“حياة على الهامش”.. كيف صار الانتظار أسلوب حياة للسوريين؟/ جولي بيطار

2025.10.09
يعيش السوريون منذ سنوات في انتظار لا ينتهي، انتظار الكهرباء والماء والراتب والأخبار عن المفقودين وحتى الأمل بمستقبل أفضل.
في شوارع المدن والقرى، أصبح الانتظار جزءاً من الحياة اليومية، يحكم الإيقاع العام ويشكّل ملامح الصبر الذي صار أسلوب حياة.
بين الظلام والضوء المؤجل.. “أبو مازن” في انتظار الكهرباء
أبو مازن – اسم مستعار – أب لأربعة أولاد من ريف دمشق، يجلس في غرفة الضيوف في بيته، والضوء خافت، والساعة تشير إلى الخامسة مساءً بعد انقطاع التيار منذ الليلة الماضية.
يقول لموقع تلفزيون سوريا: “منذ فجر اليوم وأنا أنتظر الكهرباء. كل شيء في البيت مرتبط بها. رغم أننا نعتمد على البطاريات لكن حتى البطاريات تحتاج إلى شحن. كل يوم نصنع روتيناً جديداً حسب مواعيد التقنين.”
غياب الكهرباء أصبح جزءاً من اليوم، ويجعل إدارة المهام اليومية تحدياً مستمراً للعائلة. حتى أبسط الأمور، مثل إعداد الطعام أو استخدام الأجهزة المنزلية، تعتمد على ساعات محددة من التيار الكهربائي.
غياب الجدولة الدقيقة لساعات التقنين تحكم كل خطوات الأسرة، وتفرض عليها الانتظار واليقظة المستمرة لمعرفة متى سيعود التيار.
الماء قصة صبر يومية.. كما روتها “فيحاء”
فيحاء، أم لطفلين في ريف دمشق، تقف أمام الحنفية غالباً الفارغة لساعات أو لأيام متواصلة. توضح لموقع تلفزيون سوريا: “يأتي الماء أحياناً لساعات محددة، وأحياناً لا يصل لأيام. علينا توزيع الكمية بعناية لكل استخدام يومي. إذا تأخر تدفقه، تتوقف كل أعمال المنزل.”
غياب الماء يجعل كل مهمة منزلية عملية معقدة ومخططاً لها مسبقاً. من تنظيف الأرضيات إلى غسل الملابس أو تحضير الطعام، كل شيء مرتبط بتوفر كمية محدودة من المياه.
الأسر تضطر لتخزين المياه مسبقاً، وإعادة ترتيب الأولويات يومياً لتجنب الفوضى، ما يجعل إدارة المنزل أشبه بخطة تكتيكية مستمرة، ويضيف ضغطاً يومياً على كل فرد في الأسرة.
أحلام الهجرة بين الأمل والحدود – قصة “لؤي”
لؤي، 25 عاماً، يقف في أحد شوارع دمشق، حقيبته على ظهره، وعينه على الطريق الطويل أمامه. يحكي عن حلمه بالمغادرة: “كل يوم أبحث عن تأشيرة، عن أي خبر يقرّبني من الحلم. الانتظار أصبح جزءاً من حياتي اليومية. كل البلدان ترفضنا كسوريين، لكن لدي حلم وسأنتظره. سأخرج من هذه البلاد أكيد”.
بالنسبة للؤي، الانتظار لا يقتصر على الخدمات اليومية، بل يصبح رمزاً للطموح المؤجل، والبحث عن حياة أفضل خارج البلاد.
ويضيف لؤي للموقع: “لا أريد أن يضيع عمري هنا وأنا أنتظر عمارها، فلتتعمر على مهلها، أريد أن أعيش حياتي في الخارج في بلد ‘معمّر’ لأعيش حياتي الخاصة”.
كلام لؤي يعكس إحساسه بمرور العمر أمامه بينما بلده ربما يتعافى ببطء، ويبرز كيف يتحول الانتظار إلى دافع قوي للبحث عن مستقبل بديل.
قلوب تحت حجر الانتظار الثقيل – قصة “نسرين”
نسرين، شابة في أواخر عشريناتها، تعيش مع والدتها في شقتهم في اللاذقية، ولم تتوقف منذ سنوات عن محاولات معرفة مصير أخيها المغيب قسراً.
تقول نسرين: “اختفى أخي عام 2013. منذ ذلك الحين، أصبح الانتظار جزءاً من حياتنا. أمي تؤجل كل شيء حتى عودة أيمن. أشعر بالذنب إذا نسيت انتظار أيمن ليوم أو يومين. نريد جواباً عن مصيره، نريد أن نعرف أين ومتى وكيف؟”
الانتظار هنا “يتجاوز مجرد غياب الخدمات اليومية، ويأخذ بعداً نفسياً واجتماعياً عميقاً. إنه يثقل قلوب الأسر ويملأ أيامها بالقلق والشكوك، ويخلق حالة من الترقب المستمر. حياتهم اليومية تصير محكومة بشبح الغائب، وتفرض على كل فرد نمطاً من الحذر والصبر المستمرين”، وفقا لرأي نسرين.
انتظار الفرج: الأمل المؤجل
من انتظار الخدمات إلى انتظار الغائبين، يعيش السوريون بين الأمل والقلق. تقول سناء، 38 سنة: “أنا لا أستطيع المغادرة، لا يمكنني أن أترك أهلي المسنين، ولا أمل عندي بأن تتحسن الحياة هنا.. ماذا أنتظر؟ الفرج.. ما هو الفرج؟ لا أعرف.. أنتظر الفرج الذي مفتاحه الصبر فأنا صابرة لأبعد الحدود”.
تأثير الانتظار طويل الأمد
تعتقد الخبيرة في علم النفس الاجتماعي بيان محسن أنه: “مع الوقت، إذا استمرت حالة الانتظار بغض النظر عن نوعه، ومن دون الحصول على أي نتيجة، من الناحية المجتمعية يفقد المواطن ثقته بالجهات التي ينتظر منها حاجاته”.
وتضيف محسن في تصريحات لموقع تلفزيون سوريا أنه “من الناحية النفسية يتحول هذا إلى إرهاق دائم ومستمر، قد يتحول مع الوقت إلى حالة من اللامبالاة، لأن العقل يتكيف مع الألم النفسي. وتردف: “في النهاية، المجتمعات التي تعيش حالة انتظار وترقب دائم تصبح أقل قدرة على صناعة التغيير من داخلها”.
وتختم بالقول: “هذه الحالة النفسية والاجتماعية تجعل السوريين أكثر تأثراً بالإحباط اليومي، وتؤثر في قدرتهم على التفاعل الفعّال في المجتمع وصنع التغيير، ما يجعل الصبر والانتظار نمطَ حياةٍ مفروضاً أكثرَ منه اختياراً”.
تلفزيون سوريا



