أبحاثتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععام على انتصار الثورة في سوريا

العلمانية بعد الخراب السوري: شرط الدولة لا ترف النخبة/ وائل السواح

04.04.2026

إذا كنّا نريد دولة، في سوريا كما في المشرق، فلا مهرب من مبدأ بسيط وحاسم: الدين محترم ومصون في مجاله، لكنّ السيادة للقانون الوضعي، والمواطنة متساوية، والدولة لا دين لها إلا حماية حرّيات مواطنيها وحقوقهم. وما عدا ذلك ليس حلاً وسطاً، بل تأجيل جديد للكارثة.

“جاء العصف الجميل ولم يأتِ الخراب الجميل”

أدونيس

قبل أكثر من عشر سنوات، بدا النقاش حول العلمانية في سوريا سجالاً فكرياً شديد التوتّر، تتنازعه حساسيات أيديولوجية ومخاوف أهلية وحسابات سياسية متعارضة. يومها كان يمكننا، ولو ببعض الصعوبة، أن نتعامل مع المسألة بوصفها موضوعاً من موضوعات الفكر السياسي الحديث، فنسأل هل العلمانية ضرورة؟ هل هي مستوردة أم قابلة للتبيئة؟ كان يمكن أن يجادل بعضنا بأن العلمانية شرط للديمقراطية، بينما يفصل آخرون بين المفهومين ويؤكّدون أن الديمقراطية يمكن أن تقوم من دونها؟

وأذكر أنني خضت سجالاً واسعاً على صفحات جريدة “الحياة” وموقع “الأوان” مع المفكّر برهان غليون، ولم يكن الخلاف بيني وبينه حول الحرّية أو التعددية من حيث المبدأ، بل حول معنى العلمانية نفسه، وحول الكيفية التي ينبغي الدفاع بها عنها في السياق العربي والسوري.

كنت أرى أن العلمانية يجب أن تطرح بوضوح بوصفها أساساً ضرورياً للدولة الحديثة، وللمواطنة المتساوية، ولحرّية المعتقد والضمير، وأن التردّد في إعلانها، أو السعي إلى تلطيفها وإحاطتها بصيغ اعتذارية، لا يؤدّي إلا إلى إفراغها من مضمونها. أمّا غليون، فلم يكن يرفض العلمانية من حيث الأصل، بقدر ما كان ينظر بعين الريبة إلى تجربتها العربية كما تبلورت في ظلّ الدولة التسلطية، حيث اقترنت، في نظره، بالنخب المعزولة عن المجتمع، وباستخدام شعار فصل الدين عن الدولة غطاء للقمع ومصادرة السياسة.

ومن هنا، لم يكن خلافنا بين من يؤيّد العلمانية ومن يعاديها، بل بين من يمنح الأولوية لوضوح المبدأ، ومن يمنح الأولوية لنقد تطبيقاته العربية وشروطه التاريخية، خشية أن تتحوّل العلمانية، في غياب هذا النقد، إلى أداة إقصاء جديدة لا إلى ضمانة للحرّية.

لكنّ ما جرى في سوريا، ثم في المشرق كلّه خلال العقد الماضي، نقل السؤال من مستوى السجال النظري إلى مستوى آخر أكثر إحساساً وأشدّ حضوراً. وأزعم أن السؤال اليوم بات ما إذا يمكن قيام دولة حديثة أصلاً، في مجتمع متنوّع ومجروح ومسلّح ومنهك، من دون حياد الدولة تجاه الأديان والطوائف، ومن دون مساواة كاملة بين المواطنين، ومن دون تحييد المجال السياسي عن المطلقات العقدية.

هذا هو السؤال الحقيقي اليوم. وليس من قبيل المبالغة القول إن التجربة السورية، بما راكمته من استبداد وحرب وتطييف وتدخّلات خارجية وانهيار مؤسّساتي، قد حوّلت العلمانية من مفهوم خلافي إلى معيار كاشف: كاشف لمعنى الدولة، ولمعنى المواطنة، ولمعنى السياسة نفسها. فحين ينهار العقد الوطني، وتعود الجماعات الأوّلية إلى الواجهة، وتصبح الطائفة أو المذهب أو السلاح أو العصبية المحلّية إطاراً للحماية والتمثيل، لا يعود ممكناً الحديث عن الحرّية أو الديمقراطية أو العيش المشترك من دون إعادة تعريف المجال العامّ على أسس مدنية واضحة.

كنت قد حاججت، في نصوص سابقة، بأن العلمانية في سوريا كانت محاصرة بين ثلاثة خصوم. الأوّل خصم أصولي صريح، يرى في العلمانية عدواً للدين، أو مؤامرة غربية، أو اسماً مستعاراً للإلحاد. والثاني خصم استبدادي ادّعى العلمانية لفظاً، بينما كان يعقد في الواقع تسوية عميقة مع المؤسّسة الدينية، فيترك لها الفضاء الاجتماعي والثقافي، ويحتكر هو السياسة والاقتصاد والأمن. أمّا الثالث فخصم شعبوي أو اعتذاري، يرفض المجاهرة بالعلمانية، ويعاملها كعبء ينبغي تخفيفه، أو كتهمة يجب نفيها، أو كمفهوم لا يحقّ له أن يظهر إلا بعد تعريبه وتدجينه والاعتذار عنه. في هذا كلّه، لم تكن العلمانية مرفوضة فقط من أعدائها المعلنين، بل أيضاً من أصدقائها المتردّدين.

ولعلّ أهمّ ما كشفت عنه السنوات الماضية هو أن هذه القراءة لم تكن متعجّلة. فالاستبداد – المتمثّل في الحالة السورية بحكم “البعث” وعائلة الأسد – الذي تباهى طويلاً بعلمانيته، لم يكن علمانياً إلا بالمعنى الدعائي الفارغ؛ إذ استخدم المفردة ستاراً خارجياً، في حين راكم في الداخل أشكالاً متزايدة من التديين السياسي، والمساومات مع المرجعيّات الدينية، وإعادة توزيع المجال العامّ على أسس أهلية وطائفية.

في المقابل، فإن قطاعات واسعة من المعارضة، أو من جمهورها المسلّح والرمزي، تعاملت مع العلمانية بوصفها مرادفاً للكفر أو الردّة أو العداء للهويّة الجمعية، ثم استبدلتها بمفردات أكثر ضبابية من قبيل الدولة المدنية، لا توسعاً في المعنى، بل هرباً من الوضوح.

هكذا تراجع النقاش من سؤال الدولة إلى سؤال الهويّة، ومن سؤال المواطنة إلى سؤال الجماعة، ومن سؤال الحقوق إلى سؤال المشروعية الدينية أو الاجتماعية.

غير أن التطوّر الأهمّ، في تقديري، لا يكمن فقط في انكشاف زيف العلمانية السلطوية أو عنف اللاعلمانية الأصولية، بل في انكشاف الوهم الذي روّج له كثيرون عن إمكان قيام ديمقراطية مستقرّة من دون علمانية سياسية واضحة. لقد بدا هذا الوهم مغرياً لكثير من المثقّفين العرب: يكفي أن نُسقط الاستبداد، ثم تُترك السياسة لصندوق الاقتراع، وللأغلبية العددية، وللتوازنات الاجتماعية القائمة، وسيولد نظام ديمقراطي ويتوالد تلقائياً. لكنّ التجربة السورية، وليست فريدة في المشرق، أكّدت مرّة أخرى أن الديمقراطية ليست عدداً فقط، ولا اقتراعاً فقط، ولا تداولاً شكلياً على السلطة. الديمقراطية، في جوهرها، ثقافة دستورية ومؤسّسية قوامها صون الحرّيات الفردية، وضمان حقوق الأقلّيات، وحماية المجال العامّ من استباحة أيّ عقيدة كلّية تريد احتكار تعريف الخير العامّ. وهذا بالضبط ما أحببت توكيده حين ربطت الديمقراطية بالعقلانية والعلمانية والعلم والانعتاق الاجتماعي، بوصفها شروطاً متداخلة وليست مجرّد شعارات متجاورة.

من هنا، لا تعود العلمانية عداء للدين، ولا حرباً على المتدينين، ولا نزوة نخبوية مستوردة. إنها، في حدّها الأدنى الضروري، اسم للقاعدة التي تمنع الدولة من التحوّل إلى أداة في يد جماعة عقدية، أو أكثرية طائفية، أو أقلّية متسلّطة تدّعي حماية الجميع. وهي أيضاً القاعدة التي تحرّر الدين نفسه من التورّط في آليّات السلطة وأجهزتها وعنفها وفسادها، وتردّ الإيمان إلى مجاله الحرّ، لا إلى مجال الإكراه السياسي. بهذا المعنى، العلمانية ليست نقيض التديّن، بل نقيض التوظيف السياسي القسري للدين. وهي ليست شأناً غربياً خاصاً، لأن المسألة لا تتعلّق بأصل المفهوم، بل بوظيفته التاريخية في إنتاج دولة يكون الأفراد فيها مواطنين قبل أن يكونوا رعايا طوائف أو أتباع مذاهب.

ولئن صحّ ذلك في أيّ مكان، فهو في سوريا اليوم أكثر صحّة من أيّ وقت مضى. فصحيح أن سوريا ما بعد الأسد تواجه مهمّة الانتقال من نظام إلى آخر، ولكنّها تواجه مهمّة أصعب بكثير، وهي الانتقال من مجتمع حطّمته الحرب، ونُزعت عنه السياسة لمصلحة السلاح، إلى مجتمع يستطيع أن يُعيد إنتاج نفسه على أساس قانوني ومدني. هذا يتطلّب أكثر من تغيير في السلطة. يتطلّب إعادة بناء الشرعية العامّة على أساس لا يشعر معه العلوي أو السنّي أو الكردي أو الدرزي أو المسيحي أو اللاديني أن الدولة مملوكة لغيره أو موجّهة ضدّه. ويحتاج كذلك إلى أن يصبح السلاح شأناً حصرياً للدولة، لا ورقة تفاوض بين الميليشيات ولا مصدر نفوذ للجماعات العقائدية. ومن هذه الزاوية، لا تبدو التجاذبات الجارية على الحدود السورية – اللبنانية، ولا النقاشات المتعلّقة بدور “حزب الله” وسلاحه، ولا حتى المعضلة المعقّدة المتمثّلة في دمج الفاعلين المسلّحين داخل سوريا، ملفّات أمنية منفصلة عن سؤال بناء الدولة، بل تعبيرات مختلفة عن المأزق نفسه: فلا دولة حين تتوزّع السيادة بين قوى متنازعة، ولا سيادة حين يظلّ الولاء مشدوداً إلى الطائفة أو الجماعة بدل أن يستقرّ في الوطن.

وتزداد الصورة جلاء حين ننظر إلى المشرق العربي كلّه. فلبنان ظلّ طويلاً المثال الكلاسيكي على استحالة بناء دولة مستقرّة حين تتحوّل الطوائف إلى وحدات سياسية أصلية، وحين يتوزّع السلاح والتمثيل والشرعية على جماعات لا على مواطنين. والعراق قدّم، بدوره، مثالاً آخر على أن الانتخابات لا تنتج بالضرورة ديمقراطية، إذا غاب الإطار الوطني الجامع، وحلّت المحاصصة والهويّات القاتلة محلّ المواطنة. أمّا سوريا، فقد دفعت الثمن مضاعفاً: دفعت ثمن الاستبداد الذي صادَر السياسة، وثمن الثورة حين اختطفتها الأسلمة والتدخلات والميليشيات، ثم ثمن الوهم القائل إن تأجيل سؤال الدولة إلى ما بعد الحسم العسكري ممكن. وهذا خطل، فذلك لم يكن ممكناً في يوم من الأيّام، وهو ليس ممكناً الآن.

لهذا أظنّ أن الدفاع عن العلمانية في سوريا والمشرق ينبغي أن يخرج نهائياً من لغته القديمة. لا حاجة إلى خطاب اعتذاري يقول إن العلمانية لا تعادي الإسلام، مع أن هذا صحيح. ولا إلى خطاب ثقافوي يفتّش لها عن نسب محلّي كي يبرّر حقّها في الوجود. ولا إلى خطاب نخبوي متعالٍ يضعها في مواجهة المجتمع.

المطلوب لغة أخرى: لغة تقول ببساطة إن الدولة، إذا لم تكن محايدة، فلن تكون مشترَكة؛ وإذا لم تكن مشترَكة، فلن تكون مستقرّة؛ وإذا لم تكن مستقرّة، فلن تنتج لا حرّية ولا تنمية ولا سلاماً أهلياً. في هذا المعنى، ليست العلمانية زينة فكرية ولا شعاراً أيديولوجياً، بل اسم الشرط السياسي الذي يسمح لمجتمع متنوّع بأن يعيش من دون حرب كامنة.

وليس معنى ذلك أن الخطاب العلماني العربي، أو بعض تمثّلاته السورية، بريء من المسؤولية. فقد أُسيء إلى هذه الفكرة حين قُدّمت أحياناً بلغة نخبوية متعالية، أو اقترنت بمسافة باردة عن المجتمع، أو رُفعت كشعار هويّة أكثر منها مشروعاً لبناء دولة عادلة. غير أن هذا كلّه لا ينال من ضرورة العلمانية نفسها، بل يكشف الحاجة إلى تحريرها من استعمالاتها العقيمة، وإعادة وصلها بمطالب الناس في الأمان والحرّية والمواطنة المتساوية.

بعد كلّ هذا الخراب، لم تعد القضيّة: هل نعلن أنفسنا علمانيين أم لا؟ القضيّة: هل نريد دولة أم لا؟

إذا كنّا نريد دولة، في سوريا كما في المشرق، فلا مهرب من مبدأ بسيط وحاسم: الدين محترم ومصون في مجاله، لكنّ السيادة للقانون الوضعي، والمواطنة متساوية، والدولة لا دين لها إلا حماية حرّيات مواطنيها وحقوقهم. وما عدا ذلك ليس حلاً وسطاً، بل تأجيل جديد للكارثة.

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى