تشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

حول الجيش العقائدي سابقاً ولاحقاً/ موفق نيربية

10 أيلول 2025

لعلّ ما يمكن أن يكون المقصود من مفهوم «الجيش العقائدي»، الذي قام حزب البعث سابقاً بوضعه أساساً للجيش في سوريا، قبل أن يتهتّك مع تهتّك الدولة في العقدين الأخيرين، هو بناء جيش يتميز بتركيزه على القيم والمبادئ الأيديولوجية، حيث تكون الأساس الذي يُبنى عليه الولاء والانتماء. وكان بناء الجيش السوري وعقيدته، قائماً على الفكر والسياسة البعثيين في الشكل، وعلى الولاء للقائد في المضمون.

تستعيد هذه المقالة ذلك المفهوم للنظر في أهميته بذاته حتى الآن، بناءً وخراباً!

يكون التركيز على الولاء الأيديولوجي أولاً، عندما يتبنى الجنود وقادة الجيش عقيدة سياسية، أو عسكرية محددة تتجاوز الانتماءات الوطنية التقليدية، ما يجعل الولاء للأيديولوجيا جزءا أساسيا من الهوية العسكرية.. ويتجسّد ذلك الولاء بآليّات شبه حتمية على شكل ولاء للقائد. وفي ذلك الجيش يتم تدريب الجنود ليس فقط على المهارات العسكرية، ولكن أيضا على مبادئ وعقائد معينة، بحيث يصبح الجنود معتمدين على هذه الأفكار في تنفيذ المهام. وبشكلٍ آليّ أو مسيطر عليه، غالبا ما تتضمن عمليات التجنيد في الجيش العقائدي اختيار الأفراد بناءً على إيمانهم وخلفياتهم الأيديولوجية، ما يضمن تشكيل قوة متجانسة فكريا، أو لنقل «عقلياً».

من جهة أخرى، واستكمالاً للدائرة، اعتمد الجيش العقائدي على زخم سياسي قوي، حيث تكون له علاقة وثيقة بالحزب الحاكم أو النظام السياسي القائم، ما يضمن له الموارد والدعم اللازم لتحقيق أهدافه. يحصل التماهي أحياناً وبالتدريج ما بين السلطة المدنية وتلك العسكرية، التي فهمت اللعبة، ليكون هناك صراع بينهما في البداية، حتى تستقرّ الأمور بين أيدي أصحاب السلطة الحقيقيين.. ذلك لا ينفي قوة أصحاب السلطة والقرار الاقتصاديين/ الماليين أيضاً، بما يشكّله ذلك الجانب من قدرات خاصة بدوره. في حالة حزب حاكم حديدي متماسك، ودولة لم تفقد جوانب قوّتها الأخرى القادرة على المنافسة، يمكن للجيش العقائدي أن يستمرّ ويحقق نجاحات، كما حدث مع الجيش النازي، ومع الجيش السوفييتي في ظروف ومعادلات محددة. لكنّه في دولة فاتها قطار الحداثة والتحديث، لن يستطيع المقاومة إلا لوقت محدود، مع التأخّر السياسي والاجتماعي السائدَين، كما كان الوضع في سوريا في عهد الأسدين، على سبيل المثال لا الحصر.

ففي سوريا، حدث «الخطأ» المتعارف على أنه حدث في العراق إثر سقوط نظام صدّام حسين والاجتياح الأمريكي، وتمّ حلّ الجيش، لكنّ الذين لاموا الحدث العراقي لم يفعلوا ذلك بالشدّة نفسها في الحالة السورية، حيث كان الجيش مهلهلاً ويكاد يكون مجموعة من الميليشيات اللامركزية الانضباط، ما بين الإيرانيين والروس وعائلة الأسد. لذلك، لم يجد الجيش السوريّ من يتأسّف عليه، إلّا لماماً.

لقد وصلت «قوات ردع العدوان»، التي تقودها هيئة تحرير الشام خلال أيام معدودة إلى دمشق، وذاب أمامها النظام. وكانت هناك قوى أخرى تعمل بالتنسيق أو بالتوازي، أبرزها «الجيش الوطني السوري» القريب- جداً- من تركيا. لكن فاعلية الأخير انصبّت باتّجاه الشرق نحو «الخطر» الكردي، في ذلك الوقت على الأقل، وشوهدت في «النفير العام» في الساحل. أُعلن عن حلّ جميع القوى والتشكيلات العسكرية والسياسية، للبدء بتأسيس قوة للأمن الداخلي وأخرى للخارجي: الأمن العام، الجيش العربي السوري. وطُلب من الجميع تفكيك قواهم والانضمام فرادى إلى هذين التشكيلين، في حين انتقلت الهيئة السياسية، التي كانت مع «حكومة الإنقاذ» في إدلب إلى دمشق، لتقود تفاصيل سياسة النظام الجديد. ليس صعباً إذن استنتاج أن»الهيئة» تتحكّم بالعملية معتمدة على نموذجها الأصغر السابق.

هيئة تحرير الشام أساساً تنظيم تقوم نواته الحديدية على الفكر السلفي الجهادي، الذي يُقال حالياً أن موجة عارمة من البراغماتية قد اعترته، مع تلميحات بالتغيّر وتهدئة الرؤوس الحامية. يمكن الإشارة إلى مظاهر مختلفة يشكّل مجموعها هيمنة ما زالت للفكر السلفي، منها «الدعوة» و»الشيخ» المتحكّم في كلّ زاوية من جهاز الحكم الجديد الإداري والاقتصادي، ممّا يذكّر بمفرزة الأمن السابقة، مع أيديولوجيا جديدة متفاوتة التمسّك والتطرّف بين مكان وآخر، وزمان وآخر.

تؤكّد هذا الاستنتاج جملة النشاطات- وليس كلّها- التي حدثت حتى الآن: في الساحل والسويداء، وفي حوادث كثيرة لا يمكن التسليم بأنّها «أعمال فردية». رغم ذلك لا يمكن نفي إمكانية وجود نوايا لتطويّر وتحديث الإرث القديم، بأشكال غير واضحة حتى الآن، لم تتجلّ وتنعكس كأيديولوجيا دينية وحسب، بل طائفية أيضاً في ظواهر غير خافية على الإطلاق. التساؤل الذي يريد طرحه هذا المقال هو: هل نحن أمام محاولة لتأسيس جيش عقائدي جديد، ومؤسسة أمنية عقائدية جديدة أيضاً؟

لقد مرّت الفصائل المعارضة السورية بتحوّلات عاصفة لعقد كامل، حوّلتها إلى ميليشيات تعتمد أساليب مختلفة من الفساد والتهريب والخوّات والعصبيات الفارغة، من دون إغفال ما بقي من جذور «الجيش السوري الحرّ» في أكثر من مكان. بالتأكيد نجت «هيئة تحرير الشام» إلى حد كبير من هذا المسار، وهذا أساس اعتمادها للمهمة الكبرى، بالإضافة إلى انضباطها المتميّز. لكنّ ذلك الانضباط وتلك الفاعلية نفسهما كانا من نتاج «الأيديولوجيا» أيضاً! هذا يعني أن المسألة أكثر تعقيداً مما هو ظاهر! وأن الخيار المنطقي مؤقّتاً كان يمكن أن يكون تأسيس الجيش على الأيديولوجيا المخفّفة والمضبوطة، كما حدث ـ على ما يبدو- في تأسيس جهاز «الأمن العام» بطريقة أكثر نجاحاً.. وغير معروف إن كان هذا سينتج طائفية مخفّفة كأيديولوجيا، وفساد مخفف يكون من عوامل الحوكمة العسكرية! وبتكرار المعزوفة المعروفة حول الضرورة المطلقة لحصر حمل السلاح وحق ممارسة العنف في بناء الدولة، وأن الجيش كقوة سيادة أمام الخارج تحفظ الحدود، والأمن الداخلي كقوة أمان وانضباط في المجتمع الداخلي، يكون مسار العقائدية هنا بدوره تكراراً للمسار القديم، مع سرعة أكبر بكثير للأسطوانة واللحن المرافق لتقدّم الأحداث وتطوّرها.

تحتاج أية دولة معاصرة إلى جيش «محايد» حتى تتبلور وتتقدّم، وليس لأيّ مشروع للجيش العقائدي، والأمن العقائدي، وللحزب الواحد العقائدي أن يضمن ذلك على الإطلاق. وقد تلعب القوى المسلحة العقائدية دوراً في الصراعات الأهلية أو الثورات، حيث تتنافس الأيديولوجيات المختلفة على السيطرة. تحتاج السلطة المؤقّتة في سوريا إلى ورشة عمل كبيرة لإعادة النظر في كثير من بديهيّاتها، قد تُضطرّ فيها إلى التخلّي عن بعضها، وتقبل أسساً جديدة وأكثر معاصرة وقابلية للتقدّم والحياة.

كان تأسيس الدول الجديدة وعمرانها أيّام ابن خلدون يعتمد بالفعل على «العصبيات»، التي حملت بعض سمات الأيديولوجيا: قبلية، عرقية، دينية، طائفية وغيرها. لكنّ عصبيات العصر الحديث لا تستطيع إغفال الوطنية والمواطنة المتساوية مثلاً، ولا الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو الحريّات الأساسية، حتى لو كانت في معرض تأمين الغذاء والدواء والعلم لأبنائها وحسب. تلك هي الأيديولوجيا الوحيدة لهذا العصر، إن كان يمكن وصفها كذلك في معرض النقاش وحرارته!

كاتب سوري

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى