الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

وقائع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وحكومة الجمهورية العربية السورية مقالات وتحليلات تتحدث يوميا  تحديث 13-19 آب 2025

متابعة تفاصيل هذا الملف اتبع الرابط التالي

دوافع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وأحمد الشرع

تحديث 19 آب 2025

—————————–

 سوريا الجديدة: انفراجات الخارج واستعصاءات الداخل

حققت القيادة السورية الجديدة اختراقات خارجية عديدة، سواء في علاقاتها ببيئتها العربية أو بعلاقاتها مع القوى الغربية، وموازنة ذلك بالعلاقة مع روسيا، لكنها تواجه داخليًّا قوى ترفض الاندماج في مؤسسات الدولة الناشئة، وترفض تسليم سلاحها، والقبول بسيطرة الدولة على مناطقها.

14 أغسطس 2025

ولَّد انهيار نظام الأسد الابن وانتصار الثورة السورية، في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، مناخًا من التفاؤل والابتهاج، الذي لم تعشه سوريا منذ عقود. ولم يكن غريبًا أن يشعر كثير من السوريين بأن بلادهم تعيش لحظة أشبه بالاستقلال الثاني. كان السوريون يعرفون أن الطريقة التي أدارت بها هيئة تحرير الشام الشمال المحرَّر، خلال السنوات السابقة، شابها الكثير من القصور، وأثارت الكثير من الانتقادات. ولكن الخطاب الذي تبنَّته قيادات الهيئة، منذ تسلمت مقاليد الحكم في دمشق، بعث على اطمئنان معظم السوريين إلى أن البلاد تخطو بالفعل نحو دولة جديدة تليق بالتضحيات التي قدمها الشعب السوري طوال سنوات الثورة.

لم تعد “الدولة الجديدة” مجرد طموح بعيد المنال، ولكنها أخذت في التجلي في حياة ملموسة. فقد أراد السوريون أن يعيشوا في ظل دولة موحدة وعادلة، دولة تنمية ورفاه، دولة في حالة سلام مع مواطنيها، ودولة منفتحة على العالم الذي عرفه ملايين السوريين أثناء سنوات هجرتهم الطويلة. لم ير السوريون، أو أنهم حاولوا أن لا يروا، حجم الكارثة التي أُوقِعت ببلادهم خلال نصف قرن من حكم البعث، وثلاثة عشر عامًا من الثورة وما تخللها من صراعات أهلية.

لقد حقق النظام الجديد إنجازات لا تخفى خلال الشهور الثمانية، تعلق معظمها بالسياسة الخارجية، وبالعلاقات مع الدول الفاعلة في الجوار العربي والإسلامي. ولكن، على الرغم من إنجازات السياسة الخارجية، إلا أن عددًا من أبرز قضايا ومهمات الداخل السوري تبدو كأنها لم تزل مستعصية. بعض هذا الاستعصاء يعود إلى أخطاء ارتكبها الحكم الجديد لقلَّة خبرة قادته، أو إلى صعوبة وتعقيدات الانتقال من حالة الثورة إلى متطلبات الحكم والدولة. ولكن أغلبه، بلا شك، يتعلق بالخراب متعدد الأوجه الذي أُوقِع بمؤسسات الدولة السورية، وبمكونات الشعب وعلاقات هذه المكونات ببعضها البعض، خلال عقود الحكم التسلطي الأقلوي.

فما الملفات التي نجح الحكم السوري الجديد في التعامل معها؟ وما الأسباب التي أفضت إلى هذا النجاح؟ وما الملفات العالقة، التي أخفق الحكم الجديد في التعامل معها، أو تسبب في تفاقمها؟ وإلى أي حدٍّ يمكن للسوريين الشعور بأن بلادهم تسير في الطريق الصحيح؟

إنجازات خارجية: اختراقات على صعيد العلاقات الإقليمية والدولية

لم يكن قادة هيئة تحرير الشام، القوة الرئيسة التي قادت عملية التغيير وتسلمت مقاليد الحكم، في حاجة لكسب ودِّ وحسن ظن معظم القوى الفاعلة في الجوار العربي-الإسلامي، مثل تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية.

فقد كانت تركيا، في مواجهة إيران وروسيا، أحد أطراف الصراع الرئيسة على سوريا منذ اندلاع الثورة في 2011. كما أن ثمة أدلة تشير إلى أن صلات وثيقة ربطت بين قيادات هيئة تحرير الشام وأجهزة الدولة التركية الأمنية والدفاعية منذ سيطرت الهيئة على الشمال السوري المحرر وتحملت أعباء إدارة شؤونه. ولذا، لم يكن مستغربًا أن تتحرك أنقرة لدعم وتأييد الهيئة بعد انطلاق عملية ردع العدوان. كما نظرت حكومة العدالة والتنمية التركية إلى انتصار الثورة السورية باعتباره انتصارًا لسياساتها الإقليمية.

قطر، التي ناصرت الثورة السورية منذ أيامها الأولى، وأحجمت عن الالتحاق ببعض الدول العربية، التي بدأت تطبيع علاقاتها مع نظام الأسد بعدما شعرت بأن النظام أوقع الهزيمة بالمعارضة، لم تتردد هي الأخرى في الترحيب بإطاحة نظام الأسد وانتصار الثورة السورية. وطالما رأت الدوحة أن الأغلبية السورية تلتف حول نظام الحكم الجديد وقادته، لم تكن خلفية هؤلاء القادة موضع تساؤل من القطريين.

أما الموقف السعودي، فكانت دوافعه أكثر تعقيدًا. فقد ظلت الرياض تراقب بقلق لا يخفى، تزايد النفوذ الإيراني في سوريا خلال السنوات التالية لاندلاع الثورة السورية. ولأن إيران أصبحت القوة المهيمنة في العراق منذ ما بعد الاحتلال الأميركي، في 2003، وفشل الأميركيين في بناء دولة عراقية خالصة الولاء لهم، فقد أدركت السعودية أن إيران توشك على السيطرة على بوابة الجزيرة العربية البرية برمتها. والمؤكد أن القلق السعودي من التمدد الإيراني أصبح أكثر إلحاحًا بعد نجاح الحوثيين في الاستيلاء على السلطة في صنعاء وتفردهم بحكم اليمن الشمالي.

وليس ثمة شك أن الرياض رأت في إطاحة نظام الأسد وإخراج إيران والميليشيات التابعة لها كلية من سوريا تحولًا إستراتيجيًّا هائلًا في مصير جوارها العربي، بعد أن كانت فقدت الأمل في إحداث تغيير جوهري في سوريا واضطرت إلى التطبيع مع الأسد ومحاولة دفعه إلى التحرر، ولو جزئيًّا، من أسر الهيمنة الإيرانية. ولكن، لأن السعودية قطعت صلاتها منذ عقود بأغلبية الإسلاميين العرب السنَّة، ولا تخفي قلقها من نشاطات الفصائل المسلحة بينهم، فقد كان على الرئيس السوري، أحمد الشرع، أن يقنع القيادة السعودية بأنه وزملاءه، وإن تحدروا من خلفية إسلامية مسلحة، فإنهم يتبنون رؤية وطنية لسوريا الجديدة وليس لديهم أية نوايا ثورية إسلامية عابرة للحدود.

هذا الاحتضان من السعودية وقطر وتركيا ساعد على الانفراج المبكر في علاقات سوريا الجديدة مع الولايات المتحدة، وعلى اللقاء الذي عُقد في الرياض بين الشرع وترامب، في 14 مايو/أيار 2025، بحضور محمد بن سلمان ومشاركة أردوغان الهاتفية. قبل ذلك، كانت إدارة بايدن قد بدأت اتصالًا حذرًا بدمشق وأرسلت وفدًا، تقوده مساعدة وزير الخارجية الأميركي للاجتماع بالشرع. ولكن إدارة بايدن، التي كانت في أيامها الأخيرة، لم تستطع أن تتخذ قرارًا جوهريًّا فيما يتعلق بالعلاقات مع قادة دمشق الجدد. أما ترامب، فقد سارع بعد اجتماع الرياض إلى الإعلان عن رغبته في مساعدة سوريا على الاستقرار، وعن عزمه رفع العقوبات الأميركية المتراكمة عليها طوال عقود.

ما وقع في ملف العقوبات امتد أيضًا إلى السفير الأميركي في أنقرة، توم باراك، الذي أصبح أيضًا مبعوثًا خاصًّا لسوريا ولبنان. باراك رجل أعمال من أصول لبنانية بعيدة، ولكن علاقته الوثيقة بترامب، وليس أصوله العربية، هي ما منحه موقعه المميز في تركيا وسوريا ولبنان. وقد تبنَّى باراك منذ تسلم مقاليد منصبه سياسة تودد واضحة تجاه القادة الأتراك والسوريين على السواء، معربًا من وقت إلى آخر عن وعي بشؤون المشرق وتاريخه الحديث. وقد أكد باراك في أكثر من مناسبة على وحدة سوريا واستقرارها، كما عمل على التوسط بين دمشق وقادة قسد في شمال شرقي سوريا للتوصل إلى تفاهمات دائمة، دون أن تظهر نتائج ملموسة لهذا التوسط بعد.

ما عزَّز الانطباع باحتضان غربي، كان التحرك الأوروبي، سيما البريطاني والفرنسي، للانفتاح على سوريا وإعلان إلغاء العقوبات عنها. وكانت بريطانيا وفرنسا في الحقيقة أسبق من الولايات المتحدة في تطبيع علاقاتهما مع دمشق. وثمة تقارير تفيد بأن جوناثان باول، الذي سبق له العمل في ميدان العلاقات الخارجية البريطانية، قام بصفته مسؤولًا عن مؤسسة اتصالات خارجية مدنية بزيارة لإدلب قبل عامين على الأقل من سقوط نظام الأسد، تعرَّف خلالها على تجربة هيئة تحرير الشام في إدارة المنطقة المحررة. تركت الزيارة، كما يبدو، انطباعًا إيجابيًّا لدى باول حول هيئة تحرير الشام وحول قائدها، أحمد الشرع.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، عن تعيين باول مستشارًا للأمن القومي. وما إن نجحت الهيئة في إطاحة نظام الأسد حتى عمل باول على أن تتبنى الحكومة البريطانية مقاربة نشطة تجاه الوضع السوري. ولابد أن باول، كما العديد من محترفي السياسة الخارجية البريطانية، وجد في حركة التغيير السوري الكبيرة والمفاجئة فرصة أخرى، شبيهة بفرصة سنوات الحرب العالمية الثانية، لتعزيز النفوذ البريطاني في المشرق على حساب القوى الغربية الأخرى، الحليفة أو المنافسة.

في هذا السياق، أُرسِلت السيدة آن سنو، أحد أكثر الدبلوماسيين الغربيين نشاطًا في دمشق، مبعوثًا خاصًّا إلى سوريا. وفي 5 يوليو/تموز، وصل وزير الخارجية البريطاني، ديفيد لامي، إلى العاصمة السورية؛ حيث التقى نظيره السوري والرئيس الشرع، وأعلنت بريطانيا رسميًّا عن استئناف العلاقات الدبلوماسية مع سوريا. وفي 5 أغسطس/آب، وصل جوناثان باول، مستشار الأمن القومي البريطاني، شخصيًّا إلى دمشق، والتقى بالرئيس الشرع.

فرنسا، من جهتها، لم تتخلص مطلقًا من ميراث تعاملها مع سوريا باعتبارها منطقة نفوذ تقليدية. فقد بادرت باريس إلى إجراء اتصال مبكر مع القيادة السورية الجديدة، كما أجرى الرئيس الفرنسي اتصالًا مباشرًا مع الرئيس الشرع. وفي 13 فبراير/شباط 2025، احتضنت العاصمة الفرنسية، باريس، مؤتمرًا دوليًّا لدعم المرحلة الانتقالية في سوريا، شارك فيه وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني. وفي السابع من مايو/أيار، استقبل الرئيس ماكرون الرئيس الشرع في أول زيارة رسمية له إلى العاصمة الفرنسية، أو لأي عاصمة غربية. ولأن فرنسا تحتفظ بوجود عسكري رمزي، إلى جانب القوات الأميركية، في شمال شرقي سوريا، وبعلاقات وثيقة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فقد عرضت باريس التوسط لحل المعضلة الكردية في سوريا.

وربما تعد زيارة أسعد الشيباني المفاجئة لموسكو، في السابع من يوليو/تموز، واجتماعه بنظيره الروسي، لافروف، ومن ثم استقباله من قبل الرئيس بوتين، أحد أبرز المؤشرات على تبلور تصور سوري إستراتيجي لعلاقات دمشق مع العالم. وكان لافتًا توكيد الشيباني في مؤتمره الصحافي المشترك مع لافروف على أن سوريا ترغب في علاقاتها بروسيا في التحرر من أسر ميراث الماضي والتطلع إلى مستقبل أفضل لعلاقات البلدين. فروسيا كانت حليفًا كبيرًا لنظام الأسد، وكما إيران، لعبت روسيا دورًا رئيسًا في دعم الأسد وفي حربه الوحشية ضد شعبه طوال سنوات الثورة. ولكن القيادة السورية الجديدة تجنبت اتخاذ أية خطوة استفزازية لروسيا ولقواتها المتواجدة في قاعدة حميميم السورية.

الواضح أنه، على الرغم من الانفتاح الغربي السريع على دمشق الجديدة، فقد سعى الشرع وزملاؤه إلى إقامة علاقات خارجية متعددة الأقطاب والخيارات حتى لا تقع سوريا أسيرة علاقات متفردة مع القوى الغربية. ولكن كان لابد أن يمر وقت قبل اتخاذ خطوة إيجابية باتجاه تطبيع العلاقات مع موسكو، سيما أن فئات واسعة من السوريين لا تزال تحمل مشاعر مفعمة بالعداء لروسيا. وليس ثمة شك في أن السرعة التي تحركت بها القيادة السورية لفتح قنوات الاتصال مع روسيا بوتين عبَّرت عن شجاعة ملموسة لديها، وربما أشَّرت أيضًا إلى بداية بروز شكوكٍ ما لدى دمشق في حقيقة الموقف الغربي والمدى الذي يمكن أن تذهب إليه القوى الغربية في تأييد ودعم سوريا الجديدة، سيما فيما يتعلق بالتدخلات الإسرائيلية في الجنوب السوري.

برفع العقوبات عن سوريا، وإن كان ذلك جزئيًّا، أصبح بإمكان حلفاء النظام السوري الجديد من العرب والمسلمين، كما بعض الدول الغربية، التقدم للمساعدة في النهوض الاقتصادي وترميم بنية البلاد التحتية. وقد قام الشرع بثلاث زيارات لتركيا، ناقش في الأخيرة منها مختلف جوانب التعاون بين البلدين. وسرعان ما تبعه عدة وزراء من حكومته، بمن في ذلك وزراء التعليم والطاقة والاتصالات والاقتصاد والداخلية والطوارئ، وعقدوا اتفاقيات مع نظرائهم الأتراك. وهناك تقارير تفيد بأن تركيا تقوم بتسليح عدة فرق سورية بالسيارات المدرعة، وأن ضباطًا أتراكًا سيمدون يد المساعدة في عملية إعادة بناء وتدريب الجيش السوري الشاقة.

من جهة أخرى، استقبلت سوريا مجموعة من المسؤولين ورجال الأعمال السعوديين والقطريين، الذين أعلنوا مباشرة عن عدد من مشاريع الاستثمار العملاقة في سوريا. كما استحوذت شركة كويتية على شركة اتصالات سورية. وتعهدت قطر بتمويل عقد لمدِّ سوريا بالغاز الأذربيجاني عبر تركيا، للمساعدة على النهوض بقطاع إمدادات الكهرباء السورية. وكانت شركة فرنسية قد وقَّعت مع الحكومة السورية، في أول مايو/أيار، اتفاقًا لتطوير وإدارة مرفأ اللاذقية الحيوي لثلاثين عامًا. ولوحظ أن وزير الدفاع ومدير الاستخبارات السورييْن قد رافقا الشيباني في زيارته لموسكو، وعقدا جلسة مباحثات مع نظيريهما الروسيين؛ ما يؤشر إلى رغبة في عودة العلاقات العسكرية والأمنية التقليدية بين سوريا وروسيا.

بيد أن اتفاقيات التعاون الاقتصادي وغير الاقتصادي، التي نجمت عن الإنجازات السورية الملموسة في حقل العلاقات الخارجية، لم تمتد بعد إلى الساحة السياسية-الأمنية الداخلية، وملفي إعادة توحيد البلاد والعدوان الإسرائيلي المستمر على سوريا. والمشكلة الرئيسة هنا تتعلق بطبيعة الموقف الأميركي الملتبس من سوريا الجديدة.

فالواضح أن ثمة انقسامًا في إدارة ترامب حول الموقف من سوريا، وأن الذين يقولون بالتريث في الانفتاح على سوريا الجديدة، لا يقلون نفوذًا عن الداعين لمساعدة السوريين على النهوض. ويبدو أن العلاقة الوثيقة مع إسرائيل هي ما يجمع دعاة التريث ومراقبة تصرفات الحكومة السورية، سيما في دوائر الخارجية الأميركية وفي مجلسي النواب والشيوخ. هذا الانقسام، على أية حال، هو ما أدى في النهاية إلى أن تتحقق وعود الرئيس ترامب برفع العقوبات بصورة جزئية فقط، وإلى التجديد لحزمة العقوبات المعروفة باسم قيصر، وربطها بمراقبة سلوك الحكومة السورية فيما يتعلق بما بات يُعرف بملف الأقليات، وبالشأنين الداخلي والخارجي.

ولأن المبعوث الأميركي الخاص لسوريا، توم باراك، يبدو وكأنه يمثل معسكرًا واحدًا فقط في الإدارة الأميركية، لم يستطع أن يوظف وزن ونفوذ الولايات المتحدة لحماية سوريا من التدخل الإسرائيلي في أزمة السويداء في يوليو/تموز، ولا في منع الإسرائيليين من قصف قوات الجيش السوري في جنوب البلاد، وقصف مقر هيئة أركان الجيش في قلب دمشق. ما استطاع باراك القيام به في النهاية هو ترتيب لقاء بين وزير الخارجية السورية ووزير الشؤون الإستراتيجية الإسرائيلي في باريس، لم ينجم عنه سوى توكيد الجانب الإسرائيلي على بسط مظلة حمايته على المنشقين الدروز في السويداء، وعلى شروط إخلاء محافظات الجنوب السوري الثلاث من قوات الجيش السوري. أما فيما يتعلق بمسألة قسد والإدارة الذاتية الكردية، فعلى الرغم من تصريحات باراك المتكررة المؤكدة على وحدة سوريا، فليس ثمة ما يشير إلى ضغوط كافية من واشنطن لدفع القادة الأكراد إلى التفاهم مع دمشق وإنهاء حالة الانشقاق غير الرسمي التي أسسوا لها في شمال شرقي البلاد.

الوضع السوري الداخلي: صراع المركزية واللامركزية

فقدت الدولة السورية خلال سنوات الثورة وحدتها وسيادتها على معظم أرضها؛ بعد أن عجز نظام الأسد عن هزيمة القوى المعارضة المسلحة في معظم شمال وشمال شرقي البلاد، وفي درعا والسويداء. كما فجرت سياسات النظام، من ناحية، وسنوات الصراع المحتدم بين النظام ومعارضيه من ناحية أخرى، البنية الوطنية للشعب السوري، وأطلقت العنان للعصبيات الإثنية والطائفية. ولذا، فإن سيطرة القوى التي تسلمت قيادة البلاد عقب سقوط النظام اقتصرت على الشمال المحرر، الذي كانت قوى الثورة تديره أصلًا، وعلى المنطقة من سوريا التي كانت تحت حكم نظام الأسد. ولم يكن صعبًا على القيادة السورية الجديدة تبين الارتباط الشرطي بين نجاحها في إعادة توحيد البلاد، وبين تأسيس شرعيتها وشرعية تحدثها باسم سوريا والشعب السوري.

خطت دمشق أولى خطوات الوحدة والسيادة في محافظة درعا والحدود السورية-الأردنية، مستخدمة أحيانًا وسائل التفاوض وأحيانا التهديد الصريح لقادة الميليشيات في درعا، الذين عُرفوا بعلاقاتهم الوثيقة مع إحدى دول الخليج العربية، ومع الأردن. ولكن الإنجاز السريع في درعا لم يكن ممكنًا دون دعم وتأييد أغلب قطاعات الشعب السوري في المحافظة، وحرص أهالي حاضنة الثورة السورية الأولى على الانضواء في إطار الدولة السورية الجديدة. أما في منطقة الساحل والجبال الغربية، حيث الأغلبية العلوية، فما أن أُخمد التمرد المسلح الذي قادته فلول النظام السابق، في مارس/آذار، لم تواجه الدولة السورية تحديًا ملموسًا لسيادتها، وإن ظلت المنطقة تشهد توترًا ملحوظًا في العلاقة بين عموم السكان العلويين والقوى الأمنية، ولم تزل جيوب صغيرة من الفلول تنشط في مناطقها النائية.

وفي 10 مارس/آذار، وقَّع الرئيس السوري، أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، اتفاقًا، وضع إطارًا لعودة الدولة السورية إلى مناطق ما عُرف باسم الإدارة الذاتية في شمال شرق البلاد. ولكن الاتفاق، الذي دفعت إليه ضغوط أميركية محدودة وخجلة على قسد، كُتب بصيغة عامة وبلغة ملتبسة قابلة لعدة تفسيرات. ولأن التقدم في تطبيق الاتفاق تطلَّب مزيدًا من التفاوض حول التفاصيل والإجراءات، فسرعان ما تبين أن قسد لم تتخلَّ عن تصورها الخاص لمستقبل العلاقة مع دمشق.

بعد شهور من تعطيل تطبيق الاتفاق، طرح قادة أكراد، بمن في ذلك مظلوم عبدي، مطالبهم من الدولة السورية الجديدة. تمثلت تلك المطالب في: (1) التخلي عن “العربية” في اسم الجمهورية العربية السورية. (2) إعادة صياغة الدستور المؤقت. (3) إعادة النظر في قانون إجراء الانتخابات لمجلس الشعب المؤقت. (4) الموافقة على اللامركزية كأساس للدولة السورية الجديدة. ولم يخف القادة الأكراد رفضهم تخلي قوات قسد عن سلاحها، مشترطين الحفاظ على وحدات قسد العسكرية في تشكيلها القائم في حال جرى التحاقها بوزارة الدفاع السورية.

أما في السويداء، محافظة الأغلبية الدرزية، فقد واجهت الدولة الجديدة وضعًا أكثر تعقيدًا. وكان الشيخ حكمت الهجري، أحد شيوخ العقل الثلاثة الكبار للدروز السوريين، خلال السنوات القليلة الماضية، قد فرض نفسه باعتباره القيادي الديني المتفرد للدروز. ونظرًا لأن النظام السابق مارس قمعًا منهجيًّا للحراك السياسي المدني في عموم سوريا، لم تعد هناك قيادات سياسة مدنية ذات تأثير ملموس في السويداء. ومنذ سقوط النظام، بدا واضحًا أن مشيخة الهجري والمجموعات المسلحة الموالية له في المحافظة، تعمل معًا على إقامة ما يشبه الإدارة الذاتية، وعدم السماح لأجهزة الدولة لبسط سيادتها على المحافظة.

وفي يناير/كانون الأول، مُنعت قوة من الأمن العام من دخول السويداء. ولم تحرز محاولة الدولة السورية تشكيل قوة أمنية من أبناء السويداء تقدمًا يُذكر في الشهور التالية. وفي 11 يوليو/تموز، بعد اشتباك عرضي بين سائق سيارة نقل درزي ومسلحين من عشائر السويداء العرب السنَّة، اندلعت اشتباكات في أنحاء المحافظة بين مسلحين من أتباع الهجري ومسلحين عشائريين. وعندما حاولت قوى الأمن والجيش السوري الانتشار في أنحاء المحافظة لاستعادة الأمن، تدخل سلاح الجو الإسرائيلي، بدعوة من الهجري وحلفائه من الدروز الإسرائيليين، وأجبر قوات الأمن والجيش السوري على مغادرة السويداء. وكما في العلاقة مع قسد، لم تنجح اتفاقات التهدئة بين الهجري ودمشق في تطبيع الأوضاع، أو في عودة أجهزة الدولة وقواها الأمنية إلى العمل في المحافظة. فلماذا تتعثر خطوات دمشق نحو إعادة توحيد البلاد وبسط سيادة الدولة على شعبها وأرضها؟

في الثامن من أغسطس/آب، عُقد في مدينة الحسكة، الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، مؤتمر لم يُعقد مثله منذ ولادة سوريا الحديثة. عُقد المؤتمر، الذي نظمته الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا، التي تمثِّل الوجه المدني لقسد، وترأَّسه كل من حسين عثمان، الرئيس المشارك للمجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية، وإلهام أحمد، مسؤولة العلاقات الخارجية في المجلس، تحت عنوان “وحدة الموقف لمكونات شمال شرقي سوريا”. وقد عمل المنظمون على أن يضم المؤتمر ممثلين عن كافة المكونات الإثنية والدينية التي تقطن في شمال شرقي البلاد: الأكراد والعرب، والمسلمين والمسيحيين من مختلف الكنائس. ولكن الهدف الأبعد للمؤتمر كان حشد القوى الطائفية والإثنية المعارضة لحكم دمشق، والتي تلتقي مع قسد في تصورها لسوريا الجديدة.

حرص منظمو المؤتمر على أن يتحدث إلى المؤتمر الشيخ حكمت الهجري، شيخ عقل الدروز الذي يقود الحراك في السويداء ضد دمشق، والشيخ غزال غزال، رئيس ما يسمى بالمجلس الديني في المجلس الإسلامي العلوي، الصوت العلوي الأبرز في المعارضة العلوية لدمشق، والمتهم بالتعاون مع قادة الفصائل العلوية المسلحة، التي شاركت في قمع أغلبية الشعب السوري خلال سنوات الثورة. تحدث إلى المؤتمر أيضًا الشيخ مرشد معشوق الخزنوي، أحد أعلى العلماء الأكراد السوريين صوتًا في التعبير عن القومية الكردية ومعاداة العرب، باعتباره ممثلًا للكرد السوريين. عمومًا، كان معظم المشاركين في المؤتمر، الذين قُدِّر عددهم بنحو أربعمئة شخص، من منتسبي الإدارة الذاتية أو كوادرها.

وعلى الرغم من أن عنوان مؤتمر الحسكة تعلق بموقف مكونات شمال شرقي سوريا، فقد تحول في النهاية إلى ملتقى لما بات يُعرف بالأقليات السورية. وقد طالب رجال الدين الثلاثة، الدرزي والعلوي والكردي، بدولة علمانية ديمقراطية، واتهموا النظام السوري الجديد بارتكاب تجاوزات ومجاز في الساحل والسويداء، ودعوا إلى إعادة بناء نظام الحكم. وفي لغة مشابهة، بدا بيان المؤتمر وكأنه يقدم تشخيصًا خاصًّا بالأسباب التي تقف خلف أزمة وحدة سوريا المتفاقمة. فطالب البيان بدستور سوري جديد “دستور ديمقراطي يكرس ويعزز التنوع القومي والثقافي والديني، ويؤسس لدولة لا مركزية تضمن المشاركة الحقيقية لكافة المكونات في العملية السياسية والإدارية، بما ينسجم مع حرية المعتقد والعدالة الاجتماعية والحوكمة الرشيدة”.

كان الهدف من مؤتمر الحسكة، وبغضِّ النظر عن توقعات التحالف بين قيادات الأقليات الذين شاركوا في أعماله، أن يطرح تصورًا خاصًّا لمستقبل سوريا، يضع نهاية لنظام الحكم المركزي. ويقيم، بدلًا من ذلك، دولة تتوزع فيها سلطة الدولة على أقاليم تُرسم حدودها على أساس إثني، في الحالة الكردية، وعلى أساس طائفي في الحالتين العلوية والدرزية، بغضِّ النظر عن حقائق التداخل الديمغرافي السوري وميراث ما يزيد عن مئة عام من الجمهورية السورية. والمهم، أن هذا التصور للدولة السورية يتناقض مع التصور الذي طرحه الدستور الانتقالي للدولة الجديدة، الذي صيغ بلغة المواطنة ومساواة السوريين جميعًا أمام القانون، ونص على وجود جيش وطني واحد، ومؤسسات حكم ودولة واحدة في البلاد.

ليس من الواضح مدى مصداقية تمثيل المجتمعين في ملتقى الحسكة للمكونات السورية التي تحدثوا باسمها. ولكن الإدارة الذاتية لشمال البلاد الشرقي تستند إلى قوة السلاح الذي تحمله قوات سوريا الديمقراطية، وإلى الدعم الغربي، والأميركي على وجه الخصوص. في السويداء، خرج شيوخ العقل الدروز الثلاثة الكبار في اليوم التالي لمؤتمر الحسكة بكلمات متتالية، منسقة على الأرجح، حملت هجومًا صريحًا على حكومة دمشق، وإشادة بالدعم الإسرائيلي، ومطالبة بالحماية الدولية للسويداء من تدخلات النظام السوري الجديد. أما في الساحل السوري، حيث يقطن أغلب العلويين، فلم يجد خطاب الشيخ غزال غزال صدى يُذكر، لا بين الشيوخ العلويين الآخرين ولا بين الشخصيات العلوية العامة الأخرى.

ومهما كان الأمر، فقد كشف مؤتمر الحسكة عن وجود تصورين مختلفين لمستقبل سوريا وللدولة السورية الجديدة. تصور تطرحه قيادات طائفية ذات نزعة انفصالية تدفع نحو حكم لا مركزي، وآخر تحمله قيادات سوريا الجديدة، بما تمثله من أغلبية المجتمع السوري ومن يصطف إلى جانبها من أبناء الأقليات الإثنية والطائفية، كردًا ودروزًا ومسيحيين. هذا الخلاف التصوري يمثل جذر الأزمة السورية الداخلية في حقبة ما بعد نظام الأسد. وكافة الإشكالات الأخرى محل الجدل السياسي في سوريا الجديدة هي في الحقيقة أعراض جانبية.

طريق محفوف بالمخاطر

أولت القيادة السورية منذ تسلمها مقاليد الحكم في دمشق اهتمامًا بالعلاقات الخارجية، سواء على المستويين العربي والإقليمي أو على المستوى الدولي، أكبر بكثير من الاهتمام بالوضع السوري الداخلي، سيما ما يتعلق بتحديات إعادة توحيد البلاد والتعامل مع القوى الانفصالية. ويمكن تفسير هذا التباين في الاهتمام بانفتاح الخارج الإيجابي على سوريا، الذي فوجئ به القادة السوريون. وربما لأن دمشق سرعان ما اكتشفت أن إخراج سوريا من وطأة الاختناق الاقتصادي والسياسي مشروط بانفتاح سريع على الخارج الإقليمي والدولي. أما السبب الثالث فقد يكون تبلور تقدير لدى القيادة الجديدة بأن معظم قضايا توحيد البلاد وثيقة الصلة بالقوى الخارجية.

والواضح، بعد مرور ثمانية شهور على التغيير السوري الكبير، أن حصاد الجهود السياسية على الصعيد الخارجي لم يكن تمامًا بحجم الآمال التي عُلِّقت عليها. فقد نجحت سوريا في رفع بعض من العقوبات، وليس كلها. كما أن المردود الاقتصادي من المساعدات والاستثمارات العربية، وإن بدا مبشرًا، فليس ثمة ما يؤكد أن دعمًا عربيًّا أو دوليًّا مباشرًا قد قُدِّم للدولة السورية ذاتها. أما بخصوص إعادة توحيد البلاد وتعزيز سيادة الدولة؛ الأمر الذي كان من المنتظر أن تقوم فيه الولايات المتحدة والقوى الأوروبية بالدور الأكبر، فلم تزل دمشق تنتظر المساعدة الضرورية. ولم ترفع الولايات المتحدة، ولا فرنسا، مظلة الحماية عن قسد، ولا استطاعت القوى الغربية إيقاف إسرائيل عن التدخل في الشأن السوري الداخلي، أو الانسحاب من المناطق التي توغلت فيها منذ ديسمبر/كانون الأول 2024.

ويبدو أن القيادة السورية الجديدة، هي الأخرى لم تساعد نفسها كما يجب، ولا بذلت ما يكفي من الجهد لحشد مختلف تيارات الشعب السوري خلفها، سيما في الشهور الأولى التالية على انتصار الثورة وإطاحة النظام السابق. فقد سارعت القيادة إلى تطهير مؤسسات الدولة السابقة وبناء أجهزة دولة وقوات مسلحة جديدة، ولكنها لم تعمل على توسيع قاعدة الحكم لتشمل القطاع الأوسع من قوى الثورة وتياراتها بما في ذلك مكونات المعارضة السابقة، لا على مستوى مسؤولي الدولة الجديدة، ولا عبر مؤتمر الحوار الوطني، الذي لم يستمر سوى ليوم واحد، ولا من خلال تشكيل الحكومة الانتقالية.

ما يبدو واضحًا، في النهاية، أن سوريا باتت تقف أمام مفترق طريقين، تحف المخاطر بكل منهما: الأول: هو المضي نحو استخدام القوة، قوة الدولة الجديدة، والقطاعات الشعبية المؤيدة لها، وعدد من الحلفاء الأوثق، لحسم الموقف في شمال شرقي البلاد، وفي السويداء، والتعامل مع ما تبقى من جيوب التمرد في الساحل. وهذا بالتأكيد هو طريق اندلاع العنف الأهلي، الذي تصعب قراءة عواقبه على مستوى التماسك الوطني، أو على مستوى مواقف القوى الغربية. والثاني: هو التمسك بنهج الحوار المستمر مع القوى الانفصالية، الذي لا يعرف أحد كيف ومتى يمكن أن يحقق التوافق، ولا ما إذا كانت القوى الانفصالية ستعمل خلاله على تثبيت مزيد من الوقائع على الأرض.

مركز الجزيرة للدراسات

———————————-

لويا جيركا” سورية/ حسين عبد العزيز

19 اغسطس 2025

يوما بعد يوم يزداد الانقسام في المشهد السياسي السوري مع الاختلاف الحاد في الرؤى بين قيادة حاكمة تسعى بكل قوة إلى مركزة سلطتها الدولتية، وبين أطراف أخرى ترفض هذه المركزة: يرى بعضها أن اللحظة التاريخية اليوم سانحة لتحقيق أهدافها السياسية الضيقة (حكمت الهجري)، وأخرى تسعى للاندماج في مشروع وطني جامع ليس على أساس المركزة الشديدة للسلطة (الإدارة الذاتية الكردية).

بين هذه المواقف الثلاثة، يظهر موقفا السلطة والهجري متطرفين سياسيا: الأول يستفرد بوضع خريطة طريق سياسية أحادية الجانب، يرفض فيها أي فكرة لـ اللامركزية السياسية في وقت يرفض فيه إقامة نظام ديمقراطي ليبرالي قائم على المواطنة، فيما سعى الثاني، قبل انعقاد المؤتمر، إلى تحقيق أجندات هُوياتية ضيقة تحت عناوين سياسية عامة. أما الموقف الكردي فيُعتبر بمنزلة بين المنزلتين، فلا يطرح حكماً ذاتياً (شبه دولة) ولا يرضى في المقابل بدولة شديدة المركزية.

في ظل الانسداد السياسي القائم، يسعى كل طرف إلى البحث عن حلفاء لتقوية موقفه: دمشق تجد في الخارج الإقليمي والدولي داعمين لها، في حين يجد تيار الهجري في إسرائيل داعما له، أما “الإدارة الذاتية” الكردية، وبسبب افتقادها لداعم خارجي، فقد تلمست من الداخل البحث عن حلفاء.

هكذا جاء مؤتمر تحالف الأقليات نوعاً من “اللويا جيركا” الإثنية ـ الطائفية ـ القبلية، لتشكيل ائتلاف سياسي قابل للتوسّع داخلياً، وإمكانية الحصول على دعم دولي من الخارج من أجل تقوية موقفها في عملية التفاوض مع حكومة الشرع.

وما يلفت الانتباه غياب أي إشارة إلى الانفصال أو الاستنجاد بالخارج، وهذه نقطة تُحسب للمؤتمر، لأنه نجح في جر تيار الهجري من البحث عن خيارات خارجية إلى البحث عن خيارات داخلية، ظاهرياً على الأقل، كما جاء في منطوق البيان الختامي للمؤتمر، إذ دعا البيان إلى دستور ديمقراطي يعزّز التنوع القومي والثقافي والديني، ويؤسّس لدولة لامركزية تضمن المشاركة الحقيقية لكل المكونات، والمطالبة بإعادة النظر في التقسيمات الإدارية الحالية، والدعوة إلى عقد مؤتمر وطني سوري جامع تشارك فيه مختلف القوى الوطنية والديمقراطية.

لا يمكن فهم السياق الذي جاء به المؤتمر بمعزل عن تطورين لافتين، قد يشيران إلى وجود انقسام داخل “الإدارة الذاتية” نفسها حيال التعاطي مع حكومة الشرع:

أولا، وقوع اشتباكات عسكرية بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وقوات الحكومة في ريف حلب الشرقي، عقب عملية تسلل نفذتها مجموعتان تابعتان لـ”قسد” باتجاه مواقع للقوات الحكومية، وهو أمر يتعارض مع المسار التفاوضي، إلا إذا كان المُراد استخدام العسكرة كأداة ضغط سياسية في هذا التوقيت.

ثانيا، غياب قائد قوات “قسد” مظلوم عبدي عن المؤتمر، ثم غيابه عن اللقاء الذي جرى بين وفد كردي برئاسة إلهام أحمد ووزير الخارجية أسعد الشيباني في دمشق بعد انعقاد مؤتمر تحالف الأقليات.

يشير هذان المعطيان إلى وجود انقسام داخل الصف الكردي لـ”الإدارة الذاتية”، بين تيار يركّز على التفاوض الطويل لحل المسائل العالقة على أمل حدوث متغيرات في المواقف الإقليمية والدولية، من شأنها أن تشكل ضغطا على دمشق، وتيار يسعى إلى ممارسة لعبة حافة الهاوية، مستغلا حالة الستاتيكو الدولي حيال سورية.

لكن هذا الانقسام يبقى على المستوى التكتيكي فقط، أي لا يتعلق بالرؤية الاستراتيجية لـ”الإدارة الذاتية” حيال مستقبل النظام السياسي في سورية، حيث ما زالت “الإدارة الذاتية” تؤكّد على النظام الديمقراطي واللامركزية الإدارية، وعلى رفض حل “قسد” وتسليم سلاحها، وهو موقفٌ يتعارض تماما مع موقف الحكومة التي تصرُ على دخول قوات “قسد” إلى الجيش بشكل فردي، وتسليم السلاح والمناطق الخاضعة لها، بما فيها المعابر الدولية والسجون.

لم يكن مؤتمر الحسكة إلا تتويجاً لمسار سياسي اتبعته القيادة الحاكمة في دمشق، يقوم على خطاب عُصابي واستئثار سياسي وانفلات لعناصر عسكرية، ولن يكون مفاجئاً إذا ما استمرّ هذا المسار نشوء “لويا جيركات” سورية عديدة، يتداخل فيها الوطني وما قبل الوطني، مع استمرار البحث عن حلفاء من الخارج يستغلون الخلافات السورية لتحقيق مصالحهم الخاصة.

العربي الجديد

————————

خبراء: تحديات دستورية وعسكرية تهدد مسار اتفاق 10 آذار/ معاذ الحمد

أشهر قليلة لتنفيذ اتفاق الشرع – قسد: التحديات، الرعاة الدوليون، ومستقبل سوريا الموحدة

2025-08-19

بين رهانات الداخل وضغوط الخارج، يقف اتفاق العاشر من آذار/ مارس بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية (قسد) عند مفترق طرق حاسم. فبينما يؤكد الرئيس أحمد الشرع أن أشهراً قليلة تفصل عن دخوله حيّز التنفيذ برعاية أميركية وموافقة تركية، تبرز تساؤلات جدية حول قدرة الأطراف على تجاوز العقبات المرتبطة بالملف الكردي والدمج العسكري والتوازنات الإقليمية والدولية. فهل يشكّل الاتفاق مدخلاً لتوحيد البلاد تحت مظلة الدولة الواحدة، أم أنه مجرد محطة انتقالية محكومة بحسابات القوى الكبرى ومصالح اللاعبين الإقليميين؟ وكيف ستتعامل الإدارة السورية الجديدة مع الإرث الثقيل الذي خلّفه النظام السابق من انقسامات وتهميش وصراعات على النفوذ؟

وأعلن الرئيس السوري أحمد الشرع، عن أن اتفاق العاشر من آذار/ مارس المبرم مع “قسد” دخل مرحلة العد التنازلي للتنفيذ، مؤكداً أن “أشهراً قليلة تفصل عن بدء التطبيق العملي للاتفاق”، الذي جرى برعاية أميركية وموافقة تركية.

سقف زمني حتى نهاية العام

الشرع أوضح خلال جلسة حوارية في إدلب مع أكاديميين وسياسيين ونقابيين ووجهاء، نُشرت السبت الماضي، أن “قسد أبدت استعدادها لتنفيذ بنود الاتفاق”، لكنه حذّر من أن “بعض ممارساتها على الأرض تختلف عما يتم التوافق عليه في المفاوضات”.في المقابل، يؤكد الأكاديمي والسياسي السوري عبدالباسط سيدا، في تصريحات لـ”963+” أن “السقف الزمني لتنفيذ الاتفاق محدد حتى نهاية العام الجاري”، مضيفاً أن “الاتفاق جاء برعاية أميركية وبقبول تركي”، وأن حسابات كل من دمشق و”قسد” تبقى “مرتبطة بالتوافقات الإقليمية والدولية التي أعادت رسم المشهد السوري ومهدت لوصول إدارة الشرع إلى الحكم”.

بين الرغبة في التقسيم ومعركة التوحيد

الرئيس السوري شدد على أن “هناك أطرافاً ترغب في تقسيم سوريا”، لكنه وصف هذه المطالب بأنها “أحلام سياسية محكومة بالفشل”. وقال: “من يطالب بالتقسيم كمن يقف على حافة جبل ويهوي إلى قاع الوادي”. كما اتهم إسرائيل بمحاولة التدخل المباشر في محافظة السويداء “لإضعاف الدولة السورية”، مؤكداً التزام الحكومة بـ”محاسبة مرتكبي التجاوزات” هناك.هنا يعلّق سيدا بأن “تضحيات الشعب السوري على مدى أربعة عشر عاماً كانت العامل الحاسم لإفشال مشاريع التقسيم، إذ ساهم الإصرار الشعبي على إنهاء حكم آل الأسد في تغيير موازين القوى، لا سيما في ما يتعلق بالدور الإيراني في سوريا ولبنان”.

تفاهمات واتصالات رغم الخروقات

الشرع أشار إلى أن “سوريا أمام معركة توحيد يجب ألا تكون عبر القتال”، لافتاً إلى أن “المبدأ الراسخ محلياً وإقليمياً ودولياً يتمثل في وحدة الأراضي السورية وحصر السلاح بيد الدولة”.وفي هذا السياق، يوضح سيدا أن “الاتهامات المتبادلة بين الإدارة السورية و(قسد) حول التجاوزات لا توقف مسار التفاوض”، لافتاً إلى أن “اللجان المشتركة تواصل عملها، وقد تحققت تفاهمات عملية في مناطق عدة مثل الشيخ مقصود بحلب وسد تشرين، إضافة إلى تفاهمات أمنية واقتصادية غير معلنة”.

ويعتبر السياسي السوري أن هذه الاتهامات “جزء من لعبة تسجيل النقاط لتعزيز الموقف التفاوضي أمام الرعاة الأساسيين، أي واشنطن وأنقرة، مع دور غير بعيد لإسرائيل”.

إلغاء اجتماع باريس والانتقال إلى دمشق

من جهته، أعلن مسؤول الشؤون الأميركية في وزارة الخارجية السورية، قتيبة إدلبي، عن أن الاجتماع الذي كان مقرراً في باريس بين الحكومة والإدارة الذاتية “لم يعد قائماً”، موضحاً أن المفاوضات ستُعقد “إما في دمشق أو في مناطق شمال وشرق سوريا”.

وأضاف في مقابلة مع قناة “روداو“: “دخلنا مرحلة الخطوات العملية لتنفيذ اتفاق 10 آذار، والمرحلة المقبلة تتضمن صياغة دستور دائم بعد انتخاب مجلس الشعب، مع إمكانية طرح تعديل الاسم الرسمي للدولة خلال الاستفتاء الدستوري”.

إدلبي أكد أن الحكومة تسعى إلى “خلق جو إيجابي بين المجتمع الكردي وبقية المكونات”، لمعالجة آثار “التهميش السياسي والتمييز العرقي والطائفي الذي ارتبط بالنظام المخلوع”.

ورأى أن “المشكلة ليست دستورية بحتة بل سياسية بالدرجة الأولى”، مشدداً على أن “تطبيق السياسات العملية أهم من مجرد النصوص القانونية”.

لكن الكاتب والباحث السياسي رستم محمود، يعتبر في تصريحات لـ”963+” أن “أحد أبرز التحديات يتمثل في البند السياسي المتعلق بالحقوق الكردية والوضع الدستوري للكرد”، محذراً من أن “نجاح المسار يتوقف على النوايا الحقيقية بشأن تعديل الإعلان الدستوري والتوافق على دستور جديد”.

دمج “قسد” بالجيش السوري… التحدي الأكبر

في الملف العسكري، شدد إدلبي على “ضرورة دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن الجيش السوري إلى جانب الفصائل الأخرى لتجنب خلق دولة داخل الدولة”، مبيناً أن “عملية الدمج مستمرة وتتطلب وقتاً لتوزيع الخبرات العسكرية بشكل يخدم كافة السوريين”.غير أن محمود يرى أن “هذا البند من أخطر الملفات، لأنه يمس بنية النظامين السياسي والأمني في البلاد”، مؤكداً أن “الرعاية الأميركية تشكل الضمانة الأساسية لمنع انزلاق الأمور نحو الصدام”. وأضاف أن “تركيا لا تملك حوافز حقيقية لدعم الاتفاق، بل تثير التوتر، وأقصى ما يمكن أن تقدمه هو الاكتفاء بعدم التدخل العسكري المباشر”.

