكب أزمات الأطراف، لا عبر مواجهة مركزية مباشرة.
إلا أنها رأت أن هذه التحركات لا تُشير إلى مشروع انفصال ناضج بقدر ما تعكس قلق نخبة مهزومة تبحث عن ضمانات بقاء ودور، وتراهن على توظيف مخاوف أوروبا من الهجرة، وحسابات إسرائيل الأمنية، وفجوات التفاهمات الدولية حول سوريا، لإعادة إنتاج نفسها كلاعب تفاوضي.
وأضافت أن نجاح هذا المسار يبقى مرهوناً بعوامل تتجاوز أصحاب هذه المبادرات، أبرزها شكل التوازنات الإقليمية الجديدة، وحدود التسامح الدولي مع أي سيناريو تفكيكي قد يفتح الباب أمام فوضى أمنية أوسع في شرق المتوسط.
المدن
———————————
“رويترز”: الحكومة السورية تحاول كسب ولاء العلويين
30 ديسمبر 2025
كان خير الله ديب يريد وعداً بالعفو حتى يخرج من مخبئه، عندما اختفى عن الأنظار عدة أسابيع، بعد أن شنّ مسلحون سوريون علويون هجمات ضد حكومة سورية الجديدة في مارس/ آذار الماضي (2025). لم يحمل ديب، وهو شاب سوري علوي، سلاحاً وساعد في حماية قوات الأمن الحكومية. وتسبّبت الهجمات باشتباكاتٍ دامية بين الحكومة وأطراف مسلحة موالية للرئيس المخلوع بشّار الأسد ومقتل ما يربو عن 200 من قوات الأمن ونحو 1500 مدني، وأشعلت فتيل أعمال انتقامية استمرت أياماً، وهو ما جعل ديب يعيش في خوف.
ودفعت هذه الأحداث إلى زيادة الشرخ بين الطائفة العلوية التي ينتمي إليها الأسد والحكومة الجديدة التي بدأت مساراً قضائياً لملاحقة المتورّطين باستهداف المدنيين خلال حملة مارس. ومنذ ذلك الحين، تحاول الحكومة الجديدة تدارك الضرر، من خلال منح العفو لأشخاص مثل ديب وغيره، ممن انجرفوا إلى أعمال العنف في مارس/ آذار، وتقديم مساعدات اقتصادية محدودة للطائفة العلوية بشكل عام.
وحسب وكالة رويترز، في تقرير لها، قدّمت اللجنة الحكومية المُشكلة للإشراف على هذه العملية في محافظتي اللاذقية وطرطوس الساحليتين دعماً لعشرات العلويين، بينهم 15 مسؤولاً أمنياً سابقاً يعملون حالياً مع الحكومة السورية. وتُعرف هذه الهيئة رسمياً باسم اللجنة العليا للحفاظ على السلم الأهلي.
وتحدثت اللجنة والمستفيدون منها عن محاولة ناشئة ومثيرة للجدل لكسب ولاء السوريين العلويين الذين عانى كثيرون منهم من الفقر تحت حكم الأسد، رغم تمتّعهم بامتيازات في الوظائف الحكومية، نظراً إلى انتمائهم الطائفي. ويمكن أن يُساهم كسب ولائهم في تمكين الحكومة الجديدة من بسط سيطرتها على المنطقة، وإظهار تقدم صوب تحقيق تعهّد الرئيس أحمد الشرع بخدمة جميع السوريين. ويدير هذه المبادرة قادة سابقون في طرفي الحرب السورية التي دامت 14 عاماً، وتقدّم المبادرة مساعدات مالية وفرص عمل وخدمات طبية لمئات العلويين، بمن فيهم عشرات حصلوا على عفو مقابل تعهدهم بعدم القتال مجدداً، أو بالمساعدة في ثني آخرين عن حمل السلاح.
وقال عضو اللجنة العليا للسلم الأهلي، حسن صوفان، لـ”رويترز” إن الحكومة تسعى لتحقيق التوازن في جهودها تجاه العلويين والاحتياجات الواسعة للشعب السوري عموماً، بمن فيهم السنّة المتضرّرون من نظام الأسد. وأضاف في مقابلة “هناك توازن يجب أن نحققه” للتأكد من أن يشعر الجميع بالمعاملة العادلة. وأقر صوفان بوجود بعض الغضب الشعبي إزاء تعاون السلطات الجديدة مع أعضاء من المؤسسة الأمنية للديكتاتور المخلوع. لكنه قال إن القيادة السورية ترى الأمور من منظور أوسع. وأضاف “على الشعب السوري أن يمضي قدماً. وهذا لا يعني قبول الجرائم الكبرى التي وقعت. تجب محاسبة من ارتكبوا جرائم خطيرة، لكن الغالبية العظمى من السوريين أبرياء”.
وكان ديب أحد المستفيدين من هذا النهج المتسامح. ونفى مشاركته في أي أعمال عنفٍ خلال أحداث مارس/ آذار. وقال إن دوره اقتصر على التواصل، وإنه ساعد أيضاً في إنقاذ حياة عشرات من قوات الأمن الذين احتجزهم المسلحون رهائن، وتوسّط في عودتهم، وأكد مسؤول حكومي مطّلع على جهود وساطته روايته.
صنّاع سلم غير متوقعين
لدى القائمين على اللجنة تاريخ في ميادين القتال. فصوفان، وهو سني من اللاذقية، قائد سابق في صفوف المعارضة المسلحة. وخالد الأحمد، ساعد الأسد على السيطرة على أراض خلال الحرب، عبر اتفاقيات استسلام قبل أن يدبّ الخلاف مع الرئيس المخلوع، وفي النهاية قرّر دعم الشرع، صديق طفولته. أما رجل الأحمد على الأرض فهو فادي صقر، العلوي الذي قاد مجموعة مسلحة موالية للأسد سيئة السمعة تُعرف باسم قوات الدفاع الوطني، والتي اتهمتها منظّمات حقوق الإنسان بارتكاب مجازر وجرائم نهب وانتهاكات، وأدرجت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي صقر في قائمة للعقوبات لدوره في مذابح وقعت خلال الحرب.
ونفى صقر أي دور له في تلك الجرائم في تصريحات لـ”رويترز”، لكنه أحجم عن الإجابة عن مزيد من الأسئلة. وأقرّ صوفان بأن الحكومة السورية تتعاون مع صقر، قائلاً إنه ساعد في منع إراقة الدماء عند سقوط الأسد. وأثار التعاون مع صقر انتقاداتٍ للجنة بوصف ذلك محاولة سطحية من الحكومة الجديدة لتعزيز حكمها، بينما تسمح لشخصيات النظام السابق سيئة السمعة بالإفلات من العقاب.
وقال أسامة عثمان، الذي ساعد قبل أكثر من عقد في تسريب آلاف الصور، المعروفة باسم ملفات قيصر، لمعتقلين قضوا نحبهم في سجون الأسد “من أنتم لتسامحوا من قتل أبناءنا بأبشع الطرق. وبالعكس، تجعلونهم رموزاً للسلم الأهلي”. وتقول الحكومة إن المرشّحين لنيل العفو يخضعون للتدقيق لضمان عدم العفو عن أي شخصٍ ارتكب جرائم خطيرة خلال الحرب الأهلية، إلا أن العملية نفسها تتسم بالغموض.
وتقول الشبكة السورية لحقوق الإنسان إن سلطة اللجنة في منح العفو والإفراج عن المعتقلين تقوض الشفافية والمساءلة واستقلال القضاء. وقال جريجوري ووترز، الباحث البارز في برنامج سوريا، التابع للمجلس الأطلسي: “ساهمت جهود فادي صقر بشكل كبير في الحفاظ على السلام الظاهري، لكنها لم تُساهم بالقدر الكافي في تهدئة المخاوف وبناء الثقة وسط السكان المحليين، مقارنةً بمبادراتٍ شعبيةٍ أخرى تعمل مع المسؤولين المحليين”.
ويعارض عمل اللجنة كثيرون من أفراد الطائفة العلوية، ومنهم أصحاب مواقف متشدّدة يرون التعاون مع السلطات السورية خيانة عظمى. وأفاد أفراد على صلة باللجنة لـ”رويترز” بأنهم يدركون أن من المحتمل أن يستهدفهم مسلحون علويون. واغتيل مرشّح علوي في انتخابات برلمانية نظمتها الدولة في سبتمبر/ أيلول.
وفيما كانت “رويترز” تُغطي عمل اللجنة في الدالية، وهي قرية جبلية نائية وخلابة انطلقت منها أحداث مارس/ آذار، قالت صفحة علوية مناهضة للحكومة على “فيسبوك” إن صقر جلب الصحافيين إلى هناك ضمن مخطّطات “قذرة”. وتعقبت سيارة ذات نوافذ معتمة الصحافيين إلى خارج القرية قبل أن تُحذرها دورية أمنية حكومية في نهاية المطاف. ولم يكن صقر موجوداً في مهمة التغطية الصحافية، لكن أعضاء فريقه المعني بالسلم الأهلي كانوا على مقربة من المقابلات التي أجريت مع السكان.
“بادرة حسن نية”
رأى بعض العلويين في البداية في الإطاحة بالأسد العام الماضي فرصة لأبناء طائفتهم الذين يعاني كثيرون منهم من الفقر المدقع. ووقّع عشرات الآلاف من الجنود السابقين اتفاقيات تسوية مؤقتة مع الحكومة الجديدة وسلموا أسلحتهم.
لكن شعورهم بالتهميش والخوف زاد عقب عمليات التسريح الجماعي ومقتل علويين في الأشهر اللاحقة، ثم زادت أحداث الساحل التي وقعت في مارس/ آذار من انعدام الثقة في الشرع. وقال محافظ طرطوس أحمد الشامي لـ”رويترز” إن اللجنة منحت عفواً عاماً لما لا يقل عن 50 علوياً على صلة بأحداث الساحل، في بادرة حسن نية.
وأفاد مسؤول في اللجنة بأنها أطلقت سراح مئات الجنود من عهد الأسد الذين قُبض عليهم بعد الإطاحة به، ورتبت أكثر من 90 زيارة عائلية لبضعة آلاف من المحتجزين الآخرين. وقالت أم لثلاثة جنود سابقين مسجونين إنها تمكنت من زيارة أحدهم في سبتمبر/ أيلول، وإن اللجنة تكفّلت بتكاليف السفر، التي كانت قليلة لكن الأم لم تتمكن من تحمّلها.
وأضافت الأم، التي طلبت عدم الكشف عن اسمها، أن رؤية ابنها من وراء الزجاج آلمتها، مشيرة إلى أنه لم يُسمح لها إلا بإعطائه ملابس داخلية. ووفقاً للشامي وبيان صادر عن قادة الأمن في اللاذقية وطرطوس، يقدم المقاتلون الحاصلون على العفو معلومات عن أشخاص ربما يخططون لهجمات، ويساعدون السلطات في العثور على مخابئ سرية للأسلحة الخفيفة والذخيرة، كما أنهم يقنعون آخرين بعدم القتال.
وبعد التوصل إلى اتفاق تسوية في إبريل/ نيسان، نال أحد المقاتلين السابقين، التابعين لصقر، فرصة عمل في النجارة. ورغم قوله إنه لا يزال يرغب في “الثأر لدماء العلويين التي أُريقت”، قال المقاتل، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه خشية الانتقام، إن لا أحد يرغب في القتال. وأضاف لرويترز “الناس تعبوا. يريدون الأمان وإطعام أولادهم”.
جهود رمزية
قال سكان علويون في منطقة الساحل إن الجهود المبذولة ضئيلة للغاية لمعالجة الأضرار الجسيمة التي خلفتها أحداث الساحل، فضلاً عن الفقر المستشري، وانعدام الأمن المستمرّ في المناطق الساحلية. وأقرّ صوفان بوجود قيود مالية.
وبعد مرور أكثر من تسعة أشهر على أعمال العنف، تقول اللجنة إنها لم تُرمّم سوى أقل من 10% من حوالي ألف منزل متضرّر. وقال أسامة طوير، وهو علوي عمره 32 عاماً من ريف جبلة، إن 13 من منازل عائلته أضرمت فيها النيران وسُرقت ماشيتها في مارس/ آذار، وإن اللجنة لم تتمكّن من العثور على اثنين من أقاربه مفقودين منذ ذلك الحين.
وبدأت اللجنة إجراء إصلاحات أساسية في بعض منازل أقاربه، لكن بعد زيارة “رويترز” في سبتمبر/أيلول، قال طوير إن أعمال الإصلاح توقفت تماماً. وأضاف أن المخاوف من تجدّد العنف تجعل السكان يتجنّبون التردد على ورشته، مما أدى إلى انخفاض دخله بشكل كبير.
وسلطت تظاهرات العلويين في الأيام الماضية والشهر الماضي الضوء على التحدّيات التي تواجهها اللجنة. ففي 28 ديسمبر/كانون الأول، هتف آلاف العلويين مطالبين بحكم لامركزي والإفراج عن المعتقلين. لم يدم احتجاجهم سوى ساعة، قبل خروج تظاهرة مؤيدة للحكومة. وفضت قوات الأمن ذلك الحشد بإطلاق أعيرة نارية، كما حدث في احتجاج آخر الشهر الماضي رفع مطالب مماثلة.
وبدأت السلطات محاكمات علنية بشأن أعمال العنف في مارس/ آذار. وتعد نتائجها اختباراً حقيقياً للمساءلة في سورية الجديدة. وقال وائل حسن، وهو مزارع عمره 59 عاماً، تعهّدت اللجنة بترميم منزله المحترق، لـ”رويترز” إن الطريق لا يزال طويلاً قبل أن تتمكّن جميع الطوائف السورية من العيش معاً دون خوف.
(رويترز)
—————————————–
سوريا: مخاطر المواجهة بين شارع وشارع
شهدت مناطق في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص، وسط وغرب سوريا، مظاهرات احتجاج شارك فيها المئات من أبناء الطائفة العلوية، رُفعت خلالها لافتات تطالب بـ«الفيدرالية» و«حق تقرير المصير». كما تعالت هتافات مناهضة للسلطة المركزية الانتقالية، وذلك تلبية لنداء من الشيخ غزال غزال الذي يترأس ذاتياً ما يُسمى «المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر»، دعا فيه إلى «طوفان بشري سلمي يملأ الساحات».
لكن التظاهر السلمي لم يكن صفة حشود تسللت إليها مجموعات من الفلول أنصار النظام السابق البائد، لم يكتفوا باللافتات والهتافات الاستفزازية بل حملوا أيضاً السلاح الأبيض والناري، وعمدوا إلى استهداف عناصر الأمن العام التي انتشرت لضمان أمن المظاهرات، وإلى تكسير السيارات والعبث بالمرافق العامة. وفي المقابل كان منتظراً أن تخرج حشود أخرى مؤيدة للسلطة الانتقالية، ورافضة لشعارات لا تنتهي مدلولاتها إلا إلى الإضرار بالوحدة الوطنية للشعب السوري، وإلى تكريس النزعات الانفصالية.
صحيح بالطبع أن غزال ومجلسه لا يمثلان سواد أبناء الطائفة العلوية، لأن أحداً لم ينتخبه أصلاً أو يصوّت لصالح تشكيل مجلس طائفي المحتوى والأهداف، يعمل من خارج سوريا ويرتبط بأجندات إقليمية تضررت من سقوط النظام. منطقي بالتالي أنه لا يعبّر إلا عن رأي قلة قليلة من أتباعه، تظاهروا وهتفوا يفدونه بالروح وبالدم، هو الذي يشهد تاريخه على تأييد النظام البائد والحض على استخدام العنف ضد الانتفاضة الشعبية. وقد عبرت هيئات من داخل مناطق العلويين في سوريا عن رفضها لدعواته، واستنكارها لمحاولات تأجيج نيران الصدامات الطائفية، وتشديدها على حرية التعبير السلمي عن المظالم.
ولكن من الصحيح أيضاً أن مواجهة شارع ذي طابع علوي مناهض للحكومة الحالية، بشارع مضاد ذي طابع سني مؤيد للسلطة المركزية، تنطوي على عواقب بالغة الخطورة على الوحدة الوطنية لعموم الشعب السوري، الأمر الذي يُلزم السلطات الانتقالية باتخاذ كل الإجراءات التي تكفل عدم الانزلاق إلى مآل سوف يكون دامياً بالضرورة، كما تأكد بوضوح مع سقوط 4 قتلى أحدهم عنصر في الأمن العام، وعشرات الجرحى.
وهذه التظاهرات ليست سوى الصيغة المعلنة من سيرورة تآمر خافية على استقرار سوريا عموماً والسلطة الانتقالية الراهنة خصوصاً، يتولى التحريض عليها عشرات الضباط وحيتان الفساد وصنّاع الكبتاغون من رجال النظام البائد وأصحاب المصلحة في زعزعة السلم الاهلي، وقطع مسير سوريا نحو الاستقرار وإعادة البناء. وليس خافياً أن هؤلاء أقرب إلى بيادق تحركها قوى وميليشيات إقليمية سادت في سوريا طوال 14 سنة، ولا تملك اليوم سوى توظيف المليارات وتحريك الغرائز الطائفية واستغلال المطالب المشروعة لإشعال النيران.
وإذا جاز القول بأن مشاريع غزال وأمثاله قصيرة المدى وآيلة إلى فشل وانحسار، فإن واجب السلطة الانتقالية في درء المخاطر الكامنة لا يقبل التأجيل ولا التراخي في مواجهة الاستحقاقات المعقدة المطلوبة كافة، كما يُلزم السوريين أجمعين بالجنوح إلى تفكير وطني جامع وخارج صناديق الانحيازات الفئوية، أياً كانت إغواءاتها والجهات المحرضة على إذكائها.
القدس العربي
—————————–
العنف بوصفه خطابًا اجتماعيًا: قراءة سوسيولوجية للتفجيرات في سوريا/ مهيب الرفاعي
29 ديسمبر 2025
لا ينبغي قراءة التفجيرات التي تستهدف دور العبادة بوصفها حوادث أمنية فحسب، بل باعتبارها تدخلات مباشرة في النسيج الاجتماعي نفسه، إذ لا تكمن آثارها الأعمق في نطاق الدمار المادي أو عدد الضحايا، بل في المعاني التي تنتجها، والمخاوف التي تعيد توزيعها، وإعادة الاصطفاف الاجتماعي التي تفرضها على المجتمع. فالعنف هنا، ومن منظور اجتماعي–سوسيولوجي، يؤدي وظيفة تواصلية قبل أن يكون أداة إكراه؛ إذ يكون التفجير في آنٍ واحد رسالة إلى عدة جماهير، بحيث يوجّه إلى الجماعة المستهدفة (أبناء الطائفة العلوية) رسالة مفادها أنها مرئية، مكشوفة، وغير محمية؛ ويخاطب الجماعات الأخرى بأن الحدود الطائفية أو الرمزية قابلة للاختراق في أي لحظة؛ ويختبر الدولة عبر الإيحاء بأن احتكارها للأمن قابل للتحدي.
يبعث تفجير وادي الذهب في حمص إلى المجتمع ككل رسالة أشد خطورة مفادها أن الحياة اليومية، بما فيها العبادة والتجمع والثقة، قابلة للانهيار، ويحوّل اختيار التوقيت (صلاة الجمعة) والمكان (فضاء ديني ذي رمزية عالية) الفعل من عنف عشوائي إلى رسالة مشفّرة داخل الفضاء الطقوسي، تستهدف تعطيل الروتين الاجتماعي المشترك وتقويض الإحساس بالأمان في أكثر لحظاته قداسة، وبذلك لا يعتدي التفجير على الأجساد وحدها، بل على الحياة الجماعية ذاتها.
إنتاج الخوف بوصفه بنية ممنهجة
لا يُختزل الخوف الذي تُنتجه التفجيرات، وفق التحليل السوسيولوجي، في كونه استجابة نفسية لحظية لحدث صادم، بل يُفهم بوصفه عملية اجتماعية مركّبة تُصنَّع وتُوزَّع ويُعاد إنتاجها داخل المجتمع بمرور الوقت. فالعنف هنا لا يكتفي بإحداث رعب آني، بل يعمل على تسييس الخوف وتحويله إلى مورد اجتماعي يُعاد توظيفه في إعادة تنظيم العلاقات والهويات وأنماط السلوك. ومع تكرار هذا النوع من الاستهدافات (كنيسة مار الياس في دمشق، مسجد علي بن أبي طالب في حمص، كنيسة السيدة العذراء في الزبداني)، يصبح الخوف شعورًا جمعيًا؛ إذ يتوقف الأفراد عن تقييم المخاطر بوصفهم ذواتًا مستقلة، ويبدؤون في تفسيرها عبر انتماءاتهم الجماعية، فيُعاد تعريف من هو الآمن ومن هو المهدَّد على أساس الهوية الطائفية أو الدينية أو المناطقية. في هذه اللحظة، لا يعود الخطر احتمالًا فرديًا، بل يتحول إلى خاصية جماعية تلتصق بمجتمع بعينه، وتنتقل بين أفراده عبر السرديات والشائعات ووسائل التواصل الاجتماعي والذاكرة الجمعية.
يعيد هذا الخوف المُنتَج تشكيل السلوك اليومي بعمق، إذ تُفرَغ الفضاءات العامة من وظيفتها الاندماجية التي تنادي بها الحكومة الجديدة في دمشق، وتتحول أماكن العبادة والأسواق والأحياء المختلطة من ساحات تفاعل إلى نقاط توتر، فيُعاد تنظيم الحركة والتنقل واللقاء وفق منطق تجنّب لا وفق منطق مشاركة. ومع الوقت، تتآكل الثقة الاجتماعية الأفقية، ويحل محلها حذر دائم من الآخر القريب، أي الجار أو الشريك في الفضاء العام، لا بوصفه فردًا، بل بوصفه حاملًا لهوية محتملة الخطر. في هذه البيئة، يتشكل ما يمكن تسميته بـالقلق الاستباقي “anticipatory anxiety”، حيث يتصرف الناس كما لو أن العنف وشيك دائمًا، حتى في غياب أي مؤشر مباشر، فيُلغون المناسبات، ويغيّرون مساراتهم اليومية، ويعيدون تعريف “الطبيعي” بوصفه وضعًا مؤقتًا قابلًا للانهيار في أي لحظة.
على المدى الأبعد، يؤدي هذا المسار إلى ما يمكن وصفه بأمننة الحياة اليومية “Daily Securitization”، أي إخضاع تفاصيل العيش العادي، من اختيار وقت الصلاة، وطريق الذهاب إلى العمل، ونوعية العلاقات الاجتماعية، وصولًا إلى اللغة المستخدمة في الفضاء العام، لمنطق إدارة المخاطر لا لمنطق الثقة والتعايش. هنا، لا يعود الأمن في سوريا وظيفة مؤسساتية فحسب، بل يتحول إلى عبء اجتماعي مُلقى على الأفراد والجماعات، فيُجبرهم على بناء استراتيجيات ذاتية للحماية والانكفاء. وبهذا المعنى، يصبح الخوف ذاته بنية حاكمة تعيد إنتاج العنف رمزيًا حتى في غياب التفجير، لأنه يُبقي المجتمع في حالة استعداد دائم للصدمات، ويمنع عودة الإحساس بالاستقرار بوصفه شرطًا أساسيًا لإعادة بناء الحياة الاجتماعية والسياسية.
الطائفية كعملية اجتماعية مُنتَجة
لا تُفهم الطائفية في هذا المسار بوصفها خاصية متجذّرة في البنية الثقافية للمجتمع أو نتيجة حتمية للاختلاف الديني، بل بوصفها عملية اجتماعية–سياسية مُتدرجة تُفَعَّل وتتعزز في سياقات العنف وعدم الاستقرار. فالتفجيرات التي تستهدف جماعات بعينها في سوريا لا تكتفي بإحداث صدمة أمنية أو إنسانية، بل تؤدي دورًا أعمق يتمثل في إعادة ترسيم حدود الهوية داخل المجتمع، بحيث يُعاد تقديم الانتماء الديني بوصفه المؤشر الاجتماعي الأول الذي يُعرّف الأفراد ويحدد موقعهم في شبكة الخوف والحماية والاشتباه. ومع تكرار هذا النمط من العنف، تتراجع الانتماءات الوطنية والمدنية والمهنية أمام ثقل الهوية الطائفية، التي تتحول تدريجيًا من عنصر ثقافي متنوع إلى إطار تفسيري شامل تُقرأ من خلاله الأحداث اليومية والعلاقات الاجتماعية.
في هذا السياق بالتحديد، تعمل التفجيرات على دفع المجتمعات المحلية إلى تبنّي قراءة طائفية للواقع، حيث تُعاد صياغة الوقائع السياسية والاقتصادية والاجتماعية ضمن سرديات دينية مبسّطة، تختزل أسباب غياب العدالة الانتقالية وضعف الدولة في منطق الانتماء الطائفي وحده. وبهذا الاختزال يجري تحميل الهوية الدينية وظيفة تفسير كل أشكال العنف، ما يمنح الطائفية قدرة عالية على الانتشار بوصفها لغة جاهزة للفهم والتعبئة. ويتسارع هذا المسار عمومًا في المجتمعات الانتقالية التي تعاني من هشاشة مؤسساتها، وضعف الثقة بالقانون، وغياب سردية وطنية جامعة قادرة على استيعاب الاختلاف، إذ يصبح اللجوء إلى الهوية الجماعية الضيقة وسيلة لتعويض الفراغ المؤسسي ولإنتاج شعور بالمعنى والانتماء في بيئة يسودها القلق وعدم اليقين؛ ويدفع جماعات موتورة وطائفية (مثل سرايا أنصار السنة) إلى الاستفراد بالمشهد تحت حجج المظلومية السنية والرغبة بالانتقام وتعويض 14 عامًا على الأقل من القتل الممنهج.
ومع الوقت، تتحول الطائفية من ردّ فعل على العنف الذي انتهجه نظام الأسد وشبيحته، إلى بنية اجتماعية قائمة بذاتها، تُعيد تنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات، وتحدد من هو موضع ثقة ومن هو موضع ريبة، ومن يستحق الحماية ومن يُنظر إليه كتهديد محتمل. في هذه المرحلة، لا تعود الطائفية مجرد انعكاس للعنف، بل تصبح أحد محركاته الأساسية، لأنها تُغذّي دوائر متبادلة من الخوف والانغلاق والتمترس الهوياتي. وبهذا المعنى، يمكن القول إن الطائفية ليست سببًا أوليًا للعنف بقدر ما هي نتاج تراكمي له، لكنها، بعد تبلورها، تتحول إلى أداة فعّالة لإدامته، وتقويض إمكان إعادة بناء المجال العام على أسس المواطنة والعيش المشترك.
تآكل الثقة الاجتماعية وعودة منطق الحماية الذاتية
تؤدي الهجمات التي تستهدف الفضاءات الرمزية، كدور العبادة، إلى إلحاق ضرر بالثقة الأفقية، أي الثقة المتبادلة بين المواطنين، أكثر مما تُضعف الثقة العمودية بالدولة ذاتها؛ وهنا لا يُعاد تعريف الخطر بوصفه تهديدًا خارجيًا مجردًا، بل بوصفه احتمالًا كامنًا داخل النسيج الاجتماعي نفسه، ما يجعل الجار مصدر ريبة، والعلاقة اليومية محل شك، والتفاعل العادي مشوبًا بالحذر. ومع هذا التحول، تزدهر الشائعات والسرديات التآمرية بوصفها آليات بديلة لتفسير الواقع، في ظل غياب معلومات موثوقة أو ثقة مستقرة وعدالة موزّعة، فتُعاد قراءة الأحداث عبر مخيال جماعي مشحون بالخوف والاشتباه. كما تفقد الفضاءات التي كانت تاريخيًا محايدة واندماجية كالحارات والأسواق، والمساجد، والكنائس، وأماكن اللقاء العام، وظيفتها الاجتماعية الجامعة، وتتحول إلى نقاط توتر أو أماكن يُعاد تصنيفها هوياتيًا، مثل تصنيف حي وادي الذهب على أنه علوي، شيعي بالعموم، وهدف مستحق لأبناء الطائفة السنية ممن يمتلكون سلاحًا وقدرة على الضرر.
وفي موازاة هذا الانهيار في الثقة الأفقية، تفتح التفجيرات الرمزية المتكررة الباب أمام عودة ما وصفه تشارلز تيلي في أطروحته “صناعة الحرب وبناء الدولة” بـ”بُنى الأمن الذاتي” أو مجتمعات الحماية، وهي أشكال تنظيمية غير رسمية تنشأ حين يشعر الأفراد والجماعات بأن وعد الحماية المتساوية الذي يفترض أن تقدمه الدولة لم يعد مضمونًا (كانت على أيام نظام الأسد تسمى اللجان الشعبية). في هذه الظروف، لا تنشأ الجماعات المسلحة المحلية، وشبكات الحماية غير النظامية، ومنطق الأمن القائم على الهوية الطائفية بدافع حب العنف أو الرغبة في الصدام، بل بوصفها استجابات اجتماعية لشعور متزايد بعدم اليقين وانعدام الأمان. غير أن هذه الاستجابات، رغم طابعها الدفاعي الظاهر، تحمل أثرًا تراكميًا خطيرًا، إذ تُعيد توزيع العنف خارج إطار الدولة، وتُضعف احتكارها المشروع للقوة والعنف بحسب مفهوم سلافوي جيجك، وتحوّل الأمن من حق عام إلى مورد خاص تديره الجماعات لنفسها. ومع مرور الوقت، يُفضي هذا المسار إلى تقويض الشرعية طويلة الأمد للدولة، لأن قدرتها على تمثيل جميع مواطنيها بوصفهم متساوين في الحماية تصبح موضع شك، ويُعاد تنظيم المجتمع على أساس منطق “الحماية مقابل الولاء”، لا على أساس المواطنة والقانون.
الذاكرة الجمعية والاستقطاب
تعيد التفجيرات الطائفية في سوريا تفعيل الصدمة الجمعية الكامنة في المجتمعات الخارجة من النزاع، حيث لا يُستقبل الحدث بوصفه واقعة جديدة فحسب، بل كامتداد مباشر لتجارب عنف سابقة لم تُعالَج جذريًا ولم يحاسب منفذوها. في هذا السياق، ينهار الحاجز الزمني بين الماضي والحاضر، فتندمج الذكريات المؤلمة مع اللحظة الراهنة، ويُعاد استحضار الإحساس بأن ما جرى سابقًا يعود بصيغ جديدة ومنفذين جدد وفق منطق الانتقام، ما يمنع المجتمع من الانتقال إلى أفق زمني لما بعد الثورة.
تُسهم هذه الهجمات في تسريع عملية الاستقطاب الرمزي وإعادة رسم الحدود الأخلاقية داخل المجتمع، حيث يدخل الفضاء العام في مرحلة فرز قِيمي صارم؛ فتصبح الإدانة، وتوقيتها، وجهتها (وزارات الإعلام والداخلية والخارجية) ونبرة الخطاب المستخدمة، مؤشرات اجتماعية ذات دلالة عالية، تُستخدم لتحديد مواقع الأفراد والجماعات أو ردعهم ضمن خريطة الانتماء والمواطنة أو العداء، بينما يُعاد تأويل الصمت أو التردد بوصفه تواطؤًا أو اصطفافًا ضمنيًا.
تكتسب هذه الديناميات خطورتها القصوى في المجتمعات الانتقالية، حيث تكون المؤسسات ضعيفة أو قيد التشكل، والسرديات الوطنية المشتركة غير مستقرة، وآليات العدالة والمساءلة محدودة أو غير مكتملة. ففي المجتمعات المستقرة، تمتص المؤسسات الصدمة وتحتوي آثارها عبر القانون والخطاب العام والضمانات الاجتماعية، أما في المجتمعات الانتقالية، فإن الصدمة تُمتص اجتماعيًا، أي تُحمَّل على الأفراد والجماعات أنفسهم. في غياب مؤسسات قوية، ورواية جامعة، وعدالة موثوقة، يتحول العنف من حدث استثنائي إلى منظّم اجتماعي يعيد ترتيب الهويات، ويشكّل الخوف، ويعيد رسم الاصطفافات السياسية، بما يجعل المجتمع ذاته ساحة الصراع الأساسية، لا مجرد ضحيته.
الطائفية بوصفها عنفًا لغويًا إلكترونيًا
لا يمكن التعامل مع السرديات التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي عقب التفجير؛ من قبيل الادعاء بأن العلويين لا يصلّون، وبالتالي التشكيك في وجودهم داخل المساجد يوم الجمعة، بوصفها سوء فهم ديني أو جهلًا دينيًا بريئًا، بل يجب قراءتها سوسيولوجيًا باعتبارها آلية كلاسيكية من آليات الإقصاء الطائفي، وأداة خطابية تؤدي وظائف خطيرة في آن واحد. فهذه السرديات لا تدخل في نطاق النقاش الديني، بل تعمل كـسلاح لغوي يعيد رسم الحدود الاجتماعية والأخلاقية، ويحدّد من يملك حق الانتماء إلى الفضاء المقدّس، ومن يُنظر إليه كدخيل أو متطفل أو متملق. في هذا السياق، يتحول السؤال الظاهري حول الصلاة إلى ممارسة ضبط للحدود الاجتماعية، يُعاد من خلالها تعريف من يُعد مسلمًا حقيقيًا، ومن يستحق الوصول المشروع إلى أماكن العبادة، ومن تُمنح له الحماية الأخلاقية عند تعرّضه للعنف. والنتيجة المباشرة لهذا الخطاب هي نزع الشرعية بأثر رجعي عن الضحية؛ إذ يُخفَّف وقع الجريمة أخلاقيًا عبر التشكيك في أهلية الضحايا أنفسهم، فيُعاد تأطير العنف بوصفه أقل صدمة، أو أقل استحقاقًا للتضامن ولتصنيف “شهيد”، وهو نمط معروف تاريخيًا في سياقات العنف الطائفي لا سيما في العراق في المدة بين 2004 و2007.
وتستند هذه السرديات إلى اختزال جماعة اجتماعية كاملة في نمط ديني واحد جامد، وتجاهل التنوّع الداخلي الواسع في الممارسات والاعتقادات، إذ تتعامى عن حقيقة أن العلويين والشيعة السوريين، كغيرهم من الجماعات الدينية، ليسوا كتلة متجانسة، وأن التدين يتفاوت بينهم بحسب الطبقة الاجتماعية، والمنطقة، والجيل، والتجربة الشخصية، وأن كثيرين منهم يؤدون الصلاة، ويرتادون المساجد، ويشاركون في الطقوس الإسلامية، فيما لا يفعل آخرون، تمامًا كما هو الحال بين السنّة أنفسهم أو حتى أبناء الديانة المسيحية. غير أن الدقة الواقعية ليست هي ما يهم في هذا الخطاب، بل وظيفته الاجتماعية؛ إذ يعمل على تجميد الهوية في قالب صارم، وتحويلها إلى معيار إقصائي جاهز، يُستخدم لتبرير نفي الانتماء، وتقليص دائرة التعاطف، وتهيئة المجال لتطبيع العنف الرمزي وتغليبه على منطق الدولة، الذي غالبًا ما يسبق العنف المادي أو يرافقه. وبهذا المعنى، لا تُنتج هذه السرديات معرفة دينية، بل تُنتج حدودًا أخلاقية جديدة تُقصي جماعات بأكملها من فضاء الحماية والاعتراف، وتحوّل اللغة ذاتها إلى أداة من أدوات الصراع الطائفي.
نفي الطقس بوصفه نفيًا للإنسانية
لا تُفهم المشاركة في الطقوس الدينية بوصفها ممارسة تعبدية فحسب، بل باعتبارها أحد مداخل الانتماء الأخلاقي إلى الجماعة، أي علامة على الاعتراف الاجتماعي بالإنسان كعضو شرعي في الفضاء الرمزي المشترك. من هذا المنطلق، فإن الخطاب الذي يشكك في أحقية جماعة ما بالصلاة أو الوجود في المسجد باستخدام عبارات من قبيل “العلوية ما بيصلوا ليش كانوا بالمسجد؟” أو “أول مرة منعرف إنو العلوية بيصلوا” أو “المسيحيون كانوا يصلوا ويحتفلوا بالأعياد وقت الغوطة تنقصف”، لا يعبّر عن رأي ديني، بل يؤدي وظيفة أخطر تتمثل في نزع الانتماء الأخلاقي والشرَفي للموت في المسجد عن الضحايا. فالمعنى الضمني لهذا الخطاب لا يقف عند حدود التشكيك في الممارسة الدينية، بل يمتد إلى القول إن هؤلاء لا ينتمون أصلًا، وإن وجودهم في المكان المقدّس يحمل طابع الخداع أو التسلل أو “التكويع الديني”، وإن معاناتهم نفسها موضع شك أو ريبة.
بهذا المعنى، يجري تحويل الضحية من إنسان متألم إلى كيان ملتبس أخلاقيًا، ويُعاد النظر في استحقاقه للتعاطف والحماية. ويُعد هذا الشكل من الخطاب مثالًا واضحًا على التجريد الرمزي من الإنسانية، وهو منطق عُرف تاريخيًا في سياقات العنف الجماعي، حين يُعاد توصيف الفئات المستهدفة بعبارات توحي بالتمويه أو الاحتيال، مثل الادعاء بأنهم يتخفّون بملابس مدنية، أو يختبئون بين المصلّين، أو يزيفون هويتهم الدينية؛ وهي كلها بالمناسبة استراتيجيات كان يعتمدها الشبيحة في توصيف أبناء المناطق السنية أيام حكم نظام الأسد. هذه اللغة لا تبرر العنف بشكل مباشر، لكنها تمهّد له أخلاقيًا، إذ تُضعف الحاجز القيمي الذي يمنع استباحة الجماعة، وغالبًا ما تسبق، في التجارب التاريخية، سياسات العقاب الجماعي أو التسويغ الاجتماعي للاعتداءات الواسعة.
فضاء لتبرير ما بعد العنف
تكتسب السرديات التي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي السورية بعد التفجيرات خطورتها من توقيتها بقدر ما تكتسبها من مضمونها؛ إذ تظهر هذه الخطابات عقب وقوع العنف لا قبله، ما يجعلها جزءًا من عملية اجتماعية تُعرف بـإنتاج المعنى بعد العنف. عمومًا، يولّد العنف صدمة أخلاقية وارتباكًا قيميًا داخل المجتمع، وتأتي السرديات الرقمية لتخفيف هذا الاضطراب عبر إعادة ترتيب المسؤوليات وتبسيط التفسير؛ لكن بدل مواجهة السؤال الجوهري المتعلق بسبب العنف وسبب استهداف مسجد أو مكان عبادة وسبب القتل بالأساس، يجري تحويل النقاش نحو الضحايا أنفسهم، وإعادة توجيه اللوم بطريقة غير مباشرة من الفاعلين إلى المستهدفين وماضيهم وارتباط بعضهم سابقًا بنظام الأسد. بهذا المعنى، لا تعمل هذه الخطابات على تفسير الحدث، بل على امتصاص الصدمة الأخلاقية التي يخلّفها، من خلال إزاحة المسؤولية وإعادة صياغة الجريمة بوصفها نتيجة ملتبسة أو مفهومة اجتماعيًا. هذا الإزاحة لا تُبرّر العنف صراحة، لكنها تُفرغه من بعده الإجرامي، وتحوّله إلى واقعة قابلة للتشكيك والتأويل، وهو نمط معروف في مجتمعات شهدت عنفًا طائفيًا متكررًا، حيث يصبح النقاش حول “سلوك الضحية” بديلًا عن مساءلة الجناة.
تطبيع الطائفية الإلكترونية
ما يتداول في هذا السياق على المنصات الرقمية لا ينتمي إلى حقل المعرفة الدينية المنهجية، بل إلى ما يمكننا تسميته بالتدين الشعبوي؛ أي مجموعة من التصورات المبسّطة والمجزوءة التي تُنتَج خارج أي سياق علمي أو فقهي، وتُستخدم كأدوات جاهزة للتصنيف والإقصاء. يتميز هذا التديّن بكونه سطحيًا، ومشحونًا عاطفيًا، وقابلًا للتسييس السريع، ومنفصلًا عن الممارسة الدينية الحقيقية كما تُعاش في الحياة اليومية. وهو يزدهر خصوصًا في البيئات المنقسمة، حيث تكون المؤسسات ضعيفة، والسرديات الوطنية غير مستقرة، ومستويات الانفعال والغضب مرتفعة. في مثل هذه الظروف، تتحول وسائل التواصل إلى فضاء يُمكّن الأفراد العاديين من لعب دور منظّرين صغار للطائفية، يعيدون إنتاج منطق الإقصاء والاصطفاف من دون الحاجة إلى تنظيمات أو هياكل أيديولوجية واضحة. وبهذا، لا يعود الخطاب الطائفي حكرًا على الجماعات المتطرفة المنظمة، بل ينتشر أفقيًا داخل المجتمع، ويتحوّل إلى ممارسة يومية تُسهم في تطبيع العنف الرمزي، وتمهّد بصمت لإعادة إنتاج العنف المادي.
الأخطر من هذا هو تحول الخطاب إلى خطاب سخرية من الضحايا وطوائفهم والتشفي منهم، إذ يتخذ الخطاب الطائفي على وسائل التواصل الاجتماعي في سوريا غالبًا شكل النكات والسخرية والأسئلة المواربة والميمز، لكنه في التحليل السوسيولوجي يُعد من أخطر حوامل الكراهية، لأنه يطبّع الإقصاء ويخفض العتبة الأخلاقية للاعتراض، ويتيح التنصّل من المسؤولية بحجة الكوميديا السوداء أو ما شابه. في السياق السوري ما بعد الثورة، حيث الهويات هشّة والخوف مرتفع والثقة ضعيفة، تتحول هذه السرديات من تعبيرات لغوية إلى قوى فاعلة تقوّض المصالحة، وتشجّع الانكفاء الجماعي، وتُضفي شرعية ضمنية على منطق الحماية الذاتية. وفي جوهرها، لا تناقش هذه السرديات الدين أو السلوك، بل تؤدي وظيفة أخطر تتمثل في نفي الأهلية الأخلاقية عن جماعة بعينها، عبر إعادة تعريفها كفئة أقل استحقاقًا للحماية والتعاطف، ما يجعل الخطاب الطائفي الرقمي شرطًا اجتماعيًا ممهِّدًا للعنف لا مجرد انعكاس له.
ميغافون
———————————
خطاب أقلوي لمعالجة مشكلات الدولة الوطنية!/ أحمد عيشة
2025.12.30
بعد مرور عام على خلاص سورية من حكم الأسد، وهو الخلاص الذي لم يكن من الممكن أن ينفتح أي أفق وطني يشارك فيه الناس، لا تزال البلاد مثقلة بإرث عميق من الأزمات، وخاصة الطائفية والإثنية، أزمات تثقل كاهل البلاد وتضعف إمكانات النجاح في إعادة بناء الدولة الوطنية، وذلك من خلال ما تولده من غياب الثقة بين الجماعات الاجتماعية المختلفة وبين السلطة السياسية الوليدة. يمهد الخطاب السائد بشكل ما إلى إعادة إنتاج الحروب الطائفية والإثنية التي لا يزال شبحها يخيم فوق الأجواء السورية، وبالتالي يعيق أي مشروع يهدف لبناء دولة وطنية، ناهيك عن تعميق الانقسامات القائمة بالفعل منذ عقود.
منذ أيام، جرت اشتباكات خفيفة في حلب، بين قوات الأسايش (مخابرات حزب الاتحاد الديمقراطي) وداعميها مع قوات الحكومة (جيش وأمن عام)، ورغم أنها لم تدم سوى ساعات، وحصدت أرواح عدة مدنيين وعسكريين. لكن الملفت للانتباه، ما تلا ذلك، بعد هدوء الرصاص، هو الخطاب السياسي الذي تتبنّاه بعض الجهات المحلية، حيث يُقدَّم غالبًا بوصفه دفاعًا عن حقوق جماعات بعينها، لكنه ينطوي في كثير من الأحيان على إعادة إنتاج لمنطق الاصطفاف الهوياتي، وتضع شروطاً تعجيزية أمام مشروع بناء الدولة الوطنية.
يسهم الخطاب الذي يُؤطّر الصراعات بوصفها صراعات بين جماعات متجانسة إثنيًا أو طائفيًا في تثبيت هذه الجماعات كوحدات سياسية مغلقة، ويحدّ من إمكان بناء فضاء وطني قائم على المساواة القانونية. كان هذا النمط من الخطاب أحد أعمدة النظام الأسدي، الذي أنكر الطائفية في المستوى الخطابي، في حين أعاد إنتاجها عمليًا من خلال الامتيازات والمحاصصات غير المعلنة. والملفت للانتباه في خطاب الأطراف الثلاثة هو الازدواجية، تماماً كما كان يتعامل نظام الأسد مع مشكلة الطائفية، إنكارها في الخطاب وممارستها عملياً، وهنا تدعي هذه الأطراف حرصها على وحدة سوريا، في حين تمارس العكس من خلال مطالباتها بأن يكون لها وضع مميز غير بقية المواطنين ومكرس في الدستور بالقوة، وأن يكون لتشكيلاتها التي أسستها في ظل غياب الدولة استقلالية، وأكثر من ذلك، تصور نفسها ضمانة لمستقبل سوريا، ناهيك عن مبدأ المحاصصة في الثروة الوطنية الموجودة وخاصة في الجزيرة.
أعادت التطورات الميدانية والسياسية خلال العام الماضي طرح مسألة وحدة الدولة السورية على نحو ملحّ. فمن جهة، تسيطر قوات سورية الديمقراطية على مساحات واسعة من الجغرافيا السورية مع بنى عسكرية وإدارية مستقلة نسبيًا عن المركز. ومن جهة ثانية، تشهد محافظة السويداء وضعًا سياسيًا خاصًا يتّسم بتراجع نفوذ السلطة المركزية وظهور مطالب سياسية تتراوح بين اللامركزية الموسّعة وتقرير المصير. وإلى جانب ذلك، برزت دعوات صريحة إلى الفدرالية السياسية وطلب الحماية الدولية في مناطق الساحل السوري. تطرح هذه الوقائع تساؤلات حول ما إذا كانت هذه المطالب تعبّر عن حقوق مشروعة في إطار إعادة بناء الدولة، أم أنها تعكس نزوعًا نحو تكريس كيانات سياسية شبه مستقلة، بما يحوّل الدولة إلى مجموعة من الوحدات المتجاورة والمرتهنة لتوازنات خارجية (فدرالية غزال ودولة الهجري وإقليم مظلوم عبدي).
يُظهر تحليل الخطابات الصادرة عن الأطراف الثلاثة حضورًا لافتًا للغة تُقدَّم بوصفها دفاعًا عن الجماعة، لكنها تقوم على افتراض وجود كتل اجتماعية متجانسة ذات مصالح واحدة. متجاهلاً واقع التنوع الداخلي والصراعات البينية داخل كل جماعة، وهي سمة ملازمة لأي تشكيل اجتماعي حديث. إن اختزال الجماعات في تمثيل سياسي واحد لا يخدم سوى قيادات الأمر الواقع التي تدّعي هذا التمثيل، في حين يُقصي قطاعات واسعة من الأفراد الذين لا تتطابق مصالحهم أو آراؤهم مع هذه النخب، هذا من ناحية،. ومن ناحية أخرى، تكشف هذه الخطابات عن ازدواجية واضحة: فهي تعلن التزامها بوحدة سورية ودولة المواطنة، لكنها في الوقت نفسه تطالب بترتيبات دستورية أو سياسية تمنحها وضعًا مميزًا خارج مبدأ المساواة بين المواطنين، سواء عبر الاستقلالية العسكرية، أو تقاسم خاص للثروة، أو صيغ حكم تتجاوز الإطار الوطني الجامع.
تكشف دعاوى الأطراف الثلاث عن منطق التفكير الأقلوي الذي كرسه نظام الأسد في وجه غالبية السوريين كفئات متميزة رغم ادعاءاتها بدولة المواطنة، ومساعيها هذه ليست أكثر من محاولة لإعادة التاريخ للوراء وتحديداً إعادة إنتاج المنظومة الأسدية التي خنقت سوريا لخمسة عقود، فهي تكذب بأنها ممثلة للجماعات التي تسيطر عليها بالقوة، وتمارس عملياً الخطف والاعتقال والإخفاء والقتل، وتحمي كثيراً من القتلة الأسديين، بل تجعل منهم رموزاً في بعض المناطق في تحدٍ واضح لمشاعر وحقوق ملايين السوريين، الذي لا يزالون حتى اليوم يبحثون عن مصير أحبتهم وذويهم، ناهيك عن الآلام التي ذاقوها طوال فترة حكم الأسدية، حيث يرون في مطالب الأطراف الثلاثة دعوة جديدة لإعادة قهرهم، وهو ما لا يمكن أن يقبلوه أبداً.
لا يعني نقد هذه الخطابات الدفاع عن نموذج مركزي يعيد إنتاج الاستبداد، بل يهدف إلى التأكيد على أن أي صيغة حكم قابلة للحياة في سورية المستقبل يجب أن تقوم على مبدأ التساوي بين المواطنين أمام القانون، وعلى تسوية سياسية تنظّم الاختلافات ضمن أطر قانونية مشتركة. تواجه سورية تحديات مركّبة تتجاوز البعد الدستوري أو الإداري، وتشمل استعادة الثقة المجتمعية ومعالجة إرث العنف والانتهاكات. ومن هنا، فإن الإسراع في بناء مؤسسات تمثيلية، ووضع آليات واضحة للمحاسبة والعدالة الانتقالية، وتنظيم الحياة الحزبية والنقابية، تمثّل خطوات ضرورية ليس فقط لبناء الدولة، بل أيضًا لتفكيك الخطابات التي تحتكر تمثيل الجماعات وتستثمر في مخاوفها.
يشكل الخطاب الطائفي أو الإثني، حتى حين يتذرع بالمطالبة بحقوق الجماعات والدفاع عنها أحد أبرز العوائق أمام إعادة بناء الدولة الوطنية في سورية. فالانتقال من منطق الجماعات المغلقة إلى منطق المواطنة لا يمكن أن يتحقق من خلال الإقصاء أو الإنكار، بل عبر سياسة تسوية شاملة تعترف بالتعدد، وتؤسّس في الوقت نفسه لإطار وطني جامع، يكون فيه الأفراد مواطنين متساوين لا رعايا لجماعات متمايزة.
تلفزيون سوريا
———————————
سوريا مُوَدِعَة عام 2025: لا فدرالية ولا حرب أهلية/ علي قاسم
الفكرة واحدة وإن تغيّرت الكلمات: القبول بمطلب محدد أو مواجهة الانقسام.. لكن السوريين الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وكرامتهم لن يقبلوا أن يُخيَّروا مجدداً بين خيارين كلاهما مدمر.
الأربعاء 2025/12/31
قبل أن تكون علوي.. أنت سوري
بينما عام 2025 يلفظ آخر أنفاسه، شهدت مدن الساحل السوري حراكاً غير مسبوق؛ خرجت مظاهرات في مدن مثل اللاذقية وطرطوس وجبلة، تلبية لدعوة الشيخ غزال غزال، رئيس ما يُعرف بالمجلس الإسلامي العلوي الأعلى. رفع المتظاهرون شعارات تطالب بوقف الانتهاكات ضد أبناء الطائفة العلوية، وإطلاق سراح المعتقلين، وبعضها ذهب إلى المطالبة بنظام فيدرالي أو حكم ذاتي يضمن “تقرير المصير” للمنطقة.
وبرز على الجدران شعار جديد أثار جدلاً واسعاً: “فيدرالية أو حرب أهلية”. هذا الشعار بدا امتداداً مباشراً لشعار النظام القديم “الأسد أو نحرق البلد”، الذي مثّل منطق التهديد والابتزاز خلال سنوات القمع. الفكرة واحدة وإن تغيّرت الكلمات: إما القبول بمطلب محدد، أو مواجهة الفوضى والانقسام. لكن السوريين الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وكرامتهم طوال عقد ونصف، لن يقبلوا أن يُخيَّروا مجدداً بين خيارين كلاهما مدمر: الفدرالية التي تعني عملياً تقسيم سوريا، أو الحرب الأهلية التي تعني استمرار النزيف.
الأحداث، التي تخللتها مواجهات أمنية أسفرت عن قتلى وجرحى، أتت في سياق توترات متراكمة منذ سقوط نظام بشار الأسد قبل عام، لتثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل سوريا كدولة موحدة. هل يمكن لمجتمع متداخل طائفياً وعرقياً، عاش قروناً في نسيج مشترك، أن يقبل بتقسيمه إدارياً دون أن ينزلق إلى مزيد من التفتت والصراع؟ وكيف تتقاطع هذه المطالب مع الخطاب العلماني الذي يدعو إليه بعض الأصوات نفسها، فيما تبدو المرجعية الدينية أداة لتعبئة سياسية؟
في الساحل حيث يشكل التداخل اليومي واقعاً لا يمكن تجاهله سيكون أي تقسيم وصفة لأزمة أعمق تحول الجيران إلى أعداء وتحول الخريطة الاجتماعية إلى خطوط تماس جديدة
عاش السوريون، على مدى قرون طويلة، في إطار وحدة اجتماعية عميقة رغم تنوعهم الطائفي والعرقي الغني. كانت المدن والقرى في الساحل السوري، مثل بانياس وجبلة واللاذقية، فسيفساء بشرية حقيقية، حيث يتعايش السنة والعلويون والمسيحيون والدروز جنباً إلى جنب، في أحياء مشتركة وقرى متداخلة. هذا التداخل لم يكن مجرد صدفة جغرافية، بل كان واقعاً يومياً يتجلى في الزيجات المختلطة، والأسواق المشتركة، والعلاقات الاجتماعية التي تجاوزت الحدود الطائفية. حتى في فترات التوتر التاريخي، حافظ المجتمع السوري على قدر من التماسك، مستنداً إلى هوية وطنية جامعة تجاوزت الاختلافات الدينية أو العرقية. ومع ذلك، جاء حكم عائلة الأسد ليوظف الطائفية كأداة سلطوية، مما أعطى انطباعاً مشوهاً بأن النظام يمثل طائفة بأكملها. في الواقع، كان ذلك النظام مشروعاً سلطوياً شخصياً وعائلياً، استغل الانتماء الطائفي لتعزيز السيطرة، دون أن يعكس بالضرورة إرادة الطائفة العلوية ككل. هذا الإرث الثقيل ترك جروحاً عميقة، غذت مخاوف وجودية لدى بعض الأوساط، خاصة بعد سقوط النظام وما تبعه من توترات أمنية وانتهاكات طالت مدنيين من مختلف الخلفيات.
المفارقة تكمن في أن بعض الأصوات التي ترفع اليوم شعارات الحكم الذاتي أو الفيدرالية، تصف نفسها بالعلمانية أو الوطنية، لكن مطالبها تبدو مبنية على الانتماء الطائفي أكثر من أي شيء آخر. كيف يمكن التوفيق بين خطاب يدعو إلى فصل الدين عن السياسة، وبين سعي إلى كيان إداري يعتمد على مرجعية دينية أو طائفية؟ هذا التناقض يكشف عن قلق وجودي مشروع، نابع من تجارب مؤلمة مثل الانتهاكات التي شهدها الساحل في آذار – مارس 2025، وأودت بحياة مئات المدنيين، لكنه يحمل في الوقت نفسه مخاطر كبيرة. تحويل الدين أو الطائفة إلى أداة سياسية لتقسيم المجتمع يعيد إنتاج الانقسامات التي عانت منها سوريا طويلاً، ويفتح الباب أمام استغلال خارجي أو داخلي يهدد الاستقرار الهش. المطالبة بحقوق الأقليات أمر مشروع تماماً، بل هو أساس أي دولة ديمقراطية حديثة، لكن السبيل إليه يجب أن يكون عبر إطار وطني جامع، مثل دستور مدني يضمن المساواة والحماية للجميع، لا عبر كيانات منفصلة تعزز العزلة وتغذي الشكوك المتبادلة.
في الساحل السوري تحديداً، تبرز استحالة التقسيم الإداري على أساس طائفي بصورة أكثر وضوحاً. المنطقة ليست كتلة طائفية متجانسة، بل نسيج معقد من القرى والأحياء المختلطة، حيث يعيش السنة إلى جوار العلويين، والمسيحيون مع الدروز في بلدات مشتركة. لو حاول دعاة الحكم الذاتي رسم حدود واضحة، لوجدوا أنفسهم أمام مهمة مستحيلة: كيف تفصل قرية يتداخل فيها السكان طائفياً؟ وكيف تحدد أحياء مدينة مثل اللاذقية أو بانياس دون إجبار على تهجير قسري أو إعادة ترسيم ديموغرافي عنيف؟ التجارب التاريخية في مناطق مشابهة، سواء في الشرق الأوسط أو خارجها، تظهر أن مثل هذه المحاولات غالباً ما تنتهي بصراعات دامية، وانهيار للنسيج الاجتماعي الذي بني على مدى أجيال. في الساحل، حيث يشكل التداخل اليومي واقعاً لا يمكن تجاهله، سيكون أي تقسيم وصفة لأزمة أعمق، تحول الجيران إلى أعداء، وتحول الخريطة الاجتماعية إلى خطوط تماس جديدة.
سوريا التي عاشت قروناً كعائلة واحدة، رغم تنوعها الطائفي والعرقي، لا يمكن أن تُختزل في معادلة تهديدية جديدة. المطالب بالحقوق والعدالة مشروعة، لكن الطريق إليها لا يكون عبر تفتيت الدولة
البديل الوحيد القابل للاستدامة يكمن في رؤية وطنية جامعة، تبدأ بصياغة دستور جديد يحترم حقوق جميع المكونات ويضمن المساواة أمام القانون. هذا الدستور يجب أن يضع حداً لاستغلال الدين في السياسة، ويؤسس لمصالحة وطنية حقيقية تتجاوز آلام الماضي دون نسيانها. تجاوز إرث حكم الأسد، الذي لم يكن يمثل طائفة بأكملها بل مشروعاً سلطوياً فردياً، ممكن تماماً إذا اتفق السوريون على مبادئ مشتركة: وحدة الدولة، سيادة القانون، والحقوق المدنية للجميع. المصالحة لا تعني النسيان، بل بناء مستقبل يحمي الإنسان السوري بغض النظر عن انتمائه، ويمنع تكرار الانتهاكات التي طالت الجميع في مراحل مختلفة من الصراع.
في النهاية، تبقى الدعوات إلى حكم ذاتي طائفي انعكاساً لأزمة ثقة عميقة، نابعة من جروح حقيقية، لكنها ليست حلاً واقعياً بل مخاطرة بتفتيت ما تبقى من سوريا الموحدة. السوريون عاشوا كعائلة واحدة لقرون، رغم الاختلافات، وقادرون اليوم على استعادة هذه الوحدة إذا امتلكوا الإرادة الجماعية لبناء دولة مدنية ديمقراطية تحمي التنوع بدلاً من تقسيمه. يبقى السؤال المفتوح: هل تملك النخب السياسية والاجتماعية السورية، من مختلف المكونات، الشجاعة لتجاوز إرث الانقسام، وصياغة مشروع وطني يضع الإنسان في قلبه، لا الطائفة أو الخوف من الآخر؟ الجواب ليس في الشعارات وحدها، بل في القدرة على الحوار الوطني الشامل الذي يعيد الاعتبار لفكرة سوريا الجامعة، كضمانة لسلام دائم وكرامة مشتركة.
الحكم الذاتي قد يبدو للبعض مخرجًا، لكنه في الحقيقة باب إلى التفتيت. البديل هو دستور مدني، مصالحة وطنية، ورؤية جامعة تعيد الاعتبار لفكرة “سوريا الواحدة”.
سوريا التي عاشت قروناً كعائلة واحدة، رغم تنوعها الطائفي والعرقي، لا يمكن أن تُختزل في معادلة تهديدية جديدة. المطالب بالحقوق والعدالة مشروعة، لكن الطريق إليها لا يكون عبر تفتيت الدولة أو إعادة إنتاج منطق الحرب، بل عبر دستور مدني ومصالحة وطنية تعيد الاعتبار لفكرة “سوريا الواحدة”.
كاتب سوري مقيم في تونس
العرب
——————————–
احتجاجات في الساحل السوري: مطالب سياسية وتوترات أمنية متفرقة/ أغيد حجازي
29 ديسمبر 2025
شهدت مدن ومناطق في الساحل السوري، بعد ظهر أمس، مظاهرات جاءت على خلفية التفجير الذي استهدف جامع الإمام علي في حي وادي الذهب بريف حمص أثناء صلاة الجمعة في 26 من الشهر الجاري، والذي أسفر عن مقتل 8 أشخاص من أبناء الطائفة العلوية وإصابة نحو 20 آخرين.
المظاهرات حملت طابعًا احتجاجيًا وسياسيًا، وترافقت مع توترات أمنية متفرقة، خصوصًا في مدينة اللاذقية، وسط روايات متباينة حول المسؤولية عن سقوط الضحايا.
دعوة للتظاهر ومطالب سياسية متداخلة
خرجت المظاهرات بدعوة من رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، الشيخ غزال غزال، ردًا على التفجير الذي استهدف الجامع. ولم تقتصر الدعوة على الاحتجاج على التفجير، بل شملت مطالب بإطلاق سراح المعتقلين، واعتماد الفيدرالية واللامركزية السياسية، وهي مطالب رددها المتظاهرون في شعاراتهم خلال الاحتجاجات.
وقبيل انطلاق المظاهرات بساعات، كُتبت عبارات طائفية على أحد الجدران في الساحل السوري تضمنت تأييدًا لرئيس النظام السابق بشار الأسد. وخلال المظاهرات، ظهر شخص ينتمي إلى فصيل مسلح يُدعى “سرايا الجواد – رجال النور”. وردًا على ذلك، أقدم متظاهرون على حرق صور لبشار الأسد، وهي خطوة تبناها المجلس العلوي ونشرها عبر معرفاته الرسمية، مؤكدًا رفضه أي ارتباط أو تأييد للنظام السابق.
المظاهرات حملت طابعًا احتجاجيًا وسياسيًا، وترافقت مع توترات أمنية متفرقة، خصوصًا في مدينة اللاذقية، وسط روايات متباينة حول المسؤولية عن سقوط الضحايا
تضييق أمني واشتباكات في اللاذقية
سُجّل تضييق على المتظاهرين في بعض المناطق، تمثّل بإقامة حواجز ومنع مشاركين من الوصول إلى أماكن التظاهر، في حين تولّت قوى الأمن الداخلي حماية المظاهرات في مناطق أخرى. غير أن الأوضاع توترت في مدينة اللاذقية، حيث أُطلق الرصاص في أحد أماكن تجمع المتظاهرين، وتحديدًا عند دوار الأزهري.
وبحسب المعطيات الأولية، لم تُعرف الجهة التي أطلقت النار في البداية، قبل أن يتطور الوضع إلى اشتباك بين قوى الأمن الداخلي وطرف آخر. وقالت وزارة الداخلية إن الاشتباك وقع مع “أشخاص من فلول النظام السابق”. من جهتها، أفادت وزارة الصحة في محافظة اللاذقية بوقوع 4 وفيات، أحدهم من عناصر قوى الأمن، إضافة إلى 108 إصابات في صفوف المدنيين، بينهم عناصر أمن، جراء اعتداء نفذته مجموعات من فلول النظام البائد بحسب وزارة الصحة.
في المقابل، قالت مصادر محلية إن قوات الأمن الداخلي أطلقت النار أيضًا على المتظاهرين، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى. وأكد قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، العميد عبد العزيز الأحمد، أن بعض عناصر قوى الأمن تعرضوا للاعتداء من “عناصر إرهابية تابعة لفلول النظام البائد” في مدينتي اللاذقية وجبلة، ما أدى إلى إصابة عدد من العناصر وتكسير سيارات تابعة للمهام الخاصة والشرطة.
ضحايا واعتقالات وتحركات سياسية موازية
بحسب ما علم موقع “الترا صوت”، فإن من بين من قُتلوا خلال المظاهرات الشاب حيدر معلا (17 عامًا)، ونور النقي (18 عامًا)، إضافة إلى الشاب زين العابدين عزام حسين الذي توفي صباح اليوم متأثرًا بجراحه.
وأفادت مصادر محلية بحدوث حملات اعتقال واسعة طالت متظاهرين في اللاذقية وطرطوس وحماة، وبشكل خاص في حمص. ومن بين المعتقلين رئيس المجلس العلوي في طرطوس، الشيخ علي محمد هلهل، على خلفية دعمه للتظاهر، عقب نشره تسجيلًا مصورًا دعا فيه إلى الاحتجاج مساء أمس. ويُعد هلهل من الشخصيات العلوية المؤثرة في المنطقة.
وفي بعض مناطق التظاهر التي تضم سكانًا من مكونات مختلفة، خرجت مسيرات مؤيدة للسلطة ومضادة للمظاهرات، ما أدى إلى اشتباكات بالأيدي واستخدام أسلحة بيضاء بين الطرفين، قبل أن تتدخل قوى الأمن الداخلي لفض الاشتباكات.
في المقابل، لم تشهد القرى الساحلية التي يقطنها المكوّن العلوي فقط أي أعمال عنف، إذ بدأت المظاهرات فيها وانتهت دون تسجيل إصابات أو قتلى.
وعقب التظاهرات، قالت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع لوكالة “سانا” إن “مجموعات من الجيش العربي السوري، مدعومة بآليات مصفحة ومدرعات، دخلت مراكز مدينتي اللاذقية وطرطوس بعد تصاعد عمليات الاستهداف من قبل مجموعات خارجة عن القانون باتجاه الأهالي وقوى الأمن”.
تحركات عسكرية واجتماعات سياسية
في موازاة التطورات الميدانية، علم موقع “الترا صوت” أن إدارة الشؤون السياسية في اللاذقية وطرطوس عقدت اجتماعات مع عدد من وجهاء الطائفة العلوية أثناء المظاهرات وما بعدها، للاستماع إلى مطالبهم. وأكد الوجهاء أن هذه المطالب سبق عرضها في أكثر من مناسبة، من بينها لقاء جمعهم بالرئيس أحمد الشرع في 13 كانون الأول/يناير الماضي. وبحسب ما نُقل عن المجتمعين، فقد تعهّد المسؤولون بإعادة رفع هذه المطالب إلى رئاسة المرحلة الانتقالية، في وقت لا تزال فيه الأوضاع الأمنية والاجتماعية في الساحل السوري مرشحة لمزيد من التوتر.
احتجاجات الساحل السوري تختبر مسار الاستقرار
تعكس التطورات التي رافقت احتجاجات الساحل السوري حالة توتر مركّبة، تجمع بين الغضب الشعبي على خلفية حدث أمني دموي، وتداخل مطالب سياسية، في سياق انتقالي هش ما تزال فيه العلاقة بين بعض الطوائف والسلطات الأمنية والسياسية قيد الاختبار. وبين روايات رسمية تتحدث عن اعتداءات من “فلول النظام السابق”، وأخرى محلية تشير إلى استخدام القوة ضد متظاهرين، تبقى الصورة غير مكتملة، في انتظار نتائج تحقيقات واضحة وشفافة. وفي ظل هذه المعطيات، تبدو قدرة السلطات على احتواء الاحتقان، والاستجابة لمطالب المكوّنات المختلفة دون انزلاق نحو مزيد من العنف، عاملًا حاسمًا في تحديد مسار الاستقرار في الساحل السوري خلال المرحلة المقبلة
الترا صوت
———————————
في التيه العلوي/ حسام جزماتي
2025.12.29
لم تكد الحكومة السورية تتنفس الصعداء بمرور ليلة الاحتفال بميلاد السيد المسيح ونهارها من دون حوادث، بعد أن أدى جندها مهامهم في حراسة الكنائس وحماية الأشجار المزيّنة وتوصيل بابا نويل إلى مقاصده وترفيقه من العابثين؛ حتى جاءت الضربة في مكان وزمان غير متوقعين، في أثناء صلاة الجمعة التي كان يؤديها علويون من سكان حيّ وادي الذهب بحمص في مسجد الإمام علي، حيث انفجرت عبوات ناسفة أدت إلى مقتل عدد منهم وإصابة آخرين.
فور الإعلان عن الحادثة تداعت أجهزة السلطة، وممثلوها، إلى استنكار ما جرى بأشد العبارات، تتقدمهم وزارة الخارجية، وفق عادة مفهومة لكنها غير منطقية، وصولاً إلى الناطق باسم وزارة الداخلية الذي أكد على جدية الحكومة في ملاحقة الفاعلين الذين تركوا وراءهم “رأس خيط مهماً” ربما يكشفهم.
لكن طرفاً ليس جديداً أعلن مسؤوليته بصراحة، هو جماعة “سرايا أنصار السنّة” التي نشرت، عبر قنواتها على تلغرام، تبنياً رسمياً للعملية التي نفذها عناصرها “بالتعاون مع مجاهدين من جماعة أخرى” لم يُذكر اسمها، داخل “معبد” علي بن أبي طالب “التابع للنصيرية” على حد قولها، مما أدى إلى مقتل وإصابة أربعين وفق تقديراتها، وفي الختام تذكّر الجماعة بأن هجماتها “سوف تستمر في تزايد، وتطول جميع الكفار والمرتدين”.
تأتي هذه العملية بعد مدة من تراجع نشاط “سرايا أنصار السنّة” فسّره قسمها الشرعي بحملات الاعتقال والملاحقة التي شنتها السلطة الحالية بالتعاون مع التحالف “الصليبي”، وربما أمكن تنفيذ هذه العملية لوقوعها في حمص، حيث لوحظ النشاط الأكبر لهذه “السرايا” سابقاً، كما تدل الحاجة إلى التعاون مع جماعة أخرى على ضعف الإمكانات.
والحال أن هذا البيان لم يؤخذ على محمل الجد بسبب اعتقاد كثيرين بأنّ “السرايا” جماعة وهمية، فهي، عند السلطة كما صرحت سابقاً، واجهة لـ”داعش”، وعند بعض معارضيها مجرد تسمية لمتشددين من الأمن العام، وإذا كانت هذه الجماعة الصغيرة قد وصلت إلى الإيمان بما يشبه موقف “داعش” من الحكم الحالي، وإن حوت -سراً- مقاتلين من وزارتي الدفاع أو الداخلية، فالمعلومات المتوافرة تدل على أنها مستقلة عن الجهتين.
في مساء يوم الجمعة نفسه كان موعد نشر مقابلة أجرتها مجلة “The Cradle” الإلكترونية الأميركية مع الشيخ غزال غزال، الاسم الأبرز في الاحتجاجات العلوية حالياً، وفيها جدّد غزال طرح مطلب الفدرالية.
وأكّد أن السلطة لم تعرض على العلويين حواراً سياسياً بل إملاءات تُفرض بـ”هدف جعل المكوّن العلوي خاضعاً طائعاً لأوامرهم بما يساهم في تحسين صورتهم لدى المجتمع الدولي”، الذي يطالبه غزال بدعم اللامركزية السياسية حلاً للمشكلات السورية ولتسريع “عجلة الخلاص بشكل آمن ومسؤول”، ملمّحاً بالقول: “ما زلنا نعتمد على الطرق السلمية والحراك الشعبي حتى تحقيق الأهداف السياسية المعلنة”.
أجري اللقاء قبل حادثة التفجير في المسجد ومبادرة “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى”، الذي يترأسه غزال من المهجر، إلى إصدار بيان شديد اللهجة يحمّل المسؤولية لسلطة الأمر الواقع على حد تعبيره، معتبراً العملية استكمالاً لأعمال “الإرهاب التكفيري”، ومطالباً بوضع الساحل تحت الحماية الدولية.
والحق أن بروز الشيخ غزال، في الأشهر القليلة الأخيرة، قد لا يعود إلى شعبية كبيرة سابقة له رغم انتمائه إلى عائلة مشايخ معروفة، ولا إلى صعود نزعة دينية تتجاوز الحالة الرمزية لدى العلويين، بقدر ما يكمن في جملة كررها مجدداً في مقابلته: “يا أبنائي؛ لكم القرار، ولكم المصير، وأنتم من يحدّد المطالب”.
فبالمقارنة مع ناشطين علويين بادروا إلى تشكيل مجلس سياسي وتوجيه “الجماهير” قبل أن تشتعل بينهم خلافات ذات ملمح شخصي، ومع مشايخ محليين لا يبدو أنهم مؤهلون للعب دور مركزي، ومع بعض المشاهير السابقين من الطائفة الذين يشعرون بالوصاية عليها، يبدو غزال ناطقاً حذراً باسم درجة الحرارة التي وصلت إليها.
وحتى الآن لم يطالب سوى باحتجاجات سلمية (مظاهرات، اعتصام، إضراب) يستطيع سامعوه تنفيذها بقدر منخفض من المخاطرة، ورغم التلويح، المتوافق كذلك مع حدّ غضب جمهوره، فإنه لا يبدو في وارد الدعوة إلى عمل مسلّح لطائفة أثخنتها الدماء لأكثر من عقد، بل يراهن على أن المطالبات السياسية من الخارج، المدعومة بتأييد واسع على الأرض، ستدفع المجتمع الدولي إلى التحرك لدعم العلويين، وهي فكرة رائجة بينهم بغض النظر عن مدى واقعيتها.
في الأسابيع الأخيرة نشرت منابر إعلامية عالمية معلومات عن استعدادات كبيرة، ينظّمها بعض الضباط السابقين في نظام الأسد، لتحريك تمرد في مناطق العلويين، وفي هذا السياق تردّدت أسماء سهيل حسن وغياث دلا وكمال حسن ومحمد جابر وآخرين.
وعلى الرغم من أن بعض هؤلاء لا يشتهر بالاتزان فإنّ تقديراتهم الخيالية المسرّبة أُخذت على محمل الجد من قبل هذه التقارير التي ذكرت، بناء على ذلك، أرقاماً مهولة من المقاتلين المستعدين في الساحل، بأسلحتهم، لخوض معركة حاسمة مفترضة.
وذلك على الرغم من تراكم المؤشرات على تهالك قوة “الفلول”، كما بدا عند مداهمة بيت كان أربعة منهم يقيمون فيه في قرية بعبدة مؤخراً، وأدت إلى مقتل أكثرهم، فضلاً عن أنّ الضباط لا يجمعهم داعم واحد، ولا خيار ميداني متفق عليه، ولا رؤية سياسية مشتركة للمستقبل، ولا سيما مع الغياب الفعلي لبشار الأسد الذي لم يعد يحظى باحترام كثيرين من مواليه.
الآن، على الأقل، لا يريد العلويون القتال، لكن حشر الطائفة في الزاوية ليس مضمون النتائج.
تلفزيون سوريا
——————————-
6 أسئلة تشرح ما جرى في الساحل السوري
وسط مرحلة شديدة الحساسية تعيشها سوريا لإعادة بناء الدولة، قتل 4 أشخاص وأصيب العشرات أمس الأحد في اللاذقية على الساحل السوري خلال احتجاجات هي الثانية من نوعها، أعادت طرح تساؤلات حول الوضعين الأمني والاجتماعي.
وبعد دعوة وجهها رئيس ما يعرف باسم “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر” غزال غزال لأبناء الطائفة العلوية “للتظاهر سلميا” في فيديو بثه السبت الماضي، خرجت احتجاجات تحت عنوان “طوفان الكرامة” شهدت أحداث عنف في اللاذقية.
وأتى ذلك بينما كانت قوى الأمن تحمي المتظاهرين في شوارع المدينة التي شهدت بالوقت ذاته مظاهرات مضادة، مما يطرح استفهامات حول السياق الذي أدى للأحداث ومن المسؤول عن اندلاع العنف بالاحتجاجات المفترض أن تكون “سلمية”.
1- بماذا طالبت الاحتجاجات؟
في الفيديو الذي دعا فيه غزال “أبناء الطائفة العلوية إلى الاحتجاج”، زعم أن “العلويين تعرضوا لانتهاكات بالفترة الماضية وتحاصروا بمصادر رزقهم واعتُقل عدد منهم”، مطالبا إياهم بالاحتجاج “لاستعادة حقوقهم”.
وادعى أيضا أن الانفجار الذي وقع الجمعة بمسجد الإمام علي بن أبي طالب في منطقة وادي الذهب بحمص المتنوعة اجتماعيا وسط البلاد، وأسفر عن مقتل 8 مدنيين أثناء الصلاة، “استهدف أبناء الطائفة”، في ظل إدانة الحكومة السورية للانفجار واستمرار تحقيقاتها لمعرفة الجناة.
وقال غزال إن هدف “الاحتجاجات السلمية” هو المطالبة “بفيدرالية تُجنب البلاد الحرب الأهلية”، وتمنح “أبناء الطائفة العلوية الحق بتقرير المصير وتمنع تحوّل المظلومية إلى جريمة”، بحسب وصفه، متوجها إلى المجتمع الدولي بطلب الحماية.
وبناء على دعوة غزال، طالب المحتجون الأحد في اللاذقية بإطلاق سراح من يسمونهم بـ”السجناء”، وتؤكد الحكومة السورية أنهم موقوفون بعضهم شارك بجرائم ضد أبناء الشعب السوري خلال سنوات الثورة، فيما تطلق سراح من كان جزءا من نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد ويثبت عدم ارتكابه جرائم.
إعلان
وقبل خروج الاحتجاجات بيوم، وفي إطار الجهود الحكومية لمعالجة ملف الموقوفين وترسيخ سيادة القانون، أفرجت الجهات المعنية في محافظة اللاذقية عن 69 موقوفا ممن لم يثبت تورطهم بارتكاب جرائم بحق الشعب السوري، وذلك بعد استكمال التحقيقات والإجراءات القضائية اللازمة، وفق وكالة الأنباء السورية (سانا).
2- ما سياق التظاهرات؟
رغم أن المظاهرات أتت بعد نحو يومين من انفجار حمص بحي يقطنه أغلبية من العلويين، إلا أنه لم يكن السبب الرئيسي.
ففي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، شهدت اللاذقية احتجاجات مشابهة دعا إليها أيضا غزال للأسباب ذاتها، لكنها لم تشهد حينها أحداث عنف، وسط حماية قوى الأمن السوري للمتظاهرين.
فمنذ سقوط نظام عائلة الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، يعيش الساحل السوري حالة من التوتر، مع محاولة جماعات مسلحة تسميهم الحكومة السورية بـ”فلول النظام” زعزعة الاستقرار مطالبة بإقليم ذاتي الحكم، في ظل تصاعد دعوات مشابهة من جانب ما تسمى باسم قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرقي سوريا، ومن مجموعات مسلحة في السويداء جنوبي البلاد، مما يزيد من صعوبة توحيد البلاد الممزقة بعد سنوات الصراع.
لكنّ الجانب الأمني لم يكن العامل الوحيد. فالمرحلة التي تلت سقوط النظام حملت مخاوف عدة لأبناء الطائفة العلوية، التي ربط النظام المخلوع نفسه بها، لا سيما بعد أحداث مارس/آذار الماضي التي أكدت اللجنة الوطنية للتحقيق فيها مقتل مئات المدنيين على يد مسلحين، وسط اتهامات للحكومة السورية بضعف التعامل مع ملف السلم الأهلي.
3- أين خرجت الاحتجاجات؟
تركزت المظاهرات في الساحل السوري (الذي يعتبر مركز ثقل وجود الطائفة العلوية) وبعض أحياء مدينة حمص. فخرجت مظاهرة عند دوار الزراعة في مدينة اللاذقية وأخرى عند دوار الأزهري، إضافة إلى احتجاجات في حي القصور بمدينة بانياس، ودوار السعدي في مدينة طرطوس.
كما شهدت مدن القرداحة وجبلة ومصياف وصافيتا والدريكيش والشيخ بدر وأريافها اعتصامات.
4- ما الذي حوّلها إلى مواجهات؟
وفق قائد الأمن الداخلي في اللاذقية عبد العزيز الأحمد، فإن “بعض العناصر التابعة لفلول النظام المخلوع” الذين شاركوا في الاحتجاجات، اعتدوا على عناصر الأمن الداخلي في مدينتي اللاذقية وجبلة، مما أدى إلى إصابة عدد من عناصر الأمن، وتكسير سيارات تابعة للمهام الخاصة والشرطة.
وأكد رصد عناصر ملثمة ومسلحة تتبع لما تسمى “سرايا درع الساحل” و”سرايا الجواد”، المتهمتين بارتكاب أعمال عنف وتصفية ميدانية وتفجير عبوات ناسفة، بين المحتجين على دوار الأزهري في مدينة اللاذقية ودوار المشفى الوطني في مدينة جبلة.
وأشار إلى أن مسلحين في دوار الأزهري أطلقوا النار في الهواء خلال الاحتجاجات، بينما قام عناصر الأمن الداخلي باحتواء الموقف.
وبحسب مواقع صحفية سورية، وقعت اشتباكات بين المحتجين ومؤيدين للحكومة في تجمعي دوار الزراعة ودوار الأزهري باللاذقية، وتجمع دوار القصور في مدينة بانياس بريف محافظة طرطوس، ومدينة حمص.
5- ما عدد الضحايا؟
وبحسب مديرية الصحة في اللاذقية، قضى 4 أشخاص وأصيب 108 آخرين، جراء اعتداء عناصر ممن وصفتهم بفلول النظام على قوات الأمن والمدنيين خلال الاحتجاجات التي شهدتها مدينة اللاذقية.
إعلان
وأوضحت مديرية الصحة أن الإصابات التي وصلت إلى المشافي شملت إصابات بالسلاح الأبيض، والحجارة وطلقات نارية من “فلول النظام على عناصر الأمن والمواطنين”، دون مزيد من التوضيح.
وأشارت إلى خروج سيارتي إسعاف عن الخدمة، بسبب اعتداء المحتجين، وتكسيرهما أثناء أداء عملهما.
6- ماذا كانت ردود الفعل؟
اعتبر وجهاء وأهالي مدينة القرداحة في ريف محافظة اللاذقية أن الدعوة للاحتجاج “تحمل أبعادا طائفية”، مؤكدين حرصهم على الوطن وضرورة المحافظة على وحدة المجتمع، مشددين على رفضهم للتقسيم.
وأشاروا إلى أن الحكومة السورية تلبي المطالب المحقة لأبناء الطائفة العلوية، داعين إلى عدم الانجرار وراء الفتنة.
بدوره، أكد المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا أن ما جرى من اعتداءات نفذتها “فلول النظام البائد بحق متظاهرين سلميين في اللاذقية وطرطوس، يكشف حقيقة هذه المجموعات، ويعد انتصارا لقيم الثورة السورية التي قامت على رفض القمع والعنف”.
وأوضح أن قوى الأمن الداخلي تتعامل مع التطورات بقدر عالٍ من الانضباط والمسؤولية والأخلاق الكريمة، مشيرا إلى أن الاحتجاجات التي شهدتها بعض المناطق جاءت نتيجة دعوات انفصالية تسعى إلى زعزعة الاستقرار وإثارة الفوضى.
المصدر: الجزيرة + الصحافة السورية
—————
عودة مواسم العنف الطائفي إلى سوريا بوصفه أداة سياسية/ مهيب الرفاعي
الاثنين 2025/12/29
يمكن قراءة تفجير مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب بمدينة حمص بوصفه حدثاً أمنياً محدوداً في شكله، لكنه في جوهره يحمل دلالات تجعله إشارة بنيوية خطيرة إلى احتمال عودة نمط من العنف عرفته سوريا جيداً خلال سنوات الثورة السورية، سواء أكانت مدفوعة من نظام الأسد، أو تبنتها تنظيمات متطرفة، وهو نمط مواسم التفجيرات الإرهابية ذات البعد الطائفي. اختيار الهدف لم يكن عشوائياً ولا تقنياً، بل ضربة رمزية تلعب على وتر الدين والهوية والخوف الجماعي أكثر مما تستثمر في تحقيق مكسب عسكري مباشر، شبيه باستغلال نظام الأسد لتفجير جامع الإيمان في حي المزرعة في آذار/مارس 2013، حين استُهدف الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، في روايته الإعلامية حول مكافحة الإرهاب والتطرف.
يعيد الآن استهداف مسجد شيعي في حي ذي غالبية علوية استحضار مرحلة 2012–2016، حين كانت المساجد والكنائس والأسواق (تفجير منطقة الزاهرة 2012 ) تتحول إلى مسارح للرعب المقصود، بهدف إحداث صدمة نفسية جماعية، وكسر الإحساس بالأمان خصوصاً في الفضاءات الدينية، وإعادة إنتاج الخوف كأداة حكم أو فوضى منظمة. في هذا السياق، لا يمكن فصل العملية عن الجهة التي أعلنت تبنّيها، أي “لواء أنصار السنة”، ولا عن اللحظة السياسية-الأمنية الحساسة التي تمر بها البلاد في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، حيث ساد اعتقاد بأن العنف سيتراجع إلى أنماط أقل ظهوراً، مثل الاغتيالات الانتقائية-الانتقامية أو الاشتباكات المحلية المحدودة أو صراعات النفوذ الصامتة. غير أن التفجير يمثّل تصعيداً نوعياً ينقل العنف من مستواه المنخفض والخفي إلى عنف استعراضي عالي التأثير، وهو السمة الكلاسيكية لبدايات مواسم التفجيرات في الفترات الانتقالية في معظم الدول التي تجري فيها تحولات سياسية أو عسكرية. الأهم من ذلك أن هذا النوع من العمليات يؤدي وظيفة مزدوجة؛ فهو من جهة اختبار أمني مباشر لقدرة الدولة الجديدة على ضبط الفضاء العام وحماية الأقليات، ومن جهة أخرى اختبار أخلاقي وسياسي لحياد أجهزتها وسلوكها في لحظة شديدة الحساسية، حيث يسعى منفذو العنف إلى دفع السلطة نحو ردود فعل قمعية أو انتقائية تعيد إنتاج الانقسام بدل احتوائه.
بهذا المعنى، لا يستهدف التفجير ضحاياه المباشرين فقط، بل يستهدف مشروع الدولة ذاته، عبر ضرب ثقة المجتمع بقدرتها على توفير الأمان، وإعادة فتح الجرح الطائفي بوصفه أداة لتقويض المرحلة الانتقالية من الداخل.
الارتباط بالصراع الطائفي
يرتبط تفجير وادي الذهب بالطائفية في سوريا ارتباطاً عضوياً، لا بوصف الطائفية خلفية ثقافية أو هوية اجتماعية فحسب، بل بوصفها أداة سياسية-أمنية مُعاد تفعيلها في لحظة انتقالية هشّة؛ على اعتبار أن اختيار الهدف يكشف بوضوح أن الطائفة سبقت المكان في حسابات الفاعلين؛ إذ لا يمكن فصل استهداف المسجد عن رمزيته الدينية الشيعية، ولا عن تاريخ وادي الذهب كحي ذي غالبية علوية وشيعية مرتبطة بنظام الأسد من خلال توظيف أبنائه ( و هم من الطبقة الوسطة والعاملة في البلاد) في القوات الرديفة لجيش الأسد وشبيحته من قبيل اللجان الشعبية و كتائب الدفاع الوطني، ولا عن الذاكرة الجمعية لمدينة حمص التي كانت إحدى أكثر المدن السورية تعرضاً للتفجيرات والمجازر ذات الطابع الطائفي خلال سنوات الثورة السورية. هنا، لا تُستخدم العبوة الناسفة بوصفها وسيلة قتل فقط، بل بوصفها لغة سياسية تُوجَّه إلى جماعة بعينها، مفادها أن الأمان مرفوع عنها حتى داخل أماكن العبادة، وأن الحماية الرمزية للدين والمقدس لم تعد قائمة. يَستثمر هذا الخطاب العنيف مباشرة في هشاشة البنية الاجتماعية السورية الخارجة من حرب طويلة، حيث لا تزال الذاكرة الطائفية مثقلة بالقتل والتهجير، والمجتمعات المحلية عاجزة عن إنجاز مصالحة حقيقية تتجاوز التسويات الشكلية، فيما تبقى العدالة الانتقالية غائبة أو غير مكتملة، بما يسمح ببقاء الجراح مفتوحة وقابلة للاستثمار. في مثل هذا السياق، يعمل التفجير الطائفي كمفتاح يعيد كشف خطوط تصدعات قديمة أُغلقت بالقوة، لا بالمعالجة الجذرية ووسائل العدالة الانتقالية، فيتحوّل حادث واحد إلى لحظة استدعاء جماعي للخوف والشك والاتهام المتبادل.
الأخطر أن الطائفية هنا لا تُستخدم بوصفها تعبيراً عن كراهية عفوية، بل كـأداة تفكيك اجتماعي مقصودة؛ إذ تهدف مثل هذه العمليات إلى دفع المجتمعات إلى الانكفاء داخل هوياتها الضيقة، وتشجيع خطاب الحماية الذاتية وطلب الحماية الدولية على حساب فكرة الدولة، وبالتالي السعي نحو إعادة إنتاج الميليشيا أو الجماعة المسلحة بوصفها ضمانة وجود في مواجهة الخطر. بهذا المعنى، يصبح التفجير أخطر من حصيلته البشرية المباشرة (18 قتيلاً وأكثر من 20 جريحاً)، لأنه يهدد بإعادة تنظيم المجتمع على أسس خوف وانقسام، ويقوّض أي أفق لبناء فضاء وطني جامع في مرحلة ما بعد الحرب.
تكرار سيناريوهات إقليمية
يمكن مقاربة المشهد السوري الراهن بوصفه إعادة إنتاجٍ مبكرة لمسارٍ عاشه العراق في منتصف العقد الأول من الألفية، لا باعتباره عودة مكتملة إلى حرب طائفية شاملة، بل كمرحلة إنذار بنيوي سبقت في العراق انفجار العنف بين عامي 2006 و2007. بهذا المعنى، لا تُقاس خطورة ما يجري في سوريا اليوم بحجمه الكمي أو بعدد العمليات التفجيرية الإرهابية، بل بوظيفته الرمزية والسياسية التي تشير إلى نمط عمليات نوعية محدودة، مشحونة دينياً، تختبر قابلية المجتمع والدولة للانزلاق، تماماً كما فعلت التفجيرات والاغتيالات الرمزية في العراق قبل بلوغ الذروة. فالعراق آنذاك لم يدخل الحرب الطائفية دفعة واحدة؛ بل مرّ بسلوك تمهيدي محسوب، حيث كسر المحظورات النفسية وأعاد إدخال فكرة الاستهداف الطائفي إلى المجال العام، قبل أن تتوافر شروط التوسّع والانفجار. هذا ما يجعل المقارنة مع سوريا اليوم ذات قيمة تحليلية عالية، لا بوصفها تطابقاً زمنياً، بل بوصفها تحذيراً استباقياً من مسار سبق أن عُرف وانتهى بكلفة كارثية.
تتجلى هنا طبيعة الإشارات السورية الراهنة على نحو يذكّر بالعراق في تلك المرحلة؛ حيث لدينا انتقالٌ مدروس من استهداف الأفراد إلى استهداف الكتل والرموز الدينية؛ فبدل المواجهات الواسعة، تظهر عمليات تضرب دور عبادة، أو شخصيات متجمعة، أو مناسبات دينية، بما يحمل رسالة تتجاوز الفعل نفسه. في العراق، سبقت التفجيرات الكبرى تهديدات للمزارات، واغتيالات ذات دلالة، وخطاب تحريضي كثيف أعاد تعريف الخصم بوصفه هوية لا فاعلاً سياسياً، واليوم، في سوريا، تتكرر الآلية ذاتها، فلدينا استهداف رمزي يهدف إلى كسر عتبة الخوف الأولى، وتطبيع فكرة أن الانتماء الطائفي بحد ذاته يمكن أن يكون سبباً كافياً للعقاب. ويترافق ذلك مع عودة خطاب الانتقام السني المؤجل وصياغات المظلومية السنية، التي لا تُترجم فوراً إلى موجات عنف شاملة، لكنها تؤدي وظيفة أخطر على المدى المتوسط؛ من حيث وجود تهيئة البيئة النفسية، وتوسيع قابلية المجتمع لتقبّل العنف بوصفه رداً مشروعاً أو حتمياً.
الفارق الجوهري هنا أن العراق، بعد تجربته المريرة، يمتلك اليوم ذاكرة رادعة ومؤسسات أمنية أكثر رسوخاً، فيما تعيش سوريا مرحلة انتقالية هشّة تفتقر إلى تلك الذاكرة الرادعة بوصفها عنصر كبح، وتفتقر إلى احتكار فعلي ومستقر للعنف. في تلك المدة، دفع العراق ثمناً فادحاً حين تجاهل إشاراته المبكرة التي ظهرت على شكل تفكك اجتماعي، وتطهير مناطقي، وانهيار شبه كامل للدولة بين 2006 و2008؛ لتخلق هذه التجربة لاحقاً وعياً جمعياً بالخسارة، ومناعة نسبية حتى داخل البيئات القابلة للتطرف، إضافة إلى احتكار نسبي للعنف مكّن الدولة لاحقاً بالتكامل مع قوى منظمة من كبح عودة السيناريو ذاته. في المقابل، تواجه سوريا اليوم وضعاً معاكساً يتجسد باحتكار هش للسلاح، ومصالحة وطنية وتسوية أوضاع عسكرية غير منجزة، وعدالة انتقالية غائبة، ما يجعل سردية الخوف الوجودي أكثر فاعلية، ويمنح العمليات الرمزية قدرة أعلى على التفجير المعنوي.
ومع ذلك، تتقاطع الحالتان في عناصر بنيوية لا يمكن تجاهلها؛ ففي كلتيهما جاء التصعيد ضمن توقيت إقليمي مشحون، حيث تُستدعى الطائفية كأداة لنقل صراعات الخارج إلى الداخل ضمن منطق الحرب بالوكالة؛ كما ظهرت في العراق حينها، وفي سوريا اليوم تنظيمات مستحدثة رمادية بأسماء جديدة وخطاب متشدد، من دون بنية تنظيمية راسخة أو مرجعية عقدية ، لكنها قادرة على إحداث قلق واسع وخلط الأوراق عبر القيمة الرمزية لأفعالها. والأهم أن هذه التحركات اشتركت في هدف مركزي وهو اختبار الدولة لا إسقاطها فوراً، ودفعها إلى ردود فعل متسرعة أو انتقائية تُقوّض حيادها وتضعف ثقة المجتمع بها، تمهيداً لتوسيع دائرة الصراع.
من هنا، تبدو المقارنة الأدق هي أن سوريا اليوم تقف في موضع العراق أمس؛ أي أمام منعطف يمكن احتواؤه إذا قُرئت الإشارات مبكراً، أو تركه يتفاقم حتى يتحول إلى موجة يصعب ضبطها؛ ليكون الخطر في سوريا بنيوياً ومفتوحاً بحكم هشاشة المرحلة الانتقالية، بينما صار في العراق مكبوتاً ومضبوطاً بفضل الذاكرة والأمن والتوازن السياسي. والخلاصة أن ما يجري في سوريا ليس مجرد حدث داخلي معزول، بل استدعاء لمسار إقليمي معروف يذكّر بأن الطائفية، حين تُطلق في فضاء هش، نادراً ما تبقى محصورة أو قابلة للسيطرة.
موقف الحكومة السورية
يمكن هنا قراءة إدانة وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الإعلام حمزة المصطفى لتفجير مسجد الإمام علي في وادي الذهب بوصفها محاولة واعية للجمع بين مسؤوليتين متلازمتين في لحظة انتقالية شديدة الحساسية، فلدينا المسؤولية الأمنية أمام المجتمع الدولي من جهة، ومسؤولية ضبط الخطاب العام من جهة أخرى. فعلى المستوى الأمني، تمثل الإدانة اعترافاً سياسياً صريحاً بأن حماية المدنيين ودور العبادة تقع في صلب واجبات الدولة الجديدة، وأن أي اختراق أمني من هذا النوع لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثاً هامشياً أو طائفياً محضاً، بل كتهديد مباشر لشرعية الدولة وقدرتها على احتكار العنف المشروع. أما على مستوى الخطاب، فإن صدور الإدانة من رأسَي الدبلوماسية والإعلام يهدف إلى توحيد الرواية الرسمية في مواجهة محاولات تطييف الجريمة أو تسييسها، ومنع انزلاقها إلى خطاب انتقامي أو تعبوي مضاد. لا تُستخدم اللغة السياسية هنا لنفي الطائفية عبر تمييع الجريمة، ولا لتبريرها عبر تحميلها سياقات عامة، بل لتثبيت إطار أخلاقي وطني واضح يرفض الكراهية ويحاصر خطاب التحريض، ويؤكد أن مواجهة الإرهاب الطائفي ليست مسألة أمنية فقط، بل معركة على المعنى واللغة والذاكرة العامة. بهذا المعنى، تشكل الإدانة اختباراً مبكراً لقدرة الدولة على الربط بين الحزم الأمني وبناء خطاب جامع، بوصفهما شرطين متكاملين لمنع تكرار العنف وإغلاق الباب أمام إعادة إنتاج الطائفية كأداة سياسية
——————————————————————–
إيران تعيد تنظيم فلول الفرقة الرابعة في سوريا
2025.12.29
عادت للواجهة في سوريا تحركات فلول نظام الأسد، بعد أن ظهرت عناصر تتبع لما يسمى درع الساحل، وسرايا الجواد ضمن تجمعات لأشخاص تجمعوا في اللاذقية تلبية لدعوة رجل الدين غزال غزال الذي عرف في السابق بتأييده لنظام بشار الأسد واستخدامه للحل العسكري ضد الثورة السورية.
تخلل التجمع استخدام بعض العناصر المشاركة فيه للأسلحة البيضاء والنارية، مما أدى لاندلاع مواجهات مع قوات الأمن مما أدى إلى مقتل 3 أشخاص وجرح أكثر من 50 من المدنيين وقوى الأمن على حد سواء.
حشد لفلول الفرقة الرابعة قبيل اندلاع أحداث اللاذقية
علم موقع تلفزيون سوريا من مصادر أمنية إقليمية أن إيران تعمل منذ مطلع شهر كانون الأول/ ديسمبر الجاري على حشد فلول الفرقة الرابعة التي كانت تحت إشراف ماهر الأسد ومرتبطة بإيران، وتستعمل في عملية الحشد هذه غياث دلة بالإضافة إلى اللواء كمال حسن الذي شغل منصب رئيس الاستخبارات العسكرية سابقاً، واللواء غسان بلال الذي عمل سابقاً في قيادة الفرقة الرابعة.
وفقاً للمصادر فإن الحرس الثوري الإيراني الذي احتفظ طيلة الأشهر الماضية بعشرات الضباط من الفرقة الرابعة والمخابرات العسكرية بمعسكرات له على الحدود العراقية، وضمن منطقة الهرمل اللبنانية وفي مناطق تتبع لسيطرة تشكيلات من حزب العمال الكردستاني شرق سوريا يدفع باتجاه عودتهم إلى الأراضي السورية، وحشد العناصر السابقين لنظام الأسد من أجل موجة جديدة من العمليات الأمنية.
بحسب المعلومات فإن إيران لديها عدة أهداف من تأجيج الوضع في سوريا، أبرزها تخفيف الضغط الأميركي عنها في الساحة العراقية المتاخمة للحدود الإيرانية، حيث يضغط المبعوث الأميركي إلى بغداد مارس سافيا على الفصائل العراقية من أجل حل نفسها. وتأجيج الوضع في سوريا سيكون بمثابة مشاغلة وتشتيت لهذه الجهود.
أيضاً، من المتوقع أن تزداد الضغوط على حزب الله اللبناني من أجل استكمال عملية نزع سلاحه، مع إمكانية تعرضه لعمليات عسكرية جديدة، بالتوازي مع هجوم إسرائيلي جديد محتمل على إيران، وتحشد فلول نظام الأسد المرتبطة بإيران وتمددهم في سوريا سيوفر لطهران وحزب الله القدرة على المناورة بشكل أكبر، وعدم الاكتفاء بالموقف الدفاعي، كما يمكن استعمالهم في عمليات تجسس لمعرفة التحركات الإسرائيلية المستقبلية بشكل استباقي.
جهود من الحكومة السورية لتفكيك خلايا الفلول
تشير المعلومات إلى أن الحكومة السورية تبذل جهوداً حثيثة لتفكيك خلايا الفلول، وقطع الطريق على محاولاتها تجنيد أبناء الطائفة العلوية، حيث اتخذت الحكومة خطوتين مهمتين في هذا السياق، الأولى تعزيز قنوات التواصل مع نخب ورجال دين علويين أبرزهم الشيخ محي الدين السلوم، الذي بات ينظر إلى غزال غزال أنه يحاول جر الطائفة العلوية لحمام دم لصالح مشاريع خارجية، بالإضافة إلى الجهود التي يقوم بها عضو لجنة السلم الأهلي خالد الأحمد المنحدر من الطائفة العلوية، ودوره في توفير قنوات اتصال بين الحكومة والنخب في الساحل السوري.
كما تعمل الحكومة السورية من خلال اتصالاتها مع موسكو على ضمان تحييد انخراط القيادات العسكرية التي تنتشر ضمن قواعد روسيا في سوريا وليبيا وغيرها من البلدان في عمليات تحريك فلول نظام الأسد السابقين، معولةً على تطور العلاقات بين الجانبين، والتي وصلت إلى مرحلة متقدمة.
وتبذل الحكومة السورية جهوداً مع الجانب اللبناني من أجل تفكيك المخيمات التي تم تأسيسها على الحدود السورية اللبنانية ومنها قرب منطقة القصير السورية، بالإضافة إلى الضغط باتجاه الحصول على معلومات تخص 300 ضابط على الأقل كانوا يعملون مع نظام الأسد، ويعتقد أن لهم دور في إحداث اضطرابات في سوريا.
توقعات بالعمل على تأجيج المزيد من العنف
ترجح مصادر أمنية سورية أن تكون خلايا الفلول ضالعة في التفجير الذي استهدف مسجداً لأبناء الطائفة العلوية في حي وادي الذهب بمدينة حمص قبل يومين، حيث تشير بعض المعطيات الأولية إلى إمكانية تكرار مثل هذه الهجمات لنسف الجهود الحكومية التي يتم بذلها من أجل فرض الاستقرار بعد أشهر من الاضطرابات التي تلت المواجهات بين فلول النظام السابق والقوات الحكومية بريف اللاذقية شهر شباط/ فبراير الفائت.
ولا تستبعد المصادر أن يتم تأجيج المزيد من أحداث العنف بهدف العمل على خلق بيئة حاضنة لنشاطهم ضمن مناطق انتشار الأهالي من أبناء الطائفة العلويين، بالإضافة إلى توفير القدرة على تجنيد الشبان في ظل نجاح جزئي للجهود المبذولة من الحكومة في تخفيض القدرة على استقطاب المزيد من الساخطين لصالح العمل مع قيادات سابقة في النظام السوري.
———————————
لماذا تصرّ فلول النظام السوري على استحضار شعار “الأسد أو نحرق البلد”؟/ عمر زقزوق
لطالما ارتبطت عبارة “الأسد أو نحرق البلد” بذاكرة السوريين كأحد أكثر الشعارات إثارة للجدل والحساسية، إذ استخدمها عناصر الجيش والأمن الموالون للرئيس السوري بشار الأسد في سنوات الثورة السورية الممتدة على نحو 14 عاما.
هذا الشعار لم يكن مجرد كلمات، بل ارتبط مباشرة بعمليات تدمير قرى ومدن وسحقها بالكامل، في سبيل الإبقاء على حكم آل الأسد.
ويوم أمس الأحد، عاد هذا الشعار إلى منصات التواصل الاجتماعي بعدما خطه عناصر من جماعة تطلق على نفسها “سرايا الجواد” على الجدران في مدينة جبلة بريف اللاذقية، أثناء مظاهرات دعا إليها الشيخ العلوي غزال غزال، وذلك بعد عام كامل على سقوط نظام بشار الأسد.
وعلق سوريون على استحضار هذا الشعار بكلمات حادة، معتبرين أنه لم يكن يوما ما عبارة عابرة، بل تجسيد لعقلية ترى الوطن ملكا للحاكم لا للشعب، عقلية قادت سوريا إلى الخراب لأنها اختزلت الدولة في شخص واحد، واعتبرت بقاءه أهم من بقاء الأرض والناس.
وأضاف بعضهم أنه ومع تصاعد الدعوات إلى الفدرالية، بدا هذا الشعار بمثابة نبوءة سوداء: فمن يربط الوطن بشخص، يفتح الباب أمام تمزيق الجغرافيا وتقسيم السلطة.
أما الفدرالية، كما رأوا، ليست مجرد نظام إداري، بل انعكاس لانهيار فكرة الدولة المركزية التي دمرت تحت شعار الولاء المطلق.
آخرون اختصروا المسار بعبارة: من “الأسد أو نحرق البلد” إلى “الفدرالية أو لا دولة”… طريق واحد يقود إلى تحويل سوريا من وطن جامع إلى كيانات متناحرة وحرب أهلية، حيث الشعب هو الخاسر الأكبر.
مدونون لفتوا إلى أن استحضار هذا الشعار في هذا التوقيت ليس صدفة، بل إحياء مقصود لخطاب التهديد بالدم الذي دمر سوريا، وإعادة إنتاج الحنين إلى المحرقة الأسدية. وكأن هناك مَن يُصر على نبش ذاكرة مثخنة بالدم والضحايا، وكأن السوريين نسوا ما جرى حتى يعاد تهديدهم به مجددا.
وشدد ناشطون على أن العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم -الذين تلطخت أيديهم بالدماء- هو السبيل الوحيد لوقف دوامة العنف والقتل والانتقام والطائفية.
إعلان
وأكدوا أن من أمضى حياته مؤمنا فعلا بشعار “الأسد أو نحرق البلد” لن يتخلى بسهولة، تماما كما لم يتنازل بشار الأسد الذي نهب سوريا ومعه الملايين، واستمر حتى اللحظة الأخيرة.
كما ذكروا بأن حق التظاهر حق مشروع، بذلت دماء السوريين في سبيله، وأن هذه الدماء لن تنسى. لكن حمل السلاح أثناء التظاهر السلمي أمر مرفوض، والتحريض الطائفي أو الإعلامي قد يجر البلاد إلى أماكن مظلمة جدا.
وحذروا: “فكروا في كل كلمة قبل أن تنطقوها، أيا كنتم… ضحية الأمس، ضحية اليوم، ضحية الغد”.
ال
المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي
———-
تفجير حمص وضرب الخواصر الرخوة/ غازي دحمان
29 ديسمبر 2025
منذ بيانها الأول، أعلنت ما تُسمّى “سرايا أنصار السُّنة” أن هدفها ضرب الأقليات في سورية، في نوع من الانتقام منها بسبب موقفها المساند نظام الأسد، إضافةً إلى أن التنظيم أعلن عمليات عسكرية ضدّ إسرائيل انطلاقاً من الجولان. وبالطبع، لم تقم هذه المنظمة المزعومة بأيّ عمل ضدّ إسرائيل، كما لم تتكشف أيُّ معلوماتٍ عن هيكلية هذا التنظيم وقدراته، سوى إعلان اسم قائده، أبو عائشة الشامي. وسبق أن تبنّى التنظيم تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق، وتبنّى أخيراً عملية تفجير مسجد علي بن أبي طالب في حمص. ويتضح من خريطة عملياته أن هدفها التعجيل بإشعال حرب أهلية بين المكوّنات السورية، إضافةً إلى هزّ صورة حكومة الرئيس أحمد الشرع وإثبات عدم أهليتها وعدم قدرتها على ضبط الوضع الأمني في سورية.
يتقاطع التنظيم في الأهداف مع أطراف داخلية وخارجية عديدة من مصلحتها بالفعل إضعاف الحكومة، ما يعني وجود احتمال لانخراط التنظيم ضمن شبكة من العلاقات التخادمية والمصلحية مع تلك الأطراف، حتى وإن اختلفت في أيديولوجياتها ورؤاها، الأمر الذي يتيح للتنظيم الاستفادة من الخبرات والإمكانات اللوجستية والتمويلية التي توفّرها له أطراف الشبكة.
… يبدو أن “سرايا أنصار السنّة” يتبنّى نمطاً عملياتياً يرتكز على “الذئاب المنفردة”، وهو ما كشفته عملياته في دمشق وحمص؛ إذ كان الفاعل في الحالتَيْن انتحارياً أو عنصراً وضع حقيبة متفجّرات وغادر المكان. وفي الغالب، يشير تبنّي هذا الأسلوب إلى تحوّط التنظيم من إمكانية القبض على عناصره وانكشاف معلومات عن هيكليته أو مصادر تمويله وشبكة علاقاته. وقد يشير ذلك إلى ضعف في قدراته التجنيدية واعتماده على عدد محدود من العناصر، ربّما بسبب أيديولوجيته التي تبدو استنساخاً من أيديولوجيا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ما يضعف قدرة التنظيم على الاستقطاب في مجال تبدو “داعش” فيه أكثر إغواءً وقدرةً، خطابياً ومالياً وعقدياً.
لا يحتاج هذا التنظيم إلى جحافل وجيوش جرّارة لإثبات فعّاليته، في تكرار لتجربة “داعش”؛ فهو مصمّم على القيام بعمليات نوعية في خطوط الصدع السوري تؤدّي إلى تصدّع السلم الأهلي الهشّ إلى درجة كبيرة، بل والمقيم دائماً على عتبة الانفجار، بانتظار حدث ما يطلق دينامياته المتحفّزة أصلاً، والمرتكزة على أشواق بعض السوريين إلى حرب أهلية تعيد ترتيب التوازنات وتضرب المعادلات المتشكلة حديثاً بعد التغيير الذي شهدته سورية.
يحيل هذا الأمر إلى حقيقة مُرّة يعاني منها الواقع السوري الجديد، وهي نتاج مسؤولية جميع الفاعلين في سورية، وإن كانت تقع المسؤولية الأكبر على عاتق منظومة الحكم التي تتزعمها هيئة تحرير الشام. وتتمثّل هذه الحقيقة بعجز الفاعلين عن التوصّل إلى صيغة توافق تسهم في سدّ الفراغات التي يمكن لخطاب التحريض والكراهية التسلّل منها لتحطيم النسيج الوطني، ووضع مستقبل البلاد على كفّ عفريت، نتيجة ضعف الأفق، وتفضيل المصالح الضيقة، والإصرار على التفرّد بقيادة البلد وفرض رؤى قاصرة عن رؤية المشهد بعقليةٍ منفتحة، بما يحول دون إنتاج سياساتٍ قادرةٍ على إدارة البلاد نحو مستقبل أفضل.
لا تحتاج السلطة الجديدة إلى تجريد حملات ضدّ “داعش” و”أنصار السُّنة” وأضرابهما، لأنّ أيّ تحرّك في هذا الاتجاه (في ظلّ الإدارة الخاطئة للسياسة في سورية) لن تكون له نتائج مجدية وفاعلة ما دامت السلطة مُصرّةً على نهج التفرّد في الحكم، وتخوين الآخرين، ودفعهم إلى البحث عن خياراتٍ أخرى، نتيجة نفورهم ممّا وصلت إليه الأمور في سورية، بما يدفع بعضهم إلى اتباع أكثر التوجّهات تطرّفاً. وباختصار، أوجدت سلطة الشرع البيئة الخصبة لنمو هذه التيارات، وجميع الفاعلين الآخرين يستثمرون في هذه البيئة.
ولإثبات هذه الإشكالية، لنتصوّر لو أن سلطة الشرع تبنّت سياسة مختلفة تقوم على التشاركية ورؤى منفتحة، بحيث أُشرك السوريون (بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية والعرقية والسياسية) في وضع أسس المرحلة الانتقالية، هل كان من الممكن أن نرى أفكاراً من نوع الانفصال والتقسيم، أو حتى بروز شخصياتٍ مثل حكمت الهجري وغزال غزال؟ المؤكّد أن دوافع مثل تلك الأفكار أو اتباع مثل تلك الزعامات ستكون ضعيفة إلى حد بعيد. وعلى العكس، ستكون هناك حواضن للدولة لديها القدرة والحجة والاستعداد لمواجهة تلك الأفكار والزعامات، وعزلها وإضعاف تأثيراتها إلى أبعد الحدود.
لقد أدّت سياسة هيئة تحرير الشام، بعد عام من الحكم، إلى توسيع مساحات الخواصر الرخوة في سورية، وهيأت فرصاً سهلة للمنافسين (أو لنقل لخصومها) للتفنّن في العمل ضدّها حتى من دون تكاليف مرتفعة، عبر امتلاك خريطة الخواصر الرخوة الشاسعة في الجسد السوري المُنهَك، في أطرافه ومركزه، ومن رأسه حتى أخمص قدميه.
وتُعدُّ حمص وحلب والسويداء وشرقي سورية وساحلها ساحاتٍ مفتوحةً على الخطر المتربّص بسورية، ولا يمكن معالجة ذلك إلا بمقاربات جديدة، ومن خارج صندوق الأدوات الذي تعاملت به هيئة تحرير الشام، قبل أن تدخل البلاد في طريق الحرب الأهلية التي لا عودة منها إلى سورية مستقرّة موحّدة ومتعافية.
——————————
فلول الأسد في لبنان: إرث أمني معلّق يتحدى العلاقة مع دمشق/ صهيب جوهر
ديسمبر 29, 2025
منذ تأسيس الدولة اللبنانية، لم تكن العلاقة مع سوريا علاقة طبيعية بين دولتين متجاورتين بقدر ما كانت علاقة محكومة بتداخل الجغرافيا والسياسة والأمن. هذا التداخل جعل لبنان، في محطات متعددة، مساحة جانبية تتسرّب إليها تطورات الداخل السوري، منذ عهد حسني الزعيم وصولاً إلى المراحل اللاحقة، وغالباً ما تعاملت الدولة اللبنانية مع هذه الظاهرة بمنطق الحدّ الأدنى، لا مواجهة شاملة، ولا احتضان رسمي، بل إدارة رمادية تُفضّل تفادي الانفجار الآني على حساب المعالجة البنيوية.
هذا النمط التاريخي استمر لعقود، لكنه دخل طوراً مختلفاً بعد سقوط النظام الأسدي البائد. فالتحدي لم يعد مرتبطاً بمعارضة تبحث عن ملاذ أو بنخب سياسية منفية، بل بوجود عناصر من بنية حكم سقطت سياسياً ولم تُفكَّك شبكاتها الأمنية والمالية والتنظيمية بالكامل. للمرة الأولى، يجد لبنان نفسه أمام واقع يستضيف فيه بقايا النظام السابق المتهم بجرائم حرب وإبادة وتطهير عرقي، في لحظة إقليمية تتّسم بعدم الاستقرار وتداخل المصالح.
هذا الوجود لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق التاريخي لإدارة لبنان لملفاته الحساسة. ففي محطات سابقة، كان الرهان الدائم على الوقت، ترك الأمور معلّقة، عبر ضبط الإيقاع أمنياً، وتجنّب قرارات سياسية كبرى قد تفجّر التوازنات الداخلية. هذا ما حصل مع السلاح الفلسطيني، ثم مع الوصاية السورية، ولاحقاً مع تداعيات الثورة السورية بعد عام 2011. وفي كل مرة، قُدِّم “التأجيل” بوصفه خياراً عقلانياً، قبل أن يتحوّل لاحقاً إلى عبء ثقيل يصعب احتواؤه.
اليوم، يتكرّر هذا المنطق مع ملف فلول النظام البائد. فالدولة اللبنانية لم تُنتج حتى الآن مقاربة قانونية أو سياسية واضحة. لا تصنيفاً رسمياً لهذا الوجود، ولا نقاشاً علنياً منظماً، ولا إطاراً مؤسسياً يحدد كيفية التعامل معه. وبدل ذلك، جرى اعتماد إدارة أمنية هادئة تقوم على المراقبة غير المعلنة، وعلى إبقاء الكتلة البشرية تحت السيطرة، لا تفكيكها. هذا الخيار قد يبدو مفهوماً في ظل هشاشة الداخل اللبناني، لكنه يحمل في طياته مخاطر تراكمية، لأنه يُبقي الشبكات قائمة والولاءات غير مفككة.
في المقابل، تمرّ سوريا بمرحلة سياسية وأمنية معقّدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تسعى فيها القيادة الجديدة إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، وضبط الفضاء الأمني، ومنع استخدام دول الجوار كمساحات ارتداد أو تعطيل. من الطبيعي، في هذا السياق، أن تنظر دمشق بحساسية إلى وجود عناصر أمنية سابقة خارج حدودها، ولا سيما في بلد ملاصق تربطه بها حدود مفتوحة وتجارب أمنية طويلة. لكن في الوقت نفسه، من غير الواقعي تحميل لبنان وحده مسؤولية هذا الإرث، أو تجاهل تعقيدات بنيته السياسية وقدرته المحدودة على اتخاذ قرارات حاسمة من دون توافق داخلي واسع.
اللافت أن هذا الملف لم يعد محصوراً في التداولات الأمنية المغلقة. فقد تناولت صحف دولية كبرى، من بينها نيويورك تايمز، في تقارير تحليلية، مسألة إعادة تموضع شبكات مرتبطة بالنظام السوري السابق خارج سوريا، ولا سيما في دول الجوار. هذه التقارير لم تُقدّم الأمر بوصفه هروباً من مرحلة منتهية، بل كجزء من إعادة ترتيب أدوار، وانتظار لمسارات إقليمية لم تتبلور بعد. وأهمية هذا الطرح أنه ينقل الملف من خانة الجدل المحلي إلى كونه ظاهرة إقليمية لها انعكاساتها الأمنية والسياسية.
في الداخل اللبناني، لم يأتِ التحذير من هذا المسار من الخارج فقط. فقد كان الزعيم وليد جنبلاط من أوائل من تعاملوا مع القضية بوصفها مسألة تمسّ السلم الأهلي اللبناني قبل أي اعتبار آخر، محذّراً من أن تحويل لبنان إلى مساحة خلفية لصراعات ما بعد سقوط النظام قد يعيد إنتاج أنماط عدم الاستقرار التي عرفها البلد سابقاً. هذا التحذير لم يكن تعبيراً عن موقف سياسي ظرفي، بقدر ما كان قراءة تستند إلى تجربة لبنانية طويلة مع الملفات المؤجلة.
في المقابل، يعكس التعامل الرسمي اللبناني مع الملف حجم الانقسام السياسي القائم. فبعض القوى تنظر إلى هذا الوجود من زاوية أمنية بحتة وتفضّل استخدامه للضغط على دمشق ربما كما تعتقد. فيما قوى أخرى ترى فيه عبئاً سياسياً وأمنياً على علاقة لبنان بسوريا وعلى استقراره الداخلي. وفي هذا السياق، لا يمكن إنكار أن حزب الله يؤمّن مظلة حماية لجزء من هذه المجموعات، سواء بدافع اعتبارات أمنية مباشرة، أو ضمن مقاربة أوسع تقوم على استخدام هذا الوجود كورقة ضغط أو توازن في مرحلة إقليمية غير مستقرة.
إلا أن الاستفادة من هذا الواقع لا تقتصر على أطراف لبنانية أو سورية فقط. فبقاء شبكات أمنية سورية سابقة خارج سيطرة الدولة الجديدة، وفي دول جوار هشّة، يخدم أيضاً مصالح أطراف إقليمية ودولية معنية بإبقاء سوريا في حالة عدم استقرار. وفي هذا الإطار، تشير تقديرات دبلوماسية وأمنية إلى أن إسرائيل، إلى جانب بعض حلفائها الإقليميين، تجد في استمرار هذه الحالة مادة مفيدة لإرباك البيئة الأمنية المحيطة بسوريا، وخلق بؤر توتر متنقلة بينها وبين محيطها، بما يمنع تبلور مرحلة استقرار طويلة الأمد أو إعادة تموضع إقليمي مريح لدمشق.
المشكلة الأساسية في هذا النهج، لبنانياً، أنه يفترض أن الوقت يعمل لمصلحة الحلول، فيما التجربة تشير إلى العكس. فالملفات الأمنية التي تُجمَّد لا تحل، بل تتحوّل إلى عناصر ضغط كامنة قابلة للتفعيل عند أول اهتزاز إقليمي أو داخلي. ومع وجود هذه المجموعات في مناطق مختلطة طائفياً، يصبح الخطر مضاعفاً.
من زاوية العلاقة اللبنانية-السورية، يشكّل هذا الملف أحد الاختبارات العملية لإمكانية الانتقال من علاقة قائمة على الشك المتبادل إلى علاقة أكثر انتظاماً. لا دمشق تستطيع تجاهله، ولا بيروت تملك رفاهية معالجته بقرارات متسرعة. التحدي الحقيقي يكمن في صياغة مقاربة تدريجية، قانونية وأمنية، تحافظ على الاستقرار الداخلي اللبناني، ولا تحوّل البلاد إلى منصة استهداف لسوريا، وفي الوقت نفسه لا تُبقي الملف مفتوحاً بلا أفق.
في الخلاصة، لا يتعلق الأمر بانحياز سياسي إلى سوريا مع الرئيس الشرع، ولا بتبرير العجز اللبناني، بل بمحاولة قراءة واقعية لمسار تاريخي يتكرر بأشكال مختلفة. لبنان، بحكم موقعه وبنيته، سيظل متأثراً بما يجري حوله، لكن قدرته على تقليص الكلفة تبقى مرتبطة بمدى انتقاله من إدارة الأزمات بالحدّ الأدنى إلى إدارتها سياسياً، وبقدرته على منع الآخرين من الاستثمار الدائم في هشاشته.
الثورة السورية
———————————
“فلول الأسد” بين انحسار الشارع ومخاطر التصعيد/ محمد نزال
ديسمبر 29, 2025
تشير التطورات الأخيرة في الشارع إلى تحوّل لافت في ديناميات الاحتجاج، سواء من حيث الحجم أو الخطاب. فالتجمعات باتت محدودة مقارنة بسابقاتها، كما أن شعاراتها فقدت نسبياً ارتباطها بالقضايا الكبرى التي طرحت سابقاً، كالفيدرالية وغيرها. هذا الانحسار لا يمكن قراءته بوصفه حدثاً عابراً فهو يعكس بوضوح أن المقاربة السياسية التي اعتمدتها الدولة بدأت تحقق قدراً من النجاح في احتواء المشهد وإعادة ضبطه.
ومن منظور آخر، إن وجود أنصار لفلول النظام المخلوع ورجال الدين المحرضين ليس أمراً مستغرباً، فنحن أمام نظام امتد لعقود طويلة، عمل خلالها على ترسيخ الطائفية والتطييف بوصفهما أدوات حكم وضبط اجتماعي، هذه البنى لا تتفكك تلقائياً بزوال السلطة وتستمر في الوعي الجمعي كإرث ثقيل، غير أن اللافت اليوم هو أن هذه الورقة، التي طالما استخدمت كملاذ أخير باتت تفقد قدرتها على التعبئة وهو ما يظهر جلياً في التراجع العددي لأنصار فلول النظام المجرم.
الأهم والأخطر في المشهد هو التحوّل نحو استخدام السلاح في مواجهة قوى الأمن المكلفة بحماية المتظاهرين، هذا السلوك يحمل دلالة سياسية ونفسية هامة؛ فهو لا يعبّر عن فائض قوّة إنّما عن فقدان ثقة بالنفس وبجدوى الفعل الاحتجاجي، فاللجوء إلى العنف جاء بعد أن تبين لهؤلاء أن التظاهرات السابقة لم تنتج النتائج المرجوة، بل كشفت ضعف التأثير وانقلاب المشهد على غير ما أراده منظموه.
في هذا السياق، يلفت عالم السياسة، ستاثيس كاليڤاس، في كتابه منطق العنف في الحروب الأهلية، إلى أن العنف نادراً ما يكون نتيجة الشعارات الكبرى وحدها، بل غالباً ما ينشأ من “تفاعلات محلية واستفزازات متراكمة”، تتحول مع الوقت إلى دوائر تصعيد ذاتية، وهذا ما يجعل ردات الفعل الشعبية لعموم للشعب السوري مصدر القلق الحقيقي، إذ قد تؤدي الاستفزازات المتكررة من أنصار الفلول إلى انفجار اجتماعي يولّد مزيداً من التوتر والعنف.
من هنا، تبرز مسؤولية العقلاء والوجهاء في الساحل السوري بوصفها مسؤولية تاريخية تتجاوز الحسابات الضيقة، فالمبادرة إلى اتخاذ موقف واضح، يرفض توظيف طائفة كاملة كدرع سياسي ويقطع العلاقة مع خطاب فلول نظام الأسد، من شأنها أن تسهم في خفض منسوب التوتر ومنع الانزلاق نحو سيناريو دموي، وإن تعطيل منطق الاستفزاز اليوم عبر مواقف شجاعة وعقلانية يمثل استثماراً في استقرار المجتمع وحمايته من مسار لا أحد يرغب في الوصول إلى نهاياته.
أما من حيث التوقيت، فلا يمكن فصل هذه التحركات عن السياق الأمني الأوسع، إذ جاءت متزامنة مع نشاط ملحوظ لتنظيم داعش أعقب إفراج قوات “قسد” عن بعض قياداته الأمنية ضمن ترتيبات تشير المعطيات إلى أنها هدفت إلى توجيه بوصلة نشاط التنظيم باتجاه الدولة السورية. هذا التزامن ليس اعتباطياً ويندرج في إطار محاولة خلق حالة توتر أمني عام تستخدم كرافعة لتحريك بقايا الفلول في الساحل السوري وبما يسهم مرحلياً في صرف الأنظار عن ملف “قسد” نفسه الذي لم يتبقّ على استحقاقه سوى أيام معدودة.
وعليه، فإن هذه التحرّكات لا يمكن قراءتها من زاوية الشعارات التي يرددها بعض المشاركين أو المطالب المعلنة في واجهتها فحسب، بقدر ما ينبغي فهمها كبعد أمني-سياسي يتّصل بمحاولات افتعال أعمال شغب وعنف يجري تغليفها باحتجاجات مصطنعة بهدف التمويه وتخفيف كلفتها السياسية، فالمشهد في جوهره يتجاوز التعبير المطلبي ليقترب من توظيف الشارع كأداة في صراع أمني.
———————————
الافتتاحية: ما مشكلتهم مع “البلد”؟/ نور الدين الإسماعيل
ديسمبر 29, 2025
مع انطلاق الثورة السورية في آذار عام 2011 رفع محسوبون على النظام المخلوع من قوّات أمن وجيش شعار “الأسد أو نحرق البلد”، في تهديد واضح للسوريين الذين انتفضوا في وجه آلة القتل والقمع، فكتبوا شعارهم التهديديَّ على جميع الجدران التي بقيت واقفة بعد أن مرّوا بها، في حين لم يتسنَ لهم كتابته على مئات آلاف الجدران التي حوّلوها إلى ركام.
آلاف القرى والمدن المدمّرة تشهد على أن هذا الشعار لم يكن كلاماً عابراً فقط، بقدر ما كان هدفاً سعى من أجل تحقيقه نظام طارئ على هذه الأرض، لا ينتمي إليها ولا يشبهها في شيء.
إحراق البلد الذي كان شعاراً، تحوّل إلى واقع خلال 14 عاماً، إلا أنه لم يقتصر على الحجر، حين استهدف البنيّة التحتيّة للبلاد عبر البراميل المتفجّرة والطائرات والمدفعيّة والصواريخ والكيماوي، بل أحرق من خلاله مرتزقة نظام الأسد قلوب مئات آلاف العائلات، بقتل أبنائهم عبر طواحين القتل، وتغييبهم في صيدنايا والأفرع الأمنيّة، متباهين بما يحققونه على الأرض.
اليوم، وبعد سقوط نظام حكم الاستبداد والقمع، وهروب مجرمي الحرب المطلوبين للعدالة، ومحاولة السوريين تضميد جراحهم للنهوض من جديد، يعود أتباع الأسد ومرتزقته من ضباط سابقين أوغلوا في الدم السوري، ليرفعوا شعارهم التاريخي، “الأسد أو نحرق البلد”، عبر دعوات لاحتجاجات استغلوا تلبيتها من قبل بعض البسطاء، باستهداف عناصر الأمن الذين كانوا يحاولون حمايتها.
صاحب الأملاك يحافظ عليها ويدفع حياته ثمناً لحمايتها، في حين يسعى السارق أو الغاصب أو المحتلّ إلى تدمير ما سلبه قبل أن يُسترد منه، وهذا هو الأمر الذي يفسّر حقدهم على البلد وأهلها، فلو كانوا منه لما فعلوا به ما فعلوا.
يفكر هؤلاء بمنطق “عليّ وعلى أعدائي”، فجميعهم مطلوبون للعدالة فارّون في الجبال، وملاحقون بتهم ارتكاب جرائم حرب بحقّ السوريين خلال السنوات الماضية، عندما كانوا يصدرون وينفذون أوامر القتل العشوائي بحقّ السوريين، وفي ظنّهم أنّهم بمثل هذه الأفعال يضغطون على الدولة السورية من أجل إصدار عفو عنهم وعدم محاسبتهم، متناسين أن تحقيق العدالة لا يكون إلا بمثولهم أمام المحاكم، وهو مطلب وأولوية لدى عائلات الضحايا والدولة السورية، على حدّ سواء.
لم يستوعب أزلام النظام المخلوع بعد أن البلاد لم تعد ملكاً لهم وأن “المزرعة” التي استثمروها لعقود عادت لأهلها وباتت وطناً، فالزمن تغيّر، والواقع تبدّل، ولفظتهم البلاد وأهلها، ولكن هنا تكمن مسؤولية أصحاب الوعي في أن يضبطوا خطابات التحريض، حتى لا يتحوّل البسطاء إلى وقود في محرقة مستمرة، خدمة لمخططات الحاقدين وأهدافهم، وأن توأد الفتنة قبل أن تلتهم ما تبقى.
تسريبات قناة العربية التي صدمت البعض بينما كان الكثيرون على علم بمضمونها، كان من المفترض أن تصيبهم بالحياء والخجل والعار، حيث كان يحتقرهم ويزدريهم ويسخر من دفاعهم عنه، لكن ما جرى برفع هذا الشعار مجدداً يؤكد صحة القول الشائع: “لو أمطرت السماء حريّة لرأيت العبيد يحملون المظلّات”.
سقط الأسد وبقي وسيبقى البلد، وسيبني السوريون ما دمّره وأحرقه الحاقدون، وأهم ما يجب بناؤه في هذه المرحلة هو المجتمع الذي دمّره هؤلاء، والذي سيلفظ كل حاقد وطائفي وموتور، حينها لن يجد أولئك مكاناً لدعواتهم التحريضية، والتي ستزول مع الزمن بزوالهم الحتميّ الذي تؤكّده وقائع التاريخ ودروسه.
——————————-
“فيدرالية” غزال غزال في مواجهة المركزية: ديناميات التعبئة الطائفية ومأزق العدالة الانتقالية في الساحل السوري/ نوار شعبان
نشر في 29 كانون الأول/ديسمبر ,2025
شكّلت التظاهرات والاشتباكات التي شهدتها مدينتا اللاذقية وطرطوس، يوم الأحد 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025، ذروة مسار تصعيدي قاده المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سورية والمهجر، برئاسة الشيخ غزال غزال، في مواجهة الحكومة السورية الانتقالية برئاسة الرئيس أحمد الشرع، وسط تقاطعات واضحة مع تحركات وشبكات نفوذ مرتبطة بشخصيات عسكرية وأمنية من النظام السابق، أسهمت في التعبئة والحشد الميداني. وجاءت هذه التحركات استجابة لدعوة مباشرة أطلقها غزال، عقب التفجير الدامي الذي استهدف مسجد الإمام علي بن أبي طالب، في حي وادي الذهب بمدينة حمص، يوم الجمعة 26 كانون الأول/ ديسمبر، وقد عدّه المجلس دليلًا قاطعًا على عجز الدولة عن حماية الأقليات، محمّلًا السلطات القائمة المسؤولية المباشرة عنه، ومقدّمًا الحادثة بوصفها حلقة ضمن سلسلة تهديدات منظمة تستهدف البيئة الاجتماعية في مناطق حسّاسة، جرى توظيفها -سياسيًا وأمنيًا- لتوسيع نطاق الاحتجاج ودفعه نحو مواجهة مفتوحة مع السلطة المركزية.
ولا تأتي خطورة هذه الأحداث من حجمها الميداني فحسب، بل من التحوّل الجذري في طبيعة الشعارات والمطالب التي رافقتها، إذ لم يعد الحراك محصورًا في المطالبة بالخدمات أو تحسين الإجراءات الأمنية، بل انتقل إلى طرحٍ سياسي واضح يدعو إلى الفيدرالية السياسية والحماية الدولية، بما يضع مشروع الدولة المركزية الموحدة الذي تسعى دمشق إلى ترسيخه أمام اختبار وجودي يمسّ شكل الدولة وحدود سلطتها. ومن ثم تقدّم هذه الورقة تحليلًا معمّقًا لديناميات هذا الحراك، عبر تفكيك مقاربة غزال القائمة على تقويض مسار الاستقرار وتعطيل فرص التسوية، من خلال رفع سقف المطالب ودفع الصراع نحو خيارات قصوى، وتسلّط الضوء على الثغرات البنيوية في أداء الحكومة الانتقالية، ولا سيّما في ملف العدالة، لتخلص إلى استشراف المآلات المحتملة لهذا الصدام في المدى المنظور.
أولًا: ريادة الأزمات: كيف يصنع “غزال غزال” الفوضى؟
لفهم ما جرى اليوم في دوّار الأزهري بمدينة اللاذقية، لا يكفي النظر إلى الشيخ غزال بوصفه رجل دين يتفاعل مع حدث أمني طارئ، بل ينبغي مقاربته كنقطة ارتكاز ضمن شبكة أوسع من الفاعلين الذين ينشطون في لحظات الانتقال الهشّ، ويجيدون تحويل المخاوف الجماعية إلى أدوات نفوذ سياسي. فغزال لا يتحرّك من موقع الوعظ الديني التقليدي، بل من موقع قيادة تعبويّة تستثمر في القلق الوجودي الذي يعيشه جزءٌ من المجتمع العلوي بعد سقوط النظام السابق، وتسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين هذا المجتمع والدولة الجديدة على أساس الصدام لا الاندماج. وفي هذا السياق، تبرز مؤشرات على وجود قوى وشخصيات أمنية وعسكرية محسوبة على النظام السابق، تتحرك من خلف هذا الخطاب أو تتقاطع معه، من دون أن تظهر في الواجهة، لكونها تدرك أن انكشاف دورها العلني قد يُفضي إلى انقسام داخل الصف العلوي نفسه، ويقوّض شرعية الحراك في نظر قاعدته الاجتماعية، ما يجعل الاعتماد على واجهات دينية أو مدنية أقل تكلفة وأكثر قدرة على التعبئة.
في هذا السياق، برز تفجير مسجد الإمام علي بن أبي طالب، في حي وادي الذهب بحمص، بوصفه لحظة مفصلية استثمرها غزال بعناية[1]. فبدلًا من التعامل مع التفجير كجريمة إرهابية تستدعي التهدئة وتغليب منطق التحقيق والمحاسبة، جرى إدماج الحدث ضمن سردية أوسع عن استهداف منهجي للأقليات. ولم يكتفِ البيان الصادر عقب التفجير بالإدانة، بل أعاد ربط الحادثة بسلسلة من الوقائع السابقة، من استهداف أماكن دينية إلى تفجيرات شهدتها مدن أخرى، ليقدّم صورة متكاملة عن خطر وجودي مزعوم[2]. ولا يهدف هذا البناء السردي إلى توصيف الواقع، بقدر ما يسعى إلى إعادة تشكيل وعي الجمهور، عبر الإيحاء بأن الدولة الجديدة ليست مجرد سلطة عاجزة عن الحماية، بل كيان غير موثوق، وربما معادٍ، ما يجعل البحث عن بدائل خارج إطارها خيارًا “منطقيًا” للبقاء.
ضمن هذا الإطار، انتقل خطاب غزال من موقع استحضار المظلومية، إلى طرح مشروع سياسي واضح المعالم. فالتظاهرات التي خرجت في 28 كانون الأول/ ديسمبر لم تكن مجرد انفجار عاطفي ناتج عن صدمة التفجير، بل حملت شعارات سياسية متماسكة تدعو إلى الفيدرالية واللامركزية، وهي شعارات سبق أن روّج لها غزال في مناسبات سابقة، خصوصًا في لقاءاته التي تحدث فيها عن ضرورة تنسيق الأقليات في مواجهة مركزية الحكم. وهذا التطور يعكس تحولًا نوعيًا في طبيعة الحراك؛ إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على المطالبة بالحماية أو الاحتجاج على تقصير أمني، بل بات يتجه نحو التشكيك في شكل الدولة ذاته، وفي قدرتها على تمثيل جميع مكوناتها ضمن إطار وطني جامع. وهنا، لا يظهر غزال كفاعل يسعى إلى تحسين شروط المشاركة داخل الدولة، بل كطرف يعمل على تقويض بنيتها المركزية، وطرح بدائل تتعارض جوهريًا مع المشروع الذي تسعى الحكومة الانتقالية إلى ترسيخه[3].
أما على المستوى العملي، فقد اعتمد غزال على الشارع بوصفه الأداة الرئيسية لفرض حضوره السياسي وكسر احتكار الدولة للمجال العام. وقد أظهرت الدعوة إلى التظاهر، وما تلاها من اشتباكات بين مجموعات متعارضة داخل المدينة، أن الصراع لم يعد محصورًا بين سلطة ومحتجين، بل بدأ يتخذ طابع انقسام اجتماعي داخلي. وقد كشفَ تدخّل قوات الأمن لفض هذه الاشتباكات، وظهور مجموعات ترفع شعارات مؤيدة للحكومة في مواجهة أنصار غزال، عن تصدع عمودي داخل المجتمع الساحلي نفسه، الذي يضم بطبيعة الحال مكونات سورية أخرى غير المكون العلوي، وهو تصدع يغذّي حالة عدم الاستقرار، ويمنح غزال فرصة لتكريس نفسه بوصفه الطرف الذي لا يمكن تجاوزه. ويزداد هذا المشهد تعقيدًا مع بروز مؤشرات على حضور عناصر وخطابات مرتبطة بالنظام السابق داخل بعض التظاهرات، سواء عبر كتابات وشعارات علنية تمجّد مرحلة ما قبل السقوط، أو من خلال ظهور مسلّحين في أوساط المحتجين، الأمر الذي يربك توصيف الحراك ويقوّض ادعاءاته بوصفه تعبيرًا صرفًا عن مظلومية راهنة. هذا الحضور، وإن لم يكن مهيمنًا أو معلنًا على مستوى القيادة، يسهم في تعميق الانقسام داخل البيئة العلوية نفسها، بين من ينظر إلى الحراك كوسيلة ضغط لتحسين شروط الاندماج في الدولة الجديدة، ومن يرى فيه فرصة لإعادة تدوير شبكات النفوذ القديمة أو الاحتماء بها. وهو يوفّر للحكومة سردية مضادة تختزل الاحتجاجات في كونها امتدادًا لفلول النظام السابق، وهو اختزال لا يعكس الواقع المركّب، لكنه يجد أرضية جزئية بسبب هذا التداخل، ويغذّي بدوره مناخ الشك والاصطفاف المتبادل.
من خلال هذا المسار، يسعى غزال إلى تثبيت معادلة جديدة مفادها أن أيّ معالجة للأزمة، سواء كانت سياسية أم أمنية، لا يمكن أن تتم عبر مؤسسات الدولة وحدها، بل يجب أن تمرّ عبره، باعتباره ممثلًا حصريًا لبيئة اجتماعية يشعر جزء كبير منها بالخوف والقلق. وبهذا المعنى، لا تقتصر خطورة ما جرى في دوار الأزهري على كونه حدثًا أمنيًا أو احتجاجيًا، بل تكمن في كونه مؤشرًا على صراع أعمق، حول الشرعية والتمثيل، وحول مدى قدرة الدولة السورية الجديدة على استيعاب مخاوف مكوناتها المختلفة ضمن عقد اجتماعي جامع، وعلى مواجهة موجات متتالية من التعبئة القائمة على الهويات الفرعية، بما يحمله ذلك من مخاطر على وحدة البلاد واستقرارها في المرحلة الانتقالية.
ثانيًا: الفجوات الحكومية: لماذا يجد خطاب الفوضى صدًى؟
على الرغم من إصرار الخطاب الرسمي للحكومة السورية الانتقالية على توصيف الشيخ غزال غزال ومحيطه بوصفهم “فلولًا للنظام السابق” أو “خارجين عن القانون”، فإن الوقائع الميدانية، ولا سيما حجم الاستجابة الشعبية لدعواته في الساحل، تكشف عن خلل أعمق في مقاربة الدولة لهذه المنطقة، وفي قدرتها على إدارة مرحلة ما بعد السقوط. فنجاح خطاب الفوضى في كسب التأييد لا يعود فقط إلى مهارة صاحبه في التعبئة، بل يرتبط مباشرة بثغرات بنيوية في أداء الحكومة، أبرزها ما يتصل بملف العدالة، وسياسات الاحتواء، والواقع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور.
تُعدّ قضية العدالة الانتقالية إحدى الثغرات الأساسية التي ينفذ منها خطاب الشيخ غزال، وإن لم تكن ناتجة عن فراغ كامل أو غياب كلي للإجراءات الرسمية. فمن الناحية القانونية، كان الإعلان الدستوري قد حصر نطاق العدالة الانتقالية صراحة بجرائم النظام البائد، وهو ما انعكس لاحقًا في تصميم الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية التي شُكّلت بموجب المرسوم رقم 20 لعام 2025[4]، وجعل ولايتها تتركز على معالجة إرث الانتهاكات السابقة لسقوط النظام. وعلى الرغم من منطقية هذا التحديد من زاوية تأسيسية، فقد أوجد فجوة إدراكية وسياسية لدى شرائح واسعة في الساحل، رأت فيه تجاهلًا لمعالجة الانتهاكات التي وقعت بعد السقوط، ولا سيما أحداث آذار/ مارس 2025.
في المقابل، لم تكن الدولة غائبة تمامًا عن هذا الملفّ، إذ جرى بالفعل تشكيل لجنة تحقيق خاصة بانتهاكات الساحل، وقد أصدرت تقريرًا وُصف بأنه جريء في السياق السوري[5]، كما بدأت محاكمات فعلية في مدينة حلب بحقّ عدد من المتورطين في تلك الانتهاكات قبل الشروع في محاكمات أوسع. غير أن هذه الخطوات، على أهميتها، لم تُدمج ضمن سردية عدالة شاملة ومتماسكة، ولم تُقدَّم للرأي العام الساحلي بوصفها جزءًا من مسار واضح ومتكامل، ما حدّ من قدرتها على استعادة الثقة.
هذا التباين بين الإطار الدستوري الضيق للعدالة الانتقالية من جهة، والإجراءات الجزئية لمعالجة انتهاكات ما بعد السقوط من جهة أخرى، أسهم في ترسيخ شعور لدى قطاعات من المجتمع العلوي بأن العدالة تُدار بمنطق مجزأ وغير متوازن. وقد استثمر غزال هذا الالتباس، ليس عبر إنكار وجود لجان تحقيق أو محاكمات، بل عبر الطعن في كفايتها وجدواها السياسية، وتقديمها على أنها خطوات غير قادرة على ضمان الإنصاف أو منع التكرار. وبهذا المعنى، لم تنبع قوة خطابه من غياب العدالة بالكامل، بل من فشل الدولة في تحويل إجراءاتها القانونية إلى رصيد ثقة اجتماعية، ما أتاح له التشكيك في شرعية المؤسسات الوطنية والدفع باتجاه المطالبة ببدائل خارجية، بما يحمله ذلك من مخاطر على تماسك الدولة، في واحدة من أكثر القضايا حساسية في المرحلة الانتقالية.
إلى جانب ذلك، اتسمت سياسة الحكومة تجاه الساحل بما يمكن وصفه بالاحتواء المتردد، في سياق بالغ التعقيد تختلط فيه مطالب مشروعة بإرث ثقيل من الانتهاكات والمسؤوليات الجنائية. فمحاولات امتصاص الغضب، مثل الإفراج عن عشرات الموقوفين في اللاذقية قبيل احتجاجات 28 كانون الأول/ ديسمبر، جاءت متأخرة ومحدودة الأثر، ولم تُقدَّم ضمن رؤية شاملة أو مسار واضح لبناء الثقة. ولا يمكن مقاربة هذا الملف على أساس افتراض براءة جماعية؛ إذ تسود في المقابل مخاوف جدية لدى بعض الدوائر الرسمية والمجتمعية من أن عددًا من الموقوفين أو المطلوبين هم من المتورطين فعليًا في انتهاكات جسيمة خلال سنوات الصراع، أو من الشخصيات الأمنية والعسكرية المحسوبة على النظام السابق، ما يجعل مسألة الإفراج أو الملاحقة شديدة الحساسية، قانونيًا وأخلاقيًا.
غير أن غياب معايير معلنة وشفافة تميّز بين الموقوفين على خلفيات جنائية مثبتة، وبين من جرى توقيفهم في سياق أمني واسع أو بدافع الاشتباه الجماعي، أسهم في تعميق الالتباس لدى الرأي العام الساحلي. ويضاف إلى ذلك استمرار الغموض حول مصير مئات المفقودين في أحداث آذار/ مارس 2025، وتباطؤ الإعلان عن نتائج التحقيقات والإجراءات القضائية المرتبطة بها، وهو ما أبقى الجرح مفتوحًا في الذاكرة الجماعية. في ظل هذا الفراغ التفسيري، يجد خطاب غزال، القائم على تصوير ما جرى بوصفه استهدافًا ممنهجًا، آذانًا مصغية، لا لأن الدولة غابت بالكامل عن المحاسبة، بل لأنها لم تنجح بعد في تقديم رواية رسمية متماسكة تقوم على الوضوح، والتمييز القانوني، والاعتراف، وتوازن بين متطلبات العدالة وعدم الإفلات من العقاب من جهة، وضرورات الطمأنة وبناء الثقة المجتمعية من جهة أخرى.
أمّا البعد الاقتصادي، فيشكّل عاملًا مركزيًا في تفسير جاذبية خطاب الفوضى، ولا يمكن فصله عن أنماط إدارة اقتصادية أعادت، ولو جزئيًا، إنتاج منطق مألوف من المرحلة السابقة. فعلى الرغم من التحسّن النسبي في بعض المؤشرات العامة، لا يزال الساحل السوري يعيش حالة قلق اقتصادي عميق، تفاقمت مع إلغاء عقود استثمارية كبرى، وغياب رؤية واضحة ومعلنة لمستقبل المرافئ والقطاعات المرتبطة بها. هذا الغموض لم يقتصر أثره على الشركات أو النخب الاقتصادية، بل امتد إلى شرائح اجتماعية واسعة كانت تعتمد في معيشتها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على اقتصاديات تلك المرافق.
في هذا السياق، يظهر خلل بنيوي في مقاربة الدولة للاقتصاد المحلي، يقوم على قرارات فوقية غير مسبوقة بنقاش مجتمعي أو بدائل تنموية واضحة، وهو نمطٌ يعيد إلى الأذهان سياسات النظام السابق التي اعتمدت إدارة مركزية مغلقة للاقتصاد، وأنتجت شبكات اعتماد هشّة بدلًا من تنمية مستدامة. هذا التشابه لا يمرّ من دون أثر سياسي، إذ يُغذّي شعورًا بأن التغيير الذي شمل البنية السياسية لم يواكبه تحول موازٍ في فلسفة الحكم الاقتصادي.
ضمن هذا الفراغ، ينجح الشيخ غزال في ربط التدهور الاقتصادي بالسياسة المركزية، مقدّمًا خطابًا يُحمّل الدولة مسؤولية مباشرة عن تراجع فرص العمل وتآكل سبل العيش، ومروّجًا لفكرة أن السيطرة المحلية على الموارد وإدارتها خارج إطار المركز هي الضمانة الوحيدة للاستقرار والرفاه. وبهذا، تتحول المطالب الاقتصادية من قضايا معيشية قابلة للمعالجة ضمن سياسات عامة عادلة، إلى مداخل سياسية تمسّ شكل الدولة ذاته وتوزيع السلطة فيها، في مسار يعيد إنتاج العلاقة نفسها بين التهميش الاقتصادي والتعبئة الهوياتية التي طالما شكّلت أحد مرتكزات الاستقرار القسري في العهد السابق.
بذلك، لا يمكن فهم صدى خطاب الفوضى بمعزل عن هذه الفجوات المتراكمة. فحين تفشل الدولة في تقديم عدالة شاملة، وتتعامل مع الغضب الاجتماعي بأدوات جزئية ومترددة، وتترك الاقتصاد المحلي رهينة الغموض، فإنها تفتح المجال أمام فاعلين بديلين لملء الفراغ. في هذه اللحظة، لا يبدو غزال مجرد محرّض، بل يتحول في نظر أنصاره إلى تعبير عن عجز الدولة نفسها، وهو ما يجعل مواجهته الأمنية أو الخطابية غير كافية، ما لم تُعالج الأسباب البنيوية التي سمحت لخطابه بالانتشار والتجذر.
ثالثًا: السيناريوهات المحتملة لمسار الأزمة
استنادًا إلى تصاعد حدة الخطاب في 28 كانون الأول/ ديسمبر، وما رافقه من تفاعلات حكومية وأهلية، يمكن استشراف ثلاثة مسارات محتملة لمستقبل هذا الصراع، لكل منها شروطه وتداعياته المختلفة.
السيناريو الأول: الاحتواء عبر تسوية شاملة
يفترض هذا المسار أن تنجح الحكومة في تحييد الشيخ غزال غزال سياسيًا، عبر الاستجابة المباشرة لمطالب الحاضنة الاجتماعية في الساحل، من دون الذهاب إلى تبنّي الفيدرالية أو أي صيغة تمس وحدة الدولة. ويتطلب ذلك مقاربة جادة لملف العدالة، تقوم على البناء على ما أُنجز بالفعل من تشكيل لجان تحقيق خاصة، والشروع في محاكمات بحق متورطين في انتهاكات وقعت في الساحل، مع تعزيز هذه الجهود بمستويات أعلى من الشفافية، وتقديم معلومات منتظمة للرأي العام، وضمانات إجرائية واضحة لمحاكمات عادلة ومستقلة يستفيد منها جميع المتضررين. وإن تحويل هذه الإجراءات إلى مسار موثوق ومفهوم اجتماعيًا من شأنه أن يحدّ من الشكوك حول انتقائية العدالة، ويسحب الذرائع التي تُستخدم للطعن في نزاهة القضاء أو تصويره بوصفه أداة منحازة. ويستلزم هذا المسار الإسراع في الإفراج عن الموقوفين الذين يثبت عدم تورطهم في أي انتهاكات، وفق إجراءات قانونية واضحة وجدول زمني معلن، بالتوازي مع توضيح أن هذا المطلب يصطدم بمزاج شعبي واسع في الساحل يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يرفض المساس بأي علويّ، بصرف النظر عن درجة تورطه، ويدعو إلى الدفاع عن جميع الموقوفين بوصفهم ضحايا جماعيين، وكأن الجرائم التي ارتُكبت على امتداد سنوات الثورة لم يكن لها فاعلون محددون أو مسؤوليات فردية. هذا التوتر بين منطق العدالة الفردية ومطلب الحماية الجماعية يجعل إدارة ملف الموقوفين شديدة الحساسية، ويضاعف من أهمية أن تقترن أي خطوة بالإفراج أو المحاكمة بحضور أمني منضبط يركز على حماية دور العبادة والأحياء المختلطة، ومنع انزلاق هذا الملف إلى صدام أهلي أو توظيف طائفي. نجاح هذا السيناريو مشروط أيضًا بقدرة الحكومة على ضبط خطابها السياسي والإعلامي، وتحييد أي نبرة طائفية قد تصدر عن مسؤولين فيها. في حال تحقق ذلك، من المرجّح أن يتراجع زخم الاحتجاجات تدريجيًا، وأن يفقد غزال موقعه بوصفه ممثلًا حصريًا للمظلومية، لينحسر تأثيره إلى دائرة محدودة.
السيناريو الثاني: الجمود المتوتر واستنزاف الدولة
يقوم هذا المسار على استمرار حالة المراوحة، حيث لا تنزلق الأوضاع إلى مواجهة مسلحة شاملة، ولا تنجح الحكومة في فرض تسوية سياسية أو اجتماعية حقيقية. في هذا الإطار، يحافظ غزال على وتيرة احتجاجات متقطعة، أسبوعية أو شهرية، تكفي لإبقاء التوتر قائمًا ولاستنزاف الموارد الأمنية والإدارية للدولة. وتتحول مدن الساحل، ولا سيما اللاذقية وطرطوس، إلى مناطق هشّة أمنيًا، تتسع فيها دعوات العصيان المدني، وتتراجع قدرة الحكومة على فرض القانون أو تحصيل الإيرادات بصورة كاملة. هذا الوضع لا يهدد الدولة بالانهيار الفوري، لكنه يرفع كلفة الحكم ويقوّض هيبته تدريجيًا، ويمنح غزال هامش مناورة مستمرًا لابتزاز تنازلات إدارية أو مالية، من دون تحمّل تبعات المواجهة المباشرة.
السيناريو الثالث: الانفجار الأمني والتحول نحو نموذج الإدارة المنفصلة
يفترض هذا المسار أن يؤدي حادث أمني جديد، كاغتيال شخصية بارزة أو سقوط عدد كبير من الضحايا خلال تفريق احتجاجات، إلى كسر الخطّ الفاصل بين الاحتجاج السلمي والعنف المنظم. وفي هذا السياق، لا بد من التذكير بأن الساحل السوري، ولا سيّما مدينتي اللاذقية وطرطوس، ليس فضاءً أحادي المكوّن، بل يضم جماعات دينية واجتماعية متعدّدة، ما يجعل أي انزلاق نحو العنف خطرًا لا يقتصر على مواجهة بين السلطة وحراك احتجاجي، بل يهدد باندلاع صدام شعبي أفقي بين المكوّنات نفسها، وهو أكثر السيناريوهات كارثية.
في ظل الانتشار الواسع للسلاح في الساحل، قد يتطوّر الحراك سريعًا إلى تمرّد مسلّح، ويدفع غزال أو محيطه إلى إعلان شكل من أشكال الإدارة الذاتية من جانب واحد، مستلهمين نماذج قائمة في مناطق أخرى من البلاد. وقد يترافق ذلك مع بناء تحالفات تكتيكية مع قوى داخلية أو خارجية تشترك في القلق من المركزية. هذا المسار سيضع الحكومة أمام خيار عسكري بالغ الكلفة، سياسيًا وإنسانيًا، وسيعيد البلاد إلى مناخ صدام أهلي مفتوح متعدد الأطراف، بما يحمله من مخاطر تدويل الصراع، وتفكك ما تبقى من المسار الانتقالي الهش، وتهديد السلم الأهلي، في واحدة من أكثر المناطق حساسية اجتماعيًا.
خاتمة
كشفت أحداث 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025، بما حملته من احتجاجات واسعة واشتباكات محدودة في مدن الساحل، أن ما يُسمّى بـ “مشكلة الساحل” لا يمكن اختزاله في اضطراب أمنيّ عابر أو جيب جغرافي قابل للاحتواء عبر صفقات ظرفية أو تسويات محلية محدودة، وأنّ جوهر الأزمة أعمق من ذلك بكثير؛ إذ يرتبط مباشرة بمسألة الدولة السورية الجديدة: كيف تُدار، ولمن تُدار، وعلى أي تعريف للمواطنة تُبنى؟ وقد أظهرت هذه الأحداث أن مرحلة ما بعد سقوط النظام لم تُنتج بعدُ إطارًا جامعًا يشعر فيه جميع المكونات بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات، بل كشفت عن استمرار فجوات عميقة في الثقة بين المركز وأطرافه، ولا سيّما في البيئات التي خرجت من التحوّل وهي مثقلة بالخوف والذاكرة الدموية. وفي هذا السياق، تطرح الأزمة سؤالًا يتجاوز الساحل ليشمل المجتمع السوري بأكمله: هل ستنقاد كل جماعة، عند أول اختبار أمني أو سياسي، إلى الدفاع الأعمى عن المنتمين إلى مكوّنها، بغضّ النظر عن قواعد العدالة والمساءلة القانونية الواجبة بحقّ من ارتكبوا جرائم وانتهاكات، أيًا كانت هويتهم، وضدّ أي مكوّن كان الضحايا؟ أم أن الدولة الجديدة ستكون قادرة على ترسيخ منطق مختلف، يقوم على المسؤولية الفردية، لا الحماية الجماعية، وعلى محاسبة عادلة لا تميّز بين مواطن وآخر؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحدد فقط مآلات أزمة الساحل، بل ترسم أيضًا مستقبل العقد الاجتماعي السوري برمّته، وإمكانية الانتقال من منطق الجماعات المتقابلة إلى منطق الدولة الجامعة.
في هذا السياق، استطاع غزال غزال أن يملأ فراغًا سياسيًا ونفسيًا تركته الدولة، لا عبر تقديم مشروع مؤسسي متكامل، بل من خلال استثمار هذا الفراغ وتحويله إلى منصّة تعبئة؛ حيث قدّم نفسه بوصفه حامي الهوية، وناطقًا باسم جماعةٍ تشعر بأن الدولة الجديدة لم تطمئنها ولم تُنصفها، وطرَح الفيدرالية بوصفها الحل السحري القادر على تبديد المخاوف الأمنية والاقتصادية والاجتماعية دفعة واحدة. ولا تكمن خطورة هذا الطرح في مضمونه فحسب، بل في السياق الذي يُطرح فيه، سياق دولة انتقالية لم تستكمل بعد بناء مؤسساتها، ولا تمتلك رواية جامعة قادرة على منافسة خطاب الخوف والاصطفاف.
إن استمرار الحكومة في التعامل مع مطالب الساحل من زاوية أمنية ضيقة، أو عبر توصيف الحراك بلغة التخوين، لن يؤدي إلا إلى تعميق القطيعة وإلى تعزيز شرعية الفاعلين الذين يبنون نفوذهم على هذا الشعور بالتهميش. وإن تجاهل فجوة العدالة، سواء عبر الاكتفاء بمقاربات انتقائية أو تأجيل ملفات الانتهاكات التي وقعت بعد سقوط النظام، يترك المجالَ مفتوحًا أمام سرديات بديلة تشكك في شرعية الدولة ذاتها، وتحوّل العدالة من قيمة جامعة إلى أداة صراع سياسي وهوياتي.
ولا يمرّ الطريق إلى تفكيك هذا “اللغم الطائفي” عبر المواجهة الأمنية ولا عبر المساومات المؤقتة، بل عبر مسار أكثر تعقيدًا وطولًا، يبدأ ببناء مؤسسات عدالة ذات صدقية وشمولية، تعترف بالضحايا جميعًا، وتضع حدًّا لمنطق المنتصر والمهزوم. ويتطلب هذا المسار أيضًا تبني نموذج حكم لامركزي إداري حقيقي، يركز على التنمية المتوازنة وتوزيع الموارد والسلطات الخدمية، من دون الانزلاق إلى لامركزية سياسية تفتح الباب أمام التفكك. وإن تشكيل دولة قادرة على الجمع بين العدالة والتنمية، وضمان الأمن المتساوي، يمكن أن يسحب البساط من تحت خطاب الفوضى، قبل أن يتحوّل هذا الخطاب، مع مرور الوقت، إلى واقع جغرافي وسياسي يصعب احتواؤه أو التراجع عنه.
[1] Syrian Alawites protest in coastal heartland after mosque bombing, published on December 28, accessed on December 28, 2025, https://english.alarabiya.net/News/middle-east/2025/12/28/syrian-alawites-protest-in-coastal-heartland-after-mosque-bombing
[2] Alawite Council Head urges protests for federalism in Syria, Shafaq News, published on December 27, accessed on December 28, 2025, https://shorturl.at/fe7w2
[3] مظاهرات في اللاذقية وطرطوس.. قتلى وجرحى من قوات الأمن والمدنيين، تلفزيون العربي، 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025، الرابط: https://shorturl.at/UD1ul
[4] المرسوم 20 لعام 2025: تأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، الذاكرة السورية، 17 أيار/ مايو 2025، شوهد في 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025، الرابط: https://shorturl.at/UzjZL
[5] اختبار الحقيقة والمساءلة: قراءة في تجربة لجنة تقصّي أحداث الساحل السوري، المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة، 17 آب/ أغسطس 2025، شوهد في 28 كانون الأول/ ديسمبر 2025، الرابط: https://shorturl.at/IGG72
تحميل الموضوع
مركز حرمون
—————————–
العبث بالنار/ نور الدين الإسماعيل
ديسمبر 28, 2025
أثار تفجير العبوة الناسفة في «مسجد علي بن أبي طالب» موجةً من السخط الشعبي، وتضامناً واسعاً مع عائلات الضحايا، وهي النقطة الإيجابية التي يمكن البناء عليها من حادثة وجريمة بشعة ومأساوية خلّفت ضحايا ومصابين، ليس من باب الطوباوية وإنما بحثاً عن القضايا التي تجمع السوريين أكثر من البحث عمّا يفرّقهم ويزيد تشرذمهم.
من ارتكب ويرتكب مثل هذه الجرائم هو يعلم جيّداً من يستهدف وكيف ومتى؟ لأن هدفه الرئيس ليس فقط الضحايا بأسمائهم، بل القصد استهداف المجتمع وإذكاء نار الحقد والطائفية، ليزيد ذلك المجتمع السوري – الهشّ أساساً – تفككاً، ما يحقّق له طموحاته بعدم استقرار الوضع في سوريا، وليس أسهل من اللّعب بوتر الطائفيّة في مجتمع يعاني من تراكمات بحاجة إلى الكثير من الوعي لتجاوزها، والانطلاق نحو بيئة اجتماعية جديدة سليمة.
استهداف المكوّنات المختلفة في مجتمع واحد لخلق حالة عدم استقرار ليس جديداً، فلبنان عانى في فترة ما بعد الحرب الأهلية من محاولات مشابهة لإعادة إشعال فتيل الحرب مجدداً سعياً وراء حالة عدم استقرار دائمة في لبنان، حاولت من خلالها الجهات التي تفتعل الفتن إيجاد موطئ قدم لا يمكن أن تجدها في حالة وجود لبنان قويّ ومتماسك.
ولم يكن العراق بعيداً عن ذلك السيناريو بعد سقوط حكم صدّام حسين، وارتفاع نبرة الخطاب الطائفيّ، وظهور محرّضين من الطوائف المختلفة الذين يتاجرون في المآسي والدماء، في حين لا يدفع الثمن سوى الأبرياء والفقراء الذين يذهبون وقوداً لا أكثر، بينما يجني المشغّلون ثمار خطاباتهم التحريضيّة، عبر صفقات ومؤتمرات وامتيازات.
وفي سوريا، يجب التفكير وفق قاعدة «من المستفيد»؟ قبل إطلاق الأحكام، وهو مبدأ استدلالي يُستخدم في التحقيقات الجنائيّة، وكثيرة هي الجهات والدول التي لا مصلحة لها باستقرار البلاد عقب هزيمة نظام الأسد، وهروب المخلوع وأمراء حربه ومرتزقته وداعميهم وخيبة أمل مشغليهم، وهذا ليس اتهاماً اعتباطياً أو توقعاً وتخميناً، بل تؤكده تقارير صحفية، وتفضحه تصريحات بعضهم التحريضية بين الحين والآخر استثماراً في الأزمات والأحداث، وذلك بعد فقدان امتيازاتهم في بلاد كانوا يديرونها على أنها مزرعتهم، وتشغيلاً لمدافعين عنهم وقت الطلب.
تلك الشخصيات والجماعات تجد في إذكاء نيران الطائفية مدخلاً سهلاً لتأزيم الوضع كلما شارف على الاستقرار، فيتفاجأ السوريون بأحداث تحمل بعداً طائفياً يدفع البسطاء للتمترّس وراء طوائفهم في مواجهة الآخرين.
قبل ما يزيد عن شهر، لم يجد مجرم جنائي في حمص سبيلاً لإبعاد الشبهة عنه بارتكاب جريمة قتل بحقّ زوجين مسنين سوى كتابة عبارة طائفية على جدار منزل الضحايا، والتي كادت أن تتسبّب باندلاع حرب أهلية لا تُبقي ولا تّذر، لولا تدخّل قوات الأمن الداخلي لضبط الوضع والمباشرة فوراً بالتحقيقات والتي أعلنتها وزارة الداخلية فور انتهائها.
لذلك، ليس أمام السوريين اليوم خيار سوى الوعي، لأنّه وبحسب قاعدة بناء الاتهام في القانون الجنائي، لا يجوز للقاضي أن يبني حكمه على مجرد الظنّ أو الاحتمال، بل يجب أن يستند إلى أدلّة قاطعة ومقنعة، ما يجعل المسؤولية كبيرة على المجتمع قبل أن يطلق الأحكام جزافاً، لأن الكلمة في هذه البلاد ثمنها الدماء والأرواح، واللّعب بنار الطائفية يعني هلاك الجميع وفناءهم، ولا رابح في معركة أطرافها أبناء بلد واحد ومدينة واحدة وحيّ واحد، ولنا في ما مضى عبرة يجب التوقّف عندها طويلاً، وأخذ الدروس من تجربتنا قبل تجارب غيرنا، فـ«دعوها فإنها منتنة».
—————————————
الساحل السوري على صفيح ساخن: غزال غزال يحرّك الشارع والأسئلة
الأحد 2025/12/28
في مشهد أعاد إلى الأذهان سنوات التوتر الحاد والعنف الطائفي التي عاشتها سوريا لسنوات طويلة، شيّع أهالي مدينة حمص ضحايا التفجير الذي استهدف مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب، في حادثة هزّت المجتمع المحلي وأعادت فتح جراح لم تندمل بعد. وُوري خمسة من الضحايا الثرى في مقبرة الفردوس وسط المدينة، فيما نُقلت جثامين ضحايا آخرين إلى مساقط رؤوسهم في مناطق مختلفة من البلاد، في دلالة واضحة على الامتداد الجغرافي للألم، وعلى هشاشة اللحظة السورية الراهنة.
وشارك في مراسم التشييع المئات من أهالي حمص، إلى جانب شخصيات دينية واجتماعية وممثلين رسميين وشعبيين، وسط انتشار أمني مكثف. وفي وقت لاحق، أعلنت جماعة تطلق على نفسها اسم “أنصار السنة” تبنّيها التفجير، الأمر الذي رفع منسوب القلق والمخاوف من عودة العنف المنظّم، ولو بأشكال متقطعة، إلى المشهد السوري، في مرحلة انتقالية لم تتبلور معالمها السياسية والأمنية بعد.
انتقال الغضب إلى الشارع
في اليوم نفسه، خرج غزال غزال، الذي يقدّم نفسه بوصفه “المرجعية الروحية العليا للطائفة العلوية” ورئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، بدعوة جديدة لاعتصامات سلمية، هي الثانية من نوعها، حدّد موعدها يوم الأحد، من الساعة الثانية عشرة ظهراً حتى الخامسة عصراً، في “جميع الساحات”.
الخطاب الذي رافق الدعوة جاء عالي النبرة، كثيف الاستعارات، مشحونًا بلغة تعبئة جماهيرية واضحة، إذ قال: “غداً سيكون طوفاناً بشرياً سلمياً يملأ الساحات… لن نركع، ولن تعبر مشاريعهم فوق أجسادنا… نحن غضب الكرامة حين يفيض، نحن بركان حق إذا انفجر لا يخمد… إما أن نكون على هذه الأرض جذوراً لا تُقتلع، أو لا نكون”.
وبالرغم من التأكيد المتكرر في الخطاب على سلمية التحرك، إلا أنه حمل في طياته قدراً كبيراً من الوعيد الرمزي، ما فتح باب التأويل واسعاً حول مآلات هذا النوع من التعبئة، ولا سيما في سياق سياسي واجتماعي مشحون أصلاً.
وفي الاعتصام الأول الذي دعا إليه غزال، لم تُسجّل أعمال عنف واسعة، واقتصرت التداعيات على سقوط عدد محدود من الجرحى، وسط إجراءات أمنية مشددة وحماية وفّرتها قوات الأمن العام للمتظاهرين. غير أن الدعوة الثانية جاءت في توقيت أكثر حساسية، تزامناً مع تصاعد الاحتقان داخل أوساط من أبناء الطائفة العلوية، ومع تحركات إقليمية ودولية غير معلنة، ما دفع كثيرين إلى التحذير من احتمال انفلات الأمور وخروجها عن السيطرة.
تحريض مقنّع؟
يطرح خطاب غزال غزال إشكالية مركزية تتمحور حول كيفية التوفيق بين دعوة معلنة إلى السلم الأهلي ورفض الحرب الأهلية من جهة، وبين استخدام مفردات عالية التوتر من قبيل “البركان” و”الطوفان” و”قلب الموازين” من جهة أخرى. هذا التناقض الظاهري يدفع إلى توصيف الخطاب بوصفه تعبوياً بامتياز، وقابلاً لتأويلات متعددة لدى جمهور يعيش، في الأصل، شعوراً متزايداً بالتهديد والتهميش.
وتتفاقم هذه المخاوف في ظل ما يُتداول عن تحركات لفلول النظام السابق، ومحاولات لاستثمار مناخ الغضب والخوف السائد داخل الساحل السوري، بهدف جرّ المنطقة إلى مواجهة دموية طويلة الأمد. وفي هذا السياق، يُعاد تقديم الساحل بوصفه “آخر المعاقل” التي ينبغي الدفاع عنها، أو كورقة ضغط في صراعات إقليمية أوسع. من هنا، يبرز تساؤل مشروع: هل يجري توظيف الخطاب الديني ــ الهوياتي كأداة لتفجير صراع جديد، أم أن الأمر لا يتعدى كونه محاولة لفرض تمثيل سياسي ــ طائفي مستقل في مرحلة انتقالية شديدة الهشاشة؟
تحول سياسي
أقام غزال في محافظة اللاذقية حتى شباط/ فبراير 2025، غير أن تصاعد الأحداث في الساحل السوري ترافق مع ظهور معلومات متضاربة حول مغادرته البلاد، وسط ترجيحات غير مؤكدة عن وجوده في فرنسا. ويضيف هذا الغموض طبقة جديدة من التساؤلات بشأن طبيعة تحركاته، والجهات التي قد تقف خلفه، وما إذا كان يتحرك ضمن شبكة دعم سياسية أو مالية عابرة للحدود، أم يعتمد أساساً على حضور رمزي وخطاب تعبوي في التأثير على الشارع.
برز اسم غزال غزال بقوة في المرحلة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بوصفه أحد أكثر الوجوه الدينية العلوية حضوراً في الفضاء العام. ففي بدايات المرحلة الانتقالية، اتخذ موقفاً حذراً ومتوّجساً من الحكومة الجديدة، من دون أن يذهب إلى معارضتها بشكل كامل. غير أن هذا الموقف لم يلبث أن تحوّل إلى تصعيد واضح، ولا سيما عقب أحداث الساحل السوري في آذار/مارس 2025، حيث انتقل إلى موقع المعارضة الجذرية، رافضًا الاعتراف بشرعية الحكومة الحالية، ومطالبًا بتدخل دولي في الشأن السوري.
وُلد غزال عام 1962 في قرية تلا بمنطقة الحفّة في الريف الشرقي لمحافظة اللاذقية، وهو نجل وهيب غزال، رجل الدين المعروف في البلدة، الأمر الذي أسهم في تشكيل خلفيته الدينية المبكرة. تلقّى تعليمه الأساسي في الحفّة، ثم تابع دراسته الثانوية في مدينة اللاذقية، قبل أن يلتحق بكلية الشريعة في دمشق. ولاحقاً، سافر إلى لندن، حيث درس في “الجامعة العالمية للعلوم الإسلامية”، التي أسسها علي الشهرستاني عام 1988، وحصل منها على شهادة في الشريعة الإسلامية.
وبعد عودته إلى سوريا، عمل مدرساً في مدينة اللاذقية، وتولّى إمامة وخطابة مسجد محمد الباقر. ومع مرور الوقت، بدأ يقدّم نفسه بوصفه “مفتي الطائفة العلوية”، معتبراً أن هذه الصفة تمنحه شرعية ومرجعية دينية داخل الطائفة. غير أن هذا الادعاء أثار جدلاً واسعاً، في ظل غياب بنية دينية هرمية متفق عليها لدى العلويين، على غرار المؤسسات الدينية المعروفة في الطائفتين السنية أو الشيعية.
القطيعة
تُعدّ مسألة رفض غزال غزال الاعتراف بلجنة تقصّي الحقائق، التي شكّلتها الحكومة الجديدة للتحقيق في أحداث الساحل السوري، إحدى أبرز محطات التحوّل في خطابه السياسي والديني. فقد ذهب إلى توصيف الحكومة بوصفها “منظومة إرهابية متكاملة تتبع ديناً مشوّهاً يقدّس سفك الدماء”، معتبراً أن اللجنة تفتقر إلى أي شرعية منذ لحظة الإعلان عنها. وأكّد، في أكثر من مناسبة، أن “المرجعية” التي يقول إنه يمثلها لا تعترف بهذه اللجنة، لا قبل صدور نتائجها ولا بعدها، ما يعكس قطيعة كاملة مع آليات التحقيق والمؤسسات التي أفرزتها المرحلة الانتقالية.
هذا الموقف التصعيدي وضع غزال في تقاطع سياسي وخطابي مع شخصيات دينية أخرى تتبنى مواقف معارضة للسلطة المركزية الجديدة، وفي مقدمتها حكمت الهجري، الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا. ويتقاطع الطرفان، وإن اختلفت السياقات والمرجعيات، في الدعوة إلى صيغ حكم لا مركزية أو فيدرالية، تُطرح بوصفها ضمانة لحماية حقوق “المكونات” المختلفة، ووسيلة لتفادي إعادة إنتاج هيمنة مركزية يُنظر إليها بعين الشك من قبل شرائح واسعة في المجتمعات المحلية.
ويعكس هذا التقاطع، في جوهره، تحوّلاً أوسع في خطاب بعض المرجعيات الدينية، من موقع المطالبة بالإصلاح ضمن إطار الدولة، إلى التشكيك بشرعية السلطة المركزية نفسها، والدفع نحو إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأطراف، في مرحلة تتسم بقدر كبير من الهشاشة السياسية والأمنية، وتفتح الباب أمام سيناريوهات متباينة لمستقبل البلاد.
الديموغرافيا كعامل ضغط
لا تتوافر إحصاءات دقيقة ومُحدَّثة حول عدد العلويين في سوريا، غير أن معظم التقديرات تشير إلى أعداد تتراوح بين 1.7 و3 ملايين نسمة، أي ما بين 9% و15% من إجمالي السكان. ويتركز وجودهم بشكل أساسي في محافظتي اللاذقية وطرطوس، إضافة إلى تجمعات وازنة في دمشق وحمص وحماة. ويعكس هذا التباين في الأرقام غياب بيانات رسمية موثوقة منذ عقود، في ظل انعدام إحصاءات سكانية شاملة.
وفي تركيا، تفيد تقديرات متعددة بأن العلويين يشكّلون أكبر أقلية دينية في البلاد، بأعداد تتراوح بين 10 و25 مليون شخص، أي ما نسبته 15% إلى 25% من السكان، مع تركزهم في مناطق واسعة من الأناضول، ولا سيما في ولاية هاتاي. ويرى بعض المراقبين أن هذا الامتداد الديموغرافي قد يتحول، في حال تفاقمت الأوضاع في الساحل السوري، إلى عامل ضغط إقليمي، سواء عبر التضامن السياسي أو من خلال التأثير الإعلامي والرأي العام.
إلى أين يتجه المشهد؟
يبقى خطاب غزال غزال، بما يحمله من دعوات معلنة إلى السلم الأهلي ونبرة تهديد رمزية في آن واحد، أحد أبرز مؤشرات التحول العميق داخل شريحة من المجتمع العلوي، من موقع الصمت أو الاصطفاف القسري، إلى موقع المطالبة العلنية بحقوق سياسية وهويوية. غير أن خطورة اللحظة الراهنة تكمن في هشاشة التوازن القائم، وفي احتمال انزلاق الاحتجاجات السلمية إلى مسارات أكثر عنفاً، سواء بفعل الاستفزاز، أو التوظيف الخارجي، أو الحسابات الداخلية الضيقة.
وعليه، لا يقتصر السؤال المفتوح اليوم على: من يقف وراء غزال غزال؟ بل يمتد ليطرح تساؤلاً أوسع وأكثر إلحاحاً: هل يستطيع الشارع العلوي، ومعه بقية المكونات السورية، تحويل هذا الغضب المتراكم إلى مسار سياسي سلمي يجنّب البلاد جولة جديدة من الدم، أم أن سوريا تقف مرة أخرى على حافة هاوية خبرت كلفتها الباهظة جيداً؟
——————————
قتلى وعشرات المصابين خلال مظاهرات تخللتها اشتباكات في اللاذقية/ عبد الله البشير
28 ديسمبر 2025
أكدت مصادر لـ”العربي الجديد” مقتل 3 أشخاص، بينهم عنصر أمني، وإصابة العشرات، اليوم الأحد، خلال مظاهرات تخللتها اشتباكات في اللاذقية. وأشارت وكالة الأنباء السورية (سانا) إلى مقتل عنصر من قوى الأمن الداخلي برصاص مسلحين “من فلول النظام البائد” في اللاذقية، فيما شهدت عدة مناطق سورية تظاهرات تخللتها اشتباكات وإطلاق نار، احتجاجاً على التفجير الذي وقع في مسجد علي بن أبي طالب في مدينة حمص وسط البلاد، وأسفر عن مقتل 8 أشخاص وإصابة 19 آخرين. وجاء التحرك تلبية لدعوة عبر “فيسبوك” أطلقها رجل الدين غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سورية والمهجر.
وتجمع العشرات من المتظاهرين عند دوار السعدي في مدينة طرطوس، وفق ما أشار فراس علي، أحد المحتجين. وقال علي لـ”العربي الجديد” إن المحتجين طالبوا بالإفراج عن المعتقلين واللامركزية، واستنكروا التفجير في حي وادي الذهب في مدينة حمص ذي الغالبية من السوريين العلويين.
وقال مراسل “العربي الجديد” إن شخصًا أطلق النار على عناصر قوى الأمن التابعة لوزارة الداخلية في مدينة اللاذقية، قبل إلقاء القبض عليه. وشهدت مدينة جبلة تظاهرات مماثلة وفق ما أكد المدرس صبحي أحمد لـ”العربي الجديد”، حيث دارت اشتباكات بالحجارة بين مؤيدي الحكومة السورية ومعارضيها، ما أدى إلى سقوط عدد من الإصابات الطفيفة. وأضاف أحمد أن الأهالي في مدينة جبلة استيقظوا اليوم على عبارات وصفها بـ”المخزية” على جدران مدارس جبلة، منها “الأسد أو نحرق البلد، فيدرالية بقيادة النمر”، وهو لقب المدعو سهيل حسن، أحد ضباط النظام السابق، إضافة إلى عبارة “سرايا الجواد”.
من جانبه، أشار قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، العميد عبد العزيز الأحمد، إلى إصابة عدد من عناصر الأمن في مدينتي اللاذقية وجبلة بعد تعرضهم للاعتداء من قبل وصفهم بـ”العناصر الإرهابية التابعة لفلول النظام البائد”، مضيفاً أن سيارات تتبع للمهام الخاصة والشرطة تعرضت للتكسير. وتابع: “رصدنا خلال الاحتجاجات على دوار الأزهري في مدينة اللاذقية ودوار المشفى الوطني في مدينة جبلة وجود عناصر ملثمة ومسلحة تتبع لما يسمى “سرايا درع الساحل” و”سرايا الجواد” الإرهابيتين، المسؤولتين عن عمليات تصفية ميدانية وتفجير عبوات ناسفة على أوتوستراد M1″.
في المقابل، دعا وجهاء منطقة القرداحة في ريف اللاذقية، ولجان السلم الأهلي في المحافظة، في بيان مصور اليوم الأحد، إلى “عدم استغلال أرواح الناس لأجندات استخباراتية تريد المتاجرة بدماء أبناء الطائفة العلوية”. وجاء في البيان “تدعو هذه الأطراف إلى اعتصامات مغلفة بمطالب تتلبس ثوب الحق، إلا أنها تحمل في طياتها وجهاً طائفياً تقسيميّاً مقيتاً، وتظهر شعبنا بمظهر الداعي إلى الانقسام والتفرقة، وتعرض أمننا وأمن أهلنا إلى مخاطر لا نريد الانجرار وراءها”.
—————————–
احتجاجات الساحل تنزلق الى اشتباكات.. والجيش السوري ينتشر
الأحد 2025/12/28
إنزلقت التظاهرات التي كان دعا إليها الشيخ غزال غزال في الساحل السوري، إلى مواجهات مع عناصر الأمن، أسفرت عن مقتل 3 أشخاص، بينهم عنصر أمني، وإصابة العشرات، قبل يتدخل الجيش السوري الذي دفع بآليات ثقيلة إلى الشوارع، لضبط التوتر.
اشتباكات وملاحقات
وقالت مديرية الصحة في اللاذقية، إن 3 أشخاص قتلوا وأصيب 60 آخرين جراء “فوضى الاحتجاجات” الحاصلة في المحافظة، فيما أفادت الوكالة السورية الرسمية للأنباء “سانا”، بمقتل عنصر من الأمن السوري “برصاص مسلحين من فلول النظام البائد”.
وشهد دوار الأزهري وسط مدينة اللاذقية، اشتباكات بين عناصر الأمن السوري ومسلحين، قالت السلطات إنهم من “فلول النظام المخلوع”، حيث قام المسلحون باستهداف العناصر والمتظاهرين وسط الساحة، قبل أن يبدأ الأمن السوري بملاحقة المسلحين الذين فروا باتجاه حي الدعتور.
في غضون ذلك، قال “التلفزيون السوري” إن عناصر خارجة عن القانون استهدفت بالرصاص سيارات مدنية في قرية المحروسة بريف حماة الغربي، وإن قوى الأمن تنتشر في المكان لتأمين المدنيين.
ودفعت الاشتباكات، الجيش السوري للتدخل، حيث دفع بعدد من العربات المدرعة من أجل ملاحقة مطلقي النار، وأفادت منصات محلية بأن الجيش اعتقل عدداً منهم.
وأفاد مصدر أمني لـ”المدن”، بأن الهدوء التدريجي بدأ بالعودة إلى مدن الساحل السوري، وأن التظاهرات بدأت بالانفضاض بشكل تلقائي.
وزارة الداخلية
ونقلت “الاخبارية السورية” عن مصدر في وزارة الداخلية، قوله إن “مسلحين من فلول النظام البائد، استغلوا الوقفات الاحتجاجية لمهاجمة عناصر من قوات الأمن الداخلي بالرصاص الحي”، لافتاً إلى أن “الاعتداءات أسفرت عن سقوط شهداء وجرحى من عناصر الأمن المكلفين بحماية الاحتجاجات”.
وقال المصدر: “نهيب بأهلنا في الساحل عدم الانجرار وراء دعوات تحمل في ظاهرها طابع الاحتجاجات وهي تخفي وراءها نشاطات مسلحة”، لافتاً إلى “إلقاء القبض على عناصر من مجموعات مسلحة تتبع لفلول النظام البائد، يثبت الغاية من وراء الدعوات للاحتجاجات والتحريض على عناصر الأمن الداخلي”.
وأضاف: “ينفّذ عناصر الأمن الداخلي أقصى درجات ضبط النفس في مواجهة الاعتداءات المسلحة غير أن وزارة الداخلية لن تسمح بجرّ المشهد نحو الفوضى والعنف المسلح”.
إطلاق نار مباشر
وقال قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية العميد عبد العزيز الأحمد: “قواتنا الأمنية والمحتجون، تعرضوا قبل قليل، لإطلاق نار مباشر من جهة مجهولة، انطلقت من حي المشروع العاشر، أثناء تواجدهم على دوار الأزهري وأوتوستراد الجمهورية في مدينة اللاذقية، مما أسفر عن وقوع إصابات في صفوف المدنيين وعناصر الأمن”.
وأضاف: “استهدفت مجموعة مسلّحة متخفّية ضمن الاحتجاجات إحدى نقاط المهام الخاصة المكلّفة بحمايتها، عبر إلقاء قنبلة هجومية، مما أدى إلى إصابة عنصرين من قوى الأمن الداخلي”.
وكانت قوات الأمن السوري تقوم بحماية التظاهرات التي دعا إليها رئيس “المجلس الإسلامي العلوي في سوريا والمهجر” الشيخ غزال غزال، حيث تظاهر المئات في مدينتي اللاذقية وطرطوس وبانياس وبعض القرى في أرياف المحافظتين ومحافظتي حمص وحماة.
بيان من غزال غزال
وفي أعقاب تلك الحوادث الأمنية، أصدر غزال بياناً دعا فيه المتظاهرين إلى العودة إلى بيوتهم، زاعماً أن المتظاهرين تعرضوا للقتل والترهيب من قبل الأمن السوري.
وقال غزال إن “سلطةُ الأمر الواقع كشفت عن حقيقتها القمعية، مؤكدةً أنها لا تمثل دولةً ولا تحترم أبسط مقوماتها، إذ واجهت مدنيين عُزّل خرجوا للمطالبة بحقوقهم المشروعة بكل أشكال الإرهاب والترهيب. نحر وقتل ورصاص ودهس وترهيب واعتقال وقمع”.
وأضاف: “ما جرى هو انتهاك فاضح وواضح للقوانين الإنسانية والمواثيق الدولية التي تكفل حرية التعبير والتظاهر السلمي، في مشهد يُدين الصمت الدولي ويحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية لكل من يتغاضى عنه”.
وتابع غزال: “إذ نؤكد حق الناس في التعبير السلمي، ندعو أبناء شعبنا إلى الحفاظ على سلامتهم والعودة إلى بيوتهم، مع تمسكنا المطلق بالحقوق المشروعة، ونطالب المجتمع الدولي بتحمّل مسؤولياته ووضع حدٍّ لهذه الانتهاكات الجسيمة”.
————————-
الجيش السوري يدخل اللاذقية وطرطوس إثر استهدافات لفلول النظام السابق
دمشق: «الشرق الأوسط»
28 ديسمبر 2025 م
بعدما شهدت تظاهرات الساحل السوري إطلاق نار من قبل ملثمين، وسقوط عشرات الإصابات، أعلنت وزارة الدفاع السورية عن دخول الجيش إلى اللاذقية وطرطوس.
وأكدت إدارة الإعلام والاتصال بوزارة الدفاع في بيان مساء الأحد أن «مجموعات من الجيش مدعومة بآليات مصفحة ومدرعات دخلت مراكز مدن اللاذقية وطرطوس بعد تصاعد عمليات الاستهداف من قبل مجموعات خارجة عن القانون باتجاه الأهالي وقوى الأمن». كما شددت على أن «مهمة الجيش حفظ الأمن وإعادة الاستقرار بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي».
وكانت وسائل إعلام سورية أفادت اليوم الأحد، بمقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 48 آخرين جراء إطلاق نار من قبل مسلحين تابعين للنظام السابق على قوات الأمن والمواطنين في اللاذقية وطرطوس بالساحل الغربي للبلاد.
وذكر التلفزيون الرسمي أن عنصراً من قوات الأمن قتل وأصيب آخرون على الهجوم عليهم خلال حمايتهم احتجاجات في مدينة اللاذقية.
وكان قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، العميد عبد العزيز الأحمد، قد صرح في وقت سابق اليوم، بوقوع اعتداء من بعض العناصر الإرهابية التابعة لفلول النظام البائد على عناصر الأمن الداخلي في اللاذقية وجبلة خلال المظاهرات التي دعا لها المدعو غزال غزال؛ ما أدى لإصابة بعض العناصر الأمنية وتكسير سيارات تتبع للمهام الخاصة والشرطة.
وأضاف الأحمد: «تم رصد عناصر ملثمة ومسلحة خلال الاحتجاجات في دوار الأزهري في اللاذقية ودوار المشفى الوطني في جبلة»، مضيفاً أن هذه العناصر تتبع لما يُسمى خلية «سرايا درع الساحل» وخلية «سرايا الجواد» الإرهابيتين، المسؤولتين عن عمليات تصفية ميدانية وتفجير عبوات ناسفة على أوتوستراد M1، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية (سانا).
وكانت وزارة الداخلية السورية قد أعلنت القبض على أحد أعضاء خلية «سرايا الجواد» بريف جبلة بالساحل السوري.
وقالت الوزارة، في بيان صحافي اليوم: «استكمالاً للعملية الأمنية التي نفَّذتها قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية ضد ما تُسمى خلية (سرايا الجواد) الإرهابية التابعة للمجرم سهيل الحسن في قرية دوير بعبدة بريف جبلة، تمكَّنت مديرية الأمن الداخلي في منطقة جبلة من القبض على المدعو باسل عيسى علي جماهيري، أحد أعضاء الخلية».
وبيّن أن الخلية متورطة في تنفيذ عمليات اغتيال وتصفيات ميدانية، وتفجير عبوات ناسفة، إضافة إلى استهداف نقاط تابعة للأمن الداخلي والجيش العربي السوري، كما كانت تعمل على التحضير لاستهداف احتفالات رأس السنة الجديدة، بما يشكّل تهديداً مباشراً لأمن المدنيين وسلامتهم.
ولفت إلى أن العملية أسفرت عن إلقاء القبض على أحد أفراد الخلية ومقتل 3 آخرين، وضبط عبوات ناسفة وأسلحة متنوعة وذخائر مختلفة وسترات عسكرية مع استمرار الجهود لاستكمال تفكيك الخلية بشكل كامل، وضمان القضاء التام على امتداداتها.
وكانت وزارة الداخلية السوية قد أشارت إلى أنه «خلال التحقيق، اعترف المذكور بإخفاء كمية من الأسلحة والذخائر التي كانت تستخدمها الخلية الإرهابية في استهداف مواقع الأمن الداخلي والجيش».
حيث توجّهت فرق مختصة، استناداً إلى تلك الاعترافات، إلى المواقع المحددة، وضبطت أسلحة رشاشة وذخائر متنوعة جرت مصادرتها.
ولفتت إلى أن «فرقاً مختصة توجَّهت، استناداً إلى تلك الاعترافات، إلى المواقع المحددة، وضبطت أسلحة رشاشة وذخائر متنوعة جرت مصادرتها»، موضحة أن «المقبوض عليه أُحيل إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية اللازمة بحقه».
وتأتي هذه العملية في إطار الجهود الأمنية المتواصلة في ملاحقة الخلايا التابعة لنظام الأسد، وحماية المواطنين السوريين وصون الأمن والاستقرار في سائر أنحاء سوريا.
—————————–
علويون يتظاهرون في الساحل السوري: ملثمون واحتكاكات مع الأمن
الأحد 2025/12/28
شهدت مدن وقرى في الساحل السوري وحمص وحماة، اليوم الأحد، استجابة محدودة لدعوة التظاهر ضد الحكومة السورية التي أطلقها رئيس “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر” الشيخ غزال غزال، تخللها مناوشات مع متظاهرين داعمين للحكومة، واعتداءات على عناصر الأمن السوري، وظهور عناصر لما يُعرف بـ”سرايا الجواد” و”سرايا درع الساحل” ضمن صفوف المتظاهرين السلميين.
مناوشات بين المتظاهرين
وأظهرت صور ومقاطع مصورة، تظاهر العشرات عند دوار الزراعة والأزهري في مدينة اللاذقية، هتفوا من أجل إخراج “المعتقلين” من سجون الحكومة السورية، كما طالبوا بالفيدرالية واللامركزية، وكذلك كان الحال في مدينة جبلة وبعض القرى في ريف المحافظة.
إلا أن مدينتي اللاذقية وجبلة، شهدتا تظاهرات مضادة للتي دعا إليها غزال، رفع فيها المتظاهرون شعارات داعمة للحكومة السورية، قبل أن تبدأ المناوشات والعراك بالأيدي والتراشق بالحجارة بين المتظاهرين المناهضين والمؤيدين للحكومة، تدخل على إثرها عناصر الأمن للفصل بينهم.
وأصيب في تلك الإحتكاكات، عدد من عناصر الأمن السوري، جراء التراشق بالحجارة، فيما لم تُعرف هوية الطرف الذي تعمّد إصابة قوى الأمن السوري، وسط ظهور لملثمين ضمن صفوف المتظاهرين المؤدين للشيخ غزال، كما أظهر مقطع مصور.
حمص وحماة وطرطوس
وفي نفس السياق، شهد حي وادي الذهب في مدينة حمص استجابة العشرات لدعوة غزال، حيث رفعوا لافتات وهتافات تضامنية مع ضحايا تفجير مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب، كما طالبوا بالإفراج عن “المعتقلين” من الطائفة العلوية في سجون الحكومة السورية.
وكذلك، شهدت بلدات في ريف حماة، أبرزها مصياف، تظاهرات شارك فيها العشرات، كما تظاهرات العشرات في دوار السعدي في مدينة طرطوس، حيث هتفوا للتضامن مع ضحايا تفجير المسجد في مدينة حمص، كما حملوا لافتات لنفس المطالب في حمص واللاذقية.
عناصر ملثمة
وعلى الرغم من الاستجابة المحدودة لدعوة غزال، سواء لجهة الأعداد أو التوزع الجغرافي، عكس ما كان عليه الحال في الاستجابة لدعوة التظاهر في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، برز مشهد استثنائي قبل وأثناء التظاهرات المؤيدة لغزال.
تمثّل المشهد الأول بانتشار كتابات مؤيدة لنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد على جدران بعض المدارس، حملت توقيع ما يعرف بـ”سرايا الجواد”، كما حملت في طياتها تهديداً مثل عبارة “الأسد أو نحرق البلد”. وسبق لـ”سرايا الجواد” أن تبنت استهداف دوريات للأمن السوري، الذي بدوره أعلن في أكثر من مناسبة اعتقال عدد من أفرادها في الساحل السوري.
أما المشهد الثاني، فتمثل في ظهور عناصر ملثمة في مقطع مصور عرّفت عن نفسها أنها من “سرايا الجواد” و”سرايا درع الساحل”، وكانوا ضمن صفوف المتظاهرين السلميين في مدينة اللاذقية.
ويتقاطع المشهدان، في إعلان قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية، العميد عبد العزيز الأحمد، “رصد تواجد عناصر ملثمة ومسلحة تتبع لما يسمى “سرايا درع الساحل” و”سرايا الجواد” الإرهابيتين، المسؤولتين عن عمليات تصفية ميدانية وتفجير عبوات ناسفة على أوتوستراد “إم-1″، وذلك على دوار الأزهري في مدينة اللاذقية، ودوار المشفى الوطني في مدينة جبلة”.
وأضاف الأحمد: “أقدم مسلحون خلال الاحتجاجات التي دعا إليها غزال غزال في دوار الأزهري بمدينة اللاذقية على إطلاق النار في الهواء، فيما قامت عناصر الأمن الداخلي باحتواء الموقف”.
كما قال “التلفزيون السوري” إن محتجين اعتدوا على عناصر قوى الأمن الداخلي وارتكبوا أعمال تخريب وحرق آليات في دوار الأزهري في اللاذقية، كما نشر صوراً لآليات محترقة تعود إلى الأمن والشرطة.
————————–
تحمل أبعادا طائفية.. وجهاء القرداحة يطالبون بعدم الانجرار وراء الدعوات للاعتصام
2025.12.28
أصدر وجهاء وأهالي مدينة القرداحة في ريف محافظة اللاذقية اليوم الأحد، بياناً رسمياً عبر مقطع فيديو، رداً على الدعوات إلى اعتصامات ووقفات احتجاجية كان من المقرر تنظيمها اليوم.
وجاء في البيان، الذي حمل توقيع أعيان ووجهاء ومشايخ القرداحة وعموم لجان السلم الأهلي في المحافظة، توجيه رسالة إلى أهالي المنطقة من مدينة وريف القرداحة بعدم الانجرار وراء الدعوات للاعتصام، مؤكدين حرصهم على الوطن وضرورة المحافظة على وحدة المجتمع.
وأشار البيان إلى أنهم يترحمون على أرواح ضحايا مسجد “علي بن أبي طالب” في حمص، مؤكدين أن حرمة الدماء يجب أن تُحترم ولا يجوز استغلالها.
وحذر الوجهاء في بيانهم من استغلال الحالة الوظيفية لأبناء المنطقة، ومن أي محاولة لتحويلها إلى وسيلة لتحقيق أجندات استخباراتية خارجية ستؤدي إلى تفتيت المجتمع وإشاعة الطائفية، مشددين على أن مثل هذه الدعوات المغلفة بالمطالب الاجتماعية والسياسية، تحمل أبعاداً طائفية وتقسيمية، تهدد الأمن والاستقرار المحلي.
مؤشرات انفراج ودعوة للهدوء
وأشار البيان إلى أن هناك مؤشرات إيجابية على حدوث انفراجات التمسها الوجهاء، بدءاً من إطلاق سراح الموقوفين وعودة أبناء الطائفة إلى وظائفهم وتسوية شؤون العسكريين ومنحهم حقوقهم، مؤكّدين أن هذه المطالب عادلة ومحقة لهم ولأهالي المنطقة.
واختتم البيان بدعوة جميع الأهالي إلى التحلي بالهدوء وعدم الانجرار وراء الفتنة، داعين إلى التمسك بوحدة المجتمع والحفاظ على الأمن والاستقرار في المحافظة.
وكانت مظاهرات اليوم جاءت استجابةً لدعوة أطلقها الشيخ غزال غزال، رئيس “المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر” يوم أمس السبت.
————————-
مغردون يتساءلون: ما الرابط بين دعوة غزال وتحركات جنرالات الأسد؟
شهدت منصات التواصل الاجتماعي حالة من الجدل والنقاش الحاد، عقب دعوة غزال غزال، وهو رجل دين من الطائفة العلوية، إلى التظاهر احتجاجا على ما وصفه بـ”الانتهاكات التي تقوم بها الدولة السورية بحق أبناء الطائفة العلوية”، وفق ما صرّح به.
وبحسب عدد من المغردين، جاءت دعوة غزال بعد يومين من إلقاء السلطات السورية القبض على مجموعة من الضباط والعناصر في قوات نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد على الحدود السورية اللبنانية، وأيضا في أعقاب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية يفيد بأن جنرالات الأسد يخططون لتمرد في سوريا يضم نحو 168 ألف مقاتل.
أما وزارة الداخلية السورية فأعلنت عبر حسابها على منصة إكس أنه: “استكمالًا للعملية الأمنية التي نفذتها قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية ضد خلية ما يُسمى بـ”سرايا الجواد” الإرهابية، التابعة للمجرم سهيل الحسن، في قرية دوير بعبدة بريف جبلة، تمكنت مديرية الأمن الداخلي في منطقة جبلة من القبض على المدعو باسل عيسى علي جماهيري، أحد أعضاء الخلية”.
بتحديث تفضيلاتك لتتمكن من مشاهدته
وربط رواد مواقع التواصل بين هذه التطورات، معتبرين أن هناك من يسعى لدفع سوريا نحو الانقسام وإعادتها إلى مرحلة الفوضى، محذرين من مخطط يستهدف إشعال فتنة داخلية تؤدي إلى اقتتال داخلي وانقسام البلاد.
ودعا مغردون قوات الأمن العام إلى التعامل مع الأمر بأسلوب مشابه للتعامل مع المظاهرات السابقة، مع تجنب أي احتكاك مباشر بين المتظاهرين.
وأكد كثيرون أن ما يجري خلال أيام معدودة لا يمكن أن يكون مصادفة، بل يدار من غرفة عمليات تهدف إلى زعزعة الاستقرار في سوريا.
بينما عبر آخرون عن أسفهم لزج الشارع العلوي في مواجهة مع حكومة دمشق ومع الشارع المؤيد لها، معتبرين أن ذلك يوجه رسالة سلبية في وقت تحاول فيه الحكومة -بحسب وصفهم- استيعاب جميع الطوائف وبناء سوريا الجديدة.
وكتب ناشطون منتقدين دعوة غزال، وعتبروها خطوة خطيرة تمس استقرار البلاد، خصوصا أنها صادرة عن شخصية متهمة بالمشاركة في قتل سوريين.
وطالبوا الدولة باتخاذ الإجراءات القانونية بحق أي شخص يدعو لمثل هذه الدعوات، التي وصفوها بمحاولات لزعزعة الأمن وتقويض مؤسسات الدولة.
المحتوى غير متاح بسبب إعدادات ملفات تعريف الارتباط الخاصة بك
قم بتحديث تفضيلاتك لتتمكن من مشاهدته
وأكد سوريون دعمهم للحق والعدالة ضمن دولة موحدة ونظام قانون يحمي الجميع، ورفضهم لأي مشروع يسعى لتقسيم سوريا أو استغلال معاناة المواطنين لمصالح شخصية.
كما اعتبر آخرون أن هذه الدعوات لا تخدم العدالة ولا المصالحة، بل تهدد بإعادة إشعال الصراع، بعد أن جعل بشار الأسد شباب الطائفة وقودا لحربه، ليأتي -على حد وصفهم- أمثال غزال ويعيدوا إشعال النار من جديد.
وفي رسالة نشرها بعض المغردين إلى الدولة السورية وعناصر الأمن العام، قالوا إن: “الاعتصامات السلمية في المناطق المختلفة سيشارك فيها بعض أبناء الطائفة العلوية، لكن نسبتهم لا تتجاوز 2% من إجمالي الطائفة، التي يبلغ عددها نحو 4 ملايين. في الاعتصامات السابقة، كانت المشاركة محدودة جدا. نحن جميعا مع المطالب المحقة ونرغب في العيش بأمن وأمان، لكننا نرى أن التوقيت غير مناسب، ونرفض الاستجابة لدعوة غزال غزال الذي ظل صامتا 14 عامًا، ثم استيقظ متأخرا”.
في المقابل، ألقى آخرون باللوم على الحكومة السورية، معتبرين أن ما وصفوه بـ”الفشل السياسي” في إدارة ملف الساحل خلال الفترة الماضية، واختيار فادي صقر بدلا من إشراك شخصيات قادرة على ملء الفراغ داخل الطائفة العلوية، هو ما دفع بعض أفرادها للانجذاب نحو خطاب غزال أو حتى الخطابات الخارجية.
ا
وأشاروا إلى أن التأخر في حسم ملفات السويداء و”قسد”، مما جعل خيار اللامركزية السياسية أو الفدرالية يطرح بقوة لدى شريحة من أبناء الطائفة.
وكانت السلطات السورية أفرجت عن 69 موقوفا في اللاذقية بعضهم مرتبط بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
المحتوى غير متاح بسبب إعدادات ملفات تعريف الارتباط الخاصة بك
قم بتحديث تفضيلاتك لتتمكن من مشاهدته
المصدر: مواقع التواصل الاجتماعي
——————————
قتلى وعشرات الجرحى بهجمات “لفلول الأسد” على مظاهرات باللاذقية وجبلة
أفادت تقارير بسقوط قتلى وعشرات الجرحى في هجوم نفذه فلول من نظام المخلوع بشار الأسد على مظاهرات في مدينتي اللاذقية وجبلة.
وقد أعلنت الداخلية السورية اليوم الأحد مقتل شرطي وإصابة آخرين.
وأفاد مراسل “سوريا الآن” بمقتل 3 أشخاص وإصابة نحو 55 آخرين جراء أعمال عنف رافقت الاحتجاجات في اللاذقية.
وفي وقت سابق، نقلت وكالة سانا أن عنصرا من قوى الأمن الداخلي “استُشهد برصاص مسلحين من فلول النظام البائد في اللاذقية”.
وأعلنت الداخلية السورية، في وقت سابق، إصابة بعض عناصرها “في اعتداء إرهابيين من فلول النظام البائد خلال مظاهرات في اللاذقية وجبلة”.
وقد أكد مراسل الجزيرة حدوث إطلاق نار على قوات الأمن الداخلي السورية على دوار الأزهري في مدينة اللاذقية.
وأفاد المراسل بإصابة عنصرين من الأمن الداخلي في طرطوس إثر إلقاء مجهولين قنبلة يدوية على قسم العنازة في بانياس.
وقال قائد الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية العميد عبد العزيز الأحمد “رصدنا خلال الاحتجاجات على دوار الأزهري في مدينة اللاذقية ودوار المشفى الوطني في مدينة جبلة وجود عناصر ملثمة ومسلّحة تتبع لما يسمى “سرايا درع الساحل” و”سرايا الجواد” الإرهابيين”.
وأضاف أن هذين الفصيلين مسؤولان عن عمليات تصفية ميدانية “وتفجير عبوات ناسفة على أوتوستراد M1”.
وأوضح أن اعتداء اليوم حصل خلال الاحتجاجات التي دعا لها المدعو غزال غزال في مدينتي اللاذقية وجبلة، “مما أدى إلى إصابة بعض عناصرنا، وتكسير سيارات تتبع للمهام الخاصة والشرطة”.
المصدر: الجزيرة
—————————-
======================



