الأمة على المدرجات: كيف تعيد كرة القدم تشكيل العالم العربي؟/ محمد تركي الربيعو

في كتابه الشهير «الجماعات المتخيّلة» لاحظ بندكت أندرسون أن ظهور الطباعة والصحف، لعب دورا أساسيا في إنتاج أشكال جديدة من الوعي الجمعي، سواء على مستوى توحيد اللغة، أو على مستوى خلق قضايا مشتركة بين سكان مناطق متباعدة لم تكن تجمعهم صلة مباشرة من قبل. فقد أسهمت الصحف في ربط أماكن منفصلة ببعضها بعضا، وأتاحت للناس أن يقرأوا القصص نفسها، ويناقشوا الأفكار نفسها، ويتخيّلوا أنفسهم جزءا من جماعة واسعة تتجاوز حدود القرية أو المدينة.
هذا المفهوم الذي طرحه أندرسون أصبح، خلال العقود الأخيرة، محطّ اهتمام واسع لدى عدد كبير من الباحثين، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط؛ إذ سعوا إلى استكشاف آليات جديدة لخلق الأمم، وإلى فهم الدور الذي تلعبه وسائط حديثة مثل، التلفزيون، والفضائيات، ووسائل التواصل، وحتى اللباس، في تشكيل جماعات متخيّلة، سواء في تركيا أو في بلدان أخرى في العالم.
اللافت أنّ هذا النقاش فتح الباب أمام سؤال أعمق: ما الذي يجمع الأمم اليوم؟ أو ما الذي يجعل الناس في مكانٍ معيّن يشعرون بأنهم ينتمون إلى جماعة واحدة؟ وهنا بدأت الأنظار تلتفت إلى القوة الجديدة التي باتت تلعبها كرة القدم في خلق نقاشات حول صورة البلاد، وفي إنتاج سرديّات وطنية مشتركة. فعلى سبيل المثال، وفي السياق التركي تحديدا، نرى أن صورة المنتخب التركي تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى ما هو أبعد من مجرد فريق يخوض مباريات ضمن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم؛ إذ بات بعض الإعلام التركي، خصوصا الصحف المقرّبة من الحكومة، يقدّم هذا المنتخب بوصفه رمزا للتركيّ المسلم، الذي يتعرّض للاضطهاد من «الحكم المسيحي» الأوروبي. وبالتالي تحوّلت مباريات المنتخب إلى ساحة تعبّر، في المخيال الجمعي، عن توترٍ أوسع بين تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية، وأوروبا، بما يعكس حالة المناوشة السياسية والثقافية بين الطرفين.
من جانب آخر، أخذت كرة القدم تفتح أفقا جديدا لفهم آليات الانتماء، وتشكل الهويات، ليس فقط داخل الدول، بل عبر فضاءات عابرة للقوميات. ويظهر ذلك بوضوح في المثال الشهير لنادي برشلونة. فمع انتشار الفضائيات وقدرتها على بّث المباريات لحظة بلحظة في كل أنحاء العالم، تحوّل النادي إلى ما يشبه أمة قائمة بذاتها؛ يمكن أن نطلق عليها مجازا «أمة برشلونة». ملايين الناس حول العالم، من مختلف اللغات والقوميات، أصبحوا يشعرون بأنهم جزء من هذه الجماعة الرمزية المرتبطة بالنادي؛ يشجعونه بشغف، ويحفظون تاريخه، ويتابعون لاعبيه، ويشعرون بانتماء هويّاتي يتجاوز حدود الدولة الوطنية.
ولا يقتصر الأمر على إنتاج انتماء جديد، بل يمتد أيضا إلى خلق انقسامات محلية داخل البلدان نفسها. ففي جلسات مشاهدة المباريات، وعلى صفحات السوشيال ميديا، نرى ظهور خطوط انقسام جديدة لم تكن موجودة في النصف الأول من القرن العشرين، ولا حتى في العقود القريبة الماضية: انقسام بين مشجعي «برشلونة» ومشجعي «ريال مدريد»، وإلى جانبهم الانقسامات التقليدية المرتبطة بالأندية المحلية. بهذا المعنى، أصبحت كرة القدم اليوم أداة لإعادة تشكيل الخيال الجمعي، تخلق روابط عابرة للحدود، وفي الوقت نفسه تنتج هويات فرعية جديدة داخل المجتمعات، وهي هويات قد تتفوق في شدتها أحيانا على الروابط السياسية، أو الاجتماعية التقليدية.
الألتراس والحزب السياسي
لكن موضوع مشجعي كرة القدم لا يتوقف عند حدود الملاعب ومقاهي عرض المباريات؛ فهناك من بات يرى في جماهير كرة القدم أكثر من مجرد تجمّع لمشجعين متحمّسين، بل ينظر إليها كتعبير عن حضور جماهيري أوسع في الفضاء العام.
إذ أخذت مجموعات الألتراس تمثل شريحة اجتماعية واسعة، لم تعد تكتفي بالتفاعل مع المنتخب الوطني بوصفه رمزا للانتماء إلى الأمة، وإنما بدأت تدخل في نوع من التفاوض، أو الصراع الرمزي مع الدولة والأجهزة الأمنية، عبر ما تمثّله من قدرة على الحشد والتنظيم، واحتلال الفضاءات العامة، وتشكيل خطاب جماعي مستقل. وفي هذا السياق، يلاحظ الباحث المغربي يوسف دعي، في كتابه الصادر حديثا بعنوان «الرياضة والسياسة في المغرب»، محاولة السلطة تحويل لعبة كرة القدم ونجاحاتها إلى ساحة لتخيّل المغرب مثل جزيرة مستقرة في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، إلا أن صعود دور الأندية الرياضية المحلية وانتشار اللعبة وشعبيتها، جعل السلطة أحيانا، غير قادرة على ضبط كامل المشهد، ما أتاح الفرصة لبروز قوى شعبية جديدة، فبدلاً من الأحزاب التقليدية، أتاحت ملاعب كرة القدم المجال لظهور مجموعات «الألتراس».
ولعل ظاهرة الألتراس المغربي ليست محلية فحسب، بل هي أيضا ظاهرة عالمية. فقد بدأ الشباب الإيطالي منذ أواخر الستينيات يعبر عن عداء متوتر تجاه السلطة والسياسة، واتخذ ذلك شكل العصيان الاجتماعي والبحث عن فضاءات للتعبير والمؤانسة والتضامن. فظهرت الآمال السياسية الفردية والجماعية، والأفراح والإحباطات، بشكل غير مسبوق كخطاب في الملاعب. وأعادت هذه المجموعات إحياء الفاشية التعبيرية كرفض للطبقة السياسية الحاكمة. وقد تأثرت حركة الألتراس في المغرب، كما هو الحال في بلدان أخرى، بالنموذج الإيطالي من خلال استخدام الأهازيج والشعارات واللوحات التي تحمل رسائل للاعبين أو إدارة النادي، لكن وراء هذه الشعارات أحيانا أبعاد تتجاوز المجال الرياضي.
وعند هذه النقطة، تبدو هذه الجمعيات لا تختلف كثيراً عن الأحزاب السياسية؛ فالأخيرة أيضاً لها جمهورها وشعاراتها. لكن ما يميز هذه المجموعات هو كونها شبابية، بخلاف العديد من الأحزاب التقليدية في المغرب. ويرى الباحث أن شباب الألتراس، على خلاف عدد من الدول الأوروبية، يرفضون العمل داخل الإطار القانوني للجمعيات، معتبرين أن ذلك قد يجعلهم تحت سيطرة السلطة. فهم يشتغلون في إطار ما يمكن تسميته بـ»الجمعيات الواقعية”، ويعتمدون تنظيما أفقيا بلا مركزية في القرار، مع شبه غياب للزعامة التقليدية، ومساحة أوسع للنقاش وإبداء الرأي.
ومن خلال مقابلات واسعة أجراها الباحث، تبين أن شباب الألتراس، رغم الاتهامات بالطيش واللامبالاة، يبدي اهتماما كبيرا بالسياسة، ويدرك أعطاب الحقل السياسي في المغرب، ويعتقد أن الانتخابات فقدت معناها. ولذلك يسعون لإعادة ابتكار السياسة، بل إلى تسييس الحياة اليومية، وهو ما يظهر في حالة جمهور «حسنية أكادير» ودفاعه عن الهوية الأمازيغية. ويبدو أن السلطة تدرك حساسية هذا الواقع، ولذلك حاولت ضبط هذه المجموعات غير المؤطرة قانونا، وإخضاعها لمنطق الرقابة، لكن غالبا ما قوبلت هذه المحاولات بالمقاومة، مثل قيام الألتراس بإقناع الجماهير بمقاطعة مباريات الدوري، ما نتج عنه خسائر مالية كبيرة للأندية.
وبالتالي يمكن القول، من خلال ملاحظات الباحث، إن ملاعب كرة القدم، بفرقها ومشجعيها وهتافاتها، أصبحت اليوم مرآة لفهم ما تعيشه المدينة المغربية والعربية عموما، خاصة أن شعبية اللعبة في ازدياد، وأن جمهورها لم يعد محليا فحسب، بل أصبح يواكب ما يحدث في بلدان أخرى من خلال فرق كرة القدم، ما جعل المشهد السياسي في العالم العربي أكثر تعقيدا.
كاتب سوري
القدس العربي



