الشائعات بين التجاهل والتضخيم.. كيف توظفها إسرائيل وإيران كسلاح لإضعاف الدولة السورية؟/ عاصم الزعبي

يناير 1, 2026
لم يمر يوم منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، دون أن يتم نشر شائعات حول الوضع الجديد في سوريا، وحول الحكومة والدولة، وكل التفاصيل التي تجري، من قبل أطراف مختلفة، بعضها أشخاص محسوبون على نظام الأسد، وآخرون انفصاليون، كما برز العديد من العرب ممن يدّعون العمل الإعلامي، باتت سوريا ورئيسها أحمد الشرع شغلهم الشاغل، من خلال الحديث عن انقلابات تجري منذ تسلمه السلطة، وعن تقسيم، وغير ذلك، إضافة إلى المواقع الوهمية التي تتبع لإسرائيل وإيران وأتباعهما.
هذه الشائعات ومروجوها تعمل وفق أهواء الشرائح المختلفة من الشعب السوري، ووجدت ضالتها لدى بعض المعادين للدولة داخلياً وخارجياً، فأصبحت توجههم كما تريد، ليتحولوا لمجرد مرددين لما تبثه المواقع ويتناوله البعض في مقاطع فيديو دون أي تفكير أو وعي.
شائعات نهاية العام في سوريا
يوم الثلاثاء الفائت، كتب وزير الإعلام السوري، حمزة المصطفى، عبر صفحته الشخصية على منصة فيسبوك، تحت عنوان “سقوط حكومة الشرع مع نهاية العام”: “تشهد الساحة منذ أشهر شائعات منظمة، انطلقت من حسابات إسرائيلية قبل أحداث السويداء، ثم تصاعدت بعدها، وتلقّفتها منصات إعلامية مرتبطة بقسد، إلى جانب عدد كبير من الحسابات في دول الجوار. كما تزامن ذلك مع دخول بعض المنابر الإعلامية المحسوبة على أطراف معادية على خطّ الترويج لهذه المزاعم”.
2 8 الشائعات بين التجاهل والتضخيم.. كيف توظفها إسرائيل وإيران كسلاح لإضعاف الدولة السورية؟
ربما كانت سوريا بعد التحرير من أكثر البلدان في العالم تعرضاً لهذا النوع من الشائعات، فسقوط نظام الأسد أدى لتفتيت مشاريع مختلفة، كان من أبرزها مشروع “محور المقاومة” والذي يمتد على شكل هلال شيعي من طهران إلى بيروت، مروراً بدمشق التي شكلت العمود الفقري لهذا المحور والذي انتهى بتحريرها.
الإيرانيون وأتباعهم من فصائل “الحشد الشعبي” العراقي و”حزب الله” اللبناني شكلوا آلاف الحسابات الوهمية للترويج لشائعات مختلفة في سوريا، منها ضعف الدولة وإمكانية سقوطها في أي لحظة، وأيضاً الانتهاكات التي تقوم بها السلطات السورية تجاه مكونات الأقليات السورية كالعلويين والدروز. وفي هذه النقطة برزت نقطة التقاء مهمة بين إيران وأتباعها وبين “إسرائيل”، أدت لتحالف غير مباشر في استهداف الدولة السورية في الشائعات، ومهدت لجعل إسرائيل تقود جميع هذه الأطراف إلكترونياً بالشكل الذي تريده، سواء من حيث نقل الفكرة وترويجها، والأخطر من ذلك السيطرة الإسرائيلية على من يدّعون عدائهم لإسرائيل.
هذه الشائعات شهدت تحولا كبيراً بعد الأحداث التي جرت في الساحل في آذار الماضي، وأحداث السويداء في تموز الماضي، والتي سعت “إسرائيل” من خلالها إلى توريط الأقليات والدولة السورية على حد سواء في صدامات سياسية للوصول إلى حرب أهلية تضعف الجميع.
الشائعات سلاح يستهدف المزاج العام
الوزير المصطفى بين في ما كتبه أنه: “لا تكمن خطورة هذه الشائعات في مضمونها بحدّ ذاته، بقدر ما ترتبط بطبيعة المزاج العام لدى شريحة من الجمهور السوري، الذي يتأثر بما يتصل بحياته اليومية ومستقبله، الأمر الذي يمنح هذه الشائعات مساحة من التداول والاهتمام. وفي الوقت نفسه، فإن تجاهلها كلياً قد يحمل بدوره أثراً سلبياً، كما أن تضخيمها أو التفاعل معها بانفعال يساهم في خدمة أهداف الجهات التي تقف خلفها، ولا ينسجم مع مقتضيات الاستقرار الوطني”.
في الواقع فإن العديد من الدول تتعرض للشائعات السياسية من هذا النوع، وتؤثر في بعض الأحيان على الاستقرار في البلد، وقد أُجريت دراسة في العام 2023 حول الشائعات في جامعة بازل، بيّنت أن نحو 30 بالمائة من الأشخاص يصدقون الشائعات.
الشائعات أيضاً تستخدم كسلاح من دول خارجية لاستهداف دولة أو مجموعة من الدول، من خلال تسليط أقلام أو شراء أفراد وكُتاب وإعلاميين، وقد يصل الأمر لشراء محطات إعلامية أو صحف في بعض الأحيان من أجل تضخيم الأوضاع في بلد ما من أجل تغيير الموازين فيها أو قلبها، من خلال رسم خط سير للشارع وتوجيهه باتجاه معين يؤدي غالباً لتمزيق النسيج الوطني والجبهة الداخلية للدولة، أو قد يثير الخلافات الدينية والمذهبية والطائفية لإيصال البلد لحرب أهلية.
بحسب باحثين، فإن الشائعات تسعى لإحداث حالة من عدم الاستقرار النفسي لدى المواطنين في أي بلد تستهدفه، وتسعى لتدمير حالة السلم الأهلي والتعايش المجتمعي، لإحداث حالة من الشك وعدم الثقة بالدولة من خلال رسم سيناريوهات افتراضية وجعلها عنواناً للمواطنين. والحرية التي يتم تكريسها دون أي ضوابط قانونية تساهم في زيادة الشائعات وتعزيز آثارها في المجتمع.
الشائعات عادة يتم نشرها إما من أشخاص خارج البلد أو داخلها، وتستهدف التحريض على ارتكاب مخالفات قد تصل إلى ارتكاب جرائم تسهم مع تكرارها بتدمير المجتمع، أو من خلال مصادر وهمية وغير حقيقية في ظل غياب الجهات الرسمية عن التعامل مع الأمر قانونياً وإعلامياً.
تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية في حالة العمل بالشائعات يبدو ضرورياً، وباتت معظم دول العالم تطبّقه في التعامل مع الشائعات، خاصة تلك التي تؤدي إلى ارتكاب جرائم في البلد، إضافة لتطبيق نصوص قوانين العقوبات، ومن بينها قانون العقوبات السوري الذي يعاقب على الشائعات التي تنتج عنها جرائم تخل بأمن البلد وأمن المواطنين.
لا يعني ما سبق أن يتم المساس بالحريات العامة، وعلى رأسها حرية التعبير، فالحرية في سوريا باتت مصونة بموجب الإعلان الدستوري الذي تم إقراره بعد تشكيل الحكومة السورية.
تعامل دمشق مع الشائعات
الوزير المصطفى أكد في حديثه أنه: “لا تكمن خطورة هذه الشائعات في مضمونها بحدّ ذاته، بقدر ما ترتبط بطبيعة المزاج العام لدى شريحة من الجمهور السوري، الذي يتأثر بما يتصل بحياته اليومية ومستقبله، الأمر الذي يمنح هذه الشائعات مساحة من التداول والاهتمام. وفي الوقت نفسه، فإن تجاهلها كلياً قد يحمل بدوره أثراً سلبياً، كما أن تضخيمها أو التفاعل معها بانفعال يساهم في خدمة أهداف الجهات التي تقف خلفها، ولا ينسجم مع مقتضيات الاستقرار الوطني”.
المصطفى أضاف أنه: “تم عبر القنوات الرسمية نفي حدوث أي أمر غير اعتيادي في دمشق، كما أُبلغت وسائل الإعلام المختلفة بعدم صحة ما يُتداول بهذا الخصوص. مع ذلك، لا يهدف مطلقو هذه الشائعات إلى ترويج معلومات غير صحيحة فحسب، بل يسعون أيضاً إلى اختبار كيفية استجابة مؤسسات الدولة لمثل هذه الحملات، ومحاولة دفعها نحو تفاعلات إعلامية أو سياسية خاصة تُبنى حصراً على ما يشيعونه”.
لكن هناك تطرح العديد من التساؤلات حول ما إذا كان الرد بالنفي من قبل القنوات الرسمية كافياً على الشائعات ومن يقوم بترويجها، أم لا بد من اتخاذ إجراءات قانونية معينة تحد منها وتضع حداً بطرق قانونية لمصدريها، سواء كانوا داخل البلاد عن طريق القضاء، أو خارجها عن طريق وزارة الخارجية، خاصة بالنسبة لبعض الأشخاص الذين تتسبب شائعاتهم في مخالفات أو جرائم.
كيف يتم التعامل مع الشائعات؟
الوزير المصطفى رأى أن: “المقاربة الأنسب في هذه المرحلة هي التعامل مع هذه الظاهرة بهدوء ورويّة، باعتبارها جزءاً من سياق أوسع لحرب إعلامية ونفسية مرشّحة للاستمرار. إن الاستجابة المتعجلة، ولا سيما عبر إطلالات إعلامية مخصصة للرد، تمنح مروّجي الشائعات ما يطمحون إليه من وضع الدولة في موقع دفاعي، وتؤسس لأنماط من التفاعل قد تستدرجها مستقبلاً للرد على أي ادعاء يُطلق”.
كما أن بناء مناعة مجتمعية مستدامة في مواجهة الشائعات هو مسار تراكمي، يقوم أساساً على تعزيز الموثوقية في الخطاب والالتزام بالشفافية بقدر الإمكان، مع ترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات قبل تداولها عبر المنصات المختلفة، بحسب المصطفى.
أيضاً بحسب مختصين في المسائل المتعلقة بالشائعات، فإنه لا بد أن يكون هناك باحثون متخصصون يعملون على تحليل عمليات انتشار الشائعات السياسية وتأثيرها على المواطنين وعلى المجتمع ككل، والتعامل معها وتفنيدها والرد عليها بطريقة تؤدي إلى نسفها.
كما أنه لا بد من وجود حلول تساعد المواطن على فهم الحالة التي يمر بها ويعيشها، والحالة التي تمر بها البلاد، من خلال توفير مصادر حقيقية وواقعية للمعلومات التي تهمه والتي يشعر أنها تؤثر على مستقبله. كما أنه يقع على عاتق الدولة بكافة مؤسساتها خلق بيئة أساسها الثقة والشفافية في تداول المعلومات المتعلقة بالدولة والبلد، وأن تعمل المؤسسات الإعلامية الرسمية على أخذ دورها لتكون قريبة من الشعب وقادرة على إيصال الحقيقة له بشكل حقيقي وشفاف وسريع.
الثورة السورية



