إيناس حقي لتلفزيون سوريا: العدالة الانتقالية تبدأ بسرد الحقيقة وحراسة الذاكرة

حسين روماني
2025.06.18
في عمارة سكنية بحيّ المزة، صعدنا الدرج نحو مكتب صغير، لكن ثقله الرمزي كان أوسع من المكان. هناك، خلف باب بلا لافتة فخمة، كانت تجلس المخرجة إيناس حقي، تُرتّب مشاهد حاضرها، وتُرمّم شروخ الذاكرة.
منذ سنوات، كان اسم والدها “هيثم حقي” محذوفاً من التداول الرسمي، غائباً عن الشاشة، ممنوعاً من أرشيف وطنٍ عانى من فصامٍ في تاريخه الثقافي. اليوم، فتحت لنا إيناس باب مكتب والدها بنفسها، كأنها تفتح نافذة في جدار الصمت. جاءت إلى دمشق، لا لتحرس الذاكرة فحسب، بل لتعيد تركيبها بعد أن بعثرتها سنوات الثورة، وتواصل بصمت المُصرّين نسج الفنّ من شقوق الوجع، لا من رفاهية الحياد.
“كأنه البارحة”
فتحنا في بداية الحديث صندوق الذكريات، سألناها عن الخطوات الأولى وطريق الإخراج ووساطة هيثم حقي فقالت لموقع تلفزيون سوريا: “منذ الطفولة كنت متأكدة بأن طريقي سيصل إلى طريقة للتعبير عن الذات، كنت أبحث عن المعنى، بدأت عبر الإعلام بعمر مبكر كتجربة أولى في التعبير. لكن المفصل الحقيقي جاء حين عرض عليّ والدي، المخرج هيثم حقي، أن أرافقه إلى موقع التصوير لمسلسل ذكريات الزمن القادم، أدركت وقتها أنني في مكاني الحقيقي، عملت معه في عدة مسلسلات، كمساعدة مخرج تتعلم وتتمرّن، واعتبر نفسي من تلاميذ مدرسته، لا بالقرابة، بل بالفعل، فالجميع يعرف أن الدخول إلى هذه المهنة يكون من باب التعلّم من الكبار”.
تابعت إيناس دراستها للسينما في باريس، وعادت إلى دمشق وصادفت أول فرصة إخراج حقيقية لها في مسلسل “زمن الخوف” الذي قالت عنه: “كان تحدياً كبيراً، نصّ يغوص بالسياسة على محاذاة الخطوط الحمراء للراحل خالد خليفة، وجهة إنتاج هي والدي، وثقة وُضعت على عاتقي رغم حداثة تجربتي، لكنّها علّمتني الكثير”.
أي الأعمال أقرب إليك؟، سؤال أجابت عنه إيناس بالقول: “زمن الخوف كان الفرصة، ورائحة المطر التعاون الأول مع زوجي الكاتب غسان زكريا والذي اقترب من الحريات التي أعتبرها جوهرية في تجربتي، أما أبو خليل القباني فكانت المحطة التي جعلتني أؤمن بقدرتي على إخراج عمل درامي ضخم بحجمه التاريخي والملحمي، ويحكي قصة مرحلة طويلة من تاريخ المسرح في دمشق، قدمت عبره البيئة الشامية من منظور مختلف، بعيداً عن السرديات التقليدية”.
“الثورة والغربة”
عدنا في الحديث إلى أيام الثورة الأولى وعن موقفها الواضح فأخبرتنا بالقول: “منذ اللحظة الأولى للثورة، لم يكن لديّ تردّد في موقفي، كنت أظن أن الوسط الفني كله سيلتحق بالحراك الشعبي، فمن يعمل في الفن لتغيير المجتمع لا يمكن إلا أن يكون في صفّ الثورة، بعد ذلك صار البقاء صعباً، الناس تُقتل فماذا نصنع بالدراما؟”، وأكملت: “خروجي من سوريا، رغم قسوته، كان نافذة على العالم، على ثقافات أخرى، وامتحاناً قاسياً جعلني أرى وأفهم وأتغيّر، لم أكن شجاعة كأصدقائي الذين لم يعودوا من المعتقلات، لكنني كنت أبحث عن طريقة أشارك بها، أكون صوتاً سورياً يتحدث أمام العالم خاصة في فرنسا لأقول: القتل لا يُبرَّر، وأكثر ما تعلّمته من هذه الرحلة القاسية أن أرى وجع الآخرين، أن أفهم المظلوم أينما كان. كنّا نمرّ على أخبار دارفور والصومال ببرود، حتى صار الموت بيننا وسألنا العالم: لماذا لا تكترثون؟ عندها فهمت، لم يعد يكفيني أن أكون بخير وحدي، بل أن يكون العالم كلّه أقلّ ألماً ودون حروب”.
توثيق الثورة.. جائزة تكريم وإصرار
وتعتبر إيناس حقي أن المشهد الثقافي والفني السوري لم يتأخر عن الالتحاق بالحراك الثوري، بل تعددت مجالاته وأشكال تعبيره وعرض نتاجه في كل أصقاع العالم، ووجدت في الكتابة توثيقاً ليوميات الثورة حتى سقوط النظام، وعن ذلك تقول: “بدأتُ الكتابة خوفاً من النسيان، رغبة في توثيق تفاصيل الثورة وتجربتي الشخصية في صلتها بالشأن العام. كانت المقالة نافذتي حين ضاقت السبل البصرية، وكنت محظوظة بدعم محرّرين آمنوا بي، كتمام هنيدي وزينة قنواتي. بعد سقوط النظام، اكتشفت أنني أملك أرشيفاً حيّاً من المقالات. الصحافة لم تكن بديلاً عن الإخراج، بل امتداداً له، أكتب بصفتي مخرجة، وتكريمي ككاتبة لا ينتقص من رؤيتي الفنية، بل يُكرّم جوهرها”، وأضافت: “مقال رسالة إلى جاكي شان كان رداً غاضباً على الاستهانة بمآسينا، والجائزة التي نلتها باسم سمير قصير حملت شرفاً مضاعفاً، لأن اسمه رمز الحقيقة والحرية”.
قليل من العدالة
الوطن في شعور حقي هو بأهله وناسه السوريين، تنتمي إلى روح الوطن والثورة بين عامي 2011 و2012 وتتمنى أن تبقى هكذا، نسألها عن تقييمها للمرحلة الانتقالية فتجيب بأننا بمرحلة معقدة وتحليل كل تفصيل فيها يحتاج إلى ساعات نتيجة لسياق معقد طوله 14 عاماً، لكن وبالمجمل فهي أفضل مما توقعت وأسوأ مما تمنّت، والتكريم الذي حصل عليه والدها مؤخراً في دمشق ليس إلا قليلٌ من العدالة، لكننا جميعاً في انتظار أن نرى أشكالاً أخرى للعدالة التي تليق بالسوريين وتضحياتهم.
عن تمثال يسقط وامرأة تقاوم.. سردية الثورة
ترى إيناس أن خلاص الدراما السورية لا يأتي من تحسين الصورة، بل من امتلاك الحكاية. “أتمنى تحولاً جذرياً”، تقول إنها تعرف أن ظرف سوق الإنتاج الدرامي السوري لم يتغير رغم سقوط النظام، لأن سوريا لا تمتلك بعد سوقاً محلية لتوزيع الأعمال، لذا لم نتأكد أن السوق سيرغب برواية حكاياتنا.
من هنا، تنبع رؤيتها للدراما كواجب تأريخي. اللحظة الأولى في سوريا الجديدة يمكن تخيّلها درامياً بأشكال متعددة لعلها تختصر بمشهد أول: سقوط تمثال حافظ الأسد في دير عطية، ثمّ مشهد ثانٍ فرح الأهالي في مخيمات إدلب، وينتهي بأمل محاكمة رموز النظام، محاكمة عادلة لا انتقامية، بمحامين وقانون، “لأننا لسنا مثلهم”.
من بين كل قضايا الثورة، اختارت النساء اللواتي لم يكنّ فقط سندًا، بل مشاركات حقيقيات وفاعلات في السياسة والإغاثة والنضال، ولسن كما يصورن اليوم مساندات لرجال قاتلوا، فالثورة لم تكن فقط الشق المسلح منها ولم يكن لهذا الشق أن يكون لولا مظاهرات كانت النساء في الصفوف الأمامية منها.
وتحلم بفيلم عن صديقتها مي سكاف، لا لأنها رمز فقط، بل لأنها امرأة “شجاعة إلى حدّ لا يُصدّق”، ولأن القصص الكبرى تبدأ غالبًا من امرأة لا تخاف.
الإخراج أداة للعدالة الانتقالية
بالنسبة لها، الفن ليس رفاهية، بل أداة من أدوات العدالة الانتقالية، ولاسيما في مراحل تخليد الذكرى وواجب الفنان أن يحرس الذاكرة من النسيان. ترى أن سردية الثورة مهددة بالتشويه إن لم تُكتب كما عِشناها. ولا ترى أن الأسدية نجحت في تشويه صورة الثورة، لأن الأعمال السينمائية التي احتفى بها العالم نقلت الحقيقة بكل أمانة وأكسبتنا مخرجات شجاعات كوعد الخطيب. لا تخاف النسيان، بل الصمت. فكما صمدت الذاكرة الفلسطينية، يمكن لذاكرتنا أن تُورّث، شرط أن نعيد حكايتنا ونرويها جيلاً بعد جيل.
اعتراف واعتذار ومسامحة
وفي الختام، توقفنا عند الغفران في الوسط الفني والخطوط الحمراء فقالت: “الغفران عندي ليس مطلقاً، بل مشروط بالحق والاعتراف والاعتذار وهي وصفة للعدالة الانتقالية، عقلي يراه ضرورة، وقلبي يتيه بين الندوب، لكن لأجل سوريا، يهون الألم”.
google news
تلفزيون سوريا