الأبعاد الإقليمية والدولية

عبدالباسط سيدا يوضح أن “فرنسا، رغم إلغاء اجتماع باريس، تبقى جزءاً من التحالف الدولي ولها علاقات قوية مع قسد، وهي تنسق مع الولايات المتحدة في توزيع الأدوار داخل الملف السوري”.

ويختم بالتأكيد أن “نجاح الاتفاق أو فشله لن يتحدد فقط في الداخل السوري، بل سيرتبط بمجمل تطورات المنطقة، من فلسطين ولبنان إلى الملف الكردي في تركيا والعراق”، مشدداً على أن “سوريا ستظل الركن الأساس في معادلات التوازن الإقليمي”.

أما رستم محمود فيعتبر أن “التحدي الأكبر يتمثل في مدى استعداد النظام السياسي الجديد للانفتاح على لعبة ديمقراطية حقيقية تشمل جميع السوريين”، لافتاً إلى أنه “حتى الآن لم تظهر مؤشرات كافية على ذلك”.

لكنه يشدد على أن “معالجة هذه العقبات ممكنة عبر ضغوط أميركية وإقليمية واضحة، خصوصاً من السعودية، لتأكيد أن المسألة السورية سياسية بالدرجة الأولى وقابلة للتعديل”.

—————————

 الجيش السوري يستنفر على حدود قسد.. خطة ما قبل أحداث السويداء/ محمد كساح

الاثنين 2025/08/18

علمت “المدن” من مصادر عسكرية في الجيش السوري، أن وزارة الدفاع أوعزت باستنفار التشكيلات العسكرية التابعة لها ورفع الجاهزية في المناطق المتاخمة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، في تطور قد يغيّر من معادلة السيطرة في المنطقة، بعد مماطلة الإدارة الكردية في تنفيذ تفاهمات الشرع-عبدي الموقعة في 10 آذار/مارس الماضي.

وتسيطر “قسد” على كانتون مترامي الأطراف شرقي سوريا، وينص الاتفاق الذي وقعه الرئيس أحمد الشرع مع قائد “قسد” مظلوم عبدي/ على وقف إطلاق النار ودمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز.

حشد واستنفار

وأفاد مصدر عسكري من وزارة الدفاع السورية، “المدن”، بأن فرقاً عديدة في الجيش، رفعت الجاهزية وباشرت أعمال الحشد والاستنفار منذ أسابيع، لافتاً إلى أن التخطيط لشنّ هجمات نحو شرقي نهر الفرات، سبق معركة السويداء، لكن هجوم الجيش لفض الاشتباك في المحافظة الجنوبية، أجّل تنفيذ المخطط العسكري ضد “قسد”.

وأضاف المصدر أن المؤتمر الذي عقد شرقي الفرات، شكل عاملاً إضافياً هاماً لرفع جاهزية الجيش السوري، حيث تنظر الكوادر العسكرية إلى المؤتمر كتكريس لحلف أقليات يواجه الحكومة السورية، ومن هذا المنطلق استأنف الجيش استنفاره وفق المخطط الذي سبق أحداث محافظة السويداء.

وبالتوازي، أكد المصدر العسكري أن وزارة الدفاع كانت بصدد تحريك ورقة العشائر العربية، في هجومها ضد “قسد”، كما ستشارك تشكيلات الجيش الوطني (سابقاً) والمنخرطة ضمن الوزارة، في العمليات من مناطق تمركزها بريف حلب، لكنه أشار إلى أن الوزارة تفضل حالياً التريث، على أمل حل الملف مع الأكراد بطرق سلمية، نظراً لخطورة وفداحة النتائج المترتبة عن العمل العسكري المرتقب.

وفي السياق، أكد مصدر عسكري عامل في إحدى فرق حلب، التابعة لوزارة الدفاع، أن الفرق الخمسة المتمركزة في المنطقة، مستنفرة بشكل كامل على جبهات أرياف حلب المحاذية للإدارة الذاتية. وأضاف لـ”المدن”، أن القوات لم تتحرك حتى الآن لشن أي هجمات لكنها مستعدة للحل العسكري.

استعراض القوة

وفيما يستبعد المصدر العسكري العامل في وزارة الدفاع، شنّ الجيش هجوماً موسعاً ضد المناطق التي يسيطر عليها الأكراد، تشير مصادر متابعة إلى أن التوترات المتصاعدة بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق، تؤشر على مرحلة جديدة من استعراض القوة.

ويرى المحلل السياسي درويش خليفة، أن “قسد أطلقت دعوات متكررة للمكونات المعارضة للانضمام إليها، في حين تُقابل هذه الدعوات برفض قاطع من الحكومة السورية، مما يُنذر بتصعيد محتمل. لكن بالرغم من ذلك، يبدو أن المواجهة العسكرية المباشرة تظل خياراً مستبعداً”.

ويوضح خليفة لـ”المدن”، أن الطرفين قد يفضلان الحفاظ على منطقة رمادية يمكن فيها العودة إلى الحوار. ويلفت إلى وجود معلومات حول التحضير لاجتماع تشاوري في الرقة، لوضع مبادئ دستورية يتم تقديمها لاحقاً إلى دمشق على طاولة المفاوضات، بالتوازي مع حديث عن اجتماع تنسيقي في عاصمة أوروبية لمناقشة اللامركزية.

ووسط الأجواء المتوترة، كان وفد من “قسد” قد زار دمشق قبل أيام لإجراء مباحثات تأتي استكمالا لاتفاق 10 مارس/آذار الماضي.

بينما أكد مسؤول الشؤون الأميركية في وزارة الخارجية السورية، قتيبة إدلبي، أن الاجتماع المقرر في العاصمة الفرنسية باريس، بين وفد الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، “لم يعد قائماً”، لافتاً إلى أنهم دخلوا “مرحلة الخطوات العملية لتنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس”.

———————————-

 من التجانس الفصائلي إلى التجانس الوطني/ عدنان علي

2025.08.19

تشير التطورات الأخيرة المرتبطة بالسويداء إلى أزمة عميقة في المجتمع السوري تتعلق بالهوية والانتماء، وتضخم في العصبيات الضيقة مقابل هشاشة لفكرة الوطن الجامع.

يحمل البعض تلبيس السلطة الحالية مسؤولية انفجار هذه الأزمة بسبب احتكارها السلطة منذ ثمانية أشهر، وإهمالها للشركاء الآخرين في الوطن، بمن فيهم حتى الحاضنة السنية، ما لم تكن مرتبطة بالمجموعة الحاكمة القادمة من إدلب.

والواقع، أن هذا تشخيص يحمل قدراً من الصحة، لكنه وحده لا يفسر ما نحن بصدده اليوم، حيث نشهد تشظيا للمجتمع السوري، وارتداداً قوياً باتجاه العصبيات الضيقة المذهبية والعشائرية والعرقية والمناطقية، فيما يبدو مفهوم الوطن يتيماً يُنظر له بعض المثقفين الذين يوصفون بأنهم منفصلون عن الواقع، ومثله مفهوم الدولة الذي يردده المسؤولون في الحكم كمرادف للسلطة الحاكمة، وهو ما لا يحظى باعتراف بقية المكونات كما يبدو حتى الآن.

لا شك أن التناقضات المجتمعية المتراكمة منذ عقود، والمغيبة بالقوة خلال الحقبة الأسدية، تحتاج إلى دراسة جدية، وهي تشير إلى جهل واضح، وتنميط كبير في نظرة المكونات المحلية لبعضها البعض، وهو ما يفسر مقدار التحامل والتجييش الداخلي الحاصل اليوم.

لكن في الجانب السياسي، يمكن القول إن الحكاية بدأت منذ انعقاد “مؤتمر النصر” مطلع العام الجاري والذي دُعيت إليه فقط الفصائل العسكرية المشاركة في معركة “ردع العدوان” وانتهت بإطاحة نظام الأسد. منذ تلك اللحظة، شعرت المكونات الأخرى أنها مستبعدة عن المشاركة في النصر، وأن هذا النصر ليس نصرها، بل يعني مجموعة محددة بعينها. وجاءت القرارات الصادرة عن المؤتمر، والمتمثلة في تولية أحمد الشرع رئاسة سوريا في المرحلة الانتقالية، وتفويضه بتشكيل مجلس تشريعي مؤقت، وحل الأحزاب، وكذلك الأجهزة الأمنية والجيش، ومجلس الشعب، ليكرس هذا الشعور بالاغتراب عن السلطة الجديدة لدى تلك المكونات. ثم جاء مؤتمر “الحوار الوطني” المسلوق على عجل، ومن بعده “الإعلان الدستوري” ليصبا في الاتجاه ذاته، بأن السلطة الحاكمة تهندس الدولة على مقاسها، دون اكتراث بالاعتراضات والانتقادات الصادرة عن جهات، بمن فيها شخصيات ومثقفون من العرب السنة الذين وجدوا أنفسهم أيضا خارج سياق السلطة الحالية التي اعتمدت بشكل كبير على كوادرها العسكرية والإدارية حين كانت تحكم في إدلب، مستبعدة أية خبرات أخرى، حتى لو كانت معارضة للنظام السابق.

ومن هنا، يرى بعضهم، أن “الأخطاء” التي وقعت فيها السلطة، والناجمة أساساً عن سوء تقدير للموقف، سببها الأساسي قلة الخبرة لدى الفاعلين في هذه السلطة، خصوصاً إزاء ملفات جديدة لم يسبق لهم التعامل معها على نطاق واسع، مثل كيفية إدارة خلافات المجتمع المحلي، سيما مع المكونات الأخرى (الأقليات) وسوء إدارة الاعلام الذي تولاه عموما ناشطون متحمسون يفتقدون للخبرة والوعي السياسي والمجتمعي، وكيفية إدارة العلاقة مع إسرائيل، وعدم تشغيل السفارات السورية المعطلة في الخارج، بينما اتكأت السلطة في علاقاتها الدولية على الرافعة التركية- الخليجية، والتي أمكن بفضلها الرفع الجزئي للعقوبات الأميركية والأوروبية عن البلاد.

ثم جاءت أحداث الساحل، والانتهاكات التي رافقتها بسبب عدم السيطرة الكافية على القوات المشاركة، لتشير إلى قدر من الارتجالية في التعامل مع قضايا حساسة، وهو ما يؤكد أيضا على فكرة ضعف الخبرة. وتلاها أحداث صحنايا وجرمانا وصولا إلى السويداء، لتتكرر الأخطاء ذاتها، وبشكل شبه حرفي، ما يعني الافتقاد إلى المؤسساتية التي من خلالها يتم استخلاص العبر، ووضع خطط لتلافي الأخطاء، مقابل هيمنة عقلية الفصيل وأسلوب الارتجال في القرارات، بينما كانت قوى في الداخل، وأخرى في الخارج (إسرائيل) تنتظر هذه “الأخطاء”، بل ربما تستدرج السلطة إليها، لتوريطها أكثر في المواجهة مع المجتمعات المحلية، بهدف محاصرتها وإضعافها، وصولاً إلى تهيئة الظروف للمطالب الانفصالية، على نحو ما حدث أخيرا في السويداء.

هل ضاعت الفرصة لتدارك أخطاء الشهور الماضية؟ أعتقد ما زال الوقت متاحاً لاستعادة زمام المبادرة، واتخاذ خطوات جدية للانفتاح على المجتمع، وإشراكه بشكل حقيقي في تحمل المسؤولية، وطرح الحلول، ومواجهة المشكلات، وهذا لا يضعف من السلطة، بل يقويها. وعلى سيبل المثال، لو كان لدينا “مجلس إدارة الدولة” فيه ممثلون عن كل المكونات برئاسة الرئيس الشرع، هو من يتولى التعامل مع الملفات الداخلية، لكان أمكن إلى حد كبير الخروج من الثنائية الطائفية القاتلة: حكومة من لون واحد مقابل طائفة معينة، وهذه الثنائية تسهل توجيه مختلف أشكال الاتهامات للحكومة، فقط لأنه ينظر إليها على أنها من لون واحد. ماذا لو كان لدينا وزير دفاع مسيحي؟ هذا ليس قفزاً عن الواقع، بل يجب أن تدرك المكونات الفصائلية التي تقوم عليها السلطة أن نجاح التجربة يتطلب بالضرورة مشاركة من هذا النوع، ليس كديكور سياسي، بل مشاركة فعلية، وقد يكون لدى وزير الدفاع المسيحي أو أي مكون آخر، مقاربة مختلفة للتعامل مع أزمات على نحو ما حصل في الساحل والسويداء.

السلطة الحالية بحاجة ماسة لتطعيم كوادرها الفاعلية بألوان أخرى، وتوسيع مفهوم “الحكومة المتجانسة” التي تحدث عنها الرئيس الشرع في الأشهر الأولى، لتشمل قوى وشخصيات من خارج “دويلة إدلب” التي كانت، والانتقال من وضع التجانس الفصائلي إلى التجانس الوطني.

تلفزيون سوريا/

—————————-

«سوريا الديمقراطية» تحض بارزاني على دور أكبر في تفاوضها مع دمشق

مصادر تحدثت عن التحضير لمؤتمر في الرقة وورقة مبادئ دستورية

دمشق: سعاد جرَوس

18 أغسطس 2025 م

كشفت الزيارة التي قام بها الرئيس المشترك لـ«مجلس سوريا الديمقراطية»، محمود المسلط، إلى إقليم كردستان العراق، مساعي لحض الرئيس مسعود بارزاني على لعب دور مؤثر في المفاوضات مع دمشق عبر علاقاته الإقليمية والدولية.

وعلمت «الشرق الأوسط»، من مصادر كردية مطلعة، أن الاجتماع التشاوري الذي يجري التحضير لعقده في الرقة شمال شرقي سوريا في 20 من الشهر الجاري، جرى تأجيله دون توضيح الأسباب، لكنها أكدت العزم على عقده في وقت لاحق.

وكانت تقارير إعلامية قد أفادت بعزم «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد)، على عقد مؤتمر تشاوري في مدينة الرقة يضم المكونات السورية وأحزاباً وتيارات سياسية ومرجعيات روحية وشخصيات فكرية، من داخل وخارج مناطق سيطرة الإدارة الذاتية شمال شرقي سوريا، ويهدف المؤتمر إلى وضع ورقة مشتركة تتضمن مبادئ دستورية لم ترد في الإعلان الدستوري الذي وضعته دمشق، على أن يطرح وفد الورقة المتوافق عليها للنقاش مع دمشق.

وواجه الإعلان الدستوري منذ صدوره في 13 مارس (آذار)، اعتراضات من الأكراد والدروز، حيث اعتبر «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد) أن الدستور الانتقالي لا يتماشى مع الاتفاق الذي تم توقيعه مع الحكومة السورية وخطوة تمهد الطريق للإقصاء بدلاً من التشارك.

ورأى الباحث والسياسي بسام السليمان، أن طرح صيغة إعلان دستوري جديدة يصب في محاولات «قسد» تسويق نفسها على أنها «قادرة على إدارة التنوع»، في الوقت الذي يقوم فيه الإعلام الرديف بترويج فكرة عدم مقدرة الحكومة السورية على هذه المهمة، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الطرح اليوم هدفه «إحراج الحكومة وإقامة الحجة عليها».

وبحسب السليمان فإن «(قسد) تقرأ الظروف الإقليمية والدولية بشكل خاطئ، وتظن أن هناك تراجعاً في الإقبال الدولي على الحكومة السورية وترى في ذلك فرصة لتسويق نفسها».

إلا أن ممثل «مجلس سوريا الديمقراطية» (مسد) في دمشق، عبد الوهاب خليل، قال لـ«الشرق الأوسط»

إن ملتقى الرقة المزمع عقده يأتي ضمن العمل على تهيئة الأرضية المناسبة لحوار وطني شامل بدمشق؛ لأن «الوجهة الوحيدة لـ(قوات سوريا الديمقراطية) و(مجلس سوريا الديمقراطية) والإدارة الذاتية، هي دمشق».

ونفى أن يكون هذا الملتقى أو المؤتمر الذي سبق أن عقد في الحسكة «موجهاً ضد دمشق، أو محاولة لاستغلال الظروف التي تمر بها الحكومة»؛ لأن الأمر «ليس صراع حلبة» وإنما «رسالة سلام وانتقال إلى حوار وطني»، بهدف «بلورة رؤية سورية للطريق المناسب لتسلكه العملية الانتقالية».

وحول ما قيل عن وضع مبادئ دستورية لم ترد في الإعلان الدستوري، أوضح خليل أن ملتقى الرقة التشاوري يهدف إلى «دراسة المبادئ الدستورية وليس وضع مبادئ دستورية»، مرجحاً عقد لقاءات تشاورية أخرى حولها، بمعنى التشاور حول «كيفية تثبيت الحقوق التي وردت في بنود اتفاقية 10 مارس. مشيراً إلى تشكيل لجان ومنصات استشارية في الرقة والحسكة ودير الزور، تعمل على عقد لقاءات ونقاشات تستمزج آراء المواطنين وتنقلها إلى لجنة التفاوض حول تنفيذ الاتفاقية.

عن زيارة الرئيس المشترك لـ«مجلس سوريا الديمقراطية» إلى كردستان العراق ولقائه مسعود بارزاني، قال خليل إنهم يتطلعون إلى اضطلاع كردستان العراق بدور بارز في الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ودعم حقوق الأكراد في مناطق شمال سوريا وشرقها، ضمن إطار دولة سورية واحدة موحدة وتثبيت حقوقهم بحسب اتفاقية 10 مارس، لافتاً إلى أهمية علاقات بارزاني الدولية والإقليمية، لا سيما مع تركيا.

ولفت خليل إلى ارتياح الأوساط الكردية لتصريحات الرئيس أحمد الشرع الأخيرة بخصوص المفاوضات مع «قسد»، وقال إن الطرفين متفقان على تجنب الصراع العسكري، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية والبدء بعملية التفاوض. لافتاً إلى أن ما يقال عن التحشيد والتوترات موجود فقط على ساحات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.

يذكر أنه عقب زيارته لإقليم كردستان العراق، قبل يومين، قال الرئيس المشترك لـ«مجلس سوريا الديمقراطية»، محمود المسلط، بأن هناك اتفاقاً مع قيادة إقليم كردستان بأن «سوريا يجب أن تتجه إلى الحوار، ولا خيار آخر غير الحوار»، مشيراً إلى دعم بارزاني «لكل الحوارات بين السوريين، وأن التحالف الدولي والدول العربية أيضاً داعمون».

كما أشار المسلط إلى أن الحل المستدام يكون من خلال اتفاق 10 مارس الذي ارتضاه الجميع، «لكن هناك بعض الأمور التي تحتاج إلى اجتماعات أكثر».

وأضاف في تصريحات لتلفزيون «رووداو»، مساء الأحد، أن المفاوضات بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية «مستمرة» بهدف إنجاح السلطة في العاصمة السورية.

الشرق الأوسط

—————————————–

=======================

تخديث 18 آب 2025

—————————-

 بين الحشود والتفاهمات.. هل يفتح الجيش السوري جبهتي الرقة ودير الزور؟

2025.08.18

تزايدت في الآونة الأخيرة الأنباء عن احتمال فتح الجيش السوري جبهات جديدة في شمال شرقي البلاد، مع معلومات نشرتها صحيفة “ذا ناشونال” حول خطط لشن هجوم واسع يستهدف محافظتي الرقة ودير الزور، الخاضعتين بمعظمهما لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

وأشارت التقارير إلى أن الخطة العسكرية المرتقبة ترتبط بجملة معطيات إقليمية ودولية، أبرزها الموقف الأميركي الذي يُتوقع أن يكون حاسماً في منح الضوء الأخضر أو رفض العملية، إضافة إلى الحرص على تجنب أي تدخل إسرائيلي مباشر في حال اندلاع مواجهة.

وتزامنت هذه الأنباء مع حشود عسكرية رُصدت في البادية السورية، حيث تحدثت المصادر عن تجميع ما يقارب خمسين ألف مقاتل قرب تدمر، مع تجهيز نقاط انطلاق باتجاه الرقة ودير الزور، وسط مؤشرات على دعم بعض العشائر العربية لهذه التحركات.

وعلى الصعيد السياسي، تبرز تعقيدات إضافية، إذ تفيد تقديرات بوجود تعثر في المحادثات التي ترعاها واشنطن وباريس بين دمشق وقسد، حيث أظهرت الأخيرة تشدداً في رفض تسليم ملفات سيادية كالسدود والمعابر وحقول النفط، وهو ما يفاقم من احتمالات الانزلاق نحو مواجهة عسكرية إذا لم يتم التوصل إلى تفاهمات.

في المقابل، لا تزال هناك فرص قائمة لتجنب التصعيد، مع معلومات عن مهلة مُنحت لقسد للإسراع في تنفيذ اتفاق العاشر من آذار، الذي ينص على الاندماج المؤسسي ضمن بنية الدولة السورية. ووفق تسريبات صحفية، ترافق هذه المهلة تحذيرات من أن الغطاء الدولي قد يتراجع في حال تعثرت التسوية.

مؤتمر الحسكة وتصاعد التوتر

قال المحلل السياسي د. حمزة المحيمد إن التقرير الذي نشرته صحيفة “ذا ناشونال” حمل بعض المعلومات الدقيقة، إلى جانب معلومات أخرى غير صحيحة، موضحاً أن الحكومة السورية بالفعل بصدد التحضير لشن هجوم واسع في شمال شرقي البلاد.

وأشار إلى أن اجتماعاً ثلاثياً عُقد مؤخراً في أنقرة بين أطراف أميركية وتركية وسورية، خلص إلى منح تركيا ميليشيات “البي كي كي” و”الب واي دي” مهلة زمنية لا تتجاوز ثلاثين يوماً لتسليم المنطقة إلى الحكومة السورية، وأن هذه المهلة أوشكت على الانتهاء (11 يوماً)، في حين طلب الجانب الأميركي من أنقرة التمهل، غير أن الرد التركي كان واضحاً بالتأكيد على الالتزام بما تمليه دمشق.

وأضاف المحيمد في لقاء مع تلفزيون سوريا، أن ما يجري حالياً هو عملية تحشيد كبيرة جداً، لافتاً إلى أن الرقة ما تزال تحت سيطرة “البي كي كي” و”الب واي دي”، في حين تنقسم دير الزور إلى قسمين، الأول تحت سيطرة الحكومة السورية، والثاني شرق الفرات يخضع لسيطرة هذه الميليشيات، مؤكداً أن المنطقة بمكونها العام عربية، وأن معظم مقاتلي قسد هم من أبناء العشائر.

ونفى المحيمد ما ورد في التقرير عن أن نسبة المقاتلين العرب في صفوف قسد لا تتجاوز 30%، مؤكداً أن النسبة الحقيقية تصل إلى 60%، وأن غالبية العناصر في دير الزور والرقة هم من المكون العربي، ما يجعل أي معركة هناك محسومة لصالح الحكومة السورية خلال وقت قصير في حال اندلاعها.

وبيّن أن تطبيق بنود اتفاق العاشر من آذار يحتاج إلى عام أو عام ونصف على الأقل، معتبراً أن الملفات المرتبطة بالمنطقة شائكة ومعقدة، لكونها تمثل ربع مساحة سوريا وتضم سجوناً ومخيمات وثروات نفطية، فضلاً عن انقسامات داخلية ضمن قسد نفسها، إذ يرفض جزء من المكون الكردي فكرة تسليم المنطقة، ما يضع هذه القوات في مأزق كبير أمام قواعدها وقياداتها.

وشدد على أن ما زاد من حدة الأزمة هو المواقف السلبية التي انتهجتها قسد في الفترة الأخيرة، مشيراً إلى مؤتمر الحسكة الذي دعا إليه مظلوم عبدي وحضره الهجري عبر الإنترنت.

هل تبدو المعركة وشيكة؟

بدوره، قال المحلل العسكري والاستراتيجي العميد إسماعيل أيوب إن الجبهة في شمال شرقي سوريا مفتوحة منذ سنوات بين قوات “الجيش الوطني” سابقاً من جهة، و”قسد” وامتداداتها من جهة أخرى، مشيراً إلى أن هذه المناطق باتت اليوم تحت سيطرة الحكومة السورية، بما في ذلك جبهة دير الزور التي كانت تخضع لميليشيات إيرانية وميليشيات الحشد.

وأوضح أن هناك تماساً مباشراً على جبهة يتجاوز طولها 500 كيلومتر، لافتاً إلى أن الحكومة السورية دفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة، شملت قوات من الجيش الوطني السابق والمنتسبين الجدد إلى الجيش السوري، الأمر الذي جعل خطوط التماس أكثر وضوحاً في مناطق الرقة ودير الزور، حيث يفصل نهر الفرات بين الطرفين، إضافة إلى استمرار المعارك في مناطق أخرى مثل دير حافر ومنبج بريف حلب الشرقي.

وأكد أيوب في لقاء مع تلفزيون سوريا، أن الاجتماعات التي عقدها مظلوم عبدي مع الرئيس أحمد الشرع لم تمنع وقوع الخروقات، إذ كانت تنطلق من جانب “قسد”، التي تسعى إلى فرض واقع فدرالي رغم أنها تمثل أقلية حتى في مناطق الحسكة.

وأضاف أنه في حال اندلاع حرب شاملة، فإن الجيش السوري يمتلك تفوقاً نوعياً وكَمّياً متزايداً في العدد والعتاد، بينما يعتمد الطرف الآخر بشكل أساسي على الغطاء الأميركي.

وأشار إلى أن “قسد” ستفقد جزءاً كبيراً من قدرتها إذا رُفع الغطاء الأميركي عنها، ليس فقط بسبب انسحاب المكون العربي من صفوفها، بل أيضاً نتيجة لانحياز عدد من المقاتلين إلى الطرف الحكومي.

وذكّر بأن معارك سابقة أظهرت أن التمهيد الجوي للطيران الأميركي كان العامل الحاسم في تقدم قسد، وأن فقدان هذا الدعم سيغير موازين القوة بشكل كامل.

وختم العميد إسماعيل أيوب بالتأكيد على أن الولايات المتحدة باتت تنصح “قسد” بالإسراع في الاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية لتجنب إراقة مزيد من الدماء، مشدداً على أن الأكراد جزء أصيل من الشعب السوري، وأن دمشق لا تسعى إلى خسارتهم، بل إلى إدماجهم في مشروع وطني جامع، يضمن وحدة البلاد وسيادة الدولة على كامل أراضيها، خاصة بعد ما أُعلن في مؤتمر عُقد في عمّان عن رفض وجود أي سلاح خارج سيطرة الدولة السورية.

الخيار العسكري على الطاولة

قال الكاتب والمحلل السياسي علي أسمر إن الرؤية التركية المعروفة بـ”تركيا بلا إرهاب” كانت منذ البداية تستهدف نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وجميع امتداداته، مشيراً إلى أن أنقرة تعتبر قوات مثل الـ YPG وامتداداتها جزءاً من منظومة الحزب، موضحاً أن هذا التوجه يجد ما يدعمه في السياق السياسي الحالي، حيث يذهب المشهد نحو إنهاء حقبة الميليشيات المسلحة في المنطقة.

وأضاف أن الضغوط اليوم لا تقتصر على “قسد”، بل تشمل مختلف الفصائل المسلحة في سوريا ولبنان، بما في ذلك حزب الله، لافتاً إلى أن المجتمع الدولي يدفع باتجاه إنهاء مرحلة تعدد القوى العسكرية غير الرسمية.

وأكد أن تصريحات المسؤول الأميركي توم بارك جاءت واضحة حين أشار إلى عدم وجود أي مؤشرات على قيام فيدرالية أو لامركزية في سوريا، وأن المسار الوحيد أمام قسد هو التوجه نحو دمشق.

واعتبر أسمر أن الولايات المتحدة لن تدخل في مواجهة مع تركيا أو الحكومة السورية من أجل فصيل مسلح، مؤكداً أن قسد تبقى بالعرف السياسي مجرد فصيل عسكري يتفاوض مع حكومة، لكنها ليست على قدم المساواة معها، وأن الفصائل المسلحة عادة ما تقدم التنازلات للدول، وليس العكس.

وأوضح أن تركيا ما تزال تؤمن بالحل السياسي كمسار أول، لكنها تضع الخيار العسكري على الطاولة دائماً، مشدداً على أن الجيش التركي لا يحتاج إلى تحضيرات إضافية للقيام بأي تحرك، لكنه في الوقت نفسه يفضل إعطاء الفرصة للحلول السياسية، وترك المجال للحكومة السورية للتعامل مع قسد.

وختم علي أسمر بالقول إن سوريا تقف اليوم على مفترق طرق حساس، وأن استمرار الوضع الراهن غير ممكن لفترة طويلة، مضيفاً أن الحاجة باتت ملحة لإنهاء هذا الملف قبل نهاية العام، بما يتيح إعادة اللاجئين وبدء عملية إعادة الإعمار، لافتاً إلى أن المجتمع الدولي بأسره متفق على مبدأ نزع السلاح من الميليشيات والفصائل وحصره بيد الدولة، مؤكداً أن الشعب الكردي مكوّن أصيل وعريق في سوريا، وأن النضال السياسي هو الطريق الأمثل، بينما خيار السلاح انتهى دوره.

هجوم واسع النطاق

وسبق أن قالت مصادر أمنية لصحيفة “ذا ناشيونال” إن الجيش السوري يخطط لشن هجوم عسكري واسع بحلول تشرين الأول المقبل للسيطرة على محافظتي الرقة ودير الزور شمال وشرقي سوريا، واللتين تخضعان بمعظمها لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

ووفق المصادر، فإن الهجوم المقرر في حال عدم تسليم “قسد” معظم مناطق سيطرتها، سيقوده نحو 50 ألف مقاتل يتم حشدهم حالياً قرب مدينة تدمر، على أن يتجهوا شمالاً للسيطرة على الرقة ودير الزور بدعم من العشائر العربية التي تشكل الأغلبية في المنطقة.

أحد المصادر، ويشغل موقعاً أمنياً حساساً في سوريا، أكد أن الهجوم لن يتم “من دون ضوء أخضر أميركي”، مشيراً إلى أن ضمان عدم تدخل إسرائيل يُعد عاملاً حاسماً، لا سيما بعد أن قصفت تل أبيب دمشق الشهر الماضي لإحباط هجوم حكومي على مدينة السويداء.

وأضافت المصادر أن المحادثات التي ترعاها واشنطن بين الطرفين فشلت في تحقيق تقدم ملموس. وبات يُنظر إلى “قسد” على أنها متصلبة لمجرد رفضها تسليم مناطق سيطرتها لدمشق، وهو موقف يقترب من وجهة نظر أنقرة التي تسعى إلى إنهاء وجود “قسد”.

مصدر آخر ذكر أن مواقع انطلاق للهجوم يجري تجهيزها في مناطق البادية على طريق تدمر – الرقة، وفي السخنة التي تربط تدمر بدير الزور، موضحاً أن فصائل موالية لتركيا في ريف حلب، أصبحت ضمن تشكيلات الجيش السوري الجديد، ستتحرك ضد مواقع قسد شرقي الفرات قرب سد تشرين، تزامناً مع بدء هجوم متعدد المحاور.

الفزيون سوريا

——————————–

الفيدرالية في سورية بين توحيد الدولة وتمزيق الشعب/ سميرة المسالمة

18 اغسطس 2025

يخطئ كثيراً من يعتقد أن سورية تواجه خطر تفكّك وحدتها الجغرافية أو فقدان السيادة على أجزاء من أراضيها، فقط. الأكثر أهمية من هذَين الخطرَين (أو مصدرهما) يتعلّق بفقدان الشعب السوري وحدته، أو هُويَّته الوطنية شعباً، مع تصعيد الصراع الهُويَّاتي الذي يكتسب معاني كيانية سياسية. في الماضي، كان الاعتقاد أن المشكلة الأساسية على هذا الصعيد تتعلّق بالمسألة الكردية، ذات الطابع الإثني، التي باتت لها تمثيلات كيانية مع قوة مليشياوية وموارد وعلاقات خارجية، لكن التطوّرات في محافظة السويداء تحديداً كشفت أن الأمر لا يتعلّق بمشكلة إثنية فقط، وإنما أيضاً بمسألة طائفية لها امتدادات خارجية مستفيدة من تنمية الصراع وتشعيبه في الداخل السوري تحت شعارات الحرية والديمقراطية ورفض الحكم الديني.

لطالما كانت البيئة الشعبية في السويداء محسوبةً على الثورة السورية، وشكّلت حالة عصيان مدني ضدّ نظام الأسد في السنوات الأخيرة من حكمه، ما جعلها جزءاً مهمّاً من خريطة الثورة، إلا أن ثمة طرفاً خارجياً، هو إسرائيل، يستثمر في الخلافات الداخلية، وينفخ فيها، حتى صارت جاهزةً للانفجار والتشظّي، لإضعاف سورية دولة ومجتمعاً، وأيضاً، لتفكيك وحدة الشعب.

للموضوعية، لا يمكن توجيه الاتهام لأحد بعينه أنه صاحب كرة المشكلات التي تدحرجت ليعلق فيها كلّ وسخ الطائفية، ولا يوجد طرف واحد يتحمّل مسؤولية كلّ ما يجرى منذ 8 ديسمبر (2024)، أي منذ انهيار النظام وتلاشي مؤسّسات الدولة، سيّما الأمنية والعسكرية، وعندها وجدت سورية، بكلّ أطرافها ومكوّناتها وقواها السياسية والمليشياوية، نفسها إزاء تركة ثقيلة ومعقّدة للنظام البائد، الذي اشتغل خلال قرابة ستة عقود في تجريف السياسة في سورية، وتصحير المجتمع السوري، وقتل معنى المواطنة، وبتر يد المجتمع المدني. ومع ما تقدّم كلّه لا يعفي ذلك السلطة الانتقالية من المسؤولية، باعتبارها المعنية بإدارة البلاد وتنظيمها على الصعيدَين، الداخلي والخارجي، وبخاصّة بعد انتهاج مبدأ المركزية الشديدة في كلّ ما يتعلّق بالمرحلة الانتقالية الأولى، مع ملاحظة واقعية أيضاً، أن سرعة انهيار النظام، وتنوّع الفصائل وأيديولوجياتها، التي شاركت في المسير نحو دمشق، يضعفان بشكل أو بآخر ما يمكن تسميته بـ”القرار المركزي” للسلطة الانتقالية، ما يجعل احتمالات الانفلات الأمني كبيرةً وواسعةَ التمدّد الجغرافي.

مع ذلك، تتحمّل مختلف الأطراف والمكوّنات السورية بعضاً من المسؤولية، كلّ بقدر إمكاناته، وبقدر تكيّفه مع الوضع، أو بقدر طموحاته بعد التحوّل السوري، وهذا يعني أن القوى السياسية والمليشياوية، سواء في شمال شرقي سورية (قوات سوريا الديمقراطية) أو في الجنوب، مع قيادة روحية تتمثّل في الشيخ حكمت الهجري والمجلس العسكري، تتحمّل مسؤولية انتهاج سياسة استفزاز للقيادة الانتقالية، والتهديد بخطر الانقسام تحت حماية دولة الاحتلال الإسرائيلي، أو التفكيك، تحت شعارات الفيدرالية، التي تعني الحفاظ على سلطة الأمر الواقع. فالتأسيس لدولة لا مركزية موحّدة يخالف طرح صيغة الفيدرالية على أساس هُويَّاتي (طائفي أو إثني)، أي تمزيق الشعب السوري، وهو أمر يتناقض مع معظم الصيغ الفيدرالية في العالم، التي تتأسّس على معايير جغرافية، وأيضاً لأنه يتناقض مع حقيقة أن الصيغ الفيدرالية تُبنى على أساس دولة مواطنين، أحرار ومتساوين، ودولة يحكمها دستور وقوانين، وليس بناء على مكوّنات هُويَّاتية، إثنية أو طائفية أو عشائرية. المشكلة أن أصحاب الأطروحات الهُويَّاتية والإثنية يقتلون معنيي الدولة والمواطنة، وفوق ذلك يرفعون شعارات الدولة المدنية التي تعني لا دينية ولا عسكرية، بغرض “إفحام” السلطة الحالية المتهمة بمرجعيتها الدينية، في وقتٍ ينادون بدولة طائفية على أساس ديني أو قومي، ما يبدّد ادّعاءات الرغبة في دولة حكمها ديمقراطي لا طائفي وفقاً لقرار مجلس الأمن 2254، الذي أعيد إلى الحياة بعد موات نحو عشر سنوات (من يوم مولده).

ومن المفيد التذكير بأن حقّ المواطنة مطلب لكلّ السوريين، لا تختصّ به محافظة من دون أخرى، واختلافنا حول الطرق التي تنتهجها مجموعات تحت ستار المطالبة به، لا يعني التخلّي عنه، كما أن إدانة مطالب التدخّل الإسرائيلي من بعض المجموعات في السويداء لا تنفي أو تقلّل من الاعتزاز بالدور الوطني والتاريخي لأهلنا في تلك المحافظة، ورفض الانتهاكات والممارسات التعسفية كلّها في حقّ المدنيين، وهذا يتطلّب بالمثل رفض مصادرة رأي شعبنا في السويداء لصالح طرف معيّن، بات لا يخفي دعوته إلى تدخّل إسرائيل، بل والطلب منها احتلال محافظته.

في المقابل، يفترض هذا من القيادة الانتقالية في سورية تأكيد التزامها بناء الدولة، دولة مؤسّسات وقانون لكلّ السوريين، والعودة إلى طاولة الحوار لبناء هيكلية العقد الاجتماعي الذي يحقّق الحريات والمشاركة العادلة للمكوّنات، ويمنع تفتّت الدولة وتشرذمها، وتالياً توحيد القوات الأمنية وضبطها وتأهيلها، ووضع حدّ لظاهرة الفصائلية بكلّ تسمياتها ومرجعياتها، وكذلك الفزعات الفوضوية، لأن هذه الظواهر تتناقض مع إقامة دولة المواطنة التي حلم بها وناضل من أجلها كلُّ السوريين.

العربي الجديد

————————————–

فرنسا وتركيا تتصارعان في سوريا!/ هولير حكيم       

هل بدأ ملامح صراع فرنسي تركي في سوريا بالظهور للعلن؟

2025-08-18

مع تعقيدات المشهد السياسي والعسكري في سوريا، ومحاولات تركية لإقناع الحكومة السورية بالانسحاب من اجتماع باريس المرتقب مع قوات سوريا الديموقراطية (قسد)، وذلك بحسب موقع ‘‘المونيتور’’ الأميركي، يرجح مراقبون أن ملامح صراع فرنسي تركي في سوريا بدأت تظهر للعلن، وهو صراع في حال تطوره سينعكس على مستقبل المفاوضات المدعومة دولياً، وسيؤثر على مستقبل سوريا والعلاقات الثنائية بين فرنسا وتركيا.

تميزت العلاقة بين باريس وأنقرة خلال السنوات الأخيرة بالتوتر والفتور خاصة في الملف السوري، حيث تتنافس الدولتان على النفوذ والمصالح، ففرنسا لها مصالح في سوريا ولها حضور دبلوماسي وعسكري محدود ضمن قوات التحالف الدولي لمكافحة تنظيم ‘‘داعش’’ لذا تقدم الدعم العسكري والسياسي لـ”قسد” وتطالب بتمثيلهم في الحكومة السورية، الأمر الذي يثير غضب تركيا التي تسعى لتوسيع نفوذها في سوريا وتعتبر بأن “قسد” امتداداً لحزب العمال الكردستاني وتشكّل تهديداً لأمنها القومي لذا تمنع قيام كيان كردي مستقل على حدودها.

اجتماع باريس

وبالعودة إلى اجتماع باريس، قال مصدر مسؤول في الحكومة السورية، أن الأخيرة أعلنت رفضها القاطع للمشاركة في أي اجتماعات مقررة في باريس، رداً على مؤتمر “وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا”، الذي عقد في مدينة الحسكة مؤخراً، مؤكداً المصدر ذاته على أن المؤتمر يشكل “خرقاً واضحا لاتفاق 10 آذار” و”محاولة لتدويل الشأن السوري”.

فيما قال مصدر ديبلوماسي فرنسي لـ”963+”، الاثنين الماضي، إن المفاوضات بين قوات سوريا الديموقراطية (قسد) والحكومة السورية في العاصمة باريس قائمة والمسألة قيد النقاش، مشيراً إلى أن باريس لم تتلقّ حتى الآن أي طلب رسمي من الحكومة السورية بشأن عدم رغبتها بالمشاركة في المفاوضات مع “قسد”.

وفي سياق متصل، كشف موقع “المونيتور” الأميركي أن تركيا ضغطت على دمشق لإلغاء اجتماع باريس مع قوات سوريا الديمقراطية، ما أدى إلى تعطيل جهود ترعاها الولايات المتحدة وفرنسا للتوصل إلى تسوية سياسية في شمال شرقي سوريا، ونقل الموقع عن ثلاثة مسؤولين إقليميين أن زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق، كانت تهدف جزئياً إلى إقناع الحكومة السورية بالانسحاب من الاجتماع.

أسباب الصراع الفرنسي التركي

في تصريحات لـ”963+”، يوضح الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي وأستاذ العلوم السياسية، الدكتور محمد الطماوي، أن الخلاف بين تركيا وفرنسا يتمحور حول دعم الأخيرة للقوات الكردية في شمال شرق سوريا، وحول التنافس على النفوذ الإقليمي في مرحلة ما بعد النزاع، ناهيك عن تباين الرؤى حول محاربة الإرهاب وإدارة المقاتلين الأجانب، فضلاً عن انعكاسات التوترات السياسية والثقافية بين البلدين على الملف السوري.

من جانبه، يرى المحلل السياسي السوري، المقيم في باريس، نبيل شوفان، أن التنافس بين فرنسا وتركيا في سوريا ناتج عن تباين المواقف تجاه شكل سوريا بالدرجة الأولى ومستقبل الانتقال السياسي، وموقعها ودورها في الإقليم، والخلاف حول ملف الإدارة الذاتية ومحاربة الإرهاب.

ويضيف شوفان لـ”963+”، أن سوريا جزء من تنافس وخلاف أكبر بين باريس وأنقرة بخصوص اليونان وقبرص في شرق المتوسط وخلافات في شمال أفريقيا وانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وكذلك تركيا نفسها وما يحدث فيها من تدهور للديموقراطية والحريات.

ويتابع قائلاً: “خلال السنوات الماضية نادراً ما كانت العلاقات بين فرنسا وتركيا دافئة بما يكفي لترسيخ أسس متينة، ولقد ساهم موقف باريس تجاه انضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي في تفاقم حالة التباعد بينهما، مع العلم أن البلدين لديهما استحقاقات كبيرة تجمعهما بما يخص التزامات الناتو الذي يجبر البلدين على التوفيق بين احتياجات الدفاع والخلافات السياسية، والمصالح الإقليمية التي تحتاج تعاوناً وتقارباً مستقراً”.

ورغم كل الخلافات الدبلوماسية، يوضح شوفان أن فرنسا حتى اليوم لم تدعم مواقف أكثر صرامة تجاه تركيا كفرض عقوبات عليها في ليبيا أو شرق المتوسط أو سوريا، بل هي لا تزال تفضل مسار التعاون.

الرؤية الفرنسية والتركية تجاه سوريا

وذهب شوفان في حديثه إلى أن باريس تريد الدفع إلى جانب شركائها الأوروبيين نحو انتقال سياسي حقيقي وشامل يضمن الاستقرار والقوة لدمشق وتدعمه قرارات الأمم المتحدة، كما تشعر بالقلق من أن فجوات الحوكمة والترتيبات الأمنية غير المنظمة والفوضى السياسية تزيد من خطر عودة ظهور التطرف في سوريا.

ويضيف المحلل السياسي السوري، أن “فرنسا لها عمق تاريخي واستراتيجي في سوريا وهي تعرفها جيداً إن كان على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الديمغرافي، كما أن فرنسا أكثر دولة يمكن أن تساعد سوريا في عملية إعادة الإعمار والحوكمة والإدارة والقانون والدستور وإعادة بناء مؤسسات الدولة بما فيها الأمنية والعسكرية دون أن تفرض على السوريين وجهة نظرها، فهي تعتقد أن الحوار يجب أن يكون بين السوريين أنفسهم وليس مع الجهات المتنافسة كإسرائيل وتركيا”.

ويشير شوفان إلى أن فرنسا لا تفضل التدخلات العسكرية الأجنبية لصالح الوكلاء المحليين التي قد تعرقل أو تشوه عملية الانتقال السياسي وإجراء انتخابات تحت رعاية الأمم المتحدة تؤدي بالبلاد إلى دولة يسودها القانون والاستقرار تمهيداً لإعادة الإعمار وتقديم الخدمات التي تليق بالسوريين وتمهد لعودة طوعية للنازحين واللاجئين.

بينما تعتمد تركيا في الشمال السوري تدخلاً مباشراً واسع النطاق على صعيد الأمن والتعليم وحتى العملة، وتتبنى عملية إعادة ‘‘انتقائية’’ للاجئين، وهي لا تهتم بالعملية السياسية بقدر ما يهمها أن تتحالف سياسياً مع السلطات الجديدة، في مسعى لمنع قيام أي كيان كردي في شمال شرق سوريا، وفق شوفان.

تأثير الصراع: العلاقات الثنائية ومستقبل سوريا

وبما أن الصراعات تخلّف آثاراً سلبية على مختلف المستويات. يعقّب الدكتور محمد الطماوي قائلاً: “الصراع بين فرنسا وتركيا أضعف الثقة بين البلدين داخل حلف الناتو، وخلق انقسامات بين الحلفاء الإقليميين والدوليين، وأثّر على التعاون الأمني والاستخباراتي، وزاد من نقاط الاحتكاك في شمال سوريا، وعرقل أي جهود لتوحيد الموقف الدولي أو الإقليمي نحو تسوية سياسية شاملة”.

وينوه الباحث في العلاقات الدولية إلى أن الخلاف بين باريس وأنقرة يعمق الانقسام السياسي والجغرافي في سوريا، ويعطل مسارات الحل السياسي وإعادة الإعمار، ويؤثر سلباً على المدنيين من خلال زيادة النزوح وتعقيد جهود الإغاثة، كما يعيق أي ترتيبات لإدارة المخيمات.

ويرى شوفان أيضاً أن الصراع سيكون له تأثير سلبي على العلاقات الثنائية بين البلدين، وعلى مستقبل سوريا، ويردف قائلاً: “قد نكون أمام مشهد انهيار بطيء قد يصبح دراماتيكياً في أي لحظة لسيادة الدولة السورية الضعيفة المعرضة لخطر التفتت والتحول إلى ساحات نفوذ للإمبراطوريات غير رسمية، وقد يرافق ذلك استقرار جزئي في مناطق النفوذ ما يؤدي إلى عدم تساوي الحقوق والخدمات ويؤثر سلباً على أي مصالحة مأمولة على الصعيد الوطني”

ويؤكد المحلل السياسي السوري، على أن تصاعد التوتر بين فرنسا وتركيا اللتان تتخذان مواقف متباينة بشأن بعض التنظيمات المسلحة في سوريا، سيؤثر على جهود مكافحة الإرهاب والتعاون الإقليمي في هذا المجال.

اقرأ أيضاً: باريس تستضيف مؤتمر “تحديات السلام والديموقراطية في سوريا وتركيا” في مجلس النواب

السيناريوهات المقبلة: تصعيد أم تهدئة وحوار

وحول السيناريوهات المتوقعة للصراع بين فرنسا وتركيا، يقول شوفان: “تركيا تنتهج سياسات الغموض الاستراتيجي لذا يصعب التنبؤ بنواياها، فمع براغماتيتها التي باتت تصبغ سياساتها في الإقليم يبقى التساؤل إذا ما كانت مستعدة لتفادي الانتقادات الغربية والعربية لنفوذها في سوريا خصوصاً أنها لا تستطيع قيادة إعادة الإعمار في سوريا”.

 ويشير شوفان إلى أنه في حال لم تحدث تفاهمات ثنائية فرنسية تركية واتصالات أوضح بين البلدين ستجد الولايات المتحدة ودول الناتو الأخرى نفسها في موقف صعب يجب أن توازن فيه بين الحفاظ على وحدة التحالف في الناتو والاستجابة لمخاوف تركيا دون التضحية بمخاوف فرنسا والاتحاد الأوروبي.

بينما يختم الطماوي حديثه بأن السيناريو الأقرب على المدى القريب هو التصعيد المحدود عبر عمليات عسكرية تركية وردود سياسية فرنسية. كما يشير إلى أن سيناريو التهدئة ممكن عبر وساطات دولية ترتبط بضمانات أمنية لأنقرة ودور أوروبي في إعادة الإعمار. أمّا السيناريو البعيد الأقل احتمالاً، وفق أستاذ العلوم السياسية فيقوم على إعادة ترتيب إقليمي شامل يغيّر معادلات النفوذ بين الطرفين.

+963

————————–

 دمشق: مفاوضات باريس مع “قسد” لم تعد قائمة

الاثنين 2025/08/18

أكد مسؤول الشؤون الأميركية في وزارة الخارجية السورية، قتيبة إدلبي، أن الاجتماع المقرر في العاصمة الفرنسية باريس، بين وفد الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، “لم يعد قائماً”، لافتاً إلى أنهم دخلوا “مرحلة الخطوات العملية لتنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس”.

المفاوضات في دمشق

وقال إدلبي إن المفاوضات المقررة بين الوفدين، ستجرى في العاصمة دمشق، أو إحدى مناطق شمال وشرق سوريا، بدلاً من باريس، مؤكداً عدم إمكانية تطبيق الفيدرالية في سوريا، لأنه “لا توجد مقاطعة كاملة خالصة التركيب”.

وكانت الحكومة السورية قد أعلنت انسحابها من مفاوضات باريس، مطالبة الوسطاء الدوليين بنقل جميع المفاوضات إلى دمشق، وذلك على خلفية عقد “قسد” لمؤتمر “وحدة مكونات سوريا” في الحسكة، قبل نحو أسبوع.

وحول سبب رفض الحكومة للمفاوضات في باريس، أوضح إدلبي أن السبب الأول هو مؤتمر الحسكة، مؤكداً أنه كان “خطاً بالصيغة التي تم إجراؤها، خصوصاً أنه قدم منصة لكثير من الجهات التي كانت مرتبطة بنظام الأسد. فهو أعاد عملياً تقديم شخصيات مرتبطة بنظام الأسد بعد تقديمها ربما بسياق طائفي أو سياق ديني أو سياق عرقي”.

والسبب الثاني بحسب إدلبي، هو إرسال رسالة بأن السوريين قادرون على الجلوس حول الطاولة “ونستطيع حل مشاكلنا دون أي تدخل دولي، وأننا سنخرج بنتائج أفضل بكثير من خلال الجلوس بشكل مباشر، أفضل من تلك الجلسات التي تُدار أو تُسيّر بوساطة دوليين”.

وأكد أنه لم يبقَ شيء اسمه اجتماعات باريس، موضحاً أن الاجتماعات ستستمر في دمشق وفي شمال شرق سوريا. وقال: “نحن لدينا خطوات على الأرض اليوم كي تعمل اللجان التقنية بشكل فاعل، سواء في دمشق أو في الحسكة أو في منطقة أخرى من شمال شرق سوريا، على البحث في تفاصيل تنفيذ الاتفاق والبدء بالخطوات العملية لتنفيذ اتفاق 10 آذار”.

الهوية الكردية

وحول مطالبة الأكراد بالهوية القومية والحكم الذاتي، قال إدلبي إن الإعلان الدستوري المؤقت، “يعطي بشكل واضح حقوق مواطنة متساوية لكل السوريين”. وأضاف ” أتفهم الحاجة لخلق ضمانات إضافية وضمانات خاصة بالأكراد في سوريا، ولكن أعتقد أن هناك مساحة كبيرة اليوم للتفاعل مع الإدارة السورية الجديدة”.

وأكد أن “الإدارة السورية الجديدة لا تنطلق من منطلق قومي عربي، إنما تنطلق من منطلق المصلحة السورية العليا التي تجمع جميع السوريين”.

الحاجة إلى “قسد”

وعن سبب عدم قبول انضمام “قسد” للجيش السوري ككتلة واحدة، أوضح أن هناك حاجة أكبر للخبرة التي اكتسبتها، لتوزيعها كي يتم الاستفادة منها من قبل كافة فرق الجيش السوري ومن قبل مقاتلين آخرين ربما لم يحظوا بذات الخبرة التي حظيت بها “قسد”.

ولفت إلى أن الإطار العام هو دمج الفصائل، كي لا تبقى تبقى كمجموعات، مشيراً إلى أن مسار الدمج سيأخذ وقتاً بالتأكيد، وهذا ينطبق على الفصائل الأخرى التي انضمت للجيش.

وأكد أن الجانب الأهم، هو عدم تكرار تجارب الدول الأخرى التي لا يتم دمج الفصائل من غير الدولة ضمن إطار الدولة، مثل “حزب الله”، مشدداً على أن التجربة السورية لا يمكن أن تنمو وتزدهر وتستقر إلا بوجود جيش واحد وحكومة واحدة ودولة واحدة.

المدن

—————————

ترحيب كردي بتصريحات الشرع حول تطبيق الاتفاق مع «قسد»/ جانبلات شكاي

لاقت تصريحات رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع، حول تفاؤله تجاه تنفيذ اتفاقه مع قائد «قوات سوريا الديمقراطية ـ قسد» مظلوم عبدي، الموقع عليه في العاشر من آذار/ مارس الماضي، صدى إيجابيا بين مكونات شمال شرق سوريا.

فقد رحبت مصادر من الإدارة الذاتية بكلامه، وأيضا مصادر من العشائر العربية في الرقة، وإن رأت الأولى بأن التصريحات قطعت الطريق على من يريد التجييش والشحن الطائفي، إلا أن المصادر العشائرية تمنت تنفيذ تلك التصريحات على أرض الواقع، معبرة عن عدم ثقتها بمن سمتهم «عصابة قسد».

واستقبل الشرع، الأربعاء الماضي، وفدا من الفعاليات المجتمعية في محافظة إدلب، ضمّ عددا من الوزراء، إلى جانب أكاديميين وسياسيين وأعضاء في النقابات المهنية. وأمس الأحد، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي فقرات من حديث الشرع خلال اللقاء كان أبرزها ما تعلق بالعلاقة مع «قسد» أو بملف السويداء.

وتناقل العديد من الصفحات والمواقع الإلكترونية أمس الأحد، خبرا عن قيام مظلوم عبدي قائد « قسد» بزيارة إلى مدينة الرقة والتباحث مع وجهائها حول إمكانية تسليم السيطرة على المدينة لقوات وزارة الدفاع السورية في إطار تنفيذ اتفاق الشرع ـ عبدي، لكن الناطق الرسمي باسم وفد الإدارة الذاتية المفاوض مع الإدارة الجديدة في دمشق ياسر سليمان، نفى في تصريح لـ«القدس العربي» ذلك.

وقال «لم يحصل أي لقاء جديد بين عبدي ووجهاء مدينة الرقة وما يتم ترويجيه يأتي من صفحات غير منضبطة تدعو لإثارة الزوابع والغبار».

سليمان الذي قال إن مقر عمله حالياً في مدينة الرقة، أكد أن «تصريحات الشرع قطعت كل الطرق أمام كل هذه الصفحات التي تدعو لإثارة الفتنة والقلاقل وتدعم عدم الاستقرار» مشيراً إلى أن «الحديث اليوم عن اجتماع عبدي مع وجهاء الرقة يعتمد على صورة له معهم، التقطت خلال اجتماع قديم مرّ عليه أكثر من شهر».

ورأى أن «الخبر لا يفيد إلا في التجييش على اعتبار أن الكثيرين مستاؤون من تصريحات الشرع التي تدعو إلى لمّ الشمل، وتشيد بالاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية، والكثير ممن يبحثون عن الفتنة مستاؤون من هذه التصريحات والله المستعان عليهم».

وإن كانت تصريحات الشرع الإيجابية تؤشر للتجهيز إلى عقد جولة ثانية من المحادثات بين الإدارة الذاتية لمناطق شمال شرق سوريا والحكومة في دمشق، قال سليمان «لا يمكن أن ندلي بتصريحات عن مثل هذه الأمور قبل حصول الاجتماع، وهو ما لم يتم حتى الآن».

وفي تصريحات لـ«القدس العربي» رحب الشيخ فرج الحمود الفرج السلامة، بما جاء به الشرع خلال لقائه مع وجهاء مدينة إدلب. وقال: «نتمنى أن يتم تطبيق هذه التصريحات على أرض الواقع ونحن متفائلون من التزام الولايات المتحدة وتركيا في إنجاز اتفاق العاشر من آذار/ مارس».

السلامة، وهو أحد شيوخ قبيلة «البوشعبان» أضاف: «في المقابل فإننا تعودنا من هذه العصابة (قسد) المماطلة والكذب، وهم يتحججون لعدم تنفيذ اتفاق آذار/ مارس بما حصل من توتر في السويداء ودخول إسرائيل على الخط».

وأرجع التحشيد الكبير الذي يتم حاليا ضد «قسد» إلى «وصول المواطنين الذين يعيشون تحت سيطرتها إلى مرحلة الانفجار على خلفية تنفيذها لاعتقالات تعسفية ومنع للحريات وعدم التزامهم بتنفيذ أي اتفاق يوقعون عليه».

وأضاف: «نحن لم نر مبدأ «خطوة مقابل خطوة» يطبق على أرض الواقع، وهم وقعوا اتفاق آذار/ مارس لكننا لم نشهد حتى اللحظة تسليم أي منطقة من مناطق محافظة الرقة، ما يجعلنا، نحن أبناء المنطقة، في حالة توتر وعصبية من وراء سياسات المماطلة لدى «قسد» وأيضا لممارسة الحكومة في دمشق سياسة الغموض وعدم توضيحها لنا مراحل إنجاز الاتفاق وخط سيره وآلياته».

السلامة الذي قدم نفسه بأنه أحد مؤسسي الثورة السورية ضد النظام البائد، تطرق إلى الحملات ضد الوجهاء والزعامات العشائرية المنخرطة ضمن الإدارة الذاتية لمناطق شمال وشرق سوريا، وقال: «إن هؤلاء ومن ضمنهم بعض شيوخ العشائر، للأسف لم يتركوا أي قيمة لأنفسهم بعد ارتهانهم لعصابة «قسد» على حساب كرامتهم وتاريخ عائلاتهم وانتمائهم الوطني، وباتت «قسد» هي التي تتحدث عنهم، حتى يمكن تشبيههم بأنهم طلاب مدرسة تقودهم الإدارة الذاتية» حسب قوله.

وتابع: «منذ بداية الثورة وخلال فترة قتال تنظيم «داعش» الإرهابي ودخول القوات الأمريكية، طلبنا من أهالي المنطقة من العرب، أصحاب الأرض، أن يكون تواصلهم مع القوات الأمريكية والدولية مباشرة، وليس من تحت مظلة ورحمة «قسد» حتى لا يكونوا تابعين لها، وأن يحموا مدنكم وبلداتكم في حربهم ضد التنظيم المتطرف، والتشارك مع تلك الإدارة إلى أن يتم تحرير الدولة لتكون لهم كلمة مفصلية في اتخاذ القرارات، لكنهم وللأسف ارتهنوا لقيادة «قسد» وبات من المعيب أن تتفاوض «قسد» نيابة عن المكون العربي».

وأكد الشيخ الحمود أن «المنخرطين حاليا مع «قسد» هم شخصيات هامشية ولا يمثلون أهلهم بشكل رسمي، وخصوصا بعد أن تحررت سوريا» معتبراً أن «غالبية أبناء عشائر مناطقنا منتمون لوطننا ويثقون بحكومتهم الجديدة في مقابل شخصيات رهنت قرارها لـ«قسد» يدعون أنهم يمثلون المكون العشائري الذي يشكل غالبية سكان المنطقة».

التركمان يعلنون النفير

وأمس أيضا انتشر فيديو مصور تم خلاله إعلان عشائر التركمان في مدينة الرقة النفير ضد «قسد».

وجاء في الإعلان أن العشائر «تلتزم بالوقوف خلف القيادة السورية والعمل بأوامرها وتوجيهاتها حفاظا على وحدة البلاد وأمنها».

واعتبر المتحدث في الفيديو من دون التعريف به، وكان يقف ضمن عشرات المقاتلين بالزي المدني وخلفهم العلم السوري، أن «عصابات حزب العمال الكردستاني «بي كي كي» هي عدو مباشر لشعبنا ووطنا ولن يكون لها موطئ قدم في أرضنا، ونعلن النفير العام في صفوف عشائر التركمان لمواجهة هذه العصابات الإجرامية وملاحقتها بكل الوسائل حتى يتم اجتثاثها من أرضنا تحت راية الدولة السورية وبالتنسيق مع مؤسساتها الشرعية».

وتابع المتحدث: «نمهل أبناء عشائرنا الذين التحقوا بصفوف عصابات «بي كي كي» مهلة تنتهي مع نهاية هذا الأسبوع للعودة إلى صفوف أهلهم وعشيرتهم ووطنهم، وإلا فإن دماءهم مهدورة ومصيرهم محتوم وكل من يصر على البقاء في صفوف هذه العصابات، سيعامل معاملة العدو تماما ولن يكون له أي مجال للعفو والرحمة».

وأكد المتحدث أن «عشائر التركمان كانت ولا تزال جزءاً اصيلاً من النسيج السوري وستبقى سنداً للوطن في مواجهة كل المشاريع التخريبية والانفصالية التي تسعى لها هذه الأحزاب الإرهابية وفلول النظام البائد مستهدفة وحدة وطننا».

اعتقالات لـ«قسد»

وفي دير الزور، أعلن المكتب الإعلامي لـ«قسد» على صفحته الرسمية، أن مجلس دير الزور العسكري أنهى حملة تمشيط لملاحقة خلايا «الدولة الإسلامية» في ريف دير الزور الشرقي انتهت باعتقال العديد منهم.

وذكر بيان «قسد» أن «قوات مجلس دير الزور العسكري وبمشاركة «وحدات حماية المرأة ـ واي بي جي» أنهت حملة تمشيط واسعة في بلدة «غرانيج» وألقت القبض على 12 مطلوباً ومشتبهاً بالانتماء لخلايا تنظيم «داعش» الإرهابي، كما حررت 4 مقاتلين لمجلس دير الزور العسكري، كان قد تم اختطافهم في وقت سابق أثناء وجودهم في مركز صحي خارج مهامهم الرسمية».

وأكدت «قسد» أنّ الحملة «جاءت في إطار الجهود المستمرة لتعزيز الأمن والاستقرار في ريف دير الزور الشرقي، ولاقت دعماً ومساندة كبيرة من عشائر وأهالي المنطقة».

القدس العربي

———————————–

 “قسد” تتجه نحو أوروبا.. مؤتمرات ولقاءات للترويج لرؤيتها/ مصطفى محمد

الاثنين 2025/08/18

حصلت “المدن” على معطيات تكشف عن حراك من جانب قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، لعقد مؤتمرات ولقاءات في عواصم أوروبية، ترويجاً لمطلب الدولة اللامركزية الديمقراطية، الذي تبناه مؤتمر “وحدة موقف المكونات” الأخير، الذي عُقد في الحسكة قبل أسبوع.

وبحسب المعطيات، أوعزت “قسد” للمكاتب السياسية التابعة لها، بالشروع في التحضيرات للقاءات، التي ستتم بمشاركة شخصيات سياسية وبرلمانية أوروبية، في الوقت الذي تحدثت فيه “المدن” إلى أكثر من مسؤول في المكاتب السياسية التي تتبع لـ”قسد” في أوروبا، لكنها لم تتلق رداً.

والمؤكد وفق المعلومات المتوفرة، أن قسد تريد الاستفادة من الضغوط الغربية المتزايدة على حكومة دمشق، خصوصاً بعد أحداث الساحل السوري والسويداء، لحشد الدعم لمطلب الإدارة اللامركزية في سوريا، وبالتالي تحسين موقفها التفاوضي.

كذلك، تعني التحركات هذه، زيادة في التصعيد السياسي مع دمشق من جانب “قسد”، بعد الضجة الواسعة التي أثارها مؤتمر “وحدة موقف المكونات”.

أحداث الساحل والسويداء

ويتفق الكاتب والمحلل السياسي درويش خليفة مع التقديرات حول الظروف التي تريد قسد الاستفادة منها، ويقول لـ”المدن”: “بعد أحداث الساحل، وفي ظل حالة الانسداد بين دمشق والسويداء، عقدت (قسد) مؤتمراً بعنوان وحدة الموقف في الحسكة، بالتوازي مع تواصلها مع أطراف أخرى في جنوب وغرب سوريا، وتحديداً مع المكونين الدرزي والعلوي، للانخراط في صياغة مبادئ دستورية تمهيداً لطرحها على طاولة المفاوضات مع السلطات السورية في دمشق”.

وأضاف أنه “في الوقت ذاته، يجري التحضير لاجتماع في أوروبا لفرض مسار اللامركزية، لكن وبحسب ناشطين مقربين من (قسد)، فإن الطرح لم يعد يقتصر على اللامركزية الإدارية، بل اتجه نحو الحديث عن إقليم فيدرالي، في صيغة مشابهة للنموذج العراقي، وهو ما يضعف سلطة المركز ويمنح الأطراف هامش فاعلية أوسع، خصوصاً في ظل تفاعل بعض الدول الأوروبية مع هذا المسار”.

وبحسب خليفة، فإن “قسد” تعتقد أن بإمكانها توظيف الفتور العربي تجاه دمشق، والضغوط الغربية، لفرض الأمر الواقع في مفاوضاتها مع دمشق، ويستدرك: “مع ذلك، يبقى الموقف التركي المتشدد، هو العقبة الأكبر أمام أي تحرك ميداني لها، رغم المناوشات المتقطعة على خطوط التماس مع قوات الجيش السوري”.

ضربة لـ”قسد”

في المقابل، يعتقد الكاتب والمحلل السياسي علي تمي، أن “فشل” مؤتمر (قسد) الأخير بسبب مقاطعة العشائر العربية والقوى الكردية، شكل ضربة سياسية لها، وهذا ما يدفعها اليوم إلى طرح عناوين أخرى”.

ويقول تمي لـ”المدن”، إنه “من الواضح أن قسد تسابق الزمن وتحاول خلق المبررات لإلغاء اتفاق 10 آذار/مارس، والتهرب من بنوده، التي تحتم عليها الاندماج بالدولة السورية”.

ويعتقد أن قسد ستُركز على القضايا الأمنية وتحريك ورقة الاقليات، للضغط على الحكومة، ويقول: “بالتالي استبعد أن تُقدم (قسد) على عقد مؤتمرات أخرى في الخارج والداخل”.

————————-

======================

تحديث 17 آب 2025

——————————-

ما مصير اتفاق 10 مارس بين قسد والحكومة بعد مؤتمر الحسكة؟/ أحمد الجابر

اتفاق العاشر من آذار بين دمشق و«قسد».. فرصة ضائعة أم بداية مسار جديد؟

2025-08-17

شهد الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديموقراطية في آذار/ مارس الماضي بدايةً وُصفت بأنها فرصة لإنهاء جزء من الصراع، لكن اختلافا برز خصوصاً حول قضايا مثل “اللامركزية” و”الحكم الذاتي”، ما أدى لتبادل الاتهامات ووقف المفاوضات، في ظل ضغوط إقليمية ودولية شملت دوراً تركياً معارضاً، ودعماً أميركياً حذراً لـ”قسد”، ومحاولات وساطة روسية غير مثمرة.

يقول صلاح قيراطة أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية يقيم في مدريد، لـ”963+”، إنه “في 10 آذار من العام الجاري، جلست دمشق وقسد على طاولة المفاوضات وأعلنتا للعالم أنهما وجدتا صيغة لإنهاء القطيعة: دمج المؤسسات، توحيد القوات، إعادة السيادة للدولة، ووقف شامل لإطلاق النار. كان الاتفاق أشبه بصفحة جديدة في كتاب احترق نصفه، وعداً بإعادة جمع شتات الوطن”. 

ويضيف في تصريحات لـ”963+”: “قسد عقدت مؤتمر الحسكة، وطرحت فيه شعارات ‘اللامركزية’، و’الدستور التعددي’. في المقابل لم تُظهر دمشق أي رغبة حقيقية في اختبار صبرها أو الدخول في مفاوضات مرنة؛ وانسحبت من اجتماعات باريس بذريعة أن ‘المكان غير وطني’، لكنها في العمق كانت تبحث عن سبب لإيقاف المسار قبل أن يفرض عليها تنازلات ثقيلة”.

ويرى أن “كلا الطرفين دخل الاتفاق بعقلية الصفقة المؤقتة لا الشراكة الدائمة. دمشق أرادت إخضاع قسد لا التفاهم معها، والأخيرة أرادت تثبيت مكاسبها لا دمجها في دولة مركزية قوية. النتيجة أن الاتفاق تحوّل إلى وثيقة بلا روح، تذكّرنا بكل التفاهمات السابقة التي انتهت إلى لا شيء”.

ويقول إن “رفض دمشق المشاركة في الاجتماعات المقررة في باريس قد يؤدي إلى تعطيل المفاوضات أو تأجيلها، كون دمشق تعتبر أن أي مفاوضات تُجرى خارج العاصمة السورية لا تعكس الشرعية الوطنية، مما قد يؤثر سلباً على مصداقية العملية التفاوضية. ومن جهة أخرى، قد تجد “قسد” نفسها في موقف صعب، حيث يتعين عليها اتخاذ قرار بشأن قبول شروط دمشق بنقل المفاوضات إلى دمشق أو البحث عن بدائل قد تكون أقل فعالية”. 

ويرى أن مستقبل المفاوضات بين الحكومة السورية و”قسد” يعتمد بشكل كبير على “الإرادة السياسية للطرفين والوسطاء الدوليين. ففي ظل التحديات الحالية، قد يكون من الضروري إعادة تقييم استراتيجيات الحوار والتفاوض لضمان تحقيق تقدم ملموس نحو استقرار سوريا ووحدتها”. 

“مهدد بالانهيار”

من جهته، يرفض كادار بيري، مدير مؤسسة “كرد بلا حدود” والمقيم في باريس، الربط بين مؤتمر الحسكة وتأجيل اجتماع باريس أو إلغائه، “لأن دمشق سبق لها أن رفضت حضور الاجتماع في الخامس والعشرين من تموز/يوليو الماضي، قبل عقد مؤتمر وحدة المكونات”، وفق ما صرّح لـ”963+”.

ويعتبر أن “الحكومة السورية تمتثل للرغبات التركية التي تضغط عليها من أجل عدم حضور اجتماع باريس، خاصة في ظل العلاقة المتوترة بين باريس وأنقرة، ورغبة الأخيرة في تسوية سياسية وعسكرية في شمال وشرق سوريا وفق رؤيتها”. 

ويرى ضرورة “إقامة الاجتماع في باريس في ظل موقف حكومة دمشق المتردد ولعبها على الألفاظ”، مشيراً إلى أن اتفاق العاشر من آذار “مهدد بالانهيار في ظل المماطلات التي تقوم بها حكومة دمشق”. 

ويشدد بيري على ضرورة العمل على اتفاق آذار، وأن “يشتمل على ضمانات دستورية وفوق دستورية بالنسبة للمكون الكردي، خاصة مع الموقف الذي أبدته دمشق منذ التوقيع حتى حديثها عن إلغاء اجتماع باريس”.

تغيير الإعلان الدستوري

وكان قد نفى عضو “لجنة تنسيق المكونات السورية” زردشت محمد، في تصريح خاص لـ”963+”، السبت الماضي، ما تم تداوله حول عقد مؤتمر للجنة في العاصمة البلجيكية بروكسل غداً الأحد، موضحاً أن ما سيعقد هو لقاء تشاوري بين أعضاء اللجنة، يأتي ضمن خطوات أولية للوصول إلى انعقاد المؤتمر في أقرب وقت ممكن.

وقال، إن لقاء بروكسل يمثل مبادرة مستقلة لا ترتبط تنظيمياً أو هيكلياً بمؤتمر وحدة الموقف لمكونات شمال شرق سوريا الذي عُقد في مدينة الحسكة شمالي شرقي سوريا، مشدداً على أن “هناك تقاطعاً بين الحدثين في بعض القضايا المطروحة، مثل الفيدرالية، اللامركزية، وحقوق المكونات، إلا أن أي تشابه في المضامين “يعكس فقط اهتماماً وطنياً مشتركاً، ولا يعني وحدة المسار أو وجود تبعية”.

وأكد عضو اللجنة، أن “لجنة تنسيق المكونات السورية” تدعو بشكل واضح إلى تغيير الإعلان الدستوري، وعقد مؤتمر وطني يضم كافة مكونات الشعب السوري، مع الحفاظ على وحدة سوريا ضمن إطار لامركزي، معتبراً أن هذه الرؤية تمثل خطوة أساسية نحو بناء توافق وطني شامل بين مختلف المكونات.

وكان القائد العام لقوات سوريا الديموقراطية (قسد) الجنرال مظلوم عبدي قد قال في الثاني من الشهر الجاري، إن اتفاق العاشر من آذار/ مارس الماضي، يواجه تحديات تتعلق بترتيبات اللامركزية والحقوق الثقافية والدينية.

وأضاف عبدي خلال مقابلة مع صحيفة “إنديان إكسبريس” الهندية، إن اتفاق مارس مهم لدمج قوات “قسد” في الجيش السوري.

وذكر، أن “سقوط نظام البعث خلق فراغاً أمنياً وإدارياً هائلاً في سوريا، التي تحتاج إلى نظام حكم لا مركزي ديموقراطي يحفظ حقوق جميع مكونات الشعب السوري ويحمي كرامتهم”.

وأكد، أن النزعات العرقية والدينية هي نتيجة للسياسات التي اتبعتها الحكومة حتى الآن، مشدداً على أنه “من الضروري حماية حقوق جميع الجماعات وإقامة مجالس إقليمية منتخبة لإدارة شؤون المناطق.

وأشار، إلى أنه يجب أن يكون الجيش السوري الموحد ذا هوية وطنية ويخدم جميع السوريين، موضحاً أن قوات سوريا الديموقراطية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا لم تشكلا أي تهديد لأمن تركيا.

وشدد القائد العام لـ”قسد”، على أن الدعم من قبل التحالف الدولي لا يزال ضرورياً لمواجهة تنظيم “داعش”، ومنع استغلال الفراغ الأمني.

ولفت إلى أن لقائه مع الرئيس السوري أحمد الشرع، كان إيجابياً حيث استطاعوا بعد 3 ساعات من النقاس التوصل لاتفاق، موضحاً أن قنوات الاتصال مع الحكومة مفتوحة يومياً.

وأكد، أن “لديهم قنوات اتصال مع تركيا بشكل مستمر، والأمور إيجابية”، معتبراً أن “السعودية يمكنها لعب دور إيجابي في حال دخلت كوسيط في التفاوض بين قسد والحكومة السورية، والرياض كان لها دور كبير في رفع العقوبات عن سوريا”.

+963

——————————-

 من يخرج “قسد” من ورطة تفاهمات آذار؟/ سمير صالحة

2025.08.17

ما الذي تعنيه مرحلة ما بعد المهلة الممنوحة لـ”قوات سوريا الديمقراطية” للالتزام باتفاقية العاشر من آذار، والتي تنتهي كما يُقال في أواخر أيلول المقبل؟

مظلوم عبدي يتحدث عن دعمهم لمبدأ “جيش واحد وعلم واحد”، لكن ما يريده مقابل ذلك هو لامركزية سورية وضمانات دستورية للأكراد. ألا تتعارض هذه المعادلة مع روح ونص الاتفاقية الموقعة مع الرئيس الشرع؟ وكيف سيقنع الشركاء والحلفاء المحليين من دروز وعلويين وسريان وعشائر عربية شاركوا في مؤتمر الحسكة، بأن ما تساوم عليه “قسد” هو من أجل مصالحهم ومستقبلهم السياسي والدستوري في سوريا الجديدة؟

هل من الممكن أن تخرج سوريا من أزماتها الداخلية من دون تفاهمات حقيقية بين اللاعبين المؤثرين في المشهد السوري الخارجي؟ وهل تنجح جهود المرحلة الانتقالية في الداخل من دون مقايضات إقليمية في الخارج؟

وأين أصبح الحراك التركي – العربي، وجهود دعم السلطة السياسية الجديدة في مواجهة تعنت إسرائيل وتمسكها بأخذ ما تريده كشرط أساسي لإزالة الألغام التي نشرتها في الداخل السوري؟

هل ستكتفي أنقرة بالتعويل على التنسيق الثلاثي التركي–الأميركي–العربي في سوريا لقطع الطريق على الاصطفاف الجديد الذي تحاول تل أبيب ترتيب صفوفه داخل سوريا وخارجها؟

وكيف سيكون المشهد إذا ما قررت واشنطن تبديل سياستها السورية الحالية، وتبني مضمون تقرير البنتاغون الأخير حول تطورات المشهد السوري بشقيه السياسي والأمني؟

الاحتياط واجب، فالمزاج الأميركي في سوريا، الذي دخل في تفاهمات تركية–عربية–سورية في الثامن من كانون الأول المنصرم، وبعد إزاحة بشار الأسد، قد يتبدل. هدف “قسد” هو دفع حكومة الشرع نحو خيارات صعبة في التعامل مع المسائل السياسية والأمنية الداخلية، قد يكون بينها سيناريو الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، برغبة إسرائيلية، تقود واشنطن لتبديل سياستها السورية.

هناك أكثر من مؤشر داخلي وخارجي يعزز الطرح بأن “قسد” تخلّت عن فكرة الاندماج في مؤسسات الدولة السورية الجديدة، وتراجعت عن الالتزام بتعهدات آذار، وأن كل ما تفعله اليوم هو لعب أوراق كسب المزيد من الوقت والفرص.

مؤتمرات القامشلي والحسكة وباريس، وطبيعة المشاركة، والشعارات المرفوعة هناك، تقول إن “قسد” تركت جانبًا تفاهماتها مع الشرع، وأن الهدف الجديد هو استنزاف دمشق ودفعها نحو ارتكاب الأخطاء التي تُغضب المراهنين على الحكومة السورية في الداخل والخارج.

من أهداف “قسد” أيضًا لعب ورقة القرار الأممي 2254 حول سوريا، بعدما وصلت التفاهمات الإقليمية والدولية إلى ضرورة تركه جانبًا وتقديم سيناريوهات بديلة تعطي الأولوية للتهدئة على الجبهات، وتفعيل خطط وبرامج اجتماعية واقتصادية وحياتية.

هدف “قسد” هو تحريك مضمون القرار الأممي الذي تبناه مجلس الأمن الدولي في مواجهة نظام الأسد، لتحويله إلى ورقة ضغط على حكومة الشرع هذه المرة.

يقول الشيباني إن مؤتمر الحسكة لا يمثل الشعب السوري، واستغل أجواء السويداء، وأن هناك محاولات خارجية لفرض واقع تقسيمي. في حين يردد فيدان أن سياسات إسرائيل التوسعية تمتد إلى سوريا، وأن الهدف هو إضعافها وخلق أجواء فوضى تهدد أمن المنطقة.

مذكرة التفاهم التركية–السورية، في جزء منها، تعني “قسد” حتمًا، لكن المخاطب الأول هو إسرائيل، التي تتوغل داخل سوريا وتواصل اعتداءاتها اليومية على المدن السورية.

أنقرة لن تسمح لتل أبيب بعد الآن بفرض نفسها على المشهد السوري من خلال قوتها العسكرية. إما أن تقبل إسرائيل بطاولة تفاوض حقيقية، أو أنها ستواجه تركيا عسكريًا في سوريا.

توصيات مؤتمر الحسكة أبعد من أن تكون رسالة رمزية، فالصادر عن المؤتمر يقول إن “قسد” وراء بناء حلف “أقليات”، والاستقواء بإسرائيل وفرنسا، والإمساك بورقة داعش والطاقة وعنابر الحبوب، وإشعال بؤر توتر عرقي ومذهبي، والتمسك بالسلاح الأميركي، والرهان على أزمات تواجه السلطة السياسية الحالية وتدفعها لارتكاب أخطاء في الإدارة والتأخر في تفعيل المسار الانتقالي السياسي والدستوري.

أكثر ما تعوّل عليه “قسد” اليوم هو محاولة بناء اصطفاف سياسي–عسكري سوري في مواجهة السلطة السياسية الحالية، يعطيها ما تريده، ويمنح داعميها في الإقليم المزيد من النفوذ فوق الساحة السورية . كما تسعى إلى إفشال خطة أنقرة في الوصول إلى ما تريد، عبر الدمج بين ملف “حزب العمال الكردستاني” في تركيا، والملف الكردي وتفاعلاته في شمال شرقي سوريا.

تريد “قسد” أن تسهم تل أبيب في إقناع واشنطن بتغيير مواقفها وتبنّي سياسة سورية جديدة. لكن هناك تسريبات غربية تقول إن مسؤولين أميركيين حذّروا “قسد” من أن التحالف الدولي قد لا يتمكن من حمايتها إذا قررت دمشق شنّ هجوم عسكري، في حال عدم الالتزام باتفاق آذار. خصوصًا أن الداخل التركي يعتبر أنه، في إطار التعاون العسكري بين دمشق وتركيا، فإن أي طلب دعم من دمشق سيُقابَل بشكل إيجابي.

فقسد لم تُسلّم السدود وحقول الغاز والنفط، ولم تتخلّ عن السلاح، ولم تفعل خطوات الاندماج في الجيش السوري الوطني. بل قررت تحريك أوراق سياسية وأمنية بديلة، لبناء تكتل محلي في مواجهة السلطة السياسية الحالية بدعم وتحريض خارجي.

تعلن قيادات “قسد” أن توصيات مؤتمر الحسكة لا تتعارض مع تنفيذ التزامات الشرع–عبدي. لكن ما تقوله دمشق وأنقرة يذهب في اتجاه آخر:

مؤتمر الحسكة، من حيث توقيته، ومكانه، وتركيبة مكوناته، وطبيعة التوصيات الصادرة عنه، يشير كله إلى أن هدف “قسد” أبعد من حراك مكوّن سوري للدفاع عن حقوقه وهويته ومطالبه.

“قسد” تنشط لتلبيس ثوب الفدرالية معطف اللامركزية، وتعمل على بناء اصطفاف عرقي ومذهبي بدعم إسرائيلي، في مواجهة السلطة السياسية الحالية. ومهمتها تزداد صعوبة وسط أجواء الرفض السوري والتركي والعربي، لأي محاولات تذهب باتجاه الحديث عن معادلات التحاصص والتقاسم على الطريقة اللبنانية أو العراقية في سوريا.

سوريا الجديدة لن تُبنى بمنطق الاستثناء، ولا بلعبة المصالح اللحظية. الوطن يجمع، ولا يفرّق.

تلفزيون سوريا

———————————-

الشرع: تقسيم سورية مستحيل وهذه خطتنا للحل في السويداء ومع “قسد”/ عدنان علي

17 اغسطس 2025

أكد الرئيس السوري أحمد الشرع رفض المجتمع السوري لفكرة التقسيم، واصفاً من يطالب بالتقسيم بأنه “جاهل وحالم”، مشدداً على أن مسألتي وحدة سورية واحتكار الدولة للسلاح، عليهما إجماع إقليمي ودولي، باستثناء إسرائيل. وقال الشرع خلال جلسة حوارية عقدها، مساء أمس السبت، مع أكاديميين وسياسيين وأعضاء من النقابات المهنية والوجهاء في محافظة إدلب: “أسقطنا نظام الأسد في معركة تحرير سورية، وأمامنا معركة توحيدها”. ولفت إلى أنّ “هناك قواعد عامة رسخت في سورية، ونالت مباركة جميع الدول الإقليمية والكبرى، تتمثل في وحدة الأراضي السورية وحصر السلاح بيد الدولة، وهذه البنود متفق عليها محلياً وإقليمياً ودولياً، وغير قابلة للمساومة”.

ووصف من يطالب بالتقسيم في سورية بأنه “جاهل سياسي وحالم”، مشدداً على أنّ “المجتمع في سورية غير قابل للتقسيم، ويرفض فكرة التقسيم”. ورأى الشرع أن “عوامل وظروف التقسيم في سورية غير متوافرة لدى أي طرف”، لافتاً إلى أنه “لا توجد مخاطر حقيقية للتقسيم، وإنما هناك رغبات لدى بعض الناس في محاولات إنشاء كانتونات محلية داخلية، ولكن هذا الأمر مستحيل أن يحدث”. واستبعد الرئيس السوري تقسيم سورية، واصفاً هذا الأمر بـ”المستحيل أن يحدث منطقياً وسياسياً وعرفياً وعقلياً”.

واعتبر أن “تغيير الخرائط الحالية على المستوى العالمي خطر كبير يصعب تنفيذه”. ولفت إلى وجود أطراف خارجية “لا تريد لسورية أن تكون قوية، ولذلك تحاول ضرب أهم أساس فيها وهو وحدتها الداخلية”. وخص بالذكر إسرائيل التي قال إنّ استقواء بعض الأطراف بها، “أمر صعب جداً، فالمنطقة الجنوبية ذات كثافة بشرية وأي عدو يريد الدخول إليها سيضطر إلى أن يضع شرطياً على باب كل بيت، وهذا الشيء صعب في واقع الحال”.

الشرع: ندير الأزمة في السويداء ضمن تفكير من خارج الصندوق

وحول الوضع في السويداء جنوبي سورية، أشار الشرع إلى تواصله ودعمه للمجموعات في السويداء ودرعا خلال سنوات الصراع الماضية، معتبراً أنّ هناك فئة “ليست بالكبيرة في السويداء تحاول تأزيم المشهد وتتجنب الحوارات المباشرة، ولديها أحلام أو نيات ليست جيدة”. وشجب الرئيس السوري “التجاوزات” التي حصلت أخيراً بين البدو والدروز ومن الأمن والجيش، مشيراً إلى أن السياسة الحالية للدولة تجاه السويداء تركز على “تهدئة الأوضاع، وتثبيت وقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، ورعاية صلح اجتماعي، ثم مناقشة عودة مؤسسات الدولة”، مجدداً رفضه لأي فكرة تقسيم أو بقاء سلاح منفلت.

وألمح الرئيس السوري إلى التفكير في حل لمعضلة السويداء قائلاً: “ندير الأزمة في السويداء ضمن تفكير من خارج الصندوق وسترون النتائج قريباً”.

الشرع عن التعامل مع ملف “قسد”: هناك مفاوضات كثيرة

وحول الوضع في شرق سورية، قال الشرع إنّ هناك “مفاوضات كثيرة” مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وحصل “توافق لأول مرة منذ عشر سنوات في 10 مارس/ آذار بين سورية، وقسد، وتركيا، والأميركيين”، مبدياً تفاؤله بحل الملف خلال “بضعة أشهر” بشكل سلمي، مؤكداً أن سورية “لن تتنازل عن ذرة تراب واحدة”. واعتبر الشرع أن “إدارة مشهد الثورة كانت أصعب من إدارة الدولة حالياً، رغم تضخم حجم المخاطر والصعوبات في المرحلة الراهنة”، مشدداً على أهمية “تحليل المشهد تحليلاً منطقياً وواقعياً كخطوة أولى نحو اتخاذ الحلول الصحيحة”.

وحول الشكاوى من تهميش المناطق التي كانت تحت سيطرة المعارضة قبل سقوط النظام، قال الشرع إنّ “المناطق المحررة سابقاً على رأسها إدلب، أصبحت محفورة في ذاكرة العالم كله”، لكنه أقرّ بالتقصير تجاه هذه المناطق، لأن الدولة ورثت “تركة ثقيلة”، لكن الحلول ليست “علاجات سحرية تحدث بين عشية وضحاها”، بل تتطلب “فترتها الزمنية ونموها الطبيعي”، مؤكداً ضرورة وجود “أهداف وخطط استراتيجية” ومنهجية واضحة في تحديد الأولويات لبناء البلاد”.

وأقرّ بأنّ تحسينات البنية التحتية في المناطق المتضررة “غير كافية وبطيئة”. وعزا ذلك إلى “ضغوطات كثيرة منها العقوبات الاقتصادية، وتآكل إيرادات الدولة، وصفرية البنك المركزي عند سقوط النظام، والترهلات الإدارية، وتذبذب سعر الصرف، وتراجع الإنتاج الزراعي”. ولمواجهة هذه التحديات المالية، أعلن الشرع قرب الإعلان عن “صندوق التنمية” لجمع التبرعات من السوريين والمغتربين، مؤكداً الاعتماد على الموارد السورية لـ”تجنب القروض الطويلة التي قد تقيد القرار السياسي”.

وكشف عن فتح الباب “للاستثمارات الأجنبية”، التي بلغت قيمتها المباشرة خلال الأشهر السبعة الماضية 28.5 مليار دولار، ومن المتوقع أن تصل إلى 80-100 مليار دولار حتى نهاية العام، ما سيوفر فرص عمل ويعيد بناء البنى التحتية، وسيركز الصندوق على “إعادة بناء المناطق المدمرة ودعم الزراعة والصناعات المتعثرة”. وشدد الشرع على أن مهمة “أبناء الثورة” لم تنتهِ بوصولهم إلى دمشق، وحذر من خطورة السعي لـ”تقاسم السلطة والغنائم”، داعياً إلى تبني “عقلية دولة” تتسم بالتصالح والشمولية، لا “عقلية إقصائية وأحادية التفكير”، مشيراً إلى أن لدى سورية “فرصة عظيمة جداً لتكون رائدة”، معتبراً أن “رأس مالها الأساسي هو وحدتها الداخلية” التي تسعى بعض الأطراف الدولية لضربها.

وقال إنّ “الثورة بالنسبة إلينا انتهت كمرحلة، وأن إدارة الدولة يجب أن تتم بعقلية جديدة ومختلفة عن بيئة الثورة”. وشدد على أن توحيد سورية يجب أن يتم “دون دماء وقوة عسكرية، بل بالتفاهم، لأن البلاد تعبت خلال السنوات الماضية من الحرب”. وأكد الشرع التزام الحكومة الكامل بإعادة الناس إلى مناطقهم وبيوتهم، على الرغم من صعوبة المهمة وحجم الهدم الهائل، خاتماً بالقول إنّ الشعب السوري لا يريد “سوى البنية التحتية والخدمات لتعود الحياة، وإن القيادة ستسعى لتحقيق ذلك”.

—————————-

أنقرة تسابق الزمن لتنفيذ اتفاقاتها مع حكومة دمشق

حزب معارض ينتقد موقفها من أكراد سوريا

أنقرة: سعيد عبد الرازق

16 أغسطس 2025 م

أجرت المؤسسات التركية مراجعة شاملة للعلاقات مع سوريا، والخطوات التي ستُتخذ، خلال الفترة المقبلة ،لتعزيزها وتنفيذ الاتفاقات التي توصل إليها الجانبان في مختلف المجالات.

في الوقت ذاته، انتقد حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد، موقف الحكومة التركية من «الإدارة الذاتية» لشمال وشرق سوريا و«قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، معتبراً أنه يناقض عملية السلام وحل المشكلة الكردية التي انطلقت من خلال حل حزب «العمال الكردستاني».

وعقدت مجموعة التنسيق بين المؤسسات التركية اجتماعها الثامن بمقر وزارة الخارجية في أنقرة، برئاسة نائب وزير الخارجية، نوح يلماظ.

تحركات سريعة ومراجعة شاملة

وقالت مصادر بالخارجية التركية إن الاجتماع الذي عُقِد، مساء الجمعة، تناول جوانب العلاقات التركية – السورية، في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، والخطوات التي اتُّخِذت على مدى الأشهر الماضية، وتنفيذها، وسبل المضي في تعزيز العلاقات.

وشهدت الأيام الأخيرة حركة مكثفة على خط أنقرة – دمشق، بدأت بزيارة وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، لسوريا، ولقائه الرئيس أحمد الشرع، في 8 أغسطس (آب) الحالي، ثم زيارة وزيري الخارجية والدفاع السوريين، أسعد الشيباني ومرهف أبو قصرة، ورئيس المخابرات حسن سلامة، في 12 أغسطس، التي شهدت توقيع مذكرة تفاهم في مجال التعاون العسكري والتسليح والتدريب والاستشارات.

وانصبَّت هذه التحركات في الجانب الأبرز منها على أزمة السويداء والتدخلات الإسرائيلية، ومماطلة «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، التي تقودها «وحدات حماية الشعب» الكردية المدعومة أميركياً، في تنفيذ الاتفاق الموقَّع مع دمشق، في 10 مارس (آذار) الماضي، والمخاوف من مساعٍ لتقسيم سوريا وتمزيق وحدتها.

وعلى الجانب الاقتصادي، اتفقت تركيا وسوريا على إنشاء لجنة اقتصادية وتجارية مشتركة، وبدء دراسة إنشاء مناطق صناعية، بهدف إنعاش الاقتصاد السوري المتضرر من جراء الحرب وتعزيز التجارة بينهما…

كما أعاد البلدان الجاران تأسيس مجلس الأعمال المشترك الذي توقف عن العمل في 2011، خلال اجتماع عُقِد الأربعاء، في مقر مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي بمدينة إسطنبول.

ووقعت أنقرة ودمشق بروتوكولاً لتأسيس اللجنة، بمقر وزارة التجارة التركية في أنقرة، الثلاثاء الماضي، أعقبه اجتماع «الطاولة المستديرة التركي – السوري» الذي ضم وزير التجارة التركي عمر بولاط، ووزير الاقتصاد والصناعة السوري نضال الشعار، ورئيس اتحاد الغرف التجارية والبورصات التركي، رفعت هيصار جيكلي أوغلو.

وتهدف تركيا إلى تجاوز عتبة مليارَي دولار في صادراتها إلى سوريا، نهاية العام الحالي، مستغلَّة الزخم في العلاقات التجارية بينهما.

وقال رئيس لجنة سوريا، في مجلس المصدّرين الأتراك، جلال قاضي أوغلو، في بيان، الأربعاء، إن اللجنة الاقتصادية والتجارية المشتركة وقّعت مذكرات تعاون مع غرفتي تجارة دمشق وحلب.

وأضاف أن وزارة التجارة التركية وضعت مبادرات مهمة لإبرام اتفاقية شراكة اقتصادية أشمل من اتفاقية التجارة الحرة الموقعة مع سوريا سابقاً، ولم تُنفذ فعلياً بعد عام 2011.

وارتفعت صادرات تركيا إلى سوريا بنسبة 49.3 في المائة، لتتجاوز 1.2 مليار دولار خلال الأشهر الـ7 الأولى من العام الحالي. وبحسب قاضي أوغلو، قد يتجاوز حجم الصادرات التركية الهدف المحدد لنهاية العام بملياري دولار، بالنظر إلى الطلب من الجانب السوري.

انتقادات للموقف تجاه الأكراد

في غضون ذلك، انتقدت المتحدثة باسم «حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب»، عائشة غل دوغان، المؤيد للأكراد في تركيا، موقف الحكومة من الإدارة الذاتية الكردية لشمال وشرق سوريا، وطالبتها بالتخلي عن لغة التهديد تجاه أكراد سوريا، وبناء علاقات صداقة جيدة مع الإدارة الذاتية.

وقالت، خلال مؤتمر صحافي بمقر حزبها، ليل الجمعة – السبت، إن عملية السلام بين الأتراك والأكراد في تركيا التي انطلقت مع قرار حل حزب العمال الكردستاني بدعوة من زعيمه السجين عبد الله أوجلان، ليست قضية حزبها فقط، بل قضية تركيا.

وفي إشارة إلى تصريحات وزير الخارجية هاكان فيدان، خلال مؤتمر صحافي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، عقب مباحثاتهما في أنقرة، الأربعاء الماضي، التي وجه فيها تحذيرات بالتحرك ضد «قسد»، إذا لم تنفذ اتفاق الاندماج الموقَّع مع دمشق، وتتوقف عن تهديد تركيا بالعناصر الإرهابية التي جلبتها من مناطق مختلفة من العالم، وتلقي أسلحتها، أشارت دوغان إلى أن «مكاسب الأكراد في سوريا، وتشكيل سوريا ديمقراطية، لا يمكن أن تُشكل خطراً على تركيا، بل يمكن تحويلها إلى فرصة».

ووصفت دوغان تصريحات فيدان بـ«المتغطرسة» و«الديماغوجية»، وقالت إنه يتحدث كما لو كان عضواً في الحكومة السورية، وليس وزيراً لخارجية تركيا.

ولفتت إلى أن هناك اشتباكات عرضية بين «قسد» وقوات الحكومة الانتقالية أو الجماعات التابعة لها، وأن تصريحات مُناهضة لـ«قسد» صدرت عن بعض الفصائل العربية، مضيفة: «مع ذلك، نعتقد أنه من الضروري تحليل الوضع في سوريا بتفسيرٍ صحيح. ما نقوله هو أنه بينما تسعى تركيا إلى حل داخلي، ينبغي عليها أيضاً السعي إلى مصالحةٍ تاريخيةٍ ودائمةٍ مع الأكراد السوريين».

الشرق الأوسط

——————————

عشائر سورية تتبرأ من المشاركين بمؤتمر الحسكة: أداة بيد مشروع انفصالي

15 – أغسطس – 2025

دمشق: تبرأت “عشائر الجزيرة والفرات وعامة عشائر سوريا”، الجمعة، من “مؤتمر الحسكة” الذي عقدته مكونات شمال وشرق البلاد قبل أسبوع، مشيرة إلى أن المشاركين في المؤتمر “ارتضوا أن يكونوا أداة بيد مشروع انفصالي مدان ولا يمثلون إلا أنفسهم”.

والجمعة الماضية، عقد في محافظة الحسكة “مؤتمر مكونات شمال وشرق سوريا” تحت شعار “وحدة موقف المكونات”، ودعا إلى “إنشاء دولة لا مركزية، ووضع دستور يضمن التعددية العرقية والدينية والثقافية”.

وحضر المؤتمر إلهام أحمد، أحد ممثلي السياسات بتنظيم “بي كي كي/ واي بي جي” الإرهابي المعروف باسم “قسد”، والزعيم الديني الكردي مرشد معشوق الخزنوي، إضافة إلى حكمت الهجري أحد مشايخ عقل الدروز بواسطة فيديو مصور.

وردا على ذلك، عبرت “عشائر الجزيرة والفرات وعامة عشائر سوريا”، في بيان، عن أسفها واستنكارها الشديدين لـ”مشاركة من ادعوا زورا تمثيل عشائر الجزيرة السورية في ما سمي كونفرانس وحدة الموقف، والذي استضاف شيوخ طوائف داعين علنا إلى الاستقواء على الدولة السورية ووحدة أرضها وشعبها”.

وأضاف البيان أن “المؤتمر الذي عقد في مدينة الحسكة السورية وزعم تمثيل أبنائها، نسي أو تناسى أن من كانوا حضورا لا يمثلون إلا أنفسهم، ولن يتمكنوا قطعا من تمثيل عشائرهم التي جبلت تراب الوطن بدمائها ولن تفرط بذرة منه”.

وأشار بيان العشائر إلى أن “مليشيات قسد (واجهة تنظيم “واي بي جي” الإرهابي) هجّرت العرب، وجندت القاصرين، ومنعتنا من زيارة قرانا وبلداتنا ومدننا، وروجت وتاجرت بالمخدرات والكبتاغون، ونهبت الثروات الوطنية، واعتقلت النشطاء والصحافيين، وقيدت الحريات الفكرية والسياسية”.

وتابع أن تلك “المليشيات (قسد) قتلت تحت التعذيب وكممت الأفواه، وتحالفت مع الأسديين (نظام الأسد) والإيرانيين وحكمت بحزب شمولي أجنبي أوحد، واستقبلت الفلول وخطفت النساء، واحتكرت التمثيل السياسي وأقصت العرب، وطلقت نظام الكفالة العنصري”.

وأكد شيوخ العشائر والقبائل العربية في سوريا، عبر بيانهم، لكل السوريين ابتداء، ولكل الشرفاء في هذا العالم، أنهم “يرفضون رفضا تاما وقاطعا أي عمل يهدد وحدة الأرض والبلاد، ووحدة الشعب”.

وشددوا على أنهم “مصطفون خلف الدولة السورية على أسس الكرامة لكل السوريين بكل انتماءاتهم، ومساواة تامة ومواطنة كاملة يضمنها نص الإعلان الدستوري القائم”.

وقالوا إن “كل من حضر هذا المؤتمر إنما ارتضى لنفسه أن يكون أداة بيد مشروع انفصالي مدانٍ، وعليه أن يتحمل تبعات هذا العار أمام أبناء قبيلته وأمام الشعب السوري بأسره، وأمام التاريخ والأجيال القادمة”.

ودعا شيوخ العشائر، المشاركين في المؤتمر إلى “التراجع فورا عن هذه الفعلة المشينة، وإعلان البراءة من المؤتمر ومخرجاته”.

وشددوا على أن “وحدة العشائر والقبائل العربية، ووقوفها مع وحدة سوريا، هي خط أحمر لن يُسمح بتجاوزه، وأي مساس بها سيواجه بالتصدي والمقاطعة والرفض المطلق”.

والأربعاء، اعتبر وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، أن “مؤتمر الحسكة” يمثل انتهاكا للاتفاق الموقع في 10 مارس/ آذار مع ما تعرف بقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، واجهة تنظيم “واي بي جي” الإرهابي.

وقال الشيباني بمؤتمر صحافي عقده مع نظيره التركي هاكان فيدان، في أنقرة، إن المؤتمر الذي جرى في الحسكة “بالتأكيد لا يمثل الشعب السوري ولا يمثل الغالبية العظمى من النخب العشائرية والدينية وحتى من النخب الكردية”.

وتبذل الإدارة السورية الجديدة جهودا مكثفة لضمان أمن ووحدة واستقرار وسيادة البلاد، منذ الإطاحة في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 بنظام بشار الأسد بعد 24 سنة في الحكم (2000 ـ 2024).

(الأناضول)

———————————–

=======================

تحديث 16 آب 2025

————————

سورية: تحالف الأقليات بين الضرر والفشل/ بشير البكر

16 اغسطس 2025

يشكّل مؤتمر الحسكة بداية حراك متعدّد الأطراف ضدّ السلطة السورية. وما أن اختتم أعماله، حتى بدأ المشاركون فيه (قوات سوريا الديمقراطية، ومشايخ العقل في السويداء، ومجموعات الفلول في الساحل)، تحرّكات سياسية وإعلامية صريحة، وتنظيم فعّاليات دولية مشتركة، وحملة واسعة في وسائل التواصل الاجتماعي، ولدى المنظّمات الدولية، هدفها هزّ صورة النظام الذي حاز على قبول دولي جيّد، واعتُرف فيه دبلوماسياً وسياسياً، وجرى تتويج ذلك بلقاء الرئيس أحمد الشرع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الرياض، وزيارته إلى باريس، بوابة أوروبا.

تراهن الأطراف الثلاثة، التي أشهرت تحالفها في مؤتمر الحسكة، على تأمين ضغط عالمي يسحب الاعتراف الدولي بالإدارة السورية. وليس مصادفةً صدور بيان مجلس الأمن في العاشر من أغسطس/ آب الحالي، الذي أحيا قرار مجلس الأمن 2254، بعدما انتهى مفعوله بسقوط نظام بشّار الأسد. والمغزى من ذلك إعادة تفصيل المرحلة الانتقالية على نحو مختلف عن توجّهات الإدارة الجديدة، ويعني هذا إعادة النظر في تركيبة السلطة الحالية بكل تشكيلاتها ومسمّياتها، من الرئاسة إلى الحكومة إلى جهازها الدبلوماسي وأسلوب الحكم الذي تعمل بموجبه، ولذلك وصف إدارة الرئيس أحمد الشرع بـ”السلطات السورية المؤقتة”، بدلاً من “الحكومة السورية” أو “الحكومة السورية الانتقالية”، كما كلّف المجلس المبعوث الأممي غير بيدرسون تقديم إحاطة في 21 أغسطس/ آب الجاري، قد ترفع سقف الطلبات من الإدارة السورية.

من المؤشّرات المهمّة رفض مشايخ العقل في السويداء لجنة التحقيق التي شكّلتها السلطات الرسمية، ومطالبتهم بتشكيل محكمة دولية للتحقيق، لإحالة المتورّطين إلى المحكمة الجنائية الدولية، وفق ما جاء في البيان الذي صدر عن الشيخ حكمت الهجري، الذي اعتبر ما حصل في السويداء “جرائم حرب”، و”إبادة ممنهجة”، ووجّه اتهامات للحكومة السورية بارتكاب مجازر وتطهير عرقي بحقّ المدنيين. وإذا استُجيب لهذه الدعوة، فإنها ستشكّل سابقةً تتجاوز الجانب القانوني، إلى التدخّل في الشؤون الداخلية السورية، وانتهاك السيادة، لا سيّما أنها ستتولّى التحقيق مع مسؤولين أمنيين وعسكريين، وتصدر مذكّرات توقيف.

واضحٌ أن الحراك المشترك بين الأطراف الثلاثة دبلوماسي وسياسي وإعلامي، ومن دون إطار رسمي مُعلَن. ومن غير المُستبعَد أن يتطوّر في المستقبل القريب إعلان لجان أو هيئات عمل مشترك، تنشط داخلياً وعربياً ودولياً ضدّ السلطة، وسينعكس ذلك في توتّر أمني وعسكري حسب الظروف والإمكانات، ووفق ما هو ظاهر، فإن جبهة شرقي سورية مرشّحة أكثر من غيرها لذلك، إذ تشهد المحاور حشوداً عسكريةً متبادلةً بعد فشل مساعي باريس في استضافة وفدَين، حكومي وآخر من قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وقد أعلنت السلطة عدم مشاركتها بعد انعقاد مؤتمر الحسكة.

أضرار هذا الحراك على سورية كبيرة، لكن حظوظ نجاحه في إسقاط النظام معدومة، وذلك لعدّة أسباب. الأول تقديم الأطراف نفسها بوصفها تحالف أقليات عرقية وطائفية، الأمر الذي سيؤدّي إلى نتائج معاكسة، أهمها استنفار حسّ وطني سوري جامع للوقوف ضدّ تقسيم وتفكيك سورية. والثاني، الاستعانة المُعلَنة بإسرائيل، وقد شكرها الشيخ الهجري صراحةً في بيانه أخيراً، ما أدّى إلى حالة غضب وإدانة داخلية عامّة. والثالث، هناك جهات عربية وإقليمية تدعم السلطة السورية، ومنها السعودية وقطر والأردن وتركيا، وترى أن من واجبها الوقوف إلى جانبها في هذه المرحلة كي تجتازها بأقلّ الخسائر، غير أن ذلك لن يتم على بياض كما حصل خلال الأشهر الماضية، وقد تقدّم بعض هؤلاء بنصائح صريحة كي تغيّر أسلوب إدارتها للملفّات الداخلية، وتشكّل بديلاً مقنعاً لمشاريع الإدارة الذاتية والانفصال، التي تتبنّاها بعض الأطراف الداخلية، بدعم من إسرائيل.

العربي الجديد

——————————–

 اللامركزية بوصفها ضرورةً سوريّة غير طائفية/ عمر قدور

السبت 2025/08/16

بعيداً عن الأضواء أعلنتْ، قبل حوالي أسبوع، حملةُ “لعيونك يا حلب” عن قرب إطلاق أول مستشفىً خيري في المحافظة، بالتعاون مع “الجمعية الطبية السورية الأميركية”. الحملة كانت قد انطلقت في نهاية شهر حزيران الفائت، وأعلنت عن العديد من المبادرات أو الإنجازات، مثل تنظيف بعض الأحياء وترميم بعض المدارس، والتطوع للمساعدة في تنظيم المرور… إلخ.

كما يُفهم من السياق، تعتمد الحملة الحلبية على التبرعات والمتطوِّعين. استمراريتها ونجاحها المتناسب مع الإمكانيات ربما حفّزا انطلاق حملة أُطلق عليها اسم “أربعاء حمص”، حيث أمكن جمع تبرعات بقيمة حوالي 13 مليون دولار في انطلاق الحملة الحمصية التي شهدت بهرجة إعلامية حكومية، بخلاف نظيرتها الحلبية. الأخبار كانت في الوقت نفسه تأتي من الغاب والساحل عن الحرائق الواسعة المدعومة بارتفاع شديد في درجات الحرارة، ومن بين الصور المؤلمة وردت صور أهالي تلك المناطق الذين اندفعوا لإطفاء حرائق الغابات بأدواتهم البدائية، أو لتقديم الدعم للذين يقومون بالإطفاء.

هذه مجرد أمثلة، متواضعة بطبيعة الحال، عن مبادرات مجتمعية. من أسباب تواضعها أنها جاءت بعد دمار شديد جداً أنهك البشر والحجر، وعدم دخول البلد في حالة استقرار سياسي واقتصادي وأمني. وهو الأمر الذي يلجم العديد من المبادرات؛ الداخلية والخارجية. والجدير بالتذكير أن ستة عقود من حكم البعث والأسد أجهزت على روح المبادرة التي تنتعش ضمن نمط سياسي مختلف عن حكم العسكر والمخابرات؛ بل هناك حالات معروفة اعتُقل فيها أصحاب مبادرات، منها مثلاً اعتقال ناشطين في داريّا قبل الثورة.

الحكم المركزي، في واحد من وجوهه، يقضي على المبادرات المجتمعية، ليصبح المجتمع بأكمله في حالة انتظار لما يصدر عن السلطة. السلطة المركزية نفسها، بغياب روح المبادرة، تتحول إلى مستحاثة بيروقراطية في أحسن الأحوال. ذلك سينعكس على كافة الأصعدة، لخضوعها جميعاً لمبدأ المركزية، فالتنمية غير المتوازنة نتيجة أخرى منطقية، سواءً كانت بسبب تخطيط مركزي أو بسبب تفضيل رأس المال القرب من مركز السلطة، والشراكة الإجبارية بين الجانبين يعرفها السوريون جيداً.

لا مبالغة في القول إن المركزية هي أمّ الكوارث، وهي بطبيعتها أمّ أنظمة الاستبداد. الديموقراطية في بداياتها كانت كسراً لما تعنيه المركزية لجهة احتكار السلطة، عبر تداول الأخيرة. إلا أن الديموقراطيات بمعظمها اتجهت إلى كسر الاحتكار عبر إعادة توزيع السلطة، من رأس الهرم إلى قاعدته، بحيث تكون السلطات أكثر تشاركية.

ثمة نماذج لامركزية توحيدية؛ أي إنها قامت أساساً على اتحاد المختلفين إثنياً أو دينياً، (أو حتى بلا اختلاف ديني وإثني كما هو حال دولة الإمارات العربية)، وثمة نماذج لديموقراطيات مركزية اتجهت إلى اللامركزية. مشكلة سوريا أنها اليوم عالقة في الخيار الأول، فلا هو قيد التحقيق، بل يبدو دونه الكثير من الدماء، ولا يسمح أيضاً بفتح نقاش معمم حول الخيار الثاني؛ أي في اللامركزية السورية بوصفها ضرورةً وطنية غير طائفية.

لقد وصل الأمر، في عهد قريب، ببعض من الذين هم الآن في السلطة إلى التنظير للكيان السنّي، عندما كان الكيان العتيد يقتصر على إدلب. هذا نموذج واقع تحت ضغط الظروف، مثلما هو الحديث اليوم عن كيان درزي في السويداء، فالدافع في الحالتين هو القطيعة المستحكمة مع المركز. والقطيعة التي تأخذ هذا المنحى الراديكالي تنجم دائماً عن منطق الاستئثار والهيمنة؛ هذا ما كان عليه الحال عندما احتكر الأسد المركز، وهذا هو الحال أيضاً مع الذين ينظرون إلى التغيير في سوريا على أنه تغيير في مَن يستحوذ على المركز، لا في فكرة المركز من أساسها.

هناك مسؤولية في المقام الأول على الجهة الممسكة بالمركز، وتريد إخضاع البلد لهيمنتها، وهي حالياً السلطة التي تسلمته بعد الثامن من كانون الأول/ ديسمبر، وتقدّم نفسها على نحوٍ مباشر أو غير مباشر بصفتها ممثّلةً للعرب السنّة بوصفهم الأكثرية العددية. يلقى توجّه السلطة دعماً من بعض الشرائح على أساس ضحل، مفاده استنكار دعوات اللامركزية عندما عاد الحكم إلى الأكثرية السنية، وهو ما يُستنتج منه أن اللامركزية مؤامرة على السنّة. هذا المنطق الشكلاني يحجب عدم امتلاك السوريين جميعاً خلال العقود السابقة الحق في تقرير النظام السياسي الذي يريدونه، ويتجاهل أيضاً حق السنّة أنفسهم في نظام تشاركي لامركزي.

من جهتها، لا تقصّر الدعوات إلى اللامركزية في إقامة فصل ثقافي بين أصحابها والأكثرية السنية، في أحسن الأحوال بفهم شعبية السلطة الحالية بوصفها خياراً ثقافياً، وفي أسوئها عبر الأقوال الصريحة التي تنصّ على استحالة العيش مع السنّة، كأن الأخيرين كتلة منسجمة ذات خصائص ثابتة لا تحول ولا تزول. ومع أن هذه الدعوات تُطرح غالباً بوصفها خياراً أرحم من الانفصال، إلا أن ما تنطوي عليه من فصل ثقافي يشير عملياً إلى انفصال أبعد من فكرة اللامركزية، فضلاً عن أن الطرح نفسه يستبعد تلقائياً النقاش في اللامركزية بوصفها حاجةً للأكثرية، وفي المحصلة بوصفها حاجةً وطنية لعموم السوريين.

واقعياً، حاجة حلب (مثلاً) إلى اللامركزية ليست أقل من حاجة السويداء أو القامشلي أو اللاذقية؛ بل إن ثقل المحافظة الاقتصادي والسكاني يجعل من اللامركزية أشد إلحاحاً، فوق أنه يعفي المركز من عبء الانشغال بما يُستحسن أن يُترك لأهلها. يجدر التنويه بأن الوجه الآخر للمركزية هو تزايد العبء على المركز، وذلك لا يكون مرغوباً فيه عادةً إلا عندما يكون في المقابل سبيلاً لتحقيق المكاسب الاقتصادية والسلطوية في آن معاً.

وبما يخصّ المركز بوصفه “مكاناً”، دمشق في حالتنا، فهو يدفع ثمن المركزية لأن الطامحين يريدونه على نية الاستحواذ والتغيير. أما تمركز الوظائف العامة، وإلى حد كبير النشاط الاقتصادي، فسيدفع بالملايين إلى مدينة غير مهيَّأة لاستقبالهم؛ أي إنها ستدفع ثمن التنمية غير المتوازنة، برغم أنها تحظى ظاهرياً بالمحاباة. في مثال قريب، كنا قد أشرنا في مقال عن مذكرات التفاهم الاقتصادية الأخيرة إلى تركيز الاستثمارات في دمشق، وإذا صحّت الأرقام المعلنة، عن أكثر من مليون فرصة عمل، فذلك سيعني تدفق العمال مع أسرهم، بسبب مشاريع ليس لها أصلاً طابع استثماري مستدام، وهو ما سيولد مشاكل مستقبلية جمّة.

قد تكون الإشارة واجبة إلى الربط الشائع بين المركزية والدولة القوية، بخلاف ما تثبته تجارب عالمية كبرى لبلدان لامركزية وقوية بكافة المعايير. وفي الحالة السورية، وهي حالة تأسيسية بحكم الأمر الواقع، يصعب تخيُّل إعادة بناء دولة من دون عملية تشاركية على نطاق واسع، إلا إذا كانت على غرار دولة الأسد التي كان شكل انهيارها أفضل برهان على الأفق المسدود الذي وصلت إليه.

ينبغي للأكثرية العددية ألا تهاب اللامركزية، لأنها ستحكم نفسها بنفسها بواسطتها أيضاً، وهي الأقدر على مواجهة لامركزية الطوائف بلامركزية ذات أفق وطني جامع. السير في هذا السبيل ليس شأناً سورياً بالمعنى الضيق، لأنه في النهاية هو المسار المرشَّح ليكون الأنسب للإقليم ككل، ولأن تقدُّم اللامركزية في بلدان الإقليم سيكون خطوة في اتجاه انفتاحها وتكاملها. تستعيد سوريا مكانتها الإقليمية إذا قدّمت النموذج؛ هذا يتطلب مكابدةً شاقة على صعيد الفكر والواقع، إلا أن الخيارات الأخرى لم تثبت حتى الآن صلاحيتها، ولم تثبت أنها أقل مشقّة.

المدن

————————-

 حكاية الأكثرية والأقليات وصراع الأُمم في بلاد الشام/ ناصر زيدان

الجمعة 2025/08/15

يصرُف المُحللون وبعض الصحافة حبراً وفيراً في الكتابة عن الأقليات والأكثرية، وعن مظلوميات كل منهما في الصراع القائم، لا سيما في بلاد الشام “المنظورةِ والمنكوبة”، بينما لا يحتاج الموضوع الى مثل كل هذه المقاربات والمطولات، لأن التعابير والمفاهيم وتولَّيف الحكايات؛ تُستحضر وفقاً للسيناريو المرسوم وللنتيجة المنتظرة، في مشهديةٍ تتحكَّم فيها لعبة الأُمم ومصالح الدول الكبرى.

ولعلَّ أكثر ما سلَّط الضوء على الوضعية الراهنة، هو الإقتتال الذي جرى في أكثر من منطقة سورية، لا سيما في السويداء في الجنوب وفي جبلة في الساحل وفي المناطق الشمالية الشرقية من البلاد، إضافة إلى تفجير الكنائس ودور العبادة، وعمليات الإغتيال والسَبي التي حصلت خلال الأشهر الماضية. وكانت ذات الظاهرة طُرحت في العراق بُعيدَ مرحلة الغزو الأميركي، حيث طفت على سطح المفاهيم تعابير لم تكُن مستخدمة فيما سبق، لا سيما مفهوم “المكونات” الشعبية، ومَا هو حجم كلٍ منهم، أقصد؛ الشيعة والسنة والأكراد والمجموعات الأخرى من المسيحيين والأيزيدين والصائبة والكاكائيين.

وساهمت الأحداث المؤلمة التي حصلت في لبنان خلال العام الماضي من جراء العدوان الإسرائيلي، في استحضار لغة الضمانات التي يتحدث عنها حزب الله بمناسبة مطالبتهِ بتسليم سلاحه للقوى النظامية اللبنانية بموجب اتفاق وقف النار بتاريخ 27 تشرين الثاني/ نوفبر 2024، وما تضمنه من إشارات واضحة حول تطبيق القرارات الدولية ذات الصلة، لا سيما القرار 1701، والذي يتحدث بوضوح عن حصر امتلاك السلاح في لبنان بالقوى الحكومية من دون غيرها.

إسرائيل، كما الدول الاستعمارية السابقة والجديدة، تستغل ملف “الأقليات” لتنفيذ مآربها التوسعية والتفتيتية، ولإحداث شرخ بين مكونات الأمة. وهو ما اشتغلت عليه – ولو على شاكلة مختلفة – السلطنة العثمانية خلال 400 عام كانت “الخلافة” مُناطة بسلاطينها. وبالفعل، وبواقع الحال؛ هناك تباينات جوهرية في الرؤى بين قوى أساسية في بلاد ما بين النهرين والمنطقة الشامية، او ما يطلق عليها “سوريا الكبرى”، كذلك هناك تنوُّع ديني ومذهبي وإثني، يتم استغلاله بمناسبة الأحداث الكبيرة، وفي سياق رسم الخرائط وتوزيع النفوذ في كل زمان. والإشارة مفيدة في هذا السياق لما قامت به بريطانيا وفرنسا بُعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث أخلتا بوعودهما للملك فيصل الهاشمي، فأغدقت الأولى على الحركة الصهيونية بوعد “بلفور” الذي سبّب اغتصاب فلسطين، بينما قسَّمت الثانية سوريا الى أربع دويلات على أسس مذهبية.

العرب أمةٌ واحدة وليسوا أكثرية وأقليات. والأمة فيها تنوع طبيعي، أكد على احترامه الرسول العربي الكريم محمد (ص). والغساسنة المسيحيون دافعوا عن العروبة بما لا يقل عن دفاع المسلمين عنها، بينما الفِرق والمذاهب الإسلامية، لم تكن في أي يوم مضى موحدة في رؤاها السياسية. والصراعات الدموية، غالباً كانت تحصل في سياق السِباق على السلطة، بينما الاختلافات الفقهية والمذهبية لا تُفسد في الودِّ قضية. وما يثار اليوم عن أكثرية إسلامية “سُنية” دائماً ما كانت تواجه بتحالف الأقليات لمنعها من الحكم؛ غير صحيح على الإطلاق. فلا الأكثرية السنية موحدة، وهي مؤلفة من عدة مدارس فقهية (وهابية وأشعرية وصوفية وحنفية ومالكية)، ولا الفِرق الإسلامية الأخرى كانت على حالة من الوحدة السياسية المُتماسكة، حيث كان للشيعة عدة مرجعيات، بينما الموحدون الدروز كانوا مع السُنَّة كأمة وليس كطائفة، ولدى العلويين تنوع ولا يتحملون بمجملهم موبقات حكم آل الأسد، بينما عاون هؤلاء عدد كبير من السُنَّة.

تحاول إسرائيل في توجهاتها العدوانية المُتفاقمة، تسعير حِدَّة التباينات بين مكونات الأمة، وهي تتعاطى مع البدو كونهم قومية خاصة، ومع الدروز كونهم قومية أخرى ايضاً، بينما كل هؤلاء لا يتحدثون إلا العربية، حتى أن أسماءهم عربية بالكامل ويلفظون العربية بفصاحة متناهية.

تجربة الشهور الماضية للإدارة السورية الجديدة، كانت وبالاً على “الحكاية” وهي أعطت فرصاً لإسرائيل لتتدخل بعدوانية شرسة، وتحت شعاراتٍ انسانية واهية، للدفاع عن الأقليات، بينما هي مصدر الخطر الأساسي على الجميع. وبعض دوائر السلطة الجديدة في دمشق، بالغت في توظيف المجموعات المُتفلِّته لتأديب المُطالبين بالمزيد من الحريات والديمقراطية وباللامركزية، بما فيهم الفصائل الكردية في شمال شرق سوريا، وغالبية هؤلاء جاءوا من تركيا واحتضنهم العرب واستقبلوهم برحابة صدر، بعد أن تعرَّضوا للظلمِ في الأزمنة الماضية.

والفصائل الخارجة عن القانون “كما تصفهم الإدارة الجديدة”، هم بالفعل مَن يقود الحملات التأديبية البغيضة في مناطق تعيش فيها “أقليات إسلامية”، خصوصاً في الساحل، وفي السويداء التي انخرط أبناؤها في معارضة النظام السابق بشراسة متناهية قبل سقوطه. والمكونات السورية المُختلفة، بما فيهم أغلبية “سنية” في دمشق وحلب وحمص، متخوفون من تركيبة الجيش العربي السوري الجديدة، بينما ما زالت المجموعات المُتفلِّتة تسرح وتمرح، وتقود الأعمال الحربية بغطاء من الحكومة، مثل فصائل “الحمزات” و “العمشات”، وغالبية هؤلاء لا يعرفون العربية، وليس لهم أي عاطفة اتجاه التاريخ والحضارة العربيتين… الأكثرية إذا وجدت فهي حضنٌ فسيح، وليست مقصَلة، وفي الحالة الثانية؛ فإن الأقليات سيخافون بطبيعة الحال.

المدن

———————————–

مؤتمر الحسكة وانعكاساته على المشهد السوري الحالي/ سلطان الإبراهيم

مؤتمر “وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا” طالب بصياغة دستور سوري ديموقراطي

2025-08-16

عقد الأسبوع الماضي في مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا مؤتمر “وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا”، الذي ضم أكثر من 400 شخصية بينهم الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز حكمت الهجري، ورئيس المجلس الإسلامي العلوي غزال غزال، والرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إلهام أحمد، وبحث مستقبل العملية السياسية في وسوريا، والحاجة إلى دستور ديموقراطي وإطلاق مسار للعدالة الانتقالية، في خطوة أثارت جدلاً في أوساط السوريين، بين من اعتبر أنها ضرورة كخطوة نحو حوار وطني شامل لمعالجة الملفات الشائكة والأزمات المتلاحقة التي تشهدها البلاد، ومن أعلن عن رفضها في ظل هذه الظروف التي تمر بها البلاد، والمحاولات للوصول إلى أولى خطوات التعافي خلال المرحلة الانتقالية.

المؤتمر عقد في ظروف خاصة واستثنائية، أعقبت عمليات عسكرية وأعمال عنف في محافظة السويداء جنوبي البلاد، إثر دخول قوات وزارة الدفاع السورية وقوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية إلى المحافظة، وما تبع ذلك من انتهاكات طالت الآلاف تحدثت عنها تقارير حقوقية، ما جعل من الحوار الوطني الشامل الذي يشمل السوريين بجميع مكوناتهم وأطيافهم وتوجهاتهم مطلباً للخروج من الأوضاع التي تعيشها البلاد، والسير قدماً في عملية سياسية شاملة تضع حداً للعنف وتفتح الباب للتشاركية بين جميع القوى.

المطالبة بمشاركة أوسع وإطلاق مسار للعدالة الانتقالية

تضمّن البيان الختامي للمؤتمر أن “الإعلان الدستوري الحالي لا يلبي تطلعات الشعب السوري، ما يستدعي إعادة النظر فيه لضمان مشاركة أوسع وتمثيل عادل لجميع المكونات خلال المرحلة الانتقالية، مع التشديد على ضرورة ترسيخ التعدد القومي والديني والثقافي في البنى السياسية والإدارية، وأن تحقيق المصالحة الوطنية يتطلب إطلاق مسار فعلي للعدالة الانتقالية، يرتكز على كشف الحقائق والمساءلة وجبر الضرر دون تمييز، مع ضمان عدم تكرار الانتهاكات،

وشدد المجتمعون في بيانهم الختامي، على أن “الحل المستدام يمر عبر دستور ديموقراطي يعزز التنوع القومي والثقافي والديني، ويؤسس لدولة لا مركزية تضمن مشاركة حقيقية وشاملة لجميع المكونات في العملية السياسية والإدارية”، مطالبين بإعادة النظر في التقسيمات الإدارية الحالية بما يتوافق مع الواقع الديموغرافي والتنموي لسوريا، ويعكس الخصوصيات الجغرافية والتاريخية والثقافية للمجتمعات المحلية،  وعقد مؤتمر وطني سوري جامع وشامل، تشارك فيه مختلف القوى الوطنية والديموقراطية، بهدف رسم الهوية الوطنية الجامعة لكل السوريين”.

رفض حكومي

الحكومة السورية أعلنت رفضها القاطع للمؤتمر، وقال مصدر مسؤول فيها لقناة “الإخبارية” الرسمية بعد انعقاده إنه “يشكّل خرقاً واضحاً لاتفاق العاشر من آذار/ مارس الماضي بين الرئيس السوري أحمد الشرع، والقائد العام لقوات سوريا الديموقراطية مظلوم عبدي، ومحاولة لتدويل الملف السوري”، معتبراً أن “شكل الدولة لا يمكن أن يحسم عبر تفاهمات فئوية بل عبر دستور دائم يقر عبر الاستفتاء الشعبي، وأن الحكومة لن تجلس على طاولة التفاوض مع أي طرف يسعى لإحياء عهد النظام البائد”.

وأضاف المصدر، أن “الحكومة السورية تؤكد أن حق المواطنين في التجمع السلمي والحوار البنّاء، سواء على مستوى مناطقهم أو على المستوى الوطني، هو حق مصون تضمنه الدولة وتشجّع عليه، شريطة أن يكون في إطار المشروع الوطني الجامع الذي يلتف حول وحدة سوريا أرضاً وشعباً وسيادة، وأن للمجموعات الدينية أو القومية كامل الحق في التعبير عن رؤاها السياسية وعقد اجتماعاتها وتأسيس أحزابها ضمن الأطر القانونية الوطنية، شريطة أن يكون نشاطها سلمياً، وألا تحمل السلاح في مواجهة الدولة، وألا تفرض رؤيتها على شكل الدولة السورية.

يرى الكاتب السياسي السوري درويش خليفة المقيم في تركيا، أن “دعوة قسد لمؤتمر مكونات شمال وشرق سوريا، ومشاركة شيخ عقل الطائفة الدرزية حكمت الهجري الذي كان ينسق مع إسرائيل، ورئيس المجلس الإسلامي العلوي غزال غزال، أدى لردة فعل رافضة وقاسية إلى حد ما من قبل الحكومة السورية تجاه هذا المؤتمر، رغم أن موقف دمشق بدا من خلال البيان الذي أصدرته، أنه متقبل لعقد مؤتمرات واجتماعات تشارك فيها قوى وأطراف سورية”.

ويؤكد خلال تصريحات لـ”963+”، أن “مثل هذه المؤتمرات في حال تكرار انعقادها سواءً في داخل سوريا أو خارجها، سيعطي انطباعاً للدول المهتمة بالشأن السوري أن هناك انقساماً سياسياً واجتماعياً واضحاً في البلاد، وبالتالي قد يدفع ذلك هذه الدول للتراجع عن تقديم الدعم لسوريا الجديدة أو الاستثمار فيها، أو إقامة علاقات قوية ومتماسكة معها”.

بادرة وطنية

من جانبه، يعتبر مسؤول العلاقات العامة في مركز “الفرات” للدراسات وليد جولي، أن “عقد مؤتمر مكونات شمال وشرق سوريا، جاء كبادرة وطنية تهدف إلى إبراز موقف المكونات من مجمل القضايا التي تمر بها سوريا، خاصةً بعد سقوط نظام بشار الأسد، وما تبعه من تغير في طبيعة التعاطي السياسي مع الملف السوري على المستويات الداخلية والإقليمية والدولية”، لافتاً خلال تصريحات لـ”963+”، إلى أن “التطورات اللاحقة وسلوكيات حكومة دمشق، أظهرت ميلاً واضحاً نحو الاستفراد بالقرار السياسي وتجاهل مبدأ الشراكة الوطنية، من خلال خطوات مثل الإعلان الدستوري وتشكيل الحكومة، إلى جانب وقائع أخرى مسّت مكونات في الساحل والجنوب”.

وفي أعقاب المؤتمر وبعد إعلان الحكومة السورية إلغاء المشاركة في الاجتماعات مع قوات سوريا الديموقراطية (قسد) المقررة في العاصمة الفرنسية باريس، زار وفد من الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا برئاسة الرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية إلهام أحمد، العاصمة دمشق، وأجرى محادثات مع مسؤولين في الحكومة، قالت تقارير إعلامية إنها كانت إيجابية جداً، وبحثت استكمال تطبيق العاشر من مارس.

اتفاق العاشر من آذار

وبشأن مدى انعكاس مؤتمر الحسكة على تطبيق اتفاق العاشر من آذار/ مارس، بين الرئيس السوري أحمد الشرع، والقائد العام لقوات سوريا الديموقراطية (قسد) الجنرال مظلوم عبدي، يشير خليفة، إلى أنه “من غير المتوقع أن يؤثر المؤتمر على الاتفاق، لأنه حصل برعاية أميركية وذلك سيستمر وبرضا من الطرفين حتى وإن كان غير مقنع لهما، حيث سيقدران أن الولايات المتحدة تسعى لفرض حلول سلمية في سوريا ومنع عودة الفوضى ونشوء مجموعات متطرفة أو محسوبة على المحور الإيراني”.

ويقول جولي، إن “الكونفرانس جاء ليؤكد على رؤية مشتركة لشكل الدولة السورية المستقبلية، قائمة على الشراكة الفعلية بين جميع الشرائح المكونات، ضمن نظام ديمقراطي لا مركزي يضمن الحقوق ويصون التعددية، وفتح الباب أمام مراجعة جديّة للمواقف الدولية والإقليمية تجاه واقع الأزمة السورية، وأثبت استحالة عودة البلاد إلى الحكم الأحادي الذي قادها إلى أزماتها الحالية، كما منح فرصة لأطراف وأصوات سورية كانت مغيبة للانخراط في مسار وطني جامع، من شأنه أن يتطور إلى مؤتمر وطني شامل”.

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع، والقائد العام لقوات سوريا الديموقراطية الجنرال مظلوم عبدي، قد وقعا في العاشر من مارس، اتفاقاً من ثمانية بنود، تضمنت دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا بما في ذلك مطار القامشلي والمعابر الحدودية وآبار النفط والغاز بالدولة السورية، وأكد الطرفان لاحقاً التزامهما بتطبيق الاتفاق، رغم عدم إحراز تقدم ملموس في تطبيق بنوده.

+963

———————–

أيها السوريون: انتظروا الجحيم إذا لم تصحوا/ د. فيصل القاسم

16 آب 2025

هناك حقيقة واحدة لا تحتاج إلى لجان تحقيق ولا مؤتمرات حوار وطني: سوريا، بعد كل ما جرى، ما زالت، كغيرها من الكيانات المسماة دولاً عربية، تعيش بعقلية ما قبل الدولة… وبكثير. نحن لا نتحدث عن خلل بسيط في الإدارة أو الفساد أو سوء التخطيط. نحن نتحدث عن مجتمع سياسي واجتماعي وثقافي وديني بأكمله يرفض ـ عن قصد ـ أن ينتقل إلى مرحلة الدولة، وكأنه مهووس بالبقاء في غابة الطوائف والمذاهب والأديان والأعراق والقوميات والعصابات والفصائل. من المؤلم أن نقرّ بأن سوريا، بعد أكثر من عقد من الدماء والخراب وقبله عقود من الحكم الشمولي، لم تقترب حتى من عتبة عقلية المواطنة. لا سلطة ولا معارضة، ولا مكوّن سياسي أو اجتماعي أو ديني، استطاع أن يتجاوز أنانياته العصبوية أو يضع مصلحة الوطن فوق مصالح الطائفة والعشيرة والحزب والفصيل. الجميع دون استثناء ما زالوا غارقين في جاهلية سياسية، حتى الكثير ممن ظنناهم «مثقفين».

هذه الذهنية المريضة ليست مجرد عثرة في طريق النهوض، بل هي العائق الأكبر أمام أي مستقبل مستقر. فما دامت العصبيات القاتلة تحكم العقول والقلوب، فلن يكون هناك دستور عادل، ولا مؤسسات مستقلة، ولا قضاء نزيه، ولا جيش وطني موحد، بل ستكون الساحة مفتوحة أمام صراعات لا تنتهي.

من المسؤول إلى المعارض، من زعيم الميليشيا إلى شيخ العشيرة أو الطائفة، من قائد الفصيل إلى المثقف المتخم بالشعارات الفارغة… الكل يسبح في مستنقع العصبيات المريضة. لا أحد يفكر كمواطن في دولة، بل كفرد من طائفة أو مذهب أو قبيلة أو حزب أو شبكة مصالح. عقلية «أنا ومن بعدي الطوفان» صارت عقيدة وطنية غير مكتوبة، لكن الجميع يحفظها عن ظهر قلب.

هذه العقلية ليست مجرد خلل يمكن إصلاحه بانتخابات أو دستور جديد. إنها فيروس فتاك يدمّر أي محاولة للنهضة قبل أن تولد. لأن الدولة، أي دولة، لا يمكن أن تقوم إذا كانت الهوية الطائفية أو الدينية أو العشائرية أو الفصائلية أهم من الهوية الوطنية. وما دامت هذه القاعدة تحكم العقول، والجميع يستغلها ويتاجر بها، فإن أي علم سيرفرف في سماء سوريا سيكون مجرّد خرقة ملوّنة فوق أنقاض.

وما نراه اليوم من اشتباكات وصراعات داخلية، رغم وحشيته، هو مجرد بروفة رديئة للجحيم القادم. اليوم، ما زالت هناك بقايا «خطوط حمراء» شكلية تمنع الانفجار الشامل. لكن حين تنهار تلك البقايا ـ وهي ستنهار عاجلاً أو آجلاً إذا لم تصحوا ـ ستشتعل الحروب بين المدن وداخلها، ثم بين الأحياء، ثم بين الشوارع، ثم داخل البيوت. حينها لن نرى حرباً بين «النظام» و«المعارضة»، بل سنرى حروباً أفقية وعمودية، طائفية وداخل طائفية ومذهبية ومناطقية، سياسية واقتصادية، وحتى عائلية. في الجحيم الحقيقي لا توجد مناطق آمنة، ولا «خطوط تماس» تحفظك، ولا عصابة أو طائفة تحميك. النار ستأكل الكل، وبالعدل التام هذه المرة. وما رأيناه في الساحل والسويداء كان ناقوس خطر مرعباً بكل المقاييس. إذاً نحن مازلنا في مرحلة المقبلات على وحشيتها وهمجيتها، إذا استمرت هذه العقلية المنحطة في حكم المشهد. حين ينهار ما تبقى من ضوابط ـ ولو شكلية ـ وتغيب أي مرجعية جامعة، ستتحول البلاد إلى ساحة حرب دائمة، وستصبح جرائم اليوم التي نراها على الشاشات مجرد ذكريات باهتة أمام حجم الفوضى والانهيار القادم. حينها سيتمنى الناس لو عادوا إلى هذه «الأيام السوداء» التي كانوا يظنونها قمة المأساة، وسيدركون ـ بعد فوات الأوان ـ أنهم كانوا يعيشون في نصف الجحيم، قبل أن يغرقوا في الجحيم الكامل.

والأغرب أن هذا الانهيار لن يكون نتيجة مؤامرة خارجية بحتة. نعم، سيأتي الغرب والشرق ليصطادوا في الماء العكر، لكن المادة الخام للفوضى هي إنتاج محلي 100٪، لأننا صنعناها بأيدينا كل يوم، وفرشنا الطريق بالدم والجهل والتعصب والطائفية. نحن الذين غذّينا العصبيات، نحن الذين فرّغنا فكرة الدولة من معناها، نحن الذين استبدلنا المواطنة بالولاء الأعمى، نحن الذين أبدعنا في صناعة الزعامات والمشيخات الورقية والمقدسات الوهمية. هذه العقلية هي التي ستقود سوريا إلى نقطة اللاعودة، إن لم يتم كسرها بوعي جمعي جديد، وإرادة صلبة لتأسيس دولة تحترم الإنسان قبل أي شيء آخر.

تذكروا هذه الجملة جيداً: «الأيام بيننا»… إلا إذا استخدمنا مكابحنا الطائفية والمذهبية والاجتماعية والدينية والعشائرية، واستخدمنا عقولنا، وحكّمنا ضمائرنا، وفكرنا كسوريين وليس كطوائف وأديان ومذاهب وعشائر وأفخاذ وملل ونحل. إني خيّرتكم فاختاروا!

كاتب واعلامي سوري

القدس العربي

—————————-

قسد” تشن حملة مداهمات واسعة في دير الزور وتصعد مواجهاتها مع الجيش السوري/ محمد كركص

16 اغسطس 2025

نفذت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، بعد منتصف ليل الجمعة وحتى ساعات صباح اليوم السبت، حملة مداهمات واسعة في بلدة غرانيج ضمن منطقة الشعيطات في ريف دير الزور الشرقي، شرقي سورية، طاولت أيضاً أجزاء من بلدة الكشكية، وسط توتر متصاعد في المنطقة. وقال مصدر محلي لـ”العربي الجديد”، إنّ “قسد” اعتقلت عشرات المدنيين واعتدت بالضرب على رجل مسن وزوجته، فيما أقدم عناصرها على تكسير أبواب وممتلكات منازل وترويع الأهالي.

وأوضح المصدر أن المداهمات شملت أحياء المحاريج والصالح العلي الملاصق لنهر الفرات، إضافة إلى حي شيبان. كما وصلت تعزيزات عسكرية تابعة لـ”قسد” إلى منطقة الشعيطات، ما جعلها أشبه بالمحاصرة، في ظل مخاوف متزايدة لدى السكان من استمرار الحملة ضد المدنيين. من جهتها، أعلنت “قسد”، عبر بيان، نشرته على موقعها الرسمي، أنّ قوات مجلس دير الزور العسكري تمكّنت من “تحرير أربعة من مقاتليها بعد أن اختطفتهم خلية يُشتبه بارتباطها بتنظيم داعش أثناء وجودهم في مركز صحي ببلدة غرانيج لتلقي العلاج، يوم الأربعاء الماضي”، مؤكدة أن العملية الأمنية “مستمرة حتى القضاء الكامل على الخلية الإرهابية”، وفق تعبيرها.

وكانت “قسد” فد قالت، في بيان سابق، أول أمس الخميس، إنّ “مجموعة مكونة من أربعة مقاتلين تعرضت مساء الأربعاء لعملية إرهابية أثناء وجودها في إحدى صيدليات غرانيج لتلقي العلاج”، مشيرة إلى أنها نفذت عملية عسكرية أسفرت عن مقتل أحد الخاطفين وإصابة ثلاثة آخرين، متوعدة بأن “أي اعتداء على عناصرها أو الأهالي لن يمر دون رد قاسٍ وحاسم”.

في سياق آخر، أصيب قيادي في استخبارات “قسد” يدعى دجوار، وهو أحد قادة حزب العمال الكردستاني، جراء استهدافه بطائرة مسيّرة مجهولة في مدينة الطبقة بريف الرقة الغربي شمال شرقي سورية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة لـ”العربي الجديد”. كما قُتل عنصر من “قسد” وأصيب اثنان بجروح خطيرة، إثر محاولة تسلل على مواقع الجيش السوري في محور قرية اليبوحمد شرق الرقة. وفي وقت سابق الثلاثاء، قُتل جندي من الجيش السوري خلال محاولتي تسلل لعناصر “قسد” على محاور تل ماعز بريف منبج شرقي حلب.

واعتبرت وزارة الدفاع السورية أنّ هذا التصعيد يأتي بالتوازي مع استهداف “قسد” لمواقع الجيش في منطقتي منبج ودير حافر بريف حلب، وإغلاق بعض الطرق أمام الأهالي في “خرق للتفاهمات المبرمة مع الحكومة السورية”. وذكرت شبكات إخبارية محلية أن اشتباكات بالأسلحة المتوسطة والثقيلة اندلعت مساء الأربعاء بين الطرفين، عقب استهداف “قسد” نقطة عسكرية للجيش في مدينة دير الزور.

وفي 10 مارس/ آذار الماضي، وقع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مظلوم عبدي، اتفاقاً يقضي بدمج كل المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية في إطار الدولة السورية. ونشرت الرئاسة السورية بياناً حينها وقعه الشرع وعبدي جاء فيه أنه تم الاتفاق على “دمج كل المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سورية ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز”.

———————————-

دير الزور.. “قسد” تحاصر غرانيج بعد الانسحاب منها

داهمت “قوات سوريا الديمقراطية” فجر اليوم، 16 من آب، بلدة غرانيج في ريف دير الزور الشرقي.

وأسفرت الحملة العسكرية التي شنتها “قسد” على البلدة عن اعتقال 30 مدنيًا، وحرق منزل القيادي السابق في مجلس هجين العسكري، “أبو الحارث الشعيطي”.

مراسل عنب بلدي في دير الزور قال إن القوات المهاجمة انسحبت فجر اليوم، من داخل البلدة ونصبت حواجز على جميع المداخل، ما أدى إلى منع حركة الدخول والخروج من وإلى البلدة.

وبالرغم من عودة بعض المحلات التجارية للعمل، إلا أن “قسد” منعت دخول سيارات الخضروات أو المواد الغذائية إلى داخل غرانيج، بحسب المراسل.

حملة أمنية

أعلنت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) تحرير عناصر تابعين لها اختطفوا في ريف دير الزور الشرقي.

وذكرت “قسد” عبر صفحتها على “فيسبوك”، مساء الجمعة 15 من آب، أن قوات “مجلس دير الزور العسكري” (التابعة لـ”قسد”) استطاعت تحرير أربعة من مقاتليها، بعد أن اختطفتهم خلية يشتبه ارتباطها بتنظيم “الدولة”.

وأضافت أن عملية الاختطاف تمت خلال وجود العناصر في مركز صحي ببلدة غرانيج لتلقي العلاج خارج نطاق مهامهم الرسمية، الأربعاء الماضي.

مراسل عنب بلدي في دير الزور قال إن رتلًا مؤلفًا من أكثر من 100 عربة ومدرعة لـ”قسد” حاصر بلدة غرانيج، وبدأ بتنفيذ حملة مداهمات هي الأكبر من نوعها، معززة بطائرات الاستطلاع (درون) تستهدف بلدتي غرانيج والكشكية، بالتزامن مع نصب حواجز وكمائن في بلدة غرانيج.

كما قامت “قسد”، بحسب مراسل عنب بلدي، بتعزيز نقاطها على سرير نهر الفرات للقبض على من كل من يحاول عبور النهر من وإلى مناطق الحكومة السورية.

وبدأ عناصر “قسد” بتفتيش البيوت في حي المحاريج بالكامل، واستهدفت العمليات أيضًا حي الصالح العلي في بلدة غرانيج، وترافقت هذه المداهمات بإطلاق نار كثيف، وسط حالة من الخوف بين المدنيين، بحسب المراسل.

وذكر مراسل عنب بلدي أن عناصر من “قسد” اقتحموا منازل المدنيين واعتدوا على بعضهم بالضرب.

كما نشرت “قسد” قوات عسكرية في بلدات جديد بكارة وجديد عكيدات والدحلة بريف دير الزور الشرقي

———————-

======================

تخديث 15 آب 2025

—————————–

كيف سترد إسرائيل على الاتفاق العسكري التركي – السوري؟/ عمر اونهون

تقارن تل أبيب بين نفوذ أنقرة المتصاعد في سوريا ونفوذ إيران السابق

آخر تحديث 15 أغسطس 2025

يتواصل التوتر في سوريا مع تصاعد الاشتباكات بين الجيش السوري والعشائر العربية من جهة، والدروز في السويداء من جهة أخرى، في حين تعثرت المفاوضات بين دمشق والأكراد.

في الثامن من أغسطس/آب، وخلال مؤتمر “الموقف المشترك” الذي عُقد في الحسكة بمبادرة من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي تشكل “وحدات حماية الشعب” الكردية عمودها الرئيس، وبمشاركة زعيم الدروز حكمت الهجري، ورئيس المجلس الأعلى للعلويين السوريين غزال غزال عبر الإنترنت، أعلن المشاركون أن استقرار سوريا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال نظام حكم لا مركزي.

في ضوء هذه التطورات، يرى كثير من السوريين أن النقاش حول مستقبل بلادهم لم يعد يتمحور حول ما إذا كانت سوريا ستنقسم على نفسها، بل حول ما إذا كان من الممكن إعادة توحيدها أصلاً.

وتشهد الساحة السورية حاليًا حركة نشطة على المستويين العسكري والدبلوماسي. وردًا على نتائج اجتماع الحسكة، أعلنت الحكومة السورية رفضها المشاركة في أي لقاء مع الأكراد خارج دمشق، سواء في باريس أو غيرها. كما نشر الجيش السوري قواته في مناطق محددة في الشمال الشرقي، وسط تقارير عن اشتباكات متقطعة بينه وبين “قسد” على امتداد المناطق المحاذية لنهر الفرات وفي دير الزور.

بعد أسبوع من زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق في السابع من أغسطس/آب، ولقائه الرئيس أحمد الشرع ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، والرئيس أحمد الشرع، توجه وفد سوري يضم وزريري الخارجية والدفاع ورئيس جهاز المخابرات إلى أنقرة. ووقع وزيرا الدفاع في البلدين مذكرة تفاهم بشأن “التدريب المشترك والتنسيق الاستشاري” بين القوات المسلحة.

تهدف المذكرة إلى تطوير وتحديث قدرات الجيش السوري من خلال تبادل منتظم للكوادر العسكرية، وتنظيم تدريبات متخصصة في مجالات مكافحة الإرهاب، وإزالة الألغام، واللوجستيات، وعمليات حفظ السلام.

وعقد الوزيران مؤتمرًا صحافيًا عرضا فيه سياق المباحثات المكثفة، وأظهرا جبهة موحدة مهّدت لتوقيع المذكرة. ووجّه وزير الخارجية التركي انتقادات لـ “قسد” وإسرائيل، مشيرًا إلى أن القوات الكردية لم تفِ بالتزاماتها التي تعهدت بها في اتفاق 10 مارس/آذار، وأنها تماطل، وأن إسرائيل تمثل العقبة الأساسية في الملف السوري. وحذر من أن تركيا لن تواصل ما وصفه بتحمّل الخداع، ملمحًا بوضوح إلى خيارات عسكرية محتملة.

من جهته، قال وزير الخارجية السوري شيباني إن الهجمات الإسرائيلية تستهدف سيادة سوريا وتسعى لإشعال الصراعات الطائفية داخلها.

وتتجلى الأزمة السورية في ثلاثة محاور متشابكة:

أولها قانوني وإداري، حيث وعدت إدارة الشرع بوضع أسس تضمن حقوق جميع المكونات السورية، غير أن هذا الوعد لم يتحول حتى الآن إلى خطوات عملية.

أما المحور الثاني، فيتعلق بمخاوف الأقليات التي لا تثق بـ”هيئة تحرير الشام” ذات التوجه السلفي، وتخشى ممارساتها المتشددة ولا ترغب في الخضوع لسلطتها.

بينما يرتبط المحور الثالث بتدخلات القوى الخارجية، إذ تسعى إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة وعدد من الدول العربية إلى توجيه مجريات الأحداث بما يخدم مصالحها.

وقد نجحت إسرائيل في إقصاء بشار الأسد وإخراج إيران من سوريا، إلا أنها لا تثق بالرئيس أحمد الشرع ولا بـ”هيئة تحرير الشام”. وتميل إلى الاعتقاد بأن “الهيئة” تنفذ هدنة مؤقتة استعدادًا لمعركة كبرى، وأنها ستوجه أسلحتها نحو إسرائيل حين تشعر بالقوة الكافية. ولهذا، ترى تل أبيب أن إبقاء سوريا في حالة ضعف وتفكك يخدم مصالحها، وتدعم لهذا الغرض بعض الجماعات الأقلوية وتشجعها على الابتعاد عن الحكومة المركزية.

أما تركيا، فتنطلق من اعتبارات ذاتية مختلفة. إذ ترى أن قيام نظام لا مركزي أو توقيع اتفاقيات تمنح الأكراد وضعًا خاصًا، سيؤثر سلبًا على الداخل التركي، خصوصًا في ظل مبادرة “تركيا بلا إرهاب” والحديث عن تعديل الدستور.

ويظل خطر اندلاع حرب أهلية جديدة قائمًا في حال سعت أطراف سورية إلى فرض حلولها بالقوة، ما قد يقود إلى تقسيم محتمل، والأسوأ أن تتورط قوى إقليمية، مثل تركيا وإسرائيل، مباشرة في هذا النزاع.

وترصد الدولتان تحركات بعضهما بريبة. فبينما تعتقد إسرائيل أن أنقرة تدعم حركة “حماس” وتسعى لتطويقها عبر الساحة السورية، ترى تركيا أن إسرائيل تستخدم الورقة الكردية وتبني تحالفات مع اليونان والقبارصة اليونانيين في شرق البحر المتوسط، وتستغل نفوذها في الكونغرس والإدارة الأميركية لزيادة الضغط.

وشهدت العلاقات بين أنقرة وتل أبيب أزمات متكررة على مدى خمسة عشر عامًا، وتدهورت إلى أدنى مستوياتها، خصوصًا منذ احتلال إسرائيل لقطاع غزة. وتطغى على العلاقة بين الرئيس رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مشاعر عداء شخصية وأيديولوجية. وتعتبر أنقرة أن تصريحات نتنياهو حول تمسكه بخطة “إسرائيل الكبرى” تمثل تهديدًا مباشرًا.

وتقارن إسرائيل بين نفوذ تركيا المتصاعد في سوريا وعلاقاتها مع حكومة أحمد الشرع، وبين نفوذ إيران السابق، معتبرة أن أنقرة باتت تمثل خطرًا أكبر.

وتظل الولايات المتحدة الفاعل الأساسي في الملف السوري، ولا يزال قرار الرئيس دونالد ترمب بدعم حكومة الشرع ساريًا، على الأقل في الوقت الراهن. وبناءً على توجيهاته، يواصل السفير توم باراك، المبعوث الخاص إلى سوريا، جهوده لإيجاد حلول للأزمات القائمة.

كما تعمل واشنطن على منع حدوث مواجهة مباشرة بين حليفيها، تركيا وإسرائيل، ويُقال إن دبلوماسية نشطة تُمارَس خلف الكواليس لهذا الهدف.

وتعارض إسرائيل بشدة إقامة قواعد عسكرية تركية داخل سوريا. ويظل التساؤل مطروحًا حول ما إذا كانت أنقرة ودمشق ستتجهان إلى مثل هذه الخطوة في إطار تعاونهما العسكري، وكيف سيكون الرد الإسرائيلي، وهو ما يشكل اختبارًا فعليًا لتوازنات المنطقة.

منذ وصول ترمب إلى السلطة، شهدت العلاقات التركية-الأميركية تحسنًا ملحوظًا، وظل أردوغان من القادة المفضلين لديه، لكن من المعروف عن ترمب تقلبه في المواقف، وقد تتغير نظرته في أي لحظة.

وأكد مسؤولون أتراك كبار، في أكثر من مناسبة، أن أنقرة لن تتجاهل طلبات دمشق للدعم في حال حدوث تدخلات داخلية أو خارجية. غير أن أي تدخل عسكري تركي يحمل في طياته خطر الصدام مع الولايات المتحدة، ما قد يترتب عليه تكاليف باهظة، خصوصًا على اقتصاد يعاني أصلًا من صعوبات كبيرة في مسار التعافي.

أما إسرائيل، التي تخوض تحديات متزامنة على جبهات متعددة وتواجه ضغوطًا متزايدة داخليًا وخارجيًا، فستجد نفسها في وضع حرج إذا ما دخلت في مواجهة مباشرة. ورغم العداء الشديد بين الجانبين، لا تميل إسرائيل وتركيا عادة إلى خوض صراع مباشر، لكن في ظل كثرة الأطراف وتضارب المصالح في منطقة ضيقة، يبقى خطر الاشتعال قائمًا، حتى وإن كان محدودًا.

المجلة

—————————–

اشتباكات بين الجيش السوري و«قسد» وتركيا تعتزم دعمه بالسلاح

وكالات: تعتزم تركيا تزويد سوريا بأنظمة أسلحة ووسائل لوجستية وتدريب جيشها على استخدام هذه المعدات إذا لزم الأمر، وذلك إثر تصاعد التوترات العسكرية بين عناصر الحكومة في دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية»، وسط أنباء عن تحذير مسؤولين أمريكيين لـ«قسد» من أن «التحالف الدولي»، «قد لا يتمكن من حمايتها إذا قررت دمشق شن هجوم عسكري».

وفي خطوة أولى نحو اتفاق تعاون عسكري شامل تتفاوضان عليه منذ شهور، وقّعت تركيا وسوريا مذكرة تفاهم أول أمس الأربعاء بعد اجتماعات مكثفة بين وزراء خارجية ودفاع البلدين ورئيسي المخابرات.

وقال مصدر في وزارة الدفاع التركية في تصريحات للصحافيين «تستهدف المذكرة التنسيق والتخطيط للتدريب والتعاون العسكري وتقديم الاستشارات وتبادل المعلومات والخبرات وضمان شراء المعدات العسكرية وأنظمة الأسلحة والمواد اللوجستية والخدمات ذات الصلة».

وينفد صبر تركيا إزاء ما وصفته بعدم تنفيذ الاتفاق الذي تم التوصل إليه في مارس/ آذار بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية – التي يقودها الأكراد وتدعمها الولايات المتحدة – من أجل دمج «قوات سوريا الديمقراطية» في مؤسسات الدولة السورية.

وحذرت أنقرة من القيام بعمل عسكري ضد «قوات سوريا الديمقراطية» التي تعتبرها منظمة «إرهابية» ونفذت ضدها عمليات عبر الحدود في الماضي. وتتوقع تركيا أن تعالج الحكومة السورية مخاوفها الأمنية، لكنها تقول إنها تحتفظ بحق شن هجوم إذا لزم الأمر.

وقالت تركيا إن الاشتباكات بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات الحكومة السورية في وقت سابق من هذا الشهر، والمؤتمر الذي عقدته «قسد» للمطالبة بمراجعة الإعلان الدستوري السوري، تهدد سلامة أراضي البلاد.

وأوضح المصدر التركي أن قوات سوريا الديمقراطية لم تف بأي من الشروط المنصوص عليها في اتفاق مارس/ آذار مع دمشق. وجدد اتهام أنقرة لها بأن أفعالها «الاستفزازية والانفصالية» تقوّض الوحدة السياسية في سوريا». وقال «نتوقع الالتزام الكامل بالاتفاق الموقع وتنفيذه العاجل على أرض الواقع».

في غضون ذلك، أفاد موقع «ميدل إيست آي» أن تركيا والولايات المتحدة منحتا خلال اجتماع مع مسؤولي «قسد»، قائد قوات «سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي مهلة 30 يوماً لتسريع عملية الانضمام إلى دمشق، مشيراً إلى أن هذه المهلة ستنتهي خلال أيام.

ونقل الموقع عن مصدر إقليمي قوله إن المسؤولين الأمريكيين حذّروا «قسد» من أن التحالف الدولي «قد لا يتمكن من حمايتهم إذا قررت دمشق شن هجوم عسكري» في حال عدم الالتزام باتفاق 10 آذار/ مارس.

وقالت مصادر أمنية للموقع إن تركيا لن تتدخل بشكل مباشر ضد «قسد»، لكن القوات المسلحة التركية «قد تقدم دعماً غير مباشر لعملية محدودة تنفذها القوات السورية»، مضيفة أن «الاستعدادات لمثل هذه العملية قد أُنجزت بالفعل». وكشفت المصادر أن المبعوث الأمريكي الخاص، توم براك، طلب خلال اجتماعاته مع المسؤولين الأتراك في أنقرة «مزيداً من الوقت للجهود الدبلوماسية والمفاوضات مع قسد».

ووفقاً للمصادر، ردّ المسؤولون الأتراك بالقول: «إن القرار والصلاحية في هذا الشأن يعودان لحكومة دمشق، وإنه في إطار التعاون العسكري بين دمشق وتركيا وحساسية تركيا تجاه أمنها القومي، فإن أي طلب دعم من دمشق سيُقابَل بشكل إيجابي».

ويأتي ذلك على وقع توترات عسكرية في دير الزور، حيث اندلعت اشتباكات بين الجيش السوري و«قسد» في المدينة، وأخرى بين أبناء العشائر و«قسد» في الريف الشرقي من المحافظة، حسب ما أفاد «تلفزيون سوريا».

وأوضح أن اشتباكات بالأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية اندلعت ليلة الأربعاء – الخميس، بين الجيش السوري و«قسد»، على ضفتي نهر الفرات في الطرف الغربي من مدينة دير الزور.

وبيّن أن الاشتباكات جاءت بعد استهداف عناصر «قسد» المتمركزين على ضفة نهر الفرات في الريف الغربي، نقطة عسكرية يتمركز فيها الجيش السوري بالقرب من مستشفى القلب في مدينة دير الزور على الضفة المقابلة، ما أدى إلى إصابة بعض عناصر النقطة وصيادين من أبناء المنطقة. وردّت قوى الجيش بدورها على مصادر النيران. كذلك شهدت بلدة غرانيج في ريف دير الزور الشرقي اشتباكات عنيفة بين «قسد» ومسلحين من أبناء عشائر المنطقة.

ووفق «تلفزيون سوريا» فإن «قسد» استقدمت تعزيزات عسكرية ضخمة وحاصرت حي «الهايس» في البلدة، مضيفاً أن الاشتباكات أسفرت عن إصابة أكثر من 5 مدنيين، وسط أنباء تفيد بأسر مقاتلي العشائر 4 عناصر من «قسد».

في السياق، أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية»، تعرُّضَ مجموعةٍ من مقاتليها لهجومٍ «إرهابي»، في بلدة غرانيج في ريف دير الزور الشرقي.

وذكر مجلس دير الزور العسكري المنضوي في «قوات سوريا الديمقراطية» في بيان، أن القوات ردّت على الهجوم بعمليةٍ دقيقة، أسفرت عن مقتل أحد عناصر المجموعةِ المهاجمة، وإصابة ثلاثةٍ آخرين، مؤكداً أن العملية لا تزال مستمرة، وفقاً للخطة الميدانية الموضوعة، وأن أيَّ اعتداءٍ على المنطقة لن يمر دون ردٍّ حاسم.

وأعلن المجلس عن فتح تحقيقٍ فوريٍّ وشامل، لكشف ملابسات الحادث وتحديد الجهات المسؤولة عنه، مع الاحتفاظ بكافة المعلومات والتفاصيل المتعلقة بالواقعة، لحين استكمال التحقيق والإجراءات القانونية اللازمة.

وأكد في بيانه رفضَهُ القاطع لأي محاولاتٍ تهدّدُ أمنَ واستقرار المنطقة، مجدِّداً التزامه بملاحقة الإرهاب ومواصلة العمليات ضد كل مَن يهدّد حياة المواطنين ومكتسبات الشعب.

القدس العربي

—————————-

قسد” تبدأ بتشكيل خطوط دفاعية وهجومية شمال شرقي سورية/ محمد كركص

14 اغسطس 2025

أفادت مصادر مطلعة لـ”العربي الجديد”، بأن “قوات سوريا الديمقراطية (قسد)” شرعت في تجهيز خطوط دفاعية وهجومية على طول خطوط التماس مع الجيش السوري في أرياف دير الزور والحسكة والرقة وحلب شمالي وشمال شرقي سورية، استعداداً لأي هجوم محتمل وتحضيراً لشنّ عمليات تسلل على مواقع الجيش السوري في حال فشل المفاوضات مع حكومة دمشق.

وأوضحت المصادر ذاتها أن “قسد” بدأت بإنشاء ثلاثة خطوط دفاعية تشمل أسلحة ثقيلة ومتوسطة، وسواتر ترابية، وحقول ألغام، إضافة إلى تجهيز مجموعات قتالية هجومية مخصصة لتنفيذ عمليات تسلل تستهدف كشف مواقع الجيش السوري على طول خطوط التماس. وتشمل هذه التحضيرات مناطق العبّارات النهرية في ريف دير الزور الشرقي والغربي على طول نهر الفرات، وصولاً إلى مدينة الباغوز قرب الحدود السورية العراقية، إضافة إلى ريف حلب الشرقي، ومنطقة عين عيسى شمالي الرقة، وتخوم رأس العين شمال الحسكة.

وأشارت المصادر إلى أن التحركات العسكرية جاءت بعد فشل مفاوضات باريس مع حكومة دمشق، وعقد مؤتمر “وحدة موقف المكونات” في المركز الثقافي بمدينة الحسكة، يوم الجمعة الماضي، بمشاركة أكثر من 400 شخصية من “الإدارة الذاتية”، والمؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية، وممثلين عن مكونات شمال شرقي سورية. ورصدت قوات الجيش مجموعات لـ”قسد” تعمل على زراعة الألغام قرب خطوط التماس، وحفر أنفاق وخنادق ضمن مناطق سيطرتها، في مؤشر على استعدادها العسكري المتزايد.

في الأثناء، أكد مصدران من فرقتين تابعتين للجيش السوري لـ”العربي الجديد”، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لأسباب أمنية، أن بعض فرق الجيش بدأت بتجهيز قواتها وعتادها لمواجهة أي عمليات تسلل أو هجمات محتملة من قبل “قسد” في ريف حلب الشرقي، وريف دير الزور الشرقي والغربي، وريف الحسكة الشمالي، وريف الرقة الشمالي. وأوضح المصدران أن التجهيز يشمل كامل خطوط التماس، خصوصاً بعد استمرار “قسد” في خرق اتفاق مارس/ آذار المبرم بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، وشنّ هجمات متفرقة على مواقع الجيش في ريف حلب، أدت إلى مقتل جندي سوري وإصابة مدنيين وعسكريين.

وكان الشيخ فرج الحمود الفرج السلامة، أحد شيوخ عشيرة الناصر البوشعبان، قد أعلن يوم الاثنين الماضي، النفير العام لمقاتلة “قسد”، داعياً باقي شيوخ قبيلته إلى تأكيد مشاركتهم في المعارك، موضحاً أنه سيتولى قيادة العمليات بنفسه. كذلك أصدرت عشيرة الصعب بياناً مماثلاً، أعلنت فيه النفير العام، ووقّعه الشيخ ياسر بن علوش المشعل، مؤكدة أن النفير مستمر حتى صدور بيان بإلغائه.

وكان جندي من الجيش السوري قد قُتل يوم الثلاثاء الماضي، إثر محاولتي تسلل لعناصر “قسد” على محاور الجيش في منطقة تل ماعز بريف منبج شرقي حلب، في وقت اعتبرت فيه وزارة الدفاع السورية أن هذه التصعيدات تأتي بالتوازي مع استمرار استهداف “قوات سوريا الديمقراطية” لمواقع الجيش في منطقتي منبج ودير حافر، وإغلاق بعض طرق حلب أمام الأهالي، في خرق للتفاهمات المبرمة مع الحكومة السورية. وذكرت شبكات إخبارية محلية أن اشتباكات بالأسلحة المتوسطة والثقيلة جرت، مساء أمس الأربعاء، بين الجيش السوري و”قسد” إثر استهداف الأخيرة نقطة عسكرية للجيش في مدينة دير الزور.

——————————

 “الإدارة الذاتية” تمهل إدارة جامعة الفرات شهراً لإخلاء كلياتها في الحسكة

2025.08.15

أعلمت “الإدارة الذاتية” في شمال وشرقي سوريا، عمداء وإداريي كليات جامعة الفرات في محافظة الحسكة بضرورة إخلاء أبنية الكليات الجامعية وتسليمها “للإدارة الذاتية” قبل تاريخ 15 من أيلول المقبل، محذرا من مسؤولية عدم الالتزام بقرارها.

وقال مصدر إداري من جامعة الفرات لموقع تلفزيون سوريا، إن وفدا من “مجلس الجامعات” التابع “للإدارة الذاتية” اجتمع مع مسؤولي جامعة الفرات وعمداء كليات الحسكة “وطلب منهم رسميا إخلاء الكليات قبل بدء العام الدراسي الجديد، محذرا من محاسبة من لا يلتزم بالقرار”.

وأشار المصدر إلى أن الإدارة الذاتية تريد تحويل بناء كلية العلوم والاقتصاد في الحسكة إلى أفرع لجامعة “روجآفا” التابعة لها في الحسكة فيما من غير الواضح بعد مستقبل كلية الهندسة الزراعية والآداب والحقوق.

وأضاف أن “الإدارة الذاتية تتجه إلى منع الطلاب ممن أنهوا مرحلة الثانوية وفق المنهاج الحكومي هذ العام للدراسة في كليات فرع جامعة الفرات بالحسكة وسوف تخيرهم بين الدراسة خارج مناطق سيطرتها أو في الجمعات التابعة لها”.

الإدارة تطرح جامعة ” روجآفا” بدلاً عن جامعة الفرات

نفى “مجلس الجامعات في الإدارة الذاتية” خلال بيان إغلاقها لجامعة الفرات – فرع الحسكة ووصفتها “بالأخبار الكاذبة والمضللة” فيما أكدت توجهها لافتتاح كليات جديدة لجماعة روجآفا في الحسكة.

وقال المجلس إنه يعمل على “تعزيز العملية التعليمية وتطوير البنية الجامعية، وافتتاح جامعة روجآفا أقسام جديدة في مدينة الحسكة خلال الفترة القادمة بهدف استقبال المزيد من الطلاب وتخفيف أعباء السفر والتنقل إلى المدن الأخرى”.

ونوه بيان مجلس جامعات الإدارة الذاتية إلى أنه “بالنسبة لطلبة السنوات الثانية والثالثة والرابعة والخامسة في جامعة الفرات – فرع الحسكة، فإنهم سيواصلون دوامهم المعتاد تحت إدارة الجامعة كما في السابق، مع استمرار مجلس الجامعات في تقديم الدعم اللازم لضمان استكمال مسيرتهم الدراسية”.

ولم يذكر بيان “المجلس” أي معلومات حول مصير الطلاب ممن سوف يتقدمون إلى المفاضلة هذا العام ليصبحوا طلاب في السنة الأولى ما يؤكد توجه “الإدارة الذاتية” إلى إغلاق كليات جامعة الفرات في الحسكة أمام الطلاب هذا العام وفق ما أوضحه دكتور جامعي من الحسكة.

ووفق الدكتور المحاضر الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية فإن “هناك توجه داخل الإدارة الذاتية لاعتماد مؤسساتها بديلاً عن مؤسسات الدولة السورية من محاكم وجامعات ومدارس ومؤسسات خدمية وأمنية لفرض واقع جديد على الدولة”.

وفي عام 2022، حظرت هيئة التربية في “الإدارة الذاتية” تدريس مناهج الدولة السورية في جميع المدارس والمعاهد التعليمية الخاصة بمناطق سيطرة “قسد” شمالي سوريا، تحت طائلة فرض غرامة مالية والسجن بحق المخالفين.

ومع زيادة الضغط الشعبي على “الإدارة الذاتية”، سمحت الأخيرة، وبشكل محدود، لبعض المعاهد والمدارس الخاصة بتدريس مناهج الدولة، حينذاك، في مدينتي القامشلي والحسكة شمال شرقي سوريا.

—————————-

====================

تحديث 14 آب 2025

—————————————

مفاوضات تقابلها التعزيزات.. ما احتمالات “معركة الشرق

تبادلت الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) اتهامات خرق اتفاق وقف إطلاق النار خلال الأسبوع الماضي، وسط معلومات عن تعثر المفاوضات بين الجانبين.

في 12 من آب، قالت دائرة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع السورية، إن دوريات عسكرية لـ”قسد” تسللت فجرًا نحو نقاط انتشار الجيش السوري في منطقة تل ماعز شرق حلب، واندلعت إثرها اشتباكات عنيفة أسفرت عن مقتل أحد جنود الجيش السوري.

بالمقابل، اتهمت “قسد” القوات الحكومية بمحاولة استفزاز عناصر من “قسد”،  في 11 من آب، إذ بدأت القوات الحكومية بتحركات وصفتها بـ”المشبوهة” في عدة مناطق، خاصة بلدة دير حافر والقرى التابعة بها.

وقالت “قسد” في بيان نشرته عبر موقعها الرسمي، إن قوات الحكومة تستمر بخرق وقف إطلاق النار، مشيرة إلى أنها لا ترد على خرق الاتفاق وتلتزم “الصبر”، حسب تعبيرها. وهددت بالرد على الاستفزازات عليها من منطلق “الدفاع المشروع”.

مفاوضات متعثرة

اجتمع وفد من “الإدارة الذاتية”، في 13 من آب، مع الحكومة السورية بعد إلغاء الحكومة مشاركتها في مفاوضات باريس ردًا على مؤتمر “وحدة المكونات” الذي أقامته “الإدارة الذاتية” و”قسد” في الحسكة.

وبحسب مصادر مطلعة في دمشق لصحيفة “الشرق الأوسط”، فإن الاجتماعات لم تنتهِ، ومن المحتمل أن تستمر زيارة الوفد حتى الخميس 14 من آب.

مصدر مطلع من وزارة الخارجية السورية، قال لعنب بلدي، إن “قسد” طلبت من الحكومة السورية العودة لمفاوضات باريس، وتهدئة العشائر بعد انتشار بيانات لشيوخ عشائر البوشعبان والناصر والبوجابر تعلن النفير العام ضد “قسد”.

إلا أن الحكومة السورية رفضت مطالب “قسد”، وأكدت أنه على “قسد” تسليم محافظتي الرقة ودير الزور قبل أن تبدأ التفاوض مع الحكومة، بحسب المصدر.

وفي السياق نفسه، قال مسؤول العلاقات العامة في “مجلس سوريا الديمقراطية”، حسن محمد علي، اليوم الخميس 14 من آب، إن وفد شمال شرقي سوريا المفاوض مع دمشق “مُهيّأ لكافة الحلول التي تتناسب مع مصالح الشعب السوري”، وإنه “يجب أن تلعب دمشق دورًا يؤدي إلى الانفراج فالكرة في ملعبها”، بحسب حديثه إلى موقع “نورث برس”.

وأضاف علي أنه إذا تعاملت دمشق بعقلية مركزية صرفة، سيتعرقل مسار المفاوضات بين الطرفين.

المحلل السياسي حسن النيفي يرى أن المشهد يزداد سخونة فيما يخص العلاقة بين “قسد” والحكومة المركزية، وخاصة بعد اللقاء الذي انعقد في الحسكة ودعت “قسد” إليه كلاً من الهجري وغزال غزال، فيما اعتبرته الحكومة رسالة سلبية من جانب “قسد”.

وما هو مؤكّد، بحسب حديث النيفي إلى عنب بلدي، أن الأمور تمضي باتجاه التصعيد، ولكن هذا لا يعني أن الحرب باتت هي الخيار الوحيد، فعادة ما تكون الحشودات العسكرية هي أدوات ضغط سياسية في عمليات التفاوض، إضافةً إلى أن كلا الطرفين لا يمكنه المبادرة بالحرب في ظل تفاهمات وتدخلات دولية في المسألة السورية (أمريكا، أوروبا).

ويعتقد النيفي أن أمامنا بعض الوقت يمكن من خلاله حدوث مستجدات تحول دون الدخول في حرب.

حشود عسكرية وتخريج مقاتلين

مراسل عنب بلدي في دير الزور، قال إن مناطق سيطرة “قسد” تشهد استنفارًا عسكريًا كاملًا.

وبالمقابل أرسلت وزارة الدفاع السورية تعزيزات عسكرية إلى سد تشرين ودير حافر في ريف حلب الشرقي.

كما وصلت تعزيزات عسكرية إضافية من الفرقتين “60” و”76″ التابعتين للوزارة إلى منطقة زلمة في ريف الرقة الجنوبي، بحسب ما نقلت صحيفة “الشرق الأوسط” عن وكالة الأنباء الألمانية (DPA).

وفي 13 من آب، قال وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إنه على “قسد” أن تتوقف عن المماطلة في عملية الاندماج بالجيش السوري وأن تلتزم باتفاق التكامل مع الحكومة السورية، بحسب “رويترز”.

وبالرغم من استمرار الحديث عن دمج مقاتلي “قوات سوريا الديمقراطية” مع الجيش السوري، تواصل “قسد” تنظيم دورات تدريبية جديدة لمقاتليها في مناطق شمال وشرق سوريا، فقد خرّجت أكاديمياتها العسكرية، على مدار الأسابيع الماضية، عدة دورات حملت أسماء قتلى سابقين فيها، شملت المقاتلين والمقاتلات على حد سواء، وتراوح عدد المشاركين بين 30 و60 شخصًا لكل دورة.

وبالتوازي، افتتحت قيادة الأكاديميات العسكرية للتدريب المركزي في منطقة الفرات دورتين للأسلحة المتوسطة في الرقة، ضمتا 60 مقاتلًا من مختلف الوحدات، واستمرت لمدة ثلاثة أشهر، شملت برامج فكرية وسياسية، وتدريبات على الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وتكتيكات إدارة المعارك وخطط الانتشار.

يرى الباحث العسكري في مركز حرمون للدراسات، نوار شعبان، أن مسار التفاوض القائم بين الحكومة السورية و”قسد” لا يعني أنّ الاستفزازات والمناوشات قد تتوقف، فالجبهة في شمال شرقي سوريا وإشكالياتها امتدت على سنوات، وهنا تكمن الحاجة إلى جهد إضافي يتمثل في أنه، وبخط موازٍ لمسار المفاوضات، يجب أن يكون هناك خط آخر يعزز التهدئة على مختلف الجبهات، لأنها تبقى جبهات جاهزة للاشتعال في أي حالة استفزازية من أي طرف.

وبالتالي، وفق حديث شعبان إلى عنب بلدي، لا يمكن الربط بين تأجيل المفاوضات أو التصريحات الصادرة عن المسؤولين سواء من “قسد” أو من الحكومة السورية، وبين التصعيد على الأرض، فالتصعيد على الأرض كان قائمًا حتى بعد اجتماع العاشر من آذار، وهو ليس مسارًا منفصلًا تمامًا، لكنه إشكالية أخرى تحتاج إلى جهود أعمق.

لكن ذلك لا يعني أنّ بعض هذه الإشكاليات قد لا تُستَخدم للضغط في موضوع المفاوضات، إلا أنّ ما حدث في الشيخ مقصود، وقبله في دير حافر، هي حوادث منفصلة عن خط المفاوضات، لأنّها، خطوط اشتباك أو تماس محتقنة، وأي استفزاز من أي طرف قد يؤدي إلى صراع عسكري أو اشتباكات أو تصعيد، بحسب شعبان.

تهديد بالتصعيد وإنذار باقتراب المعركة

لوحت دمشق وأنقرة بالتصعيد في ملف “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، في شمال شرقي سوريا، بعد تعثر المفاوضات الأخيرة بين دمشق مع “قسد”.

واتهم فيدان “قسد” بمواصلة تجنيد مقاتلين من خارج سوريا، والمحافظة على جاهزيتها العسكرية رغم المفاوضات، وفي لقاء جمع بين وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، ونظيره التركي، هاكان فيدان، في أنقرة، الأربعاء 13 من آب.

فيدان قال إن مقاتلي حزب العمال الكردستاني القادمين من تركيا والعراق وإيران وأوروبا لم يغادروا سوريا، وأنه لا يوجد أي تطورات إيجابية بعد اتفاق “10 من آذار” ولا بعد العملية الجارية في تركيا (السلام مع حزب العمال)، تشير إلى أن المنظمة قد أزالت خطر العمل المسلح.

وحذر الوزير من أن غياب تلبية المطالب الأمنية لتركيا في سوريا يجعل “الحفاظ على الهدوء أمرًا مستحيلًا”.

المحلل السياسي أيمن الدسوقي، قال لعنب بلدي، إن احتمالية اندلاع عملية عسكرية شمال شرق سوريا تبقى قائمة في ظل الحشود الميدانية واستعصاء التفاوض السياسي، إلا أن المعركة ما تزال خيارًا مؤجلًا للاعتبارات التالية:

ميل القوى الإقليمية والدولية إلى تهدئة الوضع السوري، عوضًا عن تأجيج موجة عنف جديدة سيما بعد أحداث السويداء، والخشية من تبعات أي عملية عسكرية سلبًا على التواجد الأمريكي في شمال شرق سوريا وخطط انسحابها.

وإمكانية استفادة خلايا تنظيم “الدولة” لها لتعزيز وجوده الميداني إلى جانب تبعاتها على مسار حل “حزب العمال الكردستاني” في تركيا، واستمرارية التفاوض السياسي بين القوى المعنية رغم المواقف المتباينة.

أي عمل عسكري، بحسب الدسوقي، سيسهم في تعقيد الموقف الميداني، وتعطيل التفاهمات المسبقة التي غطت ملفات عدة بين الحكومة السورية والإدارة الذاتية، إلى جانب الخشية من تصدع جبهة الدول الداعمة للقيادة السورية جراء أي عمل عسكري ميداني.

ويرى المحلل السياسي حسن النيفي، أن خيار الحرب ليس الخيار الأمثل لدى جميع الأطراف السورية، فضلًا عن أن الحكومة الحالية تحاول تعزيز فرص الحل السياسي عن طريق التفاوض.

وعلى الرغم من التململ التركي من مماطلات “قسد”، فإن قرار الحرب بالتالي ليس سوريا خالصًا أو تركيًا، بل لا بد من معرفة الموقف الأمريكي الذي يبدو أنه هو الحاسم، فالحرب على “قسد” لا يمكن اتخاذ قرارها من جانب تركيا أو دمشق بمعزل عن المواقف الأخرى وخاصة واشنطن ومن ثم الموقف الأوروبي، وفق النيفي.

وبحسب مصدر إقليمي تحدث لموقع “ميدل إيست آي”، حذر مسؤولون أمريكيون “قسد” من أن التحالف الدولي قد لا يكون قادرًا على حمايتهم إذا قررت دمشق شن هجوم عسكري في حال عدم الالتزام باتفاق 10 من آذار.

وصرحت مصادر أمنية لموقع “ميدل إيست آي” أنه رغم أن تركيا لن تتدخل بشكل مباشر ضد “قسد”، إلا أن القوات المسلحة التركية قد تقدم دعمًا غير مباشر لعملية محدودة ينفذها الجيش السوري. وأكدت المصادر أن الاستعدادات لهذه العملية قد اكتملت بالفعل.

عنب بلدي

————————————

 عن مناورة قسد المحفوفة بالمخاطر/ محمود علوش

2025.08.14

منذ إبرام اتفاقية الاندماج بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية الجنرال مظلوم عبدي في العاشر من مارس/آذار الماضي، شرعت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في مناورة متعددة الأساليب لمحاولة فرض تصوراتها على عملية الاندماج في الدولة السورية.

جاء ذلك من خلال طرح مطلب الفيدرالية، ثم اللامركزية لاحقًا، والتمسك بمطلب دمج قسد في الجيش السوري ككتلة عسكرية، فضلًا عن المماطلة في المسار التفاوضي للتهرب من تنفيذ التزامات الاندماج بموجب الاتفاقية والمهلة التي حددتها. وحتى في الوقت الذي ضغطت فيه قسد لإشراك فرنسا في المسار التفاوضي لتخفيف الضغط الأميركي عليها، رفعت من مستوى مناورتها الأسبوع الماضي عبر استضافة مؤتمر الحسكة وإشراك الشيخ غزال غزال وحكمت الهجري فيه، في حين بدا أنه تحالف جديد بين أطراف معادية للحكم الجديد ذات أبعاد طائفية وعرقية.

إن أهداف قسد من هذه المناورة واضحة، وتبدأ بتعقيد المسار التفاوضي مع الحكومة السورية لفرض تصوراتها بشأن كيفية الدمج، ولا تنتهي بتحويل الأزمة من أزمة عدم تنفيذ اتفاقية مارس/آذار إلى صراع أقليات مع الحكم الجديد. وقد منحتها أحداث السويداء هامشًا إضافيًا جديدًا لمواصلة مناورتها. مع ذلك، فإن مقاطعة دمشق لجولة التفاوض التي كانت مقررة مع قسد في باريس أظهرت أن هذه المناورة محفوفة بالمخاطر وتأتي بنتائج عكسية. فمن جهة، تعرض قسد هوامش الثقة المحدودة أصلًا مع الحكومة السورية للتقويض، مما يرفع مخاطر المواجهة العسكرية. ويمكن النظر إلى التوترات الأخيرة على خطوط التماس بين قسد والجيش السوري كمؤشر على مخاطر حدوث تصعيد عسكري أكبر في حال استمرار الانسداد في المسار التفاوضي. ومن جهة أخرى، تدفع هذه المناورة الرئيس أحمد الشرع إلى تعزيز رهاناته على تركيا في التعامل مع ملف قسد. وفي المحصلة، فإن تقويض فرص التسوية السياسية لدمج قسد في الدولة يفتح الباب أمام خيارات أكثر كلفة على قسد من خيار التسوية السياسية، والحال نفسه ينطبق على الحكومة.

علاوة على ذلك، فإن محاولة قسد في مؤتمر الحسكة تقديم نفسها كراعٍ لتحالف أقليات ضد الحكم الجديد لا تتعارض فقط مع جوهر اتفاقية الاندماج، بل تضعها في وضع مرتفع المخاطر، ليس فقط على صعيد علاقتها بدمشق وتركيا، بل أيضًا على مستوى علاقتها بالبيئة التي تحكمها في شمال شرقي البلاد، لا سيما المكوّن العربي الذي يرفض أي مشروع تقسيمي لسوريا ويتطلع إلى عودة سيطرة الدولة إلى مناطق الجزيرة السورية. وقد أثارت مناورة قسد بالفعل حالة من الاحتقان لدى سكان هذه المناطق. قد تبدو المماطلة في المسار التفاوضي وتعزيز العلاقة مع الأطراف المعادية للرئيس الشرع مفيدة لقسد لتعزيز موقفها التفاوضي وكسب المزيد من الوقت ومحاولة إشراك فاعلين خارجيين آخرين في قضيتها مثل فرنسا، لكن هذا النهج يجلب تكاليف أيضًا. وسيتعين على قسد أخذ هذه التكاليف بعين الاعتبار والتفكير فيها بدلًا من التركيز حصراً على الانتهازية والدفع باتجاه صراع بين أقليات وسلطة، والرهان على تدخلات خارجية تحاول استثمار وضع قسد والسويداء والساحل كمدخل لتحقيق أهدافها الساعية إلى تمزيق النسيج الوطني السوري وتقويض فرص بناء الدولة الجديدة وتهديد وحدة سوريا.

إن الأسباب التي أدت إلى هذا الانسداد في المسار التفاوضي بين قسد ودمشق عديدة، وتتراوح بين الغموض في بنود الاتفاقية نفسها، وتردد الولايات المتحدة في ممارسة ما يكفي من الضغط على قسد لإجبارها على الالتزام باتفاقية العاشر من مارس/آذار، والتدخل الإسرائيلي في أزمة السويداء. لكن هذه الاتفاقية ما تزال تمثل حاجة إلى سوريا لتجنب تصعيد عسكري آخر قد يعزز المخاطر على استقرار سوريا في المرحلة الانتقالية ويوسع الهوامش المتاحة أمام الدول الساعية إلى ضرب وحدة سوريا وتقسيمها من أجل التدخل. مع ذلك، تترسخ قناعة مع مرور الوقت لدى كل من دمشق وأنقرة بأن قسد لن تتخلى عن هذه المناورة إذا لم تشعر بالضغط وبأن الخيارات المكلفة عليها مطروحة على الطاولة. وقد أظهرت الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق أن أنقرة بدأت تظهر امتعاضًا واضحًا من مناورة قسد وتبحث عن خيارات أخرى، لا سيما أن إطالة أمد الوضع القائم حاليًا في شمال شرقي سوريا تجلب مخاطر كبيرة على وحدة سوريا والأمن القومي لتركيا في المستقبل.

لقد أدخلت المناورة التفاوضية التي تقوم بها قسد هذا المسار في دائرة مغلقة، وتراهن في الوقت الحالي على حالة الشيخ حكمت الهجري والاندفاعة الإسرائيلية في ملف السويداء لتعزيز موقفها التفاوضي مع دمشق، ولترسيخ واقع الإدارة الذاتية في شمال شرقي البلاد وتقديمها كنموذج يمكن استنساخه في مناطق أخرى مثل السويداء والساحل. ومثل هذا النهج لن يؤدي إلا إلى جعل الرئيس أحمد الشرع أكثر تشددًا في مقاربة ملف العلاقة مع قسد. ما يزال الخيار العسكري لحسم ملف قسد غير مطروح على الطاولة بشكل جدي، ويرجع ذلك من جهة إلى التكاليف المترتبة على هذا الخيار، ومن جهة أخرى إلى الحسابات المعقدة للرئيس أحمد الشرع وتركيا والولايات المتحدة. وتجعل هذه الحسابات قسد تشعر بمزيد من الأمان وأقل قلقًا من تعريض نفسها لمواجهة عسكرية مع كل من الدولة السورية وتركيا.

تلفزيون سوريا

————————

مؤتمر “وحدة الموقف”: تحسين الموقف التفاوضي أم انقلاب على “اتفاق آذار”؟/ أحمد الكناني

13 أغسطس 2025

أثار كونفرانس وحدة الموقف شمال شرق سوريا في محافظة الحسكة حفيظة دمشق، إذ اعتبرته الحكومة الانتقالية ضربة لجهود التفاوض الجارية بينها وبين قسد، ولقد استقطب المؤتمر أكثر من 400 شخصية من ممثلي “الإدارة الذاتية”، والمؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية، ومكونات المنطقة من الكرد والعرب، إضافة إلى مشاركة الشيخ “حكمت الهجري” الرئيس الروحي للطائفة الدرزية بالسويداء، ورئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا غزال غزال، في إشارة تدل على اصطفاف سياسي جديد إلى جانب الإدارة الذاتية، وتعزيز لموقف الإدارة الذاتية الدولي والداخلي على حساب الحكومة المركزية.

وعلى الرغم أن دمشق لم تعلق على الكونفرانس يوم انعقاده، إلا أنها أعلنت في اليوم الثاني وفقًا لبيان رسمي أن التحالف شمال شرق سوريا، ضم أطرافًا متضررة من انتصار الشعب السوري، وسقوط النظام، وأدانت “استضافة بعض الشخصيات الانفصالية والمتورطة في أعمال عدائية”، واعتبرت المؤتمر خرقًا واضحًا لاتفاق 10 آذار/ مارس، وبناء عليه أعلنت عدم مشاركتها في أي اجتماعات مقررة في باريس.

ثقل سياسي؟!

يشير الباحث في الشؤون الكردية جوان سوز إلى أن مؤتمر “وحدة الموقف” يأتي استكمالًا لمسار الكونفرانس الكردي في 26 من نيسان/ أبريل الماضي، والذي ضم مختلف المكونات في الإدارة الذاتية ووحّد الكلمة في المفاوضات مع دمشق على اتفاقية الـ 10 من آذار/ مارس بين مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع، إلا أن المؤتمر الأخير استطاع لمّ الشمل لكافة المكونات العربية، الكردية، الآشورية الأرمنية، إضافة إلى حشد الأقطاب الداخلية السورية في الساحل والسويداء إلى جانب الإدارة الذاتية.

وحول طبيعة المشاركين أشار الباحث سوز إلى أن ما يميز “وحدة الموقف” هو استضافة الفاعلين على الأرض السورية بصفتهم كمرجعيات، وقادة عسكريين، ورجال دين وشيوخ عشائر، على عكس ما قامت به دمشق من استضافة رجالات بصفتهم الشخصية، مشيرًا إلى أن حضور المكون العربي شكل ثقلًا في المؤتمر، إضافة إلى حزب الاتحاد السورياني الفاعل في الجزيرة السورية، وغير ذلك من التيارات المؤثرة في مختلف الأراضي السورية.

فيما يرى الباحث في مركز عمران للدراسات، سامر الأحمد، بأن “مؤتمر قسد” ليس إلا محاولة سياسية للابتعاد عن التفاوض مع دمشق، والدفع بالمنطقة للفوضى، وإحراج الحكومة في دمشق عبر الإدعاء بأن الإدارة الذاتية وحدها قادرة على لمّ الشمل بالنسبة للمكونات والأقليات السورية.

ولفت الأحمد إلى أن أبرز أخطاء المؤتمر أنه احتفى بالانفصاليين، ورجالات الدين المتورطين بجرائم الحرب والمحسوبين على النظام البائد، بما فيهم غزال غزال، وحكمت الهجري الذي قام بتعيين أحد ضباط النظام المتورطين بالدم.

رسائل سياسية

ينوه الباحث الكردي جوان سوز إلى الرسائل الداخلية لمؤتمر “وحدة الموقف” في الحسكة بأن الإدارة الذاتية استطاعت تحقيق ما عجزت عنه دمشق بعقد مؤتمر وطني جامع لكافة المكونات السورية من تيارات وفعاليات سياسية ذات الثقل على الأرض، خاصة وأن البلاد شهدت أحداثًا دامية في الساحل والسويداء.

أما خارجيًا فيرى سوز أن عقد هذا المؤتمر في هذا التوقيت قبيل المفاوضات في باريس بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية الانتقالية يعطي الإدارة الذاتية، ووفد قوات سوريا الديمقراطية، غطاءً شعبيًا أكبر في الداخل السوري، يعززه مشاركة الطائفة العلوية والدرزية، والعشائر العربية.

وفي هذا السياق يرى الباحث في مركز عمران سامر الأحمد أن قسد اعتمدت على التمثيل المزيف للمكونات في المؤتمر، وتهديد العديد من الشخصيات لحضوره، وتهجير كل من يخالفها الرأي، لافتًا إلى أن هذه المحاولات لن تنجح مع قسد، خاصة محاولتها التملص من اتفاق العاشر من آذار/ مارس، وذلك لأسباب متعلقة بالضمانة الدولية.

دمشق ترد

تقول التصريحات الحكومية الرسمية الصادرة عن مصدر مسؤول إن المؤتمر الذي عقدته قسد شمال شرق البلاد لا يمثل إطارًا وطنيًا جامعًا، بل تحالفًا هشًّا ضم أطرافًا متضررة من انتصار الشعب السوري، ويؤكد المصدر بأن الحكومة لن تشارك في أي اجتماعات مقررة في باريس، ولن تجلس على طاولة التفاوض مع أي طرف يسعى لإحياء عهد النظام البائد تحت أي مسمى أو غطاء.

فيما يرى الباحث الكردي جوان سوز أن على دمشق البحث عن حلول سياسية تبدأ بدعوة المشاركين الرئيسيين في هذا المؤتمر، والوفد الكردي المنبثق عن 26 نيسان/ أبريل، والجلوس على طاولة واحدة لبناء سوريا دون اقصاء لأي طرف.

الترا سوريا

——————————

سوريا… هل حان وقت استهداف الأكراد؟/ محمد حسان

14.08.2025

الأخطاء الكارثية، من الساحل إلى جرمانا وصحنايا، ثم السويداء، واليوم نحو شمال شرقي سوريا، تدفع البلاد نحو الهاوية، في مسار انتحاري يقوّض فرصة بناء وطن لكل السوريين، ويمحو آخر إمكانية لصياغة عقد اجتماعي جامع، ويفتح الباب أمام حرب أهلية أو وصاية دولية.

في سوريا، ومنذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 وحتى الآن، تمر السلطة السورية المؤقتة بظروف صعبة، وترتكب أخطاء شبه يومية. ومع ذلك، يبدو أنها لا تتعلم من تلك الأخطاء، على رغم أن الاعتراف بها والتعلم منها مبدأ ديني من صميم هذه السلطة، التي لا تخفي طبيعتها الإسلامية، ففي الحديث النبوي: “كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون”.

بعد أحداث الساحل السورية والمجزرة المروعة هناك، مروراً بأحداث جرمانا وصحنايا، وليس انتهاءً بكارثة السويداء التي لم تنتهِ حتى الآن، تعيد السلطة السورية تكرار السيناريوهات ذاتها. واليوم، تتجه بوصلة أخطائها المتكررة نحو مناطق شمال شرقي سوريا، حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية.

منذ اليوم التالي لعقد مؤتمر “كونفرانس” في محافظة الحسكة، بدأت آلة السلطة الإعلامية بضخ أخبار وتحليلات حول المؤتمر وما يمثله – وفق روايتها – من تهديد لمستقبل وحدة سوريا واستقرار المنطقة، في مشهد مشابه تماماً لما سبق مجازر الساحل والسويداء. تلا ذلك صدور بيانات “عفوية” من بعض العشائر، تعلن النفير العام للقتال وتحرير المنطقة من “قسد”.

هذا الضخ الإعلامي والتحريض المسبق للمقتلة يحصلان من دون أي تدخل من الدولة لوقفهما، على رغم امتلاكها الأدوات العسكرية والأمنية والسياسية لذلك. وكالعادة، تكتفي بالصمت لتوحي بأن الأمر يعكس “الحالة الشعبية”، ثم، بعد وقوع الكارثة، تتقدم لتلعب دور المخلّص وصمام الأمان للبلاد.

عبر التاريخ، أكد الفلاسفة أن التعلم من الأخطاء ليس مجرد ممارسة عملية، بل هو درس في الحكمة والنمو. أرسطو قال: “التجربة أهم مصدر للتعلم”. إيمانويل كانط رأى أن “الخطأ خطوة نحو الحقيقة”. جان جاك روسو اعتبر أن “التعلم من الأخطاء أفضل معلم”. أما نيتشه، فذهب إلى أن “الأخطاء أساس النمو الشخصي”. لكن فلاسفة السلطة الجديدة في سوريا، في ما يبدو، يرون أن الحكمة تنبع من ممارسة الأخطاء وتكرارها!

الأخطاء الكارثية، من الساحل إلى جرمانا وصحنايا، ثم السويداء، واليوم نحو شمال شرقي سوريا، تدفع البلاد نحو الهاوية، في مسار انتحاري يقوّض فرصة بناء وطن لكل السوريين، ويمحو آخر إمكانية لصياغة عقد اجتماعي جامع، ويفتح الباب أمام حرب أهلية أو وصاية دولية.

التعلم من الأخطاء يبدأ بالاعتراف بها، وهو الخطوة الأولى التي تتطلب شجاعة وتواضعاً من السلطة السورية. أما الإنكار أو التبرير فيعطلان أي معالجة. يلي ذلك المحاسبة والتعويض، وتحليل الأسباب الكامنة وراء الخطأ، سواء كان نقص معرفة، أو سوء تقدير، أو خللاً في التخطيط. ثم تأتي مرحلة استخلاص الدروس وطرح الأسئلة الجوهرية: كيف يمكن تحسين أسلوب العمل؟ وكيف نتجنب تكرار الأخطاء مستقبلاً؟

الفرصة ما زالت قائمة، على رغم ما حدث، إذا قررت السلطة عدم تكرار أخطائها السابقة، وأوقفت هذا التحريض الذي تسعى لنقله إلى ساحة جديدة. هناك مسار تفاوضي قائم واتفاق موقّع بين الطرفين في 10 آذار/مارس الماضي، بين الرئيس الشرع والجنرال مظلوم عبدي.

قد يقول البعض إن المفاوضات متعثرة ولا تتقدم، وهذا صحيح، لكن لذلك أسباب كثيرة، منها غياب الثقة بعد أحداث الأشهر الثمانية الماضية، وتباين المصالح، ومحاولة كل طرف تفسير الاتفاق لصالحه، إضافة إلى التدخلات الخارجية، بخاصة من تركيا، وغياب آليات واضحة للتنفيذ.

ومع ذلك، يمكن تهيئة بيئة مناسبة لاستكمال الحوار وتنفيذ الاتفاق، عبر وقف التصعيد العسكري شرق حلب، وخفض التوتر السياسي والإعلامي، وبناء الثقة مجدداً من خلال خطوات عملية، مثل التعاون في الملفات الأمنية المشتركة، وفتح المعابر، وتوسيع دائرة المشاركة لتشمل المجتمعات المحلية في التفاوض أو حتى الإشراف عليه.

الأخطاء السابقة أحدثت شرخاً عميقاً بين مكونات الشعب السوري. والأمل اليوم أن تكون كارثة السويداء الأخيرة دافعاً لتغليب منطق الحوار على الحل العسكري، وأن تصل السلطة إلى قناعة بأن التسوية السياسية، مهما طالت، هي السبيل الأجدى لتحقيق الاستقرار وحماية ما تبقى من الوطن.

– صحافي سوري

درج

—————————–

سوريا الآن تواجه أخطر سيناريو/ رمضان بورصة

14/8/2025

بدا أن العملية السياسية التي أعقبت تغيير النظام في سوريا 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 تتجه نحو تبني نظام سياسي مركزي. فقد أسفر مؤتمر الحوار الوطني، الذي عُقد بتوجيهات من الرئيس السوري أحمد الشرع، عن قرار “اعتماد نظام حكم مركزي”.

وفي هذا الإطار، تم إعداد “مسودة الدستور المؤقت” على أساس هذا النظام. وأعلنت تركيا وقطر، إضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية ودول غربية أخرى، دعمها لنظام سياسي “مركزي”.

وقد عززت الأحداث الأمنية التي شهدتها مدن الساحل السوري في مارس/آذار 2025 الدعم لـ”نظام الحكم المركزي” على المستويين؛ الداخلي والدولي.

بيد أن أحداث السويداء، التي بدأت بين الدروز والبدو العرب، ثم تصاعدت لتصبح أزمة معقدة؛ بسبب الهجمات الإسرائيلية، يبدو أنها قد تؤثر على مستقبل سوريا الإداري.

فما حدث في السويداء عزز موقف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تقترح نظام حكمٍ لامركزيا في مواجهة حكومة دمشق. وقد تقاربت وجهات النظر بين أميركا وإسرائيل، اللتين تختلفان في العديد من النقاط، بشأن مستقبل سوريا بعد أزمة السويداء.

وقد عزز الدعم القوي الذي قدمته إسرائيل للدروز في أزمة السويداء وانسحاب حكومة دمشق من المنطقة، مطالب “الفدرالية/الحكم الذاتي” في كل من المنطقة العلوية، والمنطقة الكردية كذلك.

مؤتمر الحسكة

عقدت قوات سوريا الديمقراطية مؤتمرا في مدينة الحسكة بهدف المساهمة في تطوير موقف موحد بشأن إرساء نظام “اللامركزية” في سوريا، تحت اسم: “مؤتمر وحدة موقف مكونات شمال شرق سوريا”.

شارك في المؤتمر أكثر من 400 شخص، بمن فيهم شخصيات بارزة من المنطقة تربطها علاقات جيدة مع قوات سوريا الديمقراطية، بما في ذلك بقايا نظام الأسد.

وشارك الزعيم الدرزي المدعوم من إسرائيل، حكمت الهجري، ورئيس مجلس العلويين السوري، الشيخ غزال غزال، عبر الإنترنت. كما شاركت في المؤتمر عشائر عربية وتركمانية، ونشطاء من المنطقة.

قامت قوات سوريا الديمقراطية بأسابيع من التحضيرات المكثفة لعقد المؤتمر، وخاصة في محافظتي دير الزور والرقة، بما في ذلك اجتماعات مكثفة مع النشطاء والشيوخ وشخصيات بارزة من العشائر الكردية والعربية، سعيا إلى زيادة الدعم الشعبي لنظام اللامركزية الذي اقترحته.

وقد أوضحت في اجتماعاتها أن نظام اللامركزية أو الحكم الذاتي يجب أن يشمل جميع مناطق سوريا، وليس مناطقها فحسب، وكان الهدف الرئيسي من المؤتمر أن تحشد زخما حول فكرة اللامركزية لتستخدمه في محادثاتها مع دمشق للتأكيد على أنه “النظام الوحيد الذي يلبي مطالب الشعب وطموحاته”.

كما أرادت قوات سوريا الديمقراطية، من خلال إشراك الزعيم الدرزي حكمت الهجري، والشيخ العلوي غزال غزال في المؤتمر، أن تطرح مشروع اللامركزية على دمشق بوصفه مطلبا جامعا لمختلف المناطق.

وأوضح جيفان ملا إبراهيم، عضو اللجنة التحضيرية، أن الهدف يتمثل في توحيد موقف مكونات المنطقة، وإيصال رسالة صريحة إلى الأطراف السورية والدولية بأن هذه المكونات تمتلك إرادة مشتركة لبناء دولة سورية تعددية ولامركزية تكفل المساواة في الحقوق والواجبات.

وفي الأشهر الأخيرة، دفعت قوات سوريا الديمقراطية عددا من زعماء العشائر العربية في الرقة ودير الزور إلى تبني مشروع “الإدارة الذاتية”، وطرحه كخيار محلي، بغض النظر عن مستقبل وجودها في هذه المناطق.

وفي هذا السياق، عقد قائد قوات “قسد” مظلوم عبدي، إلى جانب عدد من المسؤولين، اجتماعات مع زعماء العشائر، وممثلي المجالس المحلية؛ لبحث منح السكان سلطات أوسع لإدارة شؤونهم بعيدا عن سلطة الحكومة المركزية في دمشق.

البيان الختامي للمؤتمر

حمل البيان الختامي لمؤتمر الحسكة مؤشرات لافتة على ملامح مستقبل سوريا، مؤكدا تصميم المكونات السورية المشاركة على التحرك بشكل مشترك، حيث جاء فيه: “إرادة ممثلي الكرد والعرب والسريان والآشوريين والتركمان والأرمن والشركس والمجتمعات الأخرى اتحدت للتعبير عن التزامهم المشترك بخط وطني وديمقراطي شامل قائم على التنوع والشراكة والمواطنة المتساوية”.

كما أشار البيان، في معرض تناوله ما جرى في اللاذقية والسويداء، إلى “ضرورة تحديد المسؤولين عن الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في السويداء واللاذقية بغض النظر عن هويتهم”، في رسالة تهدف إلى زيادة الضغط على حكومة دمشق حيال هذه الأحداث.

وأعلن البيان دفاعه الواضح عن نموذج الإدارة الذاتية، معتبرا أن وحدة سوريا وسلامتها لا يمكن ضمانهما إلا عبر هذا النموذج. وجاء فيه: “أعرب المشاركون عن أن نموذج الإدارة الذاتية الحالي هو تجربة تشاركية يمكن تطويرها والنهوض بها، وتشكل مثالا حيا للحكم المجتمعي الديمقراطي”.

كما خص البيان قوات سوريا الديمقراطية بإشادة بارزة، مؤكدا “تقديرهم الكبير للتضحيات التي قدمتها هذه القوات في الدفاع عن المنطقة وكرامة شعوبها”، واعتبارها “نواة لبناء جيش وطني جديد، طوعي ومهني، يمثل البنية المجتمعية الحقيقية لسوريا ويحمي حدودها ووحدة أراضيها”.

ويُفهم من هذه الإشادة وما رافقها من محادثات بين الزعيم الدرزي حكمت الهجري، ورئيس مجلس العلويين السوري الشيخ غزال غزال، أن مظلوم عبدي سيحمل في مفاوضاته مع أحمد الشرع تمثيل الدروز والعلويين أيضا، خصوصا فيما يتعلق بقضايا نظام الحكم في البلاد.

كما لفت البيان إلى ضرورة إعداد مسودة دستور تقوم على بنية لامركزية، منتقدا مسودة الدستور المؤقت التي أعلنها الشرع لعدم تلبيتها مطالب السوريين في الحرية والكرامة، وداعيا إلى عقد مؤتمر حوار وطني جديد يضم جميع الأطراف.

ومع صدور هذا البيان، أعلنت قوات سوريا الديمقراطية والمشاركون رفضهم أي ترتيبات إدارية أو سياسية أو قانونية أعلنتها دمشق منذ 8 ديسمبر/كانون الأول، ما جعل العملية التي انطلقت من أحداث السويداء ومرت بمؤتمر الحسكة تفتح بابا واسعا للنقاش حول شكل الدولة السورية، وتزيد الشكوك في قدرة الخطوات التي اتخذتها حكومة دمشق حتى الآن على ترسيخ دولة مركزية قابلة للاستمرار.

رد فعل دمشق وزيارة هاكان فيدان

قُوبل مؤتمر الحسكة وبيانه الختامي برد فعل غاضب من حكومة دمشق، التي اعتبرته خطوة مناقضة للاتفاق الموقع بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي في 10 مارس/آذار.

ونشرت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) تقييما لمسؤول حكومي لم يُذكر اسمه، عبر فيه عن موقف دمشق من المؤتمر، في صيغة غير رسمية لتجنب إصدار بيان مباشر تتحمل الحكومة تبعاته.

وجاء في هذا التقييم أن المؤتمر “ضربة لجهود التفاوض المستمرة”، وأن الحكومة “لن تتفاوض مع أي طرف يسعى لإعادة النظام المخلوع بأي شكل أو اسم”، كما عدت استضافة “شخصيات متورطة في أعمال انفصالية وعدائية” انتهاكا واضحا لاتفاق 10 مارس/آذار.

وأكد التقييم أن المؤتمر محاولة لجذب تدخلات أجنبية وإعادة فرض العقوبات، وحمّل قوات سوريا الديمقراطية المسؤولية عن تبعاته القانونية والسياسية والتاريخية، معتبرا أنه تهرب من الالتزامات المتعلقة بوقف إطلاق النار وتوحيد المؤسسات، وانتهاك مستمر للاتفاقية. كما شدد على أن شكل الدولة السورية سيُحدد من خلال دستور دائم يقره الشعب عبر استفتاء عام.

ولفت الانتباه إعلان هذا المسؤول أن دمشق لن تشارك في الاجتماع المقرر عقده في فرنسا مع قوات سوريا الديمقراطية، وهو موقف جاء بعد يوم واحد فقط من زيارة مفاجئة لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق 7 أغسطس/آب، لم يُعلن عنها مسبقا. ووفق مصادر في أنقرة، استمر لقاء فيدان مع الشرع ثلاث ساعات، خُصص جزء منها لاجتماع مغلق بين الرجلين.

وتناول اللقاء ملفات متعددة، من بينها أوضاع مخيمات تنظيم الدولة، ومسار المفاوضات بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق، وملف دمج هذه القوات في الدولة، إلى جانب الهجمات الإسرائيلية على سوريا. وتشير المصادر إلى أن قرار دمشق الانسحاب من اجتماعات فرنسا جاء بناء على توصية مباشرة من فيدان.

هل اللامركزية مناسبة لسوريا؟

تتنوع أشكال الحكم في العالم بين أنظمة رئاسية وأخرى برلمانية، إضافة إلى صيغ حكم أخرى تختلف باختلاف الدول.

ففي ألمانيا، مثلا، هناك 16 ولاية لكل منها برلمانها ورئيس وزرائها وقوانينها الخاصة، لكنها تبقى خاضعة للحكومة الفدرالية في مجالات مثل السياسة الخارجية والدفاع، ضمن نظام برلماني.

وفي الولايات المتحدة، تطبق الولايات نظامها الداخلي، لكن البلاد تحكمها سلطة رئاسية. أما المملكة المتحدة، فهي دولة مكونة من أربع دول: أسكتلندا، وإنجلترا، وويلز، وأيرلندا الشمالية، ولكل منها ترتيبات حكمها الخاصة.

وتظهر في آسيا والشرق الأوسط أيضا أشكال حكم مختلفة، تعكس في كل حالة تاريخ الدولة وخبرتها المؤسسية وتراكمها المجتمعي، وهو ما يجعل نقل أي نموذج حكم ناجح من بلد إلى آخر أمرا غير مضمون النتائج.

يستند مؤيدو الحكم الذاتي أو اللامركزية في تبريرهم إلى أمثلة مثل بقاء أسكتلندا ضمن المملكة المتحدة، أو كون هامبورغ ولاية ألمانية، أو انتماء فلوريدا إلى الولايات المتحدة.

لكن بناء نظام حكم ناجح يتطلب توافقه مع الواقع الجغرافي والسياق الاجتماعي والقيم السائدة، إذ قد لا يحقق النموذج الفاعل في أوروبا النتيجة ذاتها في بيئة جغرافية مختلفة.

ولهذا السبب، تبدو سوريا، ومنطقة الشرق الأوسط عموما، أقل ملاءمة لتطبيق نظام لامركزي، نظرا لاحتمال أن يؤدي إلى انقسامات في ظل غياب الأمن والاستقرار الاقتصادي.

فاللامركزية قد تكون أكثر جدوى في دول تتمتع بظروف سياسية وأمنية واقتصادية مستقرة، مع الأخذ في الاعتبار أن دولا راسخة مثل أسكتلندا حاولت الانفصال رغم استقرارها.

وفي السياق السوري، يرى كثيرون أن النقاش حول اللامركزية ينبغي أن يأتي بعد ترسيخ نظام مركزي يضمن الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني. غير أن فاعلين ودوليين يحاولون استغلال أوجه القصور ومناطق الضعف لدى الحكم الجديد لدفع البلاد بعيدا عن مسار الحكم المركزي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

صحفي وباحث تركي متخصص في الشأن الإيراني

صحفي وباحث متخصّص في قضايا إيران، والمجتمع الشيعي بشكل خاص، والشرق الأوسط بشكل عام. عمل صحفيًا في إيران لفترة من الزمن، ونشر العديد من المقابلات حول قضايا الشرق الأوسط والعلاقات التركية-الإيرانية في وكالات أنباء إيرانية مثل تسنيم، ومهر، وإرنا. كما شارك كمحلل في برامج على قنوات تلفزيونية دولية مثل الجزيرة وبي بي سي، ونُشرت محاضرته حول مستقبل الحركات الإسلامية في العالم الجديد باللغة الفارسية.

الجزيرة

———————————-

جهود دولية وإقليمية لحل معضلات جنوبي سورية وشرقيها/ حسام رستم و جابر عمر

14 اغسطس 2025

يتسارع الحراك الإقليمي والدولي حول سورية بهدف معالجة ملفات شائكة عدة، أبرزها أزمة محافظة السويداء جنوبي البلاد، ومستقبل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وهو ما ترجم بتكثيف اللقاءات في عواصم عدة بين مسؤولين سوريين وإقليميين ودوليين. ورغم تعدد اللقاءات، فإن هذا المشهد يكشف عن حجم الانخراط الخارجي على حساب الحوار السوري – السوري، باعتباره المسار الأقدر على صياغة حلول محلية متوافق عليها من أبناء البلاد أنفسهم، قادرة على الصمود وإرساء تشاركية سياسية ومصالحة وطنية حقيقية.

تشكيل مجموعة عمل

واستضافت العاصمة الأردنية عمّان، أول من أمس الثلاثاء، اجتماعاً أردنياً سورياً أميركياً، حضره وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ونظيره السوري أسعد الشيباني والمبعوث الأميركي إلى سورية توم برّاك، وذلك لبحث الأوضاع في سورية و”سبل دعم عملية إعادة بنائها على الأسس التي تضمن أمنها واستقرارها وسيادتها ووحدتها وعدم التدخل في شؤونها، وتلبي طموحات شعبها وتحفظ حقوق كل السوريين”، بحسب بيان مشترك إثر الاجتماع، نشرته وزارة الخارجية السورية.

وأكّد المجتمعون في البيان على أن “محافظة السويداء بكل مجتمعاتها المحلية جزء أصيل من الجمهورية العربية السورية، محمية ومحفوظة حقوق أبنائها في مسيرة إعادة بناء سورية الجديدة نحو مستقبل منجز آمن لكل مواطني الدولة السورية، وبما يضمن تمثيلهم وإشراكهم في بناء مستقبل سورية”. وبحسب البيان، رحبت المملكة والولايات المتحدة بخطوات الحكومة السورية بما فيها: “إجراء التحقيقات الكاملة ومحاسبة كافة مرتكبي الجرائم والانتهاكات في محافظة السويداء، إضافة إلى استعدادها للتعاون مع هيئات الأمم المتحدة المعنية وإشراكها بمسار التحقيق بالجرائم والانتهاكات التي ارتكبت، زيادة دخول المساعدات الإنسانية لجميع المناطق في محافظة السويداء وتعزيز تدفقها، بما يشمل التعاون مع وكالات الأمم المتحدة المعنية، تكثيف عمل المؤسسات الخدمية لاستعادة الخدمات التي تعطلت جراء الأحداث في المحافظة، بدء عمليات إعادة تأهيل المناطق التي تضررت من الأحداث التي شهدتها المحافظة”. كما رحبت واشنطن وعمّان بـ”إسهامات المجتمع الدولي المستهدفة تلك الجهود، وإسناد الحكومة السورية في جهود عودة النازحين لمناطقهم”، إلى جانب “الشروع بمسار المصالحات المجتمعية في محافظة السويداء، وتعزيز السلم الأهلي”. واتفقت الأطراف الثلاثة على عقد اجتماع آخر في الأسابيع المقبلة، لاستكمال المداولات التي جرت، إضافة إلى الاستجابة لطلب الحكومة السورية تشكيل مجموعة عمل ثلاثية تستهدف إسنادها في جهودها لتثبيت وقف إطلاق النار في محافظة السويداء وإنهاء الأزمة فيها.

وتلا هذا الاجتماع بيوم، زيارة لم يعلن عنها سابقاً، أجراها وزيرا الخارجية أسعد الشيباني والدفاع مرهف أبو قصرة، ورئيس جهاز الاستخبارات حسن سلامة، أمس الأربعاء، إلى العاصمة التركية أنقرة، لإجراء محادثات مع الجانب التركي، وذلك بعد أيام قليلة فقط من زيارة أجراها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق (يوم الخميس الماضي) اجتمع خلالها مع الرئيس السوري أحمد الشرع.

وتخلل الزيارة أمس توقيع وزارتي الدفاع في سورية وتركيا اتفاقية تعاون عسكري مشترك بين البلدين، تهدف إلى تعزيز قدرات الجيش السوري، وتطوير مؤسساته، وهيكليته، ودعم عملية إصلاح قطاع الأمن بشكل شامل، وفق ما ذكرت وكالة الأنباء السورية “سانا” أمس.

وقال الشيباني، خلال مؤتمر صحافي مشترك مع فيدان: “نواجه اليوم تحديات جديدة لا تقل خطورة عن تلك التي واجهناها خلال سنوات الحرب، وفي مقدمتها التهديدات الإسرائيلية المتكررة التي تمثل انتهاكاً واضحاً للسيادة السورية من خلال غارات تستهدف البنية التحتية وتعرض أمن المواطنين للخطر، رغم إطلاقنا لمحادثات تهدف إلى حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة”. وتابع: “كما نواجه تدخلات خارجية متعددة بعضها مباشر وبعضها غير مباشر، تسعى إلى إضعاف الدولة السورية وإلى خلق وقائع تقسيم هشّة، في محاولة لدفع البلاد نحو فتنة طائفية ومناطقية، لكن نعول على وعي شعبنا الذي كان وسيبقى واحداً مهما حاول البعض تفتيته أو تمزيق وحدته الوطنية”.

وقال الشيباني إن “السويداء مدينة سورية وحماية أهلها مسؤولية الدولة”، مبيناً أن ما حدث في السويداء “أمر مفتعل من قبل إسرائيل لبث الفتنة الطائفية”، داعياً إلى “دعم المسار التصالحي الذي يؤمن السلم المجتمعي ويحافظ على رمزية السويداء بعداً تاريخياً ووطنياً من تاريخ سورية”، مشدّداً على أن “الدولة السورية ملتزمة بمحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات التي حصلت في السويداء”.

من جهة أخرى، أكد الشيباني أن المؤتمر الذي حدث في الحسكة يوم الجمعة الماضي (عقدته مكونات من شمال وشرق البلاد ودعا إلى إنشاء دولة لا مركزية) لا يمثل الشعب السوري ولا يمثل الغالبية العظمى من النخب العشائرية والدينية ولا حتى النخب الكردية، حيث جاء محاولة يائسة لاستغلال ما يحدث في السويداء، كما أنه انتهاك للاتفاق الذي وقع في 10 مارس/آذار الماضي (بين الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي).

تقاطع حول ضرورة استقرار سورية

من جهته، أكد وزير الخارجية التركي أن “هناك مساعيَ إسرائيلية من أجل إضعاف سورية وخلق أجواء من الفوضى فيها وهذا مرفوض”، محذراً “قسد” من المماطلة بتنفيذ الاتفاقية مع دمشق. وصعّد وزير الخارجية التركي من نبرة الحديث عن التدخلات الخارجية في سورية، مؤكداً أن “هناك أطرافاً تسعى إلى افتعال الأزمات للحكم الجديد، ولكن يجب الجميع أن يدعم هذه المرحلة، كما يجب حماية حقوق الدروز والعلويين كما أن الأكراد يجب عدم إنكار هويتهم”. ورداً على سؤال حول تصرفات “قسد”، أجاب فيدان أن “هناك تصريحات عديدة نجد أنها متباينة مع بنود اتفاق مارس، ولديهم تصريحات تتحدث عن عدم التزامهم بها، ولا يهمهم ما يجري في تركيا من مرحلة خالية من الإرهاب (في إشارة إلى قرار حزب العمال الكردستاني التخلي عن سلاحه)”. وأضاف: “أقول لهم، هل يهمكم تحولكم إلى أداة لإسرائيل؟ يجب التخلي عن هذه الاستراتيجية. كيف ذلك؟ ستأتي دولة لتحميكم”.

وكان موقع أكسيوس، قد نقل أول من أمس، عن مسؤول أميركي ومسؤولين إسرائيليين، أن باريس ستستضيف، الأسبوع المقبل، اجتماعاً ثلاثياً يجمع برّاك ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر والشيباني، لبحث تطورات الأوضاع في السويداء. وقالت مصادر أكسيوس، إن “إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترامب تحاول الوساطة بين إسرائيل وسورية من أجل التوصل إلى اتفاق لإقامة ممر إنساني بين إسرائيل ومدينة السويداء، من أجل نقل مساعدات للمواطنين الدروز”. غير أن مصدراً حكومياً سورياً أبلغ تلفزيون “العربي” أن الأخبار المتداولة عن لقاء سوري إسرائيلي في باريس عارية عن الصحة.

ورأى الباحث في مركز جسور للدراسات وائل علوان، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن الحراك الإقليمي والدولي النشط حالياً يهدف إلى احتواء الأزمة التي أحدثها التدخل الإسرائيلي في سورية بعد أحداث السويداء وترتيب الأوضاع في المحافظة بعد اتفاق وقف النار. وأضاف أن القوى الإقليمية وعلى رأسها السعودية وتركيا، والدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة، جادّون في دعم الاستقرار السياسي والأمني، وبالتالي الدخول من بوابة الاستثمارات والإنعاش الاقتصادي في سورية، ليس حبّاً بالحكومة السورية الجديدة، وفق تعبيره، وإنما لمصالح متقاطعة تحتاج إلى بيئة استقرار حقيقية في المنطقة. وأكد علوان أن استقرار سورية هو جزء من هذا المشهد. وأشار الباحث إلى أن اجتماعي عمّان وأنقرة وما سيلحقهما من اجتماعات، تهدف إلى إيجاد تنسيق عال جداً ما بين الحكومة السورية وضامني وقف إطلاق النار مع إسرائيل وهما الأردن وتركيا. وهذا التنسيق برأيه، سيساهم ليس في حل أزمة السويداء فقط، وإنما حلّ أزمة شمال شرقي سورية.

واللافت في التحركات السياسية الأخيرة في سورية هو زيارة وفد من “الإدارة الذاتية” لشمال شرقي سورية أول من أمس، دمشق، وعقد اجتماع مع الحكومة السورية، ضمّ رئيسة دائرة العلاقات الخارجية إلهام أحمد، التي عقدت اجتماعاً مع الشيباني، تلاه بيان صدر عن “الإدارة الذاتية” أكدت فيه استعدادها للمشاركة في تنفيذ القرار الأممي 2254، والمشاركة في تشكيل هيئة حكم انتقالي، مطالبة بوقف العمليات العسكرية وصياغة دستور توافقي جديد.

وتزامنت هذه الاجتماعات مع تصعيد عسكري على الأرض بين الجيش السوري و”قسد”، عقب مؤتمر الحسكة الذي أغضب الحكومة السورية. ويوم أول من أمس، اتهمت وزارة الدفاع السورية، مجموعتين تابعتين لـ”قسد” بالتسلّل إلى نقاط انتشار الجيش السوري شرق حلب (منطقة تل ماعز)، ما أسفر عن اندلاع اشتباكات بين الطرفين ومقتل جندي سوري، وهو ما نفته “قسد”.

ورأى الباحث السياسي، درويش خليفة، أن طبيعة المرحلة فرضت ضرورة تحرك إقليمي – دولي لمعالجة الأزمات التي عادت لتعصف ببنية المجتمع والدولة السورية، نتيجة الاضطرابات الأمنية التي خلّفت شروخاً مجتمعية بين بعض المكوّنات والسلطات السورية، عقب أحداث الساحل وجرمانا وصحنايا، ثم السويداء، التي دفعت بالأوضاع إلى طريق شبه مسدود بفعل التدخل الإسرائيلي وأقلمة ملف السويداء. وأضاف خليفة في حديث لـ”العربي الجديد” أن شرق البلاد يشهد بالتوازي توتراً مضبوطاً بموجب اتفاق 10 مارس برعاية أميركية ومتابعة فرنسية. واعتبر أنه انطلاقاً من هذا الواقع، جاءت التحركات الأخيرة للأردن والولايات المتحدة في محاولة لإيجاد حلول تعيد الأمور إلى نقطة الانطلاق، عبر طرح خيار “اللامركزية الإدارية” كأحد المخارج المحتملة لتجاوز الاضطرابات المتكررة.

ومع استعصاء الحل في السويداء وصعوبة إيجاد توافق أو تقارب بين الحكومة السورية والقوى الفاعلة في السويداء وأبرزها مجلس السويداء العسكري والرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز الشيخ حكمت الهجري، رأى الحقوقي السوري والناشط في مجال السلم الأهلي بالساحل، أمجد الغريب، أن فشل السلطة الحالية داخلياً، منذ بداية استلامها مهامها ومحاولة تمسكها بالحكم دون إشراك أحد وعدم أخذ الحوار الوطني على محمل الجد، هو ما أدى إلى الوصول إلى طريق مسدود وتدخل الدول الإقليمية والدولية في تفاصيل الملف السوري. ورأى في حديث لـ”العربي الجديد”، أن هناك ضغوطاً كبيرة تمارس حالياً على دمشق بعد أحداث السويداء للحصول على تنازلات منها ومصدرها، تحديداً، إسرائيل والولايات المتحدة، مضيفاً أن دمشق تواجه في الوقت ذاته ضغوطاً تركية لحل مسألة شمال شرقي سورية. واعتبر أنه “دون حلول توافقية وتغيير عقلية الحكومة والتوجه للداخل بدل الخارج، ستبقى حالة الاستعصاء السياسي مع غياب الثقة بين مكونات المجتمع السياسي، وسيبحث كل طرف عن حليف إقليمي أو دولي يدعمه، والحل ببساطة هو العودة للحوار السوري الحقيقي وعدم إقصاء أحد”.

———————-

فيدان والشيباني : رسائل لإسرائيل وتحذيرات لقسد

بعد أسبوع واحد فقط من زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى دمشق، استضافت أنقرة، الأربعاء، اجتماعاً رفيع المستوى جمع فيدان بنظرائه السوريين في الخارجية والدفاع ورئيس جهاز الاستخبارات، لبحث ملفات التعاون والقضايا ذات الاهتمام المشترك بين البلدين.

فيدان: إسرائيل من أكبر الأطراف الفاعلة في الصورة المظلمة بأحداث السويداء السورية

جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده الأربعاء في العاصمة أنقرة مع نظيره السوري أسعد الشيباني.

وأشار فيدان إلى وجود ممارسات تهدف إلى تحويل التطورات الإيجابية في سوريا إلى مسارات سلبية ووقفها، مضيفاً أن سوريا تمثل إحدى الركائز الأساسية للسياسات التوسعية الإسرائيلية في المنطقة.

وأوضح الوزير التركي أن إسرائيل تُعَدّ أحد أكبر الأطراف المؤثرة في الأحداث التي شهدتها السويداء، مؤكداً ضرورة دعم الجميع للمرحلة الحالية في سوريا وضمان شعور كل مكونات الشعب بالمساواة.

وشدد على أن سوريا الجديدة يجب أن تكون دولة تحافظ على حقوق جميع المكونات والمعتقدات والثقافات، مؤكداً أن تركيا تقدم توصيات في هذا الاتجاه.

فيدان محذرًا “واي بي جي” الإرهابي: تخلوا عن تهديد تركيا والمنطقة

وجه وزير الخارجية التركي هاكان فيدان تحذيرًا لتنظيم “بي كي كي/ واي بي جي” الإرهابي المعروف باسم “قسد” لضرورة التخلي عن تهديد تركيا والمنطقة عبر إرهابيين جمعهم من شتى أنحاء العالم.

جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي مع نظيره السوري أسعد الشيباني، الأربعاء، في العاصمة أنقرة.

وأكد فيدان أن أنقرة لن تتسامح مع التطورات المتعلقة بـ”بي كي كي/ واي بي جي” في سوريا.

ووجه فيدان خطابه لـ”واي بي جي” قائلا: “تخلوا عن تهديد تركيا والمنطقة عبر الإرهابيين الذين جمعتموهم من شتى أنحاء العالم”.

وأضاف: “بدأنا نشاهد تطورات لا يمكننا التسامح معها ونرى أن عناصر التنظيم الإرهابي لم يخرجوا من سوريا”.

وشدد على أن أنقرة لا تملك رفاهية البقاء مرتاحة في جو لا تُلبى فيه المطالب الأمنية لتركيا بسوريا.

وأكد ضرورة تخلي “واي بي جي” وقياداته عن سياسة كسب الوقت والمماطلة، مبينًا أن الفوضى التي ينتظرونها لن تحدث، وحتى إن حدثت فلن تحقق النتيجة التي يتمنونها أبدا.

وردا على سؤال بشأن تصريحات لـ”بي كي كي/ واي بي جي” التي أعلن فيها عدم نيته إلقاء السلاح وعدم تطبيق اتفاق 10 مارس مع حكومة دمشق، أجاب فيدان أن أنقرة تتحلى بنية طيبة تجاه سوريا، وتؤمن بضرورة حماية حقوق الجميع ومعتقداتهم وثقافتهم وهويتهم.

وأشار إلى وجود إرادة لدى الطرفين التركي والسوري للقيام بشيء ما عبر السلام والوئام ومن خلال الحوار. وقال: “إنها إرادة تاريخية، ويجب استغلالها”.

وأشاد فيدان بالجهود الإيجابية للسفير الأمريكي لدى أنقرة، مبعوث واشنطن إلى دمشق توماس باراك بهذا الصدد.

ولفت إلى وجود مسار يهدف إلى دمج تنظيم “بي كي كي/ واي بي جي” الإرهابي في سوريا ضمن عملية تفاهم مع الحكومة السورية، بحيث يفقد التنظيم طبيعته التهديدية ويصبح جزءًا من مسار اندماجي، مبينًا أن تركيا تنظر إلى هذا المسار كعملية بنّاءة.

وشدد على ضرورة تخلي “واي بي جي” الإرهابي وقياداته عن سياسة كسب الوقت والمماطلة، “فالفوضى التي ينتظرونها لن تحدث، وحتى إن حدثت فلن تحقق النتيجة التي يتمنونها أبداً”.

الشيباني: مؤتمر الحسكة لا يمثل الشعب السوري وينتهك اتفاق 10 آذار

اعتبر وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني أن المؤتمر الذي عقدته ما تسمى قوات قسد في الحسكة قبل أيام “لا يمثّل الشعب السوري”، لافتاً إلى أن المؤتمر يشكّل انتهاكاً لاتفاق 10 آذار الموقع بين رئيس الجمهورية السيد أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي.

وأوضح الشيباني خلال المؤتمر الصحفي، أن مؤتمر الحسكة “لا يمثل الغالبية العظمى من النخب العشائرية والكردية، وقد حاول استغلال أحداث السويداء، إضافة إلى كونه يعد انتهاكاً لاتفاق اندماج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة”.

وقال: “نواجه تحديات جديدة لا تقل خطورة عن تحديات سنوات الحرب التي أرهقت البلاد”، مشيراً إلى أنه “لا يمكن الحديث عن المستقبل دون الوقوف على أوضاع البلاد”.

ووصف الشيباني ما حدث في السويداء بأنه “أمر مفتعَل من قبل إسرائيل لبث الفتنة الطائفية في تلك المنطقة”، مؤكداً أن “السويداء وأبناءها جزء من النسيج الاجتماعي السوري ولا نقبل بإقصائهم أو تهميشهم، ونحن ملتزمون بمحاسبة جميع مرتكبي الانتهاكات في السويداء”.

—————————-

تركيا تتهم “قسد” بعرقلة وحدة سورية وتكشف تفاصيل التفاهم الأمني/ جابر عمر

14 اغسطس 2025

جددت تركيا اتهامها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، اليوم الخميس، بعدم تنفيذ الاتفاق الموقع مع الحكومة السورية في 10 مارس/آذار الماضي، وعرقلة جهود الحفاظ على وحدة سورية. وقالت مصادر في وزارة الدفاع التركية في تصريحات نقلتها وسائل إعلام تركية إنه منذ توقيع الاتفاق بين الحكومة السورية و”قسد”، لم تلتزم الأخيرة بأي من بنود الاتفاق، وواصلت محاولات تقويض الوحدة السياسية للبلاد وسلامة أراضيها.

واعتبرت المصادر أن “قسد” قدمت “خطاباً انفصالياً” في مؤتمر “وحدة الموقف لمكونات شمال شرقي سورية”، الذي عُقد بمدينة الحسكة في 8 أغسطس/آب الجاري، مشيرة إلى أن ذلك يتعارض مع الاتفاق الموقع مع الحكومة السورية، التي أظهرت من جهتها نهجاً شاملاً ومتكاملاً يهدف إلى إنهاء جميع الانقسامات العرقية والدينية والطائفية داخل حدود البلاد. وأضافت المصادر أن “السلوك الاستفزازي والمثير للانقسام الذي تمارسه قسد الإرهابية يُعرقل هذه العملية”، وأن دعوات الحكومة السورية إلى “دولة واحدة وجيش واحد ضرورية للسلام والاستقرار اللذين طال انتظارهما في المنطقة”.

وشددت المصادر على أن وزارة الدفاع التركية تتوقع “الالتزام الكامل بالاتفاق الموقع وتنفيذه سريعاً على أرض الواقع، ما يؤدي إلى بناء سورية مستقرة، سلمية، آمنة، وخالية من الإرهاب”، مشيرة إلى أن الوزارة أكدت منذ البداية التزام أنقرة بالحفاظ على وحدة سورية السياسية وسلامة أراضيها، و”تم تعزيز هذا المطلب بتوقيع مذكرة التفاهم المشتركة للتدريب والاستشارات أمس الأربعاء”.

ورداً على سؤال حول محتوى المذكرة الموقعة أمس بين سورية وتركيا، قالت المصادر إن هذه الوثيقة تمثل خطوة مهمة في إطار التعاون بين أنقرة ودمشق، وذكّرت بأن “تركيا أكدت مراراً التزامها بدعم سورية في حربها ضد الإرهاب وتعزيز قدراتها الدفاعية والأمنية”. وأوضحت: “تهدف المذكرة إلى تنسيق وتخطيط التدريب والتعاون العسكريين، وتقديم الاستشارات وتبادل المعلومات والخبرات بما يتماشى مع احتياجات الدفاع، وضمان شراء المعدات العسكرية وأنظمة الأسلحة والمواد اللوجستية والخدمات ذات الصلة، وتقديم الدعم الفني والتدريب لاستخدامها عند الحاجة”. وأشارت المصادر إلى أنه “يجرى حالياً تطوير معارف وخبرات وموارد القوات المسلحة التركية، وبفضل خبراتها، ستواصل دعم سورية في حربها ضد الإرهاب وتعزيز قدراتها الدفاعية والأمنية”.

ووقّعت كل من سورية وتركيا، أمس الأربعاء، مذكرة تفاهم للتدريب والاستشارات المشتركة على الصعيد العسكري، تهدف إلى تعزيز قدرات الجيش السوري وتطوير مؤسساته وهيكليته، ودعم عملية إصلاح قطاع الأمن بشكل شامل. وقالت وزارة الدفاع التركية في منشور، الأاربعاء، إن وزير الدفاع يشار غولر استقبل نظيره السوري مرهف أبو قصرة ووزير الخارجية أسعد حسن الشيباني ومدير المخابرات العامة حسين السلامة في مقر وزارة الدفاع. وأضافت أنه عقب الاجتماع الذي تناول قضايا الدفاع والأمن الثنائية والإقليمية، وقّع غولر وأبو قصرة مذكرة تفاهم للتدريب والاستشارات المشتركة.

وتشمل الاتفاقية بين سورية وتركيا، وفق وكالة الأنباء السورية (سانا)، التبادل المنتظم للأفراد العسكريين للمشاركة في دورات تدريبية متخصصة، تهدف إلى رفع الجاهزية العملياتية وتعزيز القدرة على العمل المشترك، فضلاً عن تدريب على المهارات المتخصصة، مثل برامج في مجالات مكافحة الإرهاب، وإزالة الألغام، والدفاع السيبراني، والهندسة العسكرية، واللوجستيات، وعمليات حفظ السلام، وفقاً لأفضل الممارسات الدولية.

———————

الدفاع التركية: قسد لم تنفذ أي بند من الاتفاق مع الحكومة السورية

وزير الخارجية التركي قال إن “على وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية التوقف عن سياسة كسب الوقت”

الرياض – العربية.نت

14 أغسطس ,2025

أعلن مصدر بوزارة الدفاع التركية أن بلاده ستساعد سوريا بتزويدها بأنظمة أسلحة وأدوات لوجستية بموجب اتفاق تعاون عسكري تم توقيعه، الأربعاء، مضيفاً أن أنقرة ستدرب الجيش السوري أيضاً على استخدام هذه المعدات إذا لزم الأمر.

وصرح المصدر للصحافيين في أنقرة أن قوات سوريا الديمقراطية لم تف بأي من الشروط المنصوص عليها في اتفاق مارس الفائت مع دمشق بشأن دمج “قسد” في أجهزة الدولة السورية، مشدداً على أن أنقرة تتوقع أن تحترم الاتفاق على وجه السرعة، وفق رويترز.

“التوقف عن المماطلة”

يأتي ذلك فيما قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الأربعاء، إن على وحدات حماية الشعب الكردية، التي تقود قوات سوريا الديمقراطية المدعومة من الولايات المتحدة، التوقف عن المماطلة والالتزام باتفاق الاندماج مع الحكومة السورية.

كما تابع فيدان خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره السوري أسعد الشيباني في أنقرة، أن “على وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية التوقف عن سياسة كسب الوقت”، مضيفاً: “تعاملنا مع (هذه العملية) بنوايا حسنة لا يعني أننا لا نرى حيلكم”.

من جانبه، انتقد الشيباني “قسد” لعقدها مؤتمراً دعا إلى مراجعة الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع بوقت سابق من هذا العام. واتهم قوات سوريا الديمقراطية بأنها سعت إلى استغلال أحداث السويداء. كذلك وصف المؤتمر بأنه انتهاك لاتفاق دمج “قسد” في مؤسسات الدولة.

أول خطوة

وبعد اجتماع عقد في وقت لاحق بين الوفد السوري ووزير الدفاع التركي يشار جولر، أعلنت وزارة الدفاع التركية أن الجانبين وقعا مذكرة تفاهم بشأن التدريب والتشاور العسكري.

كما أفاد مصدر في وزارة الدفاع التركية أن أنقرة ودمشق تتفاوضان منذ أشهر للتوصل إلى اتفاق تعاون عسكري أكثر شمولاً، وأن المذكرة التي وقعت، الأربعاء، تشكل أول خطوة في هذا الاتجاه.

وتعتبر أنقرة “قسد” التي تسيطر على مناطق في شمال شرقي سوريا جماعة إرهابية على صلة بحزب العمال الكردستاني المحظور الذي حمل السلاح ضد الدولة التركية على مدى عقود.

يشار إلى أن الاتفاق الذي وقع بين الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي في العاشر من مارس، كان نص على دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة للإدارة الذاتية الكردية شمال شرقي البلاد في إطار الدولة السورية ومؤسساتها العسكرية.

—————————–

 الجيش السوري والعشائر يشتبكون مع “قسد” في دير الزور وريفها

أفاد مراسل تلفزيون سوريا بوقوع اشتباكات بين الجيش السوري و”قوات سوريا الديمقراطية/ قسد” في مدينة دير الزور، وأخرى بين أبناء العشائر و”قسد” في الريف الشرقي من المحافظة.

وقال المراسل إن اشتباكات بالأسلحة الرشاشة والقذائف الصاروخية اندلعت ليلة الأربعاء – الخميس، بين الجيش السوري و”قسد”، على ضفتي نهر الفرات في الطرف الغربي من مدينة دير الزور.

وأوضح أن الاشتباكات جاءت بعد استهداف عناصر “قسد” المتمركزين على ضفة نهر الفرات بالريف الغربي، نقطة عسكرية يتمركز فيها الجيش السوري بالقرب من مستشفى القلب بمدينة دير الزور على الضفة المقابلة، ما أدى إلى إصابة بعض عناصر النقطة وصيادين من أبناء المنطقة. وردّت قوى الجيش بدورها على مصادر النيران. 

بالتزامن مع ذلك، شهدت بلدة غرانيج بريف دير الزور الشرقي اشتباكات عنيفة بين “قسد” ومسلحين من أبناء عشائر المنطقة.

وقال مراسل تلفزيون سوريا إن “قسد” استقدمت تعزيزات عسكرية ضخمة وحاصرت حي “الهايس” في البلدة، مضيفاً أن الاشتباكات أسفرت عن إصابة أكثر من 5 مدنيين، وسط أنباء تفيد بأسر مقاتلي العشائر 4 عناصر من “قسد”.

ويأتي ذلك بعد يوم من إعلان وزارة الدفاع السورية، الثلاثاء، مقتل عنصر من الجيش السوري إثر هجوم شنّته مجموعتان من “قوات سوريا الديمقراطية – قسد” على نقاط عسكرية في منطقة تل ماعز بريف حلب الشرقي.

وذكرت الوزارة، عبر وكالة “سانا”، أن وحدات الجيش تصدّت للهجوم وأفشلت محاولة التسلل، وأجبرت المهاجمين على الانسحاب إلى مواقعهم، مؤكدة أن الرد جرى ضمن قواعد الاشتباك.

وأوضحت أن هذا التصعيد يأتي بالتزامن مع استمرار “قسد” في استهداف مواقع الجيش في منبج ودير حافر، وقيامها بإغلاق طرق مؤدية إلى مدينة حلب انطلاقًا من مواقعها قرب دوار الليرمون، معتبرة أن هذه التحركات تنتهك التفاهمات مع الحكومة السورية.

وطالبت وزارة الدفاع “قسد” بالالتزام بالاتفاقات الموقعة، محذّرة من “عواقب جديدة” في حال استمرار عمليات التسلل والاستهداف.

ويُعد هذا الهجوم الثاني خلال أيام، حيث أحبطت قوات الجيش السوري، في الثاني من الشهر الجاري، محاولة تسلل قرب قرية الكيارية بريف منبج، تخللها قصف صاروخي استهدف منازل المدنيين، ما أسفر عن إصابة 4 عسكريين و3 مدنيين.

ويأتي التصعيد في ظل تعثّر المفاوضات بين الجانبين بعد اتهام دمشق لـ”قسد” بعدم تنفيذ اتفاق العاشر من آذار، وتنظيمها مؤتمراً سياسياً مناهضاً للحكومة في الحسكة.

————————–

========================

تحديث 13 آب 2025

====================

———————————–

حلف الأقليات”.. نبوءات تحقّق نفسها في سورية/ مروان قبلان

13 اغسطس 2025

أثار ما سمّي مؤتمر “وحدة الموقف لمكوّنات شمال سورية وشرقها”، والذي دعت إليه السبت الماضي (9 أغسطس/ آب الجاري) في الحسكة “الإدارة الذاتية لشمال شرق سورية”، وهي الجناح الخدمي والإداري لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، جدلاً كبيراً بين السوريين. وقد قرأته الإدارة الجديدة في دمشق بأنه تحدٍّ كبير، وتصعيد خطير، بعدما جمع المؤتمر تقريباً كل خصومها، ما دعاها إلى إلغاء اجتماع كان مقرّراً عقده في باريس مع قيادة “قسد”، لمتابعة التفاوض حول تنفيذ اتفاق العاشر من مارس (الماضي)، والذي ينص على إدماج الأخيرة في مؤسّسات الدولة السورية الجديدة.

دمشق محقّة في ردّة فعلها القوية على مؤتمر الحسكة، ولإدارة أحمد الشرع أن تقلق، لأن المؤتمر، وإن أُعدّ على عجل، قد يشكل نواة لتحالف سياسي – عسكري، لا ينبغي الاستهانة به، وخصوصاً أن أطرافاً خارجية تشجّع عليه وتدفع إليه (ليست إسرائيل فقط)، أملاً إما في إسقاط الإدارة الجديدة، وإذا تعذّر ذلك فالتقسيم إذاً، أو العودة إلى الحرب الأهلية. وقد دفع ذلك نشطاء عديدين قريبين من إدارة دمشق إلى الحديث عن نشوء “تحالف أقليات” يسعى إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وهي مخاوف قد تكون واقعية، فهناك كثيرون تضرّروا جرّاء سقوط النظام السابق، وربما بدأوا بتنظيم صفوفهم وتنسيق جهودهم، في ضوء ما يروْنه ضعفاً اعترى سلطة دمشق، نتيجة سوء إدارة أزمة السويداء. لكن هذا لا يكفي لفهم مؤتمر الحسكة ومعانيه، بل يحتاج الأمر إلى طرح الأسئلة الأكثر جوهرية: كيف وصلنا أصلاً إلى هذه النقطة، ولماذا اجتمع هؤلاء في المقام الأول، وكيف سمحنا بنشوء هذا التحالف، ومن المسؤول عن ذلك، وأين تتّجه الأمور، وخصوصاً أن التذمر والانتقاد لممارسات السلطة الجديدة لم يعد مقتصراً على “الأقليات”، بل امتد ليشمل فئاتٍ لا يستهان بها من الأكثرية السورية، ولماذا بدّدت هذه السلطة الرصيد الذي حازته، في صفوفها، لحظة إسقاط النظام؟

لم يكن المرء يحتاج ملكاتٍ، أو قدراتٍ تحليليةً من نوع خاص، حتى يدرك أن المسار المتّبع منذ ديسمبر/ كانون الأول الماضي سوف يوصلنا حتماً إلى حيث نقف اليوم، فمنذ شهور ونحن نحذّر من أن الإدارة الجديدة لن تستطيع حكم سورية بالطريقة التي تفعل، وأنها، في حقيقة الأمر، تناقض جوهر مصالحها، فهي عندما تقوم بالإقصاء، وتضييق قاعدة حكمها، وخنق السياسة في المجتمع، وتبنّي خطابٍ يعمّق الانقسام الطائفي، وعدم السيطرة على ممارسات عناصرها على الأرض، إنما تكثر خصومها، تحشُرهم في زاوية، وتدفعهم إلى التكافل والتضامن ضدها. هذه ألف باء الممارسة السياسية، ومع الاستمرار في هذا النهج لن يحتاج خصوم السلطة الجديدة، قطعاً، التآمر عليها، أو التخطيط للنيْل منها، فهي تكفيهم، في حقيقة الأمر، مؤونة ذلك.

بدلاً من الحسكة، كان ينبغي لمؤتمر “وحدة الموقف” أن يُعقد في دمشق بدلاً من “مؤتمر النصر”، أو حتى كجزء منه، مباشرة بعد سقوط النظام، بدعوة الإدارة الجديدة وتنظيمها وإشرافها، وبمشاركة واسعة من فئات المجتمع السوري كافة (المهزوم فيه قبل المنتصر)، للاتفاق على كيفية إعادة بناء الدولة، شكلها، نظام الحكم فيها، والنموذج الاقتصادي الذي يرتضيه السوريون، ويحقّق تطلعاتهم. هكذا تُبنى الدول، وهكذا يتصرّف المنتصر، الذي يبتغي جمع الناس حوله، حكمهم بالتراضي، كفّ يد التدخلات الأجنبية، التحرّر من الماضي والتطلّع إلى المستقبل، وتحقيق السلم المجتمعي بعد أعوام من الصراع المرير.

الآن وقد صرنا هنا، لا يجدُر التعامل مع مؤتمر الحسكة والتداعيات المترتّبة عليه، كما درجت العادة، بتوعّد المشاركين فيه بالويل والثبور وعظائم الأمور، ولا بالاستنفار والتخوين والتلويح باستخدام القوة، بل بمراجعة المسار الذي انطلق قبل ثمانية شهور، وبات ينقلنا من خطأ إلى خطأ أكبر. وهذا لا يكون أيضاً بتشكيل مزيدٍ من لجان التحقيق في المصائب التي تباغتنا بين فينةٍ وأخرى، بل في منع تفجّر المصيبة، في المقام الأول. تواجه سورية اليوم تهديداً وجودياً في ظل الانقسام الذي يتعمّق بين مكوّناتها الاجتماعية، وتقتضي مسؤوليتنا، وانتماؤنا، عرباً وسوريين، أن نمنع، إزاء ذلك، السلطة الجديدة من الفشل في إدارة شؤون البلاد، لأن فشلها يعني تفكّك سورية وانهيارها، وأن نحمي هذه السلطة من نفسها، أيضاً، حتى نعبر معاً إلى برّ الأمان، لأن ما يحصل ببساطة لا يعدو كونه نبوءات تحقّق نفسها (self-fulfilling prophecies) من خلال ارتكاب الأخطاء، والإصرار عليها، وأيضاً من خلال عداوات لا نفتأ نخلق مزيداً منها بيننا.

العربي الجديد

——————————-

إلى أين تتجه العلاقة بين دمشق و”قسد”؟/ عبد الحليم سليمان

مراقبون: على رغم إعلان الحكومة الانتقالية انسحابها من “لقاء باريس” لكن الأمل ما زال موجوداً

الأربعاء 13 أغسطس 2025

أثار انعقاد مؤتمر لمكونات شمال وشرق سوريا حفيظة الحكومة السورية التي هددت من خلال مصدر رسمي بعدم حضور اجتماعات باريس مع الإدارة الذاتية، لكن المشاركين في المؤتمر يصرون على الحوار كمبدأ للوصول إلى حلول والخروج بالوضع السوري إلى بر الأمان.

كشف اجتماع بين السوريين في مدينة الحسكة الجمعة الماضي عن مدى هشاشة الوضع القائم في عموم البلاد، وبالتحديد في العلاقة بين السلطة الانتقالية والمكونات الدينية والعرقية المختلفة، ولا سيما في ملف التفاوض بين الإدارة الذاتية ودمشق، التي خرجت ببيان على لسان مصدر مسؤول وآخر في “الخارجية”، يعلنان فيه رفض الاجتماع ومخرجاته، وكذلك عدم المشاركة في جولة تفاوضية من المقرر أن تعقد بين الطرفين في العاصمة الفرنسية باريس.

فاجتماع الحسكة الذي سمي بـ”كونفرانس وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا” ضم تشكيلات اجتماعية وقومية وسياسية مختلفة من كرد وعرب وسريان آشوريين وتركمان وأرمن وشركس وغيرهم، “للتعبير عن التزامهم بمسار وطني ديمقراطي جامع، قائم على التنوع والشراكة الحقيقية والمواطنة الحرة المتساوية”.

الاجتماع حضرت له مجموعة تعرف بــ”المبادرة المجتمعية لمكونات شمال وشرق سوريا”، والمؤلفة من ناشطين من مختلف الأطراف المشاركة فيه، وكان يعد له قبل نحو شهرين في الأقل استكمالاً لنظيره الذي جمع الأطراف الكردية في مدينة القامشلي في الـ26 من أبريل (نيسان) الماضي، لكنه تأخر بسبب ما جرى من أحداث في الداخل السوري، لا سيما في السويداء جنوب البلاد.

واستند الكونفرانس إلى أن التنوع القومي والديني والثقافي في شمال وشرق سوريا هو مصدر غنى وقوة لسوريا الدولة والمجتمع، مشدداً على ضرورة ترسيخ هذا التنوع والتمثيل العادل للمكونات كافة في الحياة السياسية والاجتماعية والإدارية، “بما يعزز وحدة المجتمع والهوية الوطنية”. وأن نموذج الإدارة الذاتية هو “تجربة تشاركية قابلة للتطوير والتعميم، ومثال حي على الحوكمة ودولة القانون”.

كذلك اعتبر قوات سوريا الديمقراطية نواة ضرورية لبناء جيش وطني سوري جديد، مهني تطوعي، ويعكس التنوع في المجتمع السوري، ويحمي حدود البلاد وكرامة مواطنيها. ودان بشدة الانتهاكات في حق أبناء الشعب السوري، التي وصفها بأنها لا تختلف عما ارتكبه النظام المركزي البائد، وبخاصة الأحداث الدامية في غرب البلاد وجنوبها، التي قد ترتقي إلى جرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية، وتحتاج بكل تأكيد إلى تحقيق حيادي ومستقل وبإشراف دولي، وفق البيان الختامي للاجتماع.

مخرجات “الحسكة”

خلص الاجتماع إلى جملة من المواقف والمطالبات، منها أن الإعلان الدستوري الراهن لا يلبي تطلعات الشعب السوري، داعياً إلى إعادة النظر فيه وتعديله بصورة تضمن التشاركية والتمثيل العادل في المرحلة الانتقالية، وأن الحل المستدام يمر عبر دستور ديمقراطي يكرس ويعزز حقيقة المجتمع السوري في تنوعه القومي والثقافي والديني، ويؤسس لدولة موحدة لا مركزية تضمن المشاركة الحقيقية للمكونات كافة في عملية بناء الدولة وإدارتها.

وشدد المجتمعون على أن تحقيق المصالحة الوطنية يتطلب إطلاق مسار فعلي للعدالة الانتقالية يقوم على الكشف عن الحقيقة والمساءلة والمحاسبة عن الانتهاكات المرتكبة وجبر الضرر من دون تمييز بين الضحايا، وضمان عدم التكرار بما يهيئ البيئة الملائمة لعودة آمنة وكريمة وطوعية للمهجرين والنازحين، ورفض أشكال التغيير الديمغرافي كافة، وترسيخ قيم السلم الأهلي، وحرية المعتقد، وثقافة الحوار ونبذ خطاب الكراهية، والنعرات الطائفية، وكذا ضرورة إعادة النظر في التقسيمات الإدارية الحالية، “بما ينسجم مع الواقع الديموغرافي والتنموي لسوريا، ويعكس الخصوصيات الجغرافية والتاريخية والثقافية للمجتمعات المحلية”.

وأشاد المجتمعون في الكونفرانس بالاتفاق الذي وقع بين قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي ورئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، وكذلك بمخرجات كونفرانس “وحدة الصف والموقف الكردي”، بوصفها خطوات بناءة نحو توافق وطني شامل يعيد للسوريين ثقتهم بوطنهم ومستقبلهم المشترك، إضافة إلى تأكيد أهمية الدور الفعال للمرأة والشباب والمجتمع المدني في قيادة عملية إعادة البناء بصورة تضمن المشاركة الحقيقية في إدارة الدولة والمجتمع.

ودعا المجتمعون أيضاً إلى عقد مؤتمر وطني سوري “جامع وشامل”، تتشارك فيه مختلف القوى الوطنية والديمقراطية في رسم هوية وطنية حقيقية جامعة لكل السوريات والسوريين، “لأجل بناء مشروع وطني جامع يسير بسوريا نحو الاستقرار والسلام المستدام”، وفق ما جاء في البيان الختامي.

وفي الاجتماع ألقى ممثلو المكونات كلماتهم بصورة مباشرة إلى جانب مشاركة عبر تقنية الفيديو لكل من الشيخ غزال غزال رئيس المجلس الديني الإسلامي العلوي، والشيخ حكمت الهجري الرئيس الروحي لطائفة الموحدين الدروز في سوريا.

مصير المفاوضات

وكرد فعل على مجريات الكونفرانس ونتائجه صدر موقف عبر مصدر من الحكومة السورية بينت فيه رفض الكونفرانس، واعتبرت أنه “يسعى إلى إحياء عهد النظام البائد”، ونقلت الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا) السبت الماضي، عن مصدر حكومي قوله إن الحكومة السورية لن تشارك في اجتماعات مزمعة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي يقودها الأكراد في باريس. في حين أبدت مسؤولة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية إلهام أحمد استعدادهم لاستكمال المحادثات في اجتماع باريس المقبل، “مؤكدين أن الحوار والتوافق هما الطريق الوحيد لبناء مستقبل سوريا المزدهر لجميع أبنائها”.

لكن مصدراً دبلوماسياً فرنسياً أكد لوسائل إعلام سوريا، أنها لم تتلق حتى الآن أي طلب رسمي من الحكومة السورية في شأن عدم رغبتها في المشاركة في المفاوضات مع “قسد”، وقال المصدر لموقع “963+” أمس الإثنين، إن المفاوضات بين قوات سوريا الديموقراطية والحكومة السورية في العاصمة باريس قائمة والمسألة قيد النقاش. في حين ذكر مسؤول كردي رفيع المستوى أن اجتماع باريس يحضر له بصورة جيدة، وأن الملفات ذات الاهتمام المشترك بين الإدارة الذاتية ودمشق يجري التحضير لها.

من جهته قال السياسي الكردي البارز وعضو هيئة الرئاسة في حزب الاتحاد الديمقراطي آلدار خليل، إن الكونفرانس الذي انعقد في مدينة الحسكة يشكل محطة فارقة في المشهد السوري، “ليس بوصفه حدثاً سياسياً عادياً، بل باعتباره خطوة عملية لترسيخ حقيقة أن التعددية في سوريا ليست خياراً طارئاً أو حالاً مستوردة، بل هي جوهر الهوية السورية عبر التاريخ”.

وأضاف أن “الرد جاء من دمشق على صورة هجوم لفظي واتهامات وتحريض، في مشهد يثير تساؤلات حول أسباب الخوف من مبادرة محلية قائمة على الحوار”، متسائلاً “وهل المشكلة الحقيقية تكمن في مضمون الكونفرانس، أم في كونه يفتح الباب أمام نمط سياسي جديد يهدد عقلية الاحتكار القديمة؟”.

وختم السياسي الكردي بأن “مستقبل سوريا لن يرسم عبر الاتهامات المتبادلة، ولا عبر إحياء الخطابات القديمة التي فشلت في حماية البلاد من الانهيار، بل عبر الجرأة على مواجهة الحقائق”، وأن “التنوع هو جوهر الهوية السورية، والشراكة الوطنية هي الطريق الوحيد لبناء دولة عادلة”، وأن “الحوار بين المكونات ليس تهديداً بل ضمانة للسلام”، مشدداً على أن كونفرانس “وحدة الموقف لمكونات شمال وشرق سوريا” لم يكن سوى خطوة أولى في هذا الطريق، لكنه كشف بوضوح عن أن الأمل ما زال موجوداً، إذا ما توفرت الإرادة السياسية لاحتضانه بدلاً من محاربته، على حد تعبيره.

—————————-

 من الحسكة إلى بروكسل: “قسد” تتحرك خارجياً لتدويل ملف الإدارة الذاتية بـ”دعم أوروبي”.. والحكومة السورية ترفض

عربي بوست

2025/08/13

بدأت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الكردية في سوريا سلسلة من التحركات الجديدة خارج البلاد من أجل “تفعيل مخرجات” مؤتمر الحسكة الذي نظمته قبل أيام، ودعت فيه إلى كتابة دستور سوري جديد وتأسيس “جيش سوري” مستقل عن سلطة الحكومة السورية.

شهدت مدينة الحسكة قبل أيام عقد مؤتمر “وحدة الموقف لمكونات شمالي شرقي سوريا” تحت إشراف قوات سوريا الديمقراطية، في خطوة وصفتها دمشق بالخطيرة والمثيرة للجدل، ورفضت جميع مخرجات المؤتمر التي اعتبرتها مخالفة للقانون السوري وضد مكونات الدولة.

جمع المؤتمر ممثلين عن مكونات مختلفة من المجتمع السوري، بما في ذلك عرب وكرد وسريان ودروز وعلويين، بهدف صياغة رؤية سياسية بديلة للدولة السورية. وعلى خلفية هذا المؤتمر، سعت قسد إلى توسيع نشاطها السياسي خارج سوريا عبر سلسلة مؤتمرات مرتقبة في أوروبا، تهدف إلى استثمار الزخم الإعلامي والسياسي الذي أحدثه مؤتمر الحسكة للضغط على الحكومة السورية وتحقيق مكاسب سياسية وإدارية لمناطق سيطرتها.

مؤتمرات خارج سوريا

كشف مصدر في اللجنة الإعلامية المركزية لقوات سوريا الديمقراطية أن الحركة لم تكتفِ بالزخم الذي أحدثه مؤتمر الحسكة الأخير، بل تعمل حاليًا على الإعداد لسلسلة مؤتمرات جديدة في أوروبا، من المتوقع أن تُعقد خلال الأيام القليلة المقبلة، سواء في العاصمة البلجيكية بروكسل أو في فرنسا.

وأوضح المصدر أن الهدف من هذه التحركات هو “استثمار المناخ السياسي والإعلامي الذي صنعه مؤتمر الحسكة، وتحويله إلى ورقة ضغط إضافية على الحكومة السورية في أي مسار تفاوضي مقبل”.

وبحسب المصدر، فإن مؤتمرات أوروبا المرتقبة ستركز على إعادة طرح المطالب التي نوقشت في مؤتمر الحسكة، وعلى رأسها تكريس نموذج الإدارة الذاتية وتثبيت الحقوق السياسية والثقافية لمكونات شمال وشرق سوريا، في محاولة لإحراج دمشق أمام المجتمع الدولي ودفعها لتقديم تنازلات ملموسة في حال العودة إلى طاولة المفاوضات.

وأكد المصدر أن قسد تسعى لأن يكون الحضور في هذه الفعاليات أوسع وأكثر تنوعًا، بحيث يشمل ممثلين عن الجاليات الكردية والسريانية والأرمنية، إلى جانب منظمات حقوقية وشخصيات أوروبية متعاطفة مع قضاياها.

وأشار إلى أن مؤتمرات قسد وتحركاتها الخارجية المرتقب ترتيبها ستتنوع أماكنها ما بين بروكسل وفرنسا، التي تحتضن عددًا كبيرًا من قادة وأفراد الأكراد الذين يولون قوات قسد الولاء والدعم.

وكشف المصدر أن قسد كانت قد بدأت قبل أسابيع ترتيبات لإرسال العشرات من فريقها الإعلامي والأمني إلى باريس للترتيب للتحركات الإعلامية والسياسية في الفترة المقبلة، بالتنسيق مع الجالية الكردية الداعمة لقسد في فرنسا.

وأوضح أن هذه الخطوات لا تعني رفض قسد للتفاوض مع الحكومة السورية، لافتًا إلى أن الحركة أرسلت بالفعل وفدًا رسميًا إلى دمشق يوم الثلاثاء 12 أغسطس/آب 2025، لبحث جدول أعمال جولة المفاوضات التي تسعى الولايات المتحدة إلى عقدها في باريس بين قوات سوريا الديمقراطية وحكومة الرئيس السوري أحمد الشرع.

وأكد أن قسد “مستعدة للانخراط بشكل كامل في هذه الجولة التفاوضية”، وأنها “حريصة على تنفيذ بنود اتفاق مارس الماضي الذي تم توقيعه بين القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع”، موضحًا أن الاتفاق تضمن بنودًا تتعلق بتنسيق أمني وعسكري مشترك، وإجراءات لإشراك ممثلي الإدارة الذاتية في بعض الملفات الخدمية والاقتصادية، وهو ما ترى قسد أنه يشكل أساسًا صالحًا لأي تسوية مستقبلية.

؟

الحكومة السورية تتشكك

في الوقت نفسه، قال مصدر سوري في وزارة الدفاع إن تحرك قسد على مسارين متوازيين — التفاوض مع دمشق من جهة، وحشد الدعم الدولي عبر المؤتمرات الأوروبية من جهة أخرى — يعكس محاولة لزيادة أوراق الضغط وتعزيز الموقف التفاوضي، خصوصًا في ظل تراجع فرص الحسم العسكري، وتزايد القناعة لدى الأطراف الفاعلة بأن الحل السياسي هو الخيار الواقعي الوحيد لإنهاء النزاع في شمال وشرق سوريا.

كشف المصدر أن الأنشطة السياسية والإعلامية التي تقوم بها قوات سوريا الديمقراطية خارج البلاد تمثل مؤشرًا واضحًا على أن القوات الكردية لا تسعى إلى الوصول لتسوية سياسية حقيقية مع الحكومة السورية، بل تهدف – بحسب قوله – إلى خلق مسار موازٍ قائم على “الزخم الإعلامي والسياسي الضخم” في أوروبا والعالم، من أجل دعم موقفها ضد السلطة الحالية في دمشق.

وأوضح أن تحركات قسد، التي شملت مؤخرًا مؤتمر الحسكة وخططًا لعقد مؤتمرات في بروكسل أو فرنسا، تُظهر أن استراتيجيتها تعتمد على تدويل الملف الكردي واستثمار الدعم الغربي لكسب اعتراف سياسي أكبر بمشروع الإدارة الذاتية، بدل الانخراط في حوار داخلي جاد مع الحكومة السورية. وأضاف أن هذا النهج عزز قناعة دمشق بأن قسد ليست بصدد تقديم تنازلات أو البحث عن حلول وسط، بل تحاول فرض أمر واقع بدعم خارجي.

وأشار المصدر إلى أن هذه السياسات هي التي دفعت الحكومة السورية إلى الانسحاب من مفاوضات باريس التي كانت الولايات المتحدة تسعى لعقدها بين وفود دمشق وقسد، قبل انطلاقها. كما أوضح أن الاعتراض الرسمي على مؤتمر الحسكة جاء في السياق نفسه، باعتباره امتدادًا لتحركات تهدف – وفق توصيف دمشق – إلى تقويض وحدة البلاد وإضعاف سلطتها المركزية.

وبحسب المصدر، فقد أبلغت الحكومة السورية الجانب الأمريكي بشكل رسمي بموقفها من هذه التحركات، مؤكدة أن “قوات قسد حريصة على صناعة مزيد من المشاكل، وليس على البحث عن حلول لها”. ولفت إلى أن الرسالة التي نقلتها دمشق لواشنطن تضمنت تحذيرًا من أن استمرار هذه الأنشطة الخارجية لقسد لن يؤدي إلا إلى تعقيد المشهد السوري، وزيادة حالة الانقسام السياسي والاجتماعي.

ويأتي هذا الموقف في وقت تتصاعد فيه التوترات بين الجيش السوري وقسد في بعض مناطق الشمال الشرقي، وسط تبادل الاتهامات بخرق تفاهمات سابقة، ووسط محاولات أمريكية وفرنسية لإحياء مسار تفاوضي قد يواجه عراقيل أكبر بعد هذا الموقف العلني من دمشق.

توترات ميدانية

وبالتوازي مع تحركات قسد الإعلامية والسياسية خارج سوريا، شهدت عدة مناطق شمالي البلاد توترات ميدانية. وأكد مصدر في قوات قسد أن مجموعات تابعة للقوات الحكومية السورية نفذت خلال الأسابيع الماضية ما وصفها بـ”تحركات استفزازية” في محيط بلدة دير حافر وحيي الشيخ مقصود والأشرفية في ريف حلب، شملت إرسال تعزيزات عسكرية وتحليق طائرات مسيرة، بل وتنفيذ هجمات محدودة بعبوات ناسفة.

وأشار إلى أن هذه التصرفات تمثل خرقًا واضحًا للتفاهم المبرم بين مجلس أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وحكومة دمشق في الأول من أبريل/نيسان 2025، والذي كان يهدف لضمان الاستقرار وحرية الحركة للسكان مقابل التنسيق الأمني. وأضاف: “نحن ملتزمون بالاتفاق، لكن استمرار هذه الاستفزازات سيجبرنا على الرد دفاعًا عن المدنيين”.

رفض مصدر في وزارة الدفاع السورية هذه المزاعم، موضحًا أن التحركات العسكرية الأخيرة التي نفذها الجيش السوري في مناطق شمال وشرق البلاد، والتي اعتبرتها قسد خرقًا للاتفاقات، هي “تحركات قانونية بالكامل”، وأن “الجيش السوري يحق له التحرك في أي منطقة داخل الأراضي السورية باعتباره القوة الشرعية المخولة بفرض سلطة الدولة على كامل تراب الوطن”.

وأشار المصدر إلى أن ما تصفه قسد بـ”الاستفزازات” أو “التجاوزات” لا يعدو كونه تنفيذًا لواجب الجيش في بسط سيادة الدولة، معتبرًا أن “المشكلة الحقيقية تكمن في أن قسد هي التي بادرت بالاشتباك مع وحدات الجيش السوري في بعض المناطق، محاولةً صناعة أزمة عسكرية وفرض أمر واقع يخدم أجنداتها السياسية”.

وكشف المسؤول العسكري أن قيادة قسد “رفضت تنفيذ بنود الاتفاق المبرم بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي”، مؤكدًا أن دمشق التزمت بما تم الاتفاق عليه، بينما الطرف الآخر “تنصل من التزاماته”. وشدد على أن “قسد هي التي مطالبة باحترام القانون السوري وبنود الاتفاق، وليس العكس”.

وقال المصدر السوري في وزارة الدفاع إن اتهامات قسد تأتي في إطار تصعيد سياسي وعسكري بين الطرفين، وسط تزايد الخلافات حول مستقبل إدارة المناطق التي تسيطر عليها قسد ودور الجيش السوري فيها. فبينما تصر دمشق على عودة السيطرة الكاملة للدولة على كل الأراضي، تسعى قسد إلى الحفاظ على قدر من الاستقلالية الإدارية والأمنية، وهو ما تعتبره الحكومة السورية مخالفًا للدستور والقانون.

وأكد أن هذه التطورات تشير إلى احتمال ازدياد التوتر في المرحلة المقبلة، خاصة مع استمرار الوجود العسكري الأمريكي في مناطق سيطرة قسد والدعم الغربي لها، مقابل إصرار دمشق على المضي في سياسة “استعادة السيطرة الكاملة” التي تراها حقًا سياديًا غير قابل للتفاوض.

أزمة مؤتمر الحسكة: صراع سياسي بين قسد ودمشق

أثار مؤتمر “وحدة الموقف لمكونات شمالي شرقي سوريا” أزمة سياسية كبيرة بين الحركة والحكومة السورية. وفق مصدر أمني رفيع في قسد، لم يكن المؤتمر مجرد فعالية محلية، بل خطوة محسوبة لإعادة رسم خريطة الحوار السياسي السوري ووضع أساس لرؤية بديلة لمستقبل البلاد.

جمع المؤتمر ممثلين عن مختلف المكونات السورية، من عرب وكرد وسريان ودروز وعلويين، إضافة إلى شخصيات مستقلة من مناطق سيطرة الحكومة وأخرى من خارج نفوذها، بهدف وضع لبنة لمشروع سياسي بعيد عن حكومة أحمد الشرع.

أحد أبرز ما ميز المؤتمر هو حضور شيخ عقل طائفة الدروز في السويداء، حكمت الهجري، عبر كلمة مسجلة، وكذلك رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، غزال غزال، وهو ما اعتبره المصدر “رسالة واضحة بأن مكونات من الطيف السوري، بما فيها الأقليات التي كانت حذرة، بدأت تدرك ضرورة البحث عن صيغة سياسية جديدة تضمن حقوقها وأمنها”.

ودعا البيان الختامي للمؤتمر إلى صياغة دستور جديد يقوم على مبادئ الديمقراطية التعددية واللامركزية الإدارية والسياسية، مع ضمان تمثيل كافة المكونات القومية والدينية، مؤكدًا أن الهدف ليس التقسيم كما تزعم دمشق، بل تصحيح مسار تاريخي من المركزية المفرطة التي تهمش مناطق بأكملها وأشعلت الصراعات منذ 2011.

رفض دمشق

الحكومة السورية رفضت هذه الرؤية، معتبرة المؤتمر دعوة للانقسام. ونقلت وسائل الإعلام الرسمية عن دمشق وصفها المؤتمر بأنه “محاولة لإحياء نهج تقسيمي يخدم أجندات خارجية”، واتهمت المشاركين بتنفيذ “مشاريع تهدف إلى إضعاف الدولة السورية”.

وردت قسد بالقول: “إذا كانت الدعوة إلى الشراكة وتقاسم السلطة وفق آليات ديمقراطية تُعتبر تقسيمًا، فالمشكلة ليست فينا، بل في العقلية التي ما زالت تعمل بعقلية ما قبل 2011”.

وأوضح المصدر أن دعوة شخصيات دينية من السويداء والساحل كانت مقصودة لتوضيح أن البحث عن صيغة حكم جديدة ليس مطلبًا كرديًا فقط، بل قضية وطنية تمس جميع السوريين. وأضاف: “عندما يجلس شيخ عقل الدروز إلى جانب ممثل علوي وممثل عشيرة عربية في نفس الطاولة، فهذا يرسل رسالة بأن المكونات السورية تستطيع صياغة مستقبلها إذا أُتيحت لها الفرصة”.

وأكد المصدر أن مؤتمر الحسكة جزء من مسار أوسع نحو بناء “جبهة سياسية للأقليات والمكونات المهمشة”، تهدف إلى فرض نفسها كرقم صعب في أي مفاوضات سياسية قادمة، وحذر من أن تجاهل هذه المطالب سيؤدي إلى مزيد من الانقسام، داعيًا دمشق إلى فتح حوار جاد مع كل المكونات.

وقال: “لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحلول الأمنية والعسكرية لا تنهي الأزمات، بل تؤجلها. سوريا اليوم تحتاج عقدًا اجتماعيًا جديدًا يضمن التمثيل العادل ويعترف بالتعددية كقوة لا كتهديد”.

تحديات دمشق

من منظور الحكومة السورية، يمثل المؤتمر “خطوة خطيرة” تهدف إلى فرض الأمر الواقع وبدء التحرك نحو تقسيم سوريا على أسس عرقية ودينية، وهو ما يخدم أجندات خارجية، وفق مصدر في وزارة الدفاع السورية.

وترى دمشق أن تحركات قسد جزء من “مخطط أوسع تدعمه الولايات المتحدة وبعض القوى الغربية” لإعادة رسم الخريطة السياسية بما يتماشى مع مصالح تلك القوى. وتصف الحكومة نموذج الإدارة الذاتية الذي تسعى قسد لتكريسه خارج سلطة الدولة بأنه “نهج انفصالي” يتعارض مع وحدة البلاد وسيادتها.

كما اعتبرت دمشق التنسيق الذي ظهر في المؤتمر بين قسد ودروز السويداء مؤشرًا مقلقًا، إذ ترى أن التقارب بين قوى وأطراف من خلفيات طائفية مختلفة قد يكون مدعومًا من قوى إقليمية ودولية، وفي مقدمتها إسرائيل، في إطار جهود لإضعاف مركزية الدولة وإيجاد اصطفافات بديلة على أساس الهويات الفرعية.

رفض بعض الأطراف للمؤتمر

لم يحظ المؤتمر بإجماع القوى المحلية، إذ رفضت أطراف كردية وعشائر عربية المشاركة، ما يعكس انقسامات داخل البيئة السياسية والاجتماعية التي تسيطر عليها قسد.

وأوضح مصدر سوري أن المجلس الوطني الكردي رفض الدعوة، فيما اتخذت العديد من العشائر العربية موقفًا مشابهًا، معتبرة المؤتمر محاولة لفرض أجندات لا تعكس أولوياتها الوطنية. وترى دمشق أن الهدف الأساسي من عقد المؤتمر هو الضغط على الحكومة لتقديم تنازلات بشأن الاعتراف بالإدارة الذاتية ومنحها صلاحيات موسعة.

وأشار المصدر إلى أن المؤتمر حمل رسالة تحدٍ واضحة لسلطة الدولة السورية، إذ سعى قادة قسد إلى تسويق تجربة “الإدارة الذاتية” في الحسكة والرقة وحلب ودير الزور كنموذج ناجح وديمقراطي، وقد وجدت هذه الأفكار صدى في محافظة السويداء عبر “اللجنة القانونية العليا” التي شكّلها الشيخ حكمت الهجري.

ويعتبر الربط بين الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي والتحركات في السويداء محاولة من قسد وحلفائها لطرح مشروع بديل للنظام الإداري والسياسي، وهو ما تنظر إليه الحكومة السورية كتهديد مباشر لوحدة الدولة وسيادتها.

عربي بوست

———————————-

 لماذا تتحشد الأقليات القوية وليس الضعيفة.. عقدة الخوف أم نزعة القوة؟/ أحمد الشمام

2025.08.13

لا يقصد بمفهوم “القوة” هنا البعد الحضاري أو الثقافي أو الاجتماعي، بل القوة بمعناها المباشر: امتلاك ذراع عسكرية أو قدرة على التعبئة الجماعية، انطلاقًا من اصطفاف ما دون الدولة، بما يمنح جماعة ما موقعًا فاعلًا في معادلة السلطة، و رُب قائل إن التحشيد غير ممكن لمن لا يملك سلاحا؛ ويدحض هذا القول أن السويداء نفسها لم تكن جزءا من هذه الجماعات لولا الفعل الحديث والمشتغل عليه؛ لتغيير دورها من قبل قوى خارجية وجدت فواعل محلية قابلة للاستثمار، لنجد أن التحشيد والتسلح ديناميكيتان تتبادلان الدور في الأسباب والنتائج.

سادت في الآونة الأخيرة مفردة التحشيد الطائفي التي يتم تداولها وكأنها نوع من التحريض؛ غير أن التحريض يعد جزءا أو خطوة تؤسس لما بعدها وهو التحشيد؛ الذي ينتج سواد حالة الحشد Crowd؛ والمفهوم الأخير مقارب لمفهوم آخر هو القطيع Herd وفقا لعلم النفس الاجتماعي، حيث تغيب المحاكمات والقرارات الخاصة بكل فرد ضمن جماعة ما – موجودة أو متخيلة- لصالح حركة وموجة الحشد / القطيع. ويميز علم الاجتماع الحشد عن القطيع من حيث طبيعة التشكّل ودرجة الوعي الفردي، فـالحشد هو تجمع بشري عفوي لا تراتبية فيه يتكوّن حول هدف ما، بفعل تعاطف متبادل بين أفراده مع هامش نسبي للاستقلالية في الرأي والسلوك. أما القطيع، فهو حالة من السلوك الجمعي القائم على الانقياد غير النقدي والاتباع الأعمى لحركة الجماعة ورموزها، بشعور غريزي يؤججه الخوف، ما يجعلها بيئة خصبة للاستغلال والتحكم، وتختلف طبيعته بين أبناء مدينة لها وجهاؤها وأعيانها؛ تخشى من الفيضان أو من هجوم معاد، وبين جماعة إثنية أو دينية تمتلك في ذاكرتها الجمعية سردية تاريخية بعيدا عن دقة تلك السردية والمظلومية.

في السياق السوري ورغم اشتغال الأسد على عقدة خوف الجميع من الجميع؛ لا يمكن القول بوجود حالة تحشيد أو خوف حقيقي بين المكونات، لذا فإن مفهوم التحشيد لتحقيق مجتمع القطيع بتعريفه العلمي؛ لا يشمل الأقليات الدينية أو العرقية السورية، وليس سمة لها عموما. أدى سقوط النظام لتظافر شركائه من أفراد وميليشيات مرتبطة لحماية نفسها، أو تأمين حصة من الحكم والنفوذ عبر تحشيد احترفته ضمن الجماعات التي تنتمي لها، لذا فإن الحديث عن التحشيد يتركز حول مناقشته كآلية تحترفها رموز وقوى ضمن الجماعة ولا يعني وصم الجماعة برمتها؛ ويؤدي تحليله وقياسه لاستكناه قدرته على تشكيل وزن اعتباري عبر نزوع يقود الجماعة، أو يورطها لاحتكار تمثيلها وقيادتها، وفرض سلطة التكريس، وتعويم الاتباع والانقياد؛ تحقيقا لمطامح ونفوذ تحت مسمى مصلحة الجماعة.

تلجأ الأقليات إلى مفهوم التحشيد بوصفه أداة سياسية واجتماعية تمنحها وزنًا يتجاوز حجمها العددي، فيُستخدم لإظهار القوة الرمزية وتعزيز الموقف التفاوضي مع السلطة أو الأطراف الأخرى، وهو إذ يحمل الهوية الثقافية للجماعة ويطرحها كهوية موازية ذات هدف سياسي يدفعها باتجاه دور خارج أطر الدولة؛ ما يفضي إلى تكريس التفارق والتمايز، وتعميق الانقسامات المجتمعية، وإعاقة بناء مشروع وطني جامع. يجب على السلطة لتحقيق كيان الدولة وضمان استقرارها؛ إنهاء شتى آليات التفارق بين الجماعة المحلية والجماعة الوطنية- الشعب- سواء عبر الحوار والبرامج المدنية كما حصل في تركيا في ملف الأكراد عموما، أو كما يجب في المراحل المفصلية عبر إجراءات تقييدية أو أمنية تهدف إلى تفكيك شبكات التعبئة، ومنع تحوّلها إلى قوة ضاغطة على القرار المركزي، وفي كلتا الحالتين، يتحدد شرط استيعاب التحشيد أو تفكيكه بألا يتبع الأخير نهج العنف أو التخابر مع قوى خارج الدولة.

تتجلى إشكالية التحشيد في مثالين بارزين: الجزيرة السورية الخاضعة لقوة أمر واقع كردية لا تمثل الكرد؛ حيث توفر القوة العسكرية التي ولدت نزوعا للسلطة دافعا يبرر استمرار التعبئة والتحشيد، وفي السويداء ذات الأغلبية الدرزية، تحقيقا لنزعة قوة تسعى للنفوذ والاستحواذ تحتذي بسابقتها؛ لنجد أن الحقيقة ليست عقدة خوف بل نزعة قوة وتمرد، ودليل ذلك أنه إذا كان الخوف هو المحرك الأساس، فلماذا يتركز في مناطق الأقليات التي تمتلك قوة عسكرية، أو طاقة تحشيد بينما لم يظهر لدى أقليات مشابهة كالإسماعيليين والمسيحيين، الذين يفتقرون لهذه المقومات العسكرية، ويحتاجون – منطقياً – إلى تحشيد أكبر لمواجهة الخوف المتخيل، ومع ذلك لم يلجؤوا إليه؟

لا يمكن نكران ظاهرة التحشيد في السويداء؛ التي أربكت مثقفين كثر وجعلتهم متضامنين تيمنا بعقدة الخوف، أو استجابة للغة الحشد وانفعاليته، وتأثرا بحالة التجييش والعنف و العنف المقابل، قوبلت بموقف عام يطالبهم باتخاذ موقف أكثر جرأة ضد الهجرية السياسية ما ولد انكماشا أو شعورا بالتنحية، ترافق بإدانة للهجري وتعميمات خاطئة ضد الدروز من العامة، فولد شعورًا بالغبن دفعهم إلى تحيز مبرر إنسانيًا واجتماعيًا، لكنه منحرف سياسيًا. هذا الشعور لم يُقابل بقيود كبيرة على التعبير في قنوات مثل تلفزيون سوريا أو الإخبارية السورية، بخلاف ما واجهته الأكثرية، التي تتعالى على العصبية وتفتقر لمقومات البنية وتتسم بالتعدد وتنوع الواقف وتناقضها كذلك، فماذا لو قسنا ذلك على ما عانته الأكثرية من إقصاء وتدجين وجلد؟ فقد عانت الأكثرية التحييد الإعلامي والسياسي في عهد النظام، ثم في إعلام الثورة، نتيجة وصمها بالإسلام السياسي أو حواضن لتنظيم داعش، ما ولّد لديها جرحًا نرجسيًا مركبًا، شعور بالظلم من التحييد، وإحساس بمحاولة إفشال دورها التاريخي كأكثرية يفترض أن تتحمل مسؤولية “الأب” أو “الأمة” كما صاغه ياسين الحافظ، لكنها حُرمت من ممارسة هذا الدور، وعوملت كندّ لا كأخ، بما يجردها من شعور التكليف ومسؤوليته التاريخية كأكثرية وحامل للتغيير وفقًا للمفهوم الماركسي.

وردا على الفعل السياسي الأقلوي الذي يستثمر في العصبيات تحضر مقولة مصطفى حجازي: “العصبيات يمكنها بناء سلطات، ولكنها لا تبني وطنا يتجاوزها ،ذلك أن مفهومها للمجال الحيوي لا يعدو عن كونه مناطق نفوذ وصراعا عليه، ما يفتح حالات متنوعة في شدتها من فقدان المناعة الوطنية، ويصل فقدان المناعة أقصاه عندما تبحث هذه العصبيات عن حلفاء أو حماة خارجيين في حربها مع سواها في الداخل، وحين لا يتشكل مفهوم الوطن، فإن كيانه ذاته هو الذي سيهدد، وإذا هدر كيان الوطن من قبل العصبيات الداخلية فإنه سيسهل على القوى الخارجية السطو عليه وسرقته سواء بالاحتلال أو الاستغلال أو كليهما معا “

تلفزيون سوريا

———————————–

مؤتمر الحسكة” واستعصاء الاجتماع الوطني السوري المنشود/ فيصل علوش

12 أغسطس 2025

بعد ثمانية أشهر على سقوط الحكم الأسدي، انعقد كونفرانس “وحدة الموقف” في الحسكة، أو “مؤتمر الأقليات”، كما فضل البعض أن يسميه. انعقاد المؤتمر قد لا يشكل منعطفًا نوعيًا حادًا على صعيد العلاقة بين دمشق و”قوات سوريا الديمقراطية- قسد”، لكنه انطوى على دلالات سياسية عديدة، وكان بمثابة “خطوة تصعيدية” رمزية، من قبل “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا، قد يكون من السابق لأوانه التكهن بمدى المضاعفات التي قد تترتب عليها.

وبدورها، وفي خطوة تصعيدية موازية، أعلنت الحكومة السورية رفضها المشاركة في أيّ مفاوضات جديدة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ومقاطعتها لاجتماعات باريس، التي كان من المقرر عقدها برعاية فرنسية وأميركية للبحث في تنفيذ بنود اتفاق العاشر من شهر آذار/ مارس الماضي الموقع بين الطرفين، وذلك على خلفية “المؤتمر” الذي اعتبرته دمشق “ضربة لجهود التفاوض الجارية”.

وفي الوقت الذي أقرّت فيه حكومة دمشق بحق “المجموعات الدينية أو القومية في التعبير عن رؤاها السياسية وعقد اجتماعاتها وتأسيس أحزابها ضمن الأطر القانونية الوطنية، شريطة أن يكون نشاطها سلميا، وألا تحمل السلاح في مواجهة الدولة، وألا تفرض رؤيتها على شكل الدولة السورية”، إلا أنها أدانت بشدة “استضافة شخصيات انفصالية متورطة في أعمال عدائية”، معتبرة أن ذلك يمثل “خرقًا واضحًا لاتفاق آذار”، وحمّلت قسد وقيادتها “المسؤولية الكاملة عن تداعيات هذا المسار”. وفي السياق، استدركت انخراطها السابق في اجتماعات باريس، داعية الوسطاء الدوليين لنقل جميع المفاوضات إلى دمشق، باعتبارها “العنوان الشرعي والوطني للحوار بين السوريين”.

وفي دفاعها عن شكل الدولة والكيفية التي يمكن أن يُقرّ فيها ذلك، بدت حجة الحكومة ضعيفة وباهتة للغاية، وذلك عندما اعترضت على أن هذا الأمر “لا يُحسم عبر تفاهمات فئوية، بل عبر دستور دائم يقر عبر الاستفتاء الشعبي”، متحدثة عن “مشاركة جميع المواطنين على قدم المساواة”!، ولكن من دون أن توضح لنا كيف ستتم هذه المشاركة، وعلى قدم المساواة أيضًا؟ وكيف يمكن لأي مواطن أن “يطرح رؤاه حول الدولة، عبر الحوار العام وصناديق الاقتراع”؟! نعم، يمكنني أن أكون مواطنًا “كيوت” وأطرح رؤاي عبر الحوار العام، (لا عبر التهديد بالسلاح)، ولكن كيف سيتم هذا الحوار العام؟ ومع من؟ علمًا أنه عبر صناديق الاقتراع يمكن للمرء أن يدلي بصوته، فقط، لا أن يتحاور معها!

‏ وفي الواقع السوري، فإن التحدي الرئيس أمام السلطة (أيّ سلطة)؛ إنما يتمثل في قدرتها على إدارة الاجتماع السوري المتنوع دينيًا ومذهبيًا وقوميًا، فالتنوع والغنى المجتمعي السوري ليس حالة طارئة، بل هو حالة ثابتة ومتجذرة تاريخيًا في البنية الاجتماعية السورية، وعلى ذلك، فإن خلاف المشاركين في “مؤتمر الحسكة”، وكثيرين غيرهم، مع السلطة يكمن بالضبط حول الخطوات المتصلة ببناء الدولة السورية ومضمونها؛ هل ستكون حقًا دولة قانون ومؤسسات، تعبر عن مكونات المجتمع السوري كافة، وتكون محايدة تجاه جميع مواطنيها بغض النظر عن انتماءاتهم وتوجهاتهم، أم لا؟ أما إذا فكرت السلطة (أيّ سلطة أيضًا) بالتعامل مع هذا المجتمع بعقلية تخوينية؛ استبدادية أو تكفيرية، فسيؤدي هذا لا محالة إلى كوارث تهدد وحدة النسيج المجتمعي السوري، كما قد تهدد وحدة التراب الوطني السوري أيضًا.

مضاعفات أحداث السويداء الدموية

وقد شكلت أحداث السويداء المأسوية أسطع دليل على كلامنا السابق، إذ كشفت عن عمق الأزمة الوطنية التي تعصف بالبلاد، وخصوصًا وسط تأجّج خطاب الكراهية واستمرار التحريض الطائفي المسموم الموروث من العهد البائد، وفي ظل الافتقار إلى هوية وطنية جامعة تتجاوز العصبيات والانتماءات المذهبية والأثنية والعشائرية الضيقة.

أحداث السويداء المؤسفة كشفت كذلك عن غياب التوافق الداخلي الذي يفسح في المجال أمام إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مدنية جامعة، وحاجتنا الماسّة، تاليًا، لمشروع مصالحة وطنية شاملة، يؤسس لصوغ عقد اجتماعي جديد يضمن حقوق جميع المكونات والأقليات، ويحدد ملامح الدولة المستقبلية المنشودة، بعيدًا من الهيمنة والقسر والإكراه، ويقطع الطريق، من ثمّ، على التدخلات الإقليمية والدولية؛ الإسرائيلية أو سواها.

وفي الواقع، فإن أعمال العنف الطائفية الدامية التي شهدتها السويداء، وقبلها منطقة الساحل، زادت من مخاوف الأكراد، وغيرهم من المكونات الاجتماعية الأخرى، وساهمت في تقريبهم من بعضهم البعض، مثلما زادت كذلك من تصلبهم وتشددهم تجاه القضايا المطروحة على بساط البحث. ولعلّ هذا ما يفسر أن اجتماع الحسكة ضمّ شخصيات من مختلف الأديان والطوائف السورية، إضافة إلى شخصيات عشائرية، على نحو يظهر وجود دعم عشائريّ لـ”قسد”، على غرار الدعم “العشائري” الذي تحظى به دمشق.

مبادئ وأهداف تشاركية وديموقراطية

وإلى ذلك، فقد سعى “المؤتمر” إلى ابراز طابع تشاركي تعدّدي في خطابه العام، على أمل أن يساعده ذلك على تقديم رؤية مغايرة لشكل ومضمون الحكم الذي من المفترض أن تعتمده دمشق، وليس فقط بناء “تحالف سياسي” بمعزل عنها. وهكذا تضمن بيانه الختامي جملة من المبادئ والأهداف العامة، من بينها دعوة إلى عقد “مؤتمر وطني سوري جامع وشامل، لصياغة هوية جامعة، وبناء دولة ديمقراطية، يسودها القانون ويعيش فيها الجميع أحرارًا ومتساوين”، وكذلك دعوته إلى “صياغة دستور ديمقراطي يكرس التنوع القومي والثقافي والديني، ويؤسس لدولة لامركزية تضمن المشاركة الحقيقية لكافة المكونات في العملية السياسية والإدارية”، وأكد على أن الإعلان الدستوري الحالي لا يلبي تطلعات السوريين، ما يستدعي تعديله لضمان مشاركة أوسع في المرحلة الانتقالية، وشدد على ضرورة إطلاق مسار عدالة انتقالية قائم على كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر.

هذا كله يستوجب أن يكون صدر السلطة واسعًا ومفتوحًا، يستوعب المطالب ويعمل على إزالة الهواجس، وتعزيز الثقة المتبادلة، بعيدًا عن لغة التخوين والاتهامات، وهذا يتطلب عقد مؤتمر وطني حقيقي، (لم يجد تجسيدًا له لا في “مؤتمر الحسكة”، ولا في المؤتمر الذي عقدته السلطة في أواخر شهر شباط الفائت)، يجمع ممثلين عن سائر المكوّنات المجتمعية السورية، ويمكن أن تجري فيه حوارات وطنية حقيقية بأفق تشخيص مواطن الداء، والبحث عن حلول للمشكلات القائمة، على غرار “المؤتمر السوري الكبير”، الذي انعقد مع بداية تشكل الدولة السورية الحديثة في عام ١٩١٩، وحضرته شخصيات وطنية تمثل مختلف المدن والتيارات الاجتماعية والسياسية السورية، تحت يافطة واحدة: “سوريا وطن لكل السوريين”.

أما لغة التسويف والمماطلة والوعود الخلبية، والخطوات المرتجلة التي قامت بها السلطة في السابق؛ من قبيل “مؤتمر الحوار الوطني”، مسبق الصنع، الذي لم يستغرق سوى ساعات فقط، و”الإعلان الدستوري” المفصل على مقاس حكومة تريد الاستئثار بالقرار السياسي والاقتصادي واحتكار السلطة تمامًا، فضلًا عن تشكيل “لجان تقصٍ وتحقيق”، (بخصوص الانتهاكات والمجازر المتنقلة من الساحل إلى السويداء)، تبيّن أنها تفتقر إلى الاستقلالية والحيادية والمستوى المهني المطلوب، ولم تعد تحظى بأية ثقة أو مصداقية؛ سواءً لدى السوريين أم لدى العواصم المعنية، فكل هذه الخطوات لم تعد تفيد وتجدي نفعًا، لأنها لم ولن تؤدي إلى النتائج المطلوبة، ولن تلبي الوعود المنتظرة.

وعلى فرض أنّ اجتماع الحسكة، (بما ضمّه من فلول وأقليات، كما أطلق البعض عليهم)، ينطوي على “أجندات غير وطنية”، فما الذي على السلطة أن تفعله كي تقطع الطريق على المشاركين فيه، وعلى أجنداتهم؟ هل ستلجأ مرة أخرى إلى الحملات الأمنية والعسكرية، المعززة بالفزعات والعشائر، لتخوض حربًا ضد هؤلاء جميعًا، لإعادتهم إلى بيت الطاعة؟

تُرى، ألا تخشى في هذه الحالة من الدخول إلى مستنقع الحرب الأهلية المديدة، التي قد يكون الخروج منها أصعب بكثير من دخولها؟!

الترا سوريا

————————————-

لقاء الشيباني وفيدان بأنقرة: تحديات تدخلات إسرائيل في سورية ومعالجة ملف قسد/ محمد أمين و عبد الله البشير و جابر عمر

13 اغسطس 2025

قال وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، اليوم الأربعاء، إن بلاده تواجه تحديات في مقدمتها تدخلات إسرائيل واعتداءاتها التي تهدد استقرار سورية والمنطقة برمتها، إضافة إلى تحديات خارجية تسعى لفرض واقع تقسيم البلاد وإثارة الفوضى فيها، مؤكداً أن إسرائيل افتعلت الأزمة في السويداء لبث الفتنة وأن “الدروز جزء أصيل من الشعب السوري”.

وقال الشيباني خلال مؤتمر صحافي مع نظيره التركي هاكان فيدان في أنقرة، “نواجه اليوم تحديات جديدة لا تقل عن تلك التي واجهناها في سنوات الحرب، وفي مقدمة هذه التحديات تأتي التهديدات الإسرائيلية المتكررة والتي تمثل انتهاكاً واضحاً للسيادة السورية من خلال غارات تستهدف البنية التحتية ومواقع مدنية وعسكرية، وتعرض أمن المواطنين للخطر”. وأضاف “على الرغم من إطلاقنا لمحادثات تهدف إلى حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة جميعاً، نواجه تدخلات خارجية متعددة بعضها مباشر وبعضها غير مباشر، تسعى إلى إضعاف الدولة السورية وخلق وقائع تقسيم هشة، وهذه التدخلات تحاول دفع البلاد نحو فتنة طائفية ومناطقية إلا أننا نعول على وعي شعبنا الذي كان وسيبقى واحداً مهما حاول البعض تفتيته او تمزيق وحدته الوطنية”.

وتابع “نحن في سورية الجديدة نمد يدنا لكل شراكة تحترم أمن ووحدة وسلامة أراضي سورية، ونؤمن أن استقرار سورية هو استقرار للمنطقة جمعاء، ونحذر من دعم الفوضى، وندعو إلى ضرورة تكاتف الدول الصديقة والحليفة إلى جانب سورية”. ورداً على سؤال حول مجريات اجتماع عمّان أمس بين سورية والأردن والولايات المتحدة، أجاب الشيباني “كان الحديث حول عدة قضايا ومنها السويداء، وما يحدث للسويداء هو ما يحدث في مدينة سورية، أهلها هم أهلنا وحماية جميع السكان فيها هي من مسؤولية الدولة سواء كانوا من الدروز أو البدو أو المسيحيين”. وأكمل “ما حدث في السويداء هو أمر مفتعل من قبل إسرائيل لبث الفتنة الطائفية في تلك المنطقة، ولكن نحن على تواصل مباشر مع النخب المجتمعية ومشايخ العقل، وكذلك ندعو إلى دعم مسار تصالحي يؤمن السلم المجتمعي وأيضاً يحافظ على رمزية الشهداء كبعد تاريخي ووطني من تاريخ سورية”.

في حين أشار إلى أن مؤتمر الحسكة لا يمثل الشعب السوري ولا نخبه وهو محاولة يائسة لاستغلال ما حصل في السويداء، وأوضح أن “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) نقضت الاتفاق الذي وقع مع الحكومة في مارس/ آذار الماضي. من جانبه، قال فيدان إن علاقات سورية مع دول المنطقة بما فيها تركيا حققت قفزات نوعية خلال الأشهر الماضية، مؤكداً “العمل مع سورية لوضع حلول للمشاكل التي تواجهها في هذه المرحلة بهدف القضاء على المؤامرات وتذليل العراقيل وتطوير جميع المجالات وفي مقدمتها الاقتصاد لخلق أجواء مناسبة لعودة اللاجئين”.

وفيها جدد تأكيد دعم بلاده استقلال سورية وسيادتها والحفاظ على وحدة أراضيها، عبّر فيدان عن تفاؤله بإيجاد حلول جذرية لجميع المشكلات التي تواجهها شرط عدم التدخل في شؤونها الداخلية و”خاصة من قبل الذين يريدون نشر الفوضى”. وقال فيدان “هناك مساع إسرائيلية من أجل إضعاف سورية وخلق أجواء من الفوضى”، معبراً عن رفض بلاده لذلك. وقال فيدان “إسرائيل هي أحد أكبر الأطراف الفاعلة في الصورة المظلمة التي كشفت عنها أحداث السويداء”. وأكد ضرورة عدم “التسامح مع أي خطوات لمنع استقرار الشعب السوري (..) هناك صعوبات بالطبع ولكن ما دام أنه لا يوجد تدخل خارجي يساهم التعاون الإقليمي والدولي في مداواة جراح سورية”.

وزير الخارجية التركي صعّد من نبرة الانتقادات للتدخلات في سورية، قائلاً “هناك أطراف تسعى لافتعال الأزمات للحكم الجديد، ونتيجة هذه التدخلات كانت هناك بعض المشكلات لعدم الاستقرار، لكن إخوتنا يرغبون في تشكيل سورية موحدة تشمل الجميع”، وفي هذا السياق، دعا إلى حماية حقوق الدروز والعلويين. وأردف “يجب أن تكون سورية حافظة لجميع المكونات للعيش في وحدة تامة (..) يجب تحديد الأولويات وأهمها تأمين حياة الناس وعدم وجود مشكلات أمنية ووحدة البلاد وسيادتها وإنعاش المؤسسات السياسية وإعادة بناء المؤسسات الأمنية، وهناك خطوات فعلية وهناك تحسينات، ولكن نحن في البداية والدول في المنطقة والعالم ترى ذلك”. واستطرد قائلاً “هناك حاجة إلى مرحلة من دون تدخل وتهديدات أمنية، ويجب مساعدة سورية”.

ورداً على سؤال حول تصرفات قسد أجاب فيدان “هناك تصريحات عديدة من قسد ولو قارنا بين التصريحات الأخيرة والاتفاقية وبنودها في 10 مارس نجد أنها متباينة وبعضها مخالف لبعض، ولديهم تصريحات بعدم التزامهم بها ولا يهمهم ما يجري في تركيا من مرحلة خالية من الإرهاب”. وأضاف “نرى تطورات خطيرة هناك، إذ لا يزال عناصر من تركيا وإيران وأوروبا في قسد بسورية. قسد لا يقوم بأي تحركات تزيل خطر السلاح، رغم التطورات مع الحكومة والتطورات في تركيا يحاولون إطالة عمر التنظيم ومراقبة التطورات واستغلالها، نحن نرى ونراقب ذلك”.

واستدرك “دمشق وأنقرة لديها نوايا إيجابية بأن تكون الحقوق محفوظة للجميع ولكن مقاربة أن يكون عبر الحفاظ على السلاح والحفظ على المجموعات التي تهدد تركيا واستدعاء إسرائيل للدعم، هي سياسة غير جيدة”. وشدد على “وجودة مرحلة جديدة وروح جديدة في المنطقة (..) في تركيا لسنا سذجاً لكي لا نرى ألاعيب قسد، ولكن تركيا دولة كبيرة تعمل وفق قواعد وقوانين”. وختم محذراً “لكن عدم الاستجابة لمطالب تركيا الأمنية لا يستدعي بقاء تركيا هادئة والرئيس (رجب طيب) أردوغان قال ذلك عدة مرات لدينا رؤية نحو السلام ولكن لن نكون الطرف المخدوع. أدعو قسد إلى أن يدخلوا في حوار مع دمشق وعمل كل ما يلزم لبناء سورية وأن يخرجوا المجموعات التي تشكل تهديداً لتركيا والمنطقة”.

وكان الشيباني قد وصل اليوم الأربعاء إلى العاصمة التركية أنقرة. ويضم الوفد وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة ورئيس جهاز الاستخبارات حسين سلامة. وجاءت هذه الخطوة بعد يوم واحد من اجتماع ثلاثي في العاصمة الأردنية عمّان ضمّ الشيباني ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي والمبعوث الأميركي إلى سورية توماس برّاك للتباحث حول ملف محافظة السويداء جنوبي سورية، والتي كانت شهدت الشهر الفائت اشتباكات واسعة قبيل التوصل إلى اتفاق.

ومن المتوقع أن يضع الوفد السوري الذي يضم أيضاً إلى جانب الشيباني وأبو قصرة، رئيس جهاز الاستخبارات حسين سلامة، الجانب التركي بصورة المباحثات التي جرت في العاصمة الأردنية ومتابعة التباحث بين الجانبين حول ملف “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) التي تسيطر على الشمال الشرقي من سورية. وأكد الشيباني في سلسلة تدوينات على منصة إكس، أمس الثلاثاء، التزام الحكومة السورية بـ”محاسبة كل من ارتكب الانتهاكات من أي طرف كان، لأن المساءلة هي الطريق الأمثل نحو دولة القانون والعدالة”، في إشارة إلى ما جرى في السويداء. كما أكد استعداد الحكومة الدائم لـ”استمرار إرسال المساعدات لأهلنا في السويداء، ودعم المبادرات التي تهدف إلى إعادة الخدمات، وتعزيز المصالحة، وردم الفجوة مع الدولة”. وأضاف “أهلنا الدروز جزء أصيل من سورية، ولهم مكانتهم التاريخية والوطنية، ونرفض بشكل قاطع أي محاولة لوضعهم في معادلة الإقصاء أو التهميش تحت أي ذريعة أو ظرف”.

وتأتي زيارة الوفد السوري في ظل حراك لدفع عجلة التفاوض ما بين الحكومة السورية و”قسد” لتطبيق اتفاق وقّع في مارس/ آذار الفائت نص على إدماج قواتها في الجيش السوري الجديد. وفي هذا السياق، ذكرت مصادر مطلعة لـ”العربي الجديد”، أنّ وفداً من هذه القوات و”الإدارة الذاتية” التابعة زار خلال اليومين الأخيرين دمشق، في إطار استمرار التفاوض بين الجانبين وللتحضير لجولة تفاوض رسمية جديدة كان من المقرر عقدها خلال الشهر الجاري في باريس، إلا أن الحكومة أعلنت أنها لن تشارك فيها احتجاجاً على عقد مؤتمر في الحسكة اعتبرته دمشق ضربة لجهود المفاوضات الجارية. وقالت في بيان إنها لن تتفاوض مع أي طرف يسعى لإعادة النظام البائد تحت أي غطاء أو مسمى.

إلى ذلك، نقل التلفزيون “العربي” عن مصدر حكومي قوله، إن الأخبار المتداولة عن لقاء سوري إسرائيلي في باريس عارية عن الصحة. وكان موقع “أكسيوس” الأميركي قد ذكر أنّ وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون دِرمر من المتوقع أن يجتمع اليوم الأربعاء في باريس مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني والمبعوث الأميركي إلى سورية توماس براك، قبل أن ينشر مراسله باراك رافيد على عبر صفحته على “إكس” تحديثاً يشير فيه إلى أن اللقاء تأجل إلى الأسبوع المُقبل، لأسباب تتعلق بالحاجة إلى مزيد من الوقت لإنهاء التحضيرات.

وفي الخصوص أوضح الباحث السياسي أنس الخطيب لـ”العربي الجديد”، أن “الحديث عن لقاء سوري إسرائيلي في فرنسا ثم الحديث عن تأجيل اللقاء بالتزامن مع زيارة الوفد السوري رفيع المستوى إلى تركيا، يأتي في إطار عملية الشد والجذب بين أنقرة وباريس في التدخل بملفات قسد والسويداء، وقد يكون نقل إسرائيل مساعداتها جواً إلى السويداء الليلة الفائتة بعد رفض الأردن عبور تلك المساعدات من أراضيها، عاملاً مهماً في امتناع الجانب السوري عن اللقاء مع الإسرائيليين في باريس”، وفق قوله.

وأوضح الخطيب الذي يعمل في مركز أبحاث عسكري متخصص في مراقبة المنطقة الجنوبية أنه رصد غطاء من الطيران الحربي الإسرائيلي لعملية إدخال المساعدات، لافتاً إلى أن “جيش الاحتلال الإسرائيلي يعمد كل بضعة أيام إلى إسقاط مساعدات من الجو في محافظة السويداء”، مضيفاً أن “هناك مؤشرات على أن عمليات الإسقاط تضمنت أيضاً أسلحة ومعدات عسكرية، لكن لم يتم التأكد من ذلك حتى الآن”. ورأى أن ملف “قسد” هو الملف الأبرز في إطار العلاقات السورية التركية، وهو محور اهتمام واضح من الجانب التركي.

وتابع الخطيب “يبدو أن التحديات التي تواجهها الحكومة السورية الجديدة تفوق ما كانت تتوقع أو ما كانت تخطط لمواجهته، لا سيما بعد فشل احتواء ملف السويداء وتراكم ملفات أخرى إضافي، فالحكومة توجهت لانفتاح واسع خارجياً، ومن الواضح أنها واجهت ضعفاً في الملفات الداخلية”. وأضاف “تركيا دولة ذات ثقل إقليمي وعضو في حلف الناتو، ولديها توجه واضح لحسم ملف قوات سوريا الديمقراطية على حدودها الجنوبية، وتضغط أيضاً في الجنوب السوري لإنهاء حالة الاستعصاء الحاصلة هناك”. وأشار الخطيب إلى أن المطلوب في الوقت الراهن من الحكومة “التراجع خطوات للوراء في الملفات الداخلية وآلية التعاطي معها لا سيما مشكلة السويداء، من جانب آخر يتطلب منها التعامل مع ملف قسد كما الحذر من كون مشروعها بشكله الحالي تهديداً واضحاً لوحدة الأراضي السورية”، وفق قوله.

العربي الجديد

—————————-

 ما أسباب زيارة إلهام أحمد إلى دمشق بعد التوتر بين الحكومة و”الإدارة الذاتية”؟

2025.08.13

وسط أجواء من التوتر السياسي والميداني بين الحكومة السورية و”الإدارة الذاتية”، برزت زيارة إلهام أحمد، الرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، إلى دمشق كمحطة أثارت التساؤلات حول دوافعها الحقيقية، وخاصة أنّ الزيارة جاءت بعد أيام من تصاعد الاشتباكات في ريف حلب وإلغاء اجتماعات باريس، في وقت تتهم فيه دمشق “قسد” بالتراجع عن تنفيذ بنود اتفاق 10 من آذار، الأمر الذي أثار التساؤل عن أسباب هذه الزيارة، وهل هي محاولة لتهدئة الأجواء أم خطوة تكتيكية في ظل تغيرات المشهد الميداني والسياسي؟

وقال عبد العزيز تمو، رئيس رابطة المستقلين السوريين الكرد، في مقابلة مع “تلفزيون سوريا”، إن التصعيد العسكري الذي تشهده مناطق ريف حلب، ومنها تل ماعز، يتكرر بشكل شبه أسبوعي، وهو ما يدل – بحسب قوله – على أن قيادة “قسد” لا تتبع قراراً سياسياً واحداً، بل هناك عدة اتجاهات وأطراف تصدر الأوامر، حيث تعمل “الإدارة الذاتية” بشكل مستقل، و”قسد” بشكل مستقل، رغم أن الجميع يصب في محور واحد يتمثل بعدم الالتزام بتنفيذ اتفاق 10 من آذار/مارس الموقع مع الحكومة السورية، والذي لم تُنفذ حتى الآن الكثير من بنوده.

وأوضح تمو أن زيارة إلهام أحمد إلى دمشق جاءت لتهدئة الأجواء بعد التوترات التي أعقبت مؤتمر الحسكة “وحدة الموقف”، والذي وصفه بالانقلاب على اتفاق 10 من آذار، وخاصة على المادة السادسة منه التي تلزم “قسد” بدعم الحكومة السورية في القضاء على فلول الإرهاب وفرض الأمن والاستقرار على جميع الأراضي السورية، معتبراً أن مخالفة هذا البند دفعت الحكومة السورية إلى إلغاء اجتماعات باريس. وشدد على رفض أي حوار سوري–سوري خارج الأراضي السورية، مؤكداً أن دمشق هي العنوان الذي يجب أن يجتمع عليه كل السوريين لحل الخلافات.

وأشار تمو إلى أن “قسد” لا ترغب بالتنازل عن مكتسباتها التي حققتها خلال السنوات العشر الماضية أو التخلي عن ما وصفه بـ”جمهوريتها المستقلة”، لافتاً إلى أن الحكومة السورية لم تعترض على الذهاب إلى باريس إلا بعد مؤتمر “وحدة الموقف” وما رافقه من مواقف اعتبرتها دمشق تحدياً لسلطتها، من بينها استضافة شخصيات وصفها تمو بأنها “راعية للفلول”، وصدور بيان يرفض سلطة الدولة والإعلان الدستوري، ويدعو إلى سلطة لا مركزية ويرفض تسليم السلاح، مع المطالبة بدمج “قسد” مع الجيش السوري ككتلة واحدة، وهو ما شبهه بوجود “دويلة داخل الدولة” على غرار “حزب الله” في لبنان.

وعن الحديث حول حاجة “قسد” لضمانات قبل تنفيذ اتفاق 10 من آذار، اعتبر تمو أن هذه الذرائع تهدف إلى كسب الوقت بانتظار تغييرات في المواقف الإقليمية والدولية، خاصة من جانب الحليف الأميركي. وطرح تساؤلات حول إمكانية ضمان عدم حدوث مشكلات بين نحو 60 ألف مقاتل عربي من أبناء العشائر المنضوين في صفوف “قسد” وبين المكون الكردي، محذراً من خطر اندلاع صراعات طائفية أو قومية مشابهة لما جرى في السويداء.

وبيّن تمو أن أي طرف يريد الاندماج في الدولة السورية وبناء سوريا الحديثة عليه أن يكون ضمن “الوطنية السورية” وتحت سلطة الدولة، معتبراً أن شرعية وجود السلاح بيد “قسد” سقطت بعد انتصار الدولة السورية على الإرهاب بكل أشكاله، وضمان أمن واستقرار الحدود.

“قرار قسد”

وحول مستقبل العلاقة بين الطرفين، أوضح تمو أن هناك سيناريوين: الأول، التوصل إلى اتفاق مرحلي يؤدي إلى دمج “قسد” في مؤسسات الدولة ومنح صلاحيات أوسع للمجالس المحلية؛ والثاني، استمرار الوضع الراهن ببقاء مناطق شمالي وشرقي سوريا خارج سلطة الدولة، مع تكرار الخروقات والتوترات.

واعتبر أن تحقق السيناريو الأول هو الخيار الأفضل، لكن من وجهة نظر سياسية، فإن الأمور تتجه نحو التصعيد، إذ لن تسلم “قسد” سلاحها أو مؤسساتها وفقا لرأيه، مشيراً إلى تصريحات سابقة لمظلوم عبدي عن حاجة بعض المناطق مثل دير الزور والرقة إلى “حكومة مستقلة”، وتصريحات مصطفى قرسو من حزب العمال الكردستاني التي أكد فيها أن “قسد” لن تسلم سلاحها أو الأراضي التي سيطرت عليها من داعش، وأن قرارها يصدر من خارج سوريا، وتحديداً من قنديل.

وختم تمو بالتأكيد على أن القرار في شمال شرقي سوريا ليس بيد قياداتها الميدانية، وإنما بيد قيادة حزب العمال الكردستاني خارج البلاد.

تلفزيون سوريا

——————————–

 سوريا..ملعب كل الأطراف إلا الشرع و”مصفوفته”: ماذا عن “ثلاثية الأردن”؟/ تسفي برئيل

مر ثمانية أشهر منذ أسقطت قوات أحمد الشرع نظام بشار الأسد وما تزال سوريا تستصعب الوقوف على أرجلها. في الواقع، يجلس في دمشق زعيم له حكومة، وأموال عديدة بدأت تتدفق إلى خزينة الدولة – خصوصاً من السعودية وقطر وتركيا – وفي آذار، صيغ دستور مؤقت، والرئيس زار دولاً عديدة، ورفعت الولايات المتحدة معظم العقوبات الاقتصادية، وألغى ترامب الجائزة التي وضعت لرأس الشرع حين كانت تعتبره إرهابياً كبيراً، وحتى إن إطاراً أولياً لجيش وطني بدأ بالتبلور.

ولكنه نظام لا يسيطر إلا على 60 إلى 70% من أراضي الدولة، وعشرات المليشيات المسلحة لم تنضم بعد إلى الجيش، وحدود الدولة تنتظر الترسيم النهائي والمتفق عليه، وقوات أجنبية “تتواجد” في الدولة سواء باعتبارها محتلة مثل تركيا وإسرائيل، أو كـ “ضيوف” مثل قوات الولايات المتحدة وروسيا. ثلاث أقليات كبيرة، الأكراد والدروز والعلويون، يهددون بتمزيق الدولة إلى كنتونات من الحكم الذاتي. علاوة على ذلك، يتعين على النظام محاربة عصابات ومليشيات مثل وحدات لداعش، التي زادت نشاطاتها في الآونة الأخيرة.

النتيجة، أن سوريا تشبه اليوم مخزناً لقطع غيار والتي قد تشكل منها دولة، ولكنها فقدت دليل تركيب الأجزاء وهي في الطريق. المشكلة أنه لا يوجد حتى الآن بديل قيادي للشرع، أما مؤيدوه، زعماء الدول العربية والغربية فعليهم مواصلة تعزيز مبنى السقالات التي يستند إليها حكمه ويأملون في استكماله لهذه المهمة.

الجهد الأساسي الآن مكرس لمعالجة قوات الطرد المركزي التي تعمل داخل الدولة. بعد المذبحة في آذار التي وقعت في أبناء الأقلية العلوية والتي قتل فيها 1500-1700 شخص، وفق التقديرات، يبدو أن النظام نجح في تهدئة محافظة اللاذقية، والتي يتركز فيها معظم العلويين والجهات التي تعتبر “بقايا نظام الأسد”. لكن اندلعت لاحقاً أحداث السويداء، وكانت تأثيراتها أوسع من الإطار الجغرافي الذي وقعت فيه. وقف النار، الذي دخل حيز التنفيذ بعد المواجهات القاتلة – والتي قتل فيها أيضاً حوالي 1500 شخص، حسب مركز متابعة حقوق الإنسان في سوريا والذي مقره لندن – لم ينجح في وقف القتال تمامًا.

السويداء تخضع لحصار مشدد، وحسب ما يقول الدروز فإن النظام هو الذي يفرضه، في حين أن النظام نفسه يدعي بأن قوات محلية بالتحديد، عصابات وقبائل، هي التي تمنع انتقال قوافل المساعدة. حسب تقديرات الأمم المتحدة، فإن حوالي 200 ألف شخص هربوا من السويداء إلى مدن مجاورة مثل درعا أو إلى باقي بلدات مجاورة أو حتى إلى دمشق. نشطاء منظمات إغاثة محلية ودولية يقولون إنه في الطرق التي تقود من دمشق إلى السويداء، ثمة قوات محلية تسيطر على الحواجز. أحياناً، يسمحون بمرور بضائع وأحياناً يمنعونها، حسب ما يرونه مناسباً. المافيات لا تعمل، والوقود يدخل بالقطارة، والبنى التحتية للماء والكهرباء مدمرة، ورفوف المستشفيات والعيادات فارغة من الأدوية، والمدينة تقف على شفا إفلاس.

حسب اتفاق وقف إطلاق النار، فإن قوات النظام هي التي ستضمن مرور البضائع والأمن في المحاور الرئيسية. في حين أن قوات مسلحة درزية، برعاية نظرية للنظام، هي المسؤولة عن أمن المدينة داخل المدينة نفسها. بيد أنه حتى داخل المنظومة الدرزية، السياسية والعسكرية والدينية، ثمة انقسامات عميقة. هذه الانقسامات لم تسمح بإجراء مفاوضات، وناهيك عن التوصل إلى اتفاق حول خطة عمل يتفق عليها الجميع.

حتى الأسبوع الماضي، بدا أن النظام يمكنه الاستناد إلى دعم اثنين من زعماء الطائفة الروحيين الثلاثة، وهما الشيخ يوسف الجربوع والشيخ حمود الحناوي، اللذان عبرا عن خط مؤيد لوحدة سوريا وإجراء مفاوضات مع النظام حول مكانة وحقوق الدروز. هذا مقابل موقف الشيخ حكمت الهجري، الذي طلب مساعدة قوات دولية، ومن بينها إسرائيل (على الرغم من أنه اعتبرها عدواً من قبل)، ويرى في نظام الشرع عدواً يتطلع إلى تدمير الطائفة. بيد أنه في نهاية الأسبوع، بدا وكأن الزعيمين الآخرين انضما إلى موقف الهجري، وصرح الحناوي بشدة غير مسبوقة ضد القبائل البدوية، واعتبرها من نتائج النظام – والذي مس بثقة الدروز وغرس في ظهرهم سكيناً، و”يلوح بسيف على رقبة الأبرياء”.

نقطة الانعطاف كما يبدو تطورت عقب اجتماع عقد الجمعة الماضي في مدينة الحسكة شمال شرق سوريا، والتي تسيطر عليها القوات الكردية. هذا اللقاء نظمه الحكم الذاتي الكردي، وشارك فيه حوالي 400 مندوب للطوائف الدرزية، والكردية، والعلويين، والمسيحيين، وخطب فيه الشيخ الهجري. وطالب المشاركون بوضع تعديلات في الدستور المؤقت بصورة تضمن فيها حياة الأقليات وحقوقهم. ولكن هدف اللقاء الأساسي كما جاء في البيان الإجمالي، هو المطالبة بتأسيس نظام “لا مركزي” في الدولة – وهو مفهوم معناه إقامة حكم ذاتي قانوني طائفي، وليس واضحاً تماماً كيف ستخضع هذه الحكومات الذاتية للنظام في دمشق.

يرى النظام هذا اللقاء بمثابة غرس سكين في ظهر الاتفاق، مع الأكراد بالتحديد، عندما خطط الأطراف لإجراء جولة أخرى من المحادثات هذا الأسبوع في باريس برعاية فرنسا والولايات المتحدة. رداً على ذلك، ألغى النظام نيته المشاركة في المحادثات، وفعلياً هذه المحادثات عالقة ومجمدة، ومثلها المفاوضات التي كانت تجري حول مكانة الأقلية الكردية في الدولة. في غضون ذلك، انتشرت تقارير، لم تؤكد، حول استعدادات لجيش سوريا لمواجهة مع القوات الكردية.

بدلاً من هذا اللقاء، من المتوقع اليوم عقد قمة ثلاثية في الأردن بمشاركة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، والمبعوث الخاص الأمريكي توم باركر، ووزير خارجية الأردن أيمن الصفدي؛ لمناقشة “الطرق والوسائل لإعادة إعمار سوريا”. يجب أن لا نحبس الأنفاس قبيل هذا اللقاء، الذي لم يخصص لاختراع حلول لقضية الأكراد أو الدروز، ولكن التعاون بين الدروز والأكراد يوسع ساحة النزاع بين النظام والأقليات المسلحة الرئيسية، ويعزز إلحاحية الحسم بشأن تعريف الدولة في سوريا. أي: هل ستكون دولة موحدة مثلما تتطلع الولايات المتحدة وتركيا، أم مقسمة – وهذه نية وطموح الذي يتهم بها النظام إسرائيل.

في الواقع، الولايات المتحدة تمارس ضغطاً مكثفاً على الأكراد للتوصل إلى اتفاق مع النظام، وحتى الآن بدون نتائج باهرة؛ ولا تملك تركيا أدوات ضغط على الدروز. وبخصوص الأكراد، هي تحاول استغلال عملية المصالحة التي بدأت مع حزب العمال الكردي (PKK) لإقناع الأكراد الموجودين في سوريا أيضاً بإلقاء سلاحهم والانضمام للجيش السوري. ومثل الولايات المتحدة أيضاً، وجدت أنقرة نفسها في طريق مسدود. إسرائيل تعتبر العامل الذي بإمكانه التأثير على الدروز، ومن أجل ذلك حاول الشرع تجنيد روسيا لإقناعها السماح للدروز وتشجعهم على دعم النظام. وحتى إن هذا الموضوع طرح في محادثة بوتين مع نتنياهو في نهاية الشهر الماضي. في هذه المحادثة، أكد الرئيس الروسي بلغة شبه تهديدية على الحاجة “للمحافظة على وحدة سوريا”، ضد دعم إسرائيل للأقلية الدرزية.

إسرائيل سمعت، ولكنها لم تتأثر. في الوقت نفسه، روسيا نفسها توطد علاقاتها مع القوات الكردية في شمال سوريا، ونقلت معدات وطائرات من قاعدتها في حميميم إلى مطار مدينة القامشلي في الإقليم الكردي. إلى جانب ذلك، رسخت منظومة علاقاتها الوطيدة مع قيادة الأقلية العلوية في محافظة اللاذقية. إذا بدا أن موسكو أبعدت من منظومة اتخاذ القرارات في سوريا بعد إسقاط نظام الأسد، فإن لقاء وزير الخارجية السوري مع بوتين ومع وزير خارجية روسيا لافروف في الشهر الماضي، وللمرة الأولى منذ سقوط نظام الأسد، يبقى دليلاً على أن روسيا عادت لتسير نحو مسار التأثير في دمشق – وهذه المرة بأدوات نفوذها وعلاقاتها مع الأكراد والعلويين. وكل هذا في الوقت الذي تستضيف فيه روسيا بشار الأسد وعائلته، وآلاف الضباط السوريين اللذين هربوا إليها بعد الانقلاب.

تبدو النتيجة في هذا الوقت، أن الشرع يجد نفسه سجيناً داخل مصفوفة ضغوط وتأثيرات تحدد حدود ساحة التنافس الدولي في سوريا، مما يضيق عليه هامش المناورة. هذه ساحة لعب ميسرة لجميع المشاركين في المنافسة باستثناء الحكومة السورية نفسها ومواطنيها.

هآرتس

القدس العربي

—————————

——————————-

========================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى