مقالات تناولت مسألة النشيد السوري المرتقب

صياغة النشيد الوطني في السياقات الانتقالية/ فضل عبد الغني
ديسمبر 21, 2025
يمثّل ابتكار نشيد وطني خلال التحولات السياسية مهمةً بالغة الأهمية تتجاوز مجرد تأليف الموسيقى والكلمات. ففي أدبيات العدالة الانتقالية، يُنظر إلى الأناشيد الوطنية بوصفها رموزاً قوية للهوية الجماعية، قادرةً على تعزيز المصالحة أو ترسيخ الانقسام تبعاً للآلية التي تتشكل من خلالها.
وتؤكد الدراسات الخاصة بالتحولات السياسية أنَّ الرموز الوطنية لا تكتسب شرعيتها من قوة القرار أو سرعة اعتماده، بل من انبثاقها داخل أطرٍ شاملة وتشاركية، لا من خيارات متعجلة.
وتقدم التجارب المقارنة في الدول التي خاضت تحولات مماثلة إضاءات مهمة حول المعايير والآليات والأطر الزمنية اللازمة لصياغة نشيد وطني يُسهم إيجاباً في بناء السلام وترسيخ الديمقراطية. ويُظهر فحص هذه الأطر أنَّ الشرعية الإجرائية كثيراً ما تكون، في الأثر والنتائج، بمستوى أهمية المضمون الموضوعي عند تحديد ما إذا كان النشيد يوحّد المجتمع في المرحلة الانتقالية أم يعمّق انقساماته.
وتشدّد أدبيات العدالة الانتقالية على أنَّ الرموز لا ينبغي أن تُفرض على عجل، بل أن تتبلور تدريجياً عبر آليات مؤسسية تتيح المعالجة المجتمعية للأثر العاطفي للنزاع، وتضمن إشراك أصحاب المصلحة، وتُراكِم توافقاً حقيقياً حول معاني الهوية الوطنية المشتركة.
لقد اعتمدت أنجح عمليات اعتماد الأناشيد الوطنية في السياقات الانتقالية لجاناً متعددة التخصصات تمثل قطاعات متنوعة من المجتمع، بدلاً من الاقتصار على الهيئات الحكومية أو مسابقات تُدار من داخل الوزارات. ويُستشهد بالنموذج الجنوب أفريقي في هذا السياق بوصفه مثالاً معيارياً لدمج الاعتبارات الفنية والرمزية ضمن إطار سياسي جامع. فقد ضمّت اللجنة المسؤولة عن صياغة النشيد الوطني الهجين اثني عشر عضواً من اختصاصات وخبرات متعددة، شملت ملحنين وشعراء وأكاديميين وممثلين عن المجتمع المدني، بما أتاح موازنة الكفاءة الموسيقية والجودة الأدبية والحساسية الثقافية مع الحاجة إلى شرعية سياسية جامعة.
وتحدد الأدبيات بشكل متكرر فئات تمثيل أساسية لمثل هذه اللجان، تشمل: خبراء موسيقى وملحنين ذوي مؤهلات موثّقة؛ شعراء وأدباء ملمين باللغة الرمزية وإيحاءاتها؛ مختصين في التراث الثقافي على دراية بتقاليد متعددة؛ ممثلين عن المجتمع المدني ومدافعين عن حقوق الإنسان؛ ممثلين إقليميين ومجتمعيين مستقلين عن البنى الحزبية؛ خبراء في القانون الدستوري لضمان الاتساق مع المبادئ الدستورية والحقوق الأساسية؛ وممثلين عن الشباب لضمان الشرعية بين الأجيال. ويُسهم هذا التعدد في منع احتكار فئة بعينها لعملية صياغة النشيد، مع ضمان الحد الأدنى من الكفاءة الفنية والقانونية في آن واحد.
تكشف الدراسات عن قصورٍ بنيوي في المناهج التي تعتمد حصراً على مسابقات تُدار عبر الوزارات دون آليات تشاركية أوسع؛ إذ غالباً ما يُنظر إلى العمليات التي تقودها الوزارات بوصفها مركزية وإقصائية، بما يقوض ملكية الجمهور للرمز الناتج. كما تبرز مخاطر التسييس عندما تُهيمن الاعتبارات الحزبية على تشكيل لجان الاختيار، فتُقدَّم المصالح السياسية على حساب الجدارة والمعنى الجامع. وإضافة إلى ذلك، تفشل هذه المناهج عادةً في ضمان التشاور الفعّال مع الفئات الأكثر تضرراً من النزاع، بمن في ذلك النازحون والأقليات والناجون، وهو ما تُعده العدالة الانتقالية شرطاً جوهرياً في مقاربةٍ تتمحور حول الضحايا.
ومن دون جلسات استماع عامة ومعايير منشورة للتقييم، تبدو إجراءات الاختيار تعسفية وغير خاضعة للمساءلة؛ كما أنَّ الضغط السياسي يميل إلى تقليص مساحة المداولات الهادئة، بما ينتج رموزاً عاجزة عن التعبير الكافي عن الهوية الوطنية المركبة.
وتفترض شرعية النشيد الوطني في السياقات الانتقالية مشاركةً متعددة المستويات تُبنى على مراحل متتابعة. تبدأ المرحلة الأولى، وهي مرحلة التشاور العام واسع النطاق، وتمتد عادةً من ثلاثة إلى ستة أشهر، عبر حملات توعية مدنية تشرح الدور الدستوري للنشيد ومعايير اختياره، ومشاورات إقليمية لجمع التصورات حول القيم الجامعة والخطوط الحمراء، وإشراك المجتمع المدني من خلال منتديات وهيئات ثقافية، إلى جانب منصات رقمية تُيسّر مشاركة المغتربين.
تلي ذلك مرحلة مسابقة مفتوحة تُدار وفق إرشادات تقديم شفافة ومعايير تقييم معلنة تركز على الجدارة الفنية والشمولية وسهولة الأداء والغناء والملاءمة الرمزية. ثم تأتي مرحلة تقييم لجنة الخبراء، بما تشمل من فحص فني ومراجعة مضمون وإعلان مبررات الاختيار. وبعد ذلك، تخضع المقترحات النهائية لاختبارات أداء في المدارس والفضاءات العامة، مع فتح فترات منظمة لتلقي الملاحظات تُمكّن المجتمع المدني وجماعات الضحايا من إبداء الرأي. وأخيراً، يُسهم التصديق التشريعي أو الشعبي- عبر نقاشات برلمانية أو آليات استفتائية- في تثبيت الشرعية وتحصين الرمز من الطعن السياسي اللاحق.
وما أريد قوله باختصار، إنَّ صياغة النشيد الوطني في السياقات الانتقالية ليست مسألة ذائقة فنية بقدر ما هي اختبار لقدرة الدولة والمجتمع على إنتاج رمز جامع عبر مسارٍ مشروع وشفاف. فحين تُبنى العملية على تصميم مؤسسي تعددي، ومعايير معلنة، ومشاركة ممتدة زمنياً تتيح التوافق والتعافي الرمزي، يصبح النشيد أداة لترميم الثقة وتثبيت الانتماء المدني المشترك. أما التعجيل والإقصاء، مهما حسُنت النوايا، فينذر بتحويل الرمز إلى ساحة تنازع سياسي وإعادة إنتاج الانقسام. لذلك، فإنَّ الاستثمار في الشرعية الإجرائية هنا هو استثمار في السلم الأهلي وفي الأساس الرمزي للديمقراطية الناشئة.
الثورة السورية
——————————————–
سيرة ذاتية: مؤلف النشيد الوطني السوري/ إسلام أبو شكير
ديسمبر 14, 2025
أعلنت وزارة الثقافة منذ أيام عن مسابقة لاختيار نشيد وطني جديد.. وكعادة أي خطوة من هذا النوع، فقد أصبح الموضوع واحداً من أكثر الموضوعات إثارة للأخذ والرد، والرفض والقبول.. وأود هنا أن أعرض لجملة أفكار أحسبها ضرورية، وقد تكون غائبة عن أذهان الكثيرين ممن تحمسوا انتصاراً للفكرة أو رفضاً لها.
1- القضية بالنسبة لي لا علاقة لها بالجدل القانوني والدستوري المتعلق بصلاحيات الحكومة، وهي مؤقتة، وبالإعلان الدستوري الذي لم يتحول بعد إلى دستور دائم. هي كذلك حقاً، لكنني أترك الأمر للمختصين فيه، وأكتفي بالوقوف عندها بوصفها قضية وطنية بالدرجة الأولى ذات أبعاد وجدانية وتاريخية وفنية أرى أنها الأجدر بأن نتأملها ونجد طريقة لحسم أي نقاش حولها قبل الانتقال إلى الجوانب الأخرى.
2- في ظل ما يعيشه البلد من تحديات وانقسامات، فإن أي خطوة تتعلق بالرموز الوطنية يجب أن تُبنى على قاعدة تعزيز الوحدة، وتجنب كل ما من شأنه أن يحدث شروخاً مجتمعية إضافية.
والنشيد الوطني سيكون جزءاً من الحياة اليومية، حاضراً في المدارس والاحتفالات والمناسبات الرسمية والشعبية، وفي لحظات الحزن والفرح، والانتصار والهزيمة، وعلى المنابر الدولية، وفي المباريات، والمهرجانات، والمؤتمرات، وخلال مراسم تتويج الفائزين في المنافسات أياً كان نوعها.
هذا الالتصاق الحميم بتفاصيل الحياة اليومية، يقتضي منا التفكير ملياً باختيار النشيد كي يشعر الجميع بأنه يمثلهم، والحل الأكثر أماناً هو اختيار نشيد موجود يحظى بهذا القبول، بدلاً من الدخول في منافسة قد تثير حساسيات أو تعمق شروخاً نعمل أصلاً لردمها.
3- نشيد مثل (في سبيل المجد) يمتلك إلى جانب مضمونه الوطني العميق جماليات موسيقية وشعرية واضحة، لكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فمن الوارد جداً أن تسفر المسابقة عن نص يتفوق عليه في هذه القوة، لكنه قطعاً لن يمتلك قوة الحضور في الوجدان التي يمتلكها نشيد (في سبيل المجد).
هذا النشيد لم يكن من قبل نشيداً وطنياً رسمياً، لكنه ظل مع ذلك حاضراً في حياتنا على امتداد عقود، وواكب سلسلة معقدة وثرية من الأحداث الكبرى التي مررنا بها وعشناها.
الأكيد أن أي نشيد يكتب خلال عشرين يوماً هي المهلة المتاحة المعلن عنها، سيفتقر إلى تلك الطاقة الإضافية التي اكتسبها نشيد عمره عدة عقود، وسيبدو باهتاً مهما كان النص أو اللحن عظيماً، فالمسألة هنا ليست تقنية محضة، بل وجدانية بالدرجة الأولى.
تلك هي الطريقة الطبيعية التي تتكون عبرها الرموز الوطنية. فالعلم – على سبيل المثال – لم يقع الاختيار عليه عبر مسابقة، بل عبر رحلة طويلة تخللتها تحديات وآلام ودماء ودموع، كما تخللتها لحظات فرح ورقص واحتفال.
وكذلك النشيد الوطني، فشتان بين واحد يخرج على الناس من العدم عبر إعلان، وآخر حمله الناس في قلوبهم، وكبر معهم دمعةً دمعةً، وضحكةً ضحكة.
هذا ما يجعل المقارنة بين نص جديد مؤلَّف خلال عشرين يوماً، ونص عاش في الذاكرة الوطنية منذ جيل الاستقلال، مقارنة ظالمة من الأساس، بل غير منطقية، ولا مفهومة، ولا مبررة.
4- لا شك أن البلد يزخر بمواهب شعرية وموسيقية لا تقل في مستواها وقيمتها وقدراتها عن تلك التي أبدعت منذ عهد الاستقلال. ومن حق هذه الطاقات أن تكتب وتلحّن وتجرّب، وأن تجد فرصتها كما وجدها خليل مردم بيك مؤلف نشيد (حماة الديار)، وعمر أبو ريشة مؤلف نشيد (في سبيل المجد)، لكن إثبات الحضور لا يكون عبر قرار إداري أو مسابقة محدودة الزمن، بل عبر التجربة التي تفرض نفسها بمرور الأيام، وعبر التفاعل الطبيعي بين النصوص والناس.
الفرصة لا تفتح أبوابها عبر مسابقة، بل عبر جدارة تثبتها الأيام، وها هي متاحة أمام الشعراء كي يكتبوا، وأمام الموسيقيين كي يلحنوا، وقد يثبت أحد هذه الأناشيد حضوره بحيث يصبح خياراً مطلوباً على المستوى الشعبي والنخبوي معاً.
الجدارة إذاً تراكم وبناء طويل الأمد، وعطاء مستمر، واستجابات من المتلقين تصقلها وتؤكدها، وليس اغتناماً لفراغ طارئ، أو انتهازاً لفرصة سانحة فرضها ظرف من الظروف.
5- أدعو هنا إلى العودة إلى تجارب قريبة للاستفادة منها، كتجربة العراق على سبيل المثال في اختيار نشيد (موطني) لإبراهيم طوقان، فرغم أن إبراهيم طوقان فلسطيني وليس عراقياً فقد كان خياراً آمناً، وتم اللجوء إليه نظراً للمخاطر التي يمكن أن يقود إليها اعتماد نشيد جديد ليس له رصيد سابق في الوجدان.
يمكن النظر كذلك في التجربة الليبية التي عادت إلى النشيد القديم الذي سبق انقلاب القذافي، وهو نشيد (يا بلادي) الذي لحنه الموسيقار المصري محمد عبد الوهاب، وكان المبرر الذي قاد إلى اعتماده هو نفسه: الوجدان، والتاريخ.
أخيراً..
النشيد الوطني رمز أكثر منه نصاً، ووجدان أكثر منه مهارةً، وتاريخ راسخ متجذر أكثر منه اشتغالاً على اللغة أو النغمة.. وهو إضافة إلى ذلك تطلع نحو المستقبل، لكنه أيضاً جذر ضارب في أعماق الماضي.
وهو – في النهاية – ليس مباراة شعرية يضيف فيها الفائز إلى سيرته الذاتية عبارة: مؤلف النشيد الوطني السوري.
الثورة السورية
————————————
هوامش على جدل النشيد السوري المرتقب/ عبد الله مكسور
2025.12.19
خلال بعض الأسفار التي حملتني لبلدان مختلفة عبر عقدين من الزمان، جمعتني مدن عدة بلقاءات مع شعراء كتبوا أو شاركوا في بناء أناشيد لأوطان خرجت من عباءة الاستعمار، أو صاغوا أغانٍ لأحزابٍ كانت تحلم بالحكم، ولمنظماتٍ أو جماعات أرادت أن تمنح أتباعها معنىً يتجاوز اللحظة. القول الذي تكرر بينهم بصيغ مختلفة على اختلاف جنسياتهم: إنَّ النشيد ليس أغنية. وإنما موقف أخلاقي مُغنّى. قد تكون الموسيقا فيه سابقةٌ على الكلمات وقد تكون الكلمات فيه مقدّمةٌ على الموسيقا.
فالنشيد الوطني، ليس ما يردده الجمهور واقفاً لأن البروتوكول يفرض ذلك، بل نصٌّ شديد الكثافة، كُتب ليحمل ما لا تتّسع له الخطب ولا تحتمله الشعارات. فيه تتقاطع السياسة بالثقافة من دون أن تتصارعا، ويتسلل التاريخ إلى الوجدان الجمعي لا بوصفه سرداً، بل شعوراً. هو أحد النصوص التي تُؤسِّس للدولة من الداخل، مثل الدستور والعلم، لا لأنه يشرح القوانين أو يمتثل لها، بل لأنه يزرع الإحساس بأن هناك “نحن” تستحق أن تُسمّى وطناً.
وبالتالي فإنَّ كتابة النشيد الوطني لا تعني مخاطبة الحاضر، بل التجريب أن يكون هذا البلد الذي تُكتَبُ لأجلِه القصيدة جديراً بالمستقبل. لذلك فالنشيد الحقيقي لا يكتفي بأن يُعرّف الناس بما كانوا عليه، بل يقترح عليهم ما يمكن أن يصيروا إليه. لا يقول لهم إنّ هذه البلاد كانت مقبرة وإنما يخبرهم أنها ما تزال قابلة للحياة رغم كل شيء. إنه إعلان نوايا أخلاقي قبل أن يكون بياناً وطنياً؛ وعدٌ غير مكتوب بين الدولة ومواطنيها، يطلعهم بوضوح ويشاركهم بالرؤية: هذا ما نحلم أن نكونه معاً. ولأجل هذه النقطة بالضبط، يُفترض بالنشيد أن يكون أطول عمراً من أي سلطة، وأوسع من أي نظام. فالأنظمة تسقط أو ترحل، لكن الكلمات التي كُتبت بصدق تبقى، كذلك الموسيقى التي صيغت لتسع الفرح والحزن معاً.
النشيد الذي ينجح في ذلك لا يعود ملكاً للحاكم ولا للحظة الانتصار، بل يصبح ملكاً للناس، يُورَّث مثل الذاكرة، ويُردَّد لا خوفاً ولا عادة، ولكن لأنهم يجدون أنفسهم فيه. لأنه يعيد تعريف الداخل بذاته في كل كلمة، وفي ذات الوقت يقدِّمُ صورة مكثفة للخارج عن الكيفية التي تريد الأمة مجتمعةً أن تُعرِّف بها نفسها.
دلالات الدوائر الأدبية:
في منطق الدلالات الأدبية، يمكن تفكيك الدلالات الأساسية لأي نشيد وطني إلى خمس دوائر أدبية متداخلة فيما بينها. أولها الدلالة الجامعة وهذه يجب أن يكون حاملها خطابٌ لجميع المواطنين من دون استثناء، لا يتضمن انحيازاً بأي شكل إلى هوية فرعية “دينية، مذهبية، عرقية، أو أيديولوجية”. فالنشيد الرسمي لا يُكتب للأغلبية فقط، وإنما للمواطنين جميعاً بوصفهم شركاء متساوين في الوطن. وثاني الدلالات الأساسية في هذا التركيب تقوم على الدلالة الزمنية المفتوحة وهذه تقوم – وفق تقديري- على عدم الإغراق في تمجيد لحظة تاريخية واحدة، ولا تُقيّد نفسها بسياق سياسي آني. لأنه من المفترض أن يكون النص قابلاً للعيش في أزمنة مختلفة، ويحتمل التأويل عبر الأجيال. أما الدائرة الثالثة في تفكيك دلالات النشيد الوطني تكمن في الأساس الأخلاقي. فكثير من الأناشيد العظيمة لا تُمجِّد القوة العسكرية بقدر ما تُبرز قيماً مثل الحرية، الكرامة، التضحية، العدالة، والعمل المشترك. ركيزة أخرى تبرز عن النشيد الوطني، وتقوم على الدلالة الوجدانية القائمة على الموسيقى واللغة التي يجب – بشكل أو بآخر- أن تُنتج استجابة شعورية مشتركة؛ تعزز الإحساس بالانتماء، لا بالخوف، وبالاعتزاز لا بالاستنفار والتوتر الدائم. ومن نافلة القول أن نشير إلى الدائرة الأخيرة التي تستند إلى الدلالة السياسية غير المباشرة. فالنشيد ليس بياناً حزبياً ولا خطاباً سيادياً يمثِّل جماعة بعينها، بل صيغة إعلانٍ يحمل رؤية ضمنية للدولة: هل هي دولة حرب دائمة أم دولة حياة؟ دولة عقيدة واحدة أم دولة مواطنة؟
دول ما بعد الخراب:
إن محاكمة اللحظة السورية وحالة الجدل الدائرة حول مسابقة النشيد الوطني المرتقب، التي أعلنت عنها وزارة الثقافة ثم شاب شروطها التعديل والتمديد. تتطلب نظرة شاملة عامة على الأناشيد الوطنية في الدول الخارجة من الحروب والصراعات. وفق إطّلاعي فإن تلك الكيانات الجديدة واجهت سؤالاً شبيهاً بالسؤال السوري اليوم: كيف نكتب نشيداً لوطنٍ ممزق من دون إعادة إنتاج الانقسام؟. ولأن الأشياء تغدو أقرب بالأمثلة سأستعرض تجارب حقيقية ربما يمكن التفكير بجوهرها لا بالطريقة والظروف التي صيغت بها، ففي جنوب إفريقيا التي انتقلت بعد سقوط نظام الفصل العنصري من الصراع العرقي إلى التعدد الرمزي. اعتمدت نشيداً مركباً يدمج لغات متعددة وألحاناً مختلفة، في رسالة واضحة مفادها أنَّ الوطن ليس ملكاً لذاكرة واحدة. فالنشيد في الدولة التي تملك حقيقة لا مجازاً ثلاثة عواصم لم يمحِ الماضي، لكنه رفض أن يُختزل فيه. أما في رواندا فقد تخلّت عن نشيدها السابق المرتبط بفترة الانقسام والإبادة الجماعية، واعتمدت نشيداً جديداً يركز على الوحدة والمستقبل والعمل معاً، مع حذف أي إشارات إثنية. وهنا يمكن الإشارة إلى أنَّ الصمت المتعمَّد عن الهويات القاتلة كان خياراً سياسياً أخلاقياً. في حين في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية فقد تم اختيار مقطع واحد فقط من كلمات النشيد القديم مع إسقاط كل الحمولات القومية العدوانية، وهذا ما يعرف أدبياً بالتنقية الرمزية، وسياسياً بمنطق اللا قطيعة كاملة مع الماضي.
الخلاصة التي يمكن الوقوف عليها من الاستعراض السريع لهذه التجارب المختلفة، أنّ الدول الخارجة من صراعٍ أو حرب تميل إلى واحد من ثلاثة مسارات: فإما قطيعة كاملة مع النشيد السابق. أو إعادة تأويل وانتقاء جزئي. أو الذهاب باتجاه إنتاج نشيد جديد محايد لغوياً ورمزياً.
لحظة الجدل السوري:
في سوريا بعد سقوط نظام الأسد، عاد سؤال النشيد الوطني إلى الواجهة بوصفه سؤالاً عن الهوية، لا عن الموسيقى. الجدل الدائر اليوم يكشف انقساماً عميقاً بين ثلاث مقاربات رئيسية – وفق رصدي- الأولى تقوم على فكرة القطيعة الكاملة. وهذا ترى أن أي رمز استُخدم في عهد نظام الأسد يجب استبعاده، بغضّ النظر عن سياقه التاريخي السابق. والثانية تعمل على إيقاع مقاربة الاستعادة التاريخية. وهذه تدعو إلى استعادة “حماة الديار” بوصفه نشيداً وُلد قبل مرحلة الاستبداد والانقلابات العسكرية، ويمكن إعادة تأويله خارج إرث النظام البائد. أما الاتجاه الثالث فيقدِّم مقاربة الأسلمة الرمزية التي تسعى إلى منح النشيد طابعاً دينياً واضحاً، بوصفه انعكاساً لهوية المجتمع، خاصة بعد فشل فرض هذه الهوية في العلم أو الشعار. وهذه المقاربة هي الأكثر إشكالية، لأنها تُحمِّل النشيد وظيفة إقصائية، وتحوّله من رمز وطني جامع إلى إعلان هوية دينية، وهو ما يتناقض مع الإعلان الدستوري أولاً. ومع تجارب الدول الخارجة من الصراع، والأهم مع طبيعة المجتمع السوري المتعدد.
أمام هذا على الدولة السورية الحالية أن تملك الإجابات على الأسئلة التالية: ماهو أجمل نشيد يريده السوريون؟ وأي سوريا نريد أن نُغنّي لها؟. هل هي سوريا الذاكرة الجريحة أم سوريا العقد الاجتماعي الجديد؟ هل هي دولة غالبة أم دولة جامعة؟ هل نريد نشيداً يعبئ الناس لمواجهة قادمة، أم نشيداً يُعيد تعريف معنى الانتماء بعد الخراب؟، وفي منطق المجالس هل سيكون السوريون أمام نشيد على شاكلة “لبّت لبّت” أم ” سنخوض معاركنا معهم” أم ” موطني” أم “حماة الديار”؟ أم “في سبيل المجد”؟. وأمام هذا على صاحب القرار أو من تصدّى له ألا يَطلب أن يكون النشيد بطولياً أو غنائياً بقدر ما يشترط أن يكون صادقاً، حذِراً، ومتواضعاً أمام الألم. لا يُقصي أحداً، ولا يَعِد بما لا تستطيع الدولة بمختلف منظوماتها الوفاء به.
موقع النشيد في الدولة والمجتمع:
إن اختيار النشيد الوطني السوري الجديد ليس تفصيلاً ثقافياً أو مسألة ذوق فني، ولا قراراً بروتوكولياً يمكن تأجيله أو تمريره بهدوء أو من خلال مسابقة يقاطع المشاركة بها كثير من المبدعين السوريين أو غيرهم، في تقديري المسألة أعمق من هذا ويمكن وضعها في خانة الاختبار العميق المبكر لجوهر الدولة المقبلة التي يُراد بناؤها أو التي يتم الوعد ببنائها بشكل يليق بالسوريين.
فالنشيد الذي يُكتب من موقع الغلبة، أو من نشوة انتصار فئة على أخرى، يحمل في داخله بذور هشاشته ورفضه وسقوطه. قد يُلهب الحماس في لحظته الأولى لجموع من البشر، لكنه سرعان ما يتحول إلى نص إقصائي، يذكّر المهزومين بخسارتهم بدل أن يفتح لهم باب الانتماء. مثل هذا النشيد يعيش فقط بمستوى عمر السلطة التي أنجبته، ثم يسقط معها أو يُفرَغ من معناه. في المقابل، النشيد الذي يُكتب بوعي الخسارة المشتركة، وباعتراف صريح أو ضمني بأن الجميع دُفعوا ثمناً باهظاً أو غير باهظ، لكنهم جميعاً يمتلكون الآن في لحظة تاريخية فرصة نادرة للاستمرار. إنه لا ينكر الألم ولا يستثمره، بل يحوّله إلى لغة جامعة، تسمح للسوريين أن يقفوا تحت لحن واحد من دون أن يُطلب منهم إنكار جراحهم أو هوياتهم. عندها فقط، يمكن للنشيد أن يصبح جسراً رمزياً فوق الركام، لا إعلان انتصار، بداية سردية وطنية جديدة، أكثر تواضعاً، وأكثر صدقاً، بعيداً عن مركزية زائفة وجماعة متخيّلة، وأقرب إلى معنى الدولة بوصفها عقداً بين المختلفين لا مكافأة للغالبين.
تلفزيون سوريا
——————————



