منوعات

طقس سوري في المهجر.. فنجان قهوة أمام مسلسل قديم/ لجين دياب

8 يوليو 2025

في زحمة الغربة وتغير البيئات ما زالت كثير من العائلات السورية تحافظ على طقس بسيط لكنه عميق، الجلوس مساء أمام الشاشة، لمتابعة مسلسل قديم يعرفه الجميع، أو دراما جديدة تثير النقاش والضحك وربما الجدل.

في منازل السوريين، سواء في دمشق أو اسطنبول أو القاهرة أو برلين، غالبا ما تتردد عبارة “خلونا نشوف مسلسل بالسهرة” إنها ليست مجرد رغبة في التسلية، بل طقس ثقافي بامتياز، مع فنجان القهوة أو الشاي، طبق الفاكهة، ونظرات مترقبة نحو التلفاز، كلها تشكل مشهدًا مألوفًا لا تندثر ملامحه بسهولة، حتى بعد سنوات من التهجير.

في هذه اللحظات، لا تكون المسلسلات مجرد ترفيه، بل نافذة على البيت الأول، والحي القديم، واللهجة التي لم تبهت بعد رغم تقاطعها مع لهجات البلاد المضيفة.

طقس يومي يوحد العائلة

في منزل عائلة ناصر العايد، أب لأربع أولاد، المقيم في ضواحي الاسكندرية، تبدأ الحياة بالهدوء بعد الساعة الثامنة مساء، يقول ناصر، نحاول قدر الإمكان ألا يشاهد كل واحد منا شيئًا مختلفًا على هاتفه، نفتح الشاشة الكبيرة ونشاهد معًا مسلسلًا نحبه كلنا، وأحيانًا نعيد مسلسلات شاهدناها سابقًا، فهي تعيد إلينا مشاعر غابت عنا.

يضيف: “المهم أن نكون معًا، نضحك أو نحزن، نتناقش ونختلف، هذا الوقت جزء من تربيتنا لأولادنا، كي يعرفوا لهجتهم، ويعرفوا كيف كانت الحياة في سوريا”.

وهذا المشهد يتكرر في بيوت كثيرة، حيث تتحول غرفة المعيشة إلى صالة تواصل عاطفي وثقافي، كثير من العائلات تتجنب استخدام الهواتف خلال العرض، ويشتركون جميعًا في تعليقاتهم على الشخصيات والمواقف، مما يعيد خلق نوع من “الدفء الاجتماعي” الذي افتقده كثيرون بعد اللجوء.

الدراما القديمة: خزان القيم والعادات

تتميز المسلسلات السورية القديمة بقدرتها على تجسيد القيم الأخلاقية والاجتماعية، فمسلسل مثل “الفصول الأربعة” رغم أنه يعود لتسعينيات القرن الماضي، دائمًا مايعيد إلى أذهان السوريين الحياة الهادئة، والتجمعات العائلية الدافئة، والقيم الأخلاقية التي تجسدها الشخصيات.

كيف استطاع “كريم ونبيلة” أن يجمعا شمل الأسرة، وحاولا منع التفرقة بين بناتهما، وكيف تغلبت العائلة الكبيرة على الفوارق الطبقية وجمعها الحب.

هذه القيم وإن تغيرت قليلًا بفعل الحروب واللجوء والظروف الاقتصادية الصعبة، تبقى راسخة في ذاكرة السوريين، وتستخدم من قبل الأسر كأمثلة حية أثناء الحديث مع الأبناء عن “شكل حياتنا، أو ما الذي كان مقبولًا أو غير مقبول في المجتمع”.

رولا جبري، سورية مقيمة في اسطنبول، تقول: “في الغربة، تختلف الوجبات، وتتغير المدارس، وتبدل اللهجات قليلًا، لكن ما يبقى مشتركًا في البيوت السورية هو ذلك الوقت المخصص لمسلسل جماعي يربط الحاضر بالماضي، ويرمم ما كسرته الحرب من روابط”.

تضيف: “المسلسلات السورية ليست مجرد فن، بل أداة مجتمعية لبناء هوية، ووسيلة عاطفية للربط بين الأجيال، وحائط أخير للدفاع عن ذاكرة لا يجب أن تمحى”.

النوستالجيا ليست هروبًا

في حياة المغترب، تلعب النوسالجيا (الحنين إلى الماضي) دورًا مزدوجًا، فهي من جهة عزاء في الغربة، ومن جهة أخرى أداة للبقاء الثقافي.

المسلسلات القديمة تمثل أحد أبرز وجوه هذا الحنين، فالأغنية الافتتاحية لمسلسل مثل “وشاء الهوى” أو مشهد سوق الحميدية في “أيام شامية”، وجبال اللاذقية وبحرها وكرم أهلها في “ضيعة ضايعة”، والبيوت المبنية بالحجر البازلتي في ريف السويداء في “الخربة”، قد تحرك موجة من الذكريات التي تتخطى الفرد لتصل إلى الذاكرة الجمعية للسوريين.

وتشير دراسات نفسية إلى أن إعادة مشاهدة محتوى ثقافي من الطفولة أو الشباب يمنح الشخص شعورًا بالاستقرار وسط التغييرات السريعة، وهذا ما يجعل المسلسلات القديمة أكثر من مجرد ترفيه، إنها وثيقة هوية.

تقول نور نصري، سورية مقيمة في برلين: “عندما أشاهد مسلسل “عصي الدمع” أعود إلى منزل جدتي في الغوطة الشرقية، الراديو، فنجان القهوة وأطباق جدتي الشهية، كلها تفاصيل تذكرني بالماضي”.

تضيف نور: لا أستطيع أن أشرح لأصدقائي العرب أو الأجانب، لماذا أبكي أحيانًا عندما أرى مشهدًا لعائلة مجتمعة، أو إفطارًا رمضانيًا مع صوت الجامع الأموي، أو عندما أشاهد بلاط المنازل السورية، كيف أشرح لهم شعوري بالحنين إلى ملمس أرضية منزل جدتي الذي لم يبق منه سوى كوم من الحجارة، لحظات شكلت طفولتي ومراهقتي”.

النوستالجيا هنا لا تقتصر على الأماكن، بل تمتد إلى القيم واللهجات والضحكات القديمة، فالمسلسلات تحولت إلى “مخازن للذاكرة” تحفظ ما قد يضيع مع تعدد اللهجات والثقافات في بلاد اللجوء.

الترا سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى