الإعلان الدستوري لسوريا 2025العدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العدالة الانتقالية تحديث 24 تشرين الثاني 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية

—————————

خيبة وأسئلة كثيرة إلى الهيئة الوطنية للمفقودين: ما نطلبه ليس مستحيلاً: الحدّ الأدنى من الإنسانية/ عامر مطر

24-11-2025

        حين قرأت البيان الأخير الصادر عن الهيئة الوطنية للمفقودين، بتاريخ 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، شعرت أن من واجبي أن أكتب، كأخ لمحمد نور، الذي اختفى في أحد سجون تنظيم داعش منذ عام 2013، وكصحفي ومدافع عن حق السوريين في معرفة مصير أحبّتهم، وتوثيق الجرائم المرتكبة بحقهم، أياً كان الفاعل.

        تجدر الإشارة إلى أن الهيئة، التي تأسست بموجب المرسوم رقم 19 لعام 2025، بعد سقوط نظام الأسد، وُصفت بأنها جهة مستقلة مالياً وإدارياً، ومكلّفة رسمياً بمتابعة ملف المفقودين والمختفين قسراً، والكشف عن مصائرهم، والتنسيق مع الجهات المحلية والدولية.

        أسأل نفسي، هل علينا كعائلات الغيّاب، أن نترك مسؤولية السؤال لمؤسسات قد تُغلق بعد عام أو عامين لأسباب سياسية أو عسكرية؟ هل نفوّض الغياب كله إلى جهة رسمية لا نعرف إن كانت ستبقى، ولا إن كانت، أصلاً، تملك أدوات البحث الجاد؟ هل يصبح الحزن مؤجلاً إلى حين وصول الموافقة، ويُقنن الحق في المعرفة بمرسوم؟

        كثر من أصدقائي لا يعرفون معنى الغياب. لم ينتظروا أحداً. لم يبحثوا في وجوه القتلى عن أخ أو أب. لذلك قد لا يفهمون موقفي، وقد يفضّلون الصمت، أو الاعتدال، أو التقيّد بالإجراءات. لا أكتب الآن لأكون بيروقراطياً. ولا أقبل أن يُحاصر حقنا بالانتظار.

        البيان الذي أناقشه هنا، يمكن اختصاره في عبارة واحدة: «لا تخرجوا عن النص». أي محاولة لنشر أو تداول معلومات خارج «الرواية الرسمية» هي خروج عن القانون، وخروج عن أخلاق السلطة. لا أسماء، لا شهادات، لا ألم… إلا بموافقة مسبقة. كما حذّر من «خطورة تداول الوثائق غير الرسمية»، واعتبر «نشر أسماء دون موافقة الهيئة» بمثابة «تجاوز قانوني وأخلاقي»، ما يكشف رغبة واضحة في احتكار الملف وتقييد المبادرات المدنية. لا أعرف لماذا تُعامَل محاولاتنا للبحث عن مصير أحبّتنا كأنها تهديدٌ للنظام الجديد؟ ولماذا تعتبر الهيئة نفسها الجهة الوحيدة المخوّلة بإدارة هذا الملف، وكأن الألم يحتاج إلى تصريح، وكأن العائلة التي تبحث عن صورة ابنها، تحتاج إلى توقيع كي تنطق باسمه.

        ربما جاء البيان كردّ فعل على ما حدث في الأشهر الأخيرة، من قيام بعض المنصات الإلكترونية بنشر وثائق تتعلّق بالمفقودين، أو مشاركة بعض العائلات لصور وثائق تخصّ أبناءها في محاولة يائسة لمعرفة الحقيقة أو إثارة الانتباه. بعض من الأهالي قرر أن يبحث عن ابنه بوسائله الخاصة، أن يصرخ، أن يكتب، أن لا ينتظر لجنة أو مرسوماً. أفهم تماماً أن هذه الموجة قد أربكت المشهد، وأنها أثارت القلق لدى من يخشون التضليل، أو من يخافون على العائلات من صدمة جديدة، أو على الرأي العام من فوضى يصعب ضبطها.

        لكنّي أدرك أيضاً أن السكوت، حين يكون مفروضاً من جهة رسمية، لا يُصبح حرصاً، بل قمعاً. وأن احتكار الحقيقة باسم التنظيم، لا يُشفي، بل يضاعف النزيف. لا يمكنني أن أُغفل السياق الأكبر، وهو غياب دور الهيئة نفسها، وتأخّرها في توفير أي قناة موثوقة وآمنة تُغني عن اللجوء إلى مثل هذه الأفعال الاستثنائية. لم يلجأ الأهالي إلى نشر الوثائق استهانة بالخصوصية، بل لأنهم تُركوا وحدهم تماماً. لا جهة رسمية أبلغتهم بأي معلومة، ولا مؤسسة أعطتهم إجابة. وجد الأهالي هويات أقربائهم ملقاة على الأرض، أمام الأفرع الأمنية، ظهرت آلاف الصور التي توثّق هذه اللحظات المريرة. من الطبيعي أن يبدأوا بالنشر والبحث بأنفسهم، لأن أحداً لم يقم بهذا الواجب عنهم.

        ما يلفت النظر في البيان أنه تجاهل جوهر المشكلة: غياب الشفافية، وانعدام التواصل الحقيقي مع العائلات، وتأخر الهيئة في بناء أي مسار مؤسسي جاد. وبدلاً من مساءلة هذا الغياب، قررت الهيئة أن تُحمّل المسؤولية للذين حاولوا ملء هذا الفراغ. ألقت اللوم على من بادر وبحث ووثق، لا على من تقاعس. اختارت أن تُحمّل الجهد الشعبي عبء الفوضى، بدل أن تسأل كيف نشأت هذه الفوضى، ومن ترك الباب مفتوحاً لها.

        في المقابل، شهدنا منذ لحظة سقوط النظام موجة من التسريبات العشوائية للوثائق، بلا تحقق، ولا سياق، ولا مراعاة لخصوصية الضحايا أو حساسية الواقع المجتمعي. تحوّل اسم المفقود إلى مادة للنشر، وصورة الضحية إلى وسيلة لجذب التفاعل. بعض المبادرات الإعلامية والصفحات الإخبارية تعاملت مع الملفات الأخطر في حياة السوريين بأقل قدر من المهنية والاحترام.

        هكذا، نقف اليوم بين طرفين غير منطقيين: جهة رسمية تحاول فرض الصمت واحتكار الملف دون خطة، وجهات غير مسؤولة تمارس نشراً عشوائياً من دون وعي. هكذا، تجد عشرات الآلاف من العائلات نفسها بين صفحاتٍ تلهث خلف نسب المشاهدة، وسلطةٍ تريد فرض الصمت والرقابة. ضحايا هذا المشهد هم دائماً أنفسهم: العائلات، والذاكرة، والحقيقة.

        لكن ما حدث من فوضى نشر الوثائق لا يمكن فصله عن سياسات الحكومة ذاتها. شجّعت هذه السياسات منذ البداية خطاباً إعلامياً استعراضياً، أعطت فيه الأولوية للظهور الخارجي على حساب العدالة. فتحت الأبواب أمام اليوتيوبرز ومشاهير وسائل التواصل لزيارة سجون نظام الأسد، وتوثيقها بطريقة سطحية ومُسيّسة، بينما منعت المنظمات السورية والدولية المتخصصة بالتوثيق من دخول هذه المواقع، بحجة «الحفاظ عليها» لأغراض التحقيق.

        من أوضح الأمثلة التي تكشف المنهجية المتعمدة وراء سياسات طمس الحقيقة، ما جرى في اللاذقية يوم 15 كانون الثاني (يناير) 2025، حين ظهر فريق «سواعد الخير» التطوعي وهم يطلون جدران فرع الأمن السياسي ويرسمون عليها شعارات وألواناً زاهية تحت عنوان «نشر الأمل». السماح لهذه المجموعة بالدخول والتصوير لم يكن مجرد تساهل، بل خطوة محسوبة، استُخدمت لاحقاً كذريعة لمنع الجهات الصحفية ومنظمات التوثيق من الوصول إلى تلك المواقع، غير أن ما تبيّن لاحقاً هو أن هذا المنع لم يكن لحماية الأدلة، بل لإتاحة الوقت الكافي لإعادة ترميم السجون وتغيير معالمها بهدوء، ثم إعادة استخدامها كمقار أمنية جديدة أو كسجون.

        بهذا، تحوّل الفعل الدعائي إلى أداة سياسية لضرب مصداقية التوثيق المستقل عبر احتكار الصورة والذاكرة. فالسياسة الإعلامية للسلطات الحالية، تمنع التوثيق الجدي وتشجّع النشر غير المسؤول، ما أوجد بيئة من الفوضى المعلوماتية، بات فيها تداول أسماء الضحايا والجناة يتم دون ضمانات، ودون حماية للسلم الأهلي أو لمشاعر العائلات. ومع الوقت، باتت هذه الفوضى تخدم هدفاً أعمق: نزع الشرعية عن جهود التوثيق المستقلة، وخلق انطباع بأن لا جهة مؤهلة للحقيقة إلا السلطة ومؤسساتها.

        عند العودة للبيان، نستعرض تناقضاته وبنيته العاجزة. فهو يبدأ بالتحذير من الوثائق المنشورة، ويُعلن أنها «غير رسمية» و«غير دقيقة»، لكنه لا يشرح لماذا لم تقدّم الهيئة نفسها هذه المعلومات، بطريقة حساسة وأخلاقية للشعب السوري؟ ولا لماذا تُركت العائلات عاماً كاملاً في الفراغ، مع أنها الجهة التي تأسست لهذا الغرض، أي البحث في مصائر المفقودين والمختفين قسراً، وتقديم الدعم القانوني والإنساني لهم.

        يُفترض أن الهيئة الوطنية للمفقودين تتمتع بصلاحيات كاملة للوصول إلى السجلات والوثائق ذات الصلة، ومع ذلك، لم تُعلن خلال نصف عام من عملها عن خطة واضحة لكشف المصائر، ولا عن أي آلية للحصول على أرشيف أجهزة الأمن السابقة أو الوصول إلى سجلات داعش أو قسد أو جبهة النصرة، وهي الجهات التي تتحمل المسؤولية عن الجزء الأكبر من حالات الإخفاء في سوريا.

        السؤال الأهم هنا، أين هو أرشيف النظام السابق؟ هذا الأرشيف الضخم الذي يُوثِّق كل شيء بدقة بيروقراطية مرعبة، من أوامر الاعتقال، إلى محاضر التحقيق، وأوامر الإعدام. من يملكه اليوم؟ هل هو بيد هيئة المفقودين وحدها؟ أم تتشاركه مع وزارة الداخلية؟ أم ما تزال بعض أجزائه في قبضة يد الأجهزة الأمنية التي ورثت البنية السابقة، ليُستخدَم اليوم لغايات أمنية؟ ولتُقرِّر ما يُفتح منه وما يُحجب؟

        شاهَدَ كُثُر، وشاهدتُ بنفسي، آلاف الوثائق التي تمت مصادرتها من مقار تنظيم داعش، كجزء من أرشيف فرع فلسطين وفروع أمنية أخرى. ما هو مصير هذه الوثائق الآن؟ من يحتفظ بها اليوم؟ وهل سيتم تحليلها والاستفادة منها في معرفة مصير المختفين السوريين في سجون داعش؟ أم أنها ستستخدم فقط في سياقات أمنية داخلية، بلا أي بُعد حقوقي أو إنساني؟

        النقطة الأولى في البيان تتعلق بتجريم نشر الوثائق، لكن السؤال البديهي هو: لماذا ظهرت هذه الوثائق أصلاً؟ السبب هو غياب الهيئة نفسها. نحن، وغيرنا من العاملين في التوثيق، لم نسمع حتى اليوم عن أي منصة تشغيلية للهيئة، ولا عن قاعدة بيانات، ولا عن لجان تحقيق، ولا عن أي حالة واحدة تم إبلاغ عائلتها بمصير أحد أحبّتها. كيف تطلب الهيئة احتكار المعلومات وهي لم تقدّم معلومات؟ أو تقدم خطة واضحة للعائلات؟ وكيف تطلب من العائلات أن تثق بها من دون نتائج أو شفافية؟

        النقطة الثانية في البيان تتعلق بتحذير العائلات من «أي جهة غير رسمية». وهذا تحوّل خطير، لأنه يحوّل الهيئة من جهة يُفترض أنها شريك للمجتمع المدني إلى جهة تضع نفسها فوقه. هل لدى الهيئة حقاً خطة لإشراك المجتمع المدني؟

        النقطة الثالثة، وهي الأخطر. تتعلق بما تجاهله البيان تماماً: تدمير الأدلة وإعادة استخدام السجون التي كانت مسارح جرائم خلال عقود حكم النظام. منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، شهدت سوريا عمليات واسعة لإعادة طلاء السجون، وتغيير بنيتها، وتحوير الأبنية قبل توثيقها، بما في ذلك سجن المخابرات العسكرية في حلب، وفرع الأمن السياسي في الميسات، والفيحاء، أو سجون شعبة المخابرات العسكرية في دمشق، مثل سجن الفرع 215 والفرع 248، وعدد كبير من سجون الفروع الأمنية الأخرى التي أُعيد استخدامها كمقرات جديدة. كل هذا حصل في الوقت ذاته الذي كانت تُعلن فيه الهيئة عن نيتها بناء «بنك معلومات»، من دون أن تصدر بياناً واحداً يستنكر تدمير الأدلة، أو يُطالب بإيقاف تغيير السجون، أو يطلب تجميد ذلك لحين المسح الجنائي. حماية مسارح الجريمة هي أبسط مبادئ العدالة الانتقالية، وهي مهمة الهيئة وفق تعريفها القانوني، ومع ذلك صمتت. هذا الصمت ليس تفصيلاً، بل هو انتهاك بحد ذاته، لأن طمس الأدلة جريمة مستقلة، وتركها يحصل تحت سمع الهيئة وبصرها يعني أنها فشلت في أول واجباتها: منع ضياع الحقيقة.

        النقطة الرابعة في البيان هي الوعد بمنصات جديدة وخدمات مستقبلية. لكن هذه الوعود بلا جدول زمني، بلا خطة، بلا رؤية. هل ستكشف الهيئة المصائر خلال سنة؟ عشر سنوات؟ هل ستُطلع العائلات على سيْر الملف؟ هل ستُصدر تقارير دورية؟ هل ستُعلن المعايير؟ لم يُذكر شيء. السؤال الذي تتهرب منه الهيئة هو: ما هي خطتها الفعلية؟ وما هي المراحل؟ وكيف ستتواصل مع العائلات؟ باعتبارها هيئة مُكلّفة رسمياً، عليها واجب تقديم استراتيجية وطنية واضحة. لكن الواقع هو أننا لم نسمع عنها شيئاً.

        النقطة الخامسة هي جوهر النقد: الهيئة تريد احتكار الملف لكنها لا تملك القدرة، وتطلب الثقة لكنها لا تقدم شفافية، وتصمت على تدمير الأدلة ثم تطالب جهات المجتمع المدني والإعلام والباحثين بعدم التوثيق أو النشر. هذه المفارقة هي أساس المشكلة. إن البيان، بدل أن يكون خطوة نحو الحقيقة، أصبح خطوة نحو السيطرة على الحقيقة، وفرض رواية واحدة، وإسكات كل رواية أخرى، في وقت لم تُنجز فيه الهيئة أي خطوة عملية حقيقية.

        وبتحليل منطقي وقانوني، فإن الهيئة تتحمل اليوم مسؤولية مزدوجة: مسؤولية فشلها في وضع خطة، ومسؤولية صمتها على طمس الأدلة. وهذا يفتح الباب أمام سؤال أكبر: هل تريد الهيئة أن تكون أداة وطنية للعدالة وكشف الحقيقة؟ أم أداة رسمية لإدارة الملف من دون كشف الحقيقة؟ هذا سؤال يجب أن يُطرح، ويجب أن يُجاب عليه قبل أن تضيع سنة أخرى من حياة العائلات التي تنتظر وتنشر إعلانات وفاة للأحباب، من دون أي دليل، بسبب اليأس من الحصول على إجابات حقيقية.

        تبدو العلاقة بين المجتمع والهيئات التي تُقدّم نفسها باعتبارها ممثّلة للمصلحة العامة، مسألة لم تحسم بعد في المشهد السوري. فقد قُدِّمت «الهيئة الوطنية للمفقودين» بوصفها مؤسسة وطنية «مستقلة»، إلا أنها تكاد أن تكون خاضعة إدارياً لوزارة الخارجية السورية، وهو ما يُثير أسئلة جوهرية حول استقلالها الفعلي عن الوزارة المضيفة. فالاستقلال لا يتحقق بمرسوم فقط، بل يُثبَت من خلال الحوكمة الشفّافة، والتقارير العلنية، واتخاذ القرارات بشكل تشاركي، وبناء منظومة مؤسسية تمنع أي تدخل سياسي أو تنفيذي في عمل الهيئة. 

        أيضاً، هل توجد دلائل على شراكة حقيقية ومنظمة مع المجتمع المدني، تقوم على تبادل المعلومات، والتخطيط المشترك، والرقابة المشتركة على ملف المفقودين؟ حتى الآن لم يظهر أي نموذج من هذا النوع، ولا أي إطار يوضح كيف سيتم إشراك المجتمع المدني الذي عمل على هذا الملف أكثر من عقد كامل. أخبار كثيرة عن مذكرات تفاهم مع عدد من المؤسسات، دون تفاصيل أو خطط واضحة. وهنا تتحول الهيئة إلى مؤسسة حكومية أخرى تعمل بلا شفافية أو مساءلة في ملف مصيري بهذا الحجم.

        هذا الواقع يستدعي إعادة قراءة ما حدث خلال عام، خصوصاً في اللحظة التي انهار فيها النظام واعتقد كثيرون أن أبواب الحقيقة ستُفتح للمرة الأولى منذ عقود.

        لا بد من تذكير الجميع أن نظام الأسد كان نظاماً بيروقراطياً صارماً. كل جريمة تقريباً، وكل حالة اعتقال، وكل عملية إعدام، تم توثيقها. لم يكن القتل يتم في العتمة فحسب، بل كان يُكتب ويُحفظ وينتقل بين الإدارات. من مباني الفروع الأمنية، إلى القيادات المركزية، إلى مكاتب الأمن القومي والمخابرات العسكرية، وصولاً إلى الشرطة العسكرية والمستشفيات العسكرية، توجد ملايين الوثائق، التي يُمكن، إذا فُتحت، أن تكشف مصير آلاف المفقودين، وأن تشرح كيف صُمّم هذا النظام، وكيف أخفى، وقتل، ومزّق حياة أجيال من السوريين.

        هذا الأرشيف يحتوي على سياقات كاملة لفهم الجرائم، وأنماط التصفية، ومراكز القرار، وشبكة الأوامر. هو مفتاح الحقيقة الوطنية. لكن ما يُقلق، هو أن الحديث عن هذه الوثائق اليوم لا يأتي في إطار خطة وطنية أو نقاش عام أو قانون شفاف. إنما يقبع في ظلِّ صمت تام، وانعدام لأي تصور مؤسسي يضمن حماية هذه المواد أو كشفها في المستقبل. بل إن ما نراه، في بعض المناطق، هو إعادة إحكام القبضة على تلك الأرشيفات، أو تدميرها، أو استخدامها في صفقات سياسية.

        لا يمكن الإجابة اليوم عن مصير هذه الوثائق، هل ستتحول إلى ركن من أركان العدالة الانتقالية؟ أم إلى أداة أخرى من أدوات السيطرة والابتزاز؟ وهل سيُتاح للشعب السوري، يوماً ما، أن يقرأ تاريخه بأوراقه الأصلية؟ أم سيبقى رهينة روايات مبتورة، وذاكرة خاضعة لسلطة لا تريد للحقيقة أن تظهر؟

        تُقدم التجارب العالمية مساراً مختلفاً مبنياً على المساءلة الديمقراطية وحق الشعوب في المعرفة. ففي ألمانيا مثلاً، وبعد توحيد البلاد عام 1990، تم فتح أرشيف جهاز أمن ألمانيا الشرقية (الشتازي) ابتداءً من عام 1992،  تمكن المواطنون من الوصول إلى ملفاتهم الشخصية، وتمكن الباحثون والصحفيون والضحايا من فهم بنية الانتهاكات السابقة. واعتمدت دول عديدة في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية سياسات مماثلة، حيث اعتُبرت أرشيفات أجهزة الأمن السابقة تراثاً وطنياً، وليست ملكية للسلطات الجديدة. إن الوصول إلى المعلومات وحفظ وثائق الدولة ليس ترفاً، بل ركناً أساسياً من أركان العدالة الانتقالية وحق أصيل للشعب السوري. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح كيف تنوي السلطات الحالية – ومنها الهيئة الوطنية للمفقودين – التعامل مع هذا الملف. هل ستُحفظ الوثائق؟ هل ستُتاح؟ هل ستعرف العائلات أخيراً الحقيقة عن أبنائها المختفين؟ أم سيُعاد إنتاج النموذج القديم نفسه، وتتحول الأرشيفات إلى أداة جديدة للسرية والسيطرة؟ إن مستقبل هذه الوثائق ليس قضية تقنيّة، بل هو مؤشر على الاتجاه الذي تتجه إليه سوريا: نحو الحقيقة والعدالة، أم نحو حقبة جديدة من الإخفاء والاحتكار.

        رأيت في سقوط نظام الأسد لحظة أمل حقيقية، اعتقدت وكثيرون، أن الحقيقة ستظهر أخيراً. لكن بعد عام كامل، ما نزال لا نعرف شيئاً.

        في الأسابيع التي تلت سقوط النظام، عدت إلى الأماكن التي سجنت فيها سابقاً، لأكتشف مصائب. ذهبت إلى فرع الخطيب في دمشق (الفرع 251) التابع لأمن الدولة، حيث كنت معتقلاً في آذار (مارس) 2011، ورأيت بأم عيني محتجزين داخل الزنازين نفسها التي قضيت فيها أياماً مريرة.

        لاحقاً، توجهت إلى سجن أمن الدولة في كفرسوسة، حيث اعتُقلت في عام 2011، وحيث اعتُقل والدي عام 2012. حاولت الدخول، لكن الحراس الجدد منعوني، وقالوا بوضوح إن الفرع عاد للعمل كسجن وإنه يضم معتقلين جدد. ممنوع التصوير. أمام هذا المبنى، وقفت عائلات تنتظر خبراً عن أحبّائها، تماماً كما كانت عائلتي تقف في المكان نفسه قبل سنوات. النظام سقط، لكن القهر لم يسقط معه.

        في سجن الفرع 215 التابع لشعبة المخابرات العسكرية، داخل المربع الأمني في كفرسوسة، شاهدت المكان يُرمم ويُعدّ لإعادة استخدامه. الجدران التي كانت مليئة بأسماء المعتقلين والضحايا طُليت بالدهان.

        أمّا في فرع الأمن السياسي في ساحة الميسات بدمشق، رأيت الحراس الجدد يُلقون آلاف الوثائق من النوافذ لإتلافها. وعندما سألتهم عن السبب، قالوا إنها «تقارير قديمة كتبها الناس عن بعضهم»، وأضاف أحدهم: «ما بدنا مشاكل». قلت لهم إنني أبحث عن معلومات عن أخي المفقود، ربما كانت إحدى هذه الأوراق تحمل اسمه، فردّ علي أحدهم: «أخوك مات، امشِ من هون».

        تتكلم هذه الوقائع عن نفسها. من يملك سلطة إعادة تشغيل السجون، وإتلاف الوثائق، وطلاء الجدران، يملك سلطة إعادة إنتاج الجريمة.

        علّمني ملف المختطفين في سجون داعش درساً مؤلماً، أن كل الجهات التي حكمت وسيطرت على أجزاء من سوريا لم تُظهر يوماً أي اهتمام حقيقي بمصير السوريين المختفين. رأينا صحفيين أجانب وغير سوريين يُكشف مصيرهم أو يُنقذون، بينما السوريون، دائماً، في آخر القائمة، مهمّشون، منسيّون، حتى في قبورهم.

        أقول هذا من موقع شخصي وعملي، ليس فقط كأخ لمفقود في سجون التنظيم، بل أيضاً كمؤسّس لمشروع «متحف سجون داعش»، الذي عملت فيه لسنوات على توثيق شهادات الناجين والناجيات، وجمع الأدلة، ومحاولة رسم خريطة للسجون والمعتقلين والمفقودين. التقيت مئات العائلات، وأمضيت شهوراً في البحث والتوثيق والتأريخ. أعرف حجم الألم، والتجاهل، والخذلان، لأنني كنت داخله، وكنت شاهداً عليه.

        ضمن هذا السياق، شكّلت الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، على سبيل المثال، في شباط (فبراير) 2024 «اللجنة المعنية بالمفقودين» استجابة لقرار صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، سبقته لجان أخرى أُعلن عنها في السنوات الماضية، دون أن يظهر أي أثر ملموس لها. لم تُكشف مصائر المفقودين، ولا ظهرت نتائج تحقيقات، ولا تم إشراك العائلات.

        الأمر لا يقتصر على المبادرات المحلية. ففي عام 2017، أنشأت الأمم المتحدة فريق التحقيق لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من جانب تنظيم داعش، المعروف اختصاراً بـ «يونيتاد» (UNITAD)، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2379. كان الهدف المُعلن من تأسيس الفريق هو دعم الجهود الوطنية والدولية في جمع الأدلة حول جرائم التنظيم، وعلى رأسها الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وتقديمها لمحاكمات عادلة.

        تجربة «يونيتاد»، تمثّل نموذجاً إضافياً للفشل الدولي في التعامل مع الملف. فعلى الرغم من الموارد الكبيرة والاهتمام السياسي، لم يُقدّم الفريق أي نتائج ذات معنى للضحايا أو عائلاتهم، ولم تُستخدم الوثائق التي جمعها في أي عملية عدالة فعلية حتى الآن.

        هاتان التجربتان توضحان بجلاء أنه لا يمكن الاعتماد الحصري على المؤسسات الحكومية أو الدولية، وحصر الأدلة عندها، ما لم تُبنَ على الشفافية، وتُخضَع للمساءلة، وتُشرِك الضحايا والمجتمع المدني في كل خطوة. إن حصر الأدلة أو الوثائق في أيدي جهات غير شفافة، أو غياب رؤية واضحة، لا يؤدي إلا إلى ضياع الحقيقة مرّة أخرى. لهذا، لا بد من التأكيد على أن العمل المدني المستقل، هو اليوم أكثر من ضروري، ويكاد أن يكون صمّام الأمان الأخير لحماية الذاكرة، والحقوق، والعدالة.

        لهذا، حين أقول إن السوريين تُركوا وحدهم، لا أقصد المجاز، بل الواقع. تُركوا وحدهم في البحث عن أحبّتهم، وفي حراسة الذاكرة.

        تتكرّس هذه الحقيقة أكثر مع ما كشفته وكالات الأنباء في أيار (مايو)، عن تسليم السلطات السورية أرشيفاً يحتوي على آلاف الوثائق والمتعلقات الشخصية الخاصة بعميل الموساد إيلي كوهين إلى إسرائيل، في مبادرة وُصفت بأنها محاولة لتهدئة التوتر وبناء الثقة مع الولايات المتحدة. لم تتأخر دمشق الجديدة في تسليم الأرشيف، ولم تتردّد في فتح خزائنها لمن يُريد «طمأنة إسرائيل»، بينما لا تزال آلاف العائلات السورية تُمنع من مجرد الوصول إلى سجل، أو ملف، أو وثيقة واحدة عن أبنائها المفقودين. يبدو أن الأرشيف السوري، المحفوظ بدقة منذ ستينيات القرن الماضي، ليس بعيداً عن متناول الأيدي، لكنه يُفتح فقط حين تكون الغاية خارجية، سياسية، أو تفاوضية، لا إنسانية. هكذا يُعامل السوري.

        بعد كل ذلك، كيف يُطلب منّا نحن، كعائلات للمفقودين وكمؤسسات مجتمع مدني، أن نثق بهذه السلطات الجديدة، وهيئاتها؟ كيف يُمكن أن نثق بسلطة كانت انتقائية منذ البداية في التعامل مع الأدلة: تحفظ بعض الوثائق، وتتعامى عن حرق غيرها، تُسلّم أرشيفاً تاريخياً لإسرائيل، بينما تمنع الأمهات السوريات من معرفة أي معلومة؟

        هذه سياسة ممنهجة في التحكم بالمعلومات، وفرز الذاكرة الوطنية إلى ما يُستخدم تفاوضياً، وما يُداس عليه بلا حساب.

        نحن – السوريين – نحمل عبئاً ثقيلاً من علاقة مضطربة، وغير آمنة مع كل ما يُدعى «سلطة» أو «دولة» أو «حكومة»، مهما تغيّر اسمها أو تغيّرت وجوه القائمين عليها. جرّبنا الحكم الأمني، والسلطة المُطلقة، والمؤسسات التي لا يُحاسبها أحد. عشنا تحت نظام قصفنا بالبراميل المتفجرة ما يزيد على عقدٍ زمني، واليوم يُطلب منا، بعد كل ذلك، أن نصمت، أن نتوقف عن السؤال، أن نسلّم مصير أحبّتنا إلى «هيئات» لم تُظهر حتى الآن الحد الأدنى من الشفافية، أو الكفاءة، أو الاستقلالية الفعلية. أن نثق، دون دليل.

        نحن لا نرفض التعاون، ولا نستهين بحساسية المرحلة، لكننا نعرف، من التجربة، أن السلطة حين تطلب الصمت، فإنها لا تريد الحقيقة، بل تريد احتكارها. وحين تُقصي المجتمع المدني، فذلك لأنها لا ترى فيه شريكاً، بل خطراً.

        لذا، أتوجه بنداء لكل جهة إعلامية، ولكل من ينشر الوثائق أو يحتفظ بها أو يتداولها في العلن أو في السر: رجاءً، فكروا بالأمهات، بالآباء، بالزوجات، وبمن ينتظر منذ سنين. تخيلوا أن من تحبّونه وتنتظرونه منذ عقد من الزمن، يُقال لكم إنه قُتل عبر منشور على فيسبوك. بهذه الطريقة الباردة، المهينة، العاجزة.

        المعرفة حق، نعم، لكنها أيضاً مسؤولية. والعدالة لا تتحقق بالعشوائية ولا برد الفعل، بل بالمؤسسات، وبالضمير. ولهذا، أرجو من كل السوريين المعنيين بهذا الملف، أن يتعاونوا لبناء مسار جديد: أرشيف وطني مستقل، عادل، آمن، يُصان بقانون وأخلاق، لا بإملاءات أمنية ولا بهستيريا النشر.

        أخيراً، أطلب من الهيئة الوطنية للمفقودين أن تٌعيد النظر في بيانها، وفي دورها. أن تتذكر أن العائلات التي تريد أن تمنع عنها المعرفة اليوم، هي نفسها التي انتُزعت منها الحياة منذ سنوات. وأن الحق في المعرفة لا يُجمّد، ولا يُهدد، ولا يُدار بالحبر الرسمي البارد. بل يُحمى، ويُصان، ويُشارك. ما نطلبه ليس مستحيلاً. هو: الحدّ الأدنى من الإنسانية.

موقع الجمهورية

—————————-

 دموع فضل عبد الغني ومسار العدالة الانتقالية المؤجلة/ ضاهر عيطة

2025.11.24

أن يبكي مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني في لقاء على قناة تلفزيون سوريا خلال تصريحه عن مصير عشرات الآلاف من المختفين قسريًا، ويعلن على الملأ أن جميعهم باتوا أمواتاً، وهو الذي عاش تفاصيل ملفات المعتقلين وتابع توثيق الإبادات الجماعية، وكان متوقعاً منه أن يكون أكثر تماسكاً وأكثر تأقلماً مع خبر كهذا، لكنه لم يستطع إلا أن يبكي بكاء مريراً، كاشفاً النقاب عن حجم المصاب الأليم وفداحته، معلناً أن أكثر من مئة ألف إنسان من المختفين قسراً باتوا في عداد الأموات.

ربما جالت في خاطر فضل عبد الغني مشاهد كثيرة وهو يصرح بهذه الحقيقة، وهو يدرك أن في تلك اللحظات كان يسمعه ويشاهده عدد كبير من السوريين، ولعله تخيل أن أمامه مئة ألف أم، ومئة ألف زوجة، ومئة ألف طفل كانوا يقفون خلف الأبواب ينتظرون في كل لحظة سماع خبر عن عودة حبيب كان في الغياب، لكنه بنحو أو بآخر أعلن لهم صراحة أن كفّوا عن الانتظار والوقوف خلف الأبواب، فما من باب سيقرع، ولا من غائب سيعود، فمصيركم أن تعيشوا أيتاماً وثُكالى، يا كل الأطفال والأمهات السوريين المنتظرين.

مئة ألف إنسان ليس رقماً صغيراً، وخلف هذا الرقم تقف ألف ألف حكاية ومأساة، تحيلنا جميعها إلى ثيمات الفقدان والألم والرعب والبكاء.

وبهذا المعنى، لم يكن كشف فضل عبد الغني عن هذه الحقيقة مجرد تقييم حقوقي، بل كان إعلاناً عن انهيار أمل الانتظار، وقد آتى بكاؤه على الهواء في لحظة إنسانية نادرة، تحطّم فيها الحاجز بين الإحصاء والتوثيق واللغة القانونية، وبين لغة القلب والشعور بالآلام وخيبة الآمال.

وبدا وكأنه ينعى حقبة من حياة السوريين فُقدت فيها الأخلاق والقيم الإنسانية قبل أي شيء. وهذا التصريح وحده يكفي ليبرهن على أن الكلام عن “مصالحة” أو “تسوية سياسية” من دون عدالة هو مجرد إعادة إنتاج للمأساة بشكل آخر.

فالرؤية المشتركة التي يحتاجها السوريون لا يمكن أن تُبنى فوق جثث الحقيقة ولا فوق صمت مفروض، بل يفترض أن تبدأ من الاعتراف، من محاسبة المنتهكين، وإعادة تعريف معنى الدولة، فالعيش المشترك لا يقوم على النسيان، بل على القدرة على مواجهة الذاكرة بشجاعة.

ولا يمكن لسوريا أن تُبنى من جديد ما لم تبدأ من لحظة صادقة تقول فيها: لقد وقع الظلم ويجب إصلاحه، هذه هي الخطوة الأولى نحو وطن لا يحتاج فيه أحد لإثبات “من كان على حق”، لأن الحق سيكون حينها قيمة مشتركة لا سلاحًا يحمله طرف ضد آخر.

فالحكمة ليست في البحث عمّن يملك الحقيقة، ولا في إثبات صحة ما يراه طرف وما يراه طرف آخر، بل في القدرة على الوصول معًا إلى رؤية مشتركة تتيح للجميع البقاء ضمن وطن واحد من دون أن يلتهمهم الشك أو الريبة أو الخوف.

وهذا الشرط البسيط في ظاهره هو في الواقع أحد أعقد متطلبات المجتمعات الخارجة من الاستبداد والإبادات الجماعية، حيث تتهشم الثقة، ويُنتج نمط من العلاقات يجعل الحوار فيما بينها ممارسة عقيمة أو شبه مستحيلة.

لذلك فإن استعادة القدرة على بناء رؤية مشتركة شكلاً من أشكال استعادة السياسة ذاتها، بمعناها الأخلاقي لا السلطوي، وبالفعل تمثل الحالة السورية مثالًا حياً على هذا التعقيد.

فبعد أكثر من خمسين عاماً من حكم نظام الأسد الذي أوغل قتلاً وتدميراً في الحياة السورية، ما عادت مؤسسات الدولة مجرد أجهزة إدارية أو خدمية، بل تحولت إلى منظومة متداخلة من السيطرة الأمنية التي تُخضع كل مفصل اجتماعي لرقابة صامتة وشاملة.

ومع انطلاق الثورة عام 2011 كشفت الدولة الأسدية عن وجهها الأكثر عرياً وقباحة: الاعتقال التعسفي تحوّل إلى سياسة عامة، والإخفاء القسري إلى روتين يومي، والتعذيب إلى ممارسة ممنهجة لا تخفي نفسها، بل تتعمد إرسال رسائل خوف عبر ما سُرّب من فيديوهات، وما تم تسريبه من صور قيصر، وأخيراً مشاهد المعتقلين الخارجين من أقبية الأفرع الأمنية وسجن صيدنايا.

وهنا تبرز العدالة الانتقالية بوصفها السبيل الوحيد لوقف هذا الإرث المدمر، بوصفها لا تعني الانتقام، ولا تهدف إلى إعادة إنتاج الضغينة، بل تهدف قبل كل شيء إلى إعادة تنظيم العلاقة بين المواطن من جهة، وبين المواطنين والدولة من جهة ثانية، على أساس يقوم على احترام كرامة الإنسان واحترام معادلة المساءلة والشفافية.

إذ مهما كان التحول السياسي عميقاً، لن يكون كافياً ما لم يتم تفكيك البُنى التي مكّنت الأجهزة الأمنية والعسكرية والثقافية والاقتصادية والتعليمية من ارتكاب الانتهاكات لسنوات طويلة.

وهذا يتطلب بالفعل إزالة ما ترسب من تأثيرات النظام السابق على المؤسسات الجديدة، لمنع استمرارية الاستبداد والإجرام والفساد، وهو ما سبق أن اتبعته أنظمة الدول الأوروبية الشرقية بعد سقوط الأنظمة الشيوعية حين مُنع الموظفون الأمنيون والسياسيون والإداريون المتورطون في دعم تلك الأنظمة من العودة للعمل في الدولة الجديدة، لأن وجود الجناة داخل الدولة يحوّل أي عملية إصلاح إلى عملية تجميلية ظاهرية تخفي السرطان وتغذيه ولا تعالجه أو تستأصله.

ولا تحتاج سوريا إلى أدلة لإثبات تغلغل الجناة والفاسدين في أجهزة ومؤسسات الدولة والمجتمع، فهناك عشرات الآلاف من الوقائع والمجازر والمجرمين الموثقة أسماؤهم لدى الشبكة السورية لحقوق الإنسان، التي يديرها فضل عبد الغني، وبعض هؤلاء ذاع صيتهم محلياً وعالمياً، بينهم ضباط ورجال أمن وشبّيحة أشرفوا على حملات الاعتقال والتصفية وتمت مكافأتهم بترفيع مناصبهم أو مكافأتهم، في حين ضحاياهم دُفنوا في مقابر جماعية سرية أو ما يزالون في عداد المجهول تحت الأنقاض.

ومن هنا أيضاً يمكن قراءة دموع فضل عبد الغني على أنها جزء من الوعي الجماعي السوري: بكاء على الغائبين، وخوف على العدالة التي لم تولد بعد، وعلى احتمال أن تضيع الحقيقة مرة أخرى في دهاليز السياسة.

وكتب فضل عبد الغني في موقع صحيفة العربي/ 03 نوفمبر 2025 عن عزل المتورطين وانتهاج عدالة انتقالية بشأن الضحايا قائلاً: “ينطلق هذا المقال من فكرة مفادها بأن إقصاء المتورطين في الانتهاكات الجسيمة من مؤسسات الدولة ضرورة قانونية وأخلاقية متجذرة في مبادئ القانون الدولي وآليات العدالة الانتقالية، فالتحول الحقيقي لا يكفيه تغيير النظام، بل يقتضي تفكيك البنى التي مكّنت من ارتكاب الفظائع وإعادة تأسيس مؤسسات تقوم على احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، ومن دون معالجة حضور الجناة داخل هياكل الدولة، تفقد بقية أدوات العدالة الانتقالية فاعليتها، ما يفرغ العملية من مضمونها ويقوّض مسار الانتقال برمّته”.

من الطبيعي أن يشكل انهيار الحقبة الأسدية الاستبدادية تحدياً بالغًا للمجتمع السوري في مسار تحقيق العدالة كما أشار فضل عبد الغني في مقاله، ولا سيما أن الجرائم التي ارتكبت لم تكن حوادث فردية ولا “تجاوزات” عارضة، بل كانت ممارسة بنيوية مقصودة انبنت عليها شرعية السلطة الأسدية نفسها.

ولهذا فإنّ أدوات التدقيق في السجل المهني للموظفين واجتثاث العناصر المتورطة بالجرائم من أهم دعائم أي عملية انتقالية.

وقد أثبتت التجارب العالمية أن مقاربة “دعونا ننسى الماضي ونبدأ من جديد” ليست سوى وصفة لإعادة إنتاج القمع بوجه جديد، فما قيمة برامج المصالحة والتعويض إذا كان الجلاد ما يزال في منصبه يوقّع على الأوراق نفسها، ويدخل المكتب نفسه، ويملك السلطة ذاتها، والمجرمون يتجولون طلقاء في الشوارع.

ولا معنى للكلام عن دولة جديدة ومؤسسات حديثة ومستقبل مختلف. إذ كيف يمكن بناء قضاء مستقل إذا كان القضاة الذين وقّعوا على مذكرات اعتقال وقتل وإعدام ما زالوا في أماكنهم؟ كيف نثق بوزارة أو مديرية إذا بقي الفاسد في منصبه، والراشي والواشي وكاتب التقارير؟ كيف نعيد التعليم والثقافة إلى وظيفتهما الوطنية، في حين ما يزال من مارسوا التجهيل والفساد يعملون في هذا السلك؟ إن الإبقاء على الجناة داخل الدولة يعني ببساطة الإبقاء على أسباب الجريمة.

لهذا كله ليست العدالة الانتقالية هنا عقاباً، بل إعادة تعريف للشرعية، وإعادة تأسيس لدولة جديدة تقوم على أسس الكرامة والحرية والمساءلة، وهي الشروط الأولى لولادة سوريا مختلفة عن سوريا في الحقبة الأسدية.

وظل فضل عبد الغني، كغيره من المختصين في الشؤون القضائية والقانونية، ومنذ سقوط السفاح في 8 كانون الأول 2024، ينادي وينبه عبر مقالاته الصحفية ولقاءاته التلفزيونية إلى ضرورة تأسيس محاكم قضائية تسير ضمن الأعراف الدولية المختصة بجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، لكن من دون أن يستجيب لندائه أحد.

غير أن من الجيد أنه في الآونة الأخيرة أمكن له الاجتماع مع المعنيين بهذا الأمر في السلطة السورية الجديدة.

ومهما يكن، فإن الحقيقة لا يمكن أن تُدفن، حتى لو دُفن أصحابها في مقابر جماعية، والعدالة لا تموت، حتى لو مات ضحاياها في الزنازين، وما دام الجناة يتغلغلون في مفاصل الدولة الوليدة، فإن الانتقال يظل ناقصاً وهشاً، ويظل باب البكاء على مصائر السوريين مفتوحاً.

تلفزيون سوريا

—————————-

العدالة الانتقالية”.. لماذا بدأت من الساحل وهل تأخرت؟/ محمد كاخي

مخاوف من أن تؤدي إلى “جرح إضافي”

عقدت وزارة العدل السورية، في 18 من تشرين الثاني الحالي، أول جلسة محاكمة علنية للمتهمين بارتكاب الانتهاكات والجرائم التي طالت الأهالي والعسكريين بالساحل السوري، في آذار الماضي، الأمر الذي أثار استغرابًا وتساؤلات لدى الرأي العام السوري، حول توقيت محاكمات مجرمي النظام السوري السابق.

أثارت المحاكمات حفيظة الرأي العام، وفق ما رصدته عنب بلدي على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان التساؤل الأول هو لماذا بدأت محاكمة من اتهموا بارتكاب الانتهاكات في الساحل، قبل محاكمة مجرمي نظام الأسد الذين لا يزال كثيرون منهم خارج السجون.

ووثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” قائمة تضم أسماء نحو 16 ألف شخص ضالع في جرائم وانتهاكات بحق السوريين من النظام السوري السابق، بينهم أكثر من ستة آلاف فرد من القوات الرسمية، التي تشمل الجيش وأجهزة الأمن، وأكثر من تسعة آلاف من القوات الرديفة، التي تضم ميليشيات ومجموعات مساندة قاتلت إلى جانب القوات الرسمية.

وأشارت “الشبكة” إلى أن المحاسبة يجب أن تشمل مختلف المستويات، وتتجاوز القيادات العسكرية والأمنية لتصل إلى أفراد آخرين تورطوا بطرق مختلفة في دعم جرائم النظام، ومن بين هؤلاء ممثلون وفنانون وكتّاب وسياسيون، أسهموا في تعزيز جرائم النظام، سواء عبر التحريض على القتل أو زيادة المعاناة السورية بدرجات متفاوتة.

لماذا بدأت من الساحل؟

المحدد الرئيس لأسبقية محاكمات الساحل، بحسب الحقوقي المتخصص في العدالة الانتقالية منصور العمري، هو أن السلطة التي اختارت بدء هذه المحاكمات هي ذاتها السلطة الحاكمة وقت وقوع الجريمة، أما محاكمات جرائم عهد سلطة الأسد المخلوع فستحدث تحت سلطة أخرى (الحالية).

ولا يمكن، بحسب العمري، بدء أي محاكمات بحق المتهمين، من رموز النظام السابق، قبل صدور قانون العدالة الانتقالية، لأن القانون الوطني “قاصر” ولا يتضمن تعريفات لـ”جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” أو يمكن تشكيل محكمة هجينة تعتمد القانون الدولي والوطني، ويتضمن نظامها الداخلي “جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية”، لحماية الحقوق والعدالة الانتقالية بتعريفها الواسع.

كما أن المحاكمات التي جرت بخصوص مرتكبي الانتهاكات في أثناء أحداث الساحل يمكن اعتبارها من ضمن مسار العدالة الانتقالية، فالعدالة الانتقالية، بحسب الأمم المتحدة، “تحدث في المجتمعات التي تحاول إعادة بناء نفسها من جديد، والانتقال من تاريخ عنيف يتسم بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ارتُكِبَت في سياق ممارسة القمع أو في سياق نزاع مسلح أو غير ذلك من السياقات الأخرى”، أي أنها قد تنطبق في حالتي الساحل والسويداء، بحسب العمري.

فتطبيق مبادئ العدالة الانتقالية غير محصور أو مشروط بسقوط نظام حاكم، بل بإرادة النظام الحاكم الحقيقية في تطبيقها بعد وقوع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي، تابع العمري.

ويرى الباحث في مركز “الحوار السوري” وخبير العدالة الانتقالية نورس العبد الله، أن مسألة محاسبة مرتكبي الانتهاكات التي حدثت في الساحل السوري تؤسّس لسيادة القانون في سوريا، ولإنهاء سلسلة الإفلات من العقاب.

وما دفع الحكومة إلى إطلاق هذه المحاكمات بُعدان:

البعد الأول: عملي وإجرائي، مرتبط بإمكانية تطبيق هذه المحاكمات على أرض الواقع، نظرًا إلى محدودية عدد مرتكبي الجرائم، وعدم وجود حاجة لتشريعات جديدة، باعتبار أن هذه المحاكمات تخضع للقضاء العادي وليس لمسار العدالة الانتقالية، الذي يحتاج إلى حسم الأسئلة الرئيسة والكبرى من خلال تشريعات تحدد توجهات المساءلة وتُشرّع لـ”جرائم الحرب” و”الجرائم ضد الإنسانية” التي لا يعرفها قانون العقوبات السوري.

البعد الثاني: هو بعد سياسي مرتبط بالضغط الدولي والمتابعة الدولية اللصيقة للحكومة الانتقالية، ووجود إشكالية مع بداية المرحلة الانتقالية، تتطلب معالجة سياسية واجتماعية، حول القدرة على ضبط وحفظ الأمن والنظام العام في سوريا بعد سقوط النظام، وتتطلب تدخلًا رادعًا حقيقيًا بدأ مع لجنة تقصّي الحقائق وانتقل إلى المرحلة الثانية، وهي إطلاق المحاكمات حتى يشعر جميع السوريين بأن هناك قواعد قانونية تُطبّق على الجميع في هذه المرحلة.

خطر أن تشكل هذه المحاكمات “جرحًا إضافيًا”

يرى الباحث في مركز “الحوار السوري” نورس العبد الله، أنه لكيلا تشكل المحاكمات الأخيرة حول أحداث الساحل “جرحًا إضافيًا”، وتسبب مزيدًا من الألم لضحايا نظام الأسد المخلوع وضحايا سنوات الثورة السورية وما قبلها، فالأمر بحاجة إلى جهد جماعي ينطلق بداية من السلطة العامة، ممثلة بالهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، والهيئة الوطنية للمفقودين، ووزارة العدل، ووزارة الداخلية، بحيث تُكثّف هذه الجهات في هذه المرحلة لقاءاتها وحديثها وشرحها.

وأيضًا يمكن تقديم رسائل رمزية جديدة حول قضية التحضير الجدي للمساءلة في مسار العدالة الانتقالية، بحسب حديث العبد الله إلى عنب بلدي، والسعي إلى حل إشكاليات يمكن إنجازها عمليًا عبر المسارات غير القضائية، كالعمل على استراتيجيات لجبر الضرر المستعجل، وتسريع عملية إعادة الحقوق لأصحابها، كحالة الموظفين المفصولين والإجراءات الخاصة بهم، ومسألة ردّ الممتلكات.

ويعتقد الدكتور في القانون العام أحمد قربي، أن طمأنة ذوي الضحايا الذين تعرضوا لانتهاكات في عهد النظام السابق، يتم عبر ثلاث خطوات هي:

    الإسراع في طرح مسودة قانون العدالة الانتقالية على الرأي العام، حتى يشعر الضحايا أن هناك خطوات عملية بدأت من أجل إنصافهم.

    من خلال الإجراءات الاحترازية أو الاحتياطية التي يمكن القيام بها من الآن، مثل إصدار مذكرات توقيف، وإلقاء الحجز الاحتياطي على أموال المتورطين والمجرمين.

    خطوة إعلامية، فلا بد من وضع الرأي العام في صورة تطوّر مسار العدالة الانتقالية.

هل تأخرت “العدالة الانتقالية”؟

الحقوقي والمتخصص في العدالة الانتقالية منصور العمري، قال لعنب بلدي، إن محاكمات جرائم عهد الأسد المخلوع تتطلب إطارًا قانونيًا لا يستوفيه القانون الوطني، وإن محاكمات جرائم عهد الأسد المخلوع يجري التحضير لها على قدم وساق، ويجب أن تقوم على أسس متينة تراعي جملة من الاعتبارات القانونية والاجتماعية والسياسية والمالية، تتطلب وقتًا وصبرًا من الجميع.

وأصدر الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، المرسوم رقم “149” لعام 2025 القاضي بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في 28 من آب الماضي، التي تُعنى بكشف الحقيقة حول الانتهاكات التي تسبب بها النظام السابق، ومساءلة المسؤولين عنها بالتنسيق مع الجهات المعنية، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، وتحقيق المصالحة الوطنية وترسيخ مبادئ عدم التكرار.

وفي 2 من تشرين الثاني الحالي، قال عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أحمد حزرومة، في مؤتمر حضرته عنب بلدي، إن الهيئة وضعت ستة مسارات أساسية للعمل عليها في إطار العدالة الانتقالية وهي:

    كشف الحقيقة، وهو مسار سيكون له دور كبير وفاعل في موضوع حقوق الملكية والعقارات، وفيما يتعلق بمنظومة الفساد التي كانت قائمة.

    العدالة والمساءلة.

    جبر الضرر.

    ضمان عدم التكرار.

    تخليد الذكرى والذاكرة الوطنية.

     أمل السوريين في بناء سوريا الجديدة من خلال السلم الأهلي.

ويرى الحقوقي والمتخصص في العدالة الانتقالية منصور العمري، أن العدالة الانتقالية في سوريا بدأت قبل تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وأن الحكومة السورية اتخذت الكثير من الخطوات والتدابير التي تؤسس للعدالة الانتقالية، ومقارنة بالتجارب المشابهة، فإن سوريا تخطو بسرعة في مسار العدالة الانتقالية. فمثلًا، حل الأجهزة الأمنية السابقة والجيش السابق، وإصلاح الجهاز القضائي، وإلغاء إجراءات منع السفر، وتجميد المرسوم “66”، كلها تعتبر من مكونات العدالة الانتقالية التي بدأت منذ الأشهر الأولى بعد سقوط النظام السابق.

وقال عضو هيئة العدالة الانتقالية أحمد حزرومة، إن المسارات الستة التي حددتها الهيئة تعمل حاليًا على وضع خطة استراتيجية، والخطط الاستراتيجية والاحتياجات تُبنى من خلال الاستماع إلى الناس والضحايا الحقيقيين، فقد قامت الهيئة بزيارات إلى مختلف المحافظات السورية، وفي كل منطقة هناك تحديات تختلف باختلاف طبيعة المنطقة، واختلاف الوجع، والاحتياجات، من منطقة لأخرى.

وحتى يكون بناء برامج العدالة الانتقالية حقيقيًا ويلبّي هذه الاحتياجات، تستمع الهيئة إلى الناس، وترى رؤيتهم للعدالة، لتبني من خلالها استراتيجية عملها.

حاولت عنب بلدي التواصل مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية للحديث عن أين وصل قانون العدالة الانتقالية، إلا أنها لم تحصل على رد حتى لحظة تحرير هذا التقرير.

—————————-

 العدالة ليست وثائق تنشر على الإنترنت.. من التسريبات الإعلامية إلى مسؤولية الدولة/ عبد المسيح سليمان

2025.11.21

شهدت سوريا خلال الأسابيع الأخيرة واحدة من أكثر اللحظات وجعًا منذ سقوط النظام السابق في عام 2024. حين نشرت بعض المنصات الاخبارية السورية وصفحات ناشطين وناشطات على وسائل التواصل الاجتماعي صورا لسجلات طبية قيل إنها مسرّبة من مشفى المجتهد بدمشق، تضم قوائم بأسماء معتقلين ومعتقلات ومفقودين ومفقودات قضوا في سجون النظام السابق، عمّ البلاد شعور متناقض بين الأمل والصدمة. أملٌ بمعرفة مصير الأحبّة بعد سنوات من الغياب، وصدمةٌ من الطريقة التي طُرحت بها الوثائق، بلا إطار قانوني أو مراعاة لكرامة الضحايا أو لعائلاتهن وعائلاتهم.

لكن ما جعل المشهد أكثر قسوة لم يكن فقط ما نشرته المنصات الإعلامية، بل غياب ردّ فعل مسؤول من الحكومة الجديدة التي ورثت دولة مدمّرة وذاكرة مثقلة بالدم، واختارت – حتى الآن – الصمت على جرح لا يمكن تجاهله. فمن تسريبات الناشطين إلى السلطة الجديدة، بدا المشهد السوري وكأنه يعيد إنتاج المأساة نفسها: الكشف بلا مساءلة، والتوثيق بلا حماية، والذاكرة بلا عدالة.

التسريبات الاعلامية.. من النية الى الكارثة

النية المعلنة من تسريب الوثائق كانت “إكرامًا للضحايا” و“حق العائلات في المعرفة”. لكن النتيجة كانت انفجارًا في الألم الجماعي، إذ وجد آلاف السوريين والسوريات أنفسهم يغوصون في قوائم الموت، يقلبون الأوراق الرقمية كما لو أنهم يبحثون عن أحبّتهم بين القبور. لقد تحوّل النشر إلى صدمة ثانية بعد سنوات من الصمت والانتظار، حيث تلقّى كثيرون خبر وفاة من يحبون عبر شاشة هاتف، بلا سياق رسمي, وبلا دعم نفسي، وبلا كلمة عزاء.

في لحظة واحدة، أصبح كل بيت سوري يعيش الحداد من جديد، دون أن يعرف ما إذا كانت الوثائق حقيقية أم مجتزأة أم مزيّفة جزئيًا. النية قد تكون نبيلة، لكن الطريقة كانت كارثية. فنشر بيانات شخصية بهذا الشكل العلني – من دون تحقق أو إذن أو إشراف حقوقي – هو انتهاك جديد للكرامة الإنسانية، حتى وإن كان بدافع التعاطف. الضحايا ليسوا مجرد أسماء على دفاتر، بل قصص وأحلام ووجوه، ولكل منهم ولكل منهن حق في أن يُذكَر أو تُذكَر بطريقة تحفظ إنسانيته وإنسانيتها

البعد الحقوقي: التوثيق بلا معايير خطر على العدالة

القانون الدولي الإنساني يفرض قواعد صارمة في التعامل مع بيانات المفقودين والمفقودات، منها حفظها في قواعد مؤمنة والتواصل مع العائلات بشكل مباشر قبل أي إعلان علني. أما نشرها بشكل مفتوح فهو يعرّض العائلات للضرر النفسي، ويضعف القيمة القانونية للوثائق التي يمكن أن تُستخدم لاحقًا كأدلة في محاكم العدالة الانتقالية. بذلك يتحوّل النشر العشوائي إلى فوضى توثيقية تضرّ بقضية العدالة أكثر مما تخدمها. فالعدالة لا تُبنى على الألم المكشوف، بل على الحقيقة المنظّمة والمسؤولة. وهنا تتقاطع المسؤوليات: مسؤولية الإعلام الذي نشر دون ضوابط، ومسؤولية الدولة التي صمتت بينما تُنتهك ذاكرة ضحاياها أمام أعينها.

سقوط النظام لا يعني سقوط المسؤولية

في عام 2024، سقط النظام الذي حوّل البلاد إلى مقبرة جماعية. لكن سقوطه لم يُنهِ المعاناة، ولم يُغلق الملفات، بل كشف مدى عمقها. فكل وثيقة تُنشر اليوم، وكل اسم يظهر على ورقة قديمة، هو شاهد على جريمة، وعلى فشل مستمر في تحقيق العدالة حتى بعد التغيير السياسي.  الحكومة الجديدة ورثت هذا الإرث، ومعه التزام قانوني وأخلاقي لا يمكن تجاهله.  هي مسؤولة عن حماية الأدلة، فتح الأرشيف الوطني، محاسبة المتورطين في الجرائم، وتقديم الحقيقة لعائلات المفقودين والمفقودات بكرامة واحترام.

أيّ تأخير في هذه الخطوات هو شكل من أشكال التواطؤ بالصمت. فالسلطة التي تتجاهل الماضي لا تختلف كثيرًا عن التي صنعته حتى وإن تغيّر خطابها أو علمها أو وجوهها

الحكومة الجديدة.. بين الخوف من الحقيقة والخوف من المسؤولية

منذ نشر الوثائق، لم تصدر عن الحكومة أي مبادرة رسمية للتحقق منها أو تنظيم طريقة التعامل معها. لا لجنة مستقلة، ولا بيان توضيحي، ولا خطة وطنية لملف المفقودين. وكأنّ الدولة قررت أن تترك الشعب يواجه ذاكرته وحده، بينما تراقب من بعيد. هذا الصمت ليس حيادًا. إنه موقف سياسي يعكس تردد السلطة الجديدة في مواجهة جرائم الماضي، خوفًا من تفجير ألغام سياسية أو كشف أسماء شخصيات ما زالت فاعلة داخل مؤسساتها. لكن الخوف من الحقيقة هو نقيض الدولة الديمقراطية التي وعدت بها الثورة. ولا يمكن بناء نظام جديد على أساس المواربة والتبرير والسكوت. إذا كانت الحكومة جادة في القطع مع ممارسات النظام السابق، فعليها أن تُثبت ذلك بالفعل لا بالبيانات. وعليها أن تعلن بوضوح أنها ستفتح كل الأرشيفات الطبية والأمنية والقضائية أمام لجان مستقلة، وأنها ستحاسب كل من شارك أو تستر أو استفاد من منظومة القمع القديمة. من دون هذه الخطوات، فإن “سقوط النظام” سيبقى سقوطًا في الشكل لا في الجوهر.

الإعلام بين البطولة والفوضى

الصحافة السورية، المعارضة منها والجديدة، تواجه اليوم امتحانًا عسيرًا. فمن جهة، هي مطالبة بكشف الحقيقة، ومن جهة أخرى بتحمل مسؤولية الطريقة التي تكشف بها هذه الحقيقة. السبق الصحفي لا يُبرر تعريض آلاف العائلات لصدمات جديدة، ولا يبرر تجاوز المعايير الحقوقية والمهنية. الإعلام الحرّ لا يعني نشر كل شيء فورًا، بل اختيار الطريقة التي تحمي الإنسان قبل أن تُرضي القارئ. لكن مهما يكن من أمر الإعلام، فالمسؤولية الأولى تبقى على عاتق الدولة، التي يجب أن تضع إطارًا قانونيًا لحماية البيانات الحساسة، وتشجّع التعاون بين الصحافة والعدالة، لا ترك الأمور للفوضى الإلكترونية والتسريبات العشوائية.

صوت الضحايا يجب أن يُسمع

قضية المفقودين والمفقودات ليست قضية رقمية أو إعلامية، بل قضية ضمير وذاكرة وعدالة. كل اسم في تلك الدفاتر هو إنسانة أو إنسان عاش الخوف والتعذيب والاختفاء. كل عائلة تبحث اليوم عن أثرٍ أو صورة أو جثمان لا تحتاج إلى شفَقة، بل إلى حقيقة رسمية ومسار عدالة صادق.

لذلك فإن أول واجب على الحكومة الجديدة يكمن  في  تسهيل عمل الهيئة الوطنية للمفقودين والمفقودات بصورة مستقلة وشفافة، وان تعمل بالتعاون مع المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، وتُصدر تقارير دورية علنية، لا بيانات غامضة. هذه الهيئة يجب أن تمتلك صلاحيات حقيقية في التحقيق، والملاحقة القضائية، والوصول إلى السجلات الرسمية، لا أن تكون هيئة رمزية تُستخدم لتلميع الصورة السياسية.

لا عدالة بلا محاسبة

كل انتقال سياسي بلا محاسبة هو انتقال شكلي. العدالة الانتقالية ليست ترفًا، بل شرط وجود الدولة الجديدة. ومن دونها، لن يصدق أحد أنّ ما حدث في 2024 كان ثورة حقيقية على الظلم، بل سيبدو كاستبدال وجوه بوجوه. إنّ الحكومة التي لا تُحاسب المجرمين والمجرمات لا تبني مستقبلًا، بل تُعيد الماضي بأسماء جديدة. السكوت عن الجرائم هو استمرار لها، والتهرّب من مسؤولية التوثيق هو شكل آخر من الإنكار. العدالة لا تُؤجّل، ومن يؤجّلها يشارك في قتلها.

سوريا اليوم أمام مفترق حاسم: إما أن تواجه ماضيها بشجاعة وعدالة ومحاسبة، أو أن تغرق مجددًا في دورة جديدة من الإنكار والدم. إنّ حادثة نشر الوثائق يجب ألا تبقى مجرد جدل عابر، بل إشارة إنذار وطنية تدفع الجميع — الإعلام والمنظمات، والسلطة، والمجتمع — إلى إدراك أن الحقيقة تحتاج إلى حماية، لا إلى استعراض. فمن دون إطار أخلاقي ومؤسساتي منظم، ستبقى الذاكرة السورية مكشوفة للعبث.

لقد سقط النظام، لكن العدالة لم تولد بعد. ولن تولد ما لم تتحمل الحكومة الجديدة مسؤوليتها الكاملة في كشف مصير المفقودات والمفقودين، ومحاسبة من أمر ومن نفّذ ومن صمت. فالعدالة ليست وثائق تُنشر على الإنترنت، بل فعل سياسي وأخلاقي يضع كرامة الإنسان في قلب الدولة الجديدة. كل تأخير في هذه المهمة هو خيانة لذاكرة الضحايا، وكل تردد في المحاسبة هو امتداد للظلم القديم بثوب جديد. ومن التسريبات التي نشرتها مواقع إخبارية وصفحات ناشطين إلى قصور الحكومة، تبقى الرسالة واحدة: الكرامة لا تُستعاد بالكلمات، بل بالفعل. والحقيقة لا تكتمل إلا عندما يقف الجلاد أمام العدالة، وتُعاد للضحايا أسماؤهن وأسماؤهم، وأرواحهن وأرواحهم راحة لم يعرفوها في حياتهم ولا في موتهم.

تلفزيون سوريا

———————-

من رواندا إلى سوريا/ عبد الرحمن شلقم

23 نوفمبر ,2025

هل يمكن لقائد تنظيم مسلح أن يترأس دولة بعدما كان يوصف بـ«الإرهابي»، وخاض معاركَ سقط فيها قتلى في داخل بلاده وخارجها، وصدرت ضده مذكرات اعتقال، ورُصدت لذلك مكافآت مالية؟ طُرح هذا السؤال بعدما تولى أحمد الشرع رئاسة الجمهورية العربية السورية. هناك من يصر إلى اليوم على مناداة رئيس سوريا الانتقالي باسمه الحركي «أبو محمد الجولاني»، الذي كان يحمله قبل أن يعود إلى اسمه المدني أحمد الشرع. الماضي – والحاضر أيضاً – يقدم لنا زعامات عبرت المسارب ذاتها التي مرَّ بها الرئيس السوري أحمد الشرع. من بين أبرز هؤلاء رئيس جمهورية رواندا بول كاغامي. هاجر من بلاده وهو طفل صغير إلى أوغندا، هروباً من القمع الذي تعرضت له قبيلته التوتسي. ترعرع في أوغندا، وتعلم في مدارسها. انضم إلى الجيش الأوغندي، وقاتل مع حركة يوري موسيفيني ضد الرئيس عيدي أمين. أسس مع رفاقه من قبيلة التوتسي الروانديين اللاجئين في أوغندا «الجبهة الرواندية» لخوض حرب ضد نظام الرئيس جافينال هباريمانا. في سنة 1994 شنَّ الهوتو حملة إبادة ضد قبيلة التوتسي بتهمة أنهم وراء إسقاط طائرة الرئيس. هاجمت «الجبهة الرواندية» العاصمة، وهزمت جيش النظام، وتوقفت حملة الإبادة التي أودت بحياة 800 ألف شخص.

وصفته كل من فرنسا وبلجيكا بـ«الإرهابي». في سنة 2000 انتخب البرلمان بول كاغامي رئيساً للبلاد. رُفعت ضده قضية أمام المحاكم الرواندية، ووُجهت له تهمة التخطيط لقتل رئيس الجمهورية السابق، جافينال هباريمانا، وبرّأته المحكمة من التهمة، وأكدت أن عصابة من الهوتو كانت وراء إسقاط طائرة الرئيس السابق، لعرقلة عملية التفاهم السلمي بين الأطراف المتصارعة. من رواندا بول كاغامي إلى سوريا أحمد الشرع.

أحمد الشرع وُلد في شهر أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1982 في مدينة الرياض السعودية، لعائلة سورية مسلمة تتحدر من هضبة الجولان. والده حسين الشرع كاتب ومفكر سوري معروف.

أحمد الشرع التحق بتنظيم «القاعدة» في العراق، وشارك في مقاومة القوات الأميركية، اعتقلته القوات الأميركية في العراق لمدة ثلاث سنوات. بعد اندلاع الثورة السورية سنة 2011 ضد نظام بشار الأسد، عاد أحمد الشرع إلى سوريا، وأسس «جبهة النصرة»، وشارك في ثورة الشعب السوري ضد النظام الديكتاتوري. سيطر على مدينة إدلب، واندمج مع القوى الثائرة، وشارك في تأسيس «هيئة تحرير الشام». وضعت وزارة الخارجية الأميركية الشرع على قائمة الإرهاب، ورصدت مكافأة مالية بعشرة ملايين دولار لمن يقدم معلومات تساعد في القبض عليه.

في سنة 2024 قاد هجوماً كاسحاً على قوات بشار الأسد، ونجح في إسقاطه وهروبه إلى روسيا. في يناير (كانون الثاني) 2025 عُين رئيساً للجمهورية العربية السورية.

هذه مشتركات تأسيسية عامة بين القائدين بول كاغامي في رواندا التي تقع في منطقة البحيرات الأفريقية، وبين أحمد الشرع في سوريا العربية التي تقع في آسيا على البحر الأبيض المتوسط. مسافة طويلة بين البلدين، واختلافات في التكوين الاجتماعي، وحتى الجغرافي. المشترك بين البلدين كان حجم الظلم والإبادة التي تعرض لها شعباهما. في رواندا قُتل 800 ألف شخص في حرب أهلية عرقية رهيبة، وفرَّ مئات الآلاف من النساء والأطفال إلى البلدان المجاورة، وعانى من بقي في البلاد ولم يتمكن من الهروب، من الفقر والمرض والرعب. في سوريا قتل نظام الأسدين بشار ووالده حافظ مئات الآلاف من المدنيين؛ من مذبحة حماة التي قام بها الأب حافظ، إلى الإبادة الجماعية التي نفذها الابن بشار بعد تفجّر ثورة الشعب السوري ضد العنف الديكتاتوري.

الرئيس الرواندي بول كاغامي، الذي اعتبره البعض إرهابياً، هو من جعل دولة رواندا نموذجاً أفريقياً للسلم الاجتماعي والاستقرار والأمن والتقدم. بدأ كاغامي بتكريس المصالحة الاجتماعية، من خلال دستور جديد يجرم العرقية، ويمنع استعمال الأسماء والألقاب القبلية، ويؤكد على المساواة المطلقة بين جميع أفراد الشعب. وضع برنامجاً متحركاً للتنمية الاقتصادية المستدامة، التي تشمل جميع مناطق البلد، وشهدت البلاد قفزة تنموية هائلة. تضاعف دخل الفرد ثلاثين مرة في سنوات قليلة، وحققت البلاد نسبة تنمية وصلت إلى 9 في المائة، ونهض التعليم والخدمات الصحية. في رواندا اليوم يُمنع استعمال البلاستيك منعاً باتاً. الأحزاب تعمل بحرية في داخل البرلمان وخارجه. الرئيس يلتقي دورياً بقادتها، ويناقش معهم كل القضايا التي تهم المواطنين.

سنة 2009 زرت رواندا. بينما أنا أتناول وجبة الفطور في العاصمة كيغالي وبيدي مسبحة، تقدم نحوي رجل ستيني ومدَّ يده مصافحاً، وسألني: هل السيد مسلم؟ قلتُ: نعم. ودعوته إلى الجلوس. قال: لي طلب منك، هل ممكن أن تهدي إليّ المسبحة؟ أجبته مبتسماً: بكل سرور. قال: في العهد السابق كنا نحن المسلمين نخاف من إبراز هويتنا الدينية، واليوم بحمد الله لنا كل الحرية. وأضاف: أنا من الهوتو، والتوتسي قتلوا كل عائلتي. أنا الآن متزوج من سيدة منهم، ولي أطفال.

نظيره السوري الرئيس أحمد الشرع، برغم الانهيار شبه الكامل الذي حلَّ بالبلاد، والتنوع الاجتماعي، وانتشار السلاح، وبقايا النظام المنهار… باشر في تأسيس الدولة الجديدة ومأسستها، ونجح في إعادة سوريا إلى المجتمع الدولي، ورفع العقوبات الدولية، وباشر في ترتيب عودة الملايين من المهاجرين. النضال السياسي والمسلح معمل يصنع القادة الحكماء، القادرين على تأسيس دول موحدة ومتقدمة بعد انهيارها. صفة «الإرهاب» يطلقها الأعداء على من يهب حياته لإنقاذ وطنه، بقوة الإرادة وحكمة القيادة. هذه قصة دولتين ورئيسين.

*نقلاً عن “الشرق الأوسط”

————————

البدائل السيئة للعدالة الانتقالية/ عبسي سميسم

23 نوفمبر 2025

بدأت المفاعيل السلبية لعدم تطبيق العدالة الانتقالية في سورية تتفاقم وتتوسع على أكثر من صعيد، مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لتحرير البلاد من حكم الأسد، الذي ارتكب نظامه أفظع أنواع الجرائم بحق السوريين، دون أن تقوم الهيئة، التي استحدثت تحت مسمى “هيئة العدالة الانتقالية”، بأي إجراء عملي يتعلق بمحاسبة مجرمي النظام السابق، أو جبر الضرر للضحايا، أو حتى على مستوى طرح برامج لمصالحة مجتمعية تمنع الضحايا من اللجوء إلى عمليات انتقامية خارج إطار القانون.

والأنكى من ذلك أن الحكومة السورية عفت عن العديد من رموز الإجرام في عهد الأسد، وقامت بحمايتهم، وسوقت بعضهم كرموز للمصالحة الوطنية والسلم الأهلي، بدعوى أنهم ساهموا في عملية ردع العدوان التي أدت لإسقاط بشار الأسد. طبعاً هذا عدا عن قيام الحكومة بمحاكمات علنية للمتورطين بأحداث الساحل والسويداء، قبل إجراء محاكمات مماثلة لمجرمي النظام السابق، الأمر الذي فسّره ذوو ضحايا نظام الأسد على أنه تجاهل لحقوقهم ومطالبهم بوصفهم مواطنين سوريين على حساب تقديم ملفات مرتبطة بمطالب وضغوط دولية.

وقد أدى هذا التأخر غير المبرر في تطبيق العدالة الانتقالية إلى انتشار حالات انتقام خارج إطار القانون ينفذها مجهولون، بعضها حالات انتقام فردية، ومعظمها حالات انتقام جماعية على أساس طائفي أزهقت أرواح الكثير من الأبرياء، وخاصة في المناطق التي تضم تنوعاً طائفياً، كمحافظات حمص وحماة واللاذقية. كما أفسح هذا التأخر المجال أمام تحول وسائل التواصل الاجتماعي لجبهات استقطاب طائفي وعرقي، فتحولت تلك الوسائل لساحات لنشر خطاب الكراهية، والتحريض بين مكونات الشعب السوري، وشيطنة كل مكون للمكونات الأخرى بلغة التعميم. ولعب بعض المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، دوراً كبيراً في عملية التجييش الطائفي، إذ حولوا قضية محاسبة المجرم إلى مشروع محاسبة طائفة، أو عرق.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت صفحات على تلك الوسائل لنشر صور ومعلومات لأشخاص موجودين في سورية ولم يتم اعتقالهم من السلطات. فاتخذت تلك الصفحات دور المحاكم، واعتبرتهم مجرمين أو شبيحة للنظام السابق، وحرضت على القصاص منهم خارج إطار القانون، الأمر الذي أفسح المجال أمام أي شخص لاتهام أي شخص قد يختلف معه، والتحريض على قتله، ما ينذر بكوارث اجتماعية وأمنية ما لم تتخذ العدالة الانتقالية مجراها الصحيح وما لم تتخذ الحكومة إجراءات صارمة تخفف من حدة هذا الاستقطاب.

العربي الجديد

———————————–

كيف يمكن تعبيد درب العدالة الوعر في سورية؟/ سوسن جميل حسن

22 نوفمبر 2025

من المتوقّع أن تكون المحاكمة العلنية لبعض المتورّطين في مجازر الساحل السوري (مارس/ آذار الماضي) عرضةً للانتقادات (الإيجابية والسلبية)، في ظلّ الحالة المجتمعية المتوتّرة في سورية، خصوصاً من الناحيتَيْن الاقتصادية والمعيشية اللتَيْن تُرخيان ظلالهما على الجميع، وفي استمرار الانتهاكات والفوضى الأمنية في مناطق عديدة من سورية، وكذا الممارسات العنفية ذات الدوافع الطائفية ضدّ بعض المكوّنات، خصوصاً الطائفة العلوية، التي ما زال الوضع الأمني في مناطقها عنيفاً ومتوتّراً، ممّا يترك مدنيين عديدين في مناخ من الخوف، فيعيش معظم أفرادها، خصوصاً النساء والفتيات والأطفال، كابوساً. عدا عن التوغّل الإسرائيلي المستمرّ في الجنوب السوري، والذي لا يمكن تجاهل أثره النفسي لدى غالبية السوريين. وعدا عن مطلب العدالة الانتقالية التي يصرّ عليها السوريون بعد الحرب المدمّرة 14 عاماً.

لا يمكن حلُّ أيٍّ من هذه التحدّيات بشكل مستدام يدعم السلم الأهلي ويدفع المجتمع في طريق التعافي، من دون عملية سياسية هادفة. الحقّ في معرفة الحقيقة، والحقّ في العدالة، والحقّ في التعويض، وضمان عدم التكرار… أهداف في صميم العدالة الانتقالية. هذه العدالة التي ما فتئ الشعب السوري يطالب بها، حتى لو لم يكن الجميع فاهمين معناها وفحواها وطرائق تطبيقها، لكن الجميع يفهمون فحوى كلمة عدالة، والحاجة الروحية إليها، هذه العدالة حلم الشعب السوري. لكن مسار العدالة الانتقالية مسار طويل ومُعقَّد، وطريق صعب ووعر. وما يزيد من صعوبة تحقيقه، ويضع عقبات كبيرة في مساره، استمرار التجاوزات، وعدم القدرة (حتى لو توافرت النيّة) على إقامة الدعائم الأساسية في المجتمع، والعمل على جعل فئات المجتمع ومكوّنات الشعب راغبةً في إقامة دولة يشعرون بالانتماء إليها، ويعملون في رعايتها للنهوض وبناء وطن للجميع، إذا كانت السلطة الحالية راغبة بالفعل، وتعمل بإصرار على سورية واحدة أمام هذه التحدّيات الكبيرة، التي تعزّز الجنوح نحو أشكال أخرى للحكم كالإدارات الذاتية أو الفيدرالية أو حتى التقسيم.

يتطلّب هذا من السلطة الدفع باتجاه تجاوز خطاب الكراهية والأحكام المسبقة، بل ومقاضاة من يسعى في هذا الاتجاه، والعمل في إنشاء روابط متينة بين الأفراد، إذ لا تنتهي الحرب، مثل الحرب التي عاشها السوريون، ما لم يعد المتحاربون مواطنين قادرين، ليس على التعايش فحسب، بل أيضاً على الاتفاق بشأن المؤسّسات والقواعد والأهداف العادلة والمشتركة، وخلق شروط التعاون المبني على المساواة والعدالة الاجتماعية. من المفيد أن تكون جهود السلطة الجديدة موجّهةً نحو أهداف أساسية، أو مؤسّسة لحياة مستدامة لكل أفراد الشعب، هذه الأهداف تتركّز بشكل رئيس في تعزيز الأمن من خلال منع تجدّد النزاعات المسلّحة، وتعزيز الأمن المجتمعي والإنساني، وتعزيز التنمية بتوفير الخدمات الأساسية للدولة مثل المياه والصرف الصحّي والتعليم، وتعزيز حقوق الإنسان، وأن يكون جهدها موزّعاً بالتوازي بين الخارج والداخل. فالسلطة الحالية قد أنجزت نشاطاً دبلوماسياً ناجحاً يُحدِّد سياساتها الخارجية ويرسمها، ويشفُّ عن استراتيجياتٍ ترسم مرحلةً جديدةً لسورية المستقبل، تختلف عمّا كانت عليه في العقود السابقة، فكان رفع العقوبات من أهم الإنجازات التي تفرح الشعب السوري وتعزّز أحلامه التي دفع ثمنها غالياً. لكن من دون تأمين البيت الداخلي، يمكن أن تذهب هذه الإنجازات كلّها هباءً، مع كثير من الأسف. إن تحسين الحكم وفسح المجال لفئات الشعب كلّها للمساهمة في رسم السياسات الداخلية والخارجية، وكذلك قدرة الدولة على دمج الاختلافات الاجتماعية وإدارة النزاعات المتعلّقة بالموارد والهُويَّة والأولويات الوطنية، أمر ضروري لتحقيق سلام طويل الأمد للشعب السوري، الركيزة الأساسية في النهوض والبناء.

ستبقى محاكمات من هذا النوع عرضةً للانتقاد وعدم الرضا من شرائح سورية. وبالفعل، يمكن توجيه ملاحظات عديدة بشأنها، أبسطها النواحي الفنّية من رداءة الصوت وعدم إشهار وجوه المتّهمين. وما لم تكن محاكمات دقيقة وشفّافة ومدعومة واقعياً بأفعال وإجراءات حكومية تقوم على منع الارتكابات الجديدة، ومنع التعدّي على بعض المكوّنات، وإرساء سلطة الدولة على أمراء الحرب أو المُروِّجين لها والمناطق الفوضوية، فستتعرقل العدالة الانتقالية المرجوة، التي ينتظرها الشعب السوري، وسيؤدّي هذا إلى تأجيج النزاعات والفوضى والفلتان الأمني. فالمجتمعات الخارجة من حرب (كالحرب السورية) تكون في غاية الهشاشة، وسريعة الاشتعال من جديد. وتنظيم الخروج من الحروب يتطلّب تحرّكَ عددٍ كبير من الفاعلين المحلّيين، وإن الاعتماد على النُّخب الثقافية والمجتمعية ومنظّمات المجتمع المدني وغيرها من الجهات المؤثّرة، ضروري من أجل البناء.

كتبت الشابة جنا علا مصطفى، ابنة أحد الضحايا المدنيين، ولم يكن من الفلول أو يحمل سلاحاً، في مجازر الساحل التي وقعت في مارس/ آذار الماضي، منشوراً بعد مشاهدتها جلسة المحاكمة الثلاثاء الماضي، قالت فيه: “كنت أبحث بين الوجوه عن قاتل أبي، ذلك الوجه الذي لن أنساه ما حييت. كانت الملامح ضبابية على الرغم من أن الجلسة تبثّ في عدّة قنوات عربية، فقد قاموا بداية بتغطية الوجوه، فلم أتمكن من التعرّف على قاتل أبي، لكنّني في داخلي أدرك تماماً أن القاتل ليس فرداً واحداً. القاتل هو كل من حرّض، وكل من ضخّم، وكل من سهّل، وكل من فتح الطريق، وكل من برّر لاحقاً”. وتتابع: “روحي تنزف هذا الصباح، لست أبحث عن انتقام لنفسي، إنما أريد عدالةً تمنع تكرار المأساة عن أيّ طرف آخر في هذه البلاد الخائبة. أريد اعترافاً كاملاً أولاً، ومحاسبة للمجرمين ليكون ذلك جبراً لقلوب مكسورة. أريد محاربة خطابات الكراهية والتحريض، وأريد منع رفع السلاح في وجه الأعزل (حتى لو كان مجرماً) من دون محاكمة عادلة. أريد أن نربّي الصغار على أن كأس الطائفية سُمٌّ، وحين يرفع عالياً سنشربه جميعاً ونموت. أريد أن نعلمهم أن السلطات تزول، والشعوب تبقى. أريد تعليمهم أن حبّ الوطن وبناءه لا يكون بمحاربة الآخر، بل باحتضانه… حتى تذوب الأرواح وتختلط الدماء فيصبح موتك غالياً عليّ ويصبح موتي غالياً عليك”. وتنهي منشورها: “لنقف معاً بوجه كلّ هذا الظلم، علّها تصير البلاد بلاداً يوماً فننام فيها آمنين”.

هذا المنشور المكتوب بترفّع فوق الجراح والفجيعة، وفوق المشاعر الكارهة والانتقامية، فيعزّز الانتماء الأكبر إلى الوطن، ويرفعه فوق كل انتماء، هو ما يحتاج إليه الشعب السوري اليوم. ويجدر بالسلطة الحالية العمل على تكريس خطابٍ من هذا النوع لدى الجيل الناشئ، الجيل المأمول منه بناء سورية، والحفاظ على ديمومة هذا البناء مستقبلاً، وجعله نهجاً وأساساً في المناهج التعليمية والتربوية.

العربي الجديد

————————

المصالحة السورية… وبناء الروابط الضائعة/ مرشد النايف

18 نوفمبر 2025

كان أعضاء فريق المصالحة في نيكاراغوا، بعد أن وضعت الحرب الأهلية (1981– 1990) أوزارها، يفتتحون اجتماعاتهم بترديد سطرٍ من المزمور 85 “تلاقى الحقّ والرحمة، وتعانق السلام والعدل”. أحد القرويين المشاركين في الاجتماعات، استلهم من القول وسمّى المكانَ الذي تلتقي فيه العناصر الأربعة بـ “المصالحة”.

عالم الاجتماع الأمريكي والوسيط الدولي جون بول ليديراخ (ك)، (JOHN PAUL LEDERACH) كان حاضرا فطوّر صياغة جوهرية لمفهوم المصالحة، تنهض على أربعة عناصر مترابطة، استقاها من تجربته الشخصية تلك ووضعها في كتاب/ مرجع أسماه “بناء السلام”. 

فالمصالحة هي: “سعي لخلق لقاء يُمكِّن الناس من التركيز على علاقتهم، ومشاركة تصوراتهم ومشاعرهم وتجاربهم مع بعضهم البعض، بهدف بلورة تصورات جديدة وتجربة مشتركة جديدة.” من هذا المنطلق، لا تقتصر المصالحة على المسارات السياسية أو القضائية، بل تنفتح على أفق إنساني رمزي وعاطفي، يسعى إلى إعادة ترميم العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة. وهذه العلاقات بحاجة إلى وسيط، ولا فاعل أقدر من الإعلام على القيام بذلك. فكما أن الإعلام يشعل ويؤجج الصراعات يمكنه، بالسهولة نفسها، التحويل، وصياغة الحق والرحمة وتعزيز العدل وترسيخ السلام.

يرى ليديراخ أن هذه العناصر لا ينبغي أن تُختزل أو تُفاضَل، بل أن تُدمج في عملية لقاء حيّة تعترف بالماضي، وتنظر للمستقبل، وتعيد صياغة الحاضر من جديد. وقبل الانتقال إلى إعادة توطين هذه الأطر النظرية في البيئة السورية، نشير إلى ثلاث افتراضات وضعها ليديراك، يمكن أن تُشكّل مدخلًا لفهم المصالحة كعملية اجتماعية وإنسانية تتجاوز البُعد السياسي البحت.

الافتراض الأول، وهو الجوهري، ينطلق من أن العلاقة (بمعناها الواسع: التفاعل الإنساني، والاعتراف المتبادل، والتاريخ والحاضر والمستقبل المشترك، والروابط المجتمعية)، لا الأجزاء المنفصلة، هي جوهر الصراع وأساس حلّه على المدى الطويل. فالمصالحة لا تعني تفكيك الروابط بين الجماعات المتصارعة، أو تقليص انتماءاتها، بل تقوم على إعادة نسج علاقة إنسانية بين أطراف النزاع، تُعاملهم كبشر لا كهويات مجردة. لهذا، من غير المجدي النظر إلى النظام عبر تفكيك أجزائه، بل يجب رؤيته ككلّ موحّد ونسيج مترابط، والعلاقات بين أجزائه، تمثّل نقطة البداية والنهاية لفهم بنيته وديناميته.

أما الافتراض الثاني، فيؤكد ضرورة أن تجد المصالحة، سُبلا لمعالجة الماضي دون الانزلاق في منطق الإقصاء المتبادل. فالتعافي لا يتم بالصمت أو التجاهل، بل بخلق مساحة آمنة يُعبّر فيها الأفراد عن الألم، والغضب، وذكريات الظلم، والفقد. إنّ الاعتراف بما جرى، هو لحظة فارقة في ديناميكية المصالحة، لأنه يمنح الذاكرة حقها ويمنح الضحايا صوتهم.

ويكمن جوهر الافتراض الثالث، في الدعوة إلى التفكير خارج الصندوق التقليدي للسياسة الدولية، وخطاباتها وآلياتها البيروقراطية. فالمصالحة، لكي تكون حقيقية ومؤثرة، تحتاج إلى ابتكار أدوات جديدة، تنبع من خصوصية السياق الاجتماعي والثقافي، وتُحاكي الواقع كما هو، لا كما ترسمه النماذج الجاهزة.

استنادًا إلى المنظور الذي يقدمه ليديراخ، تُفهم المصالحة لا كعملية إنهاء للنزاع فحسب، بل كرؤية مستقبلية لبناء الاعتماد المتبادل، حيث لا يكون الماضي هو المحدد الوحيد للعلاقات، بل المستقبل المشترك أيضا. هذا الفهم للمصالحة كعملية طويلة المدى، يعزّز الحاجة إلى خطاب إعلامي، يتجاوز التغطيات الآنية أو الإدانة العابرة، إلى تكريس مفاهيم الذاكرة الحية، والمسؤولية التاريخية تجاه المستقبل. حقًا إنها عملية بناء، والخبير بول سايلز (Paul Seils)، من المعهد الأوروبي للسلام، يؤكد أنها: “عملية بناء أو إعادة بناء علاقات، بعد انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، (ويطرح فهما عمليا للمصالحة يتوزع) على مستويين أساسيين: علاقات رأسية: بين المواطنين ومؤسسات الدولة. وعلاقات أفقية: بين المواطنين أنفسهِم”.

استنادا إلى هذا التصور، تضطلع المؤسسات الإعلامية – ولا سيما الرسمية التي نوجّه إليها خطابنا – بمهمة استراتيجية مزدوجة تُناط بغرف أخبارها في هذا السياق، وهذا ما ضمنه كاتب هذه السطور في كتاب قيد النشر عن مؤسسة “ميسلون للثقافة والترجمة والنشر”، يقترح الكتاب آليات عمل للإعلام السوري ومنها:

أ- قيادة إعادة بناء الثقة الرأسية: عبر تقديم محتوى يُظهر شفافية الدولة بحق وليس تجميلًا، ومدى التزامها بالعدالة الانتقالية، واستعدادها للاعتراف بالأخطاء والانفتاح على جميع مكوّنات الشعب.

ب- تحفيز إصلاح العلاقات الأفقية: من خلال سرد قصص التعايش، فتح المنصات للحوار بين المجتمعات المختلفة، وتعزيز الخطاب القائم على القبول والاعتراف بالآخر.

وبذلك، يُصبح الإعلام أداة حيوية لإعادة نسج “خيوط العلاقة” بين المواطن والدولة، وبين المواطن والمواطن، على أسس الحقيقة، والرحمة، والعدالة، والسلام.

المصالحة، بأغصانها الأربعة هي ما نحتاج إلى زراعته في غرف الأخبار السورية الحكومية، فبدونها ستبقى قدرات الناس على الانخراط والمبادرة والمشاركة معطّلة، لأن النفوس المعبئة بمشاعر الانتقام والحقد على الآخر، لا تفكر بالبناء، بل بالثأر فقط. كما أن هدف توطين مشتقات المصالحة يعني البدء بمشروع تحويل ثقافي بطيء، لكنه ضروري، يرمي إلى إعادة إنتاج العلاقة بين السوريين من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى، على أسس جديدة.

تتمثل القيمة الاستراتيجية لهذا الهدف في بناء سردية جديدة تتجاوز ثنائية “المنتصر والمهزوم” لتضع السوريين في موضعهم كـ “ناجين” و”مواطنين”، لا كخصوم دائمين، بما يخلق إطارا وطنيا جامعا يعزز الانتماء المشترك. وفي الوقت نفسه، يسعى هذا الهدف إلى تحدي نموذج التعبئة الإعلامية الإقصائي، الذي يضخّه المناوئون للعهد الوطني الجديد، واستبداله بنموذج إعلامي إصلاحي يتسم بالشمول والاعتراف المتبادل، ويتيح مساحة لكل السوريين للمشاركة في صياغة روايتهم الجماعية. كما يسعى إلى تهيئة البيئة الرمزية والنفسية اللازمة لتطبيق العدالة الانتقالية مستقبلاً، من خلال ترسيخ القيم والممارسات الإعلامية التي تجعل الحقيقة والاعتراف والمساءلة أدوات فعلية لإعادة بناء الثقة الوطنية. يمكن اقتراح كيفية تمثيل مكونات المصالحة على عجل.

تمثيل العناصر إعلامياً

الحقيقة: كشف الحقائق المرتبطة بالضحايا والمفقودين والمعتقلين بكل شفافية ومسؤولية، بما في ذلك الجرائم والانتهاكات التي طالتهم، وذلك بطريقة تحترم جدّية القضية ومركزيتها الأخلاقية. صحيح أن قول الحقيقة لا يردّ القتلى تحت التعذيب في معتقلات النظام البائد ولا ضحايا المقابر الجماعية، لكنه يمنح كرامتهُم صوتًا، ويمنح أحبائهم القدرة على الحداد. ويتضمن التمثيل الإعلامي: قصص ضحايا وشهادات حقيقية تفضح جرائم النظام البائد، مع تشجيع الحوار المفتوح لتجنب الإنكار أو التجميل.

الرحمة: تعزيز ثقافة التسامح والصفح بين الأطراف، مع التركيز على إعادة بناء الروابط الاجتماعية المنكسرة. مع الأسف الشديد لم نختبر بعد سوريا، هذا المكوّن. حتى الآن لم يُبنَ نسقُ اعترافٍ منتظم؛ من فلول الأسد أو مجرميه، أو الإعلاميين والكتاب، ممن حرّضوا على قتل السوريين. ويتضمن التمثيل الإعلامي للرحمة: برامج إنسانية تُبرز قصص العفو (إن وجدت)، مبادرات المصالحة الشعبية، والقصص التي تُظهر الإنسانية المشتركة رغم الاختلافات الطائفية أو العرقية. نتأمل أن تكون موجودة وكثيرة حتى حينه.

العدالة: دعم آليات العدالة الانتقالية، التي تُحاسب المتورطين مع ضمان حقوق الضحايا. ويمكن تمثيلها إعلاميًا من خلال: تقارير توضح خطوات العدالة، مقابلات مع خبراء وقضاة، تغطية محاكمات، مع حوار مستمر حول مفاهيم العدالة والمساءلة.

السلام: تعزيز السلام الشامل الذي لا يهمّش أي طرف، ويؤسس لكرامة الإنسان وأمانه في جميع المناطق. التمثيل الإعلامي يمكن أن يكون على شكل: برامج تظهر أهمية الوحدة الوطنية، التعايش المشترك، قصص النجاح في إعادة الإعمار والتعاون بين المجتمعات ما يقود إلى تدعيم التماسك الاجتماعي، الذي تآكل نتيجة سياسات النظام البائد الممنهجة لتفكيك المجتمع السوري.

التماسك – التآكل الاجتماعي

التماسك الاجتماعي: “اعتقاد مواطني دولة قومية معينة بأنهم يتشاركون في مجتمع أخلاقي، يُمكّنهم من الثقة ببعضهم البعض” على هذا النحو يعرّفه الأكاديمي الدنماركي كريستيان ألبركت لارسن. كما أن استعمال مصطلح “التماسك الاجتماعي” -غالبا ما يشير إلى غيابه أو تراجعه، ما يُبرر اقتراح لارسن لمصطلح بديل هو: “التآكل الاجتماعي” للدلالة على الانخفاض الملحوظ في عدد المواطنين في دولة قومية معينة ممن يعتقدون أنهم يتشاركون في مجتمع أخلاقي يُمكّنهم من الثقة ببعضهم البعض. سورياً، بلغ هذا التآكل الاجتماعي مستويات منخفضة غير مسبوقة، ليس بسبب حرب النظام البائد فقط، بل بفعل هندسة إعلامية طويلة الأمد، سعت لتفكيك “المجتمع الأخلاقي” نفسه، عبر التلاعب بالمفاهيم القيمية مثل الوطنية والخيانة والثقة.

ويضيف لارسن أن أهم عناصر هذا “المجتمع الأخلاقي” في المجتمعات الحديثة لا يكمن في تشارك الدين، أو القيم الأسرية، أو الآراء الأخلاقية، بل في اعتقاد الناس بأنهم يتشاركون مبدأ عدم الغش (الثقة) أي أن يكون السلوك العام قائما على النزاهة.

تُشكّل الثقة العمود الفقري للتماسك الاجتماعي، فهي الرابط/ الدافع الخفي الذي يحوّل الأفراد من مجرد ساكنين في فضاء فرديتهم، إلى مواطنين متعاونين في مشروع جماعي. وتتشكّل هذه الثقة عبر مسارات معرفية تغذّيها المعلومات، وتحديدًا تلك المتعلقة بصدقية الآخرين، ومدى التزامهم بالسلوك المدني. وهنا يلعب الإعلام دورًا محوريًا، إذ لا يقتصر عمله على نقل الحقائق، بل يتجاوز ذلك، إلى التأثير في إدراك الناس لنيّات بعضهم البعض، وهو ما ينعكس على استعدادهم للتعاون والانخراط في الحياة العامة.

أظهرت الدراسات، أن التدخلات الإعلامية المصمّمة بعناية، – والتي تهدف إلى تصحيح التصورات الخاطئة، أو تعويض غياب المعلومات – قادرة على إحداث تغيير ملموس في المواقف الفردية، وفتح نوافذ جديدة للتفاهم والثقة المتبادلة.

وبناءً على ذلك، لا يمكن أن نتصوّر بناء ثقة سورية في مرحلة ما بعد التحرير، من دون إعلام يمارس وظيفته الأخلاقية، في توفير منصة للحوار تصحح التصورات الخاطئة والافتراضات المسبقة، ويُقدّم سردية جامعة تعترف بالماضي دون تزييف، وتتطلع إلى المستقبل دون إقصاء.

في حالات ما بعد الصراع، لا يكفي مجرد تدفق المعلومات، بل تُصبح الحاجة ملحّة لتدخلات معلوماتية ممنهجة ومصمّمة تستهدف تصحيح التصورات المغلوطة وتعمل على إعادة صناعة النسيج الاجتماعي. يقول الخبير الاقتصادي العالمي كارلوس سكارتاشيني إن التدخلات الإعلامية التي تنطلق من “فرضية أن السبب في المعتقدات الخاطئة هو نقص المعلومات، فتسعى ببساطة إلى تزويد الأفراد بالمعلومات الصحيحة. والأدلة الاستطلاعية تدعم هذا الافتراض.

على هذا النحو، يمكن القول إن الثقة تتشكّل بوصفها عملية إدراكية ناتجة عن تفاعل الأفراد مع المعلومات المتاحة لهم؛ إذ تسمح هذه المعلومات بتكوين تصوّرات حول نيّات الآخرين ودرجة صدقيتهم. فحين تُقدَّم معلومات دقيقة وموثوقة، تُسهّل على الأفراد بناء أحكام أخلاقية إيجابية تشجّع على السلوك التعاوني، خصوصًا في الفترات الانتقالية. ويمكن اختزال هذا المسار الإدراكي كما يلي: (المعلومة ← الإدراك ← الحكم الأخلاقي ← الثقة ← التعاون).

وانطلاقًا من ذلك، يبرز دور الإعلام بوصفه فاعلا حاسما في تعزيز التماسك الاجتماعي، من خلال ربط الناس عاطفيا وفكريا، وتعزيز حوار يعترف بالماضي السوري، بينما يتطلع إلى مستقبل سلمي.

السرد العادل: بناء الثقة من دون تبرئة الجلّاد

لا يقتصر السرد العادل، على كونه أداة لتوثيق الوقائع، بل يُعد وسيلة مركزية، لاستعادة ثقة الضحايا وذويهم بالمجتمع السياسي الجديد في دمشق، ويفتح المجال أمام إدماجهم في مشروع وطني مشترك؛ سورية الجامعة. فحين تُروى قصة الوطن السوري بصورة حقيقية، متوازنة وشاملة، يشعر الأفراد بأنهم جزء من هذا السرد، ما يُعزز انتماءهم ويُرسّخ أسس التماسك الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، يمكن تصور نموذج سردي تتجسد فيه الأدوار على النحو التالي:

الأبطال، فهم أولئك الذين وقفوا في وجه الطغيان دفاعًا عن الكرامة الإنسانية، بالموقف، والكلمة، والصورة، والشهادة. هم الصحفيون الذين وثّقوا الحقيقة في زمن التزوير، والنشطاء الذين خاطروا بحياتهم لكشف الجرائم، والأطباء الذين داووا الجرحى في الأقبية، والمعلمون الذين واصلوا تعليم الأطفال وسط الأنقاض وفي العراء، والنساء اللواتي صِرن “رب عائلة” في غياب الأزواج والأبناء. وأخيرا وليس آخرا أبطال العصائب الحمراء الذين حولوا أجسادهم إلى صواعق فجرت نظام صيدنايا.  الضحايا، هم قلب السرد وأساس الذاكرة، تبدأ قائمتهم بالمقتولين تحت التعذيب والمختفين قسرًا، والمدفونين في المقابر الجماعية، والمعتقلين الذين خرجوا من أقبية الموت أحياء بأجساد هزيلة وذاكرة مثقلة، ثم تمتد لتشمل ذويهم الذين عاشوا فواجع الانتظار والفقد، وكل من دمّر النظام البائد بيته أو اقتلعه من أرضه أو حرمه من حقه في الحياة الكريمة. إنهم الوجع السوري في تجلياته كلها، لا كأرقام في تقارير حقوقية، بل كبشر كانوا يشكلون نسيج المجتمع وحلمه المؤجل.

أما الأشرار، فهم منظومة الأسد المقلوع بكل وجوهها وأذرعها: من أمر بالقتل ونفّذه بالرصاص أو بالكلمة، إلى من شرعن الجريمة بالصوت والصورة والموقف. هم النظام البائد وأجهزته الأمنية والعسكرية، وحلفاؤه من روسيا وإيران وميليشيا حزب الله، وكل من استخدم الإعلام لتبرير القصف أو لتجميل وجه الاستبداد. كما يشمل هذا المعسكر كل من تواطأ بالصمت أو القبول من قوى دولية وإقليمية رأت في دم السوريين تفصيلًا ثانويًا في معادلاتها السياسية. الهدف من هذا التوزيع ليس الانتقام، بل فتح الطريق نحو مصالحة عادلة، تُبنى على سرد يُنصف الحقيقة ويُعزز التعافي الوطني. الهدف من هذا التوزيع ليس الثأر أو الانتقام، بل إعادة ترسيم الحدود الأخلاقية بين الجريمة والعدالة، وفتح الطريق نحو مصالحة عادلة تقوم على سرد يُنصف الحقيقة، ويعترف بالضحايا، ويحمّل المجرمين مسؤوليتهم التاريخية.

وفي هذه اللحظة الحساسة، التي تتهيأ فيها سورية لخوض مراحل العدالة الانتقالية – بعد صدور المرسوم الرئاسي بإنشاء الهيئة العامة للعدالة الانتقالية – نستحضر تقييم أستاذة القانون في جامعة بوسطن ليزا لابلانت (Lisa Laplante) ومفاده، أن “بناء ذاكرة جماعية موحدة يعدّ من أصعب التحديات، لأنه يأتي في سياق من الاستقطاب الحاد”. والإعلام، في هذه المرحلة، يتحمّل مسؤولية مضاعفة تتمثل في “تشجيع بناء التوافق حول الماضي”، وهو ما لم يفعله الإعلام السوري الحكومي حتى الساعة. إذ ينأى بنفسه عن اتخاذ خطوات متسقة ومستدامة لتشييد خطابي حول الضحايا.

إن العدالة الانتقالية، تتيح لنا فهما أعمق لدور الإعلام في صوغ السرديات الوطنية، و”إعادة تعريف من هو الضحية ومن هو الجلاد”. ووفق تعريف المركز الدولي للعدالة الانتقالية (ICTJ)، فإن “العدالة الانتقالية تُشيرُ إلى كيفية استجابة المجتمعات لإرث الانتهاكات الجسيمة والصّارخة لحقوق الإنسان، وهي تُعنى، أوّلًا، بالضحايا، قبلَ أي اعتبار آخر”.

يعجز ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان عن النسيان، ولذلك من واجب الدول ووسائل الإعلام، كمؤسسات حارسة للذاكرة الجمعية، أن تساهم في حفظ الذاكرة التاريخية لحقباتِ العنف والقمع، لا في أو تلافيها أو طمسها.

وما يجعل هذا الدور الإعلامي أكثر إلحاحا، هو أن العدالة الانتقالية ليست مجرد استجابة للماضي، بل أداة وقائية للمستقبل، إذ تضع خطة السياسة العالمية للسلام والتنمية والحكم الرشيد، الوقاية في مقدمة أولوياتها، وتُقرّ بقيمة “العدالة الانتقالية الوقائية”، التي لا تكتفي بمساعدة المجتمعات على تفادي تكرار الانتهاكات الجسيمة، بل تسعى أيضًا -وفق المركز- إلى التصدي لجذور العنف مثل الإقصاء، والهشاشة، وانعدام المساواة.

من هنا، فإن سردا إعلاميا غير منحاز للجلادين ومن أيّدهم، لا يُعَدّ فقط موقفا أخلاقيا وإنسانيا، بل مساهمة فعلية في بناء سلام مستدام. الخيار بيد أولي الأمر وبيدنا قرع الجرس.

العربي الجديد

————————–

العدالة الانتقالية في سوريا: خطوات متقدمة على طريق طويل

رأي القدس

تحديث 18 تشرين الثاني 2025

اللجنة الوطنية السورية للتحقيق في أحداث مأساوية دامية شهدتها محافظة السويداء، أواسط تموز/ يوليو الماضي، أعلنت جملة من النتائج التي خلصت إليها خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وقالت إنها ملتزمة بكشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات وضمان العدالة للضحايا والمتضررين.

وهذه خطوة أولى متقدمة على طريق طويل وشائك ومعقد، يفسر طلب اللجنة تمديد عملها ثلاثة أشهر أخرى، بالنظر أيضاً إلى أن مجموعات الشيخ حكمت الهجري والأطراف العسكرية المتشددة منعت اللجنة من دخول مدينة السويداء، وبالتالي حُجبت عن التحقيق وقائع كثيرة شهدت تورّط ميليشيات انفصالية درزية وأخرى تابعة لبعض العشائر، إلى جانب عناصر من الجيش النظامي وقوى أمنية وفصائل جهادية.

ومما له دلالة حقوقية إيجابية بدورها أن اللجنة تستند في ضبط الجرائم إلى قانون العقوبات السوري رقم 148 لعام 1949، والمادة 12 من الإعلان الدستوري، مع تطبيق قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الأربع، ومبادئ الضرورة والتمييز والإنسانية والنسبية، وأنها وضعت منهجية عملها بما ينسجم مع معايير الأمم المتحدة الخاصة بالتحقيق.

وجدير بالمراقبة والتثمين تأكيد اللجنة أن أعمالها تستهدف كشف ملابسات الأحداث وظروفها، والتحقيق الفعال في شكاوى الانتهاكات الجسيمة وتحديد هوية المشتبه بهم وإحالة قوائمهم إلى القضاء، على اختلاف المسؤوليات المباشرة وغير المباشرة. هذا إلى جانب ضمان عدم الإفلات من العقاب، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، وإصدار توصيات قانونية تضمن عدم تكرار أحداث مماثلة في مناطق أخرى من سوريا.

ولأن اللجنة تمتعت بصلاحيات واسعة ومفتوحة منحها الرئيس الانتقالي أحمد الشرع نفسه، فقد تمكنت من الاستماع إلى «قادة عسكريين من الصف الأول»، وبالتالي طلبت توقيف عناصر من الجيش والأمن ومدنيين مشتبه بارتكابهم انتهاكات محددة، وجرى التحقيق معهم بالفعل، وإحالة محاسبتهم إلى القضاء السوري المستقل.

وفي أواسط تشرين الأول/ أكتوبر الماضي صرح وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني بأن أحداث السويداء كانت فخاً وقعت فيه جميع الأطراف، الأمر الذي عنى أيضاً انسياق السلطات الانتقالية إلى الفخ ذاته عبر أطراف في الجيش والقوى الأمنية والفصائل الحليفة ومجموعات البدو. كما استوجب الحدود القصوى من تحمّل المسؤولية السياسية والقانونية والحقوقية والمحاسبة وضمان عدم الإفلات من العقاب.

وتلك السياقات سهّلت استغلال الوضع من جانب الفئات الدرزية المتشددة والانفصالية والخارجة عن القانون وجيوب فلول النظام البائد، ضمن مجموعات الهجري أو خارجها، وبالتالي منحت دولة الاحتلال الإسرائيلي ذريعة للتدخل العسكري المباشر وقصف العاصمة دمشق، كما بلغ حجم التدهور الوطني داخل مدينة السويداء ذروة مأساوية غير مسبوقة حين رُفع علم الاحتلال وأُطلقت تسمية توراتية على جبل العرب.

ولأن أولى نتائج التحقيق في أحداث السويداء تزامنت أيضاً مع بدء أولى جلسات المحاكمة العلنية للمتهمين بارتكاب انتهاكات الساحل السوري، وترافقت كذلك مع افتتاح يوم الحوار مع المجتمع المدني بحضور وزراء بارزين، فإن مسارات العدالة الانتقالية في سوريا تقطع خطوات متقدمة، حتى إذا كان الطريق إليها طويلاً وشاقاً.

القدس العربي

——————————————–

مسار العدالة الانتقالية… تأخير يفتّت ما تبقى من هوية وطنية/ ميشال شمّاس

18 نوفمبر 2025

عقوداً طويلة، لم يكن السوريون يعيشون في ظل دولة قانون، بل في ظل سلطة أمنية مطلقة أضعفت كل ما يمكن أن يشكل رابطاً وطنياً جامعاً. فقد حوّل نظام الأسد مؤسسات الدولة إلى أدوات بيد الأجهزة الأمنية، واستخدم القضاء واجهةً لإضفاء شرعية شكلية على حكمه. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، انفجرت هذه التناقضات دفعة واحدة. تصاعد القمع الوحشي للنظام ضد المحتجين مستخدماً الجيش سلاحاً طائفياً، والبراميل المتفجرة سلاحَ عقاب جماعي، والاعتقال التعسّفي سلاحاً سياسياً. في مواجهة ذلك، فقدت الهوية الوطنية الهشة ما تبقى لها من تماسك، وطفَت على السطح الهويات الفرعية بقوة غير مسبوقة. وبدلاً من أن تكون الدولة مظلة لجميع المواطنين، باتت طرفاً في الصراع، بينما تحولت الانتماءات الطائفية والعشائرية والمناطقية إلى ملاذ للناس في غياب أي شعور بالعدالة أو المساواة.

من هنا، يصبح الحديث عن الهوية الوطنية ليس ترفاً فكرياً أو شعاراً سياسياً، بل مسألة وجودية ترتبط مباشرة بثلاثة أعمدة: دولة قانون قوية، قضاء مستقل، وعدالة انتقالية شاملة. هذه الركائز وحدها قادرة على تحويل التنوع السوري من مصدر انقسام إلى رافعة لوطن جامع يحمي الحقوق ويكفل المساواة.

القانون هو الأداة التي تنظّم العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتضمن حقوق الأفراد والجماعات. لكن في سورية، غاب القانون بوصفه مؤسسة جامعة، وحلّت مكانه منظومة استثنائية قائمة على القمع. فمنذ استيلاء البعث على السلطة، فُرضت حالة الطوارئ، وأصبح الاعتقال التعسفي جزءاً من الحياة اليومية، بينما تحولت المحاكم الاستثنائية، مثل محكمة أمن الدولة العليا ومحكمة الميدان العسكرية، إلى أدوات لتصفية الخصوم والمعارضين.

ومع اندلاع الثورة، ازداد الفراغ القانوني خطورة. حيث استخدم نظام الأسد قوانينه الاستثنائية لتبرير القمع، بينما عجزت قوى المعارضة عن بناء مؤسسات قضائية بديلة مستقرة. ظهرت محاكم شرعية في بعض المناطق، وأخرى تابعة لفصائل مسلحة،  وأيضاً في شمال شرق سورية، ولكل منها قوانينها وإجراءاتها الخاصة. هذا التعدد لم يخلق بديلاً وطنياً، بل رسّخ الانقسامات، إذ وجد المواطن نفسه أمام سلطات متنازعة لا تجمعها مرجعية وطنية موحدة.

النتيجة أن السوريين لم يعودوا يرون في القانون مظلة مشتركة تحميهم، بل أداة بيد القوى المسيطرة. هنا تفكك الانتماء الوطني، لأن المواطن لم يعد يعتبر نفسه جزءاً من دولة قادرة على حماية كرامته، بل تابعاً لجماعة أو منطقة توفر له قدراً من الأمان في مواجهة الفوضى.

القانون بلا قضاء مستقل يفقد قيمته، والقضاء في سورية كان منذ عقود تابعاً للسلطة التنفيذية. فقد خضع القضاة للتعيين والإقصاء بناء على الولاء السياسي، وكانت الأجهزة الأمنية تتدخل مباشرة في مجريات المحاكمات. وهكذا تحوّل القضاء إلى ذراع للسلطة، لا مؤسّسة عدل.

ورثت المناطق الخارجة عن سيطرة النظام هذه الأزمة، فظهرت محاكم محلية تعكس موازين القوى أكثر مما تعكس العدالة. بعض المحاكم خضعت لتيارات إسلامية متشددة، وأخرى لقوى ومليشيات مسلحة، ما جعلها أدوات لضبط السكان وليس لإحقاق الحق.

يقتضي بناء هوية وطنية جامعة وجود قضاء مستقل ونزيه يرسخ الثقة بين المواطن والدولة. فحين يشعر الفرد بأن حقه مضمون وأن القانون يطبق بعدالة على الجميع، يصبح انتماؤه للوطن خياراً عقلانياً. أما حين يفتقد هذه الثقة، فإنه يعود إلى الاحتماء بالجماعة أو الطائفة. لهذا فإن إصلاح القضاء وإبعاده عن التطييف والتسييس ليس قضية مهنية فحسب، بل هو شرط سياسي لبقاء سورية دولة واحدة.

إذا كان غياب القانون والقضاء المستقل قد فجّر الانقسام، فإن غياب العدالة الانتقالية يهدد بمنع أي إمكانية للتعافي، فالجرائم التي ارتُكبت في سورية منذ 2011 فاقت الوصف، “مجازر جماعية، قصف عشوائي، استخدام الأسلحة الكيماوية، تعذيب ممنهج في السجون، وتهجير قسري لملايين السوريين”. هذه الانتهاكات لم تطاول طرفاً واحداً، لكنها ارتُكبت على نطاق واسع وبنَفَس طائفي وسياسي، ما جعلها قنابل موقوتة في قلب المجتمع.

العدالة الانتقالية هنا ليست خياراً نظرياً، بل ضرورة عملية. فهي تعني كشف الحقيقة عن الانتهاكات، محاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، تعويض الضحايا، ووضع ضمانات تمنع التكرار. التجاهل أو التسويات السطحية لا يمكن أن تبني وطناً، بل تؤسس لجولات جديدة من العنف.

تأجيل العدالة يفتح الباب أمام ثقافة الإفلات من العقاب، ويعمّق شعور الضحايا بالتهميش. وهذا يعني أن الهويات الفرعية ستظل أقوى من أي انتماء وطني، لأن الفرد سيجد في طائفته أو جماعته ملاذاً لحمايته حين يعجز القانون عن إنصافه.

التجارب الدولية تقدّم دروساً واضحة. ففي جنوب أفريقيا، لم يكن ممكناً تجاوز إرث الفصل العنصري من دون لجنة الحقيقة والمصالحة. وفي رواندا، بعد الإبادة الجماعية، جرى الجمع بين المحاكم الدولية والمحاكم المحلية التقليدية (الغاشاكا)، ما أتاح محاسبة عشرات الآلاف من الجناة وتعويض الضحايا وإعادة بناء النسيج المجتمعي.

والحالة السورية أعقد من الحالات التي سبقتها بسبب تشابك البعد الطائفي مع التدخلات الإقليمية والدولية، لكن الدرس واحد، لا مصالحة وطنية بلا عدالة، ولا هوية جامعة بلا مواجهة الماضي.

لقد أثبتت التجربة السورية أن تغييب القانون وتسييس القضاء وتجاهل العدالة الانتقالية هي الأسباب الجوهرية لتفكك الهوية الوطنية. النظام استخدم الطائفية أداة سياسية، والمعارضة فشلت في إنتاج بديل جامع، فبقي المجتمع رهينة ولاءات فرعية متناحرة. وإن إعادة بناء الهوية الوطنية اليوم ليست مهمة خطابية، بل مشروع سياسي وقانوني متكامل.

العربي الجديد

—————————–

مذكرة تفاهم بين سوريا و“ICMP” لتعزيز التعاون في ملف المفقودين

2025.11.18

شهدت مدينة لاهاي الهولندية، أمس الاثنين، توقيع مذكرة تفاهم رسمية بين الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا واللجنة الدولية لشؤون المفقودين (ICMP).

وتهدف المذكرة إلى تعزيز التعاون الفني والمهني في ملف المفقودين داخل البلاد، ضمن إطار مؤسسي يحترم السيادة الوطنية ويضمن معايير العدالة والشفافية وحماية البيانات.

وأكّدت المذكرة، التزام الطرفين بتبادل الخبرات وتطوير القدرات الوطنية في مجالات التحقيقات الجنائية، إدارة قواعد البيانات، الطب الشرعي، والتحليل الجيني، بالإضافة إلى دعم برامج التواصل مع عائلات المفقودين وتمكينهم من معرفة حقوقهم.

وتشمل مجالات التعاون تدريب كوادر الهيئة الوطنية على أساليب البحث والتحقيق وتحديد الهوية وفق أفضل الممارسات الدولية، دعم إنشاء قاعدة بيانات وطنية مركزية للمفقودين مع إتاحة النفاذ الآمن لبيانات (ICMP)، وتمكين الخبراء السوريين من الاستفادة من خبراتها المتقدمة في التحليل الجنائي والحمض النووي.

كذلك، تتضمن مذكرة التفاهم، تنظيم ورش عمل مشتركة لتعزيز مشاركة أسر المفقودين، وتسهيل التعاون الإقليمي والدولي في قضايا المهاجرين المفقودين والرفات مجهولة الهوية.

وترى الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا، أن توقيع المذكرة يشكّل خطوة رئيسية نحو تطوير بيئة وطنية تقوم على المعايير الدولية لتحديد مصير المفقودين، وتعزيز مبدأ المساءلة، وترسيخ التعاون مع الشركاء الدوليين المختصين.

وأكّدت الهيئة على استمرار عملها الدؤوب لكشف مصير جميع المفقودين، وتخفيف معاناة الأسر، وتعزيز ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية المختصة بهذا الملف الإنساني الحساس.

وكانت الهيئة الوطنية للمفقودين قد أعلنت، مطلع شهر تشرين الثاني الجاري، توقيع إعلان مبادئ للتعاون المشترك مع ثلاث منظمات: اللجنة الدولية لشؤون المفقودين، اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمؤسسة المستقلة للمفقودين في سوريا.

اقرأ أيضاً

————————–

عذبوا ابني أمامي”.. شهادات مروعة لسوريات عن التعذيب والانتهاكات في سجون نظام الأسد

أغلبية ذوي المواطنتين هدى وصباح الهرموش تعرَّضوا للتعذيب خلال استجوابهم بالجلد والضرب المبرح

كشف تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن روايات لنساء سوريات، يكشفن فيها المعاناة التي تعرَّضن لها في سجون نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد.

وقالت الصحيفة إن اعتقال نساء وأبناء المعارضين كان من أشهر الوسائل التي كان يستخدمها نظام الأسد للوصول إلى هؤلاء المعارضين واعتقالهم، مشيرة إلى أن الاعتقالات كانت تُنفَّذ بطرق عشوائية، إذ كان يكفي أن تكون المرأة لها صلة بأحد معارضي النظام كي تتعرض للاعتقال والتعذيب.

وأوردت الصحيفة شهادات لعدد من النساء اللاتي اعتُقلن سابقا في سجون النظام، كشفن فيها عن تعرُّضهن لتعذيب مروع بأيدي سلطات السجون السورية.

كوثر تميم

روت السورية كوثر تميم، وهي زوجة أحد معارضي النظام السوري، قصة اعتقالها عام 2014 من نقطة تفتيش قرب العاصمة دمشق مع اثنين من أبنائها اللذين كانا يبلغان من العمر عامين و14 عاما في ذلك الوقت، حيث كان زوجها مطلوبا من قِبل النظام في ذلك الوقت.

وقالت كوثر إن قوات الأمن اعتقلتها هي وطفليها، واقتادوهم إلى سجن صيدنايا الذي يُعَد من أبشع سجون نظام بشار الأسد.

وقالت كوثر تميم إن الضباط أخذوها في يومها الأول للاستجواب لمعرفة مكان زوجها، وعندما رفضت الإدلاء بأي معلومات “ضُربت حتى تدفق الدم من فمها” بحسب روايتها للصحيفة.

وأفادت بأنها رأت مجموعة مروعة من أدوات التعذيب مثل كرسي كهربائي وسلاسل معلَّقة، وقد هُددت باستخدام هذه الأدوات معها إن لم تقدّم المعلومات المطلوبة منها.

وأضافت كوثر أن السجانين في اليوم التالي اتهموها بتهريب الأسلحة وضربوها حتى فقدت الوعي، ثم تعرضت للجلد، وبعدها أجبروها على مشاهدة ابنها براء، الذي كان يبلغ 14 عاما، وهو يُعذَّب بالأداة نفسها حتى فقد الوعي.

وتحت التعذيب المروع وافقت كوثر على أن تقول كل ما تعرفه فتوقف التعذيب، لكنها ظلت معتقلة في سجن الخطيب التابع للمخابرات العسكرية مدة 6 أشهر، وفُرّق أطفالها عنها، فوُضع أصغرهم في دار للأيتام، وأُرسل ابنها الأكبر براء إلى سجن الرجال.

صباح الهرموش

صباح الهرموش (37 عاما) كشفت أيضا للصحيفة ما تعرضت له في سجن المزة بدمشق بعد اعتقالها في شهر مارس/آذار من العام الماضي، بسبب صلة إخوتها وزوجها بقوات المعارضة السورية المسلحة.

وقالت صباح الهرموش إنها اعتُقلت مع اثنين من أطفالها عمرهما 4 و13 عاما، ومع أم زوجها هدى العجمي، التي كانت تبلغ 57 عاما وكانت في فترة النقاهة من عملية جراحية صعبة.

وقالت صباح الهرموش لنيويورك تايمز إن جميع أفراد العائلة تعرَّضوا للتعذيب خلال استجوابهم بالجلد والضرب المبرح، وهو ما أدى إلى إصابة حماتها هدى بنوبة قلبية نُقلت على إثرها إلى مستشفى ثم إلى سجن آخر مع زوجة ابنها.

وأوضحت صباح أن حماتها أُفرج عنها بعد 4 أشهر، في حين عادت صباح إلى سجن المزة قبل الإفراج عنها لاحقا بعد سقوط نظام الأسد نهاية العام الماضي، حيث تمكنت من لقاء أولادها مجددا.

إيمان الدياب

إيمان الدياب (40 عاما) معتقلة سابقة قالت لنيويورك تايمز إنها اعتُقلت عام 2014 مدة عامين في سجن الخطيب بسبب معارضتها لنظام الأسد، وانضمام زوجها إلى مجموعات المعارضة المسلحة، بعد انشقاقه عن جيش النظام، وهو ما أدى إلى اعتقاله أيضا.

وقالت إيمان للصحيفة إنها قُيدت وعُذبت بالصعق الكهربائي، وإنها ما زالت تتألم كلما تذكرت ما تعرضت له من تعذيب ومعاناة.

وأوضحت أنها وُضعت في السجن في زنزانة ضيقة مع أكثر من 20 امرأة أخرى، حتى أنهن كُن يتناوبن الوقوف والجلوس بسبب ضيق المساحة.

وأضافت أن النوم كان مهربهن الوحيد “كنا ننام كي نرى أطفالنا في أحلامنا”.

المصدر: الجزيرة مباشر

————————-

 “رايتس ووتش” تدعو إلى خارطة طريق شاملة لتحقيق العدالة والمساءلة في سوريا

2025.11.17

أصدرت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، اليوم الإثنين، تقريراً يتضمّن توصيات حول الخطوات اللازمة لتحقيق العدالة الشاملة في سوريا.

وقد شمل التقرير جملةً من التوصيات الأساسية الموجّهة إلى السلطات في سوريا وشركائها الدوليين وجميع الدول، أبرزها:

     إعطاء أولوية للعدالة الشاملة: دعم مسارات عدالة مستقلة ومنصفة للضحايا والناجين من الجرائم الدولية المرتكبة خلال النزاع، بغضّ النظر عن هوية الجناة، وذلك من خلال إشراك الضحايا والناجين والمجتمع المدني والخبراء في تصميم آليات المساءلة المحلية والدولية وتنفيذها.

    تعزيز التعاون مع آليات العدالة الدولية القائمة: ضمان تعاون فعّال ومتبادل بين السلطات السورية والهيئات الدولية المعنية، بما في ذلك أجهزة الأمم المتحدة، والآلية الدولية المحايدة والمستقلة، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة، ومحكمة العدل الدولية، ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية وفريق التحقيق وتحديد الهوية التابع لها، إضافة إلى السلطات الوطنية في الدول التي تنظر في قضايا مرتبطة بسوريا ضمن إطار الولاية القضائية العالمية أو غيرها من أشكال الولاية العابرة للحدود.

     إجراء إصلاحات تشريعية والانضمام للمحكمة الجنائية الدولية: العمل على إصلاحات قانونية شاملة وفي الوقت المناسب، تشمل تطوير نظام الاحتجاز ودعم ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية، بالتزامن مع انضمام سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية ومنحها اختصاصاً يشمل الجرائم الماضية.

    بناء إرادة سياسية وشراكات داعمة للعدالة: دعوة الدول الداعمة للآليات الدولية الخاصة بسوريا، ومنها الآلية الدولية المحايدة والمستقلة والمؤسسة المستقلة للمفقودين، لعقد اجتماعات دورية ووضع خيارات عملية لتحقيق العدالة، والتنسيق مع السلطات السورية والمجتمع المدني والأمم المتحدة والجهات المعنية.

سياق ما بعد سقوط نظام المخلوع والالتزامات القانونية:

وأكّدت المنظمة أن سقوط نظام المخلوع بشار الأسد ونهاية أكثر من ستة عقود من حكم “حزب البعث”، يوفران فرصة غير مسبوقة لإنهاء عقود من الإفلات من العقاب على الجرائم الجسيمة.

وأشارت إلى أن بناء مستقبل يحترم حقوق الإنسان يتطلّب معالجة شاملة لانتهاكات جميع الأطراف خلال 14 عام من الثورة السورية، وهي مطالب ظلّ السوريون يعبّرون عنها داخل البلاد وخارجها، قبل وبعد سقوط النظام.

وشدّدت “هيومن رايتس ووتش” على التزام السلطات الجديدة، بموجب القانون الدولي، بالتحقيق مع المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة ومساءلتهم بحق الشعب السوري، مؤكدةً أن تحقيق العدالة عنصر أساسي لحماية حقوق الضحايا والناجين وعائلاتهم، وركيزة مهمة لاستقرار الدول الخارجة من النزاعات وإنهاء دوامات العنف الناتجة عن الإفلات من العقاب.

“خطوات السلطات السورية نحو المساءلة والتحديات أمام العدالة المحلية”

وأشارت إلى أن السلطات السورية أعلنت نيتها المضيّ قدماً في مسار المساءلة، وإن كان حالياً يقتصر على الجرائم التي ارتكبها النظام المخلوع، مع تضمين مفهوم العدالة الانتقالية في الإعلان الدستوري وإنشاء لجنتين محليتين معنيتين بالانتهاكات.

كذلك، رحّبت بالقضية التي رفعتها هولندا وكندا أمام محكمة العدل الدولية ضد “الأسد” على خلفية انتهاك اتفاقية مناهضة التعذيب، مؤكدةً أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، تحتاج إلى إجراءات عملية تعزّز العدالة لجميع الضحايا.

وأوضحت أن المسؤولية الأساسية في تحقيق العدالة تقع على عاتق السلطات الوطنية، وأن المحاكمات المحلية يمكن أن تشكّل نقطة تحوّل في كشف حقائق الجرائم ومحاسبة مرتكبيها، نظراً لتأثيرها المباشر على المجتمعات المتضررة.

لكنّها حذّرت من أن ضعف الإمكانات أو غياب الإرادة السياسية قد يعوقان هذه الملاحقات، مؤكدةً أهمية توجيه السياسات المستقبلية وفق تقييم واقعي لإمكانات تحقيق عدالة مستقلة ونزيهة.

الاستفادة من تجارب العدالة الدولية ودور المجتمع المدني

وبيّنت “هيومن رايتس ووتش” أن تجارب العدالة الدولية تُظهر تنوّعاً كبيراً في تصميم آليات المساءلة فيما يتعلق بالولاية والاختصاص والتكوين والعلاقة بين الأنظمة الدولية والمحلية والتمويل، وأنه لا يوجد نموذج واحد يناسب جميع الحالات.

ومع ذلك، يمكن للدروس المستفادة من سياقات أخرى في العالم، بما فيها من بلدان بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن تقدّم رؤى مهمة حول التحديات والخيارات المناسبة للسياق السوري.

ورغم صعوبة المرحلة المقبلة، أكدت المنظمة أن منظمات المجتمع المدني السورية والدولية، بدعم عدد من الدول والهيئات الدولية، أسست قاعدة متينة يمكن البناء عليها لتحقيق المساءلة. ويستند التقرير إلى سنوات من توثيق هيومن رايتس ووتش للانتهاكات في سوريا، إضافة إلى مقابلات أُجريت، بين يناير/كانون الثاني وأغسطس/آب 2025، مع ممثلين عن المجتمع المدني ومجموعات الضحايا.

وتوضح المذكرة أن تحقيق العدالة الشاملة بقيادة سورية يتطلب التزاماً سياسياً طويل الأمد، وأن التركيز الحالي ينصبّ على المساءلة الجنائية الفردية عبر محاكمات مستقلة وعادلة، وهو أحد عناصر العدالة الانتقالية التي تشمل أيضاً الحقيقة، جبر الضرر، حفظ الذاكرة، ضمان عدم تكرار الانتهاكات، مشدّدةً على ضرورة إنشاء مؤسسات جديدة تلبّي احتياجات الضحايا، بما في ذلك معالجة آثار الجرائم المستمرة مثل الاختفاء القسري.

في الختام، يشدّد التقرير على أن أي جهود لتحقيق العدالة، سواء الجنائية أو الانتقالية، ينبغي أن تُنفّذ ضمن إطار إصلاحات أوسع في سيادة القانون، لضمان بناء سوريا المستقبل على أسس راسخة تراعي حقوق الإنسان، وأن تُدار الملاحقات القضائية للجرائم الدولية الجسيمة بما يتوافق مع المعايير الدولية.

تلفزيون سوريا

——————————-

 العدالة الانتقالية الثقافية في سوريا.. حين يواجه الكاتب ماضيه/ ميشال شماس

2025.11.17

حين تخرج أمة من ركام الاستبداد، لا يكون أوّل امتحانها في السياسة أو الاقتصاد، بل في قدرتها على مواجهة نفسها، فالمجتمعات لا تتعافى بمرسوم، بل بمراجعةٍ شجاعة لتاريخها، ومحاسبةٍ عادلة لضميرها.

من هنا تكتسب مبادرة رئيس اتحاد الكتّاب العرب في سوريا، أحمد جاسم الحسين، أهميتها الخاصة، إذ لا تكتفي بطرح فكرة إصلاح مؤسسي، بل تفتح الباب أمام مفهوم جديد: العدالة الانتقالية الثقافية.

في مقالته المنشورة على تلفزيون سوريا بعنوان “نحو برنامج للعدالة الانتقالية في اتحاد الكتّاب في سوريا”، يقدّم أحمد جاسيم الحسين رئيس اتحاد الكتاب العرب في سوريا رؤية تأسيسية جريئة تحاول أن تترجم مبادئ العدالة الانتقالية إلى المجال الثقافي، وأن تواجه أخطاء الماضي داخل الاتحاد نفسه، حيث ارتُكبت انتهاكات أخلاقية ومهنية خلال سنوات القمع الطويلة.

ما يميّز هذا الطرح أنه لا ينزلق إلى منطق الثأر، بل يدعو إلى الاعتراف والمراجعة وجبر الضرر، في مسارٍ يعيد للكاتب السوري مكانته بوصفه ضميراً لا تابعاً، وصوتاً للمجتمع لا صدى للسلطة.

لماذا العدالة الانتقالية الثقافية؟

لأن الكاتب ليس مجرد شخص يدوّن، بل هو صانع للمعنى، ومهندس للذاكرة، ومنحاز بحكم المهنة إلى الحقيقة، فحين يتحوّل الكاتب إلى أداة في يد السلطة، أو إلى شاهد زور على آلام الناس، فإن الضرر لا يصيب شخصه وحده، بل يصيب صورة الثقافة نفسها ويهزّ ثقة المجتمع في الكلمة.

لقد فُصل عدد من الكتّاب من عضوية الاتحاد لمجرد وقوفهم إلى جانب الثورة، في حين مُنح آخرون امتيازات لأنهم مجّدوا القتلة وبرروا المجازر، بعضهم كتب تقارير أمنية، أو ألّف كتباً تمجّد رأس النظام، أو حرّض على العنف باسم “الكرامة الوطنية”، هؤلاء لم يسيئوا إلى زملائهم فحسب، بل إلى المعنى الأخلاقي للكتابة في وجدان السوريين.

إنّ العدالة الانتقالية الثقافية هي استعادة لتوازنٍ رمزي انهار منذ زمن، ومحاولة لإعادة تعريف علاقة الكاتب بالسلطة والناس، وتأكيد أن الحرية مسؤولية لا شعار، وأن القلم لا يُباع ولا يُستعار.

ما المقصود بالعدالة الانتقالية الثقافية؟

هي مجموعة من الإجراءات الأخلاقية والمؤسسية التي تهدف إلى معالجة الانتهاكات داخل الحقل الثقافي خلال حقبة الاستبداد وما بعدها، عبر الاعتراف، والمساءلة، وجبر الضرر، والإصلاح.

لكنّها تختلف عن العدالة الانتقالية السياسية في جوهرها؛ فبينما تسعى الثانية إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، تسعى الأولى إلى إعادة بناء الوعي نفسه، إنّها البنية الرمزية للعدالة، لأنّها تهيئ المجتمع لتقبّل المحاسبة من دون خوف، والمصالحة من دون نسيان. القوانين يمكن أن تُفرض وتُطبق بيد القضاة وتنفذ من قبل المؤسسة الشرطية المكلفة بإنفاذ القانون، لكن الوعي لا يُفرض، والكتّاب هم من يصوغونه، لهذا، فإن إصلاح اتحاد الكتّاب العرب ليس مجرد خطوة إدارية، بل خطوة نحو إصلاح الذاكرة السورية.

وقبل أن نحدّد ما يجب على اتحاد الكتّاب العرب القيام به، يجدر بنا أن نستأنس بتجارب الشعوب التي سبقتنا في مواجهة مآسٍ شبيهة بمأساتنا، إذ عرفت دول كثيرة أشكالاً متنوّعة من العدالة الانتقالية الثقافية، اختلفت في الوسائل لكنها التقت في الجوهر.

في جنوب إفريقيا، أُنشئت لجنة الحقيقة والمصالحة، وفتحت المجال أمام كل من ارتكب انتهاكات أو دعمها للاعتراف العلني مقابل العفو، الكتّاب الذين مجّدوا النظام العنصري لم يُعاقبوا قضائياً غالباً، لكنهم واجهوا عزلاً أدبياً ومجتمعياً، ومنع بعضهم من اعتلاء المنابر الثقافية، في حين كتب آخرون اعتذارات علنية أو شاركوا في مشاريع توثيقية لإعادة الاعتبار للضحايا.

في المغرب، لم تُفرض عقوبات مباشرة على الكتّاب الذين كتبوا لصالح السلطة خلال سنوات الرصاص، لكنهم واجهوا إعادة تقييم أخلاقي من قبل المجتمع الثقافي، بعضهم شارك لاحقاً في جلسات استماع أو كتب شهادات نقدية، من دون أن يُقصى نهائياً.

أمّا في ألمانيا، فقد خضع الكتّاب الذين دعّموا النازية لعملية “اجتثاث ثقافي”، تم فيها منعهم من النشر مؤقتاً، وسُحبت كتبهم من التداول، وفي ألمانيا الشرقية، كشفت ملفات الكتّاب المتعاونين مع جهاز “شتازي”، مما أدى إلى فقدان الثقة المجتمعية بهم، من دون أن تُفرض عليهم عقوبات جنائية مباشرة.

وفي رواندا، بعد الإبادة الجماعية، خضع الإعلاميون والكتّاب الذين حرّضوا على الكراهية لمحاكمات جنائية، خاصة من تورّطوا في إذاعة “ميل كولين”، وتم إنشاء برامج لإعادة تأهيل بعض الكتّاب، ودمجهم في مشاريع توثيقية ومصالحة.

القاسم المشترك في كل تلك التجارب هو السعي إلى العدالة من دون انتقام، والمساءلة من دون إذلال، والاعتراف بوصفه شرطاً أخلاقياً لأي عودة إلى الحياة العامة، ويمكن لاتحاد الكتّاب العرب في سوريا أن يستفيد من هذه التجارب ليبني مساراً خاصاً به، يبدأ بالاعتراف وينتهي بالإصلاح، عبر ثلاث مراحل واضحة:

أولاً- مرحلة الاعتراف والمراجعة:

إصدار إعلان رسمي يفتح باب الاعتذار والمراجعة الذاتية ضمن مهلة زمنية محددة، وتشكيل لجنة مستقلة تستقبل شهادات الأعضاء وتوثّقها. يُمنح من يقرّ بخطئه فرصة لإعادة الاندماج وفق شروط أخلاقية.

ثانياً- مرحلة جبر الضرر وإعادة الاعتبار:

– ردّ الاعتبار للكتّاب الذين فُصلوا لأسباب سياسية أو أخلاقية زائفة.

– تكليف من ارتكبوا إساءات بالمشاركة في نشاطات توثيقية أو كتابة نصوص اعتذارية.

– تقديم خدمات ثقافية أو مجتمعية تعويضية ضمن إطار “جبر الضرر الرمزي”.

ثالثاً- مرحلة الإصلاح المؤسسي والتشريعي:

– تعديل النظام الداخلي للاتحاد وإلغاء المواد التمييزية أو السلطوية.

– سنّ “ميثاق شرف أدبي” يحدّد العلاقة بين الكاتب والسلطة والمجتمع.

– ضمان الشفافية في منح الجوائز والترشيحات، بعيداً عن الولاءات السياسية.

من خلال تلك الخطوات يتحوّل الاتحاد من مؤسسة شكلية إلى مختبر وطني صغير للعدالة، يقدّم نموذجاً يمكن أن يُحتذى في مؤسسات سورية أخرى.

    جيل الكتّاب الشباب اليوم، الذي لم يولد داخل مؤسسات الخوف، يملك فرصة لتأسيس ثقافة جديدة، قوامها الحرية والضمير..

إن الكاتب السوري الذي عاش بين رقابة الدولة وخوف المجتمع يحتاج إلى مصالحة مع ذاته قبل أي مصالحة مع الآخرين، فاستعادة صورة الكاتب تتم عبر مواجهته لماضيه، والاعتراف بدوره في ترسيخ الصمت أو التواطؤ.

جيل الكتّاب الشباب اليوم، الذي لم يولد داخل مؤسسات الخوف، يملك فرصة لتأسيس ثقافة جديدة، قوامها الحرية والضمير، فالعدالة الانتقالية الثقافية هي الجسر الذي يربط تجربته الحرة بتاريخ ملوّث، لتبدأ الكتابة من جديد على أرض نظيفة.

هذه ليست دعوة للانتقام، بل للوفاء، ليست دعوة للعزل بل للشفاء، فالمجتمع الذي لا يواجه ماضيه يظل أسيراً له، والاتحاد الذي لا يراجع نفسه يفقد شرعيته، أما الكاتب الذي لا يعترف بخطئه فلا يكتب بل يراوغ.

قد تكون العدالة الانتقالية الثقافية بداية أول سطر في كتاب سوريا الجديدة، حيث لا يُكتب الحبر بالخوف، ولا يُمحى الضمير برغبة في النسيان، بل تُكتب الحقيقة كما هي: مؤلمة، ضرورية، محرِّرة.

————————————————-

جلسات علنية.. بدء محاكمة مرتكبي الانتهاكات بأحداث الساحل السوري

2025.11.17

أعلنت اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث الساحل السوري، أن أولى الجلسات العلنية لمحاكمة المتهمين بارتكاب الانتهاكات في الساحل، ستبدأ اليوم الاثنين.

وقال رئيس اللجنة الوطنية للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل القاضي جمعة العنزي، في منشور عبر منصة إكس، مساء أمس الأحد:”غداً صباحاً (الإثنين) تبدأ أولى جلسات المحاكمات العلنية للمتهمين بارتكاب الانتهاكات بأحداث ‌الساحل السوري”.

وأضاف العنزي في منشوره: “ستكون المحاكمات مفتوحة أمام وسائل الإعلام المحلي والدولي”.

وتابع: “جهد عظيم بذلته وزارات العدل والداخلية والدفاع – السورية والمؤسسة القضائية والضابطة العدلية للوصول إلى هذه النتيجة ونحن ندرك ضخامة وتعقيد الملف وما يتطلبه من دقة وتمحيص في الإسناد القانوني والتجريم والملاحقة والقبض وما إلى ذلك من تفاصيل”.

وختم العنزي منشوره بالقول: “أمر بالغ الأهمية لذوي الضحايا وكل مهتم بمسار العدالة والإنصاف، ويعنينا بالذات نحن (اللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل السوري) إذ نشاهد مخرجات اللجنة تطبق فعلاً على الأرض لنثبت للسوريين أولاً؛ ثم للمجتمع الدولي المتمدن أننا نعيش في دولة تراعي العدالة وتطبق القانون”.

من جانب آخر، أفادت مصادر خاصة لـ تلفزيون سوريا، بأن قصر العدل في حلب سيشهد أول محاكمة علنية لمرتكبي الجرائم إبان حكم نظام الأسد المخلوع، لافتاً إلى أن المحكمة ستنظر أيضاً بقضايا المتهمين بارتكاب جرائم في أحداث الساحل.

إحالة مرتكبي انتهاكات السويداء إلى القضاء

وفي وقت سابق من أمس الأحد، أعلنت اللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء عن توقيف عدد من الأفراد العاملين في وزارتي الدفاع والداخلية، بعد ثبوت ارتكابهم “مخالفات” خلال الأحداث الأخيرة التي شهدتها المحافظة، وإحالتهم إلى القضاء المختص لاستكمال الإجراءات القانونية اللازمة.

جاء هذا الإعلان خلال المؤتمر الصحفي الذي عقدته اللجنة في مقر وزارة الإعلام بدمشق، للحديث عن النتائج التي توصلت إليها والحقائق المتعلقة بالأحداث الدامية التي شهدتها المحافظة خلال تموز 2025، وما رافقها من انتهاكات وخطاب كراهية وأعمال تهجير، بحسب ما ذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا).

وقال رئيس اللجنة، القاضي حاتم النعسان، إن اللجنة لم تتعرض لأي ضغط أو تعليمات من أي جهة كانت في الدولة السورية، وأبدت وزارتا الدفاع والداخلية تعاوناً كبيراً مع اللجنة في أثناء عملها.

وأشار إلى أن وزير الدفاع السوري، مرهف أبو قصرة، أمر بتوقيف كل من دخل مدينة السويداء من دون أوامر عسكرية.

وذكر النعسان أن ما شهدته محافظة السويداء من أحداث مؤسفة طالت الأرواح والممتلكات العامة والخاصة، وما تخللها من تهجير قسري وما سبقها وما تبعها من خطاب كراهية، يمثّل انتهاكات جسيمة لا يمكن التعامل معها بمعالجات شكلية أو سياسية، بل من خلال تحقيق فعّال يستوفي المعايير القانونية الواجبة.

———————————–

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى