سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعمحطات

مقالات تناولت العلاقة السورية-اللبنانية

 لبنان وسوريا والخوف المتبادل: التآمر والهيمنة/ منير الربيع

الجمعة 2025/12/19

في لبنان، هناك من يخاف من سوريا. وفي سوريا، هناك من يخاف من لبنان. على الساحة اللبنانية، من يعتقد أو يراهن على أن الرئيس السوري أحمد الشرع لن يصمد في الحكم، وأن ظروفاً وأحداثاً أو تحركات شعبية وعسكرية ستسقطه، وبالحد الأدنى، يتجه “ظنّ” بعض اللبنانيين نحو استمرار حالة انعدام الاستقرار على الأراضي السورية وعدم القدرة على إعادة تثبيت النظام المركزي. ويندفع هذا الظنّ أكثر بدوافع بعض الأمنيات، أن لا تكون سوريا دولة مركزية تستعيد قوتها كي لا تقوى على التدخل بلبنان وإعادة التأثير والتحكم فيه. هنا ينقسم اللبنانيون بين آراء متعددة، من يقتنع بأن مرحلة الاستحكام السوري بلبنان قد انتهت ولا إمكانية لعودتها، وبين من تبقى هواجسه قائمة، وجهات أخرى يمكنها تسويق هذا التصور للاستثمار به سياسياً على المستوى الداخلي انطلاقاً من حسابات شعبوية.

الطابع السنّي

دوافع التخويف كثيرة، فهي المرة الأولى التي تأخذ فيها سوريا طابعاً سنياً، ويصورها البعض كامتداد لتجربة تركيا مع رجب طيب أردوغان. كما يستند هؤلاء في تخويفهم إلى تاريخ وتجربة أحمد الشرع في مراحل تنقله من جبهة النصرة إلى هيئة تحرير الشام، وما بينهما من مواجهات وقعت بين الجبهة والجيش اللبناني من جهة، وبينها وبين حزب الله من جهة أخرى. وتتداخل عوامل كثيرة في الدفع نحو هذا الخوف أو التخويف، بعضها يأخذ طابعاً شخصياً، أو يأتي مبنياً على انطباعات وأحكام أطلقت سابقاً، ولا يُترك مجال لإعادة النظر بها بناء على التجربة. وهذا ربما ينعكس على آلية مواكبة معالجة الملفات العالقة بين البلدين، كما أن ثمة جانباً نفسياً لا يمكن إنكاره، وهو التعاطي مع السلطة الجديدة في سوريا انطلاقاً من ذهنية التعاطي مع نظام آل الأسد، وهذه حالة لن يكون من السهل الخروج منها.

الموقوفون والمفقودون

لدى دمشق مخاوف من لبنان أيضاً. فهي تعتبر أن هناك اختلافات لبنانية في مقاربة الملف السوري وكيفية معالجة الملفات العالقة، وخصوصاً ما يتعلق بملف الموقوفين. ومنذ الأيام الأولى للتفاوض المباشر وتشكيل اللجان، أمِلت دمشق أن لا تطول اللقاءات للوصول إلى اتفاق، وقد عقدت بعدها اجتماعات كثيرة بين بيروت ودمشق، لكنها لم تؤد إلى النتيجة المرجوة سورياً، ذلك شكل التباساً لدى المسؤولين السوريين، الذين اعتبروا أن لا رغبة جدية للبنان بطي الصفحة الماضية، خصوصاً عندما جرى طرح فكرة لبنانية فهمتها سوريا بأنها محاولة للمقايضة بين المعتقلين السوريين في لبنان، والمفقودين اللبنانيين في سوريا أو المتهمين بجرائم بحق شخصيات لبنانية وتواروا على الأراضي السورية بحماية نظام الأسد، علماً أن السلطة الجديدة أبلغت اللبنانيين بأنها لم تتمكن من الحصول على أي معلومات بشأن هؤلاء المطلوبين.

“أسديون” في لبنان

تبلغ المخاوف السورية مرحلة أبعد، خصوصاً بالنظر إلى الكثير من الأنشطة السياسية التي شهدها لبنان في مراحل سابقة، واجتماعات عقدت بين شخصيات من قوات سوريا الديمقراطية، وشخصيات درزية معارضة للشرع، وشخصيات محسوبة على نظام الأسد، إلى جانب محاولات كثيرة حصلت مع بعض السفارات الغربية تحت شعار “حماية الأقليات” في سوريا. وهو ما لا ينفصل عن المعلومات التي تمتلكها دمشق حول وجود آلاف الضباط من الجيش السوري التابع للأسد ومن قوات النخبة والفرقة الرابعة يقيمون على الأراضي اللبنانيون ويحظون بحماية ورعاية، إضافة إلى معلومات تتحدث عن تواصل بين هؤلاء الضباط وكبار الضباط “الأسديين” الموجودين في موسكو، حتى أن بعض المعلومات تحدثت عن زيارات أجراها ضباط سوريون يقيمون في روسيا إلى لبنان للقاء ضباط الفرقة الرابعة والتنسيق معهم تحضيراً لأي تحرك يمكن أن يجري في الساحل السوري. وقبل أشهر وبالتزامن مع أحداث الساحل السوري، راجت سيناريوهات كثيرة حول إمكانية تحرك هؤلاء الضباط من لبنان باتجاه محافظة حمص أو الساحل، كما أن سيناريوهات أخرى جرى التداول بها باحتمال حصول تحركات متزامنة بين الساحل السوري، السويداء، وشمال شرق سوريا ضد السلطة الحالية وفي محاولة لإسقاط الشرع.

سيناريوهات مقلقة

كل هذه السيناريوهات لا تزال تقلق دمشق، وهي تبحث مع المسؤولين اللبنانيين في ضرورة ضبط الوضع داخل لبنان، ومنع المحسوبين على النظام السابق من القيام بأي تحركات أو تدريبات من شأنها أن تضر بالأمن السوري. كل ذلك ينبع من انعدام حالة الثقة بين البلدين، وسط استمرار المساعي لبنائها، كما أن ذلك ينتج عن استمرار وجود خلافات وصراعات جوهرية داخل سوريا بين مختلف المكونات. في السياق، ووفق المعلومات، فإن سوريا تسعى إلى ترتيب مصالحات واتفاقات سياسية شاملة وجامعة مع الجميع. وجاء استقبال الشرع قبل أيام لوفد من وجهاء الساحل السوري، مع استمرار المساعي لتفكيك حالة الاستعصاء في السويداء، والأهم هو تطبيق اتفاق 10 آذار بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، وسط تضارب المعلومات حول إمكانية تحقيق تقدم لتطبيق الاتفاق أو استمرار الانسداد والاتجاه نحو مواجهة عسكرية.

اتفاق مع روسيا

بالنسبة إلى دمشق فإن الوصول إلى حلّ مع قوات سوريا الديمقراطية سيسهم في تفكيك كل العقد المستعصية الأخرى، خصوصاً أن قسد تحظى بدعم دولي كبير بخلاف السويداء أو الساحل، ففي الساحل وعلى الرغم من وجود حالة اعتراضية، هناك تضارب في اتجاهاتها بين الشيخ غزال غزال من جهة، ورامي مخلوف من جهة أخرى، وضباط آخرين ككمال الحسن وكفاح ملحم، علماً أن دمشق دخلت في اتفاق مع روسيا حول ضبط الوضع في الساحل السوري، ما يعني أن موسكو لن تفسح المجال أمام مثل هذه التحركات التي تزعزع وضع دمشق.

حذارِ إسرائيل

فوق كل هذه التطورات والتصورات، يبقى لبنان وسوريا محكومين بالعلاقة الترابطية بينهما. الأفضل بالنسبة إليهما، الحفاظ على الكيانين بحدودهما ومكوناتهما وتنوعهما، بعيداً عن أي صراعات أو طموحات أو مخاوف، لا سيما أن الدخول في صراع سيكون الطرف الأكثر استفادة منه هو إسرائيل، التي ستسعى إلى استغلال أي صراع داخلي بين المكونات للاستثمار به، بناء لمشروع تل أبيب في تشظية المجتمعات، وصولاً إلى تقسيمها على أسس عرقية، قومية، طائفية أو مذهبية.

المدن

————————-

 إسرائيل جنوباً وتركيا شمالاً:لبنان وسوريا ميدان نزال ومقايضة/ منير الربيع

الثلاثاء 2025/12/23

بالتزامن مع زيارة الوفد التركي للعاصمة السورية دمشق، شهدت مدينة حلب توتراً بين قوات سوريا الديمقراطية والدولة السورية. لا ينفصل الاشتباك الذي وقع في حلب عن مضمون المؤتمر الصحافي لوزيري خارجية سوريا وتركيا، إذ إنهما حمّلا معاً قوات سوريا الديمقراطية مسؤولية عدم تطبيق اتفاق 10 آذار والمماطلة في ذلك. بدت اللهجة التحذيرية واضحة، وهي تدفع الكثيرين الى الاعتقاد بأن هذا الاجتماع قد يفتح الطريق أمام شنّ عملية عسكرية سورية مدعومة من تركيا ضد قوات سوريا الديمقراطية، في حال لم يتم الوصول إلى صيغة اتفاق. تتضارب القراءات حول هذا المسار، بين من يعتبر أن الحل السياسي ممكن، وأنّ ما يجري من قبل دمشق وأنقرة هو مزيد من الضغط على قسد، ورأي آخر يعتبر أن الحل غير ممكن، والاتجاه سيكون لعملية عسكرية.

رهانات إسرائيل

المفارقة، أن مضمون كلام وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني حمل في طياته مزجاً للمشكلة مع قوات سوريا الديمقراطية، بالإضافة إلى رفع السقف تجاه إسرائيل واعتداءاتها. وهو الأمر الذي تقاطع فيه مع كلام وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. وهو ما يعطي انطباعاً واضحاً حول المشكلة الكبرى في سوريا، وهي تأخذ بعداً على مستوى المنطقة بين تركيا وإسرائيل. طوال السنوات الماضية، اعتبرت إسرائيل أنها تتنافس في المنطقة مع إيران وتركيا كدولتين لديهما مشاريع خارج حدودهما، في حين لم يكن هناك مشروع عربي واضح المعالم، فراهنت تل أبيب على خوف العرب من المشروع الإيراني أو المشروع التركي لدفعهم  إليها والدخول في اتفاقات معهم. على مدى الأشهر الماضية، وبعد عملية 7 أوكتوبر، وجّهت إسرائيل ضربات قاسية لإيران وحلفائها، ولا تزال تلوّح بشن عملية عسكرية جديدة ضدها، كما ضد حزب الله وفصائل عراقية، في إطار “إنهاء النفوذ الإيراني” في المنطقة.

تقسيم دول عدة

حالياً، تريد إسرائيل مقارعة المشروع التركي في المنطقة وتقويضه، بينما تركيا تنظر إلى المشروع الإسرائيلي بأنه تهديد للمنطقة ككل. وأهداف تل أبيب تصل إلى المساس بالأمن القومي للدولة التركية، وتسعى إلى تقسيم المنطقة. وهذا التقسيم سيستهدف دولاً عديدة. لذا تعتبر تركيا أنه لا بد من التعاون مع الدول العربية والإقليمية لمواجهة هذا المشروع الإسرائيلي.

وحدة الدولة

تنطلق تركيا، كما دول أخرى داعمة لسوريا، من فكرة “حصر السلاح بيد الدولة” والحفاظ على وحدة الدول. وهذه الشعارات أصبحت مرفوعة وتتردّد في دول عديدة، أبرزها العراق، سوريا ولبنان في هذه المرحلة. وتستند أنقرة ودمشق إلى تفاهمات مع دول عربية عديدة، ومع الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما يشكل تعارضاً مع الرؤية الإسرائيلية. فإسرائيل تسعى إلى قضم مساحات من جنوب سوريا وجنوب لبنان، بالإضافة إلى فرض شروط قاسية عليهما، كما على العراق، في إطار تصورها للمنطقة وتركيبتها وتوازناتها. كما تسعى إسرائيل إلى بناء تحالفات من شأنها أن تشكل سداً في مواجهة أي تقدّم تركي. وفي هذا الإطار يندرج الاتفاق مع قبرص واليونان حول النفط وفي مجالات دفاعية، وفي السياق نفسه يندرج اتفاق الغاز مع مصر.

حصر السلاح بأيدي الدول

رمزية وأهمية الزيارة التركية إلى سوريا، خصوصاً أنها جمعت وزير الخارجية، وزير الدفاع ورئيس المخابرات، أنها تضع إطاراً عاماً للعلاقة ولكيفية إدارة الأمور في المرحلة المقبلة، على المستويات الأمنية، الاستخبارية، العسكرية والسياسية. وهذا لا يمكن أن يبقى محصوراً ضمن الجغرافيا السورية وحدها. بالعودة إلى القناعة التركية حول “حصر السلاح بأيدي الدول” وإنهاء الحالات المسلحة الخارجة عن سيطرة الدول، كما هو الحال بالنسبة إلى قناعة تركيا تجاه حركة حماس وإعلان المسؤولين الأتراك استعداد حماس للتخلي عن السلاح، فهذا ينطبق على رؤيتها تجاه قسد، وتجاه حزب الله أيضاً.

انفتاح على الجميع

معلوم، أنه قبل فترة دخلت تركيا على خط الكلام مع حزب الله حول المرحلة المقبلة، بالإضافة إلى منع حصول أي توتر بين سوريا والحزب، وهو ما جرى نقاشه بين الأتراك والإيرانيين أيضاً، خصوصاً أن تركيا لا تريد تهديد استقرار سوريا، وخصوصاً من الساحل السوري. في المقابل، هناك من فسّر هذا الانفتاح التركي على حزب الله بوصفه محاولة لإعادة انتاج الحزب عسكريا ودعمه، بينما الهدف التركي أبعد من ذلك، وهو التواصل مع كل القوى في لبنان، وتمرير رسائل للإسرائيليين بقدرة أنقرة على توسيع هامش مناورتها ضدها. وعليه، فإن تركيا يمكنها أن تكون عنصراً من المشكلة أو الحلّ بالنسبة إلى إسرائيل، لا سيما أنه بعد سقوط نظام الأسد أصبح حزب الله مطوقاً بالكامل، من إسرائيل جنوباً، ومن سوريا شمالاً وشرقاً، وهنا يكمن التأثير التركي.

النقاش مع حزب الله

لدى سؤال الأتراك عن فحوى النقاش مع حزب الله، وإمكانية لجوء تركيا إلى تعزيز قدرات الحزب وإعادة تمرير الأسلحة إليه، كان الجواب بأن الظروف تغيرت، وقرار إنهاء حالات التسلح هو قرار أميركي، ولا يمكن لتركيا أن تكون في مواجهة هذا القرار. ولكن في المقابل، من الممكن لتركيا وانطلاقاً من علاقتها مع إيران وحزب الله، وعلاقتها بسوريا أن تلعب دوراً أساسياً في مسألة تحصيل مكتسبات، من بينها رفع كل أشكال الدعم عن قوات سوريا الديمقراطية، في مقابل إكمال الطوق على حزب الله ومنع إدخاله للسلاح بأي شكل.

عتب على لبنان

تعلم تركيا أن الوجود والنفوذ في سوريا، سيكون لهما تأثيرات تمتد إلى دول أخرى. وهنا لا يمكن إبعاد لبنان عن كل هذه التطورات أو المسارات،  في ظل اشتداد المواجهة التركية الإسرائيلية في سوريا وشرق المتوسط، لا سيما أن إسرائيل تضغط على لبنان في سبيل الدخول باتفاقات اقتصادية، هدفها الوصول إلى اتفاق على ملف الغاز وكيفية التنقيب والاستخراج والتصدير لاحقاً، وهو ما تريده إسرائيل أن يكون حكراً عليها. بينما تركيا أبدت عتباً على توقيع لبنان لاتفاق ترسيم الحدود مع قبرص من دون التنسيق معها. وذلك سيكون له أثره على ترسيم الحدود اللبنانية السورية من جهة، والسورية القبرصية من جهة أخرى.

اتفاق أضنة

عملياً، تريد إسرائيل منطقة خاضعة لنفوذها وسيطرتها في جنوب سوريا وجنوب لبنان. أما تركيا فتريد الحفاظ على نفوذها في سوريا، وتحديداً في شمالها، بينما كان لديها طموح بإنشاء قواعد عسكرية في وسط البلاد، وهو ما سعى الإسرائيليون إلى منعه عسكرياً. في المقابل، من الواضح أن النقاش بين أنقرة ودمشق يستهدف البحث في تعديل اتفاق أضنة 1998، وهو اتفاق وقّع مع حافظ الأسد حينها، وينص على إمكانية تدخل تركيا عسكرياً في سوريا للحفاظ على أمنها القومي، ومواجهة حزب العمال الكردستاني، ويتيح لتركيا الدخول إلى سوريا بمسافة 5 كلم. بينما الهدف اليوم هو توسيع نطاق المساحة التي يمكن لتركيا الدخول إليها، لا سيما أن أنقرة تريد أن تكون الممسكة بإدارة كل الملف الكردي على مستوى المنطقة، وخصوصاً في سوريا والعراق، وهذا ما تتفاوض عليه مع الأميركيين. بينما هناك دول كثيرة تسعى للإمساك بورقة “الأقليات”، فإسرائيل تعتبر نفسها المعنية بذلك. كما أن دولاً كثيرة، بينها فرنسا، تسعى إلى رفع شعار الأقليات وبناء علاقات معهم لحمايتهم، ولا سيما مع الأكراد ومع العلويين، وهذا أيضاً مشروع تنافس جديد بين تركيا من جهة وفرنسا من جهة أخرى، وستكون له آثاره على لبنان، أيضاً.

المدن

———————————–

 لمصلحة لبنان وسوريا إغلاق ملفات الماضي/ ميشال شماس

2025.12.18

لم يعد من الممكن، بعد كل التحوّلات التي شهدتها الساحة السورية واللبنانية والإقليمية، أن يبقى لبنان أسير ملفات قديمة تعود إلى حكم نظام الأسد الإجرامي الذي سقط، وخلف وراءه إرثاً ثقيلاً من الدمار والخراب وملفات أمنية بين سوريا ولبنان. ومن بين أكثر هذه الملفات حساسية وإرباكاً، يبرز ملف الموقوفين السوريين الذين ما زالوا في السجون اللبنانية على خلفية معارضتهم لنظام الأسد. ورغم تغيّر الظروف بسقوط النظام الأسدي ومجيء سلطة جديدة، وظهور مقاربة مختلفة أكثر هدوءاً وانفتاحاً مع لبنان، إلا أن هذا الملف بقي مجمّداً داخل البيروقراطية اللبنانية، تتحكم به اعتبارات لا علاقة لها بالقانون ولا بميزان العدالة. وفي وقتٍ تُبدي فيه سوريا الجديدة استعداداً لإعادة بناء علاقاتها مع لبنان عبر خطوات عملية، يبقى السؤال ملحّاً: ما الذي يبرّر استمرار احتجاز أشخاص لم يرتكب معظمهم أي جرم، سوى أنهم كانوا جزءاً من مرحلة سياسية انتهت؟

وعندما نتحدث عن هؤلاء الموقوفين، فنحن لا نتحدث عن أشخاص ارتكبوا جرائم جنائية أو أعمال عنف على الأراضي اللبنانية. معظم الملفات تعود إلى توقيفات تمت خلال فترات إعلان النظام الأسدي الحرب على الشعب السوري، حيث كان كل ما يرتبط بتلك الحرب يختلط بالضرورات الأمنية اللبنانية. لكن مع مرور الوقت، تحوّل هذا الخلط إلى عبء، وأصبحت ملفات بكاملها عالقة بين الأجهزة الأمنية والقضاء اللبناني، لا تُقفل ولا تتحرّك، وكأن الزمن توقّف عند لحظة سياسية لم تعد موجودة. وفي المقابل، سعت سوريا الجديدة إلى تقديم إشارات إيجابية تجاه لبنان، من بينها خطوة لافتة بتسليم لبنان مطلوبين متورطين بجرائم جنائية واضحة. كانت تلك خطوة دالة على رغبة في فتح صفحة جديدة، وعلى استعداد للتعامل مع الملفات العالقة بطريقة هادئة ومسؤولة.

في ظل هذه الإشارات، يصبح من الطبيعي أن ينتظر السوريون في لبنان، سواء داخل السجون أو خارجها، مقاربة مماثلة تُغلق الملفات القديمة التي لم يعد مقبولاً ولا مبرراً بقاؤها عالقة من دون حل، وتسمح ببدء علاقة طبيعية بين البلدين من دون إرث ثقيل يضغط على سوريا ولبنان. لكن بدلاً من هذا التوجه، بقي ملف الموقوفين السوريين يخضع لحسابات متشابكة داخل لبنان نفسه، بين مخاوف أمنية مبالغ فيها، وتردد قضائي مزمن، وحساسية سياسية لدى بعض القوى التي لا تزال تنظر إلى سوريا بعين الماضي لا بعين الواقع القائم اليوم.

ويضاف إلى ذلك أن بعض القوى السياسية اللبنانية تتعامل مع هذا الملف بحذر شديد، وكأن الإفراج عن هؤلاء سيُفهم على أنه تغيير في تموضعها تجاه دمشق، أو اعتراف ضمني بمرحلة سياسية جديدة في سوريا. وهذا النوع من الحسابات الداخلية هو ما يحول ملفات قانونية وإنسانية إلى قضايا سياسية مؤجلة، رغم أنها لا تحتمل التأجيل. فالمعتقلون السوريون ليسوا أوراقاً تفاوضية، ولا ملفات قابلة للمقايضة، بل هم أناس لهم حياة وحقوق وكرامة، ووجودهم في السجن على خلفية مواقف سياسية قديمة يرسل رسالة خاطئة وغير متناسبة مع الظروف الحالية.

وقد ظهر هذا الخلط بين القانون والسياسة بوضوح في السجال الأخير الذي أثاره وزير العدل اللبناني على قناة الجديد عندما ربط الإفراج عن الموقوفين السوريين بضرورة مبادرة دمشق إلى إطلاق سراح “مقاتلين لبنانيين” سبق أن قاتلوا إلى جانب النظام السوري. هذا الطرح بانتقادات قانونية لبنانية، من بينها ما عبّر عنه المحامي المعروف الأستاذ نبيل الحلبي، الذي أكد “أن لا وجود فعلياً لموقوفين لبنانيين في سوريا على خلفية القتال إلى جانب النظام السابق، وأن ما جرى بعد التحرير اقتصر على توقيف بعض المتورطين في تهريب السلاح والمخدرات، وهم حالات جنائية واضحة لا علاقة لها بالسياق السياسي الذي أشار إليه وزير العدل اللبناني”. هذا النوع من المقاربات يجعل الملف أكثر تعقيداً، لأنه يضع الموقوفين السوريين في خانة “الرهائن السياسيين”، ويحول قضيتهم من مسألة عدالة إلى أداة ضغط لا تستند إلى حقائق.

والمؤسف في هذا الطرح أنه يناقض الأجواء التي يحاول البلدان ترسيخها. فالعلاقة اللبنانية–السورية اليوم بحاجة إلى خطوات هادئة، ومعالجة عقلانية للملفات المتراكمة، وبناء الثقة عبر إجراءات ملموسة لا عبر تصريحات متوترة. كما أن الإبقاء على هذا الملف مفتوحاً لا يخدم لبنان بأي شكل من الأشكال. فالسجون اللبنانية مكتظة، والجهاز القضائي مرهق، والبلد بكامله يعيش في سياق اقتصادي واجتماعي هشّ لا يسمح بإبقاء ملفات قديمة بلا معالجة. ثم إن استمرار احتجاز أشخاص على خلفية سياسية محضة ينتقص من صورة لبنان، ويضعه في موقع المتردد في تطبيق أبسط مبادئ العدالة. والأهم من ذلك أنه يخلق توتراً غير ضروري مع السلطة السورية الجديدة، التي تُظهر على الأقل في هذه المرحلة استعداداً للتعاون وفتح صفحة مختلفة.

ولا يمكن فصل هذه التعقيدات عن طبيعة الساحة اللبنانية نفسها، حيث يتداخل الأمني بالسياسي، ويتأثر الملف السوري بحسابات داخلية لطالما أثقلت الدولة اللبنانية. فبعض الأطراف السياسية لا تزال تنظر لأي خطوة تجاه سوريا من زاوية المكسب والخسارة الداخليين، لا من زاوية المصلحة الوطنية. وهذا ما يجعل ملفات إنسانية وقانونية بحتة رهينة التجاذبات.

لكن مهما كانت الاعتبارات، فإن الحكمة والعقلانية تفرضان اليوم إغلاق هذا الملف بروح المسؤولية المشتركة التي تساعد البلدين على تجاوز الإرث الثقيل الذي خلفه نظام الأسد الإجرامي وتستوعب طبيعة المرحلة الجديدة في سوريا والمنطقة.

إن الإفراج عن المعتقلين السوريين الموقوفين في السجون اللبنانية الذين لم تسجل بحقهم جرائم فعلية ليس تنازلاً من لبنان، ولا خطوة يمكن تفسيرها سياسياً على حساب أحد، بل هو تصحيح لمسار قانوني، وتأكيد على احترام العدالة، وإشارة حسن نية متبادلة مع دمشق، ورسالة بأن البلدين قادران على تجاوز الرواسب القديمة وبناء علاقة أكثر شفافية وهدوءاً.

فالمصلحة المشتركة اليوم تكمن في الاستقرار، وفي تخفيف التوترات، وفي معالجة الملفات التي يمكن أن تتحول إلى مصادر سوء فهم أو احتقان. ومن هنا، فإن المبادرة اللبنانية بإغلاق هذا الملف ليست فقط خطوة قانونية وإنسانية، بل هي أيضاً خطوة سياسية حكيمة تضع العلاقة بين البلدين على سكة أكثر توازناً ونضجاً.

تلفزيون سوريا

————————

سيناريوهات “الفرز والضم”: لبنان وسوريا والآخرون/ رفيق خوري

الوهم الأكبر هو فك حدود الدولة الوطنية لأنه يقود إلى تفكيك النسيج الاجتماعي

الأربعاء 17 ديسمبر 2025

لا اللبنانيون يقبلون ضم لبنان إلى سوريا، ولا حلم آل الأسد في عدم الخروج من لبنان بعد دخوله عسكرياً خلال الحرب تحقق، إذ أجبرت أميركا وفرنسا بشار الأسد على سحب جيشه من لبنان بعدما تبدلت الظروف والحسابات.

خرائط الشرق الأوسط تبدو على المشرحة لا فقط على طاولة المفاوضات، وليس جديداً أن تزدهر سيناريوهات “الفرز والضم” في أيام الأزمات العميقة والتسويات العقيمة. وبعض هذه السيناريوهات لها مقدمات عسكرية على الأرض، وبعضها الآخر نظري مشغول في غرف التخطيط، أو فضاءات الخيال، من تقسيم سوريا إلى ضم لبنان إلى سوريا، ومن توزيع شمال لبنان وشرقه على سوريا وجنوبه على إسرائيل إلى الفصل الكامل بين غزة والضفة الغربية ثم ضمهما إلى “إسرائيل الكبرى” أو إقامة دولة فلسطينية عليهما، ومن استعادة مشروع السيناتور جو بايدن، قبل أن يصبح رئيساً، لتقسيم العراق إلى ثلاث دول كردية في الشمال وسنية في الوسط وشيعية في الجنوب إلى تحقيق طموحات الرئيس رجب طيب أردوغان و”العثمانية الجديدة” لضم حلب السورية والموصل العراقية إلى تركيا.

ومن سيناريو تقسيم السودان المنتظم في حرب الجنرالات وداعميهم بعد استقلال الجنوب عنه إلى سيناريو استقلال كل من فزان وبرقة وطرابلس كما كانت الحال قبل توحيد ليبيا وسيناريو استعادة جنوب اليمن دولته قبل الوحدة مع الشمال.

والمفارقة أن السفير الأميركي لدى تركيا والموفد إلى سوريا ولبنان “الزحلاوي” الأصل توم براك هو الذي يكرر الحديث عن ضم لبنان إلى سوريا أو ما يسميه “إلحاقه ببلاد الشام”، فالرجل مشغول بأمور كثيرة في تركيا وسوريا ولبنان وإسرائيل لا يعرف عمقها وتعقيداتها من عمله کرجل أعمال ومحامٍ ومشاركته الرئيس دونالد ترمب لعبة الغولف، وهو يبدو كمن ينطبق عليه المثل القائل “يهرف بما لا يعرف”. فلا اللبنانيون يقبلون ضم لبنان إلى سوريا، ولا حلم آل الأسد في عدم الخروج من لبنان بعد دخوله عسكرياً خلال الحرب تحقق، إذ أجبرت أميركا وفرنسا بشار الأسد على سحب جيشه من لبنان بعدما تبدلت الظروف والحسابات التي دعت أميركا إلى الاتفاق مع الرئيس حافظ الأسد وترتيب تفاهم “الخطوط الحمر” بين سوريا وإسرائيل قبل دخول لبنان.

 ولا أميركا التي ورثت بريطانيا وفرنسا ونفوذهما في المنطقة بعد حرب السويس أقدمت على تغيير خرائط “سايكس بيكو” البريطانية- الفرنسية التي فصّلت من ثوب الولايات العثمانية المهزومة في الحرب العالمية الأولى سوريا ولبنان والعراق والأردن وفلسطين ورسمت حدودها. ولا القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية التي تقاسمت أوروبا في يالطا وبوتسدام بين ستالين وتشرشل وروزفلت ثم خليفته ترومان خلخلت حدود “سايكس بيكو” مع إعطاء الاستقلال للدول وترك مكان محفوظ على الخريطة لإسرائيل عبر “وعد بلفور” ثم قرار التقسيم عام 1947.

والواقع أن سوريا بعد 14 عاماً من حرب مدمرة انضم إليها الجميع هي اليوم في حال تقسيم، والمهمة الملحة هي إعادة توحيدها. ولبنان منقسم بعمق أكثر مما كان عليه، لكنه موحد ضمن دولة في حدود “لبنان الكبير” بصرف النظر عن الآراء في النظام. وليس من السهل إعادة توحيد سوريا تحت راية “هيئة تحرير الشام” وحدها لأن التحدي أمام الرئيس أحمد الشرع هو إشراك السوريين جميعاً في المسؤولية على حل قضايا الكرد والعلويين والدروز والمسيحيين والأكثرية السنية غير السلفية لاستعادة وحدة سوريا. وليس من الصعب إيجاد تسوية للانقسام في لبنان وضمان حصرية السلاح بيد الدولة القوية العادلة القائمة على المواطنة والوطنية. ومن الوهم أن تستمر إسرائيل في احتلال جنوب لبنان وجنوب سوريا.

والوهم الأكبر هو فك حدود الدولة الوطنية لأن بدء فك الحدود يقود إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، ولا أحد يعرف أين يتوقف التقسيم الذي يبدأ من لبنان أو سوريا ويمتد إلى العراق ومحيطه وصولاً إلى تركيا نفسها ثم إلى إيران.

وليس أمراً قليل الدلالات أن ينتقل العالم العربي من رفض “سايكس بيكو” على مدى قرن إلى التمسك به والخوف عليه مما يسمى “تقسيم المقسم”، فالدول المسماة قطرية تجذرت وصارت لكل منها هوية خاصة ولو استمر الحفاظ على الهوية الأوسع. ودعوات الوحدة لم تصل إلى شيء عملي، فلا البعث الذي حكم العراق وسوريا حقق الوحدة بين البلدين، وعلى العكس فإن ما رافق مسارهما هو الخصومة العنيفة وحتى العداء. ولا الوحدة بين مصر وسوريا برئاسة جمال عبدالناصر دامت أكثر من ثلاثة أعوام قبل أن تسقط بفعل قوى داخلية وتوجس أميركي من أية وحدة في الشرق الأوسط.

والسؤال هو، هل كان “سايكس بيكو” عصياً على التغيير أم أن القوى التي رفعت شعار “ثورة بلا حدود” عاشت على الأحلام أكثر من الواقع؟ والجواب الذي تقدمه الوقائع يكشف عن الحقيقة، العجز عن تغيير الحدود أو الثبات على أي تغيير يشمل دعاة الوحدة العربية ودعاة الوحدة السورية ودعاة الأممية الإسلامية، والعجز عن تقديم نموذج جذاب في الداخل تحت الأنظمة الرافعة راية الوحدة العربية كان كبيراً.

حتى القراءات العميقة والدقيقة في المجتمعات العربية من المحيط إلى الخليج، فإنها كانت نادرة مقابل أطنان الخطابات وكتب الإنشاء العربي. وما تعانيه البلدان اليوم من صراعات وانقسامات وهويات طائفية ومذهبية وإثنية وجهوية ليس جديداً، بل كان تحت البساط بسبب قمع الأنظمة وغياب الديمقراطية والتعبير عن المطالب المحقة. وأقل ما يكتشفه الجميع بعد قرن من اعتبار قضية فلسطين القضية المركزية للعرب أن التحديات والقضايا المهمة أمام العرب جميعاً يصعب اختصارها بالصراع مع إسرائيل من دون الصراعات المحلية والإقليمية والدولية الأخرى. وأحدثها الصراع على المشروع الإقليمي الإيراني، ولعنة “سايكس بيكو” والعجز عن التغيير مستمر.

——————————

ما مستقبل الملفات العالقة بين سوريا ولبنان؟/ سلطان الإبراهيم

لبنان أعلن عدم التوصل لاتفاق بشأن السجناء السوريين بالسجون اللبنانية

2025-12-19

تتعدد الملفات المتشابكة والمعقدة بين سوريا ولبنان منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، وتبقى جميعها لا سيما ملف المعتقلين السوريين في لبنان دون حل رغم مرور أكثر من عام على سقوط نظام بشار الأسد، وسط اختلافات بين الجانبين بشأن مقاربة وتسوية هذه الملفات بما يحفظ الحقوق القانونية والدستورية لهما، وبشكل يقود إلى حل نهائي دون المساس بحقوق الإنسان والجانب السيادي.

ملف المعتقلين السوريين

ومنذ سقوط نظام بشار الأسد مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2024، طفى على السطح ملف المعتقلين السوريين في لبنان، ومحاولات إنهاء هذا الملف، وتبادلت الحكومة السورية الانتقالية والحكومة اللبنانية الزيارات والاجتماعات بشكل متكرر على مدى الأشهر الماضية من أجل ذلك، لكن لم يتم التوصل إلى حل نهائي وبقيت القضية معلقة في ظل خلافات بين الجانبين بشأن كثير من النقاط، وذلك رغم الإعلان عن قرب التوصل لاتفاق، ودعوات دولية بضرورة إنهائه.

والأسبوع الماضي، نقلت صحيفة “الشرق الأوسط” عن مصادر لبنانية، أن زيارة الوفد القضائي اللبناني إلى العاصمة السورية دمشق لم تحقق النتائج المرجوة بشأن التوصل إلى معاهدة قضائية جديدة لتنظيم آلية تسليم السجناء السوريين الموقوفين في لبنان، وأطهرت تبايناً واسعاً في مقاربة الطرفين لبنود مشروع الاتفافية، حيث رفضت دمشق غالبية ما تضمنته، بوصفها لا تلبي الحد الأدنى من مطالبها بخصوص استعادة السجناء السوريين.

وقالت المصادر، إن لبنان متعاون مع دمشق في معالجة ملف السجناء السوريين، ويقدّر رغبة سوريا في استكمال محاكمة الموقوفين لديها أو تنفيذ العقوبات داخل أراضيها، لكنها أقرّت بأن مشروع الاتفاقية يقتصر على المحكومين، ولا يشمل مَن لا يزالون يخضعون للمحاكمة، لأن تسليم الموقوفين يحتاج إلى قانون يصدر عن مجلس النواب اللبناني، وهو غير متاح حالياً، فيما قال مصدر سوري إن مشروع الاتفاقية “ملغوم”، ولا يمكن القبول به، كاشفاً عن خلافات مستحكمة حول بندين اعتبرت فيهما الحكومة السورية الانتقالية محاولة التفاف من الجانب اللبناني على نقاشات سابقة، يتمثل الأول بمنح الدولة المسلِّمة (لبنان) الحق في رفض تسليم أي محكوم أو موقوف من دون تقديم أي تبرير، الأمر الذي اعتبرته دمشق يتيح للبنان الحق بعدم تسليم أي سجين سوري دون مساءلة قانونية، فيما اعتبر السوريون البند الثاني تدخلاً في صلاحيات سلطاتهم، وخاصة المادة 10 التي أراد لبنان مطابقتها لاتفاقية مع باكستان، والتي تحرم الدولة المسلَّم إليها (سوريا) من منح عفو للمحكومين أو الموقوفين المسترجعين من لبنان، خلافاً لما تسمح به الاتفاقية مع باكستان.

وتسلط هذه التفاصيل، الضوء على الخلافات بين الجانبين وتباعد الرؤية بشأن مقاربة الملف، وتفتح الباب أمام احتمالات لسيناريوهات متعددة، ترتبط بشكل أساسي إلى جانب موقف وأوراق كل طرف، بالموقف الإقليمي والدولي ومدى دعم أطراف أخرى لموقف كل جهة، لاسيما في ظل التطورات التي تشهدها سوريا والمنطقة، وحديث المبعوث الأميركي إلى سوريا توماس باراك في أكثر من مناسبة عن إمكانية “ضم لبنان إلى سوريا” في حال تعثر حلحلة الملفات الداخلية اللبنانية وعلى رأسها سلاح “حزب الله”.

الملفات رهن العلاقات السياسية

وبشأن مستقبل العلاقة والملفات المعلقة بين سوريا ولبنان، يشدد الكاتب والباحث السياسي ميشال الشمّاعي المقيم في بيروت، على أن “العلاقات هي رهن بالعلاقات السياسية بين الحكومة اللبنانية والسورية، حيث أنه لا يمكن أن يكون هناك تواصل بين سوريا وأي فريق لبناني أو بالعكس دون الرسمي”، معرباً عن اعتقاده بأن “الملفات العالقة سيتم حلحلتها خلال الفترة المقبلة، ريثما يتم الانتهاء من إعادة تشكيل السلطة في البلدين بشكل كامل”، مؤكدأً في الوقت نفسه خلال تصريحات لـ”963+”، على أن “الملفات يمكن حلها بشكل منفصل، لكن إن تم الوصول إلى توقيع اتفاق رسمي بين الجانبين، عندها يمكن الوصول إلى حلول نهائية بشكل أسرع”.

ويشير الشمّاعي، إلى أنه “لا يمكن استمرار ملف السجناء والمفقودين والأسرى بالسجون السورية أيام نظام بشار الأسد، بل يجب الوصول إلى نهاية لهذا الملف”، معتبراً أن “الولايات المتحدة الأميركية يمكن أن تلعب دوراً في حل الملفات العالقة بين سوريا ولبنان، على اعتبار أن لها دور كبير بعد التغيير الذي حصل في منطقة الشرق الأوسط”.

ضباط النظام المخلوع

ويلفت، إلى أن “ملف عناصر وضباط النظام السوري المخلوع الذين فروا إلى لبنان يشكل تهديداً أمنياً حقيقياً لسوريا، لا سيما عبر المعابر غير الشرعية التي يسيطر عليها حزب الله في الجانب اللبناني، إلى جانب ملف المعتقلين السوريين الذين جرى اعتقالهم في لبنان إرضاءً للنظام المخلوع، وعدم اتخاذ خطوات جادة من بيروت بشأن إطلاق سراحهم خاصةً معتقلي الرأي، وهو أمر مرتبط أيضاً بمدى نفوذ حزب الله داخل المؤسسات الوطنية اللبنانية”.

وحول ترسيم الحدود، يؤكد الشمّاعي، على أن “هناك القرار 1680، والأبراج التي بنتها بريطانيا، حيث يجب تعزيز أفواج الحدود بين البلدين والقوات الأمنية لحفظ أمن الحدود”، ويشدد بالوقت نفسه على أن “على السلطات اللبنانية التحرك واتخاذ التدابير المناسبة لتسليم ضباط النظام المخلوع إلى سوريا، على اعتبار أن أيديهم ملطخة بالدماء السورية، وبعض القادة اللبنانيين كالرئيس رفيق الحريري، وجبران تويني، وأنطوان غانم، ومحاولة اغتيال الوزير مروان حمادة”.

وينوّه الشمّاعي، إلى أن “أول ما يجب إلغاؤه هو اتفاقية الأخوة والتعاون والتنسيق الموقعة بين سوريا ولبنان، والتي تم بموجبها احتكار المرافق اللبنانية، والسيطرة على كل مقدرات الدولة اللبنانية”، مشيراً إلى أنه “في حال استمرار الملفات العالقة بين البلدين، فإنه يتوجب على الحكومة اللبنانية أن تتخذ القرار الذي تراه مناسباً للدولة السورية وللبنان، وأن تقوم بالضغط من أجل التوصل إلى حلول مرضية للطرفين، حيث أنه لا يمكن أن تحدث أي مقاطعة بين الجانبين”.

وفي آب/ أغسطس الماضي، قال وزير الداخلية والبلديات اللبناني أحمد الحجار، إن الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية يشكلون 30% من مجموع السجناء في البلاد، وأضاف أن عدد السجناء السوريين في لبنان بلغ نحو 2400 سجين، مشيراً إلى أن بيروت لا تتوجس خطراً تجاهها من سوريا، وأن التنسيق بين البلدين قائم في القضايا المشتركة.

ومطلع تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، قال مصدر أمني لبناني، إن الجيش منع عسكريين سوريين من التمركز على تلة متنازع عليها بين البلدين عند جرود عرسال الحدودية، وأشار إلى أن وحدة عسكرية تابعة لوزارة الدفاع في الحكومة السورية الانتقالية تقدر ب 20 عسكرياً تمركزت في محلة الحلوة في البقاع كانت تشغلها “منظمة الصاعقة”، وأن الجيش اللبناني يعمل على إعادتهم إلى سوريا، موضحاً أن بلاده لا تمانع التنسيق مع الأمنيين في سوريا، إلا أنها لا تقبل بدخول أي عسكري سوري إلى الاراضي اللبنانية على طول السلسلة الشرقية من جبال لبنان.

وكان الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، قد تقبّل يوم الأربعاء الماضي، أوراق اعتماد سفير الجمهورية اللبنانية لدى سوريا هنري قسطون، في قصر الشعب بحضور وزير الخارجية في الحكومة الانتقالية أسعد الشيباني، في خطوة تهدف إلى تصحيح العلاقات بين البلدين وفتح صفحة جديدة من التبادل الديبلوماسي، بحسب ما نقلت حينها الرئاسة السورية في بيان رسمي.

+963

—————————————

سوريا ولبنان: حتى لا تُهدر الفرصة التاريخية/ صهيب جوهر

ديسمبر 21, 2025      

منذ التحوّل الكبير الذي شهدته سوريا مع سقوط نظام الأسد، دخلت العلاقات اللبنانية–السورية مرحلة غير مسبوقة من حيث الإمكانات المتاحة، لا من حيث النتائج المحققة. فالتحوّل لم يقتصر على تبدّل الوجوه في دمشق، بل طال الفلسفة السياسية التي تحكم مقاربة سوريا لجوارها، وفي مقدمته لبنان، الذي لطالما دفع ثمن اختلال هذه العلاقة واستخدامه كساحة نفوذ وتصفية حسابات.

اليوم، تقدم دمشق بقيادة الرئيس الشرع، نموذجاً مختلفاً في التعاطي مع لبنان، يقوم على الفصل بين الماضي والحاضر، وعلى بناء علاقة قائمة على السيادة المتبادلة والمصالح المشتركة. وهذا التوجّه لا يعبّر عنه فقط خطاب الشرع في العلن، بل تؤكده سلسلة خطوات عملية، كان أبرزها الانفتاح السياسي المباشر على المسؤولين اللبنانيين، من دون وسطاء أمنيين أو قنوات موازية، في سابقة لم تعرفها العلاقة منذ عقود.

في هذا السياق، جاءت زيارة نائب رئيس الحكومة طارق متري إلى دمشق لتشكّل اختباراً عملياً لهذا المسار الجديد. فاللقاءات التي عقدها متري مع الرئيس الشرع ووزيري الخارجية والعدل لم تكن محصورة في المجاملات الدبلوماسية، بل تناولت الملفات الثقيلة التي طالما شكّلت مصدر توتر بين البلدين.

والأهم أن هذه الزيارة أعادت تثبيت مناخ سياسي إيجابي سبق أن بدأ مع زيارة الوزير أسعد الشيباني إلى بيروت، وما تبعها من لقاءات مباشرة بين رئيسي البلدين واتصالات منتظمة، لا سيما فيما يتعلق بالحدود الشرقية والملفات الأمنية الحساسة.

ما يميّز هذه المرحلة أن البيئة السياسية العامة باتت مهيّأة نظرياً لتحقيق اختراقات حقيقية. فالحكومتان في بيروت ودمشق تتقاطعان في توجهاتهما الإقليمية، وتبتعدان عن منطق المحاور الصدامية، وتسعيان إلى إعادة التموضع عربياً ودولياً.

كما أن التعاون الحدودي، الذي لطالما كان نقطة ضعف في العلاقة، يشهد تقدّماً ملحوظاً برعاية سعودية، تُرجم باتفاقات أمنية ولقاءات مباشرة بين المؤسستين العسكريتين في البلدين. أما ملف اللاجئين، فقد دخل مساراً عملياً بعد إطلاق برنامج العودة الطوعية، مع أرقام عودة كانت حتى وقت قريب خارج الحسابات السياسية الواقعية.

واللافت في المقاربة السورية الجديدة تجاه لبنان أنها تبتعد بوضوح عن إحدى أكثر الممارسات التي وسمت مرحلة الأسدين، والمتمثلة في فتح الأبواب أمام الزعامات والقيادات والشخصيات السياسية خارج إطار الدولة، واستخدام هذه القنوات لتجاوز المؤسسات الرسمية أو تطويع القرار اللبناني من الداخل.

فدمشق اليوم تتعامل مع لبنان حصراً عبر الدولة ومؤسساتها، وتحرص على أن يمر أي نقاش أو تفاهم من القنوات الرسمية، في تعبير واضح عن نضج سياسي وإدراك لتغيّر قواعد العلاقات بين الدول.

وهذا التحوّل، الذي قد يبدو بديهياً في العلاقات الدولية الطبيعية، يشكّل صدمة غير معلنة لبعض القوى اللبنانية التي اعتادت تاريخياً إدارة علاقتها مع سوريا عبر مسارات شخصية أو فئوية، لا عبر منطق الدولة، وهو ما يفسّر جانباً من الإرباك القائم أكثر مما يعبّر عن وجود خلاف سياسي حقيقي مع دمشق.

ومع ذلك، فإن هذا المشهد الإيجابي يصطدم بواقع لبناني داخلي شديد التعقيد. فالتقدّم البطيء لا يبدو ناتجاً عن غياب نية سورية أو تردّد سياسي في دمشق، بقدر ما يعكس عجز الدولة اللبنانية عن اتخاذ قرارات واضحة في ملفات لا تزال تُدار بمنطق التوازنات الطائفية والخشية من ردود الفعل الداخلية. هذا التناقض بين العرض السوري والانكفاء اللبناني يشكّل اليوم جوهر الإشكالية في العلاقة الثنائية.

يتجلّى هذا الخلل بأوضح صوره في ملف الموقوفين والمحكومين السوريين في السجون اللبنانية. فبالنسبة إلى الحكم السوري الجديد، يُعد هذا الملف اختباراً لنوايا لبنان الفعلية في طيّ صفحة الماضي، وليس مجرد قضية قانونية أو إجرائية.

وقد أبدت دمشق استعداداً صريحاً للتعاون، بما في ذلك توقيع اتفاق قضائي يأخذ في الاعتبار كل التحفظات اللبنانية، ويستثني القضايا الحساسة المرتبطة بالإرهاب أو الجرائم الكبرى. لكن هذه المرونة السورية تصطدم بحسابات لبنانية داخلية، يتداخل فيها الخوف الطائفي مع الاستثمار السياسي ومع ضغوط قوى نافذة لا ترى مصلحة في فتح هذا الملف في هذه المرحلة.

زيارة الوفد القضائي اللبناني إلى دمشق كشفت بوضوح هذا التباين في المقاربات. ففي حين كان الجانب السوري يميل إلى حل شامل يطوي الملف دفعة واحدة، فضّل الجانب اللبناني مقاربة تجزيئية حذرة، تحوّل معها الملف من فرصة لبناء الثقة إلى عبء إضافي على العلاقة. ومع ذلك، فإن اللافت في السلوك السوري هو غياب أي نزعة تصعيدية، بل الإصرار على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، والتعامل مع التردّد اللبناني كمعطى سياسي لا كموقف عدائي.

ولا يقتصر هذا المشهد على الملف القضائي وحده. ففي قضايا شديدة الحساسية مثل مزارع شبعا، يعتمد الرئيس الشرع خطاباً واقعياً يقرّ بتعقيدات الترسيم وارتباطه بعوامل إقليمية ودولية، ولا سيما الوجود الإسرائيلي، لكنه في الوقت نفسه لا يتنصّل من المبدأ السياسي القائل بلبنانية المزارع. هذا التوازن في الخطاب يعكس رغبة سورية في نزع الذرائع التي استخدمت سابقاً لتبرير استمرار السلاح خارج الدولة اللبنانية، من دون الدخول في اشتباكات سياسية غير منتجة.

كذلك، يبرز ملف فلول نظام الأسد الموجودين في لبنان كعامل صامت في العلاقة. فدمشق تنظر بريبة إلى وجود ضباط ومسؤولين سابقين متورطين بانتهاكات جسيمة، جرى تأمين خروجهم إلى لبنان وحمايتهم سياسياً وأمنياً. وعلى الرغم من أن هذا الملف لا يُطرح علناً كشرط سياسي، فإن معالجته بجدية من الجانب اللبناني ستشكّل رسالة ثقة إضافية للحكم السوري الجديد، وتؤكد أن بيروت مستعدة فعلًا لقطع الصلة مع مرحلة انتهت.

في الخلاصة، تبدو دمشق اليوم أكثر جاهزية سياسية للانتقال إلى علاقة طبيعية مع لبنان مما هو عليه لبنان نفسه. فالقيادة السورية الجديدة تعرض تسوية تاريخية قائمة على احترام السيادة وطيّ صفحة الماضي، فيما لا يزال القرار اللبناني مثقلاً بتوازنات داخلية لم تُحدَّث أدواتها بعد. الفرصة لا تزال قائمة، لكن استمرار التردّد قد يحوّلها إلى فرصة مهدورة أخرى، في لحظة إقليمية لا تمنح هامشاً واسعاً للمراوحة ولا تنتظر من لم يحسم خياراته بعد.

الثورة السورية

—————————————

 مخاوف من “قتال سوري-سوري على الأراضي اللبنانية/ عبد الله قمح

الخميس 2025/12/25

ليس صحيحاً أن زيارة مساعد مدير جهاز الاستخبارات العامة السوري، العميد عبد الرحمن الدباغ، إلى بيروت الأسبوع الماضي، يرافقه خالد الأحمد الذي يُعدّ أحد أبرز المقرّبين من الرئيس السوري أحمد الشرع، كانت تهدف حصراً إلى البحث عن أنصار النظام السوري المخلوع المقيمين على الأراضي اللبنانية، سواء من رجال أعمال، ضباط أو عناصر سابقة في الجيش السوري والميليشيات المحلية التي تعاونت معه. غير أن ذلك لا يعني، في المقابل، أن الوفد لم يكن مهتماً بهذا الملف أو متابعاً لتفاصيله.

البحث عن “الفلول”

سعت بعض وسائل الإعلام اللبنانية إلى إظهار الزيارة على أنها جاءت بهدف استقصاء المعلومات والبحث عن هؤلاء “المطلوبين الجدد” في المقاهي والمطاعم، في سيناريو يصعب تصديقه ويشبه عملياً البحث عن “إبرة في كومة قش”. المؤكد في هذا السياق أن الوفد زار مطعمين على الأقل: الأول يقع في “الزيتونة باي”، تلبيةً لدعوة عشاء مع الوزير السابق علي حميّة بناءً على طلب خالد الأحمد. الثاني مقهى مجاوراً قضيا فيه بعض الوقت، مع الإشارة إلى أن معلومات متداولة تفيد بأن المكان الأخير بات مقصداً لبعض رجال الأعمال والضباط السوريين السابقين.

وعلى أي حال، لا يمكن نفي أن الأجهزة الأمنية السورية تعمل على استقصاء المعلومات وبناء ملفات حول ما تسميه “فلول” النظام السابق من رجال أعمال وضباط وعسكريين. ولا يُخفي متابعون للملف اعتقادهم بأن هذه الأجهزة تمتلك معطيات عن أنشطة ليست عسكرية بالضرورة لبعض هؤلاء على الأراضي اللبنانية.

فعلياً، حمل الوفد السوري هذه الهواجس إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية التي التقى بعض قادتها، من دون الغوص في ما يمتلكه من معلومات أو ما هو متوافر لدى الجانب اللبناني. فقط أثار الشكوك والتكهّنات مكتفياً بطرح أسئلة عامة.

عين الأجهزة مفتوحة

تتابع الأجهزة الأمنية اللبنانية الأنشطة السورية على الأراضي اللبنانية ضمن الإمكانات المتاحة، سواء تلك التي يقوم بها ناشطون معارضون للنظام السوري الجديد من أنصار النظام السابق، أو تلك العائدة إلى جهات محسوبة على الهيكل الجديد للدولة السورية، ولا سيما بعد التحركات التي سُجّلت في 8 كانون الأول الماضي في ذكرى “سقوط النظام” وما ترتب عليها من وضع أمني مستجد. وبحسب المعلومات، لم تُرصد حتى الآن نشاطات ذات أبعاد عسكرية للطرفين، كما لا تمتلك الأجهزة اللبنانية قاعدة بيانات مكتملة حول جميع “الفلول” الموجودين في لبنان، ولا سيما الذين دخلوا الأراضي اللبنانية بطرق غير شرعية. غير أن ذلك لا ينفي وجود عمل جارٍ لإعداد ملفات حول طبيعة الأنشطة التي يمارسها هؤلاء.

ويُشار هنا إلى أن لبنان شكّل ملاذاً آمناً لنشاط المعارضة السورية بين عامي 2011 و2024، وهي المعارضة التي باتت اليوم في موقع الحكم، فيما يتعامل لبنان حالياً مع أنصار النظام السابق وفق القوانين اللبنانية، أي ضمان وجودهم على الأراضي اللبنانية شرط التزامهم بها.

المنصات هدف

إلى جانب البعد الأمني، تبرز خشية لدى الأجهزة السورية لا تقتصر على نشاط المعارضين وقدرتهم على التأثير داخل المشهد السوري، بل تمتد إلى منصات ووسائل إعلام جرى ويجري افتتاحها في لبنان بشكل متواصل بتمويل شخصيات سورية. هذه المنصات، التي تتوجه بشكل أساسي إلى السوريين المقيمين داخل سوريا، تُتَّهم من قبل دمشق بالعمل على تأليب الرأي العام ضد الدولة، وافتعال مشكلات داخل البلاد، وإثارة النعرات الطائفية، والتحريض على العنف والانفصال. ويُعدّ هذا الملف من المطالب السورية المطروحة على الجانب اللبناني لإيجاد حل له، رغم أن الحكومة اللبنانية تتعامل مع هذه المنصات كما تتعامل مع سائر وسائل الإعلام العربية أو الأجنبية، شرط التزامها بالقوانين المرعية.

التهديد بالاغتيالات

في أعقاب هذا الاهتمام السوري، وبعد مغادرة الوفد بيروت، بدأ مقربون من النظام السوري الجديد بتسريب أجواء عن انزعاج سوري، ولا سيما لجهة ما يعتبره الجانب السوري عدم تعاون لبنان في ما يتعلق بتوقيف “الفلول” أو تسليمهم، ولا سيما أولئك المصنّفين من الدرجة الأولى والمحتمل وجودهم على الأراضي اللبنانية. وترافقت هذه الأجواء مع تداول روايات عن احتمال حصول أعمال أمنية انتقامية، من بينها تنفيذ اغتيالات، على قاعدة “آخر الدواء الكي”.

وقد تعزز هذا المناخ مع قيام صفحات سورية ببث تهديدات مباشرة لأنصار النظام السابق الموجودين على الأراضي اللبنانية، إلى جانب تداول صور أعضاء الوفد الأمني السوري خلال تجولهم في بعض مطاعم وشوارع العاصمة بيروت على أنه نشاط يرمي للبحث عن الفلول ، وجرى تقديم ذلك على أنه استعراض أمني يهدف إلى إظهار الجدية و”علو اليد”.

اغتيال قيادي في “الطراميح”

جاءت تلك الحملة بنتائج سلبية. لم تمض أيام على تفعيلها حتى عثر على الشاب السوري غسان السخني فجر يوم الاثنين – الثلاثاء جثةً هامدة في إحدى قرى قضاء جبيل، ليتبين لاحقاً أن السخني تم استدراجه من منزله في جونية (قضاء كسروان)، وأقتيد على متن سيارة بيضاء اللون، في حادثة قُرئت على أنها “رسالة أمنية” وبداية محتملة لمسلسل تصفيات على الأراضي اللبنانية، وهو السيناريو الذي تخشاه الأجهزة اللبنانية بشدة.

والقتيل ينحدر من بلدة قمحانة في ريف حماة الشرقي، وكان أحد قادة ميليشيات “الطراميح” (وهي عشيرة سورية تتمركز في حماة)، والتي كانت تُعدّ ذراعاً من أذرع اللواء السوري السابق سهيل الحسن، المعروف بـ”النمر”. وقد فتحت الجريمة الباب على سيناريو كان يُفترض أنه مستبعد، ودفعت الأجهزة الأمنية اللبنانية إلى فتح تحقيقات فورية وجدية وعلى درجة عالية من الاهتمام، أسفرت التحرّيات في نتيجته عن توقيف السوري وديغ داغر في عكار. وعلمت “المدن” أن داغر كان في صدد الفرار من الأراضي اللبنانية من خلال معبر غير شرعي.

المفاجأة، أن داغر يعد أحد المقرّبين من خالد الأحمد، وناشط في لجنة السلم الأهلي التي أسسها الأخير لتسوية وضع السوريين من فلول النظام.

ما حدث مع السخني فتح أعين الأجهزة الأمنية اللبنانية التي تخشى من انزلاق الأمور إلى مواجهة سورية- سورية على الأراضي اللبنانية، أو تحولها إلى هجمات متبادلة أو من طرف واحد نظراً للكم الهائل من السوريين على أرضه. وما زاد الأمور تعقيداً، أن التحقيقات تميل بأكثريتها صوب ضلوع رسمي سوري بما جرى.

مكتب تسوية ومصالحات

قبل هذه التطورات، كان العمل جارياً في لبنان على إنشاء ما يشبه مكتب تسوية ومصالحة، بناءً على طلب دمشق وتحت إشراف ما يُعرف بـ”لجنة السلم الأهلي”، بهدف معالجة ملفات سوريين من أتباع النظام السابق، ولا سيما رجال الأعمال. ويُقال إن المشروع كان يسير خطوة خطوة نحو التنفيذ بالتنسيق مع الجانب اللبناني، غير أن مقتل “الطرموح” قلب المشهد رأساً على عقب، خصوصاً أن المؤشرات الأولية للتحقيق تفيد بأن القتيل كان في طريقه إلى تسوية وضعه تمهيداً للعودة إلى سوريا، بناءً على وعود سابقة، قبل أن يقع ضحية عملية استدراج انتهت بمقتله ذبحاً.

المدن

————————–

=======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى