من هم قادة الرأي في سوريا اليوم؟/ سامر سيف الدين

11 يناير 2026
اليوم، لم يعد السؤال عمّن يحكم فقط بل عمّن يشرح للناس ما الذي يجري، ومن يملك اللغة، والرمز، والقدرة على الإقناع. فحين سقطت الدولة الأمنية الأسدية، سقط معها احتكار الرواية. انفتحت البلاد فجأة، لا على الحرية وحدها، بل على فوضى الأصوات. مئات الآراء، آلاف التفسيرات، وقلّة ممن يحملون بوصلة. هنا تحديدًا ظهر الفراغ: غياب قادة رأي عام يُجمع عليهم السوريون، أو يثقون بهم، أو على الأقل يصغون إليهم دون ريبة.
من هم قادة الرأي العام؟
قادة الرأي العام، كما يعرفهم علماء الاتصال، ليسوا بالضرورة أصحاب المناصب وليسوا كذلك الأعلى صوتًا والأكثر صراخًا. إنهم أولئك الذين يملكون شيئًا نادرًا في زمن الخراب: المصداقية. القدرة على تفسير الحدث بلغة الناس، وربطه بسياقه، ووضعه في ميزانه الأخلاقي والسياسي. في النموذج الكلاسيكي للتأثير، لا تنتقل الأفكار من الإعلام إلى الجمهور مباشرة، بل تمر عبر وسطاء: أفراد أو مؤسسات يُفلترون المعنى، ويعيدون صياغته. هؤلاء هم قادة الرأي.
في سوريا، كان هذا الدور مشلولًا لعقود. لم يكن غائبًا فقط، بل مُجرَّمًا. الصحفي المستقل خطر، والمثقف النقدي مشتبه به، والخبير الذي لا يردد الرواية الرسمية إما منفي أو صامت. هكذا نشأ جيلٌ كاملٌ بلا مرجعيات عامة موثوقة، وبلا تقليد راسخ للنقاش العام. وعندما انهار النظام لم يظهر فجأة “حكماء المرحلة”، بل ظهر العكس: فراغ ضخم ملأته وسائل التواصل الاجتماعي، والمؤثرون، والناشطون، وأحيانًا تجار الخوف والانقسام.
محاولات لإنتاج قادة رأي عام
اليوم، في سوريا ما بعد الأسد، هناك محاولات واضحة – لكنها حذرة – لإعادة إنتاج قادة رأي. ليست عملية معلنة، ولا تحمل طابع “التعيين”، لكنها تسير عبر الإعلام، والمؤسسات الانتقالية، والدعم غير المباشر للصحافة المستقلة. يلفت مراقبون غربيون إلى أن الحكومة الانتقالية نفسها باتت واعية لأهمية السيطرة على السردية، لا بالقمع، بل بالإقناع.
الدوائر الغربية المعنية، على خلاف ما يُشاع، لا تصنع قادة رأي بأسماء محددة في سوريا، ولا تعلنهم. مراكز الأبحاث الكبرى تتحدث بلغة الاتجاهات لا الأشخاص. دعمها ينصب على “البيئة”: حرية الإعلام، تعددية المنصات، حماية الصحفيين، لا على تلميع فرد بعينه. السبب ليس أخلاقيًا فقط، بل عملي: أي شخصية تُقدَّم بوصفها “مدعومة غربيًا” تفقد فورًا جزءًا كبيرًا من شرعيتها المحلية.
لقد برزت أسماء تحظى بمتابعة واسعة في الخارج، لكنها لا تمثل بالضرورة رأيًا عامًا سوريًا جامعًا. ثمة من يُستشهد به في كبرى وكالات الأنباء، لكنه في الداخل شخصية خلافية. وهناك من الإعلاميين من يملك جمهورًا واسعًا، لكن تأثيره أقرب إلى الاستقطاب منه إلى الإجماع. معارضون مخضرمون يحملون تاريخًا سياسيًا طويلًا، لكن جمهورهم محكوم بانقساماته القديمة.
ثم هناك فئة أخرى: الخبراء والباحثون الذين تُنقل آراؤهم باستمرار في الإعلام الغربي. هؤلاء يساهمون بلا شك في تشكيل الفهم الدولي لما يجري في سوريا، لكن تأثيرهم داخل المجتمع السوري نفسه محدود، إما بسبب اللغة، أو المنفى، أو الفجوة بين النخب والجمهور.
دولة بلا مركز سردي واحد نعمة أم نقمة؟
الأهم من الأسماء هو الواقع البنيوي: سوريا اليوم بلا مركز سردي واحد. الرواية الرسمية تتشكل، لكنها لم تستقر. الإعلام المستقل يتوسع، لكنه هش ماليًا وأمنيًا. وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا ضخمًا، لكنها لا تنتج قادة رأي بقدر ما تنتج موجات غضب، أو تعاطف، أو تضليل. النتيجة مشهد مفتوح، تتصارع فيه السلطات الانتقالية، والناشطون، والصحفيون، والشتات، وحتى القوى الخارجية، على تعريف “ما الذي يحدث” و”إلى أين نحن ذاهبون”.
ربما هذا طبيعي بعد عقود من الصمت القسري. لكن الخطر واضح: مجتمع بلا قادة رأي موثوقين يصبح سهل الانقياد، سريع الانقسام، ضعيف المناعة أمام الشائعات والخطاب الطائفي. الحاجة اليوم ليست إلى “زعيم رأي” جديد، بل إلى منظومة رأي: مؤسسات إعلامية مستقلة، مراكز تفكير محلية، صحافة مهنية، ومساحة آمنة للنقاش.
في سوريا الجديدة، لن يُصنع قادة الرأي بقرارات فوقية، ولا بدعم خارجي مباشر. سيظهرون – إن ظهروا – من قدرتهم على قول الحقيقة حين تكون مكلفة، وعلى خذلان جمهورهم حين يخطئ، وعلى الوقوف على مسافة واحدة من السلطة والغضب الشعبي معًا. تلك مهمة شاقة في بلد اعتاد أن يُدار بالخوف لا بالكلمة. لكنها، ربما، أحد الشروط القليلة لبناء دولة لا تقوم على الركام وحده، بل على المعنى أيضًا.
الترا سوريا



