تشكيل الحكومة السورية الجديدةتطور الإقتصاد السوريسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

تطور الاقتصاد السوري تحديث 19-27 تشرين الأول 2025

لمتابعة الملف اتبع الرابط التالي:

تطور الإقتصاد السوري

—————————————-

تحديث 27 تشرين الأول 2025

——————————————

سوريا: اقتصاد الشاشات وزيف الواقع/ يامن صابور

27 تشرين الأول 2025

ليست العقوبات ولا تركة الحرب والفساد وحدها ما يخنق الاقتصاد السوري، بل هناك معطيات أخرى باتت تحوّل هذا الاقتصاد إلى مهرجانات إعلامية ومبادرات فردية. الاقتصاد السوري اليوم يزدهر في الفضاءات الافتراضية ويكاد ينعدم تقريبًا على أرض الواقع.

لا اقتصاد اليوم في سوريا. لقد انتقلت البلاد من اقتصاد الحرب القائم على منظومة متشابكة وهائلة من الفساد والمحاصصة والزبائنية إلى اقتصادٍ عشوائي قائم على سدّ الثغرات واستجداء الاستثمارات ومبادرات فردية وأشكال أخرى من المحاصصة وتقاسم النفوذ. كلا النموذجين فاشل، وكلاهما لا يمثلان اقتصادًا بالمعنى المستدام القادر على إقامة شبكات أمان اجتماعي وتحقيق تنمية مجتمعية ومادية ونمو متراكم.

ليس الانهيار الاقتصادي في سوريا، الذي يحتاج إصلاحه لمعجزات، مثار جدلٍ بالطبع. بعد نحو 14 عامًا من النزاع، تتفق تقارير معظم المنظمات الدولية ومراكز البحث المختصة على كارثية المشهد. تُقدّر الخسائر التراكمية في الناتج الإجمالي المحلي بنحو 800 مليار دولار أميركي، فيما يقبع نحو 90% من السكان تحت خط الفقر ويحتاج 75% منهم إلى نوع من المساعدة الإنسانية. كما تعرضت 50% من البنى التحتية للدمار، وهناك أكثر من 300,000 وحدة سكنية مدمرة بالكامل.

والبيانات لا تقف هنا، إذ فيها أيضًا ما يعرض دمار المستشفيات والمدارس وتهالك شبكات الطاقة وانفلات التضخم وضعف القوة الشرائية وخلاف ذلك. غير أننا لسنا بحاجة لأرقام البنك الدولي أو غيره من منظمات الأمم المتحدة أو المؤسسات الإنسانية لندرك المأساة. تكفينا نظرة فاحصة للشارع السوري أو حديث عابر مع أي سوري لنرى الفقر مجسدًا، ولنسمع عن المعاناة اليومية لتوفير لقمة العيش في أرض اليباب هذه التي تدعى سوريا.

ومع تسجيل عام 2025 “إخفاقات” متتالية في المجال السياسي، تمثلّت بمجازر هوياتية، ونكوصٍ للديموقراطية، وسيطرة للميليشيات على المؤسسات العسكرية والأمنية، وحصرٍ للسلطات في يد الرئيس المؤقت ومركزة للقرار ضمن حلقته الشخصية الضيقة، تجد السلطة في سوريا اليوم أن مخرجها يتمثّل في الاقتصاد. وحده تحقيق نجاح ما في المجال الاقتصادي قد يمكّنها من المحافظة على شيء من القبول، حتى داخل مجتمعاتها الموالية.

لكنّ العامل المشترك الذي يطبع معظم سياسات السلطة وتصرفاتها يتمثّل بالتركيز على الشكل أكثر من المضمون، وعلى الإعلام المخدّر أكثر من العمل المجدي. وكما بدأت حُكمها محمولةً على رافعة حملة علاقات عامة واسعة ومكثفة، تستمر السلطة اليوم في تسيير شؤون الدولة والمجتمع بالذهنية نفسها.

فوضى التفاؤل

بغطاء إعلامي تؤمنه مؤسسات محلية وإقليمية وجيوش إلكترونية على منصات التواصل الاجتماعي، يجري إغراق الفضاء العام بالفعاليات والتصريحات والإعلانات التي تجمعها عناصر الإبهار البصري والنفسي، ولكن من دون إنجازات مرافقة على الأرض تساوي ربع هذا الإبهار حتى. وهنا يكمن أحد أبرز وجوه الأزمة الاقتصادية في سوريا.

بعد فرار بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 واستيلاء “هيئة تحرير الشام” على السلطة في دمشق، تكرر ظهور بعض المسؤولين في الحكومة الجديدة على مختلف وسائل الإعلام خلال الأشهر الثلاثة الأولى للإدلاء بتصريحات ووعود حول الأوضاع الاقتصادية والمالية والخدمية على نحو خاص.

كان الحديث دومًا يدور حول شؤون تخص حياة السوريين اليومية بالفعل، قبل أن ينتقل مستوى التصريحات مع تولي الحكومة الجديدة الدفة ليتجاوز معيشة السوريين ويتناول الاستثمارات والمشاريع الضخمة. فخلال الفترة الأولى، برزت مثلًا تصريحات حكومية مبكرة حول زيادة قريبة للرواتب في القطاع العام بنسبة 400% تموّلها الخزانة العامة، وزيادة ساعات التغذية الكهربائية خلال فترة قصيرة عبر صيانة محطات التوليد وزيادة ضخ الفيول والغاز إليها، فضلًا عن استقبال سفينتي توليد للكهرباء قادمتين من قطر وتركيا.

انتظر السوريون زيادة الرواتب بنسبة 400%، فمرت الأشهر ولم تحصل. ومع نهاية حزيران/يونيو 2025، صدر مرسومان رئاسيان أقرا زيادة الرواتب والمعاشات التقاعدية بنسبة 200%. وبحسب وزير المالية، محمد يسر برنية، كانت تلك المرحلة الأولى التي ستليها مراحل زيادة نوعية تستهدف قطاعات بعينها كالقضاء والتعليم، ومرحلة ثالثة تتضمن إصلاح قانون الخدمة المدنية ووضع هيكلية مرنة للرواتب تراعي خصوصية كل وزارة.

وعلى الدرب ذاته تسير قضية الكهرباء. إذ لم تصل أي سفينة توليد كهرباء إلى الشواطئ السورية، علمًا أن واقع محطات التوليد وخطوط النقل وكميات الغاز بلغ حدًا من التدهور لا يمكن تحسينه بالتصريحات الصحفية ومنشورات “السوشال ميديا” فحسب. وبهدف تحسين الإمدادات، أعلنت وزارة الطاقة في شهر تموز/يوليو توقيع مذكرة تفاهم مع أذربيجان تقضي بتزويد سوريا بـ 3.4 مليون متر مكعب من الغاز يوميًا، عبر تركيا، ما سيساهم في رفع التغذية الكهربائية في البلاد بمعدل خمس ساعات إضافية. أيضًا انتظر السوريون تحسن التغذية الكهربائية، لكنّ أضواء منازلهم استمرت بالتذبذب والانطفاء لساعات طويلة من دون أي تغيير ملموس.

لم يفهم الوزراء – أو من يُطلب منهم الإدلاء بتصريحات مطمئنة – ضرورة تجنّب الخطاب العاطفي والحماسي والحرص عند قطع الوعود، بعد ما شهدته البلاد من تجارب خائبة. برغم المؤشرات الاقتصادية السلبية ونقص السيولة في الأسواق، فضلًا عن انتشار أخبار المبادرة السعودية القطرية الهادفة، بالشراكة مع “برنامج الأمم المتحدة الإنمائي”، إلى تمويل جزء من رواتب القطاع العام في سوريا، يُصر وزير المالية، محمد يسر برنية، في جميع تصريحاته ــــ بما فيها خطبة عاطفية ألقاها في جامع الإيمان بعد صلاة الجمعة تعهّد فيها بتقليد الخليفة عمر عبد العزيز الذي قضى على الفقر بسنتين وأربعة أشهر ــــ على أننا قادرون على بناء بلدنا بأنفسنا وبمواردنا، وأننا لا نحتاج لأحد ولا لأي مساعدة. دليل برنية في هذا الأمر، بحسب مقابلة له مع قناة “TRT عربي”، أن الدولة استطاعت تمويل الزيادات الأخيرة على الرواتب “من دون أن نحصل على مساعدات من الخارج، ومن دون أن نستدين من الخارج، (بل) بجهود ذاتية”، من أموال الخزينة العامة التي يتحسّن وضعها المالي باستمرار ــــ بحسب برنية الذي لم يدعم قوله بأي بيانات أو كشوفات مالية. 

ويمكن ببعض المتابعة ملاحظة كيف تسبق التصريحات الإيجابية إجراء أي مسوحات أو دراسات أو مراحل تنفيذ مبدئي وتجريب. فبعدما اضطرت وزارة الطاقة للاعتراف بأن تحسين واقع الكهرباء بشكل مستدام يتطلب الكثير من الوقت والجهد بسبب حالة منظومة التوليد والنقل والتوزيع، إضافةً إلى الضياعات والتجاوزات على الشبكة، ظهرت تسريبات تشير إلى عدم مطابقة الغاز المُستجَر من أذربيجان للمواصفات الفنية للمحطات السورية. ومع غياب الرد الرسمي الحاسم، واللجوء لتطمينات غير مباشرة عن طريق مستشارين حكوميين أو صحفيين، يبقى السوري في الظلام، فعليًا ومعنويًا. 

وربما ما من أحدٍ يمثل تيار الإيجابيات المطلقة بقدر وزير الاتصالات، عبد السلام هيكل. يجسر هيكل في جميع تصريحاته الصحفية الهوّة بين تحسين واقع السوريين التواصلي والتقاني على مستوى الحياة اليومية من جهة، وتطوير البنى التحتية للاتصالات كي تصل إلى درجة انفتاحها على استثمارات ذات عائد وربحية من جهة أخرى.

عقدة الاتصالات

لا شك أن قطاع الاتصالات يمثّل أحد القطاعات الاقتصادية الأكثر توليدًا للعائدات، خصوصًا في بلد على شاكلة سوريا التي عاشت سني الحرب في شبه انقطاع عن العالم، فضلًا عن توقف الاستثمار والتطوير في البنى التحتية التي تعرضت أصلًا للتخريب والسرقة والاهتلاك. بالتالي، فإن أي استثمار في القطاع قد يعود غالبًا بهوامش ربح لا بأس بها، وذلك مع أخذ ضعف القوة الشرائية للسوريين عمومًا بالاعتبار.

يدعم هذا التوقع حقيقة أن الاتصالات بأنواعها صارت جزءًا لا يتجزأ من عالم الأعمال والمهن، بالإضافة لبعض خصوصيات الحالة السورية مثل الحاجة لتفعيل تقنيات الدفع الإلكتروني والمعاملات الإلكترونية بسبب أزمات النقد والنقل، وتوسّع قاعدة المحترفين السوريين الذين يعملون عن بعد، وضرورة تأمين قاعدة اتصالات جيدة وموثوقة تدعم تشغيل الاستثمارات المأمولة.

لكنّ هيكل يذهب أبعد من هذا في تصريحاته الإعلامية، ليقول إن سوريا ستصبح مركز اتصالات متقدم في الإقليم يربط الغرب بالشرق ويستضيف مراكز بيانات لكبرى الشركات العالمية. ولهذا، طرحت الوزارة مشروع “برق نت”، وهو شبكة اتصال ألياف ضوئية إلى المباني (Fibre to the Premises)، لبناء وتشغيل وصيانة شبكة إنترنت عالية السرعة (broadband) لتطوير بنية الاتصالات المحلية. أما هدف الوزير الثاني، فقد خصص له مشروع “وصلة الحرير Silk Link” الذي “يحول سوريا والأردن والسعودية ممرًا للكابلات، بحيث تكون سوريا هي المدخل من أوروبا، والخليج هو المخرج إلى آسيا” بحسب “المجلة”، التي أتى عنوان مقابلتها مع هيكل ليعبر تمامًا عن سياسته: “هل تنتقل سوريا من “ثلاجة العزلة” إلى “عقدة اتصالات” عالمية؟”.

يراهن هيكل لتحقيق مشروعه الطموح على أمرين: موقع سوريا الجغرافي وخنقة ممر قناة السويس ــــ البحر الأحمر. لا شك أن موقع سوريا الوسيط يعد مثاليًا في ربطه بين البحر المتوسط ودول الخليج العربي والعمق الآسيوي. لكن قد لا يكون هذا العامل وحده كافيًا، خصوصًا بوجود بدائل تربط أوروبا وأفريقيا وآسيا، من أبرزها ممر قناة السويس والبحر الأحمر. ولكن على هذا البديل بالذات يقوم رهان هيكل.

في 7 أيلول/سبتمبر الماضي، تعرضت كابلات ضوئية عدة في البحر الأحمر قرب جدة، المملكة السعودية، للانقطاع. تسبب انقطاع الكابلات هذا ببطء في حركة البيانات بين أوروبا وآسيا، فيما أعلنت خدمة “مايكروسوفت” السحابية Azure زيادة في زمن الوصول (increased latency) في الشرق الأوسط وشبه الجزيرة الهندية خصوصًا. كان هذا الحادث الثاني خلال بضعة أشهر (وقع الانقطاع الأول في آذار/مارس 2025). ومع نموّ المخاوف من حوادث مشابهة، عادت خنقة هذا الممر لتتصدر الاهتمام الدولي.

تزدحم هذه المنطقة بالكابلات الضوئية، ومن أهمها كابل (SEA-ME-WE 4) الذي يربط سنغافورة بفرنسا بطول 18,800 كلم، وكابل (IMEWE) الذي يربط الهند بالشرق الأوسط وغرب أوروبا، وكابل (AAE-1) الذي يمتد بين فرنسا وهونغ كونغ ويربط نقاطًا محورية عدة في أفريقيا وآسيا وأوروبا، فضلًا عن كابلات أخرى تمتد جميعها على قاع البحر الأحمر وتعبر باتجاه المتوسط بجانب قناة السويس ويمر عبرها بحسب تقديرات بعض المصادر 90% من مجمل حركة البيانات بين أوروبا وآسيا.

اجتماع هذا العدد الكبير من الكابلات الحيوية جعل موقع Wired يسمي المنطقة “المكان الأكثر هشاشة على سطح الإنترنت”. فبالإضافة إلى كونها أحد أكثر الممرات المائية نشاطًا في العالم، ما يزيد من مخاطر تضرر الكابلات عن طريق السفن العابرة، فإن التوترات السياسية، خصوصًا تهديدات “الحوثيين” المتكررة عند مضيق باب المندب واحتمالات النشاط الزلزالي، ترفع جميعها من درجة المخاطر في هذا الممر.

يدفع هذا الواقع العديد من الدول وكبرى شركات التكنولوجيا والاتصالات إلى البحث عن خيارات أفضل، وهنا يريد هيكل أن يطرح سوريا في سوق البدائل عبر مشروع “سيلك لينك”.

تمر البيانات عبر نوعين من كابلات الألياف الضوئية، البحرية (submarine) والأرضية (terrestrial). تشكل الكابلات البحرية العمود الفقري للإنترنت، وتمر عبرها أكثر من 95% من حركة البيانات العالمية ــــ لا المحلية أو الإقليمية فحسب. وبالإضافة إلى ربطها القارات عبر المحيطات، فهي تعد الخيار الأفضل لتفادي إشكالات عبور حدود الدول (ما عدا تلك التي لا تملك منفذًا بحريًا) ولتقصير المسافات عبر تفادي التضاريس البرية.

تتصل الكابلات الأرضية بالبحرية عبر محطات إنزال شاطئية (cable landing stations)، فتزوّد شبكات الدول المحلية بالإنترنت، وقد تمتد في بعض الحالات إلى الدول المجاورة، وهو ما سيكون عليه “سيلك لينك” بحسب وصف وزارة الاتصالات. إذ يمتد المشروع “على مسافة تقديرية تبلغ 4,500 كيلومتر من الألياف الضوئية تشمل الربط الكامل بين المدن الرئيسية… مع مراكز تحويل في تدمر وفي المنطقتين الجنوبية والشرقية بالإضافة إلى نقطة وصول الكابلات البحرية في طرطوس. ويتضمن المشروع تفعيل نقاط اتصال إقليمية مع الدول المجاورة، العراق والأردن ولبنان وتركيا، بالإضافة إلى توفير مسار بري جديد يربط أوروبا بآسيا”.

العالم بالطبع لا ينتظر الحل السوري، بل يطوّر بدوره مسارات أخرى. أحد أكبر هذه المسارات وأكثرها طموحًا هو مشروع “الربط القطبي Polar Connect”.  برغم بعض الصعوبات المناخية والاستراتيجية، تطمح هذه المبادرة الإسكندنافية إلى إنشاء خط كابلات ضوئية بحرية عالية الاستطاعة لربط شمال أميركا بشمال أوروبا وشرق آسيا عبر الدائرة القطبية. تستكشف المبادرة، عبر “رؤية 2030” التي تطورها، حلّين: الأول، مسار مباشر يمر عبر جليد القطب الشمالي والثاني، مسار يعبر الممر الواقع بين كندا وغرينلاند.

يمثل “طريق الحرير الرقمي Digital Silk Road” خيارًا ثانيًا. يعد هذا المشروع جزءًا من “مبادرة الحزام والطريق” الصينية، وتشكل الكابلات الضوئية الممتدة عبر الجسر البري الأوراسي أحد أعمدته الأساسية. وعلى العكس من الخيار السابق الذي ما يزال في طور الدراسة والتخطيط، فإن هذا المشروع قائم ويعمل بالفعل، ولو أنه غير منتهٍ بسبب طبيعته المعتمدة على التطور المستمر وعلى إضافة مسارات ومراكز بيانات جديدة كلما سنحت الفرصة.

ولا يتشكل هذا الخيار من مسار كابلات واحد، بل من مشاريع متكاملة ومتفرعة عدة. تربط كابلات طريق الحرير هذا بين أوروبا وآسيا، من ألمانيا مرورًا بالقوقاز وصولًا إلى الصين ومناطق جنوب شرق آسيا، مع فروع تمتد إلى شبه الجزيرة الهندية. وهناك كابلات أخرى مخططة في أوروبا ستصل اليونان وإيطاليا بتركيا ثم تتابع طريقها لتصل أيضًا هونغ كونغ وشنغهاي.

مقارنة ممر البحر الأحمر ــــ قناة السويس وطريق الحرير الرقمي مع الممر السوري المفترض من حيث المسافة والكمون (latency) قد تعطي بعض الأفضلية لسوريا. لكنّ الأمر يعتمد على جملة من الافتراضات. فلو افترضنا أن الكابلات ستنطلق مباشرة من الساحل السوري لتعبر البادية باتجاه أقرب نقطة على الحدود العراقية، فإن المسافة ستكون نحو 500 كلم فقط بالمقارنة مع نحو 2,500 كلم لممر السويس ــــ البحر الأحمر، وما بين 4,000 و5,000 كلم للجزء من الجسر البري الأوراسي الذي يربط بين القارتين. في حالة كهذه، سيبدو الممر السوري أفضل بالكمون، حيث تزيد كل 1,000 كيلومتر من زمن الاستجابة ذهابًا وإيابًا (RTT) بمقدار 5 ميلي ثانية. وهو بالتالي أفضل أيضًا بتقصير المسافات وبالتالي بالتكلفة الإجمالية.

ولكن موضوع كابلات الإنترنت ليس بهذه المباشرة والبساطة، خصوصًا في بلد خارج من حرب مدمرة مثل سوريا، ومنطقة معقدة جيوسياسيًا مثل الشرق الأوسط. تعاني سوريا اليوم من تهالك بناها التحتية عمومًا وبنية الاتصالات خصوصًا، وهي بالتالي بحاجة إلى تطوير مكثّف لهذه البنية أولًا قبل إقامة أي وصلات عابرة للحدود. سيستغرق تطويرًا كهذا بضعة أعوام ويكلف ملايين الدولارات في بلدٍ شبه مفلس، فضلًا عن العديد من المسائل الأخرى المتعلقة بوضع العقوبات والعلاقات مع دول الممر والمدة اللازمة لتخطيط المسار ووضع الاتفاقيات الحدودية الخاصة به. كما يلعب غياب الاستقرار والأمن في نقطة معينة الدورَ الأكبر عند تخطيط مراحل المشاريع الاستراتيجية العابرة للقارات والحدود وإقرار تنفيذها. وهذا لا يجعل من سوريا الخيار “الأكثر أمنًا” بحسب الرئيس المؤقت أحمد الشرع، عندما شرح هو الآخر عن المشروع في مقابلته مع الإخبارية السورية، وخصوصًا عند مقارنته مع سائر الخيارات الأكثر أمنًا بالفعل.

إقليميًا، تمتلك إسرائيل الموقع الاستراتيجي نفسه كما سوريا، وبفضل اتفاقيات السلام والتطبيع، لم تعد ذلك البلد المعزول تمامًا عن محيطها الإقليمي كما كانت في السابق. وبالإضافة لامتلاكها علاقات استراتيجية راسخة بالشركات العالمية، وخبرات وشركات متقدمة في عالم الاتصالات والتكنولوجيا، يتوضع على سواحلها محطتي إنزال رئيستين، في حيفا وتل أبيب، لكابلات MedNautilus Submarine System وLev Submarine System على وجه الخصوص، التي تربط إسرائيل بأوروبا عبر إيطاليا.

لن يكون من الصعب تمديد هذه الكابلات لمسافة قصيرة خارج إسرائيل باتجاه عقدة عمّان. فعلى الطرف المقابل من الحدود، يتصل الأردن بشبكة كابلات أرضية مع العراق والسعودية. وتعمل الأخيرة جاهدة لتتحول إلى عقدة اتصالات إقليمية كجزء من توجهها العام بحسب “رؤية 2030”. أما العراق، فيحاول هو الآخر استغلال موقعه والاستقرار السياسي النسبي الذي يشهده كي يطور حضوره الإقليمي أيضًا.

في أيار/مايو 2024، جرى توقيع اتفاق تعاون بين العراق وتركيا بمشاركة الإمارات العربية المتحدة وقطر، يؤسس لتطوير مشروع “طريق التنمية” بقيمة 17 مليار دولار أميركي. يقوم المشروع على إنشاء ممر تجاري متعدد الوسائط يشمل سككًا حديدية وطرقات سريعة بطول 1,200 كلم تصل الخليج العربي بتركيا. وفي شق الاتصالات، سيشهد المشروع إنشاء ممر مواز لنقل البيانات عن طريق ألياف ضوئية عالية السرعة تنطلق من محطات إنزال في ميناء الفاو الكبير وتنطلق شمالًا باتجاه تركيا ومنها إلى عمق آسيا وأوروبا. سيشكل هذا المشروع عند اكتماله أحد البدائل لممر البحر الأحمر التي تتصف بسرعة استجابة أفضل وتقدم خيارات أوسع لإنشاء تفرعات على طول الطريق البرية بين القارتين.

وبهذا، إذا ما تجاوزنا التصريحات الإعلامية المعدّة لرفع المعنويات وإطالة أمد الصبر الشعبي، فإن سوريا ليست الخيار الوحيد أو الأمثل للربط بين الشرق والغرب. أما في الجانب الاقتصادي، فإن التفاصيل تصبح أقل ويزداد إبهام “سيلك لينك”، إذ من غير الواضح تمامًا كيف “ستستفيد” سوريا مباشرةً من هذا المشروع.

تُحصّل بعض الدول رسوم حق العبور (Right-of-Way fees) لقاء تمرير الكابلات في أراضيها، وكثيرًا ما يجري التخلي عن تلك الرسوم مقابل تعويضات عينية تتمثل في عقد شراكات مع مزودي الإنترنت المحليين وتطوير الشبكات الوطنية. هناك دولٌ أخرى تفرض رسومًا عالية عندما تحتكر ممرًا استراتيجيًا كما في حال ممر قناة السويس، إذ تفرض “المصرية للاتصالات” رسومًا عالية جدًا، بحسب بعض التقارير، تراها بعض الشركات أقرب للابتزاز، مما يشكّل سببًا أخر للبحث عن مسارات بديلة.

وبحسب مستندات “سيلك لينك”، سيقوم المشروع ضمن إطار شراكة بين القطاعين العام والخاص وسيبقى خاضعًا للسيادة السورية، تديره وتشغله “السورية للاتصالات” تحت الوصاية التشريعية لوزارة الاتصالات والتكنولوجيا. وبالتالي، فإن المشروع لا يقوم على شركات خارجية تستأجر أراض أو منشآت سوريّة أو تدفع لقاء حق تمرير الكابلات عبرها.

تشمل فوائد المشروع، بحسب مجمل التصريحات، تحسين خدمات الإنترنت المقدمة للسوريين وتعزيز التنمية الرقمية عمومًا، فضلًا عن خلق فرص العمل عبر جذب الاستثمارات في مجالات التكنولوجيا واستضافة مراكز بيانات (data centres) وخدمات سحابية (cloud services). في بلدٍ يشهد كارثة بيئية وطاقوية، فإن الانعكاسات السلبية لهذا الهدف الأخير تفوق فوائده الاستثمارية، في حال كان قابلًا للتحقق أصلًا. 

يذكر الوزير هيكل في مقابلاته أن المشروع سيفتح الباب أمام استضافة مراكز بيانات خاصة بشركات عملاقة، مثل “غوغل” و”ميتا” و”أمازون”. إقليميًا، تتوضع مراكز البيانات في الشرق الأوسط في دول الخليج وإسرائيل. لدى “غوغل” مراكز بيانات في تل أبيب والدوحة والدمام. ويجري في الأخيرة تطوير مركز ذكاء اصطناعي متقدم أيضًا بالشراكة مع صندوق الاستثمارات العامة السعودي. وتمتلك “خدمات أمازون ويب (AWS)” مراكز بيانات وحوسبة سحابية في إسرائيل والبحرين والإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى مراكز قيد الإنشاء في السعودية. أما “ميتا” فلا تملك أي مراكز بيانات في الشرق الأوسط ولا تخطط لإقامة أي مراكز في الإقليم.

على الصعيد التشغيلي، تحتاج مراكز البيانات الضخمة (hyperscale data centres)، التابعة لشركات التكنولوجيا الكبرى، إلى إمداد مستمر بكميات هائلة من الطاقة قد تصل إلى نحو 850 غيغاوات ساعي سنويًا. يمكن لهذه الكمية من الطاقة أن تنير بلدة صغيرة أو عشرات الآلاف من المنازل والمؤسسات والمستشفيات في أي من مدن سوريا التي تفتقر للكهرباء.

وبسبب عملها المستمر، تتطلب مراكز البيانات أيضًا تبريدًا مستمرًا. وفي البيئات الحارة، كما هو الحال في سوريا، تزداد الحاجة لتبريد المعالجات والمخدمات مع ارتفاع درجة حرارة المراكز. تتم عمليات التبريد عادةً عن طريق أنظمة تكييف الهواء، مما يرفع من كمية الطاقة اللازمة لتشغيل المركز، أو تبريد بالماء، مما يتطلب استخدام ملايين الليترات سنويًا، أو عبر نظام هجين من الأسلوبين. في بلدٍ يعاني من آثار التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة وشحٍ كارثي بالمياه ونقص بالطاقة، يعد مشروعاً كهذا نوعًا من الرفاهية المنطوية على جملة مفارقات سياسية وبيئية وكيانية، ويبدو أشبه بركوب على تريند من كونه استثمارًا نافعًا على المدى الطويل.

يتبدى إذًا “سيلك لينك” بكونه المشروع الحلم الذي يريد الوزير هيكل عبره ترسيخ إرثه، فيؤدي بهذا دور المثال الذي يعكس واقع معظم المشاريع المليارية التي يُحتفى بها اليوم. فما وراء الاستعراضات الإعلامية، يبدو هذا “المشروع” خطة طموحة تقوم معظم أجزائها على افتراضات وتنقصها الكثير من التفاصيل. ولكن هذه أمور ثانوية أمام شاعريّة أن “ندعو العالم للتواصل من خلالنا”، بحسب الوزير هيكل في مقابلته مع نشرة “سوريا بالأرقام”.

على هذا النسق، من الممكن تحليل وتفكيك الغالبية العظمى من المشاريع المطروحة. وعبر التدقيق بالمعلومات والتصريحات ومحاولة الوصول إلى البيانات الحقيقية، يبدو أن قسمًا معتبرًا من تلك المشاريع معدة للاستهلاك الإعلامي ــــ في الداخل والخارج ــــ وهي تأتي لتترجم خططًا ومشاريع رغب بعض الوزراء المختصين بتحقيقها طويلًا، وباتوا يشعرون اليوم بأن لديهم الحرية الكافية كي يضعوها موضع التنفيذ.

من يقرر؟

“الكل”. هذا كان جواب وزير الاقتصاد، نضال الشعار، على سؤال “من يرسم السياسة الاقتصادية في سوريا” في مقابلة أجراها معه برنامج “صالون الجمهورية” على شاشة “سوريا الآن”. فبحسب الشعار، العملية تشاركية تمامًا، حيث يقوم هو وباقي الوزراء بدور المرشد والمسير للسياسة الاقتصادية، فهم لا يصدرون الأوامر، بل يستمعون لأصحاب المصالح ويتشاورون معهم، ومن ثم يصدرون الأوامر اللازمة بناء على ما نتج من تلك العملية.

تبنّي أسلوب الإدارة هذا، بحسب الشعار، مرده الرغبة بالابتعاد عن الأسلوب “الأبوي والوصائي” الذي كان سائدًا من قبل. قد يكون هذا الشكل من الانسحاب والإدارة عن بعد جيد في اقتصاد متطور أو حتى اقتصادٍ نامٍ باستقرار. أما في اقتصاد منهار تظلله تركات ديكتاتورية طويلة ونزاع أهلي وتفكك مجتمعي، فهو غالبًا سيؤدي إلى ما نشهده من غيابٍ لرؤية تنموية مستدامة تضع خطة اقتصادية وطنية مركزية تنطوي على خطوات مدروسة وأهداف ومخرجات واضحة، وليس ردود فعل ومهرجانات وأمنيات ومفرقعات إعلامية.

تشي كل هذه المظاهر بـ”مستويات عالية من عدم الكفاءة في إدارة العديد من الملفات الاقتصادية والخدمية” بحسب مازن سلهب، كبير استشاريي الاستثمار في BAZ Capital Markets، ولو أن الأخير يرى أن الوزراء الممسكين بالملفات الاقتصادية، فضلًا عن حاكم المصرف المركزي، هم من التكنوقراط، “وهو شيء إيجابي، ولكن العبرة في التنفيذ والتطبيق، والعبرة الأهم تكمن في الهامش السياسي الممنوح لهؤلاء الوزراء، فقد اختبرنا في السابق وزراء تكنوقراط جيدين، ولكن الهوامش كانت ضيقة جدًا لأن الحكومات كانت بطبيعتها آنذاك أمنية”. يريد سلهب أن يكون منصفًا، فهو يعترف، في حديثه معي، بالحاجة لمرور ما بين ثلاثة وستة أشهر للحكم على المسار الاقتصادي، ولكنه يرى أن “الأساسات غير جيدة أبدًا”.

ما هي أبرز هذه الأساسات التي يمكن أن تعطينا ملامح المرحلة؟ مركزة القرارات الحيوية والمؤثرة بالفعل في يد الرئيس المؤقت وإخوته في الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية والصندوق السيادي وهيئة الاستثمار السورية، فضلًا عن اللجنة السرية لإعادة هيكلة الاقتصاد التي كشف عنها تحقيق “رويترز” في تموز/يوليو الماضي؛ تضارب في التصريحات حول الهوية الاقتصادية لسوريا تحت عنوان “نظام السوق الحرة” العريض؛ مهرجانات تبرع صاخبة توحي بأن الملايين تتدفق إلى البلد فيما تبقى بمعظمها معلقة على شكل تعهدات؛ وتغطيات إعلامية مكثفة لتوقيع مذكرات تفاهم بمليارات الدولارات لن يتحول منها إلى مشاريع حقيقية سوى نسبة ضئيلة وستقع غالبًا في خانة الاستثمارات العقارية.

في هذا الشق، يرى مازن سلهب مشكلة حقيقية. فبرأيه، أن تكون الكتلة النقدية الكبيرة التي قد تدخل سوق العقارات “مؤقتة، يعني أنها لا تشغل الاقتصاد ولا تدوّر عجلته. إذ تكمن الحاجة في ضخ الأموال في المشاريع المتوسطة والصغيرة” كي يتحرك الاقتصاد، ولا تبقى الفائدة محصورة بطبقة ضيقة من رجال الأعمال المستفيدين اليوم مما قد يجنونه من الاستثمارات العقارية. ومن الجدير ذكره هنا أن جلّ ما طُرح من استثمارات عقارية ــــ سواء كانت وهمية أو مجرد خطط على الورق أو قابلة للتنفيذ – تَركّز في قطاع المنشآت السياحية والأبراج التجارية ذات الربحية لمالكيها، وليس في قطاع إعادة إعمار المنازل والمرافق العامة.

لكنّ الإعلام الموالي للسلطة لا يدع مجالًا للشك أو للنقاش. فمذكرات التفاهم المبدئية ومشاريع الرفاهية العقارية هذه جميعها “استثمار” سيعود لخير البلاد والمواطنين. ولإقناع الشعب الذي أنهكته أعباء الحرب والفقر، تُقحم عبارة “خلق فرص العمل”. من الجيّد بالطبع توفير فرص العمل للسوريين بمختلف مهاراتهم وقدراتهم، ولكن هذا ليس المعيار الاقتصادي الوحيد، إذ إن التركيز عليه يوحي بأن الحل لإعادة الإعمار يكمن في إيدي السوريين وحدهم. تأتي الاستثمارات وتخلق فرص عمل برواتب ــــ نظريًا ــــ جيدة، فيعمل السوريون ويعيدون إعمار منازلهم بأنفسهم اعتمادًا على هذا الدخل. كما أن حركة الاستثمارات قد تنشّط القطاع المصرفي، فيصبح مستعدًا لتقديم قروض إعمار شخصية، فتكتمل الدائرة وتتخلص “الدولة” من هذا العبء.

في تقريره الأخير، يقدر “البنك الدولي” قيمة إعادة الإعمار في سوريا بمبلغ 216 مليار دولار أميركي، وهو ما يعتبره رقمًا متحفظًا، نظرًا إلى أنّ تقديراته تتراوح بين 140 و345 مليار دولار أميركي. فمن أين ستأتي هذه الأموال؟ من المشاريع الاستثمارية وفرص العمل؟ يؤكد أحمد الشرع في مقابلاته بأن سوريا لن تستدين، ولكنه لا يطرح خطة واضحة ومحكمة تقدّم البديل عن الاستدانة سوى في العودة للكلام بالعموميات حول فرص الاستثمار في سوريا. لكنّ شركات الاستثمار والإنشاءات ليست جمعيات خيرية، بل هي جهات ربحية تمامًا. وما من حجرٍ سيوضع على حجر من دون دفع ثمنه، وسوريا لا تملك ذلك الثمن، برغم التطمينات الإعلامية.

ظهر خلال هذا العام انفتاح المؤسسات المالية الدولية على التعاون مع سوريا في سلسلة من اللقاءات التي عُقدت بين مسؤولين في “صندوق النقد الدولي” و”البنك الدولي” ومسؤولين في الحكومة السورية والمصرف المركزي. على عكس المصالح الجيوسياسية المتشابكة التي تدفع أحيانًا نحو المزيد من التوتر، غالبًا ما تُنشد المؤسسات المالية الاستقرار بهدف ضمان المصالح المالية، وسلاسة جريان الأعمال،  مكافحة غسيل الأموال وتجارة المخدرات. وهنا يرى الباحث والخبير الاقتصادي محمد علبي، في منشور له على “فيسبوك” أن هذه المؤسسات الدولية تريد “إقامة إطار تعاون أولي مُلزم يضمن الامتثال للمعايير الدولية، بينما السلطة بتهربها من الإجراءات طيلة الفترة الماضية يُظهر أن لا مصلحة لها بذلك”.

يتضح هذا الأمر مرة أخرى بملاحظة الفجوة بين التضخيم الإعلامي لهذه اللقاءات وأثرها على الأرض. فالواقع، بحسب علبي، يؤكد أن السلطة ما زالت “تضع سقفًا ضيقًا لتعاونها الدولي، متلكئة في تنفيذ الإصلاحات الحقيقية”. ترتبط القروض المقدمة من المؤسسات المالية الدولية عادةً بتنفيذ حزم إصلاحات إدارية وتطبيق لمعايير الحوكمة الرشيدة والشفافية المؤسساتية. وهذا ما قد يشكّل عقبة في سوريا، “فقطاع المصارف والنقد لم يشهد إعادة هيكلة جوهرية، والقطاعات الإنتاجية تفتقر للبنية التحتية اللازمة، بينما تظل معظم القطاعات دون خطط واضحة أو استراتيجيات قابلة للقياس” بحسب علبي، الذي يرى أيضًا أن تصريحات المسؤولين السوريين يغلب عليها “الطابع الشعري أو الإعلامي، بدلًا من تقديم معلومات مفيدة وإطلاع السوريين على حقيقة الإجراءات والخطط”.

خاتمة

ما من اقتصادٍ يُبنى بالبروباغندا، على عكس ما تدّعيه شركات العلاقات العامة، خصوصًا تلك التي باتت، على ما يبدو، تقدم خدماتها بكثافة للسلطة في سوريا. السوريون لا يأكلون التصريحات الشعبوية، ولا يعيشون على ضوء المهرجانات السياسية، ولا يتطبّبون عبر نشر السعادة والإيجابيات. ليس السوريون صانعي محتوى على “تيك توك” و”يوتيوب” ولا يسكنون صفحات “فيسبوك”.

السوريون اليوم هم أولئك الذين ذُبحوا في منازلهم، وهم الذين ما يزالون يعيشون في الخيام وأراضي النزوح، وهم الذين طردوا من وظائفهم، وهم الذين يصلون النهار بالليل في مختلف الأعمال من أجل تدبير لقمة عيشهم. السوريون يعانون شح المياه وتقنين الكهرباء وانقطاع الدواء. السوريون يعرفون حجم الخراب، ولا يحتاجون إلى وزراء يخرجون عليهم في كل حين بتصريحات تعبّر عن المفاجأة ممّا وصلت إليه البلاد، وتؤكّد على تفاؤلهم وإصرارهم على بذل الجهد.

انشغلت المعارضة السورية ــــ أو تلك التي انتحلت صفة المعارضة ــــ بالعمل على إسقاط نظام بشار الأسد الديكتاتوري، ولكن لم يلتفت أي من تشكيلاتها لوضع خطة اقتصادية بديلة محكمة. فرّ الأسد وسقط نظامه، فما هي الخطة لمرحلة الما ــــ بعد هذه؟ فلتكن مرحلة “ما بعديّة” بامتياز، إذ يمكن الركون بسهولة لمقارنة البارحة باليوم في سبيل إبراز الإنجازات. لقد وصلت الحالة الاقتصادية والمعيشية حدًا من السوء والانهيار والانعزال عند نهاية نظام الأسد، سيبدو معها أي تغيير أو تحسن طفيف أو قرار طال انتظاره كما لو كان قفزة نوعية.

بموازاة هذه المقارنات، تستمر محاولات تخدير الرأي العام عبر إغراق المجتمع وإرهاقه بأخبار المشاريع والاستثمارات، وبالمقابلات والحوارات المتلفزة المليئة بالوعود والأحلام، وبحسابات “السوشال ميديا” التي تتابع تضخيم الأخبار وتثبيت المبالغ الوهمية للاستثمارات والتبرعات. فيخلق كل هذا صورة مثالية في عالم ما بعد الحقيقة، ويغرق السوريون بنوع من فرط الواقع (hyperreality)، كما يعرّفه جان بودريار، فتصبح الصورة المزيفة هي الواقع الذي يأكل الناس فيه هامبرغر تعيسًا فيما يحدقون بصورته الإعلانية المثالية والغنية، فيقتنعون بأن هذا تمامًا ما تنهشه أسنانهم. ونحن نعرف، عن تجربة، أن الصور الإعلامية الزائفة لا تصنع اقتصادًا قادرًا على انتشال بلاد منهكة من الدرك الذي تقبع فيه.

موقع أوان

——————————

 سوريا على خريطة الكابلات البحرية: ممرّ رقمي بلا مردود/ دمشق – رهام علي

الاثنين 2025/10/27

رغم هشاشة البنية التحتية المحلية، تمتلك سوريا موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية في شبكة الكابلات البحرية العالمية، فالساحل السوري، ولا سيما ميناء طرطوس، يستضيف نقاط هبوط رئيسية لأنظمة كابلات مثل Ugarit وAletar وBerytar، التي تربطها بدول الجوار كقبرص ولبنان ومصر.

وُضعت هذه الأنظمة منذ سنوات، فيما تُظهر الخرائط الحديثة أن سوريا ليست معزولة رقمياً بل ممراً فعلياً لتدفق الإنترنت بين الشرق الأوسط وأوروبا، لكن المفارقة أنّ هذا الدور “الممرّي” لم يتحوّل بعد إلى استفادة استراتيجية تُترجم في سرعة أو جودة خدمة الإنترنت للمستخدم السوري.

مشاريع مُعلَنة

وخلال العامين الأخيرين، ظهرت إعلانات عن مشاريع كابلات بحرية جديدة، أبرزها Ugarit-2 وSilkLink، إضافة إلى مشروع Alasia بالتعاون مع شركاء دوليين.

وعدت هذه المبادرات برفع السعة وتحسين الاعتمادية عبر وصل سوريا بقبرص ودول شرق المتوسط، فمشروع SilkLink يخطط لتمديد شبكة ألياف ضوئية بطول نحو 4500 كيلومتر، لربط المدن الكبرى مثل دمشق وحلب، مع توفير نقطة هبوط للكابلات البحرية في طرطوس.

أما في أيار 2025، فقد أعلن وزير الاتصالات السوري عبد السلام هيكل عن إطلاق الجيل الخامس من الاتصالات تجريبيًا في دمشق، مؤكدًا أن الحكومة تعمل على تحويل سوريا إلى مركز إقليمي للاتصالات والبيانات.

اتفاقية “ميدوسا”: نافذة إلى الإنترنت العالمي

وفي تطوّر يُعدّ الأبرز منذ أكثر من عقد، وقّعت وزارة الاتصالات السورية اتفاقية مع شركة Medusa Submarine Cable System الإسبانية لإنزال أول كابل بحري دولي في ميناء طرطوس، يربط سوريا مباشرة بشبكة الاتصالات العالمية دون الحاجة إلى وسطاء.

يمتدّ هذا الخط من البرتغال مرورًا بعدة مرافئ في البحر المتوسط وصولًا إلى الساحل السوري، ما يجعل المشروع خطوة تاريخية في إعادة دمج البلاد ضمن الخريطة الرقمية الدولية.

وبحسب وزارة الاتصالات، يشكّل الكابل البحري الجديد رافعة استراتيجية لتحديث البنية التحتية وكسر العزلة الرقمية التي فرضتها الحرب والعقوبات، إذ يتيح تنويع مسارات الربط الدولي وتقليل الاعتماد على المسارات البرّية الطويلة وغير المستقرة.

كما يُتوقع أن يسهم المشروع في رفع سرعة الإنترنت، وخفض زمن الاستجابة إلى نحو 30–35 ملي ثانية، وتقليل تكاليف نقل البيانات عبر توفير مسارات أقصر وأكثر موثوقية.

ويهدف الكابل أيضًا إلى توفير بنية تحتية رقمية متطورة تدعم القطاعين العام والخاص، وتفتح المجال أمام الاستثمار في الخدمات السحابية، والتعليم عن بعد، والتجارة الإلكترونية.

ويرى مراقبون أن الاتفاقية مع “ميدوسا” قد تُعيد رسم موقع سوريا على الخريطة التقنية في شرق المتوسط، عبر تحويلها من مجرّد ممرّ للكابلات إلى جسر رقمي بين آسيا وأوروبا يعزّز قدرتها التنافسية ويواكب مشاريع إقليمية مشابهة في مصر وقبرص.

بيئة الاستثمار الرقمي بين الفرص والعوائق

في حديثه مع “المدن”، يرى رجل الأعمال فيصل العطري، أن موقع سوريا الجغرافي يمنحها فرصة نادرة لتكون ممرًّا رقميًا بين آسيا وأوروبا، لكن البيئة الاقتصادية والتشريعية الحالية لا تزال بحاجة إلى تطوير عميق لتواكب هذا الطموح. فالبنية التشريعية، بحسب العطري، “غير ملائمة بعد لاستقطاب الاستثمارات في مجال البنية التحتية الرقمية”، غير أنه يشير إلى أن هذا الواقع “ليس قدرًا ثابتًا”، إذ تعمل الوزارات المعنية على تعديل القوانين بما يتماشى مع متطلبات المرحلة المقبلة، خصوصًا مع اكتمال دورة مجلس الشعب الجديدة.

وعن أبرز العوائق التي تواجه مشاريع الكابلات البحرية والضوئية في سوريا، يلفت العطري إلى أنها تتعلق بغياب الأطر القانونية الواضحة التي تنظم الاستثمار في هذا القطاع، موضحًا أن البلاد تفتقر حتى الآن إلى تشريعات تنظم المرور البحري للكابلات، وآليات الترخيص، والتعاون الدولي في مدّ الكابلات عبر الأراضي والمياه الإقليمية السورية.

أما على المستوى الأوسع، فيؤكد العطري أن “الموقع الجغرافي وحده لا يكفي لتحويل سوريا إلى ممر رقمي إقليمي”، فهناك تحديات إضافية مثل العقوبات والعزلة الدولية، إضافة لضعف الثقة بقدرة البلاد على حماية البنية التحتية الحيوية، وضرورة تحقيق الاستقرار الأمني والسياسي والتشريعي.

ويرى رجل الأعمال أن “الاستقرار والسمعة هما العاملان الحاسمان في أي مسار نحو التحول الرقمي”، داعيًا إلى بناء بنية تحتية رقمية مفتوحة (Open Access Infrastructure) تسمح بمشاركة القطاعين العام والخاص في تطوير هذا القطاع الحيوي.

طريق الحرير يعود رقمياً

من جانبه، يقول الخبير الاستراتيجي في الاتصالات ومراكز البيانات المهندس خالد الحمصي: “إن موقع سوريا الاستراتيجي ضارب في القدم، فقد مرّ عبر أراضيها طريق الحرير من الشرق إلى الغرب، ثم قوافل التجارة من الجنوب إلى الشمال وبالعكس”.

ويشير الحمصي في حديث لـ”المدن”، إلى أن تطور الحضارة غيّر شكل التجارة، فأصبح تدفق البيانات والإنترنت شكلاً جديداً من أشكالها، ما يجعل من الطبيعي أن تعود الممرات التاريخية إلى الواجهة، وأن تكون سوريا مجدداً على رأسها، بشواطئها القريبة من أوروبا وتركيا، وموقعها المجاور للجزيرة العربية والعراق ومصر. كذلك، يعتبر الحمصي أن “السواحل السورية مؤهلة لأن تكون نقطة وصول مثالية للكابلات البحرية القادمة من أوروبا، فيما يمكن أن تشكّل أراضيها ممراً لخطوط أرضية تصل إلى العراق وتركيا ولبنان ودول الخليج عبر الأردن”.

يتكرر الحديث عن أن الموقع المميز لا يكفي وحده، فيؤكد الحمصي أن سوريا تواجه تحدياً كبيراً بسبب تردي البنية التحتية وتعرّض أجزاء واسعة منها للدمار، ما يتطلب استثمارات ضخمة ووقتاً طويلاً لإعادة بناء شبكة ألياف ضوئية أرضية تشكّل العمود الفقري لمرور البيانات، إضافة إلى مراكز بيانات ونقاط تحويل على امتداد البلاد، فضلاً عن تمديد الكابلات البحرية وإنشاء محطات ربط على الساحل السوري.

وهنا يتوقف نجاح هذه المشاريع على ثلاثة شروط وفقاً لـ الخبير الاستراتيجي في الاتصالات: أولها ضمان الأمن والاستقرار في كامل الأراضي السورية؛ ثانياً، إبرام اتفاقيات مجدية مع دول الجوار لمرور الكابلات الأرضية؛ وثالثاً، إيجاد شركاء استراتيجيين لتمديد وتشغيل وصيانة الكابلات البحرية.

وفيما تبرز ضرورة تأمين مسارات بديلة لضمان استمرارية تدفق البيانات في حال الأعطال أو الصيانة، يرى الحمصي أن الخطوة الأهم لاحقاً هي “الاستثمار الأمثل في هذه الشبكة عبر تأسيس مراكز بيانات بمعايير دولية، حتى تتحول سوريا من مجرد ممر إلى مركز رقمي إقليمي موثوق”.

كيف استفاد الجوار؟

بينما تكتفي سوريا بلعب دور “ممرّ صامت”، تبنت دول مجاورة استراتيجيات أكثر جرأة، فـمصر مثلاً، تحوّلت إلى عقدة عالمية أساسية عبر استثمارات ضخمة في مراكز هبوط جديدة، كان أحدثها مشروع IEX في حزيران 2024.

أما قبرص، فقد عززت مكانتها كبوابة أوروبية بفضل مشاريع مثل Alasia بالشراكة مع شركات دولية، ما أتاح لها تقديم خدمات عبور موثوقة للأسواق الإقليمية.

وهذا يعكس مفارقة واضحة: بلد يمر عبره الإنترنت إلى العالم لكنه يبقى معزولاً عن فوائده الحقيقية، وبينما تُظهر خرائط الكابلات موقعاً استراتيجياً، تروي الانقطاعات اليومية قصة هشاشة، وتكشف المقارنات مع الجوار فجوة استثمارية كبيرة.

المدن

———————————–

========================

تحديث 26 تشرين الأول 2025

—————————–

 “كعكة” إعمار سوريا.. و”ثلاجة” العقوبات/ إياد الجعفري

 الأحد 2025/10/26

“الغموض الذي يحيط بمستقبل قانون قيصر، يضع الشركات الأميركية في وضع تنافسي غير مواتٍ مقارنةً بمنافسينا العالميين، ومن دون الإلغاء الكامل للقانون ستظل الشركات الأميركية مهمشة، بينما تُشكل شركات أخرى مستقبل الاقتصاد السوري”. كانت تلك أهم فقرة في رسالة غرفة التجارة الأميركية إلى المشرّعين في مجلسي الشيوخ والنواب، والتي دعت فيها إلى إلغاء كامل ودائم لـ”قانون قيصر”.

في أسابيع قليلة مقبلة فقط، سيُحسم مصير التدافع بين طرفين مؤثّرين في صنع القرار بالسلطة التشريعية الأميركية، بخصوص مصير نمط العقوبات الشاملة على سوريا، المتمثلة في “قيصر”. الطرف الأول، عبّرت عنه غرفة التجارة الأميركية، وتتطابق معه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المتحدرة من الخلفية ذاتها. رؤوس أموال، يفكرون بمنطق استثماري تنافسي. وهو ما ألمح إليه رجل الأعمال، والمبعوث الأميركي إلى سوريا، توم باراك، الذي قال قبل أيام، إن رفع العقوبات عن سوريا ليس عملاً خيرياً بل خطوة استراتيجية لإطلاق أكبر عملية إعادة إعمار منذ الحرب العالمية الثانية.

على الضفة المقابلة، طرف ثانٍ له قوة تأثيرية كبيرة. إنهم الإسرائيليون، والمنظمات المؤيدة لهم في الولايات المتحدة، والذين يمارسون الآن ضغوطاً بهدف عدم إلغاء قانون “قيصر”. ويرتكزون في تبرير ذلك، على الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها قوى محسوبة على سلطات “العهد الجديد” في سوريا، بحق أقليات كالدروز والعلويين. إلى جانب التذرع بمخاوف إسرائيل من خلفية هؤلاء، الجهادية.

ولنفهم كيف تحدث المساومات بخصوص ملف العقوبات على سوريا، بين المختلفين من المؤثّرين في صنع القرار التشريعي الآن، في العاصمة الأميركية، تفيدنا العودة إلى فقرة وردت في رسالة غرفة التجارة إلى مجلسي الشيوخ والنواب، قالت الغرفة فيها إن قانون قيصر لم يعد يخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، إذ “بينما سُنّ قانون قيصر في الأصل لمحاسبة نظام الأسد على انتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان، فإن هناك صلاحيات وافرة أخرى من العقوبات التي يمكن من خلالها تحقيق هذا الهدف”. العبارة الأخيرة، هي إشارة إلى قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الصادر مطلع الشهر الجاري، بتمديد حالة الطوارئ الوطنية الخاصة بالوضع في سوريا، والتي تتيح إمكانية فرض عقوبات على شخصيات وكيانات سوريّة، في حال تورطت في تجارة المخدرات أو بنشاطات مرتبطة بتنظيمات إرهابية، أو بانتهاكات حقوق الإنسان.

ورغم قوة النفوذ الإسرائيلي داخل أروقة صنع القرار بواشنطن، يبقى من الصعب تصوّر خسارة صوت رأس المال الأميركي، مع ما يواجهه من منافسة على صعيد الاستثمار العالمي. وبعيداً عن التذرع بانتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب التي كان نظام الأسد يرتكبها بحق السوريين، إبان فرض قانون قيصر، فإن هذا الأخير، فُرض أساساً، في ولاية ترامب الأولى، بغية تقييد قدرة إيران وروسيا والصين، في الإفادة من “انتصارهم” العسكري والسياسي في سوريا، بعيد العام 2018، وتحويله إلى “انتصار” مُستدام، عبر إعادة إعمار سوريا. وقد نجح “قيصر” في تحقيق هذا الهدف للأميركيين. وكانت العروض المقدّمة من أطراف إقليمية، حليفة لواشنطن، لإقناع بشار الأسد بأخذ مسافة من إيران، بصورة خاصة، تستهدف تغيير موضع سوريا في موازين التنافس الإقليمي والدولي. وهو ما تعنت بشار الأسد، في التجاوب معه. قبل أن يتغيّر هذا “الموضع”، قسراً، بسقوط النظام، عشية 8 كانون الأول 2024.

من هذه الزاوية، يمكن أن نفهم جانباً من أسباب هذا الدعم السخيّ لـ”العهد الجديد”، في سوريا، من جانب أطراف إقليمية ودولية، أبرزها الولايات المتحدة. لكن التنافس على سوريا، لم ينتهِ. بل بدأ للتو. إذ قام قادة “العهد الجديد” ببادرة نحو روسيا، وأخرى مرتقبة نحو الصين. مع إشارات علنية لأبعاد استثمارية ممكنة للقوتين الدوليتين، في سوريا. ناهيك عن التنافس داخل المعسكر القريب من واشنطن، ذاته. بين تركيا وبعض الدول الأوروبية. وبين تركيا ودول خليجية. وفي معمعة هذا التنافس، تبدو الشركات الأميركية، حتى الآن، متأخرة للغاية.   

تثير سوريا شهية المستثمرين الإقليميين والدوليين. وهي شهية أدركها بشار الأسد منذ العام 2018. إذ تحدث منذ ذلك التاريخ، ولأكثر من مرة، عن كعكة إعادة إعمار سوريا، وأنها ستكون من نصيب حلفائه. قبل أن يدرك لاحقاً أن واشنطن تملك القدرة على إبقاء تلك “الكعكة” في الثلاجة، عبر سلاح العقوبات الشامل، الذي أبقته مسلطاً على هذا البلد.

وبعيد سقوط النظام البائد، أصبح لدى واشنطن خيارين. الاستمرار في إبقاء تلك “الكعكة” في الثلاجة. أو إخراجها، والحصول على نصيب وافر منها. الخيار الثاني مغرٍ لصانع القرار في السلطة التنفيذية بواشنطن، المتحدر من خلفية استثمارية، أساساً. وهو خيار مغرٍ أيضاً لرأس المال الأميركي، صاحب الأثر الأكبر في صنع القرار بأقوى دول العالم.

لذا من الصعب تصوّر، أن صوت الأطراف المؤيدة لإسرائيل، سيغلب، في المساومة الجارية الآن في واشنطن، حول مصير قانون قيصر. وإن حدث ذلك بالفعل، فسيكون خسارة محققة لرأس المال الأميركي الراغب في الاستثمار بسوريا، بسبب محدودية هامش اليقين حيال مستقبل العقوبات. كما أنه سيهدد بانحياز أكبر لـ”العهد الجديد” في سوريا، نحو منافِسي أميركا، روسيا والصين. وسيمثّل إرباكاً لعلاقات إدارة ترامب مع حلفائه في تركيا والسعودية وقطر.

المدن

—————————–

 معركة في الكونغرس.. البيت الأبيض يضغط لإلغاء قانون قيصر على سوريا

اللوبي الإسرائيلي يواصل الضغط على المشرعين لمنع الإلغاء

واشنطن: بندر الدوشي

26 أكتوبر ,2025

يكثّف البيت الأبيض ضغوطه على الكونغرس لإلغاء ما تبقى من العقوبات المفروضة على سوريا، محذراً من أن الإبقاء عليها قد يقوّض الحكومة السورية الجديدة التي تراها إدارة الرئيس دونالد ترامب حجر الزاوية في استراتيجيتها الإقليمية الأوسع.

فبعد مرور نحو عام على الانتفاضة الخاطفة التي قادها أحمد الشرع وأطاحت بالنظام السابق، أصدر ترامب أمراً تنفيذياً ألغى بموجبه معظم العقوبات الأميركية، وفاء بوعده في مايو بمنح سوريا “فرصة للعودة” بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية التي دفعت 90% من السكان إلى الفقر، لكن العقوبات الأشد، المفروضة بموجب “قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا”، لا تزال سارية، إذ يتطلب رفعها موافقة الكونغرس.

قانون “قيصر” بين الرمزية الأخلاقية والعقبة الاقتصادية

وأُقر “قانون قيصر” نسبة إلى المنشق السوري الذي سرب صوراً وثّقت فظائع نظام الأسد، وكان يهدف إلى تشديد الخناق المالي على الحكومة السورية من خلال معاقبة الداعمين لجيشها وصناعاتها الرئيسة. ورغم أن إدارة ترامب أصدرت إعفاء مؤقتاً لمدة 180 يوماً لتعليق تنفيذ القانون، فإن خبراء يرون أن الإلغاء الدائم وحده كفيل بإعادة الثقة للمستثمرين الدوليين.

وفي منشور مطول على منصة X، وصف المبعوث الأميركي إلى سوريا، توم براك، القانون بأنه “نظام عقوبات خدم غرضه الأخلاقي ضد الأسد، لكنه اليوم يخنق أمة تحاول النهوض من الركام”، داعياً إلى “إطلاق واحدة من أهم جهود إعادة الإعمار منذ أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية”.

تحركات مكثفة داخل الكونغرس

وفقاً لمصدر في الكونغرس تحدث لموقع “مونيتور”، فإن مسؤولي البيت الأبيض ووزارتي الخارجية والخزانة “كانوا واضحين تماماً في مطالبتهم الكونغرس بإلغاء قانون قيصر بشكل كامل ونهائي”. وأضاف المصدر أن براك أجرى اتصالات مباشرة مع عدد من كبار المشرعين الجمهوريين لحشد الدعم لهذا التوجه.

لكن الشكوك لا تزال قائمة تجاه حكومة الشرع التي تشكلت في يوليو الماضي. فقد صوّتت لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب على مشروع قانون قدمه النائب الجمهوري مايك لولر، يشترط تحقيق تقدم في مكافحة تهريب المخدرات وحماية الأقليات قبل رفع العقوبات. ورغم اعتراض معظم الديمقراطيين عليه، فقد شهد التصويت انقسامات داخل الحزبين.

اصطفاف جديد داخل الحزبين

الجهود الداعية لإلغاء العقوبات وحّدت مجموعة غير متوقعة من المشرعين من الحزبين، فقد قادت السيناتور جين شاهين الديمقراطية من نيوهامبشر، والنائب جو ويلسون الجمهوري من كارولاينا الجنوبية، المساعي داخل الكونغرس لإلغاء القانون. كما انضمت منظمات سورية أميركية كانت قد أيدت القانون في بدايته إلى حملة تدعو الآن لإنهائه.

وقال معاذ مصطفى، المدير التنفيذي لـ”قوة مهام الطوارئ السورية” في واشنطن: “من قيصر نفسه إلى عائلات الضحايا الذين ظهرت صورهم، الجميع اليوم يطالب بإلغاء القانون”.

وفي المقابل، تواصل بعض الجماعات المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، الضغط للإبقاء على العقوبات ضد ما تعتبره “دولة تشكل تهديداً محتملاً لإسرائيل والأقليات”.

مناورة إسرائيلية على سيناريوهات هجومية قرب حدود سوريا ولبنان

سوريا الشرق الأوسط مناورة إسرائيلية على سيناريوهات هجومية قرب حدود سوريا ولبنان

ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن مسؤولين إسرائيليين كباراً، بينهم رون ديرمر، المساعد المقرب من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أجروا اتصالات مع مشرعين أميركيين لحثهم على الإبقاء على القانون.

معركة “تفويض الدفاع”

وضمن النسخة الأخيرة من قانون تفويض الدفاع الوطني، أدرج مجلس الشيوخ تعديلاً تقدّمت به شاهين لإلغاء “قانون قيصر”، بينما أضاف السيناتور ليندسي غراهام تعديلاً آخر يلزم الرئيس بالتصديق كل ستة أشهر على التزام الحكومة السورية بشروط محددة، منها الامتناع عن أي عمل عسكري ضد إسرائيل، وطرد المقاتلين الأجانب.

ويؤكد مسؤول في إدارة ترامب أن “إبقاء هذه الشروط سيُربك المستثمرين ويقوّض فرص سوريا في التعافي الاقتصادي الكامل”. ومن المتوقع أن تبدأ المفاوضات بين مجلسي الشيوخ والنواب لصياغة النسخة النهائية من قانون الدفاع، على أن تُرسل إلى ترامب للتوقيع قبل نهاية العام.

العربية

—————————-

=================

تحديث 24 تشرين الأول 2025

——————————–

 المركزي السوري والانكشاف المالي على لبنان: من سلطة الأوامر إلى الشراكة في الحلول/ د. عبد المنعم حلبي

2025.10.24

في خطوة أثارت نقاشاً واسعاً في الأوساط المصرفية، تداولت مصادر إعلامية ومصرفية تصريحات جديدة صادرة عن حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر حصرية حول الانكشاف المالي للجهاز المصرفي السوري على النظام المصرفي اللبناني، والذي عانت وتعاني منه مجموعة من المصارف العاملة في سوريا، ولاسيما الخاصة، حيث طالب الدكتور حصرية تلك المصارف بمعالجة هذا الانكشاف عبر التحصيل، أو التقاص، أو تضمينها كخسائر متوقعة في إطار خطط إعادة هيكلة موثوقة، وخلال مدة ستة أشهر فقط.

هذه التصريحات، أتت بعد مرور شهر كامل على صدور تعميم، طُلِب فيه من المصارف العاملة في سوريا، بالاعتراف الكامل بنسبة 100% بواقع انكشافها المالي على النظام المصرفي اللبناني، بمعنى تحديد قيمة الودائع والحسابات الجارية المجمدة العائدة لها في البنوك اللبنانية منذ العام 2019. حيث أدى الانهيار المالي في لبنان في العام المذكور إلى تحويل (الأصول الخارجية السائلة)، التي كانت تستخدمها المصارف السورية عند نظيرتها اللبنانية كنافذة للتعاملات الخارجية في ظل العقوبات الغربية التي قيدت نشاطها الدولي، إلى ودائع وحسابات مجمدة (انكشافات مالية) يصعب تحصيلها، بسبب خضوعها لإجراءات وآليات عمل مصرف لبنان (المركزي) الهادفة للتحكم بإدارة السيولة المصرفية.

هذه الخطوة تأتي في سياق إعادة هيكلة مالية سورية داخلية، تهدف إلى تعزيز الشفافية وتقليص المخاطر الخارجية، لكنها تطرح تساؤلات حول إمكانية التحقق والجدوى العملية والآثار الناتجة، إذ إن المصارف اللبنانية نفسها ما تزال عاجزة عن إعادة أموال المودعين المحليين، فكيف ستفي بالتزاماتها تجاه المصارف السورية، والبالغة ملياراً وستمئة مليون دولاراً أميركياً على الأقل وفق ما ذكره الدكتور حصرية، وخلال ستة أشهر.

إضافة لذلك، تثور شكوك في مدى القدرة العملية على وضع خطط إعادة هيكلية واقعية وموثوقة للمصارف المعنية، ضمن هذه المدة القصيرة نسبياً، بما يؤدي إلى معالجة الخسائر المتوقعة أو الفعلية عن الأصول غير المُحصَّلة، من دون آثار تعاكس تحقيق الهدف المُعلن من قبل المركزي، والمتمثل برفع مستوى الانضباط المصرفي.

فالقيمة الضخمة لهذا الانكشاف، تُشكِّل بين ربع وثلث الأصول المتضمنة كودائع في الجهاز المصرفي السوري ككل، والتي تتراوح حول خمس مليارات دولاراً أميركياً. وفي ظل استحالة القدرة على الاسترداد، أو حتى القدرة على نقل أصول مجمدة إلى حسابات ائتمانية منخفضة المخاطر عبر التَّقاص مع أطراف ثالثة، يصبح الخيار الأقرب هو الاعتراف محاسبياً بواقعها، سواء كخسائر متوقعة “شبه مؤكدة”، وتشكيل مخصصات التغطية اللازمة وإظهارها في القوائم المالية، أو كخسائر حقيقية واقعة فعلاً خلال الدورة المالية التالية لانتهاء المهلة النصف سنوية هذه، وهذا يعني بصورة أو بأخرى، إما اضطرار هذه المصارف لإشهار إفلاسها، أو استمرارها في البحث عن شركاء استراتيجيين جدد، قادرين على تبني مضاعفة رؤوس الأموال المدفوعة فيها، في ظل مدة سيمضي نصفها على الأقل تحت عقوبات قيصر، أو ذوبان واندماج المصارف المعنية في مصارف أخرى عبر (الاستحواذ)، في سابقةٍ لا يُعرف عنها وجود آليات عمل تنفيذية تضمن إنجازها بصورة آمنة، وبما يحافظ على حقوق المؤسسين والمساهمين والمودعين.

وإذا ما تذكرنا أن انهيار النظام المصرفي اللبناني، والانكشاف المالي الذي نتج عنه في بيئة العمل المصرفي في سوريا، جعلا آثار عقوبات قيصر التي فُرضت في العام التالي 2020 مضاعفاً وأكثر تدميراً، حيث انحسرت بصورة تامة المعاملاتُ الدولارية المصرفية، التي كانت تجري لصالح الاقتصاد السوري عبر لبنان والعالم، الأمر الذي أدى لانهيار متسلسل في قيمة الليرة السورية، والتي بقيت ذات عرض وطرح متزايد في تمويل عجز الموازنة الحكومية، مقابل الدولار المطلوب والمتناقص في عرضه. وبالتالي، وأمام هذه الحقيقة، فإن استباق رفع عقوبات قيصر بهذه المجريات والضغوط يبدو مفاجئاً واستباقياً، وقد يشير إلى وجود ترتيبات معينة يُحضِّر لها المصرف المركزي للتدخل بصورة مباشرة وبنهج سلطوي في إدارة الجهاز المصرفي السوري، بالتزامن مع ما يعلنه حاكم مصرف سوريا المركزي مراراً وتكراراً عن إصدار وطرح الأوراق النقدية لليرة السورية الجديدة “بدون صفرين” بداية العام القادم، وتصريحاته المتعددة أيضاً عن نوايا تغيير نظام الصرف الأجنبي من الثابت، الذي لم يكن ثابتاً منذ العام 2011، إلى التعويم المُدار، الذي يحتاج إلى قدرات تحتية: إحصائية وبرمجية، وفوقية: إدارية وتحليلية عالية.

ومن هنا، وأمام احتمال تعقد المشهد المالي والاقتصادي، يتوجب على مصرف سوريا المركزي إظهار التشاركية، وطرح الحلول المرحلية، والعمل على نقل مطالبه الداخلية والثنائية تجاه لبنان، ذاتياً وعبر الحكومة السورية الانتقالية، إلى الطاولة الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة المالية

اللبنانية، وهنا يمكن الحديث عن تبني سياسة متعددة المسارات تستند إلى معالجة تدريجية ضمن إطار إقليمي، وربما دولي، يكون متوازناً، ويحافظ على استقرار الجهاز المصرفي السوري.

فأولاً، لابد من مضاعفة المدة الممنوحة لتسوية هذا الانكشاف، على ألا تقل عن 18 شهراً، في سبيل متابعة التحصيل القانوني والمالي عبر قنوات إقليمية. كما يمكن العمل على ترتيبات مشتركة سورية لبنانية، بتجاوز الحدود المالية والمصرفية، إلى تشجيع المقاصة التجارية مع مؤسسات لبنانية لديها التزامات مقابلة للمصارف السورية، فمثلاً، يمكن طرح مبدأ (التبادل مقابل الاستثمار)، بحيث تتحول الديون المجمدة إلى استثمارات لبنانية–سورية مشتركة في قطاعات معينة حيوية، كالطاقة والنقل وغيرها من الخدمات، على أن تُخصم قيمتها من الديون لاحقاً.

كما يمكن ثانياً، عبر قنوات عربية ودولية، إطلاق مبادرة وساطة مالية برعاية جامعة الدول العربية أو صندوق النقد العربي، لتسوية الديون المصرفية بين دمشق وبيروت، وإنشاء آلية مقاصة إقليمية بالعملات المحلية تتيح استعادة الحركة النقدية تدريجياً.

ثالثاً، لابد من التأكيد على أن القطاع المصرفي السوري يحتاج إلى دعم فني ومحاسبي من مؤسسات دولية، مثل بنك التسويات الدولية، أو اتحاد المصارف العربية، لوضع معايير معالجة الأصول المجمدة وتخفيف أثرها المحاسبي. كما يمكن ربط معالجة المسألة بالاحتياج إلى دعم خارجي بشكل ودائع، يمكن تقديمها من دول عربية كالسعودية وقطر، وتُستخدم كخطوط تمويل داخلية من المصرف المركزي لتعويض نقص السيولة المحتمل، وتأجيل تطبيق معايير الخسائر الائتمانية لعامين على الأقل.

وببساطة فإن الخلاصة مما سبق، هو ألا يَقتصر دور المصرف المركزي على توجيه الأوامر وتقديم المتطلبات، بل يتوجب عليه المشاركة في تحمل المسؤولية فيها، فهو مُطالب عُرفاً، وربما قانونياً أيضاً، بإنجاح هذه العملية المالية الضخمة والمفصلية، كاختبار لقدراته على تحقيق التوازن بين الانضباط والمخاطرة، وبين الواقعية المالية والاستقرار النقدي. فمن واجب المركزي مراعاة واقع المصارف السورية التي تعاني أصلاً من ضعف رساميلها، ومن ضعف الثقة لدى المتعاملين، وضيق إطار الشمول المالي للمصارف في البلاد، وأن يتفادى الضغط المفاجئ لتحصيل أموال غير قابلة للتحصيل عملياً قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الوطني ككل. فالإصلاح الحقيقي لا يتحقق بشطب الأرقام على الورق، بل بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمصارف بوصفها علاقة شراكة في بناء الثقة لا تبعية في إدارة الخسائر، والعمل على تحويل هذه القضية إلى فرصة لبناء سياسة مصرفية سيادية ومنضبطة، وتحويلها من عبءٍ مالي إلى بدايةٍ لتوازنٍ نقدي واقتصادي، تشاركي، أكثر استقراراً، داخلياً، وعلى المستوى الثنائي مع لبنان، وإقليمياً أيضاً.

تلفزيون سوريا

———————————-

شكوك بمدى فعالية إسناد النزاعات العقارية لمحاكم خاصة/ نور ملحم

24 أكتوبر 2025

بعد أكثر من عقد على بدء النزاعات العقارية في سورية، وما رافقها من شكاوى بشأن الاستيلاء على أملاك الغائبين أو المغيّبين قسراً، أصدرت وزارة العدل السورية قراراً يقضي بتكليف محاكم مدنية محددة في كل محافظة، للنظر حصراً في القضايا المتعلقة بالاستيلاء أو التلاعب بملكية العقارات، والتي شهدتها سنوات الحرب.

يشمل القرار الجديد محاكم البداية المدنية الثانية في مراكز العدليات لتكون الجهة المتخصصة بهذه الدعاوى، إضافة إلى عملها الأساسي، على أن تنظر محاكم الاستئناف المدنية الثانية في الطعون المرتبطة بها، كما نصّ القرار على نقل كل القضايا المشابهة إلى هذه المحاكم، واعتماد آلية مبسطة لتبادل اللوائح وتسريع الفصل في النزاعات.

وأفادت وزارة العدل بأنّ الهدف من تخصيص هذه المحاكم هو “توحيد الاجتهاد القضائي وتسريع استرداد الحقوق العقارية”، لكن عدداً من القانونيين يرون أن القرار قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من النزاعات، إذا لم تُحدّد معايير واضحة لتعريف “الاستيلاء غير المشروع”، ولا سيّما في ظل غياب قاعدة بيانات شفافة حول الملكيات العقارية في مناطق شهدت عملية تهجير واسعة وتغيّرات تتعلق بالسيطرة الميدانية.

وقال نقيب المحامين في سورية، محمد الطويل، لـ”العربي الجديد”، إنّ “القرار يُفترض أن يضع إطاراً مؤسّسياً لمعالجة واحدة من أعقد القضايا بعد الحرب، وهي قضايا الاستيلاء على الملكيات الخاصة”، موضحاً أنّ “تخصيص محاكم محددة للنظر في هذه الدعاوى سيخفّف من التضارب في الأحكام بين المحافظات ويُسرّع إجراءات التقاضي”.

وأضاف الطويل: “لكنّ نجاح هذه الخطوة مرهونٌ باستقلال المحاكم وشفافية عملها، لأنّ هذه القضايا تمسّ حقوق آلاف المواطنين داخل البلاد وخارجها، وبعضها يرتبط بظروف أمنية أو سياسية معقدة”، وأكد أن النقابة ستتابع آلية تنفيذ القرار لضمان عدم استغلاله لتصفية أو تثبيت حالات استحواذ جرت خارج القانون.

ويرى محامون أن تخصيص محاكم خاصة قد يُستخدم لتصفية ملفات حسّاسة تتعلق بعقارات في مناطق مهجّرة أو مدمّرة، مؤكدين لـ”العربي الجديد” أنّ غياب إطار وطني شامل لتوثيق الملكيات يجعل أي حكم قضائي في هذه القضايا موضع تشكيك مستقبلاً.

ويشير مراقبون إلى أنّ القرار يأتي في سياق أوسع من التشريعات التي مسّت ملف الملكية خلال السنوات الماضية، من بينها القانون رقم 10 لعام 2018 والمرسوم 66 لعام 2012، اللذان أتاحا للسلطات إعادة تنظيم مناطق مهدّمة بآليات وُصفت بأنها ألحقت الضّرر بحقوق المالكين الأصليين، ويرى هؤلاء أنّ إنشاء محاكم خاصة قد يكون امتداداً لهذا النهج، ولكن بغطاء قضائي مباشر.

وبينما تشير الحكومة السورية إلى أنّ الهدف هو “استعادة الحقوق وإنهاء الفوضى العقارية”، يخشى متضرّرون أن تتحوّل هذه الخطوة إلى وسيلة جديدة لإضفاء الشرعية على تغيّرات ملكية جرت خلال الحرب، ما لم تُرفق بضمانات قضائية حقيقية تضمن المحاكمة العادلة وحق الاستئناف الفعّال.

وعلى الرغم من غياب أي إحصاء رسمي شامل لعدد المنازل والعقارات التي جرى الاستيلاء عليها، تكشف تقارير حقوقية عن حجم واسع للظاهرة في مناطق سورية متعدّدة، ما يوضح الحاجة الملحّة لإجراءات حقيقية وشفافة. وقد صدرت خلال السنوات الماضية مئات قرارات الحجز على أملاك مدنيين، من بينهم أكثر من 800 شخص في بلدة زاكية بريف دمشق، إذ اعتُبرت حينها نوعاً من أنواع “العقاب الجماعي” من دون أي أساس قضائي واضح.

كما وثّقت منظمات حقوقية حالات متعدّدة من إخلاء المنازل ومصادرتها في مناطق مثل معضمية الشام، بينما قدّرت تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان‏ أنّ نحو 440 ألف دونم من الأراضي الزراعية في ريفَي حماة وإدلب جرت مصادرتها ضمن مزادات علنية لمهجّرين.

وتعكس هذه الوقائع صورة عن اتّساع النزاع بشأن الملكيات الخاصة في سورية، وتكشف فجوة واضحة بين خطاب الحكومة حول استعادة الحقوق والواقع الذي يعيشه أصحاب الأملاك، ما يعكس هشاشة الضمانات القضائية وغياب الإحصاءات الدقيقة اللازمة لإعادة الحقوق على نحوٍ عادل. وفي سياق إعادة الإعمار، يطرح القرار بحسب متابعين، تساؤلات كبيرة حول مدى قدرته على حماية أصحاب الأملاك من تبعات القوانين السابقة، خصوصاً القانون 10 والمرسوم 66، وما إذا كان إنشاء هذه المحاكم خطوة حقيقية لإصلاح النظام العقاري، أم مجرد آلية قضائية لتقنين تغيّرات حصلت خلال سنوات الحرب.

العربي الجديد

————————————

الأمم المتحدة: إعادة إعمار سوريا تساهم باستقرار المنطقة

دعوات من الأمم المتحدة لمساهمة دولية في إعمار سوريا

2025-10-24

قال الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا روحي أفغاني، اليوم الجمعة، إن إعادة إعمار سوريا باتت ضرورة ملحة لضمان استقرار البلاد والمنطقة بأكملها.

وأوضح أفغاني، أن المجتمع الدولي ينبغي عليه أن يسارع في إعادة إعمار سوريا، مشدداً على أن “مساعدة البلاد على التعافي من تداعيات الحرب ليست فقط من أجل السوريين، بل أيضاً من أجل استقرار المنطقة وخيرها”.

وأشار إلى أن إعادة الإعمار تشكّل واحدة من أكبر التحديات التي تواجه السلطات الجديدة في سوريا، منذ وصولها إلى دمشق في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

وذكر أفغاني أن احتياجات البلاد هائلة، موضحاً أن المسؤولين المحليين في مختلف المحافظات تحدثوا عن حاجات كبيرة تتعلق بالإسكان والمدارس والمراكز الصحية، إضافة إلى مشكلات في توفير الماء والكهرباء.

ولفت إلى أن انتشار كميات ضخمة من الذخائر غير المنفجرة يعقّد جهود إزالة الأنقاض المنتشرة في أنحاء البلاد، بما في ذلك تلك المطمورة داخل تلال الركام.

وتناول الممثل الأممي قضية عودة اللاجئين والنازحين، مبيناً أنه منذ سقوط النظام عاد أكثر من مليون لاجئ إلى سوريا من الخارج، إضافة إلى نحو مليونين من النازحين الداخليين إلى مناطقهم الأصلية، وفق ما أفادت به وكالة الصحافة الفرنسية (فرانس برس).

ورأى أن هذه العودة تُعد مؤشراً إيجابياً، إلا أنه نبّه إلى الضغط الكبير الذي تسببه على البنية التحتية، ووسائل النقل، وقطاع التعليم، والأفران، محذراً من أن هذا الضغط قد يؤدي إلى توترات اجتماعية داخل البلاد.

وأشار أفغاني إلى أن ضعف البنى التحتية وغياب فرص العمل يشكلان عقبة أمام عودة كثير من السوريين الراغبين في العودة من الخارج، لافتاً إلى أن وتيرة العودة كانت أبطأ من المتوقع، وأن معظم العائدين من الخارج كانوا يعيشون في ظروف صعبة، خاصة في لبنان والأردن، بينما لا تُسجَّل عودة كبيرة من أوروبا.

وأعرب، عن أمله في أن يؤدي تسريع عملية إعادة الإعمار إلى تحقيق الاستقرار في سوريا، ما قد يشجع المزيد من السوريين المقيمين في أوروبا على العودة، مشيراً إلى أن هؤلاء أشخاص ذوو مهارات عالية يمكن أن يساهموا بشكل فعّال في إعادة بناء البلاد.

وكان قد كشف البنك الدولي، يوم الثلاثاء الماضي، عن حجم الخسائر الاقتصادية والمادية التي لحقت بسوريا خلال سنوات الحرب، مشيراً إلى أن تكلفة إعادة الإعمار تُقدّر بنحو 216 مليار دولار أميركي.

اقرأ أيضاً: البنك الدولي يقدّر كلفة إعادة إعمار سوريا بـ216 مليار دولار

وأوضح البنك في تقرير نشر على موقعه الرسمي، أن التقييم الذي نفذه شمل الفترة الممتدة بين عامي 2011 و2024، وغطى مختلف القطاعات المتضررة على مستوى البلاد، بما في ذلك البنى التحتية والمباني السكنية والعامة.

وأشار إلى أن الحرب التي شهدتها سوريا تسببت في تدمير ما يقارب ثلث رأس المال الثابت الإجمالي للبلاد قبل عام 2011، مقدراً قيمة الأضرار المباشرة بنحو 108 مليارات دولار.

وبيّن البنك الدولي أن البنية التحتية كانت الأكثر تضرراً بنسبة 48% من إجمالي الأضرار (نحو 52 مليار دولار)، تلتها المباني السكنية بقيمة 33 مليار دولار، ثم المباني غير السكنية بحوالي 23 مليار دولار، وتُعد محافظات حلب وريف دمشق وحمص الأكثر تضرراً على مستوى البلاد.

ويُقدّر تقرير البنك الدولي أن إعادة الإعمار ستتطلب استثمارات تتراوح بين 140 و345 مليار دولار، في حين أن التقدير الوسطي يقارب 216 مليار دولار، موزعة على 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمباني غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.

ولفت، إلى أن كلفة إعادة الإعمار المادية تعادل نحو عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لسوريا في عام 2024، ما يعكس ضخامة التحدي والحاجة إلى مساهمة دولية كبيرة لدعم عملية التعافي.

كما ذكر، أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لسوريا تراجع بنسبة 53% بين عامي 2010 و2022، بينما انخفض الناتج المحلي الإجمالي الاسمي من 67.5 مليار دولار في عام 2011 إلى نحو 21.4 مليار دولار في عام 2024.

ونوه البنك إلى أن هذه التقديرات محفوفة بدرجة عالية من عدم اليقين نتيجة استمرار النزاع وتعقيد الظروف الميدانية، موضحاً أن التقرير لا يتناول التفاصيل القطاعية الدقيقة، وإنما يقدم صورة شاملة لتقدير حجم الأضرار والتكاليف العامة لإعادة الإعمار، بغرض دعم النقاشات الدولية حول خطط التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وفي تعليق رسمي نشره البنك الدولي، قال وزير المالية في الحكومة السورية الانتقالية محمد يسر برنية إن التقرير يشكّل “قاعدة أساسية” لفهم حجم الدمار الكبير الذي أصاب البلاد، مؤكداً أن إعادة إعمار البنية التحتية وإنعاش المجتمعات المحلية تتطلب تحركاً فاعلاً من المجتمع الدولي ودعماً منسقاً ومستداماً.

من جهته، شدد جان كريستوف كارّيه، مدير دائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي، على أن التحديات أمام إعادة الإعمار ضخمة ومعقدة، لكنه أكد استعداد البنك للعمل مع الشعب السوري والشركاء الدوليين لدعم مسار التعافي والتنمية طويلة الأمد، مشيراً إلى أهمية الالتزام الجماعي والتعاون المنظم وبرامج الدعم المتكاملة.

وكان قد أكد الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، أن عمليات إعادة إعمار سوريا ستكلف بين 600 و 900 مليار دولار.

وقال الشرع في مقابلة مع برنامج “60 دقيقة” على قناة “فوكس نيوز” الأميركية الشهر الماضي، وعرضت يوم الإثنين الماضي، إن عمليات إعادة الإعمار في سوريا تتطلب مساعدة المجتمع الدولي.

وأضاف، أنه “من المهم أن يتم منح الناس الأمل للعودة إلى منازلهم، عبر إعادة الإعمار”، مشدداً على أنه “يجب على العالم أن يقدم الدعم لسوريا”.

———————————-

=======================

تحديث 23 تشرين الأول 2025

—————————————-

الثروة والوعي: المعركة الصامتة في سوريا الجديدة/ وائل مرزا

كان الاعتقاد السائد، في بدايات التحليل لبنية المجتمع السوري بعد التحرير، أن المعضلة الكبرى في طريق الدولة الجديدة تتمثل في النخب الثقافية والسياسية التي ورثت صراعات الأيديولوجيا أكثر مما امتلكت مهارات السياسة والإدارة. لكنّ المشهد الميداني كشف عن معضلةٍ موازية في الخطورة، بل ربما كانت أكثر خطورةً، وتتمثل في الثقافة الاقتصادية للنخبة الاقتصادية ـ الاجتماعية السورية، تلك الفئة التي تملك الثروة والوفرة، لكنها لم تبلور بعد مفهوماً وطنياً لدور المال في التنمية.

فخلال نصف قرنٍ من حكم النظام البائد، كانت «الثروة» في سوريا ثمرة ولاءٍ سياسي وامتيازٍ بيروقراطي، أكثر بكثير من كونها نتاجاً طبيعياً للإنتاج أو الكفاءة. كانت تلك أقرب مثالٍ للرأسمالية الزبائنية التي حوّلت الاقتصاد إلى شبكة مصالح مغلقة، وأعادت تعريف النجاح بمعيار القرب من السلطة لا بمعيار الإبداع والإنتاج. وهكذا، نشأت طبقةٌ مالية رَيعية لا تؤمن بالسوق إلا بقدر ما يخدم احتكارها، ولا بالوطن إلا بقدر ما يحمي امتيازاتها.

ليس غريباً، لذلك، القول بأن الواقع المذكور أنتج إرثاً ثقيلاً، وأن هذا الإرث لم يكن مجرد شبكة فساد بقدو كونه نظاماً ذهنياً وأخلاقياً متكاملاً، شوّه العلاقة بين الدولة والمجتمع، فحوّل القانون إلى توصية، والوظيفة إلى مكرُمة، والعمل إلى سلعةٍ تُقاس بالقرب لا بالجدارة. وكان من الطبيعي أن ينشأ اقتصادٌ يقوم على الخوف لا على الثقة، وعلى الامتياز لا على الكفاءة، فتراكمت الثروات في جيوبٍ مغلقة بينما ازداد الفقر والاغتراب في القاعدة الواسعة من المجتمع.

إنّ أخطر ما خلفه ذلك النظام أنه أسّس لما يمكن تسميته بـ«منظومة الولاء الاقتصادي»، حيث تُقاس القيمة الاجتماعية بمقدار النفوذ لا بمقدار الإنتاج. وحين أُسقط رأس السلطة، بقيت آثارٌ واضحة من تلك المنظومة فاعلةً في البنية العميقة للمجتمع، تواصل إعادة إنتاج نفسها عبر العلاقات والصفقات والشراكات. فالتحرير السياسي لا يوازيه بالضرورة، وبنفس السرعة، تحريرٌ اقتصاديٌ أو ثقافي، ما لم تُعاد صياغة هندسة الحوافز التي تنظّم الفعل الإنساني، وتُستبدل ثقافة الامتياز بثقافة الأداء، وثقافة الارتباط بثقافة الانتماء.

وما يفاقم الإشكالية أن جزءاً كبيراً من هذه النخبة يبدي حماسةً لفظيةً للتحرير، ويُكثر الحديث عن دعم الدولة الجديدة والوقوف إلى جانبها، ويتغنّى بإنجازاتها في المحافل الخاصة والعامة؛ غير أنّ معظم هذا الخطاب لا يتجاوز حدود اللغة إلى حدود الفعل. فحين يتطلّب الأمر مشاركةً حقيقية في مشاريع التنمية، أو استثماراً في قطاعاتٍ استراتيجيةٍ تحتاج إلى الجرأة والثقة، يتراجع كثيرون إلى مواقع الانتظار والترقّب. بعضهم يفعل ذلك بدافع الخوف من تغيّر الموازين، وبعضهم الآخر لأنّ مصالحه ما زالت مشدودةً إلى بقايا المنظومة القديمة التي تمنحه شعوراً بالأمان الاقتصادي. وهكذا، تتحول النخبة التي كان يُفترض أن تكون قاطرة الإصلاح إلى عائقٍ هيكليٍّ أمامه، تُفرمل الحركة ببطءٍ وتحت عناوين منمّقة كـ «التحفظ» و«الحذر» و«الظروف غير المستقرة».

من هنا تبرز الحاجة إلى قراءة التحول السوري الراهن بوصفه انتقالاً معقداً بين منطقين متصارعين. أولهما منطق الدولة التنموية التي تسعى إلى بناء مؤسسات شاملة. أما الثاني فهو منطق الرأسمالية الزبائنية التي تُعيد تدوير الامتيازات ضمن دوائر الولاء القديمة. فالتاريخ يُعلّمنا أن المجتمعات الخارجة من الاستبداد تواجه دائماً ما يسمى بـ «أثر المسار»، أي بقاء أنماط السلوك القديمة داخل البنية الجديدة، حتى في ظل الشعارات الإصلاحية. وهو ما يفسّر بطء التحوّل، وصعوبة تفكيك شبكات النفوذ التي تحاول الظهور بثياب الاستثمار الحديث.

وإذا كان الاقتصاد هو مرآة الأخلاق العامة، فإنّ إصلاحه لا يتحقق بالموازنات والخطط وحدها، وإنما بإعادة تعريف النجاح نفسه. فالنجاح يُقاس بما تُسهم به الثروة في بناء الوطن وصون كرامة الإنسان، وليس بحجم تلك الثروة. وهذا هو جوهر ما يسميه علماء الاجتماع الاقتصادي «الاقتصاد الأخلاقي»، حيث يصبح المال وسيلةً للخير العام لا أداةً للهيمنة، وحيث يُنظر إلى الاستثمار باعتباره فعلاً من أفعال المواطنة.

لقد علّمتنا التجارب المقارنة أن الطبقات المالية يمكن أن تتحوّل من عائقٍ إلى محرّكٍ للتنمية متى ما توفرت البيئة المؤسسية العادلة. ففي إندونيسيا ما بعد سوهارتو، لم يُهدم النفوذ القديم بالقوة، وإنما أُعيد تشكيله عبر قوانين المنافسة والشفافية. وفي جورجيا بعد عام 2004، هُزمت ثقافة الرشوة بإصلاح الشرطة والجمارك والخدمات الرقمية، وليس بالمواعظ. وفي كوريا الجنوبية، حين تحالفت الدولة مع الصناعيين المنتجين بدل المقرّبين، نشأ نموذجٌ تنمويٌّ نقل البلاد من الفقر إلى الريادة. والدرس واحد في جميع الحالات، ويتمثل في ترسيخ حقيقة إنّ الثقة المؤسسية هي رأس المال الحقيقي لأي نهضة، وأنّ كلفة التعاملات، لا تنخفض إلا حين تُبنى منظومة تحكمها القواعد لا العلاقات.

أما في الحالة السورية، فلا تزال العلاقة بين رأس المال والسلطة في طور إعادة التعريف. ذلك أن إعادة بناء الاقتصاد تعني إعادة تأسيس الشرعية الأدائية، وليس فقط ضخ الأموال. بمعنى ترسيخ قدرة الدولة على كسب ثقة المواطنين عبر نتائج ملموسة في المعيشة والخدمات والعدالة. وهذا لن يتحقق إلا بظهور «طبقة مُنتِجة سورية جديدة» تحلّ محلّ الأوليغارشية القديمة، تستخدم المال لبناء المصانع والمدارس، لا لشراء النفوذ. وترى في العمل مسؤوليةً جماعية، وفي الثراء التزاماً أخلاقياً، وفي الاستثمار طريقاً للمواطنة.

هذه الطبقة هي التي يمكن أن تُعيد وصل ما انقطع بين الدولة والمجتمع، فتكون الجسر بين السوق والمصلحة العامة. ومع ولادتها، يمكن للمجتمع أن ينتقل من منطق «الامتياز» إلى منطق «الإنجاز»، ومن ثقافة الخوف إلى ثقافة الثقة. إنها عملية طويلة لكنها ممكنة إذا تضافرت الإصلاحات الاقتصادية مع تحوّلٍ ثقافيٍّ أعمق، يبدأ في المدرسة والإعلام والجامعة، حيث يُعاد الاعتبار لقيمة العمل والإنتاج، وحيث يتعلم الجيل الجديد أن الجدارة فضيلة، وأنّ الطريق إلى الغنى يمرّ عبر الاجتهاد لا الالتفاف.

وفي جوهر هذا المسار يقف السؤال المطروح على الدولة نفسها: هل تستطيع بناء مؤسسات تحكم بالقانون لا بالأشخاص؟ وهل تنجح في إقامة إدارةٍ عموميةٍ نظيفة تحمي المبادرة وتضمن المنافسة؟ إنّ بناء بيروقراطية حديثة، شفافة ومحايدة، هو الشرط الأول لأي تحوّلٍ اقتصادي حقيقي. أما الدولة التي تبقى أسيرة الأهواء والمحسوبيات، فإنها تُعيد إنتاج منطق النظام القديم ولو بشعاراتٍ جديدة.

لهذا، فإنّ الثورة التي أزاحت الاستبداد السياسي يجب أن تُستكمل بثورةٍ صامتةٍ على الاستبداد الاقتصادي والاجتماعي. فكما أن الوطن لا يُبنى بالولاء الأعمى، لا تُبنى الدولة بالثراء الأعمى. وحين تنضج النخبة الجديدة، وتُعيد الثروة إلى معناها الأخلاقي، ستتحول لتصبح العمود الفقري للاقتصاد السوري الحديث، والشريك الحقيقي في ترميم العمران المادي والمعنوي للبلاد.

إنّ النخبة الحقيقية، المطلوبة في سوريا الجديدة اليوم، ليست تلك التي تتقن النقد من بعيد أو ترفع الشعارات في الفراغ، وإنما تلك التي تُحوّل وعيها إلى فعل، وضميرها إلى مبادرة، وثروتها إلى التزام. وحين يحدث ذلك، فلن تعود الدولة مضطرةً لتربية شعبها، وإنما سيجد الشعب نفسه قد أقام دولته من جديد.

دولةً تُقاس قيمتها لا بما تملكه من السلطة، وإنما بما تُحرّره من الإنسان.

كاتب من سوريا يقيم في أمريكا

القدس العربي

—————————

أموال بلا استثمار.. هل تبقى تحويلات المغتربين السوريين حبيسة الاستهلاك؟/ ملهم جزماتي

تحديث 23 تشرين الأول 2025

شكلت تحويلات المغتربين السوريين على مدى العقد الماضي طوق نجاة لملايين الأسر في الداخل، ورافدًا حيويًا للاقتصاد المنهك. لكن هذه التدفقات المالية، التي تقدرها مصادر اقتصادية بما يتراوح بين 7 إلى 8 ملايين دولار يوميًا، تحمل في طياتها إمكانات هائلة تتجاوز مجرد الاستهلاك.

في حين تشير التقديرات إلى أن الحجم السنوي لهذه التحويلات يتراوح بين 2 إلى 2.5 مليار دولار، فإن آخر رقم رسمي مسجل لدى البنك الدولي في عام 2010 بلغ 1.62 مليار دولار، مع غياب أي بيانات رسمية للسنوات اللاحقة.

هذا الفارق الكبير، والفجوة المعلوماتية، يسلطان الضوء على حقيقة أن جزءًا ضخمًا من هذه الأموال يتدفق عبر قنوات غير رسمية، مع الأخذ بعين الاعتبار ازدياد عدد السوريين في الخارج نتيجة ظروف الحرب المستمرة على مدى أربعة عشر عامًا، مما يحرم الاقتصاد من الاستفادة الكاملة من هذه السيولة الحيوية. وهنا يبرز السؤال المحوري: كيف يمكن تحويل هذه الأموال من مسار استهلاكي قصير الأجل إلى رافعة استثمارية طويلة الأمد تسهم في إعادة بناء الاقتصاد السوري؟

واقع التحويلات.. شريان حياة في اقتصاد منهك

في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي يعاني منها السوريون، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن 90% منهم يعيشون تحت خط الفقر، و66% يعانون من الفقر المدقع، أصبحت الحوالات المالية القادمة من الخارج المصدر الرئيسي للدخل لشريحة واسعة من المجتمع.

هذه الأموال تذهب مباشرة لتغطية النفقات الأساسية من غذاء ودواء وإيجارات، وتسهم في التخفيف من حدة الأزمة الإنسانية. وقد أكد تقرير للبنك الدولي صدر في أيار 2024 على هذا الدور الحيوي، مشيرًا إلى أن تلقي الحوالات يرتبط بانخفاض احتمالية الوقوع في الفقر المدقع بنسبة 12 نقطة مئوية.

على المستوى الاقتصادي الكلي، تلعب هذه التحويلات دورًا لا يمكن إغفاله في دعم استقرار سعر صرف الليرة السورية نسبيًا، كونها المصدر الأهم للعملة الصعبة في البلاد بعد تراجع القطاعات الإنتاجية والصادرات. وقد وصف حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر الحصرية، هذه الأموال بأنها “شريان حياة” للاقتصاد الوطني.

لكن على الرغم من أهميتها الاجتماعية والاقتصادية، فإن الأثر التنموي لهذه التحويلات يبقى محدودًا. إذ تشير التقديرات إلى أن ما يقارب 80% من هذه الأموال يذهب مباشرة إلى الاستهلاك الفوري، مما يحد من تأثيرها في تحفيز الدورة الإنتاجية أو خلق فرص عمل جديدة. هذا النمط يعزز ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد البقاء”، الذي يضمن استمرارية الحياة اليومية، لكنه لا يبني أساسًا متينًا لاقتصاد قادر على النمو والتطور بشكل مستدام. ومن هنا، فإن التحدي الأكبر يكمن في ابتكار السبل الكفيلة بتحويل جزء من هذه السيولة من مجرد إنفاق استهلاكي إلى وقود يدفع عجلة الاستثمار والتنمية.

بناء الثقة المفقودة.. حجر الزاوية لاستقطاب الأموال

تعاني العلاقة بين المغتربين السوريين والنظام المصرفي المحلي من أزمة ثقة عميقة ومتجذرة، تراكمت على مدى سنوات طويلة. فتجارب مثل فقدان الودائع، تجميد الحسابات بشكل تعسفي، والانهيار المستمر لقيمة الليرة السورية، والأهم الخوف من أن تطالهم تأثير العقوبات الاقتصادية المفروضة على الجهاز المصرفي السوري وكل من يتعامل معه، كلها عوامل دفعت السوريين في الخارج إلى تجنب القنوات الرسمية واللجوء إلى السوق الموازية لإرسال أموالهم.

وبهذا، يخسر الاقتصاد السوري سيولة ضخمة كان من الممكن أن تضخ في شرايينه لو توفرت بيئة مصرفية آمنة وموثوقة.

إن استعادة هذه الثقة المفقودة تتطلب حزمة من الإصلاحات الهيكلية التي تبدأ بالشفافية والحوكمة. نشر تقارير مالية دورية للمصارف، وتطبيق معايير الحوكمة الدولية، وتوفير آليات مستقلة لحماية المودعين، هي إجراءات أساسية يجب أن تسبق أي محاولة جادة لاستقطاب أموال المغتربين. كما أن وجود طرف ثالث مستقل، مثل شركات تدقيق دولية، يمكن أن يمنح المستثمرين في الخارج شعورًا أكبر بالأمان ويحد من المخاوف المرتبطة بسوء الإدارة أو الفساد.

على الصعيد القانوني، تبرز الحاجة إلى سن قوانين واضحة وصريحة تمنع التجميد التعسفي للحسابات، وتضمن حرية السحب والإيداع بالعملات الأجنبية. كما أن إنشاء محاكم تجارية متخصصة للفصل السريع في النزاعات المصرفية، وتحديث البنية التحتية التكنولوجية للمصارف لتوفير منصات رقمية آمنة وسهلة الاستخدام، هي خطوات لا غنى عنها لتعزيز جاذبية القطاع المصرفي السوري. فالمغترب يحتاج إلى الشعور بأن أمواله ليست فقط آمنة، بل وأنه قادر على إدارتها والوصول إليها من أي مكان في العالم بسهولة ويسر.

أدوات مالية مبتكرة.. لتحويل الحوالات إلى استثمارات

بناء الثقة وحده لا يكفي، بل يجب أن يترافق مع توفير أدوات مالية مبتكرة وجذابة قادرة على استقطاب مدخرات المغتربين وتوجيهها نحو استثمارات منتجة. وتبرز “سندات المغتربين” كواحدة من أبرز هذه الأدوات، وهي أوراق دين تصدرها الحكومة بعائد تنافسي بالدولار لتمويل مشاريع استراتيجية في قطاعات حيوية مثل الطاقة، البنية التحتية، أو الزراعة.

تقدم التجارب الدولية دروسًا قيّمة في هذا المجال. ففي عام 2014، طرحت مصر سندات لتمويل توسيع قناة السويس، لكن مساهمة المغتربين لم تتجاوز 1% من الإجمالي بسبب ضعف الثقة وغياب الضمانات الكافية. أما إثيوبيا، فقد نجحت نسبيًا في استخدام سندات المغتربين لتمويل سد النهضة بعد انسحاب المؤسسات المالية الدولية، حيث جمعت ملايين الدولارات مستفيدة من الدافع الوطني القوي لدى المغتربين. وفي عام 2017، أصدرت نيجيريا سندات بقيمة 300 مليون دولار بعد تسجيلها لدى هيئة الأوراق المالية الأمريكية، مما عزز مصداقيتها. هذه التجارب تؤكد أن نجاح مثل هذه المبادرات يتطلب هيكلة سليمة، شفافية عالية، عوائد مجزية، ضمانات موثوقة، وربط السندات بمشاريع وطنية ذات أثر ملموس.

إلى جانب السندات، يمكن إنشاء “صناديق استثمارية” موجهة للمغتربين تركز على قطاعات واعدة مثل التكنولوجيا، الطاقة المتجددة، أو العقارات. هذه الصناديق تتيح للمغتربين الاستثمار بمبالغ صغيرة وتنويع محافظهم الاستثمارية، مع إمكانية الاستفادة من إدارة مهنية متخصصة. وفي هذا السياق، يمكن لصندوق التنمية السوري، الذي تمكن من جمع أكثر من 80 مليون دولار خلال أسابيع من إطلاقه، أن يلعب دورًا محوريًا كمنصة مركزية لتطوير وإدارة مثل هذه المبادرات.

الطريق نحو التحول

لا يمكن لهذه المبادرات أن تنجح بمعزل عن استقرار اقتصادي ونقدي شامل. فالمغترب، مثل أي مستثمر آخر، لا يبحث فقط عن العوائد، بل عن الثقة باستقرار بيئة الاستثمار. هذا يتطلب إصلاحات هيكلية عميقة، وتبني سياسات مالية ونقدية متسقة، والأهم معالجة ملف العقوبات الدولية الذي يبقى العقبة الأكبر أمام أي تحول جذري في القطاع المصرفي السوري.

إن تحويلات المغتربين السوريين ليست مجرد أرقام في تقارير اقتصادية، بل هي طاقة كامنة قادرة على إحداث فارق حقيقي في مستقبل سوريا الاقتصادي. لكن تفعيل هذه الطاقة يتطلب رؤية استراتيجية متكاملة تجمع بين الإصلاح المصرفي الجذري، وبناء جسور الثقة مع المغتربين، وابتكار أدوات مالية واستثمارية تتناسب مع تطلعاتهم وتضمن أمان مدخراتهم. إن نجاح هذه المهمة سيحول المغترب السوري من مجرد “ممول” لاحتياجات أسرته، إلى “شريك” فاعل وأساسي في بناء وتنمية وطنه.

عنب بلدي

========================

تحديث 22 تشرين الأول 2025

———————————-

 حجر جديد في بناء اقتصاد سوريا: إسمنت الإعمار أم الاستثمار؟/ دمشق – رهام علي

الأربعاء 2025/10/22

شكل توقيع وزارة الاقتصاد والصناعة السورية لمذكرة تفاهم مع مجموعة “فيرتكس” العراقية للاستثمارات لإعادة تأهيل وتشغيل الخط الثالث في معمل إسمنت حماة خطوة نوعية في مسار إعادة إحياء القطاع الصناعي الثقيل في سوريا، إذ يأتي المشروع ضمن خطة حكومية تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي، سد الفجوة بين العرض والطلب، ودعم مشاريع إعادة الإعمار، في وقت يعاني فيه السوق المحلية من الإغراق بالإسمنت المستورد الرخيص.

لكن المشروع لا يقتصر على زيادة الطاقة الإنتاجية، بحسب خبراء، بل يحمل رسائل اقتصادية واستثمارية وسياسية حول جاذبية السوق السورية للاستثمارات الاستراتيجية، وإمكانية تطوير التعاون الصناعي مع الشركاء الإقليميين.

رفع القدرة الإنتاجية وتعزيز السوق

هذا وتنص مذكرة التفاهم على رفع الطاقة الإنتاجية للخط الثالث من 3300 طن يومياً إلى 5000 طن كلنكر يومياً، إضافة إلى إنشاء خط إنتاج جديد بطاقة 6000 طن يومياً، ليصل إجمالي الطاقة الإنتاجية للمعمل إلى نحو 11 ألف طن يومياً خلال السنوات الخمس المقبلة.

ومن المقرر أن يُستكمل تأهيل الخط الثالث ويبدأ تشغيله خلال 13 شهراً من تاريخ توقيع العقد.

هذه الأرقام تعكس توجهاً واضحاً نحو سد النقص في المعروض المحلي من مادة الإسمنت، في ظل ارتفاع الطلب المتوقع مع تسارع مشاريع البناء والإعمار في مختلف المحافظات، الأمر الذي من شأنه إعادة التوازن إلى السوق المحلية وتقليص الحاجة إلى الاستيراد.

واقع شركات الإسمنت.. وتحدي المنافسة

ومنذ مطلع عام 2025، عانت شركات الإسمنت الوطنية من ضغوط كبيرة بسبب الإغراق بالإسمنت المستورد منخفض السعر، ما أدى إلى تراجع الأسعار محلياً وتقليص هوامش الربح بشكل مؤثر.

ومع بدء تنفيذ المشروع الجديد في حماة، يتوقع أن تُخفف الضغوط السوقية تدريجياً من خلال زيادة المعروض المحلي وتوفير مادة إسمنت وطنية بأسعار أكثر استقراراً، ما يعزز القدرة التنافسية للمنتج السوري أمام المستورد، ويدعم سياسة الدولة في تقليص فاتورة الاستيراد.

خريطة جديدة لقطاع الإسمنت السوري

يقول الخبير الاقتصادي عامر ديب، إن توقيع مذكرة التفاهم الخاصة بمعمل إسمنت حماة يشكّل منعطفاً حقيقياً في مسار الصناعة الثقيلة السورية، ويعبّر عن تحول استراتيجي في سياسة الإنتاج الوطني.

ويشير ديب لـ “المدن”، إلى أن رفع الطاقة الإنتاجية إلى 11 ألف طن يومياً يساهم مباشرة في سد الفجوة بين الطلب والإنتاج المحلي، ويقلل الاعتماد على الاستيراد، إلى جانب خلق فرص عمل جديدة وتحفيز استثمارات إضافية في قطاع يعتبر حجر الأساس في عملية الإعمار.

ويضيف ديب أن التعاون مع مستثمر خارجي – عراقي – يعكس ثقة إقليمية متنامية بالسوق السورية، رغم التحديات الاقتصادية والسياسية، لكون قطاع الإسمنت من القطاعات ذات الطبيعة الثابتة طويلة الأمد التي تعتمد على الموارد المحلية مثل الحجر الكلسي والطاقة.

ويتابع ديب موضحاً أن المذكرة لا تقتصر على خطوط الإنتاج فحسب، بل تشمل تدريب وتأهيل الكوادر الفنية، ورفع كفاءتهم، وتطبيق أعلى معايير الجودة والبيئة والسلامة المهنية، ما يجعل المشروع نموذجاً متقدماً للاستثمار الصناعي المستدام.

كذلك، يرى أن تطوير البنية التحتية للنقل والتوزيع سيسهم في تعزيز كفاءة الإنتاج، وتحويل معمل إسمنت حماة إلى أحد الأعمدة الصناعية الرئيسة في سوريا خلال السنوات المقبلة.

أما التحديات، فيشير ديب إلى وجود تساؤلات حول مصادر الطاقة اللازمة لتشغيل الخطوط الجديدة، ومدى قدرة السوق المحلية على استيعاب الكميات الإضافية في ظل ضعف القوة الشرائية، إلى جانب ضرورة التزام المستثمر بالجدول الزمني المحدد لتأهيل الخط الثالث خلال 13 شهراً.

ويعكس المشروع، وفقاً للخبير الاقتصادي، إرادة حقيقية لإعادة بناء القاعدة الصناعية السورية، وقد يشكّل نموذجاً للتكامل الاقتصادي الإقليمي الذي يجمع بين إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات العربية.

مشاريع موازية… وتوسع استثماري متسارع

بالتوازي مع مشروع حماة، أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة عن توقيع عقد لإنشاء معمل إسمنت جديد في محافظة ريف دمشق بتكلفة استثمارية تبلغ 200 مليون دولار، ما يعزز توجه الحكومة نحو توسيع قاعدة الإنتاج الصناعي في هذا القطاع الحيوي.

وبحسب المدير العام للشركة العامة لصناعة وتسويق الإسمنت محمود فضيلة، فإن عدداً من المعامل الوطنية سيعود للإنتاج قريباً، في حين ستستأنف بعض المنشآت عملها بعد الصيانة خلال الشهرين القادمين، مثل معمل إسمنت طرطوس الذي دخل فيه المستثمر فعلياً.

وأشار فضيلة إلى أن مشروع حماة يسير بالتوازي مع معمل ريف دمشق الجديد، ومن المتوقع أن يبدأ تشغيل المعملين في الوقت نفسه، مؤكداً أن جميع معامل الإسمنت الحديثة ستدخل مرحلة التشغيل الكامل خلال نحو ثلاث سنوات، ما سيؤدي إلى تأمين حاجة السوق المحلية وطرح أصناف جديدة من الإسمنت السوري في الأسواق.

شراكات عربية جديدة… وعودة رأس المال الصناعي

في سياق متصل، يشهد قطاع الإسمنت توسعاً في الشراكات الإقليمية، حيث رسا عقد استثمار مطاحن معمل إسمنت طرطوس على مجموعة “كيو بي زد” الإماراتية، وفق نظام B.O.T لمدة عشر سنوات، وبطاقة إنتاجية تصل إلى ثمانية آلاف طن يومياً.

وبناء عليه، فإن نجاح هذه المشاريع سيبقى رهناً بقدرة الدولة والمستثمرين على تجاوز تحديات الطاقة والتمويل والإدارة الحديثة، وضمان تسويق الإنتاج في سوق محلية تعاني من ضعف القوة الشرائية.

ورغم الزخم في التوقيع والوعود، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ عند دخول خطوط الإنتاج حيز التنفيذ، حينها فقط يُعرف ما إذا كان هذا الإسمنت سيبني فعلاً جدار الاقتصاد السوري… أم يغطي تشقّقاته.

المدن

———————————

 سوريا تنظّف قطاعها المالي من أزمة مصارف لبنان/ علي نور الدين

الأربعاء 2025/10/22

بات على المصارف السوريّة، التي أودعت أو استثمرت أموالًا في النظام المالي اللبناني، أن تحتسب كل تلك التوظيفات كخسائر كاملة، وبنسبة مئة بالمئة. وفي الخلاصة، ستُشطب هذه المبالغ من الميزانيّات. ولهذا الغرض، سيكون على المصارف السوريّة، وخلال فترة لا تتجاوز الستّة أشهر، أن تُعد خطّة كاملة لإعادة الهيكلة، والتخلّص من أعباء الأزمة الماليّة اللبنانيّة. من الناحية التقنيّة، وضع المصرف المركزي السوري خريطة الطريق لإنجاز هذه المسألة، بداية من تكوين المخصّصات الماليّة التي ستسمح بالتعامل مع هذه الخسائر. وهذا يقتضي طبعاً البحث عن مصدر ما، ما سيفرض بحث المصارف السوريّة، المنكشفة على أزمة لبنان، عن رساميل جديدة: إما عبر ضخ المساهمين الحاليين سيولة جديدة، أو عبر استقدام مساهمين وشركاء جدد.

لكن بعيداً عن اللغة التقنيّة التي أوردها قرار المصرف المركزي، كما نقلته وكالة رويترز يوم أمس، ثمّة أسئلة حول خلفيّات هذه الخطوة على مستوى “الاقتصاد السياسي”. ويمكن صياغة هذا السؤال على النحو التالي: كيف يمكن أن يغيّر القرار خريطة القطاع المصرفي السوري على المدى الأبعد؟ وهل سيكون له تداعيات على القطاع المصرفي اللبناني، وأزمته؟

الإجابة الواضحة اليوم، تشير إلى أنّ فروع المصارف اللبنانيّة، في سوريا، هي الأكثر انكشافًا على الخسائر التي يتحدّث عنها مصرف سوريا المركزي. وهي التي ستضطر مستقبلاً لإدخال مساهمين، ومشاركة رخصها مع أطراف أجنبيّة أخرى، ما لم تتمكن من تأمين سيولة إضافيّة لتغطية الخسائر. وهذا ما يقوله المصرفيون اللبنانيون، بصريح العبارة. أمّا الوضعيّة الماليّة لمصارف لبنان نفسها، فلن تتأثر. وهي الغريق فما خوفها من البللِ.

وضعيّة المصارف اللبنانيّة في سوريا

مراجعة سريعة للأرقام، تُظهر سبب امتعاض المصرفيين اللبنانيين من قرار المصرف المركزي السوري. فعدد الرخص الممنوحة للمصارف الخاصّة التجاريّة والاستثماريّة والإسلاميّة في سوريا،لا يزال محدوداً بـ 14 رخصة. وحضور الكيانات السوريّة، المملوكة من مصارف لبنانيّة، لا يزال واضحاً للعيان: يمتلك فرنسبك لبنان 48% من فرنسبنك سوريا، ويسيطر لبنان والمهجر على 49% من أسهم بنك سوريا والمهجر، وبيمو لبنان يستحوذ على 49% من بيمو السعودي الفرنسي في سوريا، وفيرست ناشيونال بنك لا يزال يحتفظ بحصّة 7% من بنك سوريا والخليج… وهكذا دواليك.

فصلت المصارف اللبنانيّة ميزانيّاتها وعمليّاتها عن كل ما له علاقة بالشأن المصرفي السوري. قبل الـ 2019، كان ذلك خوفاً من تأثير العقوبات. ثم أصبحت هذه الخطوة مفيدة لتلافي الخلط ما بين الأزمة الماليّة في لبنان، والوضعيّة الماليّة للكيانات السوريّة. وتركت المصارف اللبنانيّة حضورها السوري من خلال ملكيّة حصص في الكيانات السوريّة، بانتظار اليوم الذي تسمح فيه الظروف بإعادة التوسّع في سوريا.

لكن هذا الفصل المحاسبي والشكلي، لم يكن كاملاً. فالكيانات السوريّة، المملوكة جزئياً من مصارف لبنان، لعبت في الماضي دور القناة التي وجهت الأموال السوريّة إلى لبنان. إذ إنّ جزءًا من الودائع والاستثمارات في تلك الكيانات السوريّة، جرى توظيفه بأشكال مختلفة في المصارف اللبنانيّة. هذا “الانكشاف” على مخاطر القطاع المصرفي اللبناني، ورّط الكيانات السوريّة في خسائر ناتجة عن أزمة لبنان الماليّة.

قيمة هذا الانكشاف كبيرة، ولا يُستهان بها. وتبلغ بحسب أرقام المصرف المركزي السوري 1.6 مليار دولار، من أصل ودائع تُقدّر بنحو 4.9 مليار دولار. والأكثر غرقاً في هذا المستنقع، هي الكيانات المملوكة من مصارف لبنان، التي تمتلك قدراً أكبر من الترابط ما بين وضعها المالي والوضع المالي اللبناني. وتماماً كما فعلت المصارف الأم في لبنان، تفادت الكيانات السوريّة الاعتراف بهذه الخسائر في ميزانيّاتها، وتركتها في قائمة الموجودات كأصول قائمة بالفعل.

السباق على القطاع المصرفي السوري

السوق المصرفيّة السوريّة عطشى لاستثمارات جديدة في القطاع المالي، وخصوصًا مع بدء اندماج البلاد التدريجي في النظام المالي العالمي. ومن المتوقّع طبعاً أن تشهد سوريا تسابقاً على رخص الكيانات المصرفيّة الجديدة، فيما ستحدّد هذه الرخص خريطة وشكل القطاع المصرفي السوري المستقبلي، وهويّة الجهات الأكثر تأثيراً فيه.

مصادر مصرفيّة لبنانيّة تتوقّع أن تعجز معظم الكيانات المصرفيّة السوريّة، المملوكة من مصارف لبنان، عن تأمين الرساميل المطلوبة لإطفاء الخسائر التي يتحدّث عنها المصرف المركزي السوري، ما سيفرض إدخال شركاء جدد في هذه الكيانات. وبعد أن باعت العديد من المصارف اللبنانيّة كياناتها الشقيقة في العراق ومصر والأردن، ستتجه إلى خسارة موقعها الاستراتيجي في السوق السوريّة.

لا يُلام المصرف المركزي السوري على هذا القرار. فلا يوجد سلطة نقديّة ترغب بالمحافظة على مصارف “زومبي” تمتلك خسائر غير معترف بها. والمصارف اللبنانيّة تمتلك مميّزات تنافسيّة، كان يمكن أن تسمح لها بالتوسّع في السوق السوريّة. لكنّ وضعيّتها الماليّة في لبنان، وموجبات إعادة الرسملة التي تنتظرها هنا، لن تسمح لها بلعب دور إيجابي كبير في السوق السوريّة. أمّا الأهم، أن التجربة السابقة لإداراتها، سواء في لبنان أو في سوريا، لا تشجّع على منحها الثقة الكاملة في الفترة المقبلة، كما لا تشجّع على التضحية بتحمّل خسائرها في سوريا.

——————————

حاكم المصرف للإخبارية: بعثة أمريكية ستتولى متابعة طرح العملة الجديدة في الأسواق

تشرين الأول 20, 2025        

كشف حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية، خلال لقاء خاص مع الإخبارية، عن مشاريع جديدة لتطوير المصرف المركزي تتعلق بدعم العملة الوطنية الجديدة، مؤكداً أن بعثة خاصة من الولايات المتحدة الأمريكية ستتولى متابعة استبدال النقد المطروح وطرحه في الأسواق.

وأكد حاكم المصرف أنه حضر برفقة وزير المالية محمد يسر برنية خلال زيارتهم إلى الولايات المتحدة الأمريكية نحو 60 اجتماعاً، وذلك ضمن خطتهم لحضور الاجتماعات السنوية لمجموعة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

وأضاف حصرية خلال اللقاء أن الاجتماعات شملت صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وذلك بهدف متابعة ما بدأ في نيسان الماضي خلال اجتماعات الربيع، إضافة إلى لقاءات مع وزارة الخزانة الأمريكية والاحتياطي الفيدرالي وشركات استشارية أمريكية وغرفة التجارة الأمريكية، فضلاً عن اجتماعات مع شركات كبرى مثل “فيزا”، “ماستر كارت”، و”سيتي بنك”.

وأشار حصرية إلى أن الاجتماعات الحالية أظهرت اهتماما غير مسبوق بسوريا وإعادة إعمارها، واصفاً دعم سوريا بأنه “منقطع النظير”، ولم يروه في أي دولة شهدت حرباً خلال السنوات الـ25 الماضية.

وفي 17 تشرين الأول، التقى حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حصرية بالرئيس التنفيذي لمجموعة فيزا للأسواق العالمية، أوليفر جينكن، المسؤول عن إدارة أعمال الشركة حول العالم، حيث بحث الجانبان آفاق التعاون الممكنة بين الجانبين واستعراض فرص دخول “فيزا” إلى السوق السورية.

اجتماعات تهدف لدعم عملية التعافي

أشار حصرية إلى أن الاجتماعات التي أجريت في واشنطن تهدف لدعم عملية التعافي في سوريا والمضي قدماً في تطوير المصرف المركزي واندماج القطاع المالي السوري مع النظام المالي العالمي.

وأضاف حاكم مصرف سوريا المركزي أن الاجتماعات أسفرت عن خطوات كبيرة في تطوير المصرف المركزي، والحصول على وعود بتقديم المساعدة الفنية في جميع الملفات، بما يجعل المصرف يعمل وفق القواعد العالمية.

وأفاد حصرية أن سوريا اتفقت على الحصول على مساعدة فنية لتنظيم العملات الرقمية في البلاد، معتبراً ذلك “تطوراً مهماً” للغاية، ومشدداً على أن الطموح كبير والتحديات موجودة ولكن العمل مستمر لتطوير القطاع المالي، بما ينعكس على الحياة الاقتصادية، وأن الجهود اليومية تهدف لتحرير القطاع المصرفي من القيود المتراكمة منذ أكثر من 50 عاماً نتيجة العقوبات وإهمال المصرف المركزي.

كما أشار إلى أن هناك بعثة مختصة بأنظمة الدفع ستزور سوريا في منتصف شهر تشرين الثاني لدراسة أنظمة الدفع وتقديم أفضل الحلول لتطويرها بما يلبّي الطموحات الوطنية، موضحاً أن هناك اتفاقاً على إرسال بعثات أخرى لدعم سوريا في إصلاح القطاع المالي وأخرى لتدريب الكوادر.

تسهيل الحوالات البنكية للمغتربين

فيما يتعلق بالزيارات المستقبلية إلى واشنطن لاستكمال المشروعات والخطط، أوضح حصرية أن أحد أهم التركيزات هو تطوير العلاقات المالية والتجارية بين سوريا والولايات المتحدة، والتي تحتاج لمتابعة مستمرة وخاصة في القطاع المالي.

وبيّن حاكم المصرف للإخبارية أن الاجتماعات الأخيرة كانت مفيدة للغاية، والهدف الأساسي حالياً هو تفعيل الحساب السوري لدى البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، الذي سيكون خطوة كبيرة وسيفتح الباب أمام مصارف المراسلة ويعزز انخراط القطاع المالي السوري عالمياً.

وأكد حصرية أن العمل جارٍ لتسهيل الحوالات البنكية خاصة للمغتربين السوريين، وأن إقامة علاقات مباشرة بين البنوك السورية والمراسلة يحتاج جهداً مستمراً، مع الالتزام التام بأنظمة مكافحة غسل الأموال.

سوريا تنضم لنظام التحويلات العربية

لفت حصرية خلال حديثه إلى أن سوريا اتفقت مع صندوق النقد العربي للانضمام إلى نظام التحويلات بين الدول العربية، مؤكداً أن كل يوم يشهد تطوراً جديداً في هذا المجال، بما ينعكس إيجاباً على الحياة الاقتصادية ويخفف من كلفة العقوبات التي يتحمّلها المواطن السوري.

وأوضح حصرية أن لقاءاته مع الجالية السورية في الولايات المتحدة تناولت المعاناة اليومية في التحويلات والحالات التي تواجه الابتزاز، مؤكداً ضرورة التواصل مع المصارف السورية المرخصة ومراسلها المباشر لتفادي هذه المشكلات.

وأضاف أن التعاون مع المصارف العربية، مثل المصرف السعودي، أسفر عن فتح التحويلات بالريال السوري، وهو ما يمثّل خطوة إيجابية لمواجهة التحديات اليومية للقطاع المصرفي السوري.

—————————–

 الإدارة القنصلية في سوريا.. نموذج إداري يطرح تساؤلات حول إمكانية الإصلاح الحكومي/ سامر العاني

2025.10.20

في سياق تتسم فيه الإجراءات الحكومية في سوريا بالتعقيد والبطء، تبرز تجربة الإدارة القنصلية في وزارة الخارجية السورية كنموذج مختلف يمكن دراسته واستنساخه إلى باقي الدوائر الحكومية، فبعد أسابيع طويلة من المراجعات المرهقة والتكاليف الباهظة في دوائر أخرى، يجد المراجعون أنفسهم أمام نموذج مختلف تمامًا في هذه الإدارة، حيث اختُصرت المعاملات المعقدة إلى دقائق معدودة، وبكلفة رمزية لا تُذكر.

تفتح هذه المفارقة الباب أمام تساؤلات عديدة حول إمكانية إصلاح البيروقراطية وتأثير الإرادة الإدارية في تبسيط حياة المواطنين.

مفارقة في زمن البيروقراطية

تُعد قصة عبد العزيز محمد وميسون، المراجعين في الإدارة القنصلية بوزارة الخارجية السورية، شهادة حية على التناقض بين واقع الإجراءات البيروقراطية المتجذرة وما يمكن أن تكون عليه الخدمات الحكومية الفعالة.

ففي رحلة امتدت لأكثر من أسبوعين، خاض عبد العزيز متاهة إدارية شملت السفارة التركية في دمشق، ومكاتب الترجمة المعتمدة، ودوائر الامتحانات، ومكاتب الكاتب بالعدل، وكانت كل محطة من هذه المحطات تتطلب وقتًا وجهدًا ومالًا، وتتسم بإجراءات معقدة وطوابير طويلة، مما يعكس صورة نمطية للتعاملات الحكومية التي تُنهك المواطن وتعيق مصالحه.

يوضح عبد العزيز لموقع تلفزيون سوريا، أنه لم يكن يتوقع سوى المزيد من هذا العبء عند وصوله إلى الإدارة القنصلية بوزارة الخارجية السورية، غير أن ما واجهه هناك كان مختلفا تماما.

ويضيف أن إجراءات التصديق لم تستغرق سوى دقائق معدودة، وهذا التحول الجذري لم يقتصر على السرعة فحسب، بل شمل أيضا التكاليف، إذ لم تتجاوز قيمة التصديق لكل ملف 4500 ليرة سورية، أي ما يعادل أقل من نصف دولار أميركي، في حين بلغت كلفة تصديق الصور طبق الأصل 2500 ليرة فقط، أي أقل من ربع دولار.

تُبرز هذه الأرقام الرمزية كفاءة في إدارة الوقت والموارد، وتثير تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء التعقيدات في الدوائر الأخرى.

ولا تقتصر هذه التجربة على الطلبة الحاصلين على شهادات ثانوية غير سورية فحسب، بل تمتد لتشمل جميع الأوراق المتعلقة بالمغتربين، من إخراج القيد ومعاملات الزواج وتسجيل الولادة وصولًا إلى الشهادات الجامعية، مما يؤكد أهمية هذه الإدارة في تسهيل حياة شريحة واسعة من المواطنين.

مقارنة بين نهجين إداريين

تثير التغييرات في الإدارة القنصلية تساؤلًا جوهريًا، لماذا تستمر العراقيل والتعقيدات البيروقراطية في مؤسسات حكومية أخرى في حين تثبت إدارات محددة إمكانية التغيير؟

يشير المتخصص في الإدارة، فهد السلامة، لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن الأمر لا يحتاج إلى معجزات أو موارد ضخمة، بل إلى إرادة إدارية حقيقية تخفف البيروقراطية وتنظم العمل، فالتجربة الناجحة في الإدارة القنصلية تعتمد على خطوات بسيطة وفعالة، مثل تجهيز صالات مخصصة للمراجعين وتطبيق نظام إلكتروني لحجز الدور، وهي حلول ليست معقدة أو باهظة الكلفة، ويمكن تطبيقها في أي مؤسسة حكومية تسعى لتحسين خدماتها.

ويضيف أن المقارنة بين النهجين الإداريين تكشف فجوة كبيرة في الفلسفة التشغيلية، ففي حين تركز بعض المؤسسات على الأوراق والتسلسل الهرمي البطيء وغياب التنسيق، تبنت الإدارة القنصلية نهجًا يُبسط الإجراءات ويُقلل الاحتكاك البشري ويستفيد من التكنولوجيا المتاحة.

ويرى السلامة أن التوسع في تطبيق هذه النماذج الناجحة يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا في كفاءة الأداء الحكومي ورضا المواطنين.

تعزيز الشفافية والمساءلة

من أبرز ما يميز تجربة الإدارة القنصلية إدخال آلية مبتكرة لرقابة الأداء، من خلال تخصيص باركود للمراجعين يمكنهم من تقييم الموظفين مباشرة.

تشير ميسون، إلى أن هذه الخطوة تمثل نقلة نوعية في تعزيز الشفافية والمساءلة، إذ تقدم صوتًا مباشرًا للمواطن وتجعله شريكًا فاعلًا في تحسين جودة الخدمة.

إن ربط أداء الموظف بتقييم المراجع يشكل حافزًا قويًا لتقديم أفضل أداء، ويسهم في خلق بيئة عمل تتسم بالاحترافية والاهتمام بالمواطنين.

ويشدد فهد السلامة على أن هذه الآلية تُعد نموذجًا للرقابة الشعبية الهادفة إلى تصحيح الأخطاء وتحسين الأداء بصورة مستمرة، فالمعلومات المستخلصة من تقييمات المراجعين تساعد على تحديد نقاط الضعف وتدريب الموظفين وتطوير الإجراءات.

كما يرى أن تعميم هذه الأنظمة في دوائر حكومية أخرى يمكن أن يعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة ويرسخ مبادئ الحكم الرشيد القائم على الشفافية والمساءلة والمشاركة.

دعوة إلى التغيير الشامل

يعتقد مراجعون التقاهم موقع تلفزيون سوريا أنّ الإدارة القنصلية بوزارة الخارجية السورية مؤشر واضح على أن التغيير ممكن، بل ضروري؛ فبعد المعاناة التي مر بها المواطنون في الدوائر الحكومية ومكاتب الترجمة والكاتب بالعدل، حيث كانت البيروقراطية سيدة الموقف، والتأخير والتكاليف السمة الغالبة، وجدوا أنفسهم أمام نموذج يُثبت أن الإجراءات الحكومية يمكن أن تكون سهلة وسريعة ومنصفة.

ويؤكد عبد العزيز أن ما يميز هذه التجربة ليس السرعة والكفاءة فحسب، بل أيضًا الشفافية والمساءلة التي تجسدت في نظام الباركود، إذ يتيح للمواطن إبداء رأيه في أداء الموظفين ويجعل الموظف أكثر حرصًا على تقديم خدمة متميزة.

ويختتم بالقول إن هذه التجربة يمكن أن تكون نقطة انطلاق لإصلاح إداري شامل في سوريا، بحيث تصبح خدمة المواطن أولوية، وتُزال العراقيل البيروقراطية التي تستنزف الوقت والجهد والمال، فالمواطن السوري يستحق الأفضل، والإصلاح يبدأ من تبسيط الإجراءات وتفعيل الرقابة الشعبية الحقيقية.

نحو مستقبل إداري أكثر كفاءة

يُبين فهد السلامة أن تجربة الإدارة القنصلية في وزارة الخارجية السورية تقدم نموذجًا حيًا لإمكانية التغيير الإيجابي داخل المؤسسات الحكومية، وتثبت أن تجاوز البيروقراطية ليس أمرًا مستحيلًا، بل يحتاج إلى رؤية واضحة وإرادة سياسية وإدارية واعية واستعداد لتبني حلول مبتكرة.

تقول ميسون، التي تجري معاملة معادلة شهادة إدارة الأعمال من إحدى الجامعات التركية، إن تعميم هذه التجربة، بما في ذلك تبسيط الإجراءات وتخفيض التكاليف وتفعيل الرقابة الشعبية، يمكن أن يُحدث تحولا جذريا في العلاقة بين المواطن والدولة، فالمواطن الذي تُقضى مصالحه بكفاءة واحترام سيزداد ولاءً وثقة بمؤسساته، أما استمرار البيروقراطية المعقدة فسيعمق الإحباط ويعيق التنمية.

ويرى السلامة في ختام حديثه أن التحدي الآن يكمن في تحويل هذه التجربة بشكل تدريجي إلى نهج عام، لتصبح الكفاءة والشفافية والمساءلة هي المعيار في جميع المؤسسات الحكومية لا الاستثناء، وهذا هو الطريق نحو بناء إدارة حديثة وفعالة قادرة على خدمة المواطن وتحقيق تطلعاته.

———————————

غرفة التجارة الأمريكية تدعو إلى إلغاء قانون قيصر بشكل كامل ودائم

22/10/2025

دعت غرفة التجارة الأمريكية إلى إلغاء “قانون قيصر لحماية المدنيين” في سوريا بشكل كامل ودائم، مؤكدةً أنه مع سقوط نظام الأسد وتسلم الحكومة السورية الجديدة الحكم لم يعد القانون يحقق هدفه.

وجاء في الرسالة التي وجهها نائب رئيس غرفة التجارة جون مورفي أمس إلى رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي جيم ريش، والعضو البارز في اللجنة السناتور جين شاهين، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي، بريان ماست، والديمقراطي البارز في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، غريغوري ميكس: “بالنيابة عن غرفة التجارة الأمريكية، أكتب إليكم لأعبر عن الدعم للجهود المشتركة بين الحزبين لإلغاء قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا لعام 2019 بشكل كامل ودائم”.

وأضاف: “نظراً لسقوط نظام الأسد وتشكيل حكومة جديدة في سوريا، لم يعد قانون قيصر يخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، وبينما سُنّ قانون قيصر في الأصل لمحاسبة نظام الأسد على انتهاكاته الجسيمة لحقوق الإنسان، فإن هناك صلاحيات وافرة أخرى من العقوبات التي يمكن من خلالها تحقيق هذا الهدف”.

وأشار إلى أن عدم إلغاء قانون قيصر سيؤدي إلى تقييد قدرة الشركات الأمريكية على الاستثمار والانخراط في النشاط التجاري في سوريا بشكل كبير وحتى مع الإعفاءات والإجراءات التنفيذية الأخيرة من قِبل إدارة الرئيس دونالد ترامب، فإن دورة التجديد التي تستمر ستة أشهر والتهديد بإعادة فرض العقوبات يخلقان مناخاً من عدم اليقين يُعيق الاستثمار والتخطيط طويل الأجل.

وأوضحت الرسالة أن الشركات الأمريكية تحتاج إلى الوضوح والقدرة على التنبؤ للعمل بفعالية في أي سوق، والغموض الذي يحيط بمستقبل قانون قيصر يضعها في وضع تنافسي غير مواتٍ مقارنةً بمنافسينا العالميين، ودون الإلغاء الكامل للقانون ستظل الشركات الأمريكية مهمشة، بينما تُشكل شركات أخرى مستقبل الاقتصاد السوري.

وختم مورفي رسالته بالقول: “نحثّ الكونغرس على التحرك بشكل حاسم وإلغاء قانون قيصر بالكامل”، مضيفاً: إن “القيام بذلك لن يعزز المصالح الاقتصادية الأمريكية فحسب، بل سيساهم أيضاً في الاستقرار الإقليمي والازدهار طويل الأمد للشعب السوري”.

وفي العاشر من الشهر الجاري صوَت مجلس الشيوخ الأمريكي لصالح إلغاء قانون قيصر كجزء من قانون تفويض الدفاع الوطني.

——————————-

=======================

تحديث 21 تشرين الأول 2025

———————————-

سيناريو رفع للعقوبات متدرّج ومشروط الأكثر ترجيحاً/ سمير سعيفان

21 أكتوبر 2025

ما زال الوضع في سورية يحكمه مبدأ اللايقين، ولا سيّما بعد أحداث الساحل والسويداء التي ما زالت مستمرّة، فعلى المستوى الخارجي، تركيا وإسرائيل والسعودية وقطر والولايات المتحدة وروسيا وإيران كلّها لها سياساتها الفاعلة في الداخل السوري. وعلى المستوى الداخلي، ثمّة عوامل عديدة تلعب أدوارها في التأثير في توجّهات سورية المستقبلية. ثمة سلطة جديدة تملك مجموعة من نقاط القوة، إلى جانب مجموعة من نقاط الضعف التي تتشابك مع بعضها وتتفاعل مع العوامل الخارجية، بما يؤثر في مسارات تطور الأوضاع الداخلية في سورية في المستقبل القريب.

تبقى العقبة الأكبر العقوبات الأميركية القاسية التي تعوق قدوم الاستثمارات، وتعرقل عمل الاقتصاد على النحو الطبيعي، وتمنع التعافي، وتعوق انطلاق إعادة الإعمار وعودة اللاجئين والنازحين.

يشكّل قانون قيصر عقدة المنشار في الموقف الأميركي، وهو المفرق الذي سيحدد أين ستتجه سورية، مع الجهود والضغوط المبذولة، ولا سيما الجهود السعودية والتركية والقطرية، إلى جانب جهود السوريين من أجل إلغاء قانون قيصر والتأرجح بين إمكانية إلغائه الكامل أو المشروط أو عدم إلغائه. كل هذا يضع سورية على مفترق طرق.

ضمن هذا الوضع المتشابك، داخلياً وإقليمياً ودولياً، يمكن تصوّر ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمستقبل سورية خلال السنوات المقبلة: الرفع المتدرج والمشروط للعقوبات. الرفع الكامل للعقوبات. عدم رفع العقوبات في المدى المنظور. … الأول هو الذي يُتداول حالياً ويُنشر محتواه، غير أنه ما زال قيد الأخذ والرد، في أوساط الكونغرس والبيت الأبيض. ويتلخّص القانون برفع متدرج للعقوبات، مع فرض مجموعة شروط على السلطة السورية للالتزام بها، وسيُقَدّم تقريرٌ دوري للكونغرس وللرئيس كلّ ستة أشهر، مدة أربع سنوات، يبيّن مدى التزام السلطة السورية بهذه الشروط، مع إمكانية إعادة فرض العقوبات، إذا ما فشلت السلطة السورية في الالتزام بتلك الشروط. وإذا ما تحقق هذا السيناريو، ستظهر آثاره الإيجابية سريعاً على السياسة السورية وعلى الأوضاع الداخلية والخارجية.

على الصعيدين الاقتصادي والإداري

دخول هذا السيناريو حيّز التنفيذ سيفتح الباب أمام تقديم مساعدات سعودية وقطرية أولاً، ومساعدات تركية إلى حد ما، وستتدفق الاستثمارات السورية والخليجية والتركية أولاً، مع بقاء حذرها بسبب خشيتها من عودة فرض العقوبات، ولكنها ستشكّل قوة ضغط بحد ذاتها على السلطة السورية للالتزام بالاشتراطات، والاستجابة لتدخلات أميركية جزئية كثيرة متوقعة في موضوعات عديدة.

ستشكل المساعدات والقروض والاستثمارات رافعةً لمختلف نواحي الحياة، على المستويين، الرسمي والمدني، ويمكن أن تشهد سورية بناء عدد كبير من المساكن والمجمّعات السكنية والمشاريع الصناعية والزراعية والخدمية، ما يُنتج فرص عمل كثيرة، مع تحسّن الأجور وشروط العمل، وإطلاق برنامج لتنمية الكوادر البشرية لتدارك الضعف الشديد الآن، ويبدأ برنامج إعادة الإعمار ويُعقد مؤتمر دولي لإعادة الإعمار، ويُطلق مشروع لإعادة النازحين والمقيمين في الخيام واللاجئين، وستزداد موارد الخزينة العامة بشكل كبير، وستتحسّن البنية التحتية مع الخدمات، من صحة وتعليم ونقل وكهرباء وغيرها. ويتوقع أن تضغط الاستثمارات، بالتضافر مع الرقابتين، الأميركية والأوروبية، على السلطة لتطوير البنية التشريعية والتنظيمية، وتنمية سيادة القانون وتطوير النظام القضائي، ولجم التوجّه ذي الصبغة الدينية المتشدّدة، وسيساعد هذا السيناريو في إضعاف الروح الفصائلية، وفي بناء جيش مهني.

وإذا استمرّت السلطة في توجّهها الاقتصادي الليبرالي، مع تقليص دور الدولة، وتغييب الجانب الاجتماعي، فسيؤدّي هذا إلى انقسام طبقي حاد بين قلّة تغتني وتحصد معظم الفوائد، وغالبية عظمى تحصل على مجرد أجور بدون خدمات الدولة. ومن ثم، سيكون موضوع عدالة التنمية وعدالة توزيع الدخل في قلب الصراع الطبقي في المرحلة المقبلة.

على الصعيد السياسي

سيتطلب هذا السيناريو تشكيل حكومة سورية جديدة، فيها تمثيل أوسع لقوى المجتمع ومكوناته ومناطقه، وستقع السلطة تحت ضغوط من أجل الانفتاح، وتخفيف سياسة “التجانس”، وكبح مساعي البعض لفرض مظاهر التشدد والتدخل في حياة الناس اليومية، وتخفيف الطابع السلفي لاختيار كوادر الدولة، وبذل جهود فعلية لتحقيق الاستقرار وضبط الانتهاكات.

يمكن أن يساعد هذا السيناريو القوى الشعبية والليبرالية والديمقراطية في الضغط على السلطة، لتوسيع الحرّيات العامة السياسية والاجتماعية، وليس الاقتصادية فقط، كما يساعدها في النشاط المنتظم، والتبلور في تنظيمات سياسية. وستقع السلطة تحت ضغط للإفساح أكثر أمام المجتمع المدني لتوسيع نشاطاته، وإفساح قدرٍ أكبر من المشاركة السياسية والشفافية، وإصدار قوانين للأحزاب وللانتخابات وللحرّيات عامة. وسيتطلّب هذا تعديل الإعلان الدستوري. وذلك كله بتأثير ضغوط مختلفة، سيما ضغوط قضايا قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والسويداء والساحل السوري، التي ستستفيد من الشروط الأميركية لتحسين موقعها التفاوضي، وسيسهّل ذلك الوصولَ إلى اتفاق عملي، بين “قسد” ودمشق، يكون حلاَ وسطاً بين مطالب دمشق ومطالب “قسد”.

وسيُطبّق اتفاق عمّان الخاص بالسويداء، الذي منحها نوعاً من الحكم الذاتي أمداً قد يمتد إلى أربع سنوات، مع قيام صراع على تفسير محتواه، وسيفتح الاتفاق مع “قسد” والسويداء ترتيبات مشابهة في الساحل، ويمكن أن يترجم هذا كله بتطوير نظام إداري في سورية يشمل جميع محافظاتها، تحت عنوان “لا مركزية إدارية موسّعة”، يمنح السلطات المحلية المنتخبة ديمقراطياً صلاحيات واسعة مدروسة، تتعلق بإدارة شؤون المنطقة/ المحافظة، وهو أمر مطلوب لكل المحافظات السورية. وهذا يتطلب حرّيات سياسية وقانون أحزاب. وسينعكس كل هذا تحسّناً في أوضاع الأمن والاستقرار، وفي نوعية الحياة، مع تراجع التوتر المجتمعي، وارتفاع شعبية السلطة الانتقالية التي ستقع تحت ضغوط لتقصير الفترة الانتقالية لتكون ثلاث سنوات، من تاريخ نفاد قانون إلغاء العقوبات، ربما بين 2026 – 2028.

من جانب آخر، قد يؤدّي هذا السيناريو إلى بروز الصراعات داخل السلطة على السطح، بين المتطرفين المصمّمين على إقامة دولة إسلامية وفق تصوّرهم، وهم مجموعة صغيرة معزولة، والواقعيين المتحولين إلى الاعتدال الحريصين على البقاء في السلطة، الذين سيتمتعون حينها بدعم شعبي. وسيؤثر هذا الصراع في مدى التزام السلطة الانتقالية بالشروط التي يفرضها القانون الأميركي المذكور.

من جهة أخرى، ستصبح اللعبة السياسية أكثر تعقيداً، وسيكون وضع السلطة الجديدة أصعب، لأنها ستبقى تحت رقابة أربع سنوات، وستضطر إلى اتخاذ إجراءاتٍ لم تكن ترغب فيها، بقصد نيل الرضا والقبول، وستكون المرحلة مرحلة “شدّ حبال”، بين ثلاثة أطراف: السلطة الانتقالية، والولايات المتحدة، وأوروبا التي تراقب أيضاً.

تبقى خلاصة هذه المرحلة غير مؤكّدة، وهي تحتمل جميع الاحتمالات، حول رؤية الأميركان والأوروبيين وتقييمهم مدى نجاح السلطة الانتقالية في الالتزام بالشروط، وأثر ذلك على طبيعة السلطة ومستقبلها. إلا أن هذا السيناريو يبقى الأكثر احتمالاً، وهو الذي تتمناه السلطة الحالية، لأن الرفع الكامل غير المشروط غير متاح، وهي تعلم أن بإمكانها التهرّب من اشتراطاتٍ لا ترغب فيها، ولا سيّما أن إعادة فرض العقوبات أمرٌ في غاية الصعوبة، وإن كان القرار ينصّ على ذلك.

سيناريو الرفع الكامل للعقوبات: فرصة تحقق هذا السيناريو صارت أضعف من السيناريو الأول، وقد لعبت تقييمات سياسات السلطة الجديدة الانتقالية في دمشق دوراً في إضعاف فرص هذا السيناريو، بالرغم من ضغوط السعودية وتركيا وقطر وأوروبا، ولا سيّما أحداث الساحل، ثم أحداث السويداء، وصعوبة التوصّل إلى اتفاق مع “قسد”، وبعض سمات السياسة الداخلية. وتضيف الإدارة الأميركية سبباً آخر، أن مسؤولين في السلطة الجديدة مصنّفون من الولايات المتحدة في قائمة الإرهاب، إضافة إلى تسمية شخصيات أجنبية في قيادات الجيش في القائمة، ولكن الولايات المتحدة يبدو أنها لن تقف عند هاتين المسألتين.

في حال تحقّق هذا السيناريو، يتوقع تدفق مساعدات خليجية كبيرة لتحقيق الاستقرار في سورية، مع مساعدات أوروبية ودولية محدودة، وأن تحصل سورية على قروض من مصادر دولية، وأن تتدفق استثمارات خليجية وتركية وغيرها، والأهمّ دخول استثمارات سورية. وسيؤدّي دخول الاستثمارات إلى انتظام أداء المؤسسات الحكومية وارتفاع مستواها، وانتظام البنية التشريعية والتنظيمية وتنمية مواردها البشرية. وتبدأ عملية إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي وخلق فرص عمل كثيرة، وسيكون هناك تحسّن مضطرد في الخدمات ونوعية الحياة، وسيعقد مؤتمر دولي لإعادة إعمار سورية، وتطوير برنامج لعودة اللاجئين والمهجرين، وستزداد أعداد اللاجئين السوريين العائدين إلى سورية.

سيضع رفع العقوبات غير المشروط السلطةَ السوريةَ في وضع مريح وقوي، وستكون أكثر تمسّكاً بالاستمرار في سياساتها الحالية، وستتعامل مع اتفاق عمّان بخصوص السويداء من موقع أقوى، وكذلك مع “قسد”، وستتوجه السلطة إلى تطبيق قانون الإدارة المحلية للعام 2012، فهو يمنح صلاحيات محدّدة للمجالس المحلية، بدلاً من سنّ قانون جديد يمنح المناطق صلاحيات أوسع يقوم على فكرة اللامركزية الإدارية الموسعة.

ويتوقع أن تتمسك السلطة حينها بمركزية القرارين، السياسي والاقتصادي، في القصر الرئاسي، وبتقييد العمل السياسي، وحصره بيد الهيئة السياسية (حزب الدولة). وسيساعد رفع العقوبات في الانتقال من الفصائلية إلى الجيش النظامي، وتنجح السلطة في حصر السلاح بيد مؤسّساتها، ويبدأ التحضير لإنتاج دستور دائم بنظام رئاسي، يكرّس استمرار السلطة الحالية، ويتوقّع أن تبدأ السلطة بالتضييق على حرية النقد السياسي، وتبقيه عالياً في ما يتعلق بنقد الاقتصاد والإدارة. ويتوقع ألّا تضغط الدولة على نشاطات تنمية مظاهر الأسلمة في سورية، وقد تنشأ احتكاكاتٌ مجتمعيةٌ تُسرع الدولة لضبطها. ويتوقع حينها أن تبدأ نشاطات معارضة للدولة، بأشكال مختلفة، مطالبة بالمشاركة السياسية وبنظام تعددي ديمقراطي يقوم على الحرّيات العامة وقيم المواطنية المتساوية. وقد يدفع نموّ حالة فرض مظاهر التشدد المجتمعي، تحت مسميات دينية، أعداداً كبيرة من السوريين نحو الهجرة الى الخارج. ويمكن اخذ ذلك بمثابة تذكير لاتخاذ إجراءات لمنع حدوثه.

سيناريو عدم رفع العقوبات في المدى المنظور

يبدو أنه أبعد السيناريوهات احتمالاً، وقد يتحقق رغم حماس الرئيس الأميركي ترامب لرفع العقوبات، حين تفشل كل جهود الضغط على الكونغرس للموافقة على رفع العقوبات، وفي الشهر المقبل (نوفمبر/ تشرين الثاني) تنتهي فترة تجميدها (ستة شهور) التي قرّرها الرئيس ترامب، فتعود العقوبات ثانية. وحتى في حال تمديد التجميد ستة أشهر أخرى، لن يكون أثرها أكثر إيجابية من التجميد الحالي، إذ لم يؤدِ إلى تحسّن يُذكر في الأوضاع المعيشية أو الاجتماعية أو السياسية، ولم تأتِ أي استثمارات ذات قيمة إلى سورية، وبالرغم من تأسيس شركاتٍ كثيرة برؤوس أموال صغيرة، لن يتحقق تحسّن ملموس في فرص العمل وفي الخدمات وفي نوعية الحياة. وقد تسهم المساعدات الإغاثية من السعودية وقطر، ومن تركيا إلى حد ما، في تحقيق تحسّن محدود، لكنها لن تكون كافية لإحداث فرق كبير، ولا يتوقّع أن تستمرّ قطر في تقديم منحة الرواتب الشهرية وتسديد ثمن الغاز. وستسعى السلطة الانتقالية إلى تحريك الاقتصاد داخلياً، ولكن نتائج ذلك ستكون محدودة، وستبقى منطقتا شرق الفرات والسويداء من دون الوصول إلى حلّ، وقد يؤدّي عدم تحسّن الأوضاع وعدم الانفتاح وعدم المشاركة في السلطة إلى انتشار احتجاجات في الشارع السوري، وإلى تشكّل مناخ مناسب لانتظام النشاطات المعارضة للسلطة، حيث سيكون الاستقطاب الطائفي قد تراجع خلال عام، وستميل السلطة حينها إلى القمع، وستشدّد قبضتها أكثر على حركة المجتمع، وستقيّد الحريات العامة لمنع الاحتجاج، ولن يصدر مع هذا السيناريو قانون أحزاب ولا قانون انتخابات. وقد تلجأ السلطة إلى استخدام الدِّين، فتزداد مظاهر التديّن في الحياة العامة. ولن يكتمل الانتقال من الفصيل إلى الدولة، وقد تبرُز خلافاتٌ بين الفصائل حول توجهات الدولة السورية. وفي العموم، يصعُب التكهّن بنهايات هذه المرحلة، ولا سيما إذا امتدّت أكثر من عام آخر.

ضمن هذه السيناريوهات الثلاث، يبدو سيناريو الرفع المشروط للعقوبات الأقرب إلى التحقّق. وبالطبع، كلّ ما ذُكِر آنفاً فرضيات مستنتجة من قراءة الواقع الحالي في السياق العام، وقد تكون هناك مسارات أخرى.

العربي الجديد

—————————–

السوريون في مواجهة أزمة الجفاف/ فايز سارة

21 أكتوبر 2025 م

حذَّرت تصريحاتٌ وتقاريرٌ أممية صدرت عن الأمم المتحدة ووكالات متخصصة، بينها برنامج الأغذية العالمي من تردي الأوضاع الغذائية في سوريا، وقالت الأمم المتحدة، إن سوريا تواجه مخاطر حقيقية من ناحية الغذاء، بينما أعلن برنامج الأغدية، أن انخفاض إنتاج القمح بنسبة 40 في المائة للموسم الأخير يهدد 3 ملايين نسمة بالجوع الشديد، نتيجة الجفاف الذي ضرب البلاد عام 2025، ودمر المحاصيل البعلية بنسبة 95 في المائة في حالة لم يحدث مثلها منذ أواخر الثمانينات.

وللحق فإنَّ مشكلة الجفاف وتأثيره على تدهور الوضع الغذائي لا تقتصر على سوريا وحدها، بل تتعداها إلى دول الجوار، حيث ضرب الجفاف منطقة شرق المتوسط كلها، وبالتالي أثَّر على مواسمها الزراعية جميعاً، لكن الوضع في سوريا، كان الأصعب، فإضافة إلى الجفاف، تدخلت عوامل متعددة سياسية واقتصادية وأمنية، جعلت مشكلة الغذاء في سوريا خطيرة بصورة لم يسبق أن حدثت عبر أكثر من ستين عاماً مضت.

إنَّ أبرز عوامل تصعيد أزمة الغذاء في سوريا، إضافة إلى الجفاف ونقص المياه، تتمثل في التركة الثقيلة التي خلَّفها النظام السابق، والتي أصابت في سنوات الحرب 2011-2024 مجمل النشاط الاقتصادي، وخاصة القطاع الزراعي والحيواني، وقطاع الصناعات الغذائية، وقد أصيب أغلبها بالدمار الشامل، ودمرت وشتَّت معها القوى العاملة، والعامل الثالث هو استمرار غياب سياسة زراعية تناسب واقع الحال السوري بما فيه من تطورات بيئية منها الجفاف ونقص المياه وتلوث الأراضي، وأوضاع بشرية تتصل بما طرأ على سكان الريف من تغييرات في أعدادهم وخبراتهم، وكل ذلك مضاف إلى نقص في مستلزمات الزراعة من تمويل وأسمدة وبذور، والعامل الرابع يجسده تراجع المساعدات الإنسانية، التي توقف أغلبها، وانخفاض أغلب ما تبقى منها نتيجة الأزمات الاقتصادية، وهو وضع يمكن أن يستمر لأكثر من 6 أشهر حسب تقديرات الخبراء الدوليين.

إن استمرار الأزمة لستة أشهر قادمة ينذر بخطر شديد، أقله مضاعفة أعداد الذين ستضربهم المجاعة، مما يمكن أن يرفع التقديرات حسب المصادر الأممية إلى أغلبية السكان منهم نحو النصف في «حالة انعدام الأمن الغذائي الحاد»، ونحو السدس «معرضون لخطر الجوع المباشر».

يتطلب الوضع الخطر للغذاء في الواقع والتوقعات، تحركات متعددة في المستوى الداخلي، تتشارك فيها الحكومة وتخصصاتها ذات الصلة وعموم السوريين كل من موقعه ومسؤولياته وإمكاناته أيضاً، حيث مطلوب من الحكومة خطة طوارئ تواجه تهديدات الأزمة الغذائية، وترسم سبل تجاوزها، وتقوم بتنفيذها بأعلى قدر من الاهتمام والمتابعة، وصولاً إلى النتائج المقدرة، إضافة إلى خطة استراتيجية هدفها توفير الأمن الغذائي وتحصين السوريين ضد المجاعة أو تهديداتها، وهذه الأخرى ينبغي أن تكون تحت التدقيق والاهتمام والمتابعة بأعلى مستوى.

ولا يحتاج إلى تأكيد أنه لا يمكن رسم ولا تنفيذ أي خطة طارئة بأهداف محددة كانت أو استراتيجية بمحتوى أزمة غذاء، من دون إشراك أوسع فئات المجتمع أو ممثليهم على الأقل في رسم ملامح الخطة والمشاركة الفاعلة فيها، وخاصة الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية ومنظمات المجتمع المدني والجماعات الأهلية، وسيكون لمشاركة فئات المجتمع وفعالياته قيمة كبرى، لأن القضية تمس أهم احتياجاتهم، ودورهم فيها كبير، سواء باعتبارهم المنتجين للغذاء أو المستهلكين، والمطلوب منهم تحقيق احتياطي في الإنتاج، يمنع تهديدات لاحقة للأمن الغذائي.

ولا تقف مسؤولية الحكومة عند المستوى الداخلي، بل تمتد إلى المستوى الخارجي سواء في العلاقة مع المنظمات الدولية أو مع الحكومات، وقد شارك العديد منها بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إطالة الحرب في سوريا وما خلفته من كوارث، ليست أزمة الغذاء في العميق إلا واحدة من نتائج الحرب، وبعض تلك الدول لعبت دوراً في تأخير رفع العقوبات عن سوريا بعد سقوط نظام الأسد وبدء عملية إعادة بناء البلاد، وساهمت في وقف المساعدات الدولية أو خففت منها، وكله يفرض إعادة النظر بما سبق، وخاصة استئناف المساعدات الدولية من جهة، وتحميل الدول التي شاركت في الحرب مسؤولية دفع تعويضات عما ألحقته بسوريا من أضرار وخسائر.

وإذا كانت المساعدات الدولية وتعويضات دول الحرب، التي لا بد من دفعها، ستسهم في مواجهة أزمة الجفاف واحتمالاتها في سوريا، فإن الأهم في العلاج هو دور السوريين بحكومتهم ومجتمعهم، وهو دور إذا تفاعل بصورة إيجابية وخلاقة، سيغير كثيراً من المعطيات القائمة، ويعيد الاعتبار لكثير من التوجهات والأفكار والأطروحات، التي يبدو أن نقاش السوريين ومواقفهم الظاهرة في الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي دفعتها في وادٍ سحيق.

الشرق الأوسط

———————————

تسييل الأصول… وسيلة متكاملة للتمويل في تطوير البنية التحتية/ جمعة حجازي

21 أكتوبر 2025

يُعدّ تحقيق النمو الاقتصادي المستدام على المدى الطويل أحد الأهداف الحاسمة لأي دولة. والبنية التحتية هي جوهر قصة النجاح هذه، إذ ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالنمو نظراً لقوّتها المتأصّلة والجوهريّة في دعم سبل العيش، وتعزيز الأعمال التجارية، وخلق فرص العمل. إنّ مفتاح التنمية والنمو الاقتصادي هو البنية التحتية عالية الجودة والمدارة جيّداً.

مع وجود ظروف عديدة غير متوقّعة تؤثّر على النشاط الاقتصادي في بلدانٍ عديدة، يعد تحقيق زيادة كبيرة في درجة الاستثمار في البنية التحتية ضروري لتحقيق النمو. أبرزت الأزمات المالية، ومنها الأزمة السورية أخيراً، أهمية أنظمة البنية التحتية القوية والمستدامة والمبتكرة.

سيؤدي استثمار مبالغ كبيرة في بنية تحتية عالمية المستوى إلى مسار نموٍّ عالٍ، ولكن هذا يعتمد بشكل أساسي على توافر رأس المال طويل الأجل على نطاق واسع. وبالتالي، يتطلّب تمويل البنية التحتية الوطنية خيارات مختلفة، سيّما في الاقتصادات الانتقالية مثل عديد من الدول النامية. يتطلب تحقيق المبلغ المطلوب من الإنفاق على البنية التحتية منهجيةً معاداً تصوّرها. ويمكن القيام بإحدى طرق إعادة تصوّر البنية التحتية وجمع الأموال لتطويرها من خلال تسييل الأصول الحالية.

تسييل الأصول لا يعني بيعها أو التخلي عنها، بل هو إعادة توظيفها بطريقة تضمن استمرار ملكيّتها العامة، مع إدخال القطاع الخاص في إدارتها وتشغيلها وفق عقود واضحة ومحدّدة زمنيّاً. ويتيح هذا النموذج للدولة تحقيق عوائد مالية من أصولها غير المستغلّة أو التي تعاني من ضعف في الكفاءة التشغيلية، ويمنح القطاع الخاص فرصةً للمساهمة بخبراته في تحسين جودة الخدمات العامة.

في السياق السوري، يمكن أن يشمل هذا التوجّه إعادة تشغيل منشآت النقل والمرافق العامة، وتحويل الأراضي والمباني الحكومية غير المستغلّة إلى مشاريع إنتاجية أو خدمية، واستخدام العائدات الناتجة من التشغيل في تمويل مشاريع جديدة في البنية التحتية. هذه العملية، إذا ما تم تنفيذها ضمن إطار مؤسسي شفاف، يمكن أن تخلق ديناميكية جديدة في الاقتصاد المحلي، وتعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، وتفتح المجال أمام مشاركة المجتمعات المحلية في إدارة الموارد العامة. ولكن هذا النموذج لا يخلو من التحدّيات؛ فضعف البيئة التنظيمية، والمخاطر السياسية والاقتصادية، والحاجة إلى حوكمة رشيدة، كلها عوامل قد تعيق نجاحه. كما أن ضعف القدرات الفنية والإدارية في إعداد العقود ومتابعة التنفيذ يتطلّب بناء قدرات وطنية متخصصة، وتطوير أدوات رقابية فعّالة.

البعد التاريخي لتسييل الأصول في سورية

لم يكن مفهوم تسييل الأصول حاضراً في السياسات الاقتصادية السورية بشكل واضح قبل بداية الألفية الثالثة، إذ اعتمد الاقتصاد السوري عقوداً طويلة على نموذج الدولة المركزية التي تسيطر على معظم القطاعات الإنتاجية والخدمية.

المرحلة الأولى: ما قبل 2011 – الانفتاح المقيّد وأدوات بديلة عن الخصخصة: منذ الاستقلال وحتى نهاية القرن العشرين، اعتمدت سورية نموذج الاقتصاد الموجّه، حيث سيطرت الدولة على معظم الأصول الاستراتيجية مثل المرافئ، المصانع، وشركات النقل والطاقة. لم يكن هناك أي توجّه نحو تسييل الأصول أو إشراك القطاع الخاص، بل على العكس، شهدت البلاد موجات من التأميم في الستينيات والسبعينيات.

مع صدور قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991، بدأت مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي، إذ سمح القانون بدخول رأس المال المحلي والأجنبي في قطاعات الزراعة والصناعة والنقل، لكن دون المساس بملكية الدولة للأصول الاستراتيجية. هذا التوجّه تعزّز في منتصف العقد الأول من الألفية مع تبنّي سياسة اقتصاد السوق الاجتماعي، التي سمحت بزيادة دور القطاع الخاص في بعض القطاعات الخدمية، مع بقاء الدولة المالك والمشرف الأساسي.

أبرز الأمثلة قبل 2011: الاتصالات الخلوية (2001 – 2010): تم منح شركتي سيريتل وMTN عقود BOT لتشغيل شبكات الهاتف الخلوي. وفي عام 2010، تم تحويل هذه العقود إلى رخص تشغيل 20 عاماً مقابل 25 مليار ليرة سورية لكل شركة (ما يعادل نحو 537 مليون دولار لكل منهما)، أي ما يقارب 1.07 مليار دولار تحصيلاً مالياً مباشراً للدولة. المناطق والأسواق الحرة: اعتمدت الدولة نموذج الامتياز الإداري، حيث بقيت الملكية للدولة مع منح امتيازات تشغيلية محدودة، ما وفّر إيرادات من الرسوم الجمركية والإيجارات دون بيع الأصول.

خلاصة هذه المرحلة: كانت الدولة تفضّل أدوات مثل BOT والامتيازات قصيرة الأجل ومتوسطة الأجل، مع تحصيل رسوم كبيرة مقدماً، بدلاً من بيع الأصول أو منح حصص كبيرة للمستثمرين.

المرحلة الثانية: ما بعد 2011 – عقود طويلة الأجل وحصص أكبر للمستثمرين: بتراجع الإيرادات العامة بعد عام 2011، لجأت الدولة إلى نماذج أكثر مرونة لجذب التمويل الخارجي، ما أدى إلى توقيع عقود طويلة الأجل في قطاعات استراتيجية، غالباً بشروط أكثر سخاءً للمستثمرين مقارنة بما قبل 2011.

أبرز الأمثلة بعد 2011: عقد استثمار الفوسفات (2018): منحت الحكومة السورية شركة Stroytransgaz Logistic الروسية عقداً مدة 50 عاماً لاستثمار مناجم الفوسفات في منطقة الشرقية قرب تدمر، بحصة 70% من الإيرادات للشركة مقابل 30% للدولة السورية، مع التزام باستثمار مئات الملايين في إعادة تأهيل المناجم. عقد تشغيل ميناء طرطوس (2019): تم توقيع عقد مع الشركة الروسية نفسها لإدارة وتشغيل ميناء طرطوس 49 عاماً، مع التزام استثماري يتجاوز 500 مليون دولار لتوسيع وتحديث المرفأ.

خلاصة هذه المرحلة: انتقلت الدولة من نموذج الامتيازات قصيرة الأجل إلى عقود طويلة الأمد، مع تقاسم عوائد يميل لصالح المستثمر، نتيجة الحاجة الماسّة للتمويل في ظل العقوبات وتراجع الموارد.

المرحلة الثالثة: ما بعد التحرير. اتجهت الإدارة الجديدة في سورية إلى اعتماد سياسة اقتصادية تقوم على تسييل الأصول العامة أداة رئيسية لتأمين التمويل اللازم لإعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد، مع الحفاظ على ملكية الدولة هذه الأصول. وقد تجسّد ذلك في سلسلة من العقود الاستثمارية التي شملت قطاعات النقل، الطاقة، والموانئ، عبر آليات حديثة مثل عقود BOT والامتيازات التشغيلية.

أحد أبرز هذه المشاريع كان تطوير مطار دمشق الدولي وتشغيله، حيث تم توقيع عقد بنظام البناء والتشغيل والنقل مع تحالف شركات بقيادة UCC القطرية، بقيمة استثمارية بلغت نحو أربعة مليارات دولار. يهدف المشروع إلى تحويل المطار إلى مركز إقليمي بمعايير عالمية، من خلال توسعة الصالات، تحديث أنظمة الملاحة الجوية، وربطه بشبكة النقل الحضري، مع ضمان عوائد مالية للدولة طوال فترة الامتياز.

وفي قطاع النقل البحري، تم توقيع عقد امتياز طويل الأجل مع شركة فرنسية لإعادة تأهيل وتشغيل ميناء اللاذقية، بتكلفة تقديرية بلغت نحو 1.2 مليار دولار. يشمل العقد تحديث الأرصفة، إدخال أنظمة مناولة حديثة، وزيادة القدرة الاستيعابية للميناء، بما يعزّز دوره مركزاً لوجستيّاً إقليميّاً. كما شهدت شبكة السكك الحديدية مشروعاً مهمّاً لإدارتها وتشغيلها من قبل تحالف شركات أوروبية وخليجية، باستثمارات تقارب ملياري دولار، بهدف إعادة تأهيل الخطوط المدمّرة وتحديث القطارات وإدخال أنظمة تحكّم متطورة، ما يضمن تحسين كفاءة النقل العام دون بيع الأصول.

إلى جانب ذلك، جرى توقيع عقود لإعادة تشغيل مصانع القطاع العام المتوقفة، مثل مصانع النسيج والإسمنت، من خلال عقود إدارة وتشغيل مع شركات خاصة محلية ودولية، بما يحقّق تسييلاً للأصول الصناعية من دون التفريط بملكيتها، مع ضمان حصة من الأرباح للدولة.

وفي قطاع الطاقة، أطلقت الإدارة الجديدة عقوداً لإنشاء (وتشغيل) محطّات كهرباء تعمل بالغاز والطاقة الشمسية بنظام BOT، باستثمارات تُقدّر بنحو سبعة مليارات دولار، ضمن خطّة لإعادة بناء المنظومة الكهربائية وإدخال مصادر الطاقة المتجدّدة، مع ضمان نقل الملكية للدولة بعد انتهاء مدة الامتياز. وتعكس هذه المشاريع تحولاً جوهريّاً في إدارة الأصول العامة، حيث انتقلت الدولة من نموذج الامتيازات الريعية طويلة الأجل إلى نموذج يقوم على الشراكة الاستثمارية، وتحقيق التوازن بين جذب التمويل الخارجي والحفاظ على الملكية العامة، مع التركيز على الشفافية والحوكمة.

التجارب الدولية في تسييل الأصول: تحليل مقارن

تفيد التجارب العالمية من الهند إلى البرازيل، ومن المكسيك إلى المملكة المتحدة، بأن تسييل الأصول يمكن أن يكون أداة فعّالة إذا ما تم تصميمه بعناية، مع مراعاة العدالة الاجتماعية، والشفافية، والاستدامة، والمرونة في التكيّف مع الظروف المتغيّرة.

• الهند، اعتمدت على نموذج إعادة تدوير الأصول من خلال تأجير الأصول العامة طويلة الأجل، مثل الطرق والمطارات، للقطاع الخاص. هذا النهج نجح في جذب استثمارات ضخمة وتحسين الكفاءة التشغيلية، لكنه واجه تحدّيات تتعلق بالمقاومة الاجتماعية والحاجة إلى أطر تنظيمية قوية. الدرس الأبرز من التجربة الهندية أهمية الإطار القانوني الواضح وإشراك المجتمع في المراحل المبكرة لتقليل المعارضة.

• البرازيل، ركّزت على الابتكار المالي من خلال ترميز الأصول واستخدام التكنولوجيا المالية، بما في ذلك تقنيات البلوك تشين لتعزيز الشفافية. هذه التجربة أظهرت أن التكنولوجيا يمكن أن تقلّل من مخاطر الفساد وتزيد من ثقة المستثمرين، لكنها كشفت أيضاً عن ضرورة الاستثمار في البنية التحتية الرقمية وتثقيف المستثمرين حول الأدوات الجديدة.

• المكسيك، اتبعت نهج الخصخصة الجزئية ببيع حصص في الشركات العامة مع الاحتفاظ بحقوق سيادية في القطاعات الاستراتيجية. هذا ساعد في تحسين كفاءة الشركات وزيادة الإيرادات، لكنه واجه مخاطر الاحتكار وضعف الرقابة، ما أدّى إلى بعض حالات الفساد. الدرس المستفاد هنا هو ضرورة وجود هيئات رقابية مستقلة وآليات صارمة للحوكمة.

• أما المملكة المتحدة فقد اعتمدت على عقود الامتياز طويلة الأجل في قطاعات مثل النقل والطاقة، مع التزام صارم بالشفافية. التجربة البريطانية نجحت في تحسين جودة الخدمات وجذب الاستثمارات، لكنها أظهرت أن العقود طويلة الأجل قد تكون غير مرنة أمام التغيرات الاقتصادية، ما يبرز أهمية تضمين بنود مرونة وإجراء تقييمات دورية للأداء.

تحدّيات تستدعي الاتجاه نحو تسييل الأصول

في ظلّ ما تمرّ به سورية من تحدّيات اقتصادية واجتماعية عميقة، يبرُز موضوع تسييل الأصول أحد الخيارات الاستراتيجية التي يمكن أن تسهم في تمويل مشاريع البنية التحتية من دون تحميل الدولة أعباء مالية إضافية أو اللجوء إلى الاقتراض الخارجي. فمع تراجع الإيرادات العامة، وتزايد الحاجة إلى إعادة الإعمار، يصبح التفكير في أدوات تمويل مبتكرة ضرورة لا ترفاً.

بعد سنوات من النزاع، تعاني سورية من تدهور كبير في البنية التحتية، حيث تضرّرت شبكات الطرق والمياه والكهرباء والصرف الصحي، إلى جانب المرافق الصحية والتعليمية. هذا الواقع يفرض تحدّياً مزدوجاً: إعادة تأهيل ما تم تدميره، وتطوير بنية تحتية جديدة تلبي احتياجات السكان في ظلّ تغيّرات ديموغرافية واقتصادية عميقة. وفي ظلّ محدودية التمويل العام، حيث تذهب النسبة الكبرى من الموازنة إلى النفقات الجارية، يصبح من الصعب تخصيص موارد كافية للاستثمار في البنية التحتية. كما أن الاعتماد على التمويل الخارجي يواجه عقبات سياسية واقتصادية، مما يجعل تسييل الأصول خياراً واقعيّاً لتعبئة الموارد داخليّاً.

التحدّيات المالية ودور تسييل الأصول في سورية

توضح تقديرات الأمم المتحدة أن أكثر من 40% من البنية التحتية الحيوية في سورية تضرّرت منذ عام 2011، فيما تُقدّر تكلفة إعادة الإعمار بما يتجاوز 400  مليار دولار (الأمم المتحدة، 2022). وفي تقرير للبنك الدولي صدر عام 2023، قُدّرت تكلفة إعادة الإعمار بعد الزلزال بـ 7.9  مليارات دولار على مدى ثلاث سنوات، ما يعكس حجم التحدي المالي الذي تواجهه البلاد. في المقابل، لا تتجاوز الموازنة العامة للدولة سوى أربعة مليارات دولار، وهي بالكاد تكفي لتغطية النفقات الجارية، مما يجعل تسييل الأصول خياراً واقعيّاً لتعبئة الموارد داخليّاً.

مفهوم تسييل الأصول وأهميته

يُعدّ تسييل الأصول من الأدوات المالية والاستراتيجية التي تلجأ إليها الحكومات لتعزيز مواردها المالية دون اللجوء إلى بيع الأصول أو زيادة الأعباء الضريبية. وتكمن أهميته في كونه يحقّق توازناً بين الحفاظ على الملكية العامة وتحقيق عوائد مالية مستدامة، إضافة إلى تحسين كفاءة إدارة الأصول. فهو يتيح تحويل الأصول غير المستغلّة أو منخفضة العائد إلى مصادر دخل فعّالة من خلال آليات مثل: عقود الإيجار طويل الأجل، عقود الامتياز، الشراكات التشغيلية مع القطاع الخاص،

بما يضمن تدفّقاً ماليّاً مستمرّاً يمكن توجيهه لتمويل مشاريع تنموية أو سدّ فجوات تمويلية. كما يسهم في تخفيف العبء عن الموازنة العامة، ويتيح الاستفادة من خبرات القطاع الخاص في التشغيل والإدارة، مما يؤدي إلى تحسين جودة الخدمات وخفض التكاليف التشغيلية على المدى الطويل، فضلاً عن إدخال تقنيات حديثة تعزّز الكفاءة والإنتاجية.

الآليات المؤسّسية لتسييل الأصول في سورية

يتطلّب تأسيس آليات مؤسسية واضحة تضمن الشفافية والحوكمة. تبدأ هذه الآليات بـ: وضع إطار تشريعي متكامل من خلال قانون شامل لتسييل الأصول يحدّد الأهداف والآليات وأدوار الجهات المعنية. إنشاء هيئة مستقلة لإدارة هذه العمليات، تتمتع بالشفافية والمساءلة وتخضع لرقابة برلمانية وقضائية. إجراء جرد شامل للأصول العامة وتقييمها وفق معايير اقتصادية وفنية دقيقة. تصنيف الأصول إلى فئات تشمل: الأصول القابلة للتأجير، الأصول المناسبة للشراكات التشغيلية، الأصول الاستراتيجية غير القابلة للتسييل

كما ينبغي اعتماد نماذج متنوعة للتسييل، مثل: التأجير طويل الأجل. عقود الامتياز. الابتكار المالي عبر ترميز الأصول. استخدام التكنولوجيا لتعزيز الشفافية

ويُعدّ نشر جميع العقود والاتفاقيات على منصات إلكترونية عامة، واستخدام تقنيات مثل البلوك تشين لتتبّع العمليات المالية، من الركائز الأساسية لضمان النزاهة. كما يجب وضع سياسات لحماية المستهلك وتخصيص جزء من عوائد التسييل لبرامج الحماية الاجتماعية، حتى لا يتحوّل البرنامج إلى عبء على المجتمع.

آليات تطبيق نماذج تسييل الأصول

لتطبيق هذا النموذج بشكل عملي، يمكن اقتراح: إنشاء وحدة وطنية لتسييل الأصول ضمن وزارة المالية أو هيئة التخطيط. إعداد دليل وطني لتسييل الأصول يحدّد المعايير والإجراءات والنماذج، ويضمن الاتساق والشفافية. بناء قدرات وطنية في مجالات التفاوض، إعداد العقود، وتحليل المخاطر، بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات التدريبية. إطلاق مشاريع تجريبية في محافظات مختارة لتقييم النموذج وتعديله قبل التوسّع

خيار مالي أم تحوّل إداري؟

في ضوء ما سبق، يبدو أن تسييل الأصول ليس مجرد خيار مالي، بل هو تحوّل في طريقة إدارة الموارد العامة، من نماذج تقليدية مثقلة بالبيروقراطية والقيود التمويلية، إلى نماذج أكثر مرونة وكفاءة واستدامة.

هذا التحوّل، إذا ما تم تبنّيه في سورية، يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق نحو إعادة بناء البنية التحتية بطريقة تشاركية، تدمج بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المحلي، وتعيد توزيع الأدوار والمسؤوليات بما يحقّق المصلحة العامة.

تسييل الأصول أم الشراكة بين القطاعين العام والخاص؟

يبقى السؤال الأهم: هل تسييل الأصول الخيار الأفضل لسورية، أم أن الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) تقدّم بديلاً أكثر فاعلية؟

يركّز تسييل الأصول على إعادة تشغيل الأصول القائمة من دون التخلي عن ملكيتها، ويعتمد على عقود تشغيل طويلة الأجل تضمن للدولة عوائد مالية مع الحفاظ على السيطرة. أما الشراكة بين القطاعين، العام والخاص، فهي ترتكز على تقاسم المخاطر والعوائد بين الطرفين، وتشمل عادة تمويل مشاريع جديدة وبناءها وتشغيلها.

في السياق السوري، حيث البيئة الاستثمارية غير مستقرة والتمويل العام محدود، يبدو تسييل الأصول أكثر ملاءمة في المرحلة الحالية، لأنه يعتمد على أصول موجودة يمكن إعادة تشغيلها بكلفة أقل ومخاطر أقل، مقارنة بمشاريع الشراكة التي تتطلّب تمويلاً أوليّاً كبيراً وضمانات طويلة الأجل.

العلاقة بين تسييل الأصول ونماذج التشاركية

بالنظر إلى العلاقة بين تسييل الأصول ونماذج التشاركية بين القطاعين، العام والخاص، يمكن القول إن هناك تقاطُعاً واضحاً بين المفهومين، لكن لكل منهما منطلقاته وأهدافه وآلياته الخاصة.

تُبنى التشاركية غالباً على أساس تقاسم الاستثمار والمخاطر بين الدولة والقطاع الخاص في مشاريع جديدة. أما تسييل الأصول، فينطلق من إعادة توظيف الموجود، أي الأصول القائمة التي تمتلكها الدولة، وتحويلها إلى مصادر دخل عبر إدارتها وتشغيلها من قبل القطاع الخاص، من دون أن تفقد الدولة ملكيتها لها.

تميل التشاركية إلى أن تكون أداة لتوسيع البنية التحتية أو إنشاء مرافق جديدة، وغالباً ما تتطلّب تمويلاً مشتركاً أو ضمانات حكومية، بينما يركّز تسييل الأصول على تحسين كفاءة استخدام الأصول القائمة، وتحقيق عوائد مالية منها، من دون الحاجة إلى ضخ استثمارات جديدة من الدولة. … من هنا، يمكن اعتبار تسييل الأصول شكلاً متقدّماً أو مكمّلاً للتشاركية، لكنه أكثر ارتباطاً بإدارة الموارد العامة وتحقيق الاستدامة المالية، لا بمجرد تنفيذ المشاريع.

معايير خاصة

في السياق السوري، حيث تعاني الدولة من ضعف في القدرة التمويلية، وتواجه تحدّيات في جذب الاستثمارات الجديدة، قد يكون تسييل الأصول خياراً أكثر واقعية ومرونة من التشاركية التقليدية، خاصة إذا ما تم تصميمه بطريقة تراعي العدالة الاجتماعية، وتضمن الشفافية، وتُشرك المجتمعات المحلية في الرقابة والتخطيط. فالدولة تمتلك مجموعة واسعة من الأصول غير المستغلة، سواء كانت منشآت عامة أو موارد بشرية أو أصولا رقمية، يمكن تحويلها إلى أدوات إنتاجية تدرّ دخلاً مستداماً من دون المساس بالملكية العامة. كما أن هذا النموذج يتيح للدولة التحرك ضمن هامش مالي أوسع، بعيدًا عن القيود المرتبطة بالتمويل الخارجي أو الديون السيادية، مما يمنحها قدرة أكبر على توجيه الموارد نحو أولويات التنمية الوطنية

ومع ذلك، فإن نجاح أي من النموذجين يتطلّب بيئة مؤسسية وتنظيمية ناضجة، وقدرة على التفاوض، ومتابعة دقيقة للعقود، لضمان عدم تحوّل هذه الأدوات إلى وسائل خصخصة غير مدروسة أو فقدان للسيادة على الأصول الحيوية.

كيف يمكن أن يشمل تسييل الأصول الموارد البشرية والمنشآت العامة؟…

الموارد البشرية … يمكن استثمار الخبرات والكفاءات الحكومية خارج أوقات الدوام الرسمي من خلال تقديم خدمات استشارية أو تدريبية بمقابل مالي، ضمن أطر قانونية تضمن الشفافية وتمنع تضارب المصالح.

استخدام المنشآت العامة بعد الدوام… المدارس، الجامعات، المراكز الثقافية، وحتى المباني الحكومية يمكن أن تتحوّل إلى مصادر دخل إضافية عبر تأجيرها للفعاليات، الدورات التدريبية، أو الأنشطة المجتمعية في أوقات الفراغ، مع الحفاظ على وظيفتها الأساسية.

الأصول غير الملموسة … مثل العلامات التجارية، البيانات الحكومية، والمنصات الرقمية، يمكن ترخيص استخدامها للقطاع الخاص أو الشراكات البحثية مقابل رسوم، مع ضمان حماية الخصوصية والملكية الفكرية.

خريطة طريق

يمثّل تسييل الأصول فرصة استراتيجية لسورية لتعزيز مواردها المالية وتحسين كفاءة إدارة الأصول العامة، شريطة أن يتم تصميمه وتنفيذه وفق نهج متكامل يراعي الخصوصية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ويتطلّب ذلك خطوات عملية لضمان نجاح هذه العملية وتحقيق أهدافها التنموية.

1. الإطار التشريعي والمؤسّسي: تبدأ الخطوة الأولى بوضع إطار تشريعي ومؤسسي واضح، من خلال صياغة قانون شامل لتسييل الأصول يحدّد الأهداف والآليات وأدوار الجهات المعنية، مع إنشاء هيئة مستقلة لإدارة هذه العمليات، تتمتّع بالشفافية والمساءلة، وتخضع لرقابة برلمانية وقضائية. هذا الإطار القانوني يشكّل الضمان الأساسي لتجنّب الفوضى وحماية الملكية العامة.

2. جرد الأصول وتقييدها: يجب إجراء جرد شامل للأصول العامة وتقييمها وفق معايير اقتصادية وفنية دقيقة، ثم تصنيفها إلى فئات تشمل: الأصول القابلة للتأجير، الأصول المناسبة للشراكات التشغيلية، الأصول الاستراتيجية غير القابلة للتسييل

هذه الخطوة تمنع القرارات العشوائية وتضمن توجيه الجهود نحو الأصول ذات الجدوى الاقتصادية العليا.

3. تصميم نماذج التسييل: يجب أن يتم تصميم نماذج التسييل بمرونة، إذ لا يوجد نموذج واحد يناسب جميع الحالات. لذلك، من الضروري اعتماد مزيج من الآليات مثل: التأجير طويل الأجل، عقود الامتياز، الابتكار المالي عبر ترميز الأصول، استخدام التكنولوجيا لتعزيز الشفافية. ويتيح هذا التنوع المرونة، ويزيد من فرص جذب الاستثمارات.

4. الشفافية والحوكمة: تأتي الشفافية والحوكمة في صميم نجاح أي برنامج لتسييل الأصول، حيث يجب: نشر جميع العقود والاتفاقيات على منصّات إلكترونية عامة. استخدام تقنيات مثل البلوك تشين لتتبّع العمليات المالية وضمان النزاهة.

5. إدارة المخاطر الاجتماعية والاقتصادية: تنبغي إدارة المخاطر بعناية من خلال: وضع سياسات حماية المستهلك لضمان عدم ارتفاع أسعار الخدمات الأساسية. وتخصيص جزء من عوائد التسييل لبرامج الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الهشّة حتى لا يتحوّل البرنامج إلى عبء على المجتمع، بل يكون أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.

العربي الجديد

———————————

سورية في مرحلة إعادة الإعمار… تحديات اقتصادية وفرص/ نور ملحم

21 أكتوبر 2025

تدخل سورية مرحلة جديدة مليئة بالتحديات الكبرى والفرص الضخمة، بعد سقوط نظام الأسد ونهاية الحرب التي دمرت سورية على مدار أكثر من عقد. ومع تراجع حدة النزاع العسكري، أصبح ملف إعادة الإعمار في سورية في صلب الأولويات على الصعيدين المحلي والدولي. إلا أن العملية تحتاج إلى استثمارات هائلة لإعادة بناء ما دمرته الحرب من بنية تحتية، وإعادة تحفيز الاقتصاد الوطني الذي تعرّض لانهيار شامل.

ووفقاً لتصريحات توم برّاك، المندوب الأممي الخاص إلى سورية، فإن عملية إعادة إعمار البلاد تتطلب أكبر تدخل دولي منذ الحرب العالمية الثانية. وأكد برّاك في تصريحات أدلى بها يوم الأحد، أن سورية بحاجة إلى استثمارات ضخمة تصل إلى مليارات الدولارات لإعادة بناء المدن والبلدات والمرافق الأساسية التي دمرتها الحرب. وأضاف أن أي تقدم في هذا المجال يعتمد على تحقيق حل سياسي مستدام وتشكيل حكومة انتقالية شاملة تضمن الاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد.

العقوبات الاقتصادية والعوائق السياسية

واستعرض برّاك في تصريحاته العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة على النظام السوري طوال السنوات الماضية، والتي كانت من أبرز العوامل التي منعت تدفق الاستثمارات إلى سورية. ومع التغيير السياسي الحاصل في البلاد بعد سقوط النظام، يرى برّاك أن العقوبات الدولية قد تصبح أقل تأثيراً، ما يتيح المجال لدور أكبر للمجتمع الدولي في عملية إعادة الإعمار. ورغم ذلك، شدد على أن المجتمع الدولي يجب أن يساهم بفعالية في هذا التوجه عبر دعم العملية السياسية في سورية، مشيراً إلى أن غياب الاستقرار السياسي في الفترة الانتقالية قد يعوق أي تقدم في مشاريع إعادة البناء.

من جانبه، أكد الدكتور فراس شعبان، الخبير الاقتصادي، في تعليق لـ”العربي الجديد”، أن سورية تواجه تحديات اقتصادية ضخمة في مرحلة إعادة الإعمار. وأضاف شعبان: “إعادة بناء الاقتصاد السوري بعد سنوات من الحرب تتطلب إصلاحات اقتصادية شاملة. العقوبات التي كانت مفروضة على النظام السابق كانت تحدياً كبيراً أمام تدفق الاستثمارات، ولكن مع التغيير السياسي يمكننا أن نرى فرصاً جديدة لجذب الاستثمارات الدولية، خصوصاً في القطاعات الأساسية مثل البنية التحتية والطاقة والصناعة”.

وتابع شعبان: “من المهم أن تتخذ السلطات الجديدة إجراءات شفافة لتنظيم عملية إعادة الإعمار، لضمان مشاركة القطاعين الخاص المحلي والدولي في هذه المشاريع. كذلك إن تحفيز الاقتصاد الوطني يتطلب إصلاحات تشريعية تتيح بيئة استثمارية أكثر أماناً واستقراراً. من دون ذلك، ستظل عملية إعادة الإعمار محكومة بالتحديات”. ورغم التحديات، فإن مرحلة ما بعد الحرب قد تتيح فرصاً جديدة لإعادة بناء البلاد. فمع نهاية الصراع، تأتي الفرصة لتحفيز القطاعات الاقتصادية السورية عبر مشاريع ضخمة تشمل إعادة بناء المدن المتضررة، وإصلاح القطاعات الخدمية مثل الصحة والتعليم، وإعادة تأهيل البنية التحتية من طرق ومرافق. وكلما تقدم المجتمع الدولي في دعم العملية السياسية، تسارعت وتيرة هذه الفرص الاقتصادية.

كذلك إن عملية إعادة إعمار سورية بعد سقوط النظام، أكثر من مجرد إعادة بناء المنشآت، فهي في جوهرها فرصة لبناء اقتصاد جديد يتجاوز آثار الحرب ويعزز الاستقرار السياسي. ومع الدعم الدولي والإصلاحات الاقتصادية اللازمة، يمكن أن تكون سورية على عتبة مرحلة جديدة من الازدهار الاقتصادي بعد عقد من الدمار. ولكن، كما يؤكد الخبراء، إن النجاح في هذه العملية يعتمد على مدى التزام الأطراف الدولية والمحلية تحقيق حل سياسي مستدام يضمن أن تكون إعادة الإعمار شاملة ومستدامة.

العربي الجديد

—————————–

سوريا بحاجة إلى الدعم… لكن عليها تهيئة الأرضية/ حايد حايد

آخر تحديث 20 أكتوبر 2025

بينما تحاول سوريا طيّ صفحة حربٍ أنهكتها لأكثر من عقد، تبدو حكومتها مصمّمة على المضي في طريق التعافي، سواء حظيت بدعم المؤسسات المالية الدولية أم لم تحظَ به. وقد قال وزير المالية محمد يسر برنيه الأسبوع الماضي: “نحن بحاجة إلى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فهما يلعبان دورا رئيسا، ومن دونهما يصعب علينا المضيّ قدما، لكن إذا تأخّرا كثيرا، فسنواصل العمل من دونهما”.

اكتسب هذا التصريح أهمية مضاعفة نظرا لسياق إطلاقه، خلال جلسة النقاش المشتركة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي السنوية في واشنطن. ويعكس هذا الإلحاح حجم الضغوط المتزايدة على الاقتصاد السوري، لكنه لا يقدّم تفسيراً كاملاً لتباطؤ الدعم الدولي.

وكنتُ حضرتُ تلك الاجتماعات، كما فعل الوزير برنيه، لمناقشة آفاق الاقتصاد السوري وتحديات إعادة الإعمار. وفي لقاءات خاصة مع ممثلي عدد من المؤسسات المالية الدولية، تبلورت لدي صورة أكثر تعقيدا. فبينما أقرّ من تحدثت إليهم بوجود تأخير في تقديم الدعم، شدّدوا على أن العقبة الأساسية تكمن في كون جاهزية سوريا لتلقّي المساعدة لا تزال محدودة. إذ ما تزال حوادث العنف والعوائق الإدارية المزمنة تعرقل الانخراط الفني المطلوب.

كما أن سوريا لا تملك ترف الانتظار، فإن المجتمع الدولي بدوره لا يستطيع التلكؤ. لكن الدعم الدولي لا يُبنى على الحاجة وحدها، بل أيضا على القدرة على استيعابه. ولتفادي إنهاك المانحين أو تحويل الموارد إلى وجهات أخرى، يتعيّن على دمشق اتخاذ خطوات حاسمة، تماما كما يُنتظر من المجتمع الدولي مواصلة التزامه.

مؤشرات إيجابية

لا مشاحة في حجم الاحتياجات السورية، التي يعرفها ممثلو المؤسسات المالية الدولية والذين عبروا مرارا عن قلقهم من عمق الأزمة الاقتصادية، وأكدوا ضرورة الإسراع في تقديم المساعدات.

والمبشّر أن هناك توافقا واسعا حول الأولويات. فقد تكرّرت في الأحاديث الخاصة ذات النقاط التي طرحها الوزير برنيه علناً: تعزيز القدرات المؤسسية، وتمهيد الطريق لإصلاحات موثوقة، واستعادة الثقة العامة في إدارة الاقتصاد السوري.

كما أثنى موظفو المؤسسات الدولية على انفتاح السلطات الانتقالية السورية على الدعم الفني، ورغبتها في الاستفادة من الخبرات المؤسسية. ورغم أن هذا الانخراط لا يزال في مراحله الأولى، فإنه يُعدّ مؤشراً إيجابياً.

لكن هذا الزخم الإيجابي كثيراً ما تعرّض للعرقلة. فمثلاً، أدّت الاشتباكات العنيفة في محافظة السويداء إلى تأجيل زيارة لجنة فنية كانت مكلفة بوضع خطة لبناء قدرات المؤسسات المالية السورية.

كما أن العراقيل الإدارية ما تزال تعيق التقدّم. فالتأخير المستمر في إصدار التأشيرات، إلى جانب الاعتماد على الاجتهاد الفردي في منح الموافقات الأساسية بدلاً من الإجراءات المؤسسية الممنهجة، قد أدى إلى تباطؤ إيصال الدعم الدولي.

وفوق ذلك، فإن تداخل الأولويات، ولا سيما تلك المرتبطة بالسياسة الخارجية، قد صرف انتباه بعض المسؤولين السوريين عن هذه الملفات، وأخّر الخطوات الإدارية اللازمة لدفعها قدماً.

لا بد من فتح الأبواب

هذه التحديات ليست جديدة، ولا تقتصر على المؤسسات المالية الدولية. بل إنها تعكس نمطا تكرر في محادثاتي مع حكومات وجهات دولية أخرى منذ سقوط نظام الأسد. فقد تعثرت عروض الدعم الفني مرارا بسبب ضعف التنسيق، وانقطاع التواصل، أو غياب الجاهزية التشغيلية على الأرض.

وفي معظم الحالات، عبّر المسؤولون السوريون عن امتنانهم واستعدادهم للتعاون. لكن كثيرا من هذه العروض لم يُكتب لها التحقق. فالتأخير لا يعود بالضرورة إلى غياب الإرادة، بل إلى هشاشة المرحلة الانتقالية وضعف البنية المؤسسية. ومع ذلك، فإن السلطات الانتقالية مطالبة ببذل الجهد اللازم لتهيئة الظروف التي تسمح بانطلاق الدعم الدولي.

الوزير برنيه محق في قوله إن سوريا لا تستطيع الانتظار. لكن الأمر ذاته ينطبق على المؤسسات الدولية وحكومات المانحين. فاهتمام العالم بسوريا لا يزال قائما حتى الآن. لكن من دون مؤشرات موثوقة على استعداد دمشق لاستيعاب عروض الدعم والتفاعل معها، قد يتحول الاهتمام والموارد إلى وجهات أخرى.

إن مستقبل سوريا مرهون بقدرتها على أن تكون شريكا موثوقا في مسيرة تعافيها. وإذا لم يتحقق ذلك، فقد لا يجد الفاعلون الدوليون خيارا سوى الاستثمار في بدائل أكثر قابلية للتحقق. صحيح أن العبء مشترك، لكن مسؤولية فتح الباب تقع على عاتق سوريا، وفقط عبر هذه الخطوة يمكن تحويل عروض الدعم إلى تقدم ملموس ومستدام.

المجلة

——————————-

هل تنقذ استثمارات القطاع الخاص شبكة الكهرباء السورية؟/ نور ملحم

19 أكتوبر 2025

عاد الحديث عن مستقبل الطاقة في سورية إلى الواجهة مجدداً عقب التصريحات التي أدلى بها عبد الحميد الخليفة، مدير صندوق أوبك للتنمية، وأكد فيها وجود خطة متكاملة لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء في سورية. وشدد خليفة في التصريحات التي نشرها موقع “سي أن أن” الاقتصادية الصادر بالعربية أمس السبت، على أن البداية ستكون بإصلاح المحطات القائمة، تمهيداً لتطبيق مشاريع أكبر تعتمد نموذج المنتج المستقل للطاقة، الذي يسمح للقطاع الخاص بالمشاركة في الإنتاج.

لكن هذه التصريحات تثير الكثير من الأسئلة بالنظر إلى الحالة المتردية التي وصلت إليها شبكة الكهرباء السورية، وما لحق بها من أضرار خلال سنوات الحرب والعقوبات الاقتصادية. فواقع الحال يؤكد أن المحطات تعمل بطاقة محدودة وانقطاع الكهرباء تحول إلى روتين يومي، لا تقتصر أضراره على الاحتياجات الشخصية، لكنها تمتد لتؤثر على دورة الإنتاج للمصانع والمشاريع الصغيرة والخدمات الأساسية.

ويرى المهندس طارق العيد، خبير الطاقة والعضو السابق في هيئة تنظيم الكهرباء في سورية، أن خطة صندوق أوبك “تمثل فرصة نادرة لإعادة ترتيب القطاع، لكنها تواجه تحديات كبيرة على الأرض”، مضيفاً أن إصلاح المحطات “يجب أن يقابله تحديث شامل للشبكات الكهربائية، وإلا فإن الكهرباء المنتجة ستظل غير مستقرة ولن تصل إلى المواطنين والمصانع بالشكل المطلوب”.

ويؤكد خبير الطاقة لـ”العربي الجديد” أن نجاح نموذج المنتج المستقل للطاقة يعتمد على ثلاثة عناصر أساسية هي “بيئة استثمارية مستقرة وشفافة، وحماية قانونية للمستثمرين، وضمان الدفع المنتظم للكهرباء المنتجة. وبدون هذه العناصر، فإن مشاركة القطاع الخاص ستظل محدودة كما هو الحال حالياً بسبب المخاطر الاقتصادية والسياسية”.

ويضيف العيد أن “تحسين الطاقة لن يكون مجرد مسألة فنية، بل عاملاً محركاً لكل القطاعات الاقتصادية. الكهرباء المستقرة ستخفض تكاليف الإنتاج في المصانع، وتدعم المشاريع الصغيرة، وتزيد فرص التشغيل، لكنها لا تحل مشاكل الطاقة إذا لم تصاحبها سياسات تنظيمية واضحة واستثمارات مستمرة”.

ويحذر مهندس الطاقة من المخاطر المحلية التي قد تواجه أي خطة، مثل تقلب أسعار الوقود، وضعف الصيانة الدورية، والانقطاعات المفاجئة، ونقص الكوادر الفنية المدربة. ويشدد على ضرورة تصميم الخطط بشكل مرن، يربط بين الإصلاح الفني والتحفيز الاقتصادي، لضمان استدامة أي مشروع جديد.

وقالت مصادر مطلعة في قطاع الطاقة لـ”العربي الجديد” إن خطة الصندوق تعتمد على تقييم شامل للوضع الحالي وتحديد أولويات الإصلاح، بما يضمن الاستفادة القصوى من المحطات القائمة. كما تهدف الخطة إلى تهيئة البيئة الاستثمارية لاستقطاب استثمارات محلية ودولية مستقبلية، خصوصاً عبر مشاريع المنتج المستقل للطاقة.

التحديات المستمرة

ورغم الطموح الواضح في خطة الصندوق، يبقى الطريق نحو تحسين قطاع الطاقة في سورية مليئاً بالتحديات. فالعقوبات الاقتصادية، وضعف البنية التحتية، والقيود الأمنية تمثل عوامل مؤثرة على استمرارية أي مشروع. يضاف إلى ذلك، أن الفجوة بين الاحتياجات الكبيرة للقطاع وموارد التمويل المتاحة تجعل من الضروري اعتماد خطط مرنة ومراحل تنفيذية واضحة لتجنب الانهيار الجزئي أو الكامل لأي مشروع.

وبالرغم من التصريحات المتفائلة في الآونة الأخيرة بخصوص إعادة تأهيل شبكة الكهرباء السورية، يرى المراقبون أن قطاع الطاقة السوري يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات الدولية على التأثير في بيئة معقدة، تجمع بين الفقر الهيكلي وغياب الاستقرار، وأن الرهان في الوقت الحالي يتعلق بما إذا كانت هذه الخطط ستتحول إلى واقع ملموس، ينعكس على حياة المواطنين والاقتصاد.

الهربي الجديد

——————————–

 كهرباء سوريا.. مفاجآت سارّة وأخرى صادمة/ ناظم عيد

الثلاثاء 2025/10/21

بين التوجس والتفاؤل، يترقب السوريون التسريبات التي تتحدث عن رفع تعرفة استهلاك الكهرباء بنسبة 800 %، وفي الوقت ذاته التصريحات المكثفة بشأن مساعي حل مشكلة الكهرباء كأكبر مشكلة تعتري بلادهم منذ أكثر من عقد من الزمن، وجعلت من سوريا ـ مع حزمة عوامل سياسية واقتصادية ـ بلداً غير صالح للعيش، وهي العبارة التي كان يرددها معظم من اختاروا الهجرة والعيش في بلدان أخرى بحثاً عن شروط مقبولة مؤهلة للعيش بكرامة.

ويذكر كثيرون أن أحد الممثلين المعروفين في سوريا كما في المضمار العربي، أجاب على سؤال عن البلد الذي سيختاره فيما إذا قرر مغادرة سوريا، فكانت إجابته مقتضبة ومعبرة: “إلى أي بلد فيه كهربا” إلى هذا الحد بدا المشهد السوري العام مظلماً على مر عقد من الزمن، لتتصدر أزمة الكهرباء الأزمات الخانقة التي طالما عانى منها السوريون جميعاً.

اليوم يتنفس السوريون الصعداء بعد الحلحلة الجزئية في توفر التيار الكهربائي، من خلال إمدادات الغاز الأذربيجاني الذي بدأ ضخه إلى بلدهم في آب المنصرم عبر تركيا، إلا أن تصريحات مسؤولين في قطاع الطاقة تقطع سلسلة التفاؤل بالحديث عن اهتلاكات كبيرة في البنية التحتية للقطاع والواقع المزري لتجهيزاته ومعداته التقنية، التي أبطلت جزئياً عائدات وجدوى استقطاب غاز أذربيجان على مستوى توليد التيار.

على هذه الخلفيات، بات قطاع الطاقة السوري تحت مرصد متمولين خارجيين للاستثمار في إعادة بنائه، شركات قطرية وقعت عقوداً قيمتها 7 مليارات دولار، وآخرون وقعوا عقوداً للاستثمار في مجال إنتاج الطاقات المتجددة. كما بدا القطاع مطرحاً لتطلعات منظمات عربية ودولية وجهات مانحة وداعمة، ما يشي بسرعة التعافي المرتقب إن أوفت مختلف الجهات بوعودها وفق الأجندات المعلنة دون تردد.

استرخاء بعد شدّ عصبي

بكثير من التفاؤل، التقط المهتمون والخبراء بالشأن الكهربائي في سوريا تأكيدات المدير العام لصندوق أوبك للتنمية الدولية عبد الحميد الخليفة، ولفتته إلى أن الصندوق وضع خطة متكاملة لإعادة تأهيل قطاع الكهرباء في سوريا، بالتعاون مع مؤسسات دولية، معبراً عن قناعته ببديهية أن التنمية لا يمكن أن تتحقق من دون بنية طاقية فعّالة.

وبتفصيل أكثر، أشار الخليفة إلى أن البداية ستكون بإعادة تأهيل المحطات القائمة، قبل التوسع نحو مشاريع أكبر تعتمد نموذج المنتج المستقل للطاقة (IPP)، لافتاً إلى أن مشاركة القطاع الخاص في سوريا لا تزال محدودة.

وفي السياق ذاته، ثمة معطى آخر لا يمكن تجاهله على صعيد استجماع المؤشرات الإيجابية بشأن تعافي أهم القطاعات الحيوية في سوريا، وهو عودة البلاد إلى عضوية مجموعة البنك الإسلامي للتنمية.

ومن ثم إشارة رئيس المجموعة محمد بن سليمان الجاسر إلى أن البنك يعمل مع الجانب السوري لإيجاد حلول عملية تسمح بإعادة تفعيل المشاريع التنموية، ومنها تمويل محطات الكهرباء وطرق ومشروعات تنموية أخرى.

تبدو المؤشرات الأولية كافة ـ نظرياً ـ مبشرة بشأن مستقبل قطاع الطاقة السوري، إلا أن الهواجس اللاحقة لهذه المقدمات تتركز حول كفاءة محطات التوليد وشبكات نقل الطاقة، ثم إمدادات الغاز والوقود اللازم لتشغيل محطات التوليد ـ غاز بالدرجة الأولى ـ فما هي المصادر المرشحة للإمداد؟ فحتى الآن يبدو المشهد ضبابياً في الواقع.

“شيخوخة” وفساد تشغيليان

ويرى الصحفي المتخصص في شؤون الطاقة معد عيسى، أن مشكلة الكهرباء في سورية بالدرجة الأولى مشكلة بنيوية تحتية واستطاعات توليد متدنية نتيجة قدم محطات ومجموعات التوليد. فالمحطة الأحدث في البلاد هي محطة الدير علي “المرحلة الأولى والثانية والثالثة”، مردود هذه المحطة يصل في أحسن الأحوال لحدود 50 في المئة، وهناك محطات تراجع مردودها إلى دون 20 في المئة، فمثلاً مجموعة توليد بانياس مصممة ـ اسمياً ـ لتنتج 140 ميغا، لكنها تعطي حالياً 20 ميغا وتستهلك كمية الوقود اللازمة لإنتاج أعظمي. وهناك مجموعات شهدت حالات “فساد تشغيلي” من خلال الزعم باستخدام تقنية النانو عبر إضافة المياه إلى الفيول من أجل زيادة الاحتراق، وهذا أدى إلى تآكل الأفران وانهيار بعضها. ويجزم عيسى بأن التكاليف التي تُنفق لإعادة تأهيل مجموعات التوليد القديمة تكفي لتركيب مجموعات جديدة ذات كفاءة تشغيلية عالية، لاسيما وأن هناك محطات متنقلة “موبايل ستيشن تعطي إنتاج 25 ميغا” يمكن توطينها في ذات أماكن المحطات القديمة المهتلكة، وهذا أفضل بكثير من الصيانات التي تجري.

كما يعاني قطاع الكهرباء في سوريا من مشكلة الفاقد الفني الكبير نتيجة قدم الشبكات، والتجاري “سرقة”، وتصل نسبة الفاقدين إلى أكثر من 30 في المئة. وهذا يعني الحاجة الماسة لأبراج جديدة لنقل الطاقة، وبالتالي ضمان تخفيض كبير للكلفة على إنتاج كل كيلو/ واط ساعي من الكهرباء، مع ضبط ممارسات الاستجرار غير المشروع.

عقدة الإمدادات

لكن تبقى المشكلة الأكثر تعقيداً التي تحول دون استدامة التيار الكهربائي في سوريا، حتى لو تحققت فعلاً وعود “الاستنفار”، هي مشكلة إمدادات الوقود. فالمعلوم أن لدى سوريا عجزاً كبيراً في هذا المجال، وهي تحتاج لحوالي 30 مليون متر مكعب من الغاز يومياً للمحطات القائمة، وكميات الغاز المتاحة لا تتجاوز 7 ملايين متر مكعب في اليوم.

أما بالنسبة للفيول كوقود لإنتاج الكهرباء، فهو متوفر لأن المصفاتين في حمص وبانياس تعملان بكامل طاقتهما. كل هذا يضمن توليد حوالي 2000 ميغا أو أكثر بقليل، فيما حاجة البلاد أكثر من 9000 ميغا. ويرى عيسى أنه من الصعب حل مشكلة الوقود على المدى المنظور، إن لم يتم التوجه نحو إعادة الاستثمار الأمثل لحقول الغاز السورية وإجراء صيانات، مع بناء محطات جديدة ذات استطاعات توليد توازي حجم استهلاكها للوقود (غاز وفيول).

بديل للوقود التقليدي

يبرز السجيل الزيتي أو النفط الصخري كخيار وقود بديل، فسوريا تنام على احتياطي يصل إلى 40 مليار طن، وهناك إمكانية لاستخراجه إما بتسخين الأرض لاستخراج الزيت أو عبر الحرق المباشر، ويستشهد عيسى بتجربة شركة أستونية تعمل في الأردن، أستونيا تولد حوالي 90 في المئة من احتياجاتها من النفط من السجيل الزيتي.

لكن الكلفة العالية تُبيّن أن إنتاج الكهرباء من حرق السجيل الزيتي بات ذا كلفة عالية مقارنة بانخفاض تكاليف إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقات المتجددة. فمثلاً أنشأت السعودية محطتي طاقة شمسية تعطيان الكهرباء بكلفة تتراوح بين نصف وواحد سنت/ دولار. حتى تكاليف إنشاء محطات الطاقات المتجددة باتت أقل بكثير من محطات النفط الأحفوري، نتيجة تطور التكنولوجيا.

خصوصية سورية مشجعة

لكن على الرغم من ذلك، يقترح عيسى دراسة فكرة توليد الكهرباء في سوريا من الحرق المباشر للسجيل الزيتي، نظراً للاحتياطي السوري الكبير من المادة، وارتفاع نسبة الزيت “تصل إلى 12 في المئة”.

كما أن المناجم السورية متركزة في منطقة خناصر بريف حلب، وهي منطقة ليست زراعية وبعيدة عن السكن، والمنطقة منطقة تلاقي خطوط التوتر العالي لنقل الكهرباء بين حلب والمنطقة الشرقية والوسطى.

إضافة إلى أن حرق السجيل الزيتي لإنتاج الكهرباء ينتج عنه كميات كبيرة من مادة هامة وأساسية لصناعة الإسمنت (مادة الكلينكر)، مع التنويه إلى أهمية المادة الناتجة عن الحرق كسماد للتربة، لكن بالعموم، تبقى كلفة هذا الخيار لإنتاج الكهرباء عالية وليست ذات جدوى مشجعة.

هواجس ما بعد التفاؤل

بعيداً عن كل هذه الجلبة، وعلى التوازي مع ما يعتبره السوريون ملامح انفراجات قد لا تتأخر في أوضاع كهرباء بلدهم عموماً، ثمة من يتابع بقلق الأنباء التي تتسرب دون إعلان رسمي مباشر، بخصوص رفع تعرفة/ البدل المادي للاستهلاك بنسب تصل إلى 800 في المئة، وفقاً لآلية الشرائح التي تراعي تسعيرة استهلاك الكهرباء للاستخدامات المنزلية البسيطة “دون تدفئة وتكييف”، وتُكلف ذوي الاستهلاك الكبير بدفع بدلات كبيرة. وهي طريقة مقنعة وموضوعية من حيث المبدأ.

إلا أن منتقدي ما تزمعه الحكومة من رفع للتعرفة، يعتبرون أن المواطن وكل مستخدمي الكهرباء تجارياً وصناعياً سيدفعون فاتورة الفاقد الفني والتجاري البالغة 30 في المئة بسبب اهتلاك الشبكات والاستجرار غير المشروع “السرقات”، إضافة إلى تواضع كفاءة محطات التوليد التي تستهلك أحياناً عشرة أضعاف الوقود اللازم لإنتاج الكيلوواط الساعي.

ووفق الأدبيات المحاسبية التقليدية المعمول بها في سوريا، يتم تقسيم الكلفة الإجمالية لإنتاج الكهرباء، بما في ذلك الفاقد والهدر والسرقة والاهتلاك، على كتلة الاستهلاك “الوحدة كيلوواط”، لتكون النتيجة بناء التعرفة للمستهلك من تلك الاعتبارات غير الموضوعية، ما يجعل المواطن يدفع ثمن خلل لم يكن سبباً فيه، ويضعف من جدوى أي إصلاحات ما لم تُرفق بإصلاح إداري وتقني شامل

——————————-

«سوريا والمؤسسات المالية الدولية: بين البروباغندا والواقع»

Marco Olabi

فور سقوط النظام في ديسمبر الماضي، شرعت المؤسسات المالية الدولية بسلسلة زيارات واجتماعات مع السلطة السورية، جمعتها بالرئيس ووزير الخارجية ووزراء العدل والمال والاقتصاد وحاكمية المصرف المركزي (السابقين والحاليين). تناولت هذه الاجتماعات جميع محاور التعاون الممكنة: دعم الإصلاحات المالية، تطوير القطاع المصرفي، البنية التحتية، التنمية البشرية، وتمويل مشاريع إعادة الإعمار.

إلا أن القيمة المضافة لهذه اللقاءات لا تزال محدودة. رغم حرص السلطة على تسويق هذه الاجتماعات كدليل على انفتاح اقتصادي وتعاون دولي واسع، بينما الواقع يكشف فجوة كبيرة بين الخطاب الإعلامي والنتائج العملية.

ولفهمٍ أفضل لتهافت هذه المؤسسات على سوريا، يجدرُ بنا تحليل العلاقة بين السلطة السورية والمؤسسات المالية الدولية، إذ ربما يَظهر لبعض السوريين وكأنه شيء يدل على نجاح هذه السلطة وديبلوماسيتها، أو على طمع هذه المؤسسات بمكاسب اقتصادية (من دولة مفلسة بحاجة لمئات مليارات الدولارات). إلا أن الحقيقة في مكانٍ آخر، فهذه المؤسسات لم تسارع إلى سوريا بدافع إنساني (فقط)، إنما دفعتها مصالح جيو-اقتصادية استراتيجية. فسوريا تتوسط الشرق الأوسط، ولذا فاستقرارها هام للاقتصاد الاقليمي والعالمي أمنياً، لأسباب تتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال ومنع تجارة المخدرات، ومن هنا تسعى المؤسسات الدولية إلى إقامة إطار تعاون أولي مُلزم يضمن الامتثال للمعايير الدولية، بينما السلطة بتهربها من الإجراءات طيلة الفترة الماضية يُظهر أن لا مصلحة لها بذلك.

الواقع يؤكد أن السلطة، رغم الاجتماعات الرسمية، ما زالت تضع سقفاً ضيقاً لتعاونها الدولي، متلكئة في تنفيذ الإصلاحات الحقيقية، وغالباً يرتبط التهرب من هذه المعايير من طرف الحكومات إما بالفساد أو بتمويل الإرهاب… فقطاع المصارف والنقد لم يشهد إعادة هيكلة جوهرية، والقطاعات الإنتاجية تفتقر للبنية التحتية اللازمة، بينما تظل معظم القطاعات دون خطط واضحة أو استراتيجيات قابلة للقياس. وغالباً ما يغلب على تصريحات المسؤولين السوريين الطابع الشعري أو الإعلامي، بدلاً من تقديم معلومات مفيدة وإطلاع السوريين على حقيقة الإجراءات والخطط.

أحد الأمثلة البارزة على التلكؤ هو انتظار السلطة حتى مايو الماضي قبل أن تضطر السعودية وقطر لدفع مبلغ 15.5 مليون دولار عنها (رغم توافره في المركزي)، وهو مستحقات البنك الدولي على سوريا، ما كان يشكل حاجزاً أمام الحصول على تمويل جديد. هذا التمويل، على خلاف ما تُسوّقه السلطة، ليس قرضاً وإنما منح تُستحق وفق عضوية الدولة السورية وضرورات الوضع الاقتصادي والإنساني فيها.

الصاعقة، كانت تصريح مدير صندوق النقد لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، جهاد أزعور، أن السلطات السورية تريد لأول مرة مناقشة المادة الرابعة (Article IV) مع الصندوق، خطوة أساسية لإعادة دمج الاقتصاد السوري في النظام المالي الدولي، كان يفترض أن تتم منذ فترة طويلة. برأيي، هذا يثير شكوكاً حول جدية السلطة، ويفضح محدودية استقلالية المفاوضين السوريين طيلة الفترة الماضية، وأرى أن كل خطوات التعاون تتبع لما يفرضه الرئيس الشرع عليهم.

شهادة الزميل إياد شربجي في لقاء الجالية السورية بوزير المال وحاكم المصرف في واشنطن تؤكد ذلك، حيث كانت الردود على الأسئلة حول استقلال القضاء والبيئة القانونية غير مطمئنة وغالبيتها تبريرية، كما تجاهلا الإجابة على أسئلة إياد، وفضّلا الإجابة ذات الطابع الشعري لا المطلوب منهما كمسؤولين أمام الرأي العام المحلي والعالمي، ما يعكس أن القرار لا يعود لهما، بل للقصر.

خلاصة الأمر، عشرات الاجتماعات مع مؤسسات بريتون وودز (الدولي والنقد)، لم تستخدمها السلطة إلا بالبروباغندا، بينما الخطوات التنفيذية تغيب. لكن يبدو أن صبر المجتمع الدولي (خصوصاً الأمريكي) اقترب من النفاد، إذ أرغمت الخزانة الأمريكية وفد السلطة هذه المرة على التعهد بإنجاز وثيقة إطارية شاملة تحدد الأهداف والجدول الزمني لكل محاور التعاون، ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر سخونة.

ويحضرني هنا قول طُرفةَ بن العبد:

وَيَأتيكَ بالأَخبارِ مَن لَم تَبِع لهُ *** بتاتاً ولم تضرِب لهُ وقتَ مَوعِدِ.

——————————————

ملاحظات/ أخمد نظير أتاسي

من المفيد تتبع المواضيع الهامة مثل المال والاقتصاد والماء والكهرباء والاستثمارات. ان القارئ يحتاج الى قراءات متعددة ومتنوعة لان هذه المواضيع اختصاصية، بعكس السياسة التي يمكن ان يقراها ويفهمها اي انسان عنده حد ادنى من التعليم المدرسي او الجامعي. ورغم هذا الجهد الاضافي فانه من المفيد دائما الاطلاع على هذه المواضيع، واشكر الخبراء مثل الكاتب ماركو علبي ادناه وغيره الذين يجعلون مهمتنا ممكنة.

لكن فيما يخص سوريا، فقد توقفت عن هذه القراءات لانني اكتشفت كما اكتشف الكاتب ادناه ان المشكلة ليست في نقص الخبرات فقط، وهي ناقصة، وليست في نقص المشاريع والخطط فقط، فهي ناقصة، وليست في نقص الموارد فقط، وهي ناقصة، وانما الاساس هو نقص النوايا من السلطات العليا، اي من الجولاني وجماعته الضيقة. فهؤلاء يرفضون الاصلاحات المالية والاقتصادية والقانونية اللازمة، ليس لانهم يفهمون عمقها، فهم لا يفقهون فيها شيئا، وانما لانهم فاسدون الى العظم، طريقة حياتهم فاسدة وافكارهم فاسدة ومشاريعهم فاسدة. فمثلا الجولاني معتاد على المال الاسود (مثل المخدرات والارهاب والمعابر والتهريب) ولا يستطيع الصمود دونها. انه امير حرب ويعرف تماما ان تحوله الى دولة سيقضي الى مركزه كأمير وما يتيحه له هذا المركز من ولاء وبساطة في التعامل والادارة ومناورة وحكم فردي. لذلك فالافضل له هو تحويل الدولة الى امارة. وعندها يصطدم مباشرة بشروط المؤسسة مثل شروط البنك الدولي وشروط نظام التحويلات وشروط الشفافية وشروط الحيادية تجاه السياسة. عندها يقول له مستشاروه مباشرة “سيدي اذا بدك كاش من المخدرات لتدفع للعشائر، ما بتقدر تمررها عن طريق البنك المركزي” فيصدر لهم مباشرة اوامر تمنع البنك المركزي من القبول بالشروط الدولية ودون ان يعرف او يفهم بقية التفاصيل. اي ان الاقتصاد السيء ودون اية معرفة علمية يفرض شروطه على الاقتصاد الجيد. هذه هي لعنة الديكتاتورية وحكم الفرد والعصابة.

ان تتبع السياسة السورية في مضامير الاقتصاد والتنمية والطاقة والقانون لا يحتاج الى قراءات مستمرة ولا الى قراءات معمقة. يبقي ان يعرف القارئ ان الجولاني الامير الارهابي يتحكم بالهرم كله حتى يستنتج استحالة تطور القطاع النقدي واستحالة الشفافية واستحالة الاستثمارات الكبرى واستحالة الانفتاح الاقتصادي. العوائق بنيوية لا يمكن تخطيها دون التخلص من الديكتاتور ونظامه، ولا اعنى الاسد فقط، بل ايضا الجولاني الذي ورثه وتابع على خطاه. ان معارضتي ومعارضتنا للجولاني لا تنبع من عدم ثقة بالاسلامويين او من تعالي يساري او من احلام وردية لاصحاب البرج العاجي، وانما تنبع من فهم عميق لطبيعة الحكم حين تستلمه عصابة خارجة عن القانون وديكتاتور متعود على الحكم الفردي واغتيال المعارضين. ان اهم عائق اليوم امام انفتاح الاقتصاد السوري وتطور الدولة السورية هو وجود الجولاني وجماعته في الحكم. انهم عقبة بنيوية لا يمكن ان تتغير او ان تخرج من جلدها او ان تتأقلم او ان تكون براغماتية. قبل ان يكونوا سلفيين متعصبين وضيقي الخبرة والافق هم عصابة ارهابية وامارة حرب.

—————————————-

 سوريا تمنح البنوك مهلة 6 أشهر لاستيعاب خسائر الأزمة اللبنانية

حجم انكشاف البنوك السورية على لبنان يتجاوز 1.6 مليار دولار

دمشق – رويترز

1 أكتوبر ,2025

أمر مصرف سوريا المركزي البنوك التجارية بتكوين مخصص مقابل خسائر انخفاض القيمة المرتبطة بالانهيار المالي في لبنان وتقديم خطط موثوقة لإعادة الهيكلة خلال ستة أشهر، في خطوة من شأنها إعادة تشكيل القطاع المصرفي المتعثر في البلاد.

ويلزم التوجيه الصادر في 22 سبتمبر/أيلول البنوك بالاعتراف بكامل انكشافها على النظام المالي اللبناني، حيث أودعت البنوك السورية أموالا خلال الحرب الأهلية في البلاد.

ويقول مسؤولون سوريون إن هذا القرار يأتي في إطار جهود أكبر لإصلاح القطاع المصرفي الذي عصفت به الحرب التي استمرت 14 عاما وكذلك العقوبات الغربية، وللمساعدة في معالجة أزمة السيولة التي كبلت النشاط الاقتصادي.

وقال ثلاثة مصرفيين سوريين لوكالة “رويترز” إن هذا الأمر دفع بعض البنوك إلى البحث عن مستثمرين جدد أو استكشاف فرص استحواذ أجنبية.

وقال حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية لـ”رويترز “: “سيتعين على (البنوك) تزويدنا بخطة موثوقة لإعادة الهيكلة، بدأ العد التنازلي الآن”.

وأضاف: “إنها قادرة على إيجاد سبل مختلفة للقيام بذلك، بطرق تشمل البنوك الشقيقة في لبنان أو من خلال الشراكة مع مؤسسات دولية أخرى”.

انكشاف كبير للبنوك السورية

قال الحصرية إن انكشاف المصارف التجارية السورية على لبنان كبير ويزيد على 1.6 مليار دولار.

ووفقا لحسابات “رويترز” المستندة إلى التقارير المالية لكل المصارف التجارية الأربعة عشر في سوريا لعام 2024، والتي نشرتها بورصة دمشق، تمثل هذه نسبة كبيرة من إجمالي الودائع في القطاع المصرفي التجاري السوري والبالغ 4.9 مليار دولار.

ومن بين المصارف الأكثر تضررا، بنك الشرق وفرنسبنك وبنك سوريا والمهجر وبنك بيمو السعودي الفرنسي وشهبا بنك وبنك الائتمان الأهلي، وكلها بنوك لبنانية الأصل افتتحت فروعا لها في سوريا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

ولم يرد أي من هذه المصارف على طلبات للتعليق.

ويقول مصرفيون إنهم لجأوا إلى لبنان خلال الحرب الأهلية السورية، ولم يكن لديهم خيارات كثيرة أخرى بسبب العقوبات الغربية التي بدأ رفعها تدريجيا منذ الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد العام الماضي.

لكن هذه الودائع أصبحت محتجزة عندما انهار النظام المصرفي اللبناني في عام 2019 بسبب سوء الإدارة المالية والأزمة السياسية اللذين استمرا لسنوات.

ولم يعتمد لبنان حتى الآن خطة لحل الأزمة رغم أن المسؤولين اللبنانيين يقولون إنهم أحرزوا تقدما ملحوظا بشأن “قانون الفجوة المالية” لتحديد كيفية إعطاء الأولوية لتعويض المتضررين عن خسائرهم.

البنوك تنتقد قصر المهلة الممنوحة

انتقد بعض المصرفيين السوريين قصر مدة المهلة الممنوحة للامتثال لتوجيه تكوين مخصص.

وقال أحد المصرفيين “القرار في حد ذاته مبرر، لكن المهلة ليست كذلك”.

وينفي المسؤولون السوريون وجود أي دوافع سياسية.

وذكر الحصرية أن هذه الخطوة تأتي في إطار جهد أكبر للالتزام باللوائح التي أهملتها الحكومة السابقة.

وأضاف “لا نريد أن يتعرض أي بنك لمشاكل، لكن الإنكار ليس حلا أيضا… ننتقل من إنكار اتبعه النظام القديم إلى الاعتراف بالمشكلة وحلها”.

وقال ثلاثة مصرفيين سوريين إن بعض البنوك المتضررة تجري محادثات، لا تزال في مراحلها المبكرة، مع مؤسسات مالية عربية، مثل بنوك مقرها الأردن والسعودية وقطر، بشأن عمليات استحواذ محتملة.

وذكر الحصرية أن الحكومة تهدف إلى زيادة عدد البنوك التجارية العاملة في سوريا إلى المثلين بحلول عام 2030، وأن بعض البنوك الأجنبية بصدد الحصول على تراخيص.

وأحجم عن الإدلاء بتفاصيل، وأرجع ذلك إلى سرية العملية.

—————————————-

 إعادة الإعمار في سوريا تُقدر بـ216 مليار دولار

الثلاثاء 2025/10/21

قدّر البنك الدولي كلفة إعادة الإعمار في سوريا بعد أكثر من 13 عاماً من الصراع بنحو 216 مليار دولار، استناداً إلى نتائج تقييم يشمل الفترة الممتدة من 2011 إلى 2024.

وألحق النزاع الذي شهدته سوريا بدءاً من العام 2011، وفق تقرير للبنك الدولي، “أضراراً بنحو ثلث إجمالي رأس المال السوري قبل الصراع”.

وتُقدّر “الأضرار المادية المباشرة للبنية التحتية والمباني السكنية وغير السكنية بنحو 108 مليارات دولار”، 52 مليار هي إجمالي الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية وحدها. ومن حيث إجمالي الأضرار، تُعد محافظات حلب وريف دمشق وحمص الأكثر تعرضاً للضرر.

وسبق للأمم المتحدة أن قدرت في العام 2018، بعد تراجع وتيرة المعارك إلى حد كبير، كلفة الدمار في سوريا بأكثر من 400 مليار دولار.

وتوقع البنك الدولي في تقريره أن “تتراوح تكاليف إعادة إعمار الأصول المادية المتضررة بين 140 و345 مليار دولار”، موضحاً أن “أفضل تقدير متحفظ يبلغ 216 مليار دولار”، يتوزع بين 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.

وتُشكل الكلفة التقديرية لإعادة الإعمار نحو عشرة أضعاف إجمالي الناتج المحلي المقدر لسوريا لعام 2024، ما يبرز حجم التحدي والحاجة الماسة إلى الدعم الدولي، وفق التقرير.

في السياق، أوضح المدير الإقليمي لدائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي جان كريستوف كاريه، وفق التقرير، أن “التحديات هائلة، لكن البنك الدولي على استعداد للعمل جنباً إلى جنب مع الشعب السوري والمجتمع الدولي لدعم جهود التعافي وإعادة الإعمار”.

ورأى وزير المالية السوري محمّد يسر برنية أن تقرير البنك الدولي يقدّم “أساساً مهماً لتقييم حجم الدمار الهائل وتكاليف إعادة الإعمار التي تنتظرنا”.

———————————

دعم غائب وآمال عودة تضعف.. الشتاء يمد يده الباردة إلى مخيمات شمالي سوريا

2025.10.19

مع اقتراب فصل الشتاء، تزداد معاناة أكثر من مليون مهجّر في مخيمات الشمال السوري، لا سيما بعد تراجع الدعم الإغاثي الدولي، وغياب الأمل في العودة القريبة إلى ديارهم، والنقص الحاد في الخدمات الأساسية مثل الرعاية الطبية والتعليم، مما يفاقم معاناة السكان الذين يعيشون في أوضاع غير إنسانية.

وتشير الإحصائيات إلى وجود أكثر من 960 مخيماً في شمال غربي سوريا، تؤوي نحو 150,000 أسرة، وفي السنوات الماضية، كانت المخيمات تستفيد من مساعدات غذائية طارئة تصل إلى 232,000 سلة غذائية شهرياً، لكن هذا الدعم شهد تراجعاً كبيراً هذا العام ليصل إلى 30,000 سلة فقط، نتيجة لإيقاف العديد من البرامج الإنسانية.

وتتزايد المخاوف من تفاقم الوضع مع قرب فصل الشتاء، بسبب نقص الوقود ومواد التدفئة، وهو ما يعرض حياة الفئات الأشد ضعفاً للخطر، خاصة في ظل الظروف المناخية القاسية التي تشهدها المنطقة، وتكرار هذه المأساة في كل عام.

الأزمة الإنسانية في مخيمات الشمال السوري

جاء تفاقم الأزمة الإنسانية في مخيمات الشمال السوري نتيجة للنقص الكبير في التمويل من المنظمات الإنسانية. وفي هذا السياق، أوضح معاون مدير الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب، عبد الرحمن جنيد، أن الوضع في المخيمات يزداد صعوبة في ظل الانخفاض الكبير في الدعم المقدّم من المنظمات، مشيراً إلى أن العائلات في المخيمات تواجه أزمة في العيش، ولا يوجد أي أفق للعودة إلى القرى والبلدات.

وأشار جنيد في لقاء مع تلفزيون سوريا إلى أن الحل الوحيد لهذه العائلات يكمن في العودة إلى مناطقهم المدمرة، وهو ما يتطلب توفير البنية التحتية والخدمات الأساسية مثل الرعاية الطبية والتعليم.

من جانبه، تحدث المدير العام لجمعية عطاء للإغاثة الإنسانية، خالد العيسى، عن انخفاض الدعم بشكل كبير خلال العام الحالي، قائلاً: “في السنوات الماضية كان التمويل يأتي عن طريق مساعدات عبر الحدود، وفي عام 2024، وصل التمويل إلى حدود 400 مليون، لكن مع نهاية العام تناقص بشكل كبير، ليصبح قليلاً جداً في عام 2025”.

وأضاف العيسى في حديث لتلفزيون سوريا أن المنظمات توجهت للعمل في باقي الجغرافيا السورية بعد تغييرات في شكل التمويل وترتيب العمل، كما أن مكاتب الأمم المتحدة في تركيا التي كانت تنسق مع المنظمات العاملة في الشمال السوري أغلقت في نهاية حزيران 2025، وتوجهت إلى دمشق وحلب.

استعدادات الشتاء والتحديات المستقبلية

تعمل الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية مع اقتراب الشتاء على تعزيز الجهود لتأمين احتياجات المخيمات من مواد التدفئة والمساعدات الطارئة. إذ أكد جنيد أن مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب رفعت جاهزيتها لمواجهة فصل الشتاء، حيث تمت دراسة احتياجات المخيمات في المناطق المعرضة للفيضانات، موضحاً أن الاستعدادات تشمل توفير مخيمات أكثر أماناً ومواد إغاثة لتلبية احتياجات الأسر التي تعيش في الخيام القماشية.

وأضاف جنيد أن الجهود الحالية تشمل أيضاً ترميم البنية التحتية في القرى والبلدات المحررة حديثاً، لتسريع عملية إعادة العوائل المقيمة في المخيمات إلى ديارها.

مشاريع العودة والإعمار

في ظل هذه التحديات، تبذل بعض المنظمات الإنسانية جهوداً لإعادة إعمار البنية التحتية في المناطق التي هجر سكانها منها، بهدف تسهيل العودة الطوعية لهم. حيث أكد العيسى أن جمعية عطاء نفذت هذا العام مشاريع بقيمة 8 ملايين دولار، شملت ترميم البنى التحتية مثل المدارس، وشبكات المياه، والصرف الصحي، والطرق في المناطق التي هجّر منها الأهالي، مثل مدينة سراقب شرقي إدلب. مضيفاً أن هذه المشاريع أسهمت في عودة قرابة 1500 أسرة إلى المنطقة.

وتحدث العيسى عن مشاريع مستقبلية، مثل مشروع في معرة النعمان بريف إدلب وآخر في القصير جنوبي حمص، يهدف إلى إعادة النازحين إلى مناطقهم. مشيراً إلى أن معظم النازحين في المخيمات ينحدرون من ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي وأرياف حلب، مما يستدعي التركيز على إعادة إعمار هذه المناطق لتسهيل عودة السكان إليها.

تمويل المشاريع

وحول مصدر التمويل للمشاريع، أكد العيسى أن معظم التمويلات تأتي من المنظمات الدولية، حيث يتم تخصيص بعض المبالغ للاستجابة في مناطق شمال غربي سوريا. مشدداً على أن المشاريع التي تهدف إلى إعادة بناء البنية التحتية في المناطق المتضررة من الحرب هي أمر بالغ الأهمية لإعادة العائلات إلى مناطقها.

وقال العيسى إن “الواقع في سوريا يتطلب العمل في مناطق كثيرة دُمرت بسبب الحرب، فهناك نزوح كبير، إذ تجاوز عدد اللاجئين والنازحين أكثر من 10 ملايين شخص، لكن، لا يتمركز الجميع في المخيمات، بل هناك مناطق هجرت أو استقرت في مدن جديدة”.

وحول التحديات التي تواجه العمل، قال العيسى: “نواجه تحديات كبيرة الآن، حيث يوجد 2.4 مليون طفل خارج التعليم، ومعظمهم من المخيمات، هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى ترميم مدارس وبنية تحتية، ولذلك، نحن نهدف إلى تقليل تسرب التعليم بشكل كامل، وكذلك إنهاء ظاهرة الخيم والوصول إلى صفر خيمة في نهاية 2026.”

وفي ظل هذه الظروف القاسية في المخيمات، يبقى الحل الأنسب لهذه الأزمة في إعادة بناء البنية التحتية في المناطق المتضررة وتمكين الأهالي من العودة إلى قراهم وبلداتهم، ويكون ذلك بتضافر جهود المنظمات الإنسانية المحلية والدولية وتقديم التمويل الكافي لذلك.

تلفزيون سوريا

———————————–

=======================

تحديث 19 تشرين الأول 2025

———————————-

مساعٍ سورية للحصول على منحة بمليار دولار

ولأول مرة منذ أكثر من عقد، تشارك سوريا في اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين بالعاصمة الأمريكية واشنطن، بوفد يرأسه وزير المالية محمد برنية وحاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر الحصرية، ما يعكس رغبة دولية متزايدة في إعادة دمج سوريا بالنظام المالي العالمي.

وعبر منشوراته في “لينكد إن“، قال وزير المالية السوري، السبت 18 من تشرين الأول، في اجتماع مع نائب رئيس البنك الدولي لشؤون التمويل الإنمائي أكيهيكو نيشيو، إن سوريا تسعى للحصول على نحو مليار دولار من البنك الدولي على شكل منح (لم يحدد عددها) في السنوات الثلاث المقبلة.

وتركز النقاش بين الجانبين حول “مكونات المنح التي يمكن أن تحصل عليها سوريا في الفترة المقبلة، والشروط المرتبطة بذلك”، وهو ما عقب عليه برنية بالقول إن هناك “وضوحًا بالخيارات لدى سوريا”.

برنية: نسعى للحصول على كل المنح

وفي اجتماع آخر مع تشارلز نورث، نائب الرئيس التنفيذي لفريق الشراكة العالمية من أجل التعليم (GPE)، قال وزير المالية السورية، “نعمل على استفادة سوريا من جميع المنح المتاحة”.

وتناول النقاش سبل توفير “منح مالية” لمساعدة قطاع التعليم في سوريا وخاصة لدعم التعليم التقني، حيث أكد برنية أنه سبق ذلك نقاش تمهيدي في دمشق بين وزارتي التربية والمالية.

إعادة الإعمار وضمان المخاطر

وشاركت سوريا في الاجتماع الدوري لوزراء ومحافظي بنوك الدول العربية (مجموعة التنسيق العربية) مع رئيس مجموعة البنك الدولي أجاي بانغا، وقال برنية إن بانغا وجه بـ”الاستجابة لاحتياجات دعم سوريا”.

وأعرب وزير المالية عن أمله بالحصول على مساعدة من البنك في “حشد موارد لتمويل مشاريع إعادة الإعمار في سوريا، واستقطاب رساميل خاصة، وتفعيل دور مؤسسة التمويل الدولية (IFC) ودور وكالة ضمان الاستثمار متعدد الاطراف (MIGA) في توفير ضمانات تساعد في تخفيف مخاطر الاستثمار في سوريا”.

سوريا عضو مؤسس في خمس مؤسسات من مجموعة التنسيق العربية التي تضم عشرة مؤسسات، هي :

    مجموعة البنك الإسلامي للتنمية.

    الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي.

    صندوق النقد العربي.

    الصندوق الكويتي للتنمية العربية.

    صندوق أبو ظبي للتنمية.

    صندوق قطر للتنمية.

    صندوق الأوبك.

    المصرف العربي للتنمية في أفريقيا.

    الهيئة العربية للأمن الغذائي.

    برنامج الخليج العربي للتنمية.

المجموعة قدمت تسهيلات والتزامات بالتمويل تجاوز 300 مليار دولار لنحو 13 ألف مشروع في حوالي 160 دولة.

واستفادت سوريا في العقود الماضية من معظم هذه المؤسسات والصناديق.

“أجفند”: المزيد من الاستثمارات في سوريا

الأمير عبد العزيز بن طلال بن عبّد العزيز آل سعود، رئيس مجلس إدارة برنامج الخليج العربي للتنمية (أجفند)، أكد خلال لقائه وزير المالية السوري أن هناك توجهًا جديدًا نحو سوريا للمزيد من الاستثمار في التمويل متناهي الصغر والتعليم العالي.

وقال برنية إن “سوريا تلقى اهتمامًا وترحيبًا غير مسبوقين في أي مكان توجد به”.

مباحثات مالية سورية مع الخزانة الأمريكية

وناقش وزير المالية السوري مع مساعد وزير الخزانة الأمريكي لشؤون منطقة الشرق الأوسط في واشنطن، إيريك ماير، دعم الإصلاحات السورية وبناء قدراتها في المالية العامة، والقطاع المالي.

وأكد برنية أن هناك تطورًا كبيرًا في التعاون الثنائي المالي السوري الأمريكي.

وأشار وزير المالية السوري في كل الاجتماعات التي عقدها مع مسؤولي البنك الدولي إلى أن البنك “يحشد الدعم الفني لسوريا” و”يؤسس لتعاون استراتيجي متكامل يشمل جميع مؤسسات البنك الدولي ويغطي كل القطاعات في سوريا”.

وتتمحور اللقاءات السورية مع المسؤولين المصرفيين الدوليين حول برامج البنك الدولي المخططة في سوريا:

    مجالات التعاون مع خبراء البنك في المالية العامة والإدارة المالية وتقوية التنبؤات والنمذجة الاقتصادية والمالية.

    التنمية البشرية، وما ينطوي في إطارها من تعاون في قطاعات الصحة والتربية والحماية الاجتماعية ومكافحة الفقر.

    القطاع المالي والمصرفي وتوفير الدعم لتطوير نظم الدفع والبنية التحتية المالية.

    التعاون في البنية التحتية في قطاعات الطاقة والنقل، والإسكان، والتعاون في مجال التمويل العقاري.

    التحول الرقمي ودعم الاقتصاد الرقمي.

    التنمية المستدامة، ودعم البيئة، وقضايا إدارة المياه وتعويض الغابات.

    دعم القطاع الخاص، وتحسين مناخ الاستثمار.

وستكون هناك وثيقة إطارية شاملة محددة الأهداف والجدول الزمني في كل هذه المحاور، حسبما أكد وزير المالية، موضحًا أن “البعثات وفرق العمل من الخبراء في البنك ستعمل مع نظرائها في الوزارات والمؤسسات السورية حول كل المواضيع المذكورة، بالتنسيق من فريق التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمغتربين”.

وتم التوافق أيضًا في اجتماع مالي سوري آخر مع مديرة صندوق النقد الدولي للسياسات في المرحلة القادمة، على عدد من المحاور هي:

    دعم سياسات مالية منضبطة.

    الحد من ارتفاع المديونيات.

    تعزيز استقلالية البنوك المركزية.

    تشجيع التحول الرقمي مع متابعة المخاطر النظامية التي قد تنشأ.

    مواصلة الإصلاحات الهيكلية لتحسين مناخ الاستثمار ومحاربة الفساد.

    التأكيد على مواصلة تعزيز شبكة الأمان المالي العالمية.

————————-

ذهب سوريا.. بريق عالمي يخبو في جيوب السوريين/ رهام علي

الأحد 2025/10/19

على وقع الارتفاع القياسي لأسعار الذهب عالمياً، التي تجاوزت فيها الأونصة حاجز 4249 دولاراً أمريكياً مسجّلةً واحداً من أعلى مستوياتها التاريخية، تشهد الأسواق السورية حالة من الترقّب والجمود في آنٍ معاً. ففي دمشق، وصل سعر غرام الذهب من عيار 21 إلى نحو مليون و440 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل قرابة 125.5 دولاراً أمريكياً، فيما وصل غرام عيار 18 إلى نحو مليون و235 ألف ليرة سورية، أي ما يقارب 107.5 دولارات، وفقاً لبيانات نقابة الصاغة بدمشق.

ورغم هذا الارتفاع اللافت، رصدت “المدن” خلال جولتها الميدانية في سوق الذهب بالحريقة وعدد من الأسواق الدمشقية حركة بيع وشراء ضعيفة بشكل ملحوظ، إذ بدت بعض المحلات شبه خالية من الزبائن في بعض الأسواق، ومزدحمة في بعضها الٱخر مثل محلات الذهب الواقعة في شارع خالد بن الوليد، بينما يؤكد عدد من الصيّاغ أنهم توقفوا عن تصنيع موديلات جديدة نتيجة تراجع القدرة الشرائية وتزايد المخاوف الأمنية والمعيشية.

بالتوازي، وفيما يواصل المعدن الأصفر صعوده عالمياً مدفوعاً بالاضطرابات الاقتصادية والتوترات الجيوسياسية، يبقى السوق المحلي أسير الأوضاع الاقتصادية الصعبة، ليغدو الذهب في سوريا رمزاً مزدوجاً: ملاذاً آمناً على الورق، وسلعة صعبة المنال في الواقع اليومي.

ذهب سوريا (المدن)

بين الأونصة والسيولة المحلية

يُجمع خبراء الاقتصاد على أن ما تشهده الأسواق السورية من ركود في تجارة الذهب، رغم القفزة التاريخية لأسعاره عالمياً، يعكس عمق الأزمة النقدية والمالية التي تعصف بالبلاد. فارتفاع الأونصة إلى أكثر من 4200 دولار رفع الأسعار المحلية إلى مستويات قياسية، لكن من دون أن يخلق حركة استثمار أو طلب حقيقي، بسبب انكماش القدرة الشرائية وغياب السيولة لدى الأفراد.

فالذهب، الذي كان يُنظر إليه تقليدياً كملاذ آمن ضد تراجع قيمة العملة، بات اليوم خارج متناول معظم السوريين، بعدما تجاوز سعر الغرام، عيار الـ21 ، مليوناً ونصف المليون ليرة سورية، أي ما يعادل رواتب عدة أشهر لموظف حكومي. ومع تدهور الدخل الحقيقي وتذبذب سعر الصرف، أصبح شراء الذهب مغامرة مالية أكثر من كونه وسيلة ادخار، فيما يكتفي كثير من الصيّاغ بتصريف الكميات القديمة بدلاً من استيراد أو تصنيع جديدة خوفاً من الخسارة.

ويرى محلّلون أن استمرار هذا الارتفاع العالمي، في ظل غياب استقرار نقدي محلي، سيزيد من فجوة القيمة بين السوقين العالمية والمحلية، ويحوّل الذهب في سوريا من سلعة استثمارية إلى مؤشّر على عمق الأزمة الاقتصادية. فالمعدن الأصفر لم يعد مرآة للثقة، بل مقياساً للعجز المعيشي الذي يدفع المواطن السوري بعيداً حتى عن حلم اقتناء “غرام أمان”.

بين المضاربة والثقة المفقودة

خلال جولتنا في سوق الذهب بالحريقة في دمشق، يظهر واضحاً كيف تتحرك أسواق الذهب اليومية على إيقاع الأونصة العالمية والدولار المحلي.  وفي حديثه إلى “المدن” يوضح الصائغ نيكولاس مباردي، أنه يراقب بورصات لندن ونيويورك باستمرار، ويشير إلى أن السعر العالمي للذهب في سوريا يقارب السوق اللبنانية، مع فارق جوهري يتمثل في أن “بعض القطع اللبنانية مستوردة من إيطاليا ولا تخضع لرقابة نقابة الصاغة، بينما تبقى أجرة الصياغة في سوريا أرخص لكونها مراقبة”، بحسب قوله.

ويضيف مباردي أن الأونصة كانت قبل شهر تقارب 3200 دولار واليوم تتجاوز 4000 دولار، وأن كل الغرامات تُصنّع محلياً، ما يجعل فرق البيع والشراء ضئيلاً مقارنة بتغير سعر الأونصة العالمي.

أما عن تأثير الدولار على السوق المحلية، يوضح مباردي أن الليرة الذهبية ارتفعت خلال الشهر الماضي من 10 ملايين إلى 11 مليون مقابل الدولار، أي أصبح سعرها ما يعادل نحو ألف دولار، ما انعكس على أسعار الذهب. ويبين أن أجرة الصياغة تتراوح بين 150 و200 ألف ليرة للقطة أيّ نحو 20 دولاراً، بحيث أن بيع القطعة يخسر من قيمتها خلال ساعات نتيجة تغير أسعار البورصات العالمية.

وعن الإقبال الكبير على الذهب، يرى مباردي أن ذلك يأتي نتيجة فقدان الثقة في العملة الورقية، بينما تواجه السوق مضاربات ومنافسة غير شريفة من بعض التجار، ما يزيد من اضطراب السوق.

من جهته، يوضح الصائغ راغب جزماتي لـ”المدن”، أن ارتفاع الأونصة عالمياً والدولار محلياً، يلعب دوراً محورياً في تحديد الأسعار اليومية لسعر غرام الذهب بالاسواق السورية.

كذلك، يضيف أن “الانخفاض السابق في الطلب كان مرتبطاً بالشراء الكبير للسيارات بعد سقوط النظام، حيث استنزفت الأسواق السيولة المخصصة للذهب، حتى أن بعض المواطنين اشتروا سيارات دون أن يملكوا ثمن البنزين، فيما اليوم يقتصر المشترون على من يمتلك دولارات من الحوالات، والكميات الكبيرة تظهر يومياً في السوق”.

أما المواطنين الذين يتجولون في السوق، فيشير أحدهم لـ “المدن”، إلى أن الناس كانت عادة تجمد أموالها في الذهب، لكن الظروف المعيشية الصعبة تجعل شراء الذهب حالياً أمراً شبه مستحيل، بل يضطرون أحياناً إلى بيع ما ادخروه لتغطية مصاريف الشهر، ما يحوّل الذهب من وسيلة ادخار إلى أداة لتسيير الحياة اليومية.

وعليه، تكشف الجولة في سوق الحريقة أن الذهب في سوريا مرتبط مباشرة بالأونصة العالمية والدولار المحلي، وأن أي تغير سريع في السعر، حتى لو كان 50–100 دولار، ينعكس سريعاً على حركة البيع والشراء. ويظهر أن السوق يعاني من تذبذب الأسعار، المضاربة، وانخفاض القدرة الشرائية، فيما يحاول الصياغ والمواطنون التكيف مع الواقع الاقتصادي المضطرب.

المدن

———————————-

تطور كبير” في التعاون المالي بين سوريا وأميركا

الأحد 2025/10/19

كشف حاكم مصرف سوريا المركزي عبد القادر حُصْرية، عن اجتماعات مع بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لتفعيل حسابات المصرف ودعم العلاقات بين دمشق وواشنطن.

وأشار في مقابلة مع “العربيةBusiness ” على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين، إلى أن البنك يتواصل مع البنوك لاسترجاع الأرصدة المجمدة في الخارج.

كما تطرق حُصْرية إلى استراتيجية لإعادة بناء احتياطي مصرف سوري المركزي.

وقال خلال المقابلة إنَّ المصرف في المراحل النهائية لترخيص السويفت في سوريا، متوقعاً بدء العمل بنظام سويفت في سوريا خلال أسابيع، وفي الموازاة، إطلاق العملة الرسمية الجديدة مع بداية العام 2026.

وعن سعر صرف الليرة، أفاد بأن المصرف يميل إلى أن تحدد السوق سعر الصرف، فيما يستهدف المصرف تعويم مدار للعملة.

وزير المالية السوري.

“تطور كبير في العلاقات المالية الثنائية”

إلى ذلك، أجرى وفد رسمي من وزارة المالية السورية سلسلة اجتماعات في واشنطن على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين، تناولت تعزيز التعاون المالي ودعم برامج الإصلاح في سوريا، إضافةً إلى بحث مشاريع تنموية وتمويلية جديدة مع مؤسسات دولية.

وبحسب ما أعلنته وزارة المالية السورية، عقد الوزير محمد يسر برنية اجتماعاً مع مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون الشرق الأوسط إريك ماير، لبحث سبل التعاون في مجالات الإصلاح المالي وبناء القدرات في إدارة المالية العامة والقطاع المصرفي.

وأوضح برنية أن اللقاء شهد “تطوراً كبيراً في العلاقات المالية الثنائية”، واصفاً النقاشات بأنها “مثمرة وبنّاءة”.

وشملت المباحثات برامج للبنك الدولي في سوريا تتعلق بتطوير المالية العامة والنمذجة الاقتصادية، إضافة إلى دعم قطاعات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية، ومكافحة الفقر، كما تطرقت المناقشات إلى تحديث البنية التحتية في مجالات الطاقة والنقل والإسكان، ودعم الاقتصاد الرقمي والتحول التكنولوجي.

وأشار برنية إلى أنه يجري إعداد وثيقة إطارية تحدد أهدافاً وجدولاً زمنياً للتعاون مع البنك الدولي، على أن تعمل فرق خبراء من الجانبين على تنفيذها بالتنسيق مع وزارة الخارجية السورية.

كما عقد اجتماعاً آخر مع المدير العام لعمليات البنك الدولي آنا بيردي، التي أكدت استعداد البنك لتوفير الموارد المالية اللازمة للمشاريع المتفق عليها ودعم جهود جذب الاستثمارات إلى سوريا.

وفي سياق موازٍ، ناقش برنية مع رئيس مجلس الخدمات المالية الإسلامية غياث شابسيغ، سبل تطوير أسواق الصكوك والتأمين التكافلي في سوريا، وتعزيز التعاون في إطار المعايير المالية الإسلامية.

———————————-

 سوريا تتعاون مع “الخزانة” الأميركية لدعم الإصلاحات المالية

البنك الدولي يخطط لتنفيذ برامج تنموية جديدة في سوريا

الرياض – العربية

19 أكتوبر ,2025

عقد وزير المالية السوري محمد يسر برنية اجتماعاً مع مساعد وزير الخزانة الأميركي لشؤون منطقة الشرق الأوسط إريك ماير، وذلك ضمن سلسلة لقاءات الوفد السوري في واشنطن على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين.

وتركز النقاش بين الجانبين حول دعم الإصلاحات في سوريا وبناء القدرات في المالية العامة والقطاع المالي والتعاون بين وزارتي المالية السورية والخزانة الأميركية.

وأكد برنية أن هناك تطوراً كبيراً في التعاون الثنائي المالي السوري الأميركي، واصفاً الاجتماع بـ “المثمر والبناء”، وفقاً لوكالة الأنباء السورية “سانا”.

مصرف سوريا للعربية: اجتماعات مع “الفيدرالي” الأميركي لتفعيل حساباتنا البنكية

أخبار حصرية مصرف سوريا للعربية: اجتماعات مع “الفيدرالي” الأميركي لتفعيل حساباتنا البنكية

كما عقد وزير المالية اجتماعاً آخر مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عثمان ديون، شارك فيه مديرو القطاعات في البنك، بهدف حشد الدعم الفني لسوريا.

وتناولت المباحثات محاور وتفاهمات عديدة لبرامج وأنشطة في إطار تعاون استراتيجي متكامل يشمل جميع مؤسسات البنك الدولي ويغطي كل القطاعات.

وأوضح برنية أنه تم خلال الاجتماع مناقشة برامج البنك المخططة في سوريا، وهي التعاون في المالية العامة والإدارة المالية، والتنمية البشرية وما ينطوي في إطارها من تعاون في قطاعات الصحة والتربية والحماية الاجتماعية ومكافحة الفقر، وتوفير الدعم لتطوير نظم الدفع والبنية التحتية المالية.

بالإضافة إلى التعاون في البنية التحتية في قطاعات الطاقة والنقل والإسكان، والتعاون في مجال التمويل العقاري، والتحول الرقمي ودعم الاقتصاد الرقمي، وكذلك دعم القطاع الخاص وتحسين مناخ الاستثمار.

———————–

 مصرف سوريا للعربية: اجتماعات مع “الفيدرالي” الأميركي لتفعيل حساباتنا البنكية

بدء العمل بنظام سويفت في سوريا خلال أسابيع

الرياض – العربية

19 أكتوبر ,2025

كشف حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حُصْرية، عن اجتماعات جرت مؤخراً مع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وعدد من المصارف الأميركية، بهدف تفعيل الحسابات المصرفية السورية وتعزيز العلاقات المالية الدولية، في خطوة وصفها بأنها “مبشّرة بالخير”.

وقال حُصْرية في مقابلة مع “العربية Business” على هامش اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين: “ناقشنا مع الاحتياطي الفيدرالي فتح وتفعيل حسابات مصرف سوريا المركزي، إلى جانب تعزيز الروابط مع المصارف الأميركية”.

الأرصدة المجمدة

وبشأن استرجاع الأرصدة المجمدة، قال حاكم مصرف سوريا المركزي: “نعمل على تأكيد تحديث الأرصدة المجمدة بعد زوال الموانع القانونية”.

وأضاف أن المصرف المركزي السوري يسعى لفتح حسابات جديدة لدى عدد من البنوك المركزية في المنطقة، منها المصرف المركزي التركي، والسعودي، والإماراتي، ضمن استراتيجية تهدف إلى إعادة بناء الاحتياطي النقدي بالعملات الأجنبية في مصارف متعددة، بالتوازي مع تحرير الودائع المجمدة.

وفيما يتعلق بالأرصدة المسترجعة، أوضح حُصْرية أن العمل جارٍ على تحديثها واستخدامها وفقاً للاحتياجات، مشيراً إلى أن المصرف المركزي بات في المراحل النهائية للحصول على ترخيص نظام “سويفت”، مما سيمكنه قريباً من تحريك الأرصدة دولياً.

وتابع: “وقعنا عقداً مع مزود الخدمة، وقدمنا طلب الترخيص، ونتوقع تشغيل النظام خلال الأسابيع المقبلة”.

وحول العملة السورية الجديدة، أكد حُصْرية أن المصرف المركزي يستهدف إطلاقها مطلع العام المقبل، مشيراً إلى أن طلبات استدراج العروض لطباعة العملة قد أُطلقت بالفعل، وتجري اجتماعات مع شركات الطباعة للحصول على أفضل الشروط.

وأضاف: “نحن نترقب إطلاق العملة الجديدة، ونعمل على تسريع الإجراءات لضمان جاهزيتها في الوقت المحدد”.

نحو تعويم مدار

وبشأن سعر صرف الليرة السورية، شدد حُصْرية على أن المصرف المركزي يتجه نحو تعويم مدار، بحيث يحدد السوق السعر وفقاً للعرض والطلب، بما يضمن تعزيز تنافسية الاقتصاد السوري. “إذا كنا نستورد أكثر مما نصدر، فمن الطبيعي أن يتغير سعر الصرف للحفاظ على التوازن في الميزان التجاري”.

كما أشار إلى أهمية الانضباط المالي في تمويل عجز الموازنة العامة، مؤكداً أن وزارة المالية لم تستدن من المصرف المركزي منذ سقوط النظام وحتى اليوم، وهو ما يعكس التزاماً واضحاً بالسياسات النقدية المستقرة.

طلبات تراخيص مصارف جديدة

كشف حُصرية عن طلبات من بنوك سعودية وإماراتية وقطرية وأوروبية للحصول على تراخيص للعمل في سوريا.

وأضاف:”لدينا عملية إصلاح للقطاع المالي ننفذها بالتوازي مع منح تراخيص لمصارف تجارية واستثمارية جديدة لأن احتياجات الاقتصاد السوري كبيرة ولا يمكن للمصارف التجارية أن تلبيها”.

وقال”عقدنا وسنعقد اجتماعات مع مصارف سعودية وإماراتية وقطرية، وستشهد الفترة المقبلة منتديات مع القطاعات المصرفية في أوروبا”.

أفاد بأن عودة اندماج سوريا في النظام المالي العالمي تتطلب التركيز على إعادة النظر في الأنظمة الداخلية، وهيكلة هيئة غسل الأموال، ويجري العمل على هذا.

—————————

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى