سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

زيارة “تجريبيّة” إلى دمشق… فنادق للسوريين فقط/ محمود الريماوي

21 أكتوبر 2025

سألني موظف الجوازات السوري، في معبر نصيب على الحدود مع الأردن، بشيءٍ من الاستغراب، إن كانت هذه زيارتي الأولى إلى سورية، فأجبته: تقريباً. أوضحتُ للموظف أن آخر زيارة لي جرت في العام 1971، ما يجعلني  أزور البلد لأول مرة منذ نصف قرن ونيّف. لم يعبأ الموظف الشاب بما قلت، وأفسحتُ مكاني للرجل الواقف خلفي، وخرجتُ من طابور النساء! فقد كان تصميم المعبر كريماً مع الأردنيين، إذ خُصّصت نافذة لهم، لكنها خلت صبيحة الجمعة، 4 أكتوبر/ تشرين الأول، من أي موظف، فطُلب منا الوقوف في طابور “القادمون نساء”، ولبّينا الطلب غير هيّابين. ومن باب التفاؤل، عقّبت  لمسافرين بجواري، كانوا يتضاحكون على الموقف، بأن في الأمر نيّة على تشجيع الاختلاط، علما أننا صادفنا نافذتين متجاورتين  لـ”القادمون نساء”، إحداهما وقفت المسافرات أمامها،  والثانية وقفنا  أمامها، نحن معشر الرجال،  لا نلوي على شيء. … إذن، تملي ضرورات الحياة (دعك مؤقتاً من الأفكار) أن يتبادل الجنسان المواقع هنا وهناك، وأن يشغلا الموقع نفسه، كما حدث مع المسافرين من عمّان إلى دمشق، أو يتناوبان عليها مع غض النظر عن الجنس/ الجندر، إذ يستحيل الفصل الإسمنتي بين الجنسين،  علاوة على أنه مخالفٌ للفطرة وللاجتماع المديني.

لا أودّ إخفاء مفاجأتي، فالنقطة الحدودية فسيحة ونظيفة ولامعة، والموظفون لطفاء، وحتى على شيء من الخجل، وسريعو الإنجاز، غير أني تعاملت مع المفاجأة بواقعية، فقد سمعتُ أنباءً مثل هذه عن الفصل بين الجنسين في المواصلات العامة (الحافلات)، ولا أعلم إن نجح هذا الفصل أم لا(أتمنّى أن يفشل..)، وهل كان قراراً أم اجتهاداً ما لأحد المسؤولين. وبمتابعتي الأخبار  السورية، لا تبرز مشكلة قائمة بذاتها تتعلق بالفصل بين الجنسين،  بينما تتقدّم القضايا المعيشية وتوفير التيار الكهربائي والتطلّع إلى دولة عادلة، لا تظلم أحداً وتُنصف الجميع، وتعمل على استتباب الأمن بغير عسف، وتُنجي البلاد من الانزلاق إلى التقسيم. وهو ما لاحظته في العاصمة، فالمقاهي والمطاعم تزخر بزبائنها من الرجال والنساء جنباً إلى جنب. والأهم من ذلك، وبما يتعدّى اختيار الناس ملابسهم، لا تخفى مشاعر الراحة والانشراح على  مُحيّا النساء (من الطبقة العريضة  الوسطى)، محجّباتٍ بمكياج ظاهر أو سافرات، وهو دليلٌ من الحياة اليومية على أن النساء لا يستشعرن تمييزاً طارئاً ضدهن، باستثناء ذلك التاريخي المتراكم.

تبلغ الطريق من نصيب إلى العاصمة دمشق زهاء مائة كيلومتر، وهي تشهد على ما عاشه البلد من ضنك عقوداً، وحيث يمتزج التصحّر الطبيعي بالتصحّر الذي ارتكبه بشرٌ ضد بيئتهم ومظاهر الحياة ومواردها، فالأمكنة تنطق بأن حياةً غابرةً كانت هناك، وأن الناس سبق أن استخدموا  سياراتٍ خاصة، باتت الآن هياكل معدنية، وأن ثمّة أسواقاً عامة، غير أن أبواب محلاتها قد أغلقت إلا النزر اليسير منها، وأن الحُفر والنفايات والإطارات المطّاطية وبقايا ما يشبه أثاثاً، والبيوت المتصدّعة أو المهجورة، أو منشآت تجارية حديثة تُركت بعد إنجازها، فأخذت يد الإهمال في جعلها ذات هيئة متربة، أو حتى بيوتا جديدة فارهة ذات تصميم حسن، متروكة. وتُخبر هذه جميعاً أن الحياة قد انقضت في هذه المطارح وإلى إشعار آخر، وأن أهلها قد  غادروها. وتُعزى الأسباب، في المقام الأول، إلى فترة الحرب الطويلة، حرب النظام على شعبه، وقد  وقعت على بيئة اجتماعية واقتصادية هشّة، فزادتها الحربُ العمياء ضعفاً وركاكة.

وقد جهدتُ مع نفسي أن لا أتأثر كثيراً  بهذه المشاهد المقبضة، فلطالما رأيتُ شبيها لها وما هو أقسى منها في الصور. ومع وصولنا إلى محطة الحافلات في حي القدم جنوب العاصمة، بدأت مظاهر الحياة تدبّ حولنا، فسائقو التاكسيات يُطبقون على المسافرين الواصلين، وكنت أحدهم،  وربما بين قلة منهم، لم يخطّطوا أدنى تخطيطٍ لهذه الرحلة، واستعنتُ برفيق رحلةٍ عن المنطقة التي ينصحني بالإقامة فيها، فقال: عليك بالمرجة، فهي وسط المدينة وقريبةٌ من كل شيء… ونصحني أن أقصد فندقا ذكر لي اسمه. وهكذا كان، تلقّفني سائق درعاوي أشدُّ سُمرةً مني، وقال إنه سوف يضعني في ساحة المرجة، حيث تكثُر الفنادق وتتجاور هناك مقابل خمسين ألف  ليرة. وقلتُ لنفسي إن عليّ، ما دمتُ أحمل أكثر من مليون ليرة تُثقل جيبي، أن أعتادَ على دفع مثل هذا الرقم، حين يقتضي الأمر، في المرّة الواحدة (تُصرف مائة دولار بمليون ومائة وخمسين ألف ليرة). وقد نصحني السائق الشاب بالذهاب، بعد الاستقرار في فندق، إلى شارع الجزماتي، فهناك، على رأيه، يطيب تذوّق الطعام.

صادفتُ أول فندق في الساحة، كبير من فئته وعلى الشارع. وبعد تبادل عبارتين للسلام مع موظف الاستقبال، فقد خاطبني شخصٌ آخر من العاملين كان يقف قبالة الموظف بقوله: مع كل محبّة واحترام، لا نؤجّر لغير السوريين. … وهي عبارةٌ كادت تُصيبني بدوار، فالفنادق تقام لاستقبال الزوار والسياح، وليس لأهل البلاد الذين يقيمون بطبيعة الحال في بيوتهم. وحاملاً صدمتي، انتقلتُ إلى فندق آخر أصغر، فأجاب موظف الاستقبال على طلبي بأنهم يؤجّرون للسوريين فقط، فهم (أصحاب الفندق) دراويش، ولا يؤجّرون بالدولار. في فندق ثالث، كان صاحب الفندق أكثر صراحةً، إذ يجد صعوبةً، كما قال، بسبب الأسعار المتغيّرة للعملة الأجنبية، في حسبة الأجرة لغير السوريين بالدولار،  وهي تزيد بأكثر من ضعفين على غير السوريين، لهذا فإنه يكتفي بالتأجير للسوريين بأسعار معلومة وبالليرة. ويبدو أن الفنادق تجد طلباً كبيراً عليها من سوريين عائدين من خارج البلاد، أو من القادمين من المناطق الداخلية، ونسبة كبيرة منهم من دير الزور والحسكة ودرعا. … فندق رابع كانت سيدة تشغل فيه مكتب الاستقبال. واسع لكن ردهته الشاسعة معتمة، وقد سألتُ الموظفة أسئلة روتينية عن توفّر “الواي فاي”  والماء الساخن، فأجابت بأنه لا يتوفر حالياً حتى الماء البارد، فاكتفيتُ بتناول شاي عراقي أعدّه لي موظف عراقي، وأخبرتُ الموظفة أن لا شيء يشجّع على الإقامة في الفندق سوى وجود الموظفة بابتسامتها اللطيفة، لكنه لا يكفي للأسف. … حتى حطت بي الرحال في فندقٍ بباب صغير تتبعُه عشر درجات، ويقع على شارع رئيسي. رحّب بي الموظف، وعرفتُ، في ما بعد، أنه صاحب الفندق، وأن أربعة غيره يتناوبون على إدارة مكتب الاستقبال. فندق يلوح، من مصعده ومن درجه العريض الرخامي، أنه  كان جيّداً ذات يوم، غير أن  الدهر أكل عليه وشرب. ولكن مع توفر “الواي فاي” والماء الساخن ومكيّف الهواء، سارعتُ لقبول الغرفة ذات السريريْن طالباً جمعهما معاً.

… طاقة بشرية متجدّدة

في الاستراحة الصغيرة للفندق الصغير، لاحظتُ شابين صديقيْن ملتحيين يواظبان على تصفح الموبايل، ويتبادلان الضحك الخجول باستمرار، وقلّما يتبادلان الحديث مع أحد. ترك أحدهما سهواً “صديري” صفراء مخطّطة بالأبيض بغير أكمام على  الكنبة، فإذا بها، وقد طويت نصف طوية، السترة الخاصة بالشرطة. وخطر لي، في نوبة مداعبة خاطفة مع النفس، أن أخلع جاكيتتي، وأرتدي السترة الفوسفورية، وأخرج بها إلى الشارع المجاور، وأتقصّى انطباعات الناس الفورية عن شرطيٍّ في العقد السابع.

في اليوم التالي، وأمام الفندق، رأيتُ شرطياً منهمكاً في تنظيم المرور، وبالتدقيق فيه، تبيّن لي أنه صاحبنا الشرطي نفسه، كثير التردد على الفندق، وقد فكّ تجهّمه حين رآني وحيّاني بابتسامة لطيفة، ثم عاد إلى تجهّمه الذي “تفرضه” طبيعة عمله. … باستثناء شرطة المرور، قلّما يظهر رجال شرطة. وقد رايت بعضهم في مدخل سوق الحميدية بلحاهم وقاماتهم المنتصبة، وقد بدت عليهم الوداعة، بخلاف صورٍ انتشرت لهم في الأسابيع الأولى للتغيير. إذ تتسم علاقتهم بالناس بالهدوء، وبشيء من التباعد، وهذا حال الناس أيضاً من الجنسين الذين يتدفّقون على السوق الأشهر في دمشق، ويتعاملون مع الشرطة بحيادٍ وتهذيب. والمقصود أنه حلّت حالةٌ من التعايش مع الصورة الجديدة للشرطي ولأفراد الأمن العام. كما صادفت بعضهم أمام  مقرّاتِ الشرطة، يجلسون بهدوء مع أشخاصٍ آخرين بلباسٍ مدني.

من الواضح أن تركيز الدولة ينصبّ على المسائل الأمنية الكبيرة، الحسّاسة، في مطاردة الفلول، وفي اليقظة أمام العلاقة غير المستقرّة مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وفي الاستنفار أمام ما يشبه العصيان في السويداء. وباستثناء مطاردة أصحاب البسطات العشوائية والمتابعة الجديدة لأصحاب الدرّاجات النارية غير المرخّصة، فإن شوارع وسط العاصمة تنعُم بالهدوء، والناس يقبلون على أعمالهم، أو على المطاعم والمقاهي، بغير توتّراتٍ اجتماعيةٍ تُذكر. وهو ما أكّده لي سائق تاكسي أكد لي أن الوضع الأمني في العاصمة مستتب، وأنه ممسوكٌ في اللاذقية وحلب وحمص، من غير أن يكون في تلك المدن استقرار أمني كامل، فثمّة، كما قال، من لا يقبلون بالنظام الجديد، وبعضهم يحوزون أسلحة، وهو ما يدركه النظام ويعمل بمقتضاه.

 لمّا سألت احد موظفي الفندق، وهو موظف حكومي متقاعد، عن رأيه في الانتخابات التي جرت أخيراً، أجابني بأنه لا يعرف، مع أنه يبدو على شيءٍ من الفطنة والثقافة، وسألته إن كانوا يتابعون “الإخبارية السورية”، فأجاب: كيف لنا هذا وساعات سريان التيار الكهربائي معدودة؟

وخلافاً لما يلحظه المرء في عواصم عربية مشرقية ومغاربية، شاشات التلفزة في الفنادق والمطاعم والمقاهي تظهر صامتة ومطفأة في معظم الأحيان. ويستعين التجار بالمولّدات الكهربائية لتيسير أعمالهم، وليس لتشغيل التلفزيونات. وهناك إقبال شديد على الألواح الشمسية، وما هو في حكمها من مصادر الطاقة الجديدة. ويُعرف عن السوريين قدرتهم الفائقة على ابتكار الحلول للمشكلات الحياتية، وعلى التعامل مع مفاجآت الآلات بمختلف أنواعها، وهو ما يفتح أبواباً جديدة للعمل، فكل السيارات القديمة تعمل إلى جانب سيارات جديدة، يقول السوريون إن أسعارها انخفضت بشكل ملحوظ، وانخفضت معها أسعار البنزين، وإن بقي السعر مرتفعاً بعض الشيء.

عدا ذلك، الأسواق عامرةٌ بالسلع، وعدا المطاعم، وخصوصاً الصغيرة منها، التي تلقى إقبالاً كبيراً، تبدو الحركة التجارية ضعيفة، فما زال السوري يرزح تحت وطأة الغلاء، نتيجة انخفاض الرواتب، وعلى رأي شابّة مرحة، كل شيء موجود في السوق ما عدا المصاري (النقود). ويحذّر كثيرون من فقدان موظفين بشرائح عريضة وظائفهم، أو فقدان متقاعدين رواتبهم، ما يسبّب توتّراً اجتماعياً شديداً، قد ينفجر إن لم ينصف النظام الموظفين الذين باتوا “سابقين”، فهؤلاء  كانوا يعملون في الدولة، وليس لدى النظام السابق بالضرورة. ولم أجد، من جهتي، ما أقوله سوى إن على مجلس النواب الجديد طرح هذه المشكلات الملحّة، والعمل على معالجتها مع السلطات، إذ يتعذّر إرساء عقد اجتماعي جديد وسلم أهلي راسخ، مع حرمان فئاتٍ واسعة من الناس من مورد حياتهم الوحيد، وتهديدهم بالجوع.

لا يحوز المترجم فارق الحميد، وقد تخطّى السبعين، راتباً تقاعدياً، إذ حال النظام السابق بينه وبين العمل في وزارة التربية، لرفضه الالتحاق  بحزب البعث، ما اضطرّه للعمل مترجماً بغير الارتباط بمؤسّسة، ويقول إن الغلاء يمنع الناس من الانتقال وتبديد أموالهم الشحيحة على المواصلات العامة، وبالتالي، قلّما يتلاقون. وأنه شخصياً يقصد المقهى العريق الذي التقينا به، هافانا، فيصادف بعض الأصدقاء.

شخصياً، لم أصادف أحداً من الأدباء في الزيارة الارتجالية هذه (أحبّ أن أسمّيها زيارة  تجريبية)، لا في هذا المقهى، ولا في مقهى الروضة غير البعيد عنه في منطقة الصالحية. وقد شئتُ أن تكون زيارة حرّة بغير تخطيط لإشباع الفضول وللمشي والتطواف في الأسواق، والسلام على دمشق وأهلها وسمائها وشوارعها. ما زالت المدينة تحتفظ بجمالها وخصوصيّتها وينفض أهلها عن كاهلهم تعب سنواتٍ طويلةٍ من المعاناة والقلق، ومن الخسائر المادية والعاطفية، وقد سمعتُ أحدهم في الفندق يقول إنه خسر مئات ملايين الليرات، فيما قال آخر إننا الان بألف خير فقد انقضى ذلك العهد الطويل الذي تجرّعنا فيه روح الخلّ .

تتّجه الأنظار إلى السلطات الجديدة بأن تسرع في خطواتها لكسر شرنقة التنظيم الواحد، وإشراك الناس في صناعة القرار وحمل المسؤولية. وقبل أيام كان الرئيس أحمد الشرع يتحدّث لتلفزيون أميركي عن أنه يتطلع إلى تشكيل حكومة جديدة تمثل سائر المكوّنات وتعكس واقع التعدّدية، واستخدم الشرع تعبير نظام ديمقراطي. ويؤمل أن تعكس تعيينات الرئيس ثلث النواب (70 نائباً) هذا التوجّه، فيرى السوريون شخصياتٍ وطنيةً واجتماعيةً مشهودا لها وتاريخها يشهد لها، تحتل مقاعدها في المجلس المؤقت، وتضم ما لا يقل عن 20 امرأة لتعويض النقص الكبير الحاصل في عدد البرلمانيات، والانتقال من ذلك لتشكيل حكومة سياسية شاملة ذات كفاءات تضم قوميين وليبراليين ويساريين ووطنيين ديمقراطيين وإسلاميين مستقلين.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى