الإعلان الدستوري لسوريا 2025العدالة الانتقاليةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

العدالة الانتقالية تحديث 03 آب 2025

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي

العدالة الانتقالية في سوريا

——————————

 العدالة الانتقالية في سوريا.. بين ضرورة الاعتراف ومخاطر الإفلات من العقاب/ ميشال شماس

2025.08.01

على مدى أكثر من عقد، شهدت سوريا واحدة من أعقد المآسي الإنسانية والسياسية في العالم الحديث، تراكمت خلالها الانتهاكات الجسيمة والخطيرة لحقوق الإنسان، وتكرّست أنماط من العنف الممنهج، وتشظّى المجتمع السوري إلى كيانات متنازعة ومجتمعات مفجوعة.

في مثل هذا السياق، لا يمكن الحديث عن معالجة حقيقية لهذه المأساة من دون طرح مسار جاد للعدالة الانتقالية، يضع الضحايا في قلب العملية، ويؤسس لسوريا جديدة قائمة على الحقيقة والمحاسبة والمصالحة.

العدالة الانتقالية ليست ترفًا نظريًّا، ولا مجرد أداة قانونية، بل هي ضرورة تاريخية وأخلاقية لضمان ألا تتكرر المأساة. فهي توفّر إطارًا لمعالجة الماضي المؤلم، وتفتح أفقًا لبناء مستقبل مشترك، لا يقوم على الإقصاء أو الغلبة، بل على الاعتراف المتبادل والكرامة الإنسانية.

العدالة الانتقالية هي مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية التي تعتمدها الدول الخارجة من النزاع أو من أنظمة القمع الواسع، لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وتشمل هذه التدابير: كشف الحقيقة والمصالحة، محاسبة الجناة، تعويض الضحايا، إصلاح المؤسسات، وضمانات عدم التكرار، والبحث عن المفقودين.

في سوريا اليوم، لا تكمن الحاجة إلى هذه العدالة فقط في حجم الكارثة – مئات آلاف القتلى والمعتقلين والمختفين، وملايين المهجرين – بل في طبيعة المأساة ذاتها، التي أخذت طابعًا طائفيًّا ومناطقيًّا وأيديولوجيًّا، مما زاد من تعقيداتها وآثارها بعيدة المدى. وإن بناء سوريا ما بعد هذه المأساة لن ينجح إذا تم تجاهل معاناة الضحايا، أو إذا جرت تسويات فوقية تُقصي العدالة لحساب المصالح السياسية. كما أن أي عملية مصالحة وطنية لا تُبنى على حقيقة واعتراف ومحاسبة، ستكون هشّة وقابلة للانفجار عند أول أزمة.

التحديات الكبرى في مسار العدالة الانتقالية في سوريا

رغم أهمية هذا المسار، إلا أن تطبيقه في الحالة السورية ما زال يصطدم بتحديات عميقة يمكن تصنيفها في ثلاث مجموعات:

1. ضعف الإمكانات المادية والسياسية

من أبرز العقبات أن سوريا تفتقر اليوم إلى الموارد اللازمة لتعويض الضحايا ماديًّا أو تقديم دعم نفسي واجتماعي طويل الأمد لهم. فلا توجد مؤسسات قادرة على تلبية هذا الحجم من المعاناة، ولا ميزانية دولة قادرة على تغطية تعويضات عادلة لجميع المتضررين. لكن هذا لا يعني التراجع، بل يستدعي البحث عن حلول مبتكرة، كدفع تعويضات رمزية، أو مبادرات مجتمعية للاعتراف العلني بالضحايا، وتوفير امتيازات في الخدمات الأساسية كالطبابة والتعليم.

كذلك يمكن إنشاء صناديق للعدالة الانتقالية تُموَّل من أموال مصادرة، أو من دعم دولي مخصص لهذا الغرض، أو من موارد جُمّدت خارج البلاد وتعود لأركان النظام السابق أو لشخصيات متورطة بالجرائم. ومن المهم إشراك المجتمعات المحلية في تصميم وتنفيذ هذه الآليات، لأن إشراكها يمنحها شرعية أكبر، ويحولها من عملية بيروقراطية إلى مسار حيّ ينبض بالتفاعل والاحترام المتبادل.

2. غياب الإطار القانوني والمؤسسي الملائم

العدالة لا تُمارَس في فراغ، بل تحتاج إلى بُنى تشريعية ومؤسسات قضائية مستقلة ومحترفة. وفي سوريا، فالقضاء منهار أو ملوّث بالتسييس والفساد والترهل، ولا يملك أية خبرات أو مؤهلات تخوّله إجراء محاكمات قضائية لمرتكبي جرائم الحرب، وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية. كما أن قانون العقوبات السوري لا ينص على هذه الجرائم، وبالتالي هناك حاجة ضرورية اليوم لإجراء تعديل تشريعي يقضي بضم المواد القانونية المنصوص عليها في قانون روما الأساسي لتصبح جزءًا من القانون السوري. وهذا ما يفسّر التأخر الكبير في تعيين أعضاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية ونظامها الداخلي، التي مضى على صدور مرسوم تشكيلها أكثر من شهرين.

لذلك، إن أي حديث عن العدالة الانتقالية يجب أن يبدأ أولًا بإجراء تعديل تشريعي على قانون العقوبات، وإصلاح القضاء، وتحييده عن الهيمنة السياسية، وتدريب القضاة على المعايير الدولية لحقوق الإنسان. كما يجب الاستفادة من الخبرات التي راكمتها بعض المنظمات السورية في هذا المجال، ومن المهم أيضًا سنّ تشريعات انتقالية تُصاغ بشفافية وبمشاركة الضحايا والمجتمع المدني، كي لا تتحول هذه القوانين إلى أدوات انتقامية أو انتقائية.

وفي حال عدم إمكانية إنشاء محاكم سورية خاصة بالعدالة الانتقالية، يمكن النظر في خيار المحاكم المختلطة (محلية–دولية)، كما حدث في سيراليون وتيمور الشرقية، لتوفير قدر من الحيادية والكفاءة في التعامل مع الجرائم الجسيمة.

3. خطر الإفلات من العقاب

الإفلات من العقاب هو التهديد الأخطر لأي عدالة انتقالية. فحين تُمنح الحصانة لمرتكبي الجرائم بحجة المصالحة أو “الواقعية السياسية”، فإننا نكرّس منطق القوة على حساب القانون، ونبعث برسالة خطيرة مفادها أن الانتهاك لا يُحاسَب. فقد حصلت تسويات عديدة خلال الأشهر الأخيرة مُنحت فيها شخصيات متورطة حصانة سياسية وأمنية، وهذا الفعل لا يعزّز الاستقرار كما يُزعم، بل ينسف ثقة الضحايا بتحقيق العدالة.

الحل يبدأ بإنشاء سجل وطني للانتهاكات بالتعاون مع المنظمات السورية والدولية التي عملت في مجال توثيق الانتهاكات، ويمكن اعتماده لاحقًا في أي مسار قضائي محلي أو دولي. كما يجب الضغط على الدول التي توفّر ملاذًا آمنًا للمتورطين في الجرائم، لملاحقتهم قانونيًّا ضمن مبدأ “الولاية القضائية العالمية” الذي يتيح ملاحقة المجرمين خارج بلادهم.

العدالة ليست حدثًا بل مسار طويل

العدالة الانتقالية ليست لحظة احتفالية، بل عملية متواصلة قد تستغرق سنوات وربما عقودًا. هي تراكم للثقة، وبناء للمؤسسات، وتحول في الوعي العام. لذلك، لا يجب النظر إليها كشرط للتسويات السياسية، بل كأفق وطني طويل النفس.

ولكي تنجح هذه العملية، يجب أن تكون سورية الهوى، تشاركية الطابع، شفافة في بنيتها، وقادرة على تحقيق التوازن الدقيق بين المحاسبة والتسامح، وبين الاعتراف والإنصاف.

إن العدالة لا تعني الانتقام، بل الاعتراف بمعاناة الضحايا، وضمان عدم التكرار، وتأسيس ثقافة وطنية جديدة تقوم على احترام الكرامة وحقوق الإنسان. العدالة الحقيقية هي التي تفتح باب الحوار بدل أبواب السجون، وتكتب رواية وطنية مشتركة بدل أن تُملِيها جهة واحدة.

فلنبدأ إذًا بكشف الحقيقة، لا لنعيش في جراحها، بل لنؤسس منها أفقًا جديدًا لا يُقصي أحدًا ولا يبرّر الجريمة، بل يضع الوطن فوق الجميع، والعدالة في قلب مشروعه القادم.

 تلفزيون سوريا

———————————–

ديلفري الجريمة: القتل في زمن الإنستغرام/ رامة حيدر

01-08-2025

        يُخرج القاتل هاتفه، يفتح الكاميرا، يُثبّت اللقطة، ثم ينفّذ. طلقة واحدة أو عدة طلقات. صراخ ربما. صورة مشوشة لجسد يسقط، ومن بعدها تبداً مشاركة الفيديو على واتساب أو (ستوري) على إنستغرام. بهذه البساطة يُصبح دم الإنسان محتوىً سريع الهضم، يُقدَّم بلا سياق، بلا خجل.

        ما صار وتكرر منذ مجازر الساحل السوري إلى مجزرة مدينة السويداء منذ شهر آذار (مارس) الماضي وحتى اللحظة، عنف يصل إلى شاشاتنا كما تصلنا الوجبات الجاهزة. لا نحتاج إلى أن نبحث أو نتحقّق أو نفكر، الجريمة تُسلَّم إلينا جاهزة، مختومة بصوت الضحية ودمائها وبصمت الجلاد. بلا محكمة ولا شرطة ولا سؤال. ونحن «المتلقّون» نلعب دور القضاة، نُدين، نؤيد، نحزن، نُلقي بالشتائم ومن ثم نعود لحياتنا.

        عادةً ما كانت الجريمة تُرتكب في الخفاء، تُدفن في الظلال، ثم تُكشف بالتحقيق، بالأدلة، بالاعترافات أو لاحقاً بالصدف. أمّا اليوم وفي سياق النزاع المعاصر، وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي انقلب كل شيء رأساً على عقب، لا تنتظر الجريمة حتى تُكشف، بل تُعلن عن نفسها بنفسها.

        ما نشهده اليوم في سوريا لا يُختصر بمنطق الجريمة وحسب، بل يظهر وكأنه أحد تمثّلات ما وصفه ميشيل فوكو بـ«العقاب الاستعراضي»، حيث لا تمارس السلطة العقوبة، بل تُصبح الجريمة نفسها عرضاً سلطوياً، رسالة عنف موجهة للمجتمع بأسره. أي: حين تغيب الدولة أو تتواطأ، يعود البشر إلى حالة «الطبيعة الوحشية»، فقد صار القتل مُباحاً، وبدأت الانتقامات والانقسامات السياسية والدينية تطفو على السطح، عندما أصبحت السلطة في يد أولئك المتعطشين للدماء. تلك الدماء التي تحولت إلى مادّة للتجاذبات السياسية وتصنيف الأفراد حسب عرقهم أو دينهم وطائفتهم. يغيب القانون ويغدو الإعلام (الإنستغرامي) منصّة للعقوبة والتفاخر دون أن يترك هامشاً للتحقيق والمساءلة. ففي لحظةٍ كهذه، لا يُرتكب العنف فقط، بل يُبثّ ويُكرّس ويُستهلك علناً. يقتل بدوره العدالة ويُوصل المنظومة الأخلاقية للمجتمع إلى الحضيض.

        سقوط الدولة وصعود العالم الافتراضي

        حين تختفي الدولة أو تفشل في حمايتها للأفراد يتمدّد «الهاتف الذكي» كأداة لسلطة موازية. في مناطق مثل السويداء، الساحل السوري وحتى دمشق، ليس الجيش أو المحكمة هو من يصوغ صورة السلطة، بل الميليشيات والمجرمون الذين يرفعون كاميراتهم إلى جانب أسلحتهم، ويصوّرون وجهوههم الفخورة والمنتصرة مُطلقين تعليقات طائفية وعنصرية. ناهيك عن الأسلحة التي حصلوا عليها من الدولة نفسها أو غنموها عبر الحرب. فبعد 7 أشهر من سقوط نظام الأسد واستلام الحكومة الجديدة للسلطة ما نشهده فعلياً هو انقلابٌ على السردية التقليدية لمفهوم «توثيق الجريمة». فبدلاً من أن تُسجَّل الجريمة بعد التحقيق فيها أو العمل على طمس معالمها، بات القاتل هو من يوثّق فعله بدم بارد، ثم يروّجه عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون خوف من محاسبة قانونية أو مساءلة مجتمعية.

        هذا الواقع يذكّر بمشهدية القتل التي مارسها جنود الاحتلال الأميركي خلال غزو العراق عام 2003، حين وثق عدد من الجنود الأميركيين جرائم القتل عبر فيديوهات تم تداولها علناً، تحمل رسائل احتفالية واستعراضية. الفيديوهات أظهرت إطلاق النار على مدنيين، وهتافات مليئة بالشتائم، كما وثّقها العديد من المعنيين بحقوق الإنسان من هيومن رايتس ووتش والصحافة التي اعتبرت في حينها هذه الممارسات صادمة وقامت بإدانتها، لكنها لم تَتّخذ الإجراءات اللازمة كي تمنعها وتعتبرها بالضرورة انتهاكاً للقانون الدولي.

        من الناحية التاريخية، حضر توثيق الجرائم عبر الصورة كفعل موجّه ضد الجناة غالباً، يوظَّف كأداة إثبات قانوني أو احتجاج أخلاقي، كما حدث في توثيق المجازر النازية أو الإبادات الجماعية. تمت محاكاتها أيضاً في الفن التشكيلي وفي السينما والمسرح. لكن منذ بداية الألفية الثالثة، ومع التطور الهائل في تقنيات الهواتف المحمولة والمنصات الرقمية، بدأنا نشهد تحوّلاً جوهرياً: أصبح التوثيق بحدّ ذاته جزءاً من الجريمة، بل أحد أركانها. ترافق هذا الانزياح مع تصاعد ثقافة «اللاعب القاتل» في ألعاب الفيديو، حيث تتحول الكاميرا إلى عدسة مميتة، منظور بصري يمكّن اللاعب من القتل بدم بارد دون أن يرى عيون ضحاياه. لم تعد الكاميرا مجرد وسيط، بل أصبحت قاتلاً مشاركاً، أداة تنفيذ وليست أداة نقل فحسب، حيث أن هذا التشابك بين الصورة والقتل أعاد تعريف وظيفة الكاميرا، وجعل من عدسة التصوير نفسها موقعاً للعنف، لا مجرد راصد له.

        تتحوّل العلاقة بين الصورة والعنف من البُعد الترفيهي الذي اتخذته الجريمة إلى اعتماد الكاميرا كأداة قتل أساسية، لا تختلف كثيراً عن نظيرتها الحقيقية في ميادين الحرب. في عدد من ألعاب الفيديو القتالية، لا يُعطى اللاعب تحكّماً بالبطل بقدر ما يُعطى منظوراً قاتلاً من خلال عدسة الكاميرا، فتتحوّل الصورة إلى آلة موت، والعنف إلى متعة بصرية.

        تاريخ الجريمة في سوريا من الخفاء إلى العلن، ومن الإنكار إلى البث المباشر

        قبل قيام الثورة السورية في عام 2011، كان نظام الأسد (الأب والابن) يمارس العنف بسرّية منهجية. فقد قامت سياسة الدولة على الإنكار الكامل لجميع الاتهامات التي يُمكن أن توجّه ضدها إن حدث وتجرّأ أحدٌ على مساءلة السلطة عما ارتكبته من قمع وجرائم ومكائد. فالمجازر التي ارتكبها النظام في حماة عام 1982 والتجاوزات والقتل الذي قام به في سجن تدمر، مرّ دون توثيق أو تصوير، نسمع الحكايا ممّن نجوا أو عائلاتهم، تاركين هامشاً للخيال بأن يتجاوز تجاوزاته وحده. أمّا الإعلام، فقد كان موجهاً بالكامل، ولم تكن هناك وسائل تواصل اجتماعي، ولم يكن النظام يسمح بأي تسريب يوثّق القمع. الجريمة كانت تُرتكب في الظل، في غرف التحقيق وتحت الأرض، ويتمّ طمس آثارها بالكامل. هذا ما تغيّر طبعاً بعد أن بدأت الثورة، وخصوصاً بعد ظهور نشاط واضح لتطبيق فيسبوك في سوريا، فقد بدأت صفحات التنسيقيات والتوثيق، والصفحات المضادة التي تؤيد الأسد وإجرامه، توثّق مجازر الضباط وكيفية قمعهم للثوار من خلال تقييد أيديهم، وطرحهم أرضاً، والبدء بضربهم وركلهم، طالبين من المصوّر أن يُصور، ناهيك عن فيديو «مجزرة التضامن» الشهير الذي أثار صدمة واسعة وشكل نقطة تحول وحجر أساس لتجميع الأدلة التي تُدين الديكتاتور من بينها ملفات صور «قيصر» ذات العيون المفقوءة، والتي ساهمت كثيراً في إثبات تهم القمع والإجرام على نظام بشار الأسد. ومن بعدها اكتشاف سراديب وحكايا الرعب والتعذيب في المعتقلات السورية.

        في سوريا اليوم، تُقدّم حياة الإنسان كقرابين مجانية في مذابح العار السياسي والطائفي. لا تحقيق، لا محاسبة، لا أسى. فقط كاميرا مرفوعة، ويد تضغط على الزناد، ومنشور يحصد الإعجابات. خدمةً لشياطين لا تختبئ في الظلام، بل تصنع منه مسرحاً مفتوحاً، يُصوّر فيه فعل القتل بدم بارد، ثم يُشاركه القاتل بفخر على مواقع التواصل الاجتماعي، كما لو كان يدوّن إنجازاً شخصياً لا يخجل منه بل يتباهى به.

        القاتل لم يعد يرتدي قناعاً. بل يرتدي زيه الكامل، ويضع توقيعه أسفل المنشور، لا يخاف القانون، لأنه يعلم أنه لا قانون. يُخاطبنا جميعاً، نحن المتفرجون المربَكون، نحن الذين نضع «لايك» أو نمرّر المقطع أو نلعنه بلا حول، والأسوأ من القاتل هو الجمهور الصامت، العاجز عن الفعل، أو الذي يتعايش مع الجريمة وكأنها واقع لا مفر منه، والأخطر من كليهما هو الجمهور المؤيد والداعم للقتل والتحريض. هكذا يُصبح الدم رخيصاً، وتُقدَّم الأرواح قرباناً لنظام مريض، يوصل الجريمة إلى الباب ساخنة، جاهزة، معبّأة بإتقان، لخدمة الشياطين.

        تفكك الدولة ومركزية القرار

        بعد سقوط نظام الأسد الوحشيّ، وبعد 13 عاماً من الحرب، لم تعد «الدولة» موجودة كوحدة متماسكة، بل باتت (ميليشيات، فصائل، وأمراء حرب) ولم تعد هناك جهة واحدة تخشى الفضيحة، بل كل جهة تحاول إثبات «تفوقها الوحشي» عبر التصوير والبث، كما لو أن الجريمة أصبحت وسيلة لإثبات الولاء أو القوة. تصوير الجريمة أصبح وسيلة لإثبات السيطرة في زمن فقدان السيطرة. والنظام الجديد كغيره من الأنظمة القمعية التي تُستنزف داخلياً، لم يمضِ سبعة شهور على استلامه الحكم حتى بدأ باللجوء إلى التصفية العلنية كأداة ردع رمزية لكل أشكال الاختلاف أو المطالبة بالحرية والديمقراطية. يُوصل رسالة واضحة – عبر هذه الفيديوهات التي تنشرها الجهات التابعة للدولة – إلى المجتمع السوري أيّاً كان، لا ليُفزع الناس فحسب، بل ليقول لهم: «نحن لا نُخفي شيئاً، نحن لا نُحاسِب ولا نبذل جهوداً لردع أي شيء، ولن يُحاسَب أحد، أنتم وحدكم في ماكينة القتل الجديدة ولكم أعداءٌ جُدد، الشعب نفسه».

        بعد ثلاثة عشر عاماً على الحرب التي أنهكت سوريا على جميع المستويات، وبعد الانهيار المؤسساتي والتجاذبات والأطماع السياسية الواضحة والفجّة، لم تعد الدولة موجودة ككيان ضابط للجريمة، بل باتت الجريمة وسيلتها لإثبات القوة وفرضها. ورسالة تعويضية عن غياب السيطرة السياسية والقانونية، فالسلطة في دمشق لم تعد هي من يتحكم بالمشهد، فقد تفكك المركز وباتت القوى المحلية (أمنية، طائفية، ميليشياوية) والقوى الخارجية (إسرائيل، أميركا والغرب) تصنع سردياتها وتُقدّم عروضها كما تشاء. وباتت ثقافة العنف العلني تتمدد بلا هوادة، وكل مجرم يُدلي بجريمته كشهادة فوق القانون! هكذا أصبح القتل فعلاً مكرراً، والعين فقدت حساسيتها، الهواتف في يد الجميع والسلطة في يد من يجرؤ فقط.

        وهكذا أصبحنا نعيش عصراً جديداً، لم يعد العنف فيه مجرد حدث، بل مشهداً قابلاً للمشاركة والتكرار والاستهلاك الجماعي. وتصوير الجريمة لم يعد وسيلة إثبات، بل لغة سيطرة، وعلامة تفوّق، ومادة تسويقية في سوق مفتوح اسمه «الفراغ القانوني» الذي يُمارس تطبيعه العلني مع العنف.

        عندما يتحوّل التوثيق إلى سلاح، من السويداء إلى غزة

        سوريا ليست حالة معزولة عما نراه اليوم من جرائم؛ فهي جزءٌ من ظاهرة عالمية قاسية يتجلّى شكلها الأكثر سفوراً في الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين. ففي غزة، كما في السويداء، لم تعد الجريمة ترتكب فقط، بل تُعرض، وتُدوَّن، وتُزيَّن بعبارات تهكمية واحتفالية، فحين يُوثّق القاتل جريمته، لا يفعل ذلك بدافع الغرور فقط، بل لأنه يعتبر الكاميرا جزءاً من الفعل.

        جنود إسرائيليون يصوّرون أنفسهم يقصفون منازل المدنيين، يضحكون ويحتفلون بعد كل ضربة ناجحة، كما في فيديوهات سربها جنود على تيك توك في إحدى مدارس الأونروا التي اقتُحمت في خان يونس ودُمرت بالكامل عام 2024. كتب الجنود على السبورة: «درسنا اليوم، قتلهم جميعاً». أمّا في مجزرة الشجاعية، صوّر الجنود أكوام الركام وقالوا: «هكذا نعلّمهم الأدب».

        تم تداول هذه الفيديوهات وغيرها عبر صفحات ومنصات التواصل الاجتماعي الإسرائيلية كمحتوى للهزل والضحك والتسلية مما أثار عند المتضامنين مع فلسطين الكثير من النفور والاستنكار لهذه السايكوباثية المُعلنة.

        القاتل الصامت: حين يُترك التوثيق للضحية

        ما يفعله الاحتلال الإسرائيلي في غزة لا يتوقف عند القصف أو التجويع كأفعال اعتدنا عليها منذ اندلاع الانتفاضة الثانية، بل يمتد إلى التحكم في السردية. أحياناً يوثّق الجريمة بنفسه ويحتفي بها، وأحياناً يترك توثيق الجريمة للضحية نفسها، لكنه يتحكم في كيف تُرى، ومتى تُعرض، ولمن تُسوَّق.

        المشهد أكثر خبثاً وظلاماً في حالة الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه على غزة، فالقاتل لا يصور بنفسه، بل يترك عدسة الضحية تتولى المهمة. حيث يمسك الغزاوي تحت القصف هاتفه ليوثّق الركام، الجثث، الجوع، الطفلة التي تموت من الاختناق، الأم التي تحفر بيدها تحت الأنقاض بحثاً عن أطفالها، والاحتلال يُبقي المشهد مفتوحاً، وكأنّه يقول: «دعهم يُصورون، فليصرخوا، فليعرضوا كل شيء، لن نتوقف عن قتلهم».

        والمفارقة العميقة تكمن في أن القاتل يتركك تصوّر نفسك تموت، بينما العالم يُمرر الفيديو ومن ثم يُكمل حياته وكأن شيئاً لم يكن. يتمّ تفويض القتيل بمهمة التوثيق، ليس احتفالاً بالقتل، بل تبريد له، عبر الاعتياد البصري، فالحرب ليست فقط على الأجساد، بل هي حربٌ على القيمة الأخلاقية للمشهد. والكاميرا في يد الفلسطيني الذي يُصور موت أهله وخراب مدينته بعد أن كانت أداة مقاومة تحولت شيئاً فشيئاً إلى فخ أخلاقي عميق، لأن هذا الموتتحول إلى بضاعة يتداولها العالم ليشعر بالشفقة العابرة ثم يصمت. والاحتلال يعرف هذا جيداً، يعرف أن العالم لم يتحرك حين شاهد مجازر الفوسفور الأبيض، ولم يتغير الأمر بعد صور المجاعة في مخيمات الشمال، فهو يواصل جريمته، صامتاً، منهجياً، واثقاً من أن عدسة الضحية لن تُدين، بل ستُنسى بين الآلاف من الفيديوهات المنشورة والمتداولة هنا وهناك. والدليل هو إبادة أكثر من 70 ألف شخص في غزة خلال سنتين، والعالم ما زال عاجزاً عن إيقاف المجزرة.

        ما الرابط بين الحالات جميعها؟

        تكرر النمط نفسه في نظام الأسد بعد الحرب وخلالها، أو جيش الاحتلال في فلسطين، أو السلطة الجديدة في سوريا على السواء. الكاميرا تمسك بالمشهد كأداة هيمنة وتهديد وسخرية من المقتول ومن الموت نفسه، والتوثيق لم يعد في غايته دفاعاً عن الحقيقة بل سلاحاً نفسياً يُشهر في وجه من يعترض. في هذا السياق، فإن تصوير القتل ونشره أصبح «نصاً عنيفاً» يُخاطب الجمهور أياً كان، بلغة واضحة وفجة تقولها مثلاً السلطات المسؤولة عن الجيش الإسرائيلي ونتنياهو نفسه دون رادع: «نحن نملك الحق الكامل في الإبادة، ولسنا مضطرين لإخفائها» إن كان في قصفه لغزة أو لدمشق أو لسوريا ولبنان بشكل عام.

        القاتل هنا لا يبرر لا يخجل، بل يصنع محتوى يختفي بعد يومين بالكثير، محتوى لا تحتاج الديب ويب إلى ضمه إلى قوائمها الشاذة، فقد أصبح شيئاً عادياً. هناك من يبكي عليه وهناك من يضحك معه أو يشعر بالقرف منه، وهناك من يشجع على المزيد. وكأن رؤية الموت والمجازر لم تعد كافية، يجب التعليق على الخراب والسخرية منه وتمرير العنف الممنهج على شكل (رييل) إنستغرام رخيص. وفي جميع الحالات، من الساحل السوري إلى غزة لم يعد القتل فعلاً مرفوضاً، بل محتوىً منتَجاً يوزّع كأنه إعلان لقوّة خارقة وقتل واضح وصريح للعدالة أيّاً كانت. هي ديناميكية جديدة لرمي جميع ما قام القانون بإدانته عبر التاريخ في القمامة. ولا ينفع في شيء سوى تأجيج الشعور بالعجز أو الغضب أو التحريض.

        السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل ما نعيشه من كوارث أخلاقية وإنسانية في منطقتنا وفي العالم قد تجاوز قدرة الصورة على الإحاطة والتأثير والإنقاذ؟ ماذا عن السينما كأداة تأثير ومصدر غني بالصورة والسرد العميق في النفس البشرية؟ ففي أفلام الحرب، وفي وثائقيات الإبادة، وفي مشاهد الإعدام والتعذيب كانت الكاميرا تروي ما لا يُقال، وتكشف ما يُخفى.

        لكن ماذا يحدث حين تتجاوز الجريمة السينما؟ حين لا يحتاج القاتل إلى مُخرج ولا مونتاج، بل يفتح كاميرته ويصوّر الدم لحظة نزفه؟ أوحين تتحوّل الحياة نفسها إلى فيلم بلا مؤلف، بلا موسيقى، بلا نهاية سعيدة؟ هل يموت الفن في حضرة الواقع الذي أصبح أكثر قسوة من الخيال؟ فما جدواها هي والفن في مواجهة هذا الطقس اليومي من الموت؟

        لربما تواجه السينما منافساً وحشياً أمام الواقع الذي لا يحترم بناء القصة ولا يمنح الأبطال فرصةً للبقاء. «ديليفري الجريمة» في عصرنا ليس فقط وصفاً لزمن يُوثَّق فيه القتل على الهواء مباشرةً، بل هو نهاية للمعنى، حين يصير العنف والموت مُتاحاً ومبتذلاً ومصوّراً ومُعاداً آلاف المرات. هي مقبرة يموت الفن فيها أيضاً، وتُصبح الصورة عبئاً لا عزاء فيه، مشهداً دون روح، تكراراً دون توثيق. هكذا نموت كل يوم أمام الشاشات نحن أيضاً، وهناك من لا يهتزّ له وجدان، فكل ما هنالك أن الواقع والخيال معاً أصبحا أضعف من اللحظة، وأسرع من الرصاصة والفن صار أقلّ تأثيراً من فيديو عشوائي التُقط بيد مرتجفة.

موقع الجمهورية

—————————

 السوريون و”نعيم” الإفلات من العقاب/ عمر قدور

السبت 2025/08/02

قبل ثلاثة أيام أصدر النائب العام في سوريا بياناً يفيد بتحريك دعوى الحق العام ضد شخصيات أمنية ومدنية من رجالات عهد الأسد، منهم رجل المخابرات عاطف نجيب، والمفتي السابق أحمد بدر الدين حسون. الأربعة المُشار إليهم في البيان مقبوضٌ عليهم من قبل، ووفق ما كتبه الحقوقي ميشيل شماس (المعارض أيام حكم الأسد) فإن النائب العام تجاوز صلاحياته، وواحد من أوجه التجاوز القفز على مرسوم تشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية التي يُفترض بها تولّي ملفات المتهمين.

بيان النائب العام أتى في 30 تموز، بعد يوم حافل على السوشيال ميديا، من سوريين غاضبين على أداء الأمن العام الذي اتهمته أسرة الشاب يوسف لبّاد بقتله تحت التعذيب بعد القبض عليه، حيث نشرت الأسرة صوراً تُظهر آثار العنف على جثمانه. حادثة لبّاد سبقها توقيف لناشطة، هو بمنزلة إخفاء قسري، لأن أهلها لم يتمكنوا رسمياً من معرفة مكان توقيفها وأسبابه، إلى أن اُفرج عنها من قبل الداخلية. أيضاً زوجة معتقل آخر قامت بحملة بسبب اعتقال زوجها، والإفراج عنه لاحقاً بلا توجيه أية تهمة، يعني حدوث ذلك خارج القانون من الجهة التي يُفترض أنها أداة تنفيذية لتطبيق القانون.

وكما هو معلوم كانت مجموعة من السوريين قد تعرضت قبل أيام لاعتداءات في قلب دمشق، أمام مبنى مجلس الشعب، لأن المعتصمين نادوا بحرمة الدم السوري على خلفية ما يحدث في السويداء. الاعتداءات كانت مصوَّرة، ومقاطع منها نُشر على وسائل التواصل، بلا تدخّل من رجال الأمن الذين يُفترض بهم حماية المدنيين أولاً، وحماية حقهم في التعبير ثانياً، ما داموا لا يخالفون القانون، ولا يروِّجون لأفكار تُعاقب عليها (ولو نظرياً) القوانين السورية. ولم تكن هذه الحادثة وحدها شاهداً على الإفلات من العقاب، فقد شهدت الشهور الماضية حالات كثيرة من التعدّي على الحريات، ومن ثم الإفلات من العقاب بدلالة عدم محاكمة أي مرتكب من بين الذين ظهروا علناً، بوجوههم وأسمائهم الصريحة.

كان يمكن، على سبيل المثال، الإعلان عن الشروع في توقيف مشتبه بهم في ارتكاب مجازر الساحل والتحقيق معهم، بموجب تقرير لجنة تقصّي الحقائق الحكومية. إلا أن ذلك لم يحدث، رغم الأهمية الحالية لإرسال أية إشارة تتعلق بالالتزام بالقانون من قبل السلطة، والالتزام بتطبيقه على مَن هم مقرَّبين منها، أو خارج فلكها.

الدولة، إذا شئنا تعريفها بكلمة واحدة، هي القانون. وما يُسمّى (على سبيل التأكيد) بدولة القانون ليس ترفاً يخصّ بلداناً متقدّمة، الغرب على نحو خاص. لأن ترويج هذا الظن مفاده الاعتقاد بأن القوانين واحدة من ملامح الدولة ليس إلا، وقد لا تكون لها الأولوية ضمن اعتبارات متعددة، منها ما يتعلق بالخصوصية الثقافية لكل بلد، فتكون سيادة القانون في بلدان أخرى من جملة اختلافات بيننا وبين بلدان “لا تشبهنا”!

بالطبع، تتغير القوانين وتتطور، ودائماً يكون من واجب السلطة الالتزام بها، والسهر على تطبيقها. الأهم هو وجود إدراك عام، ولدى السلطة خصوصاً، لمركزية ما نقوله عن القانون. فالبشر بنسبة كبيرة تحكمهم ثلاث قواعد أساسية، هي الدين والأعراف والقوانين. والتمييز بينها واجب، فلا يجوز مثلاً لدولة أن تعتمد ألقاب مثل “الوجهاء” و”الأعيان”، أو مفهوماً مثل “الفزعة”، لأنه في الأصل متصل بمنظومة أعراف عشائرية، والسلطة يُفترض ألا تكون عشيرة، وألا تسمح لأعراف موروثة بالتدخل بما يتعارض مع القانون الجامع. لذا، يكون طلب “فزعة” العشائر ثم توجيه الشكر لها من دون الدولة الجامعة، ذلك قبل الخوض في نتائجها الكارثية.

من المؤكد أن سنوات طويلة من حكم الأسد رسّخت فكرة دوس الأقوياء على القانون، وعززت تالياً الاستهتار به، وفي المحصلة أضعفت إلى حدود قصوى فكرة الانتماء إلى الدولة السورية، لأن إضعاف مبدأ سيادة القانون هو بمنزلة إجهاز على مبدأ المواطنة نفسه. النكوص عن دولة القانون كان يعني، فيما يعنيه، اللجوء إلى الأعراف الاجتماعية، وهي تقوم على مبدأ “العيب”، واللجوء إلى الدين الذي يعتمد في خلفيته على مبدأ التحليل والتحريم. وبالطبع ليس المقصود هنا البعد الإيماني للدين أو الطقسي، أو ما يتصل بقوانين الأحوال الشخصية المعمول بها أصلاً.

في السياق نفسه، من المهم الانتباه إلى تحطم المجتمعات السورية التقليدية، على نحوٍ اعتيادي، أولاً بفعل الهجرة الكثيفة من الأرياف إلى المدن، ثم حدث التحطيم المفاجئ الأشد بفعل الوحشية والتهجير اللذين مارسهما الأسد بعد الثورة. بسبب ذلك كله، لم يعد وارداً الحديث عن مجتمعات مستقرة، ينتج كلٌّ منها الأعراف الخاصة به. الدين نفسه لم يسلم من الانقسام، ففي مختلف المناطق السورية سادت رؤىً متمايزة له وفق السلطة الحاكمة، فضلاً عن أن الأديان هي في الأصل مصدر تمايز بين المختلفين دينياً أو مذهبياً.

تحطُّمُ المجتمعات السورية ينطوي على انهيار منظومات أخلاقية فيما دون الدولة، ولا شكّ في أن هذا الفراغ أفسح لانتعاش مختلف أنواع السلوكيات والأقوال المتفلّتة من أية منظومة اجتماعية. ولا شكّ أيضاً في أن وسائل التواصل الاجتماعي أفسحت المجال واسعاً لسوريين مارسوا ويمارسون انحطاطاً منقطع النظير، بلا خشية من أي عقاب اجتماعي أو قانوني. وقد أمكن حتى الآن، ولو بنسبة ضئيلة، ردع بعض المقيمين في دول غربية تعاقب قوانينها على هذا النوع من التحريض على العنف والعنصرية إزاء مجموعات بشرية أخرى.

على صعيد متصل، قدّمت السلطة نموذجاً مغايراً تماماً، فما يُسمّى بـ”المؤثّرين” المقرَّبين منها مارسوا خطابات تحريضية ضد جماعات سورية، وبأسلوب ولغة يشيان بالتفلّت من الأعراف التقليدية والقيَم الحقوقية المعاصِرة. هؤلاء تمتعوا ويتمتعون بنعيم الإفلات من أي عقاب، بل إن قربهم من السلطة يقدّم الأمثولة المضادة تماماً لفكرة القانون، بما أن الفالتين من القيَم يحظون بالحماية والتقدير.

رفْعُ الغطاء عن الفئة الأخيرة (مثلاً) كان يمكن أن يعطي إشارة عن عزم السلطة الالتزام بالقانون وتطبيقه، وكذلك ما يتعلق بمعالجة الانتهاكات التي أشرنا إليها في المستهل. ثمة فرق لا يمكن أن تخطئه الأعين بين التقصير الأمني بسبب قلة الإمكانيات والتقصير لعدم توفر الإرادة للكافية للخوض في الطريق الوعر، ولا شكّ في أن الاستحقاق الأمني ليس بالبساطة الشديدة بعد سنوات الفوضى والتفلُّت من الضوابط التي أشرنا إليها.

تنتقل سوريا إلى مرحلة الدولة فقط عندما يسود القانون، فلا تكون أرضاً للإفلات من العقاب، ولا يكون كذلك فضاؤها الافتراضي. وأي قانون يتضمن نوعاً من التمييز تسقط عنه صفة الوطنية، لأن القانون يجب أن يكون شاملاً وجامعاً لا مُفرِّقاً. ما دون ذلك هو ما دون الدولة أيضاً، وتبعاته بمنزلة المخاطرة الكبرى في بلد مهيَّأ منذ سنوات للفوضى الشاملة؛ هذه المرة من دون التهديد المعتاد بها.

المدن

————————————-

إعلان دستوري للمرحلة الانتقالية

تردد كثيرا تساؤلات محقة حول المرحلة الانتقالية ومدتها، والآلية القانونية التي تحكمها، وترد أفكار كثيرة حول العودة للعمل بدساتير سابقة أو استمرار العمل بالدستور الحالي مع التعديل عليه. كما تطرح أسئلة حول طريقة الانتقال إلى بيئة قانونية جديدة ديمقراطية يكون الشعب فيها هو صاحب القرار، مع طريقة إعداد دستور جديد وتصفية آثار المرحلة الماضية ومصير مرتكبي جرائم قتل المدنيين وتدمير البلاد وإعادة السلم الأهلي الذي تعرض شروخ كبيرة وقاسية، وأسئلة أخرى كلها مشروعة وتعبر عن قلق من مستقبل لم تتحدد معالمه، بينما لم تقدم أي جهة خريطة سياسية قانونية آمنة للانتقال الديمقراطي.

إن المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية وإيمانا بدوره في تقديم رؤى ودراسات حول بيئة قانونية لمستقبل سوريا عنوانها الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، نتقدم بهذا الاجتهاد لإعلان دستوري مؤقت يتم العمل به في الفترة الانتقالية للمعنيين وأصحاب القرار لعلها تساعدهم لتخفيف معاناة السوريين وتأمين الانتقال الآمن والسلمي نحو مستقبل نؤمن بأنه سيكون مشرقا رغم كل الألم الذي نعيشه الآن.

مقدمة

يعلقّ العمل بالدستور الحالي وجميع القوانين والمحاكم الاستثنائية كالقانون 49 لعام 1980 وقانون إحداث محكمة الإرهاب والمادة 16 من القانون 14 لعام 1969 الخاصة بحماية عناصر الأمن من المحاكمة والمرسوم 55 لعام 2011 الخاص بتعديل قانون الأصول الجزائية بتمديد التوقيف الأمني وتفويض الأجهزة الأمنية بمهام الضابطة العدلية، والمحاكم الميدانية وجميع القوانين التي تعرقل عملية الانتقال الديمقراطي

الباب الأول

 مبادئ عامة

المادة الأولى:

الجمهورية السورية دولة ذات سيادة وهي وحدة جغرافية سياسية لا تتجزأ ولا يجوز التخلي عن أي جزء منها، وهي جزء من منظومة عربية وإقليمية ودولية.

المادة الثانية:

الجمهورية السورية دولة متنوعة قوميا ودينيا وطائفيا وجميع أبنائها وبناتها متساوون بالحقوق والواجبات دون أي تمييز.

المادة الثالثة:

الجمهورية السورية دولة تحترم الديمقراطية ومبدأ فصل السلطات ومبادئ حقوق الإنسان المتمثلة بالإعلان العالمي والشرعة الدولية والاتفاقيات الملحقة به ولا يجوز إصدار أي قانون أو تشريع ينتهك هذه المبادئ.

المادة الرابعة:

حرية التعبير والرأي والاعتقاد والمشاركة بالقرار عبر الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وإصدار الصحف والمطبوعات حقوق مشروعة ومحفوظة لكل السوريين.

الباب الثاني

 هيئة الحكم الانتقالي

المادة الخامسة:

تدير الدولة خلال الفترة الانتقالية هيئة حكم انتقالي يكون مجموع أعضائها ثلاثة أو أكثر على ألا يكون أي أحد منهم مشتبه بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية وتراعى مكونات المجتمع السوري وتمثيل للمرأة السورية. ويتخبون بينهم رئيسا أو رئيسة للهيئة.

المادة السادسة:

تناط بهيئة الحكم الانتقالي كامل الصلاحيات التنفيذية لإدارة شؤون الدولة خلال الفترة الانتقالية، ويمثل رئيس الهيئة الدولة أمام الجهات الخارجية. وقراراتها كلها قابلة للتصديق أو التعديل أو الإلغاء من قبل مجلس النواب المنتخب بعد إجراء الانتخابات وانتخاب مجلس نواب جديد.

المادة السابعة:

 مدة المرحلة الانتقالية من ثلاث إلى خمس سنوات كحد أقصى.

المادة الثامنة:

ينبثق عن هيئة الحكم الانتقالي حكومة انتقالية ومجلس أعلى للقضاء وهيئة للعدالة الانتقالية وجمعية وطنية لوضع الدستور.

الباب الثالث

الحكومة الانتقالية

المادة التاسعة:

تشكل الحكومة الانتقالية من التكنوقراط المؤهلين والاختصاصيون على ألا يكون أي أحد منهم مشتبه بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية أو متورط بدعم الجرائم ماديا أو إعلاميا، ويراعى أن يتمثل فيها كل مكونات المجتمع السوري الدينية والإثنية وتمثيل جيد للمرأة.

المادة العاشرة:

 يناط بالحكومة الانتقالية إدارة شؤون البلاد تحت إشراف وتوجيه هيئة الحكم الانتقالي ويتم إعادة هيكلة الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة والبدء بالإعمار وبناء البنية التحتية وتقديم الخدمات للمواطنين وقبول المساعدات غير المشروطة من الجهات الدولية من أجل إعادة البناء. وتستعين بالخبرات الوطنية والأجنبية لذلك.

المادة الحادية عشر:

يناط بوزارة الدفاع إعادة ضبط الأمن وسحب السلاح غير الشرعي وهيكلة الجيش ليكون جيشا احترافيا متفرغا يدافع عن حدود البلاد ويعاد تأهيل قوى الأمن الداخلي وأجهزة الأمن لتكون أجهزة تحمي أمن البلاد وسلامة حياة المواطنين في المجتمع وتحال جميع القيادات والعناصر العسكرية المتورطة بجرائم قتل المدنيين بالمشاركة أو بإعطاء الأوامر أو التحريض إلى هيئة العدالة الانتقالية لمحاكمتهم بشكل عادل. ويمكن لقيادة الجيش أن تفتح باب التطوع وتدمج المجموعات المسلحة وبقايا الجيش القديم التي كانت تقاتل طالما أعلنت ولاءها للدولة الجديدة طالما لا يكونوا مشتبه بهم بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الانسانية.

المادة الثانية عشر:

يعاد تشكيل مجلس القضاء الأعلى من القضاة الأكثر نزاهة وخبرة، ويقوم مجلس القضاء الأعلى بإعادة هيكلة القضاء والمحاكم على أسس الاستقلالية والحياد والنزاهة. ويُشكّل لجنة قانونية لاقتراح تعليق العمل بالقوانين المعيقة للانتقال إلى دولة سيادة القانون وديمقراطية وتصفية الملفات المنظورة أمام المحاكم الاستثنائية وإطلاق سراح من يستوجب ذلك وإحالة ملفات الأخرى أمام المحاكم العادية

الباب الرابع

الجمعية الوطنية ومشروع الدستور الدائم

المادة الثالثة عشر:

تشكل جمعية وطنية لوضع مشروع دستور جديد للبلاد مؤلفة من مائة وعشرين عضوا يتم انتخاب نصفهم مباشرة من الشعب حسب نظام المحافظة دائرة انتخابية واحدة، ولكل محافظة عدد متناسب مع عدد سكانها, ويتم تعيين النصف الثاني من قبل هيئة الحكم الانتقالي من أصحاب الخبرة القانونية والاقتصادية والرموز الاجتماعية وبشكل يراعى تواجد كامل مكونات المجتمع السوري. كما يراعى تمثيل لا يقل عن ٣٠٪ للمرأة ( يمكن أن تكون النسبة ثلثين انتخاب وثلث تعيين أو العكس ) ينبثق عنها لجنة قانونية من خبراء دستوريين يقومون بوضع مشروع دستور دائم يعرض على الجمعية العمومية لإقراره وعرضه على الاستفتاء

المادة الرابعة عشر:

تضع الجمعية العمومية قانون عصري للإعلام وقانون لتشكيل الأحزاب والجمعيات الأهلية، وتقوم الجمعية الوطنية بمهام مجلس النواب من حيث الرقابة على عمل هيئة الحكم الانتقالي وجميع الهيئات التابعة له ومراقبة القرارات والأوامر الصادرة عنهم.

المادة الخامسة عشر:

تقوم الجمعية الوطنية بوضع دستور جديد للبلاد وإجراء الاستفتاء عليه مع تأمين مناخ آمن ونزيه وحيادي للمشاركة والإشراف على إجراء الانتخابات النيابية والرئاسية.

المادة السادسة عشر:

تتخذ الجمعية الوطنية قراراتها بشأن الدستور ومواده بأغلبية ثلاثة أرباع أعضائها، ويجب أن تنجز الجمعية مهمتها خلال فترة أقصاها ثلاث سنوات من تاريخ بدء عملها.

المادة السابعة عشر:

 تمارس اللجنة القانونية والجمعية الوطنية عملها على مشروع الدستور بكل شفافية وتنشئ حملة توعية وتوضيح لعملها ونقاش مفتوح وتفاعلي حول المواد التي يتم صياغتها، متعاونة مع الحكومة ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام.

المادة الثامنة عشر

 تقوم الحكومة عند إنجاز مشروع الدستور من قبل الجمعية الوطنية بعرضه على الاستفتاء العام، ويجب أن يحصل على أغلبية أعداد المواطنين المسجلين بالاستفتاء أو ثلثي عدد المصوتين فعليا، ويحق للسوريين خارج البلاد المشاركة بالاستفتاء وتؤمن الحكومة بالتعاون مع الدول التي تستضيف السوريين هذه المشاركة.

المادة التاسعة عشر

 في حال عدم حصول مشروع الدستور على الأصوات الضرورية يعاد للجمعية الوطنية لتعديله وإعادة عرضه على الاستفتاء خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر وبهذه الحالة يكتفى بأغلبية المصوتين.، ويصبح ساري المفعول من تاريخه.

المادة العشرون:

تضع الجمعية العمومية قانون انتخابي على أساس تقسيم جغرافي للدوائر الانتخابية يراعي مشاركة جميع أطياف الشعب السوري مع اعتبار الأخذ بالنظرية النسبية (اعتبار كل سوريا دائرة انتخابية واحدة) بشكل جزئي كما تضع قانون لتشكيل الجمعيات الأهلية والأحزاب السياسية وقانون للإعلام ويقر هذا القوانين من هيئة الحكم الانتقالي بأغلبية الثلثين.

المادة الحادية والعشرون:

بعد إقرار الدستور تجري انتخابات نيابية وبعدها انتخابات رئاسية خلال مدة ثلاثة أشهر من تاريخ إقرار الدستور ويشارك السوريين خارج سوريا بهذه الانتخابات.

المادة الثانية والعشرون:

تقوم الجمعية الوطنية بالإشراف على إجراء الاستفتاء على الدستور وكذلك بالإشراف على الانتخابات النيابية والرئاسية.

المادة الثالثة والعشرون:

لا يجوز لأعضاء هيئة الحكم الانتقالي والحكومة المؤقتة والجمعية الوطنية الترشح للانتخابات النيابية والرئاسية في دورتيهما الأولى.

الباب الخامس

هيئة العدالة الانتقالية

المادة الرابعة والعشرون:

 تنشأ هيئة مستقلة باسم هيئة العدالة الانتقالية وتتألف من رئيس وشخصيات قضائية وقانونية واجتماعية وسياسية. ولها أن تستعين بمن تشاء من خبراء وشخصيات لتنفيذ مهمتها

المادة الخامسة والعشرون:

تضع الهيئة نظامها الداخلي وطريقة عملها.

المادة السادسة والعشرون:

تكون مهام هيئة العدالة الانتقالية:

١- إطلاق سراح جميع المعتقلين والبحث عن المفقودين وتسوية الأوضاع القانونية للضحايا.

٢- إنشاء محكمة مركزية ومحاكم فرعية مختلطة من قضاة سوريين/ات ودوليين/ات تتبنى نظام روما لمحاكمة المسئولين عن جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان مع ضمان جميع شروط المحاكمة العادلة.

٣- العمل على إرساء وتدعيم السلم الأهلي وإنشاء لجان مناطقية للمصالحة الوطنية ونشر التوعية واستخدام كافة أنواع الإعلام ورشات العمل والندوات الجماهيرية.

٤- إجراء مسح ميداني لجميع الأضرار المادية والجسدية وإنشاء وإدارة صندوق تعويضات يغذى من التبرعات والمنح والمساعدات المحلية والعربية والدولية مع تخصيص بند في ميزانية الدولة له. وإعطاء الأولوية لذوي الضحايا والجرحى وتأمين مساكن بديلة لمن تهدمت بيوتهم

٥- إنشاء لجنة خاصة لتوثيق كافة المراحل التي مرّت بالبلاد وتخليد ذكرى الأشخاص الذين قدموا حياتهم ومالهم من أجل مستقبل الوطن وإدراجها في المناهج المدرسية حتى تكون مثلا يحتذى ومنارة وذكرى دائمة.

الباب السادس

 خاتمة

المادة السابعة والعشرون:

 تقوم هيئة الحكم الانتقالي بتهيئة الأجواء السياسية والإعلامية والأمنية لإجراء الانتخابات النيابية والرئاسية في جو حيادي ونزيه وتحت رقابة منظمات المجتمع الأهلي المحلي والعربي والدولي حسب مواد الدستور الجديد وتنتهي مهامها بإعلان تشكيل الحكومة الشرعية المنتخبة. وتسلم بعدها السلطة للحكومة المعينة حسب الدستور الجديد.

المحامي أنور البني

رئيس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية

————————————-

 الشبكة العربية لاستقلال القضاء: ركيزة ضرورية في مرحلة التحول السياسي في سوريا/ فضل عبد الغني

2025.07.30

يُمثل إعلان تأسيس الشبكة العربية لاستقلال القضاء في 10 تموز/يوليو 2025 تحولًا نوعيًّا في مسار المبادرات الإقليمية والتي يمكن أن تسهم في دعم التحول السياسي في سوريا نحو نظامٍ يحترم استقلالية القضاء، بعد عقود من استغلاله كأداة بيد نظام الأسد لترسيخ سلطته.

وتأتي هذه المبادرة في وقت تعاني فيه المؤسسات القضائية السورية من أزمات حادة في الشرعية والفعالية، ما يجعل من تأسيس إطار للتعاون القضائي الإقليمي خطوة بالغة الأهمية لمعالجة هذا الانهيار البنيوي العميق الذي خلفته الهيمنة السلطوية.

في هذا السياق، تكتسب مشاركة سوريا في الشبكة، من خلال عضوية الشبكة السورية لحقوق الإنسان، طابعًا خاصًا. فالبنية التوثيقية الغنية للشبكة السورية، والتي تشمل ملايين الحوادث وأكثر من 1800 تقرير منذ عام 2011، تمنح الشبكة العربية قاعدة بيانات مرجعية لفهم التحديات القضائية في سوريا، كما تُمكنها من بلورة استجابات تستند إلى واقع ملموس. ومن المؤمّل أن تسهم هذه المعطيات في جعل سوريا ليس فقط مستفيدًا من الخبرات الإقليمية، بل أيضًا مساهمًا في إثرائها عبر تقديم خبرات ميدانية حيوية في سياق إعادة بناء نظام قضائي ما بعد النزاع.

يهدف هذا المقال إلى تحليل الدور الذي يمكن أن تضطلع به الشبكة العربية لاستقلال القضاء كآلية داعمة في مسار التحول السياسي في سوريا، من خلال توفير الخبرة الفنية والدعم المؤسسي المستدام الضروري لتجاوز إرث الانهيار القضائي المتراكم.

معالجة نقاط الضعف من خلال التعاون القضائي الإقليمي

تُعد أزمة استقلال القضاء في سوريا أحد أبرز العوائق أمام ترسيخ سيادة القانون في مرحلة ما بعد الأسد. فقد أدّى الاستخدام السلطوي للقضاء على مدى عقود إلى تحويله من سلطة للفصل العادل في النزاعات إلى أداة لخدمة بقاء النظام، مما أفضى إلى ما يُعرف اصطلاحًا بـ “فراغ الشرعية” الذي لا يمكن ملؤه من خلال إصلاحات تقنية فقط. هذا التآكل المؤسسي يُترجم في الواقع السوري بعزوف المواطنين عن اللجوء إلى القضاء، أو بتنامي الميل إلى “أخذ الحق باليد”، بما يشير إلى انهيار الثقة العامة في الجهاز القضائي.

وفي هذا الإطار، يُشكّل الإعلان الدستوري السوري، الذي وُضع لتأطير المرحلة الانتقالية، تكريسًا لهيمنة السلطة التنفيذية بدلًا من أن يُقيدها. ويُظهر تقييم منظمة هيومن رايتس ووتش أن الإعلان يمنح الرئيس صلاحيات واسعة تشمل التعيينات القضائية والتشريعية دون وجود ضوابط رقابية فعالة، ما يعكس خللًا في بنية الانتقال السياسي في البلاد. فغياب النصوص الدستورية الصريحة التي تُكرّس الفصل بين السلطات وتؤمن ضمانات فعلية لاستقلال القضاء يجعل هذا الإعلان بمثابة تفويضٍ قانوني لاستمرار تدخل السلطة التنفيذية.

لقد منح الإعلان الدستوري الرئيس سلطة تشكيل المحكمة الدستورية العليا، وتجاهل إنشاء مجلس قضائي مستقل، كما لم يُحدّد معايير واضحة للتعيين والعزل القضائي، وأغفل آليات الحماية من الانتقام السياسي. وإلى جانب ذلك، فإن انعدام الضمانات الدستورية فيما يخص الحيازة القضائية، واستقلالية الميزانية، والقرارات الإدارية، يجعل القضاة في موقع هشّ، خاضعين لضغوط السلطة التنفيذية.

بناء القدرات القضائية المستدامة: معالجة أزمة رأس المال البشري

تُعد أزمة رأس المال البشري القضائي في سوريا من أكثر التحديات إلحاحًا في مسار إعادة بناء النظام القانوني الوطني. ويتجلى “النقص الحاد في القضاة المؤهلين” كنتيجة لمجموعة من العوامل المركّبة، من أبرزها: مغادرة عدد كبير من القضاة البلاد خلال النزاع المسلح وانخراطهم في منظمات المجتمع المدني أو هيئات سياسية، والتطهير المنهجي الذي طال القضاة ذوي التوجهات المستقلة خلال حكم الأسد، فضلًا عن التدهور المزمن في مؤسسات التعليم القانوني تحت مظلة الحكم الاستبدادي. ولا يقتصر هذا العجز على البعد الكمي، بل يمتد إلى نوعية الكوادر القضائية المتبقية، التي غالبًا ما تفتقر إلى التدريب على المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وآليات العدالة الانتقالية، والممارسات القضائية المنسجمة مع النظام الديمقراطي.

وتُسلّط مسألة إعادة إدماج القضاة المنشقين خلال فترة النظام، رغم رمزيتها، الضوء على تعقيدات إعادة تشكيل البنية القضائية البشرية. فلا بد أن تشمل عملية الإدماج إعادة تأهيل تتجاوز البعد التقني القانوني إلى معالجة الجوانب النفسية والاجتماعية المرتبطة بالعودة، بما في ذلك احتمال نشوء توترات مع القضاة الذين استمروا في العمل ضمن منظومة النظام.

وبعيدًا عن التحديات الفردية، تبرز الحاجة الملحة إلى بناء قنوات مؤسسية مستدامة للتوظيف والتدريب القضائي. إن تدهور البنية التحتية للتعليم القانوني في سوريا يجعل من عملية بناء القدرات على النمط التقليدي أمرًا صعبًا. فكليات الحقوق ما زالت تعمل بمناهج تعليمية قديمة، وتعاني من شح في الموارد التدريبية العملية.

في هذا الإطار، يتجاوز دور الشبكة العربية لاستقلال القضاء حدود توفير التدريب المباشر، ليشمل تبني استراتيجيات متكاملة لبناء القدرات. فمن خلال برامج تبادل منتظمة مع هيئات قضائية إقليمية، يمكن للقضاة السوريين اكتساب خبرة عملية في أنظمة قانونية أكثر تطورًا، وبناء شبكات مهنية مستمرة توفر لهم الدعم المعرفي والمؤسسي على المدى الطويل. ويجب أن تُصمم هذه البرامج بعناية لضمان ملاءمتها للاحتياجات الخاصة بالسياق السوري، مع الابتعاد عن فرض نماذج قانونية أجنبية غير قابلة للتكيّف. وتُعد ترتيبات الإرشاد المهني التي تتيح للقضاة السوريين الارتباط بنظرائهم من القضاة العرب ذوي الخبرة خطوة بالغة الأهمية نحو بناء علاقات مؤسسية دائمة تُسهّل نقل المعرفة خارج الأطر التدريبية الرسمية.

آليات فعّالة لنقل المعرفة القضائية

يتطلّب تكييف أفضل الممارسات الإقليمية في العدالة الانتقالية مع الخصوصية السورية وجود آليات ترجمة قانونية ومؤسسية دقيقة، تراعي التكوين التاريخي والاجتماعي والسياسي الفريد لسوريا. فرغم ما تقدمه تجارب الدول العربية الأخرى من رؤى تحليلية غنية، إلا أن استنساخ هذه النماذج بصورة آلية قد يؤدي إلى إنتاج مؤسسات شكلية غير قادرة على التفاعل مع الواقع السوري. ويكمن التحدي في استنباط المبادئ القابلة للتعميم، وتكييفها بصورة تحافظ على مشروعيتها المحلية وفعاليتها التطبيقية.

وتوفر التجارب الإقليمية – كهيئة الحقيقة والمصالحة في تونس، وهيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب، وترتيبات ما بعد الحرب الأهلية في لبنان – دروسًا قيمة حول الموازنة الدقيقة بين المساءلة والاستقرار، وهي مسألة مركزية في سياق ما بعد النزاع السوري. وتُشكّل الشبكة العربية منصة جامعة لهذه التجارب المتنوعة، مما يمكّن القضاة السوريين من دراسة النجاحات والإخفاقات ضمن بيئات قانونية وسياسية مشابهة.

ولا بد أن تتناول عملية نقل المعرفة القضائية أبعادًا متداخلة في آنٍ واحد، تشمل: الجوانب الإجرائية القانونية، مبادئ التصميم المؤسسي، والاقتصاد السياسي لعمليات الإصلاح. وفي هذا السياق، فإن برامج الدعم الفني التي تقتصر على نقل الآليات القانونية الشكلية تفشل غالبًا في التعامل مع القضايا الأعمق، المتعلقة بتحول الثقافة والممارسة القضائية. ويتطلب نقل المعرفة المجدي بيئات تطبيقية غامرة يُشارك فيها القضاة السوريون بصورة نشطة في عمليات العدالة الانتقالية، بما يُمكّنهم من فهم الإجراءات الرسمية، وكذلك إدراك المعايير غير الرسمية والممارسات الواقعية التي تضمن فعالية هذه العمليات.

إن السياق السوري يفرض تحديات خاصة يجب مراعاتها في تصميم أدوات نقل المعرفة، من أبرزها: الحاجة إلى موارد تعليمية باللغة العربية متوافقة مع التقاليد القانونية المحلية، وتطوير مناهج تدريبية تأخذ بعين الاعتبار الديناميكيات الطائفية المعقدة في البلاد. وتعتمد فعالية الشبكة العربية لاستقلال القضاء في نهاية المطاف على مدى قدرتها على تيسير حوار مهني ومؤسسي حقيقي بين تقاليد قانونية متعددة داخل الإقليم العربي.

الدور المحوري للشبكة السورية لحقوق الإنسان

إن موقع الشبكة السورية لحقوق الإنسان كعضو مؤسس في الشبكة العربية لاستقلال القضاء يمكنها من الربط بين التوثيق الميداني وصناعة السياسات التنفيذية. وتُشكّل قاعدة البيانات الواسعة التي تحتفظ بها الشبكة – والتي تشمل ملايين الحوادث وقرابة 1800 تقرير وبيان منذ عام 2011 – ركيزة تجريبية لإصلاح قضائي قائم على الأدلة.

ولا تقتصر مساهمة الشبكة السورية لحقوق الإنسان على توفير المعلومات، بل تمتد إلى تقديم أطر تحليلية لفهم أنماط الانتهاكات، وسياق الانتقال السياسي، ومتطلبات العدالة الانتقالية في سوريا. وبفضل هذه المعرفة التراكمية، تُسهم الشبكة السورية لحقوق الإنسان في ترجمة المبادئ الكلية للعدالة الانتقالية إلى آليات عملية تراعي الخصوصيات السورية، مع ضمان مشاركة هذه الخبرات في النقاشات الإقليمية والدولية الأوسع.

ويُقدّم منظور الشبكة السورية لحقوق الإنسان المرتكز على المجتمع المدني رؤى حيوية كثيرًا ما يتم إغفالها في الإصلاحات القضائية التي تتمحور حول الدولة. إن العلاقة المباشرة التي تربط الشبكة السورية لحقوق الإنسان بالضحايا والمجتمعات المحلية تُوفّر نافذة على تطلعات المواطنين ومخاوفهم وأولوياتهم، وهي عناصر جوهرية لتوجيه جهود إعادة بناء النظام القضائي. وتُعد هذه المعرفة المجتمعية ذات قيمة خاصة في تصميم مقاربات تضع الضحايا في صميم العملية القضائية، وتوازن بين الصياغات القانونية الرسمية وضرورات التعافي المجتمعي.

منصة لترسيخ دعائم الحكم الديمقراطي

يتضح من التحليل أعلاه أن الشبكة العربية لاستقلال القضاء تتجاوز كونها مجرد إطار مؤسسي للتعاون الفني، لتغدو أداة استراتيجية تدخل في لحظة تاريخية مفصلية. فمن خلال معالجتها لأوجه القصور ومحدودية القدرات المحلية، تطرح الشبكة مسارًا نحو تحويل القضاء السوري من أداة للهيمنة إلى ركيزة من ركائز الحكم التعددي.

غير أن تحقيق هذا التحول لا يمكن أن يعتمد فقط على بنية الشبكة ذاتها، بل يتوقف على قدرتها على التنقل ضمن المعادلات السياسية المعقدة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مصداقيتها المهنية وأصالتها الإقليمية. ويجب ألا يُعمي الاعتراف بقدرات الشبكة عن إدراك حدودها الموضوعية في التصدي لهياكل السلطة المتجذّرة، إذ إن استمرار تدخل السلطة التنفيذية يُظهر بجلاء مدى تغلغل الممارسات المركزية، والتي لا يمكن تفكيكها بالتعاون الإقليمي وحده.

إن فعالية الشبكة ترتبط ارتباطًا وثيقًا باستعداد الجهات السورية الفاعلة سياسيًا للقبول بالمراقبة الإقليمية وتنفيذ التوصيات الإصلاحية. وفي غياب هذا الالتزام، تبقى قدرة الشبكة محصورة في الجانب الفني، دون أن تتمكن من التأثير الفعلي في مسار الانتقال السياسي.

بناء القدرة المؤسسية لمواجهة التراجع الديمقراطي

إن دور الشبكة لا يقتصر على تقديم الدعم الفني في المدى القريب، بل يشمل أيضًا المساهمة في بناء قدرة المؤسسات القضائية السورية على الصمود طويل الأمد. فتكامل هذه المؤسسات ضمن شبكات إقليمية للمساءلة يُسهم في خلق آليات ردع تجعل من العودة إلى الاستبداد خيارًا مكلفًا ومكشوفًا سياسيًّا. كما أن بناء شبكات مهنية تربط القضاة السوريين بنظرائهم الإقليميين يُنتج دوائر دعم قضائي عابرة للحدود الوطنية، قائمة على معايير عالمية مهنية مشتركة، وأنظمة دعم متبادل تُشكّل سدودًا منيعة ضد الانحدار نحو السلطوية المعزولة.

ويعمل هذا البعد الوقائي على عدة مستويات متكاملة، منها: تقييمات الأقران الدورية التي تُراقب المؤشرات المبكرة للهيمنة القضائية، برامج الدعم الفني التي تُعزّز الممارسات الديمقراطية باستمرار، وآليات الضغط الدبلوماسي الإقليمي لمواجهة التراجع المؤسسي. وتُوفّر أنشطة الرصد والتوثيق التي تضطلع بها الشبكة سجلًا مؤسسيًّا غنيًّا يمكّن من تطوير استجابات قائمة على أدلة دقيقة لمواجهة التحديات الطارئة.

تأثير إقليمي متبادل: تتجاوز تداعيات تعزيز استقلال القضاء في سوريا حدودها الوطنية، لتُغني مشروع الإصلاح القضائي في العالم العربي برمته. وتُعد تجربة سوريا في الانتقال من هيمنة سلطوية أسدية إلى نظام يسعى لاستقلال القضاء فرصة تحليلية ثرية لدول عربية تمر بمراحل تحول مماثلة. كما أن تفاعل الشبكة مع التعقيدات التي تميز السياق السوري – من الانقسامات الطائفية، وانهيار المؤسسات، إلى تضارب التأثيرات الخارجية – يُنتج معرفة قابلة للتطبيق في بيئات أخرى متأثرة بالنزاع.

ومع تطور التجربة القضائية السورية تدريجيًّا، يمكن لسوريا أن تتحول من متلقٍّ للمعرفة إلى مصدر لها، مساهمةً في إثراء المخزون المعرفي الإقليمي في مجال بناء أنظمة قضائية بعد النزاع.

خاتمة:

أفق العدالة واستعادة الثقة: في المحصلة، تُجسد الشبكة العربية لاستقلال القضاء عاملاً محفزًا – وإن لم يكن كافيًا بذاته – لإحداث تحول مهم في البنية القضائية السورية. فمساهمتها في سد الفجوات الفنية، وتعزيز الشرعية الإقليمية، وتوفير الدعم المستمر، تُشكّل دعائم لا يمكن لأي جهد محلي أن يُعوّضها منفردًا. وتضع آليات الشبكة المتقدمة لنقل المعرفة، وبناء القدرات، والرصد المؤسسي، أسسًا لاستقلال قضائي مستدام.

لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب ما هو أكثر من دعم تقني: يتطلب تحولات ثقافية عميقة في الوعي السياسي، وإعادة صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وهي تحولات قد يُساعد الدعم الخارجي على تسريعها، لكنه لا يستطيع فرضها.

وسيقاس النجاح في إعادة بناء القضاء السوري ليس فقط بإنشاء مؤسسات جديدة، بل بمدى قدرتها على إرساء الثقة العامة: هل يشعر المواطنون بأن المحاكم قادرة على حمايتهم؟ هل يتمتع القضاة بالقدرة على الحكم ضد الدولة دون خوف من العقاب؟ هل تحل المساءلة القانونية محل العنف السياسي كأداة لحسم النزاعات؟

تُوفر الشبكة العربية لاستقلال القضاء هيكل لدعم هذا التحول، لكن نجاح المهمة يرتبط بتبنٍّ مجتمعي حقيقي لفكرة استقلال القضاء كشرط لازم لأي نظام ديمقراطي مستقر. وفي هذا النضال، يُمثل الدعم الإقليمي مساندة فنية، ويُجسد أيضًا أملًا ملموسًا في أن ينحني مسار العدالة السورية، رغم كل الصعوبات، باتجاه الاستقلال والمساءلة وسيادة القانون.

تلفزيون سوريا

—————————

إبادة جوّالة من الساحل إلى السويداء: هل هذا القتل الجماعي حدث أم نمط؟/ ياسين الحاج صالح

31-07-2025

        1

        المجازر بحق الدروز في السويداء على يد قوات الحكم الانتقالي أسوأ بكثير من نظيراتها بحق العلويين في آذار الماضي. هذا، أولاً، لمجرد أنه كرر المسالك الإجرامية التي سقط ضحيتها ما لا يقل عن 1500 من العلويين خلال خمسة أيام. التكرار شبه الحرفي ضد الدروز هذه المرة يُشكك بأنه جرى أخذ عبر أو استخلاص دروس مما أقرت السلطة نفسها بأنها مجازر، وظاهر أنه في أوساط تشكيلاتها المسلحة والقوات المرتبطة بها لم يخشَ أحد من اللوم، ولا يبدو أن أحداً عوقب، أو حتى عوتب، على دوره في القتل الجماعي الأول كيلا يشارك في قتل جماعي ثانٍ. وثانياً، لأن الهجوم على السويداء لم يكن مسبوقاً باعتداء على قوات حكومية ومقتل العديد من عناصرها، ولا ببلاغات تدعو إلى تمرد عام، كي يقال إن ما حدث هو تجاوزات في عملية أمنية لم تبادر إليها السلطة. ثم أنه ليس هناك ذاكرة مسمومة حيال السويداء والبيئات الدرزية في عمومها، فهي لم تكن على ولاء خاص للحكم الأسدي، بل إنها منذ سنوات مقاطعة لجيشه وحربه، وجسدت «ساحة الكرامة» في المدينة استمراراً للجذع الوطني الشعبي للثورة السورية واسترجاعاً لمنزعها السلمي الأصلي. مشاركة دروز في حرب الحكم الأسدي أو موالاة بعضهم له ليست أكبر من مشاركة سنيين أو موالاتهم للنظام الذي فتك ببيئات سنية أكثر من غيرها. وبينما أضعف البيئات العلوية العبء السياسي والأخلاقي المديد للأسدية، وحقيقة أن صاعق المجازر جاء من طرف مجموعات محسوبة على الحكم الأسدي، فإنه ليس هناك ما يماثل ذلك في السويداء. لم تتعرض أي قوات حكومية لهجوم من السويداء، وليس هناك عبء أخلاقي أو سياسي يُثقل كاهل الدروز السوريين.

        2

        يجمع بين مجموعتي المجازر صفتها الإبادية: أن علويين استُهدفوا لأنهم علويون، على نحو تجاوز كلياً الرد على هجمات فلول مسلحين على قوات حكومية. الإبادة هي استهداف جماعة أهلية أو مجموعات فرعية منها لما تكون وليس لما فعلت، أياً يكن عدد الضحايا. ومعلوم أن الممارسات الإبادية في الساحل اقترنت بقتل أسر بأكملها، بحرق منازل ونهب ممتلكات، بعمليات حيونة وإذلال (سبق غير قليل من هذه العمليات مسلسل المجازر، ولا ريب أنها أسهمت في دفع بعض العلويين إلى التسلح أو التراجع عن «التسويات»)، وبعض ممارسات الحيونة والإذلال مستمر إلى اليوم. وفي مجملها، كانت تلك معالجة أسوأ بكثير من المشكلة، على ما أقر الحكم الانتقالي نفسه حين شكل «لجنة تحقيق في أحداث الساحل».

        في السويداء كانت الصفة الإبادية ظاهرة بالقدر نفسه إن لم يكن أكثر: لقد استُهدِف دروز لأنهم دروز وليس لأي شيء قام بعضهم به، فقُتِلت أسر بأكملها، ونُهِبت ممتلكات، ودمرت منازل، وأُهين الناس في عقيدتهم وفي مظهرهم وفي هويتهم. كان قص الشوارب التي يعتز بها كثير من الدروز (وكثير من غير الدروز) بمثابة قتل معنوي للمستهدفين به، لا يقل سفاهة وطائفية عن نزع الحجب من رؤوس نساء محجبات. وفي المحصلة، كان ذلك استهدافاً وجودياً، غير مسبوق بدم أو استفزاز، تسبب برضة جماعية للدروز السوريين، نعرف جيداً أنها لا يمكن أن تزول من الذاكرة.

        يُمكن أن يقول أنصار الحكم الانتقالي إن هناك سلاحاً خارج سلطة الدولة، وهناك رفض لشرعية هذه السلطة من قبل فريق معلوم في السويداء. هذا صحيح، لكن هذه القضايا الخلافية كانت موضوع أخذ وعطاء سياسيَّين، ويُفترض أن لدينا مرحلة انتقالية طويلة للوصول إلى أنسب المعالجات لها. ما حدث هو العكس هنا أيضاً: كانت المعالجة أسوأ من المشكلة بما لا يقاس. لقد ظهر أن سلاح الدولة المزعوم هو السلاح الأشد انفلاتاً والأقل وطنية والأكثر إبادية. وأن أول نزع للسلاح يجب أن يكون من جميع تلك الأيدي النظامية والرديفة الملطخة بدماء مدنيين مسالمين، لأنها غير أمينة لا على الأرواح ولا على البلد. من شأن تسليم السلاح لتشكيلات من صنف تلك التي هاجمت السويداء، وقبلها مناطق في الساحل، أن يكون بمثابة تسليم العنق للسكين. وثناء الرئيس الانتقالي نفسه على دور مسلحي العشائر في ما يفترض أنها عملية نزع سلاح فصائلي واحتكاره من قبل الدولة هو بمثابة تكذيب لمنطق بسط سيادة الدولة، ومسلك خادع من نوع: أما أنا فلا أخلع صاحبي! أمّا بخصوص عدم الاعتراف بشرعية السلطة، فالأمر رهن بالتمثيل العادل في مراتبها، وأكثر السوريين ليسوا ممثلين، لا كجماعات أهلية ولا كمواطنين ومنظمات مدنية وأحزاب سياسية. وليس من الحق أن يكون للدولة ولاية عامة على الجميع دون تمثيل عام للجميع في الدولة. في مجتمع متعدد أهلياً وعلى نحو مركب مثل المجتمع السوري، يعادل هذا المبدأ، مبدأ أن لا ولاية عامة بلا تمثيل عام، المبدأ الذي تكرّس في سنوات حرب الاستقلال الأميركية: لا ضرائب بلا تمثيل، أي في الحالين دون مشاركة في السلطة. الأساس المشترك للمبدئين هو أن السلطة تقوم على التعاقد، على عقد ضمني يقايض السيادة بالسياسة: الدولة مقر السيادة، نعم، لكن الحقوق السياسية والمشاركة في السلطة معترف بها ومصانة. لماذا يجب على أي كان أن يقبل بسلطة لا يُشارك فيها ولا تعتبره نداً وشريكاً، بينما هي تقدم أناساً لهم أيديولوجيا فئوية فاقعة، يجاهرون بعدم احترام غيرهم، بعدم احترام أي كان غير أشباههم، والتصرف كأنهم وحدهم أهل البيت وغيرهم غرباء بلا حقوق، عبيد سياسياً؟

        3

        كنتُ في السويداء مرتين في الشهر الأول من هذه السنة. وكان المزاج العام لمن التقيتهم إيجابياً ومتطلعاً إلى المستقبل. لم يكن أحد غافلاً عن المشكلات الكبيرة في البلد، وعن ضعف القدرات والأدوات، لكن الابتهاج بطي صفحة سابقة، وإرادة السير المشترك إلى الأمام، كانت ظاهرة عند قطاع وازن من مجتمع المدينة وما حولها، من ساحة الكرامة إلى المضافات الكريمة لأسرٍ في السويداء نفسها وفي شهبا. أولئك الأصدقاء والشركاء اليوم مثل المضروبين على رأسهم بفعل ما ارتُكب من قتل وإذلال جماعيين بحق أهليهم. وهم من أضعفتهم وأهانتهم تلك المجازر والإذلالات الشنيعة، وليس من يخالفونهم التوجه والرأي في السويداء. وأكثر ما يهينهم أن إسرائيل بدت قوة منقذة، أوقف تدخلها المجزرة.

        وكنت في اللاذقية (وحمص) مرتين في الشهر الأول من هذا العام، ثم في الشهر السادس، وأكثر من التقيت بهم علويو المنبت. هنا أيضاً كان الجو العام إيجابياً يتطلع إلى أوضاع جديدة أكثر عدالة، دون أن يكون غافلاً لا عن التركة الموروثة والتحديات الناشئة، ولا بطبيعة الحال عن تكوين السلطة الجديدة. لكن أحداً لم يجعل من ذلك بحد ذاته مشكلة، بخاصة بعد ما اقترن به إسقاط الحكم الأسدي من انتهاكات محدودة قياساً للتوقعات السيئة التي سبقته عند الجميع. وهؤلاء، وليس الأسديين والموالين لهم، هم من أضعفتهم سياسياً ومعنوياً المجازر بحق أهليهم.

        وبقدر ما أمكنني تبيّنه خلال زيارتين، دامتا معاً نحو شهرين، والتقيت فيهما بأناس متنوعين دينياً وإثنياً، لم يجعل أحد من أصول وعقيدة المسيطرين الجدد مشكلة، بل لقد رأى البعض في «حكم سني» تخفيفاً لاحتقان وفرصة لاسترخاء عام في الأنفس وفي الأوضاع السياسية. كان النظر منصباً على المسالك والتصرفات، وليس على المنابت والأصول. 

        هذا للقول إنه ليس صحيحاً أن الحكم الحالي لم يُعطَ فرصة. لقد أعطي، لكن سوء تكوينه أهدرها مرتين. كانت المسالك والتصرفات شحيحة النفس، ضيقة العين، واستبعادية بجلاء تام. الواقع أنها تستأنف دينامية التقليل الأسدية المصممة كي لا تنشأ أكثرية سورية من أي نوع. لكنها هذه المرة دينامية تقليل ذاتية، تتمثل في قلة المعنى العام، القابل للمشاركة من آخرين، أي القابل للهيمنة وصُنع أكثرية. من شأن جماعة صغيرة نشطة، تخلق معان عامة تجمعها بغيرها، أن تطلق بذلك ديناميكية تكثير فتصير أكثرية سياسية، هذا بينما تتحول جماعة كبرى تعتمل في أوسطها ديناميكية تقليل، أي ضعف خلق المعاني الجامعة، أن تتحول إلى أقلية، طائفة بالمعنى المعجمي للكلمة. الأقلية والأكثرية مسألة معان، أي أفكار وقيم وبرامج، وليس حصراً معطى ديمغرافياً. ولذلك لا تتكون أكثريات حول الماضي، فقط حول الحاضر وتحدياته والمستقبل ووعوده يمكن أن تتشكل أكثرية.

        والجذر الأعمق لديناميكية التقليل النشطة في البيئات الإسلامية السنية هو أن الملأ من نخبها السياسية الدينية لم «يوقوا شح أنفسهم» بفعل استسلامهم لفكرة المظلومية (معززة بغرور التفوق)، وإرادتهم أخذ كل شيء لأنفسهم. لسان الحال يقول: نحن مظلومون، إذن نحن على حق في كل ما نفعل! ثم أننا متفوقون، فلا حاجة بنا لمعان وقيم جديدة تجمعنا بغيرنا. لكن هذا باطل ومنبع شرور كثيرة. وإذا أردنا أن نعرف إلى أين يؤدي تعريف النفس بالمظلوميات (والتفوق) فلننظر إلى إسرائيل، الكيان الأكثر أنانية في العالم، الذي لا يفعل خيراً لأحد، ولم يفعل غير الشر في هذه المنطقة التي نكبت به.

        4

        حين وقعت «أحداث الساحل»، لم يكن من غير المعقول التفكير فيها كحدث فرد، وقع بفعل تقاطع سلاسل أحداث وتقديرات متعددة، دون أن يكون مبيتاً سلفاً أو «مكتوباً» في نمط سابق له. لكن حين وقعت مجاز الدروز في السويداء، لم يعد صحيحاً التفكير في الأمر كحدث فرد وابن لحظته. صار أقرب إلى نمط، شيء يُحيل إلى بنية فكرية سياسية مؤسسية خلفه، ينبع منها ويُعززها. وقد وقع في الآونة الأخيرة حدثان يرجحان فكرة النمط المتكرر. أولهما ما تعرض له من اعتداء سفيه اعتصامٌ صامت عقدته مجموعة من المشتغلات والمشتغلين بالشأن العام أمام مقر مجلس الشعب السوري، كان شعاره الوحيد: دم السوري على السوري حرام! هاجم المعتصمين شبان موالون، جمعوا بين الجهل والبذاءة وانعدام الأخلاق، وطبعاً قلة الاحترام، ونال الزميلة زينة شهلة ضربة بعصا على العضد وصفعة على الوجه من أحد المهاجمين. وهذا بينما كان عناصر الأمن العام يقفون على مقربة دون أن يتدخلوا. في ذاكرتي الشخصية تجربة مماثلة في آذار 2005، تفيد بأن ما تغير هو من يحمل العصا ومن يصفع، ليس نظام الضرب بالعصي والصفع على الوجوه.

        ويثير التفكيرَ شعورُ المهاجمين بخطورة شعار تحريم الدم السوري، وما يضمره هذا الشعور من وعي بخطورة تجريد الحكم الذي يوالونه من القدرة على القتل الجماعي، كأنما لا يبقى دون ذلك. وما يدرج هذا الحدث ضمن نمط الإبادة هو الاعتداء على معتصمين مسالمين من قبل «متطوعين» فاشيين، يحللون الدم أو يحرمون تحريمه، بينما «الدولة» تتفرج.

        هل هم متطوعون أم مدفوعون؟ ليس الأمر أقل سوءاً إن كانوا متطوعين. وجود قوى قمعية رديفة مميز للتجارب الفاشية التي لا تطيق استقلال الدولة أو التمييز الصارم بين الدولة والمجتمع. هذا يمحو الفرق بين التطوع والتوجيه عبر تغلغل متفلت لقوى الدولة في المجتمع، وعدم انضباطها بالمؤسسات والأجهزة المعروفة. في مثل هذا الوضع، يكون الانفلات بنيوياً، ليس خروجاً على الانضباط المؤسسي، بل انضباط بمنطق آخر، مكمل: منطق الدين أو الطائفة أو العشيرة، المنظمات الرديفة للدولة. الردفاء الذين هاجموا الاعتصام المسالم شبيحة بكل معنى الكلمة، مثل من هاجموا اعتصامات وتجمعات المحتجين السوريين في بداية الثورة: قوى طائفية، بذيئة، عنيفة، غير نظامية، لكن مرجعها «الدولة الباطنة» (المقر الطائفي للسلطة الحقيقية). وهذه دولة مشرشرة، بلا حدود واضحة ولا قواعد عمل مطردة، كثيرة المجسات، لكنها غير عاقلة.

        بعد أيام من الاعتصام، وفي بيان مصور بادر طلاب من كلية الهندسة في جامعة دمشق إلى حظر دخول الطلاب الدروز إلى الجامعة، لأن «جامعاتنا لا تتسع لهويتين»، فـ«إما نحن وأما نحن»، في تعبير فاشي هو الآخر عن مبدأ نقاء، نعرف أن كل تنويعاته، سواءً كانت باسم العرق أو الدين أو الطبقة، اقترنت بمسالك إبادية. والـ«نحن» التي يُشهرها بيان مهندسي المستقبل هي كما يظهر من زي المجموعة إسلامية سنية سلفية، ليس مستغرباً ممن لهم تكوين مثل تكوينها في أن يتصرفوا كمُطوِّعة طائفيين، أو كقوة قمعية متطوعة، تعرف أن الدولة دولتها. يفترض المرء أن الجامعة مكان اختلاط وتعدد وحرية تفكير وتعبير وميدان للمعرفة والنقاش المفتوح، مكان تعدد وتفاعل هويات، وأن الجامع هو المساحة التي لا تتسع لهويتين (الواقع أن الجوامع في مراحل من تاريخنا اتسعت لهويات فقهية وكلامية متعددة). ولا يحتاج إلى تأكيد خاص أن شعار إما نحن أو نحن ذو مضمون إبادي، لا يختلف في شيء عن: الأسد أو لا أحد! في تنويعاته العدمية المتعددة. من كان يجب محاسبتهم والضرب على أيديهم علناً هم هؤلاء المحرضون الطائفيون الذين يمزقون مجتمعهم وبلدهم، وليس صحفية تحرض طائفياً على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا طلاب علويون ودروز اعتقلوا بذريعة حمايتهم أحياناً، وانقطع أثر بعضهم. 

        الجامعة التي لا تتسع لهويتين لن تلبث أن تضيق بكل غير المسلمين، ثم بكل غير المسلمين السنيين، ثم بكل المسلمين غير النمطيين، ثم بكل المسلمين المؤمنين من غير السلفيين. الانطلاق من الهوية لا يؤدي إلا إلى التفكك الكامل لكل معنى عام، لكل هوية جامعة، ولو جزئياً. هذا في واقع الأمر خطاب سلطة ومحو، وليس خطاب تأكيد لهوية. خطاب قتل جماعي، إبادة.

        5

        يثير النمط الإبادي انفعالات حادة محقة، لكن حقّيتها لا تضمن أن تفضي إلى مسالك صائبة. هذان شيئان مختلفان. الحق في الغضب لا يعني الحق في المسلك المبني على الغضب، وبخصوص السويداء يبدو أن غضبة الحق يمكن أن تُسخّر للتسبب بغير قليل من الباطل. الفترة الراهنة في السويداء هي الأخطر في تاريخ المدينة والجماعة الدرزية خلال أجيال لأنها تجمع بين الغضب والحق، وبين تدخل لاعب قوي له تاريخ إبادي نشط: إسرائيل. ويخشى المرء أنه إلى حين تهدأ النفوس قد يكون الوقت فات لإصلاح المسالك التي ألهمها الغضب. لدينا مثال قريب جداً على ذلك إلى درجة أننا قد لا نراه: الغضب المحق الذي تملك جماعات سنية واسعة أثناء سنوات الصراع السوري الطويلة يكمن بصورة مباشرة وراء كارثة الساحل، وبصورة ما وراء كارثة السويداء. هناك فيديو قصير للشهيد عبد الباسط الساروت يعبّر عما تتركه المعاناة القاسية من غضب يسهل توجيهه نحو الانتقام والإبادة. أن تكون مظلوماً، لا يضمن أنك محق فيما تفعل، لا إذا كنت سنياً ولا درزياً ولا علوياً. ولا يهودياً. 

        تهجير البدو من السويداء هو من تلك المسالك الخاطئة، وهو عملية تطهير عرقي لن تزول بدورها من ذاكرة الضحايا، والبلد. والتعاون مع إسرائيل هو قفزة واسعة في المجهول، في مجهول معلوم في واقع الأمر، يُرجح أن يؤول بالمتعاونين إلى رهائن لا إلى أحرار مالكين لقرارهم.

        الانفعالات الحادة تقطع روابط الناس بغيرهم، وتقطع روابطهم بأنفسهم وتاريخهم. تُصَغِّر وتُقلِّل. لسان حالنا حين نكون في أشد الانفعال هو: يا وحدنا! وفي وحدتنا نرتد إلى أنفس جزعة ناقمة، تقطع مع غيرها ومع ماضيها. وقد تهتف بهستريا: بدنا إسرائيل! في الشتات السوري، يظهر بوضوح اقتران الانفعالات الأشد مع الهوياتية المطلقة، آخذة أشكالاً نقائية و«تفاصلية»، تسوِّر نفسها بـ«عزلة شعورية» عن الغير من الشركاء المحتملين. التفاصل والعزلة الشعورية هي من عبارات غاضب سابق، كتب قبل أكثر من ستين عاماً: سيد قطب.

        6

        الدعوة الجماهيرية إلى «مسيرات جماهيرية حاشدة» يوم الجمعة، «تأكيداً على الوقوف خلف القيادة السورية، وتعبيراً عن الولاء للوطن ووحدته، ورفضاً لكل أشكال التدخل الخارجي»، تشبه في لغتها تماماً لغة الحكم الأسدي ومسيراته الجماهيرية دعماً لـ«القيادة التاريخية الحكيمة» في عامي 2011 و2012. ليس واضحاً من يدعو إلى المسيرات، لكن عليها عبارة «الجمهورية العربية السورية» و«الهوية البصرية» التي اعتمدت قبل أسابيع. وهي إن لم تكن دعوة رسمية، فعلاقتها بالسلطة مثل علاقة الشبيحة الذين هاجموا اعتصام تحريم الدم السوري، ومثل طلاب الهندسة السلفيين.  

        هذا مؤشر جزع في أوساط السلطة، يصدر على الأرجح عن إدراك لفقد ثقة واسع بها وتراجع في شعبيتها بعد مجازر الدروز. إنها محاولة للرد على ديناميكية التقليل الذاتية التي ذكرت فوق. لكن في هذه الدعوة تغذية غير عاقلة للاستقطاب الحاد المتفاقم في البلد، واستعراض قوة طائش. يقال إنه إذا وقعت في الحفرة، فأول ما يجب أن تفعله هو ألا تحاول الحفر مجدداً، لكن هذا ما تفعله السلطة اليوم، معمقة الوقعة على نفسها وعلى البلد.

        هذا هروب إلى الأمام، كأنما أخذت الجماعة العزة بالأثم. الصحيح هو الاعتراف بالخطأ ووقفة مسؤولة تُعيد هيكلة أجهزة الحكم باتجاه وطني تشاركي. كل يوم يمضي دون ذلك يجعله أكثر صعوبة ويُقربنا من كارثة أكبر من كل ما عرفنا.        

        7

        بنظرة عريضة، لا يبدو أن التاريخ الذي ابتدأ عقب نهاية الأبد الأسدي سيكون انتقالاً نحو أوضاع جديدة أوسع قاعدة وأكثر استقراراً. الأوضاع الحالية اتجهت لأن تكون أضيق قاعدة مما كانت قبل هذه البداية الكبيرة في تاريخ البلد، وأضيق أي بداية أخرى عرفها تاريخ سورية، خلافاً لما يبدو أن الطيف المسيطر الجديد والموالين له يعتقدون. هذا وضع لن يستقر ولا يمكن أن يستقر. وبينما يُفتَرض أن المرحلة الانتقالية، الطويلة، هي الأمد الزمني الأنسب بمعالجة مشكلات الانقسام الوطني والاجتماعي، الموروثة والمحتملة النشوء، على نحو يُمهد لأوضاع دائمة ذاتية الإصلاح، فإن مسالك السلطة القائمة تبدو ترسيخاً متعجلاً لدوام سلطتها، وهو ما يُبقي البلد في حالة استثناء مستمرة، أي في انتقال أبدي إلى لا شيء، مثل الأبد الأسدي.

        بصورة ما، يشبه الوضع اليوم وضع سورية بعد الاستقلال، لكن مكبراً عدة مرات: مشكلات كبيرة تكسر الظهر، وقدرات وموارد محدودة، وكفاءات متواضعة، واندراج غير حذر في بيئة إقليمية متقلبة تتغير استقطاباتها كل حين، وميول نابذة مبعدة عن المركز وأوضاع لا تستقر. وفوق ذلك طيش مأساوي في التعامل مع هذه المشكلات. الانقلابات تلوح في الأفق سلفاً. الفارق أنه يُستَبعد للانقلابات المحتملة اليوم ألا تكون دموية خلافاً لمعظم انقلاباتنا بعد الاستقلال، والأرجح أن تأخذ شكل انفجارات اجتماعية مكلفة كيانياً، وليس بشرياً ومادياً فقط.

        ثم بنظرة أطول أمداً، تبدو سورية بلداً تراجيدياً، كان غير مستقر لكنه غير دموي كذلك (بين 1946 و1963، وبصورة ما حتى 1970)، ثم صار مستقراً لكن بكثير من الدم (1970-2024). اليوم نبدو مقبلين على أوضاع عديمة الاستقرار وكثيرة الدم. إلا أننا حيال تراجيديا دون وعي تراجيدي، دون وعي بالتناقضات والصراعات بين الحقوق (وليس بين حق وباطل) والذاكرات المتنافسة (وليس المنفتحة على بعضها).

        الوعي السائد بين المتخاصمين اليوم مفعم بالهوياتية والكراهية.

        وباليقين. واليقين مميت، وهو في العربية اسم آخر للموت.

موقع الجمهورية

————————–

 المثقف السوري وسؤال الضمير: جدل الانتماء والحياد في مراحل التحول السياسي/ طالب الدغيم

2025.07.31

عبّر المفكر إدوارد سعيد عن دور المثقف بوصفه «منفيّاً دائماً، ومضادّاً للسلطة، ومُعبّراً عن المقموعين»، واستقرت الفكرة الجوهرية لرسالة المثقف حول التزامٍ أخلاقي ومعرفي حيال الحقيقة؛ فدوره يتمثل في ممارسة مقاومة معرفية، والاضطلاع بمسؤولية ضميرٍ يُعيد وصل ما انقطع بين الإنسان وقضاياه.

إلّا أنّ هذه الفرضية، في السياق السوري، تهاوت تحت ضغط الطائفة والمصلحة والاصطفاف، فتحوّل عددٌ من المثقفين إلى وكلاء سرديات لا تُعبّر عن الضمير الجمعي بقدر ما تحاكي سيكولوجيا الخوف أو نزعات الهيمنة. ولم يعد السؤال عن موقع المثقف من الصراع، بل عن طبيعة العلاقة التي تربطه بمنظومة العنف: هل هو شاهد؟ أم محرّض؟ أم مبرّر؟

لقد وضع الانفجار الداخلي السوري، بطابعه الاجتماعي والطائفي والسياسي، المثقفَ أمام لحظة اختبار كاشفة. وهو اختبار يمكن فهمه من خلال مفهوم “الذنب الوجودي” لدى الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز، الذي يرى أن الصمت في مواجهة الجريمة لا يُنتج حيادًا، بل يُشكّل تورطًا أخلاقيًا لا يُغتفر.

وهذه المقالة محاولةٌ تفكيكية لقراءة خيانة المثقف السوري، من منظورٍ غرامشياني يربط المثقف بالبنية، وماكيافيلياني يرصد توظيف الأخلاق في خدمة المصالح والقوة، وذلك في سبيل إعادة الاعتبار لدور المثقف العضوي، بوصفه شاهداً على الحقيقة، وفاعلًا في إنتاج المعنى، ومؤمنًا بوظيفته المعرفية في مقاومة الباطل.

المثقف السوري واغتراب الضمير

يُقدّم المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي في كراسات السجن تصوراً بنيوياً للمثقف، يرفض فيه عزله عن البنية الطبقية والسياسية للمجتمع الذين نشأ فيه، ويصنّفه بوصفه “مثقفاً عضوياً”، فاعلًا في إعادة إنتاج النظام الرمزي، ومهيمِناً على أدوات الوعي الجماعي. وضمن هذا الإطار، لا يمكن فهم المثقف السوري الذي اصطفّ إلى جانب نظام الأسد البائد أو انخرط في الخطاب الطائفي في مرحلة ما بعد سقوطه، كحالة فردية معزولة، بل ينبغي قراءته كجزء من بنية ثقافية وظيفية، شاركت في شرعنة العنف، وإعادة تدوير آليات الهيمنة في لحظة تفكك سياسي واجتماعي عميقة.

وعلى الضفة المقابلة، تكشف ماكيافيلية بعض المثقفين عن انقطاع حادّ بين المبدأ الأخلاقي ووظيفة الخطاب؛ إذ لم تعد مقولة “الغاية تبرر الوسيلة” قاعدة سياسية، وإنما تحولت إلى استراتيجية بلاغية تُنتج تواطؤاً ناعماً مع الانتهاك أو الخروج عن القانون، وتُخضع المعايير الإنسانية لمنطق المصلحة والتحالفات، وتبرر العنف لغايات مرحلية. ومن هنا يغدو المثقف شريكاً في بناء ما يمكن تسميته بـ”البنية التبريرية للعنف”، حيث يُختزل الإنسان إلى معطى وظيفي في معادلات الاصطفاف والنجاة، ويصبح دور الضمير التعامي أو الإنكار.

إنّ هذا التحوُّل من النقد إلى التبرير، ومن الانحياز إلى الحقيقة إلى التطبيع مع الخطأ، يُمثل انحرافاً جوهرياً عن الوظيفة التاريخية للمثقف الناقد والعضوي. فالمثقف الذي يبرّر الاستبداد والظلم، أو يصمت عن الجريمة، بحجة الواقعية أو تجنّب الفوضى، إنما يُنكر إنسانيته قبل أن يُنكر مسؤوليته الأخلاقية. ولذا، يُحذّر القرآن الكريم من التورط في كتمان الشهادة، بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (البقرة: 283)، فالمسألة تتعدى الموقف السياسي إلى الامتحان الأخلاقي، والذي يمس جوهر إنسانية الإنسان، ودوره في إنتاج الوعي ومساءلته، وقد نبّه المفكر مالك بن نبي إلى خطورة هذا الانفصال بين الثقافة والضمير، حين قال: “القضية ليست في أن نكون مثقفين، بل في أن يكون لنا ضمير ثقافي”.

وفي هذا السياق، تحوّل بعض المثقفين السوريين إلى “فنيّي سرديات”، يوظفون أدوات التفكيك لتعويم الألم، أو تطويعه ضمن سردية النظام الأسدي أو خطاب الهيمنة والاستقطاب من الأطراف المتنازعة في المرحلة الانتقالية. فيما لجأ آخرون إلى التذرع بـ”الحياد الإيجابي” أو “الاستقلال المهني”، متجاهلين أن الصمت، كما يصفه الروائي والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر: “هو في ذاته موقف سياسي، وأن الحياد في لحظة المجازر لا يعني إلا الانخراط الرمزي في الجريمة”.

إن أخطر أشكال انحراف المثقف هو التورط اللا واعي أو التحيز المضمر، حين يتخفّى خلف خطاب المواربة والتجريد أو يرتدي ثوب الحكمة والتوازن العقلاني. فما معنى أن يُنتج مثقف نصاً مطوّلاً عن “أزمة العقل التنويري” أو “أزمة الحداثة”، بينما تُرتكب مذابح في مسقط رأسه دون أن يُسجّل موقفاً عادلاً يثبت أنه مثقف الضمير الجمعي وليس فئه اجتماعية أو منطقة بعينها؟

الطائفية كنموذج فوق ثقافي: انكفاء المثقف إلى جماعته الأصلية

إذا كانت الطائفية، كما يعرّفها عزمي بشارة، “مقولة هوياتية ما دون وطنية تُمارس الفعل السياسي على أساس الانتماء الأولي لا على أساس العقد الاجتماعي”، فإن تغلغلها في البنية الثقافية لا يعكس فقط أزمة الانتماء، بل يكشف عن تصدّع عميق في المشروع الوطني وانهيار مرتكزاته لصالح البنى التقليدية والولاءات ما قبل الدولة.

وقد شكّل السياق السوري المأزوم نموذجاً صارخاً لهذا الانزياح، حيث انكفأ عددٌ ملحوظ من المثقفين إلى “قبائلهم الرمزية”، سواء من خلال خطابهم الضمني، أو انحيازاتهم المضمرة، أو صمتهم الانتقائي تجاه العنف والانتهاكات الصادرة عن جماعاتهم الأصلية. وهو ما يُمثّل تخلّياً واضحاً عن دور المثقف بوصفه حاملًا لمشروع الدولة الوطنية والهوية الجامعة، وتحولاً خطيراً من فاعلٍ في إنتاج الوعي العام إلى ناطق باسم الجماعة، ومساهم مباشر في تكريس الانقسام الهوياتي.

إن انحياز المثقف إلى طائفته أو قبيلته أو جماعته المصلحية هو خيانة للرسالة الأخلاقية والإصلاحية التي يفترض أن ينهض بها، وتفريط بمنطق المواطنة لصالح منطق الولاء البدائي. وقد عبّر القرآن الكريم عن معيار الالتزام الأخلاقي الذي لا يستثني أحداً، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (النساء: 135).

لقد برزت في المشهد السوري، ولا سيما في بعض الأقليات الطائفية أو التيارات الإيديولوجية، فئة من “المثقفين الطائفيين والإيديولوجيين المقنّعين” الذين استخدموا خطاباً مدنياً من الخارج، لكنه كان مؤسَّساً على خوف دفين من الآخر، أو على حرص مصلحي على حماية مكتسبات جماعتهم الأصلية. فبعضهم برّر استمرارية النظام الأسدي بذريعة “حماية الأقليات”، وآخرون اعتبروا انهيار الدولة خطراً على “مشروعهم الثقافي”.

وبعد سقوط النظام الأسدي، أعادت أزمة الهوية الطائفية إنتاج نفسها بوضوح في أحداث الساحل السوري، وكذلك في التطورات الأخيرة في السويداء؛ حيث برزت أصوات مثقفين تتحدث عن “الخصوصية الثقافية” أو “الاستثناء التاريخي” للطائفة العلوية أو الدرزية، متجاهلة بصراحة أو عبر التورية، الانتهاكات التي رافقت هذه الأحداث. ففي الحالة الأولى، تم التغاضي عن جرائم القتل المروعة التي ارتكبتها فلول النظام بحق عناصر الأمن والمدنيين الأبرياء، وفي الحالة الثانية، تمّ تجاهل عمليات تهجير البدو السُّنة، وتورط بعض الفصائل المسلحة وفلول النظام البائد في شبكات الكبتاغون، إلى جانب استغلال الرمزية الدينية الدرزية لتبرير استقلالية القرار الأمني والإداري في السويداء خارج إطار الدولة، والارتهان لعدو يقصف المدن السورية لأجل جماعة محددة داخل سوريا.

وحين يصمت المثقف أمام هذه الانتهاكات والخيانة العلنية، اتقاءً لفقدان موقعه داخل الجماعة، بل ويتحدث علناً بلغة تُحمّل المسؤولية لطرف واحد وتبرّئ الطرف الآخر إلى حد كبير، فإنه لا يفرّط بوظيفته العضوية فحسب، بل ينقضُّ على جوهر مهمته الكونية بوصفه شاهداً على الحقيقة. وإن الانحياز العلني في لحظة تستوجب أعلى درجات النزاهة، لا يُفضي إلا إلى سقوط أخلاقي مدوٍّ، يعكس تصدع البنية القيمية لهذا المثقف، وانتهاء دوره التوعوي والتوجيهي لكل الناس.

من النقد إلى التموضع: المثقف بين سلطة السوق الثقافي والشرعنة الرمزية للعنف

في عالم ما بعد الحداثة، كما يُشير عالم الاجتماع زيجمونت باومان Zygmunt Bauman، فإن “المثقف لم يعد نبيّاً اجتماعياً، بل صار مستشاراً عند الطلب”. هذا التحول من الموقع الأخلاقي إلى الوظيفة الأداتية، جعل كثيراً من المثقفين السوريين يُبدّلون مواقفهم بحسب الممول، والمنبر، والجمهور المستهدف. ولم يعد الانتماء للقيم، بل للفرصة المتاحة.

وفي مرحلة “إعادة تدوير الصراع”، جرى استيعاب شرائح واسعة من المثقفين السوريين في مشاريع دولية وورش عمل تحت عناوين مثل “السلم الأهلي” و”العيش المشترك”، دون مساءلة حقيقية لجذور العنف، أو لهياكل الإقصاء، أو لمفهوم العدالة الانتقالية. اختُزلت الثقافة إلى أداة بروباغندا ناعمة، والمثقف إلى “عامل تمكين” يخدم أجندات منظمات غير حكومية وسفارات، تبحث عن واجهات ناطقة بلغة حقوق الإنسان، ولكنها معزولة عن أي عمق نقدي أو بعد تحرري حقيقي.

وفي الفضاء الإعلامي، اِتخذ المثقف دور “الخبير المحايد”، يشرح دون أن يدين، ويُحلّل دون أن يشتبك، كمن يصف المجزرة بصيغة الجملة الاسمية. وهو ما حذّر منه بول ريكور بقوله: “الحياد المعرفي في القضايا الأخلاقية هو شكل من أشكال الشراكة الرمزية في الجريمة.”

وإذا كانت الغرامشية تدعو إلى بناء “هيمنة ثقافية بديلة” من خلال تحالف المثقف العضوي مع القوى الاجتماعية المهمشة، فإن ما نراه في سوريا اليوم هو العكس تماماً: إعادة إنتاج الهيمنة لصالح رأس المال، والطائفة، وبُنى السلطة المهترئة. فالمثقف الذي يفتقر إلى شجاعة الانحياز للعدالة، يجد نفسه، عاجلًا أم آجلًا، جزءاً من ماكينة التبرير، وأداة لتجميل الواقع وإدامة بنيته القمعية.

خلاصة

نحتاج اليوم إلى “مثقف مقاوم” كما وصفه إدوارد سعيد، يواجه السرديات المهيمنة لا يجملها، ويتحدث من خارج المنظومة السياسية والاجتماعية لا من داخلها، وينحاز للحق والحقيقة. وهذا لا يتحقق إلا بمراجعة جذرية لأسس التشكل الثقافي والمعرفي، وبفك الارتباط بين الثقافة والسلطة، وبإحياء فلسفة الالتزام الأخلاقي وتمثيل الضمير الجمعي.

لا سبيل للخروج من الكارثة السورية دون استعادة المعنى، وإعادة الاعتبار للكرامة، وللثقافة كفعل مقاوم. فالكلمة، كما يقول الشاعر محمود درويش، “قد تنقذ من الموت”، ولكنها أيضًا قد تبرّر الموت، إن خرجت من فم مثقف فقد بوصلته، أو باع ضميره، أو قايض الحقيقة ببقائه.

تلفزيون سوريا

——————————

عن سورية… الحوار أولاً ودائماً/ أحمد مظهر سعدو

30 يوليو 2025

تنتاب الحالة المتحرّكة في سورية منذ أشهر قليلة تجاذبات وتصادمات كثيرة تذهب، في بعض الأحيان، إلى ما هو دراماتيكي دموي غير مسبوق، ضمن عديد من أنساق المجتمع السوري، من تعدّيات وانتهاكات فاقعة لأرواح الناس، من دون الارتكان إلى أيّ مسارات في العقلانية السياسية، وهي التي لطالما حلم بها الشعب السوري على مدى حكم آل الأسد 54 عاماً، قبل أن يُكنَس وأدواته التشبيحية كلّها على أيدي السوريين المنتفضين والثائرين 14 عاماً.

ولعلّ الأوضاع في الجنوب السوري، وما جرى أخيراً من صدامات أودت بأرواح مئات من السوريين، لا تتحمّل مسؤوليتها حكومة دمشق وحدها، بل لعلّ المجموعات العسكرية التابعة للشيخ حكمت الهجري، وارتداداتها وعلاقاتها الإقليمية، ثمّ استدعاؤها الفاجر المحتلّ الإسرائيلي، ليكون شريكاً لها، وحامياً لتحرّكاتها، وهيمنتها على الجنوب السوري، وخصوصاً جبل العرب ومحافظة السويداء، ضدّ حكومة دمشق، وصولاً إلى إعلان “الحكم الذاتي” المرفوض شعبياً في السويداء… هو ما ساهم في تأجيج المسألة برمّتها، وأودى بها إلى مهاوٍ لا يريدها السوريون، لا في محافظة السويداء ولا خارجها، لأن انتماء جبل العرب (والسويداء) كان على الدوام وطنياً بامتياز، وكلّ منعرجات التاريخ تشهد بذلك.

لكنّ بعضهم أبى إلا أن يقوم بمواصلاته وتشبيكه النفعي البراغماتي مع الخارج، المتربّص بسورية والمنطقة العربية، فكانت إسرائيل الأكثر جاهزيةً واستعداداً على طول الخطّ، وعبر استراتيجياتها للمنطقة العربية، وسورية خصوصاً بعد فرار بشّار الأسد، لتلعب (كما دأبت مراتٍ) على الوتر الطائفي، ولتكون السويداء ورقةً مهمّةً كي تفاوض عليها السوريين، وهو ما لوحظ عبر اللقاء التفاوضي بين وزير الخارجية السوري ومسؤول إسرائيلي، واجتماعهما في باريس برعاية أميركية، وقبله كانت لقاءات تفاوضية أخرى في أذربيجان، وغير مكان آخر.

أمام هذا الواقع المتفجّر والتدخّل الدولي والإقليمي ضمن الحالة السورية وتفاعلاتها ومتغيراتها، كيف يمكن الخروج جدّياً من عنق الزجاجة؟ وبالتالي يمكن أن يمنع انقساماً في سورية، ويحدّ من قيام فيدراليات، أو ما يسمّيه بعضهم (اللامركزية السياسية) وليس (الإدارية)، وهي التي من الممكن أن تكون بوابة ولوج نحو الانقسام والتقسيم والتفتت للدولة السورية، أو ما يشبه ذلك، بينما تنتظر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الضفة الأخرى تهيئةً وتوطئةً نحو إنفاذ تلك الأحلام، في قيام كيانات انفصالية، واللعب على ذلك ضمن سياقات حالة الاستقواء بالخارج، التي يشتغل عليها بعضهم في الجنوب السوري أو في شمال شرقي سورية.

وفي أتون مسارات هذا الواقع المرّ والمنغّص في سورية، يتمظهر أمامنا، ولدى المتابع للشأن السوري والمشهد المتغيّر، المعطى التالي عقلانياً سياساً ووطنياً، أن لا حلّ في سورية بعد كلّ ما حصل وجرى إلا بالحوار الوطني الواسع، تحت راية مهمّة وضرورية، هي وحدة كلّ السوريين ديمغرافياً وسياسياً، لبناء الوطن الذي حلموا به، وعملوا من أجله عقوداً مضت، وإلا تذهب المآلات حتماً نحو مزيد من الانقسام والتشظّي، وهو ما تريده إسرائيل عيانياً، كي تكون سورية أكثر ضعفاً، ومن ثمّ تساهم في إراحة إسرائيل من القلق الإقليمي عقوداً طويلةً مقبلة، ويبقى ما يسمّى “الأمن القومي الإسرائيلي” الأهم والأجدر بالبقاء والاستدامة، ليس لدى الإسرائيليين فحسب، بل أيضاً لدى الإدارات الأميركية المتعاقبة، مهما اختلفت الإدارات من جمهورية إلى ديمقراطية.

في سورية اليوم وبعد كلّ المياه التي جرت تحت الجسر، وكلّ الأحداث الدراماتيكية الحاصلة في السويداء وجبل العرب، وقبلها في الساحل السوري، لا يمكن أن تمرّ الأمور بالحلّ الأمني أو العسكري فقط، الحلّ لا بدّ أن يكون عقلانياً سياسياً واعياً ومدركاً طبيعة المسائل الحساسة في تلافيف وأنساق الوضع السوري ومتغيّراته التي لا تتوقّف عن الحدوث، عبر سياسات جديدة وعاقلة، تقوم على نهج المشاركة، أي مشاركة الجميع من كلّ الطوائف والإثنيات والأيديولوجيات السورية المتعددة والمتنوعة، في كامل الجغرافيا السورية، نحو سورية واحدة موحّدة لا تقبل القسمة أبداً، وهو ما ليس له من بدّ، أي تحريك عجلة الحوار السوري الجَدّي، الذي يمكن أن ينتج سلماً أهلياً سورياً، ويساهم فعلياً في عملية المشاركة السياسية والاجتماعية والمؤسّساتية، وعلى هذا الأساس يمكن أن تسير الأمور نحو صياغة متمكّنة ورصينة للعقد الاجتماعي الوطني الجامع الذي لا يستثني أحداً من السوريين، ويطمح إليه كلّ السوريين (وما زالوا)، رغم كلّ المنغّصات والمعوقات، وهم يصرّون على أن لا يتنازلوا عنه، وهو بالضرورة سوف يؤسّس واقعياً لقيام دولة المواطنة في سورية، بعد عقود خمسة من القحط، وغيابها كلّياً وليس جزئياً، دولة المواطنة الحقّة التي يكون فيها السوريون جميعاً سواسية أمام القانون وتحت سقفه، ومن ثمّ بناء الدستور الوطني الجامع والدائم والمعبّر عن كلّ أطياف الشعب السوري، المنهمك سابقاً ولاحقاً في سياقات بناء دولته التي يحلم بها على طول المدى، دولة المؤسّسات، وليس المحسوبيات، دولة العلم والمعرفة والديمقراطية، وليس دولة التشبيح والقمع وكم الأفواه، وكَنس (وإزاحة) كلّ سياسات النظام الأسدي الاستبدادي الكيماوي إلى غير رجعة.

ضمن هذه المعطيات، وفي أتون تلك المتغيرات والدماء التي سالت (ويمكن أن تسيل) خارج إطار العقلانية السياسية، ذلك كلّه، ومن خلاله، لا مناص من العمل الفاعل من الجميع، حكومة ومجموعات وأحزاباً وقوى فاعلة، للمضي في محدّدات ومسارات عدالة انتقالية سورية تقطع مع الماضي، لكنّها لا تتجاوز حقوق الناس، وتجبر الضرر لديهم، وبالتالي، تعمل على إعادة الحقوق إلى أهلها، ومن ثمّ تعيد إنتاج الواقع السوري على أسس جديدة لا تقبل إلا بالمحاسبة لكلّ من ارتكب فعلاً يعاقب عليه القانون، أو تعدّى فيه على الناس الأبرياء، وقبل ذلك كلّه (معه وبعده) يكون الحوار الوطني السوري سيّد المرحلة وحاميها بين ألوان الطيف كلّها.

العربي الجديد

——————————

الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية تتخذ خطواتها اتجاه محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة

31 يوليو 2025

أكدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية اتخاذها خطواتها الأولية باتجاه محاسبة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة في سوريا، من خلال إحالة عدد من الأسماء إلى القضاء، بالتنسيق مع النيابة العامة ووزارة العدل، في وقت تستكمل فيه الهيئة التحضيرات النهائية لإطلاق أعمالها الرسمية وتشكيل لجانها، بحسب ما أفادت وكالة “سانا”.

وأوضح رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عبد الباسط عبد اللطيف، أنّ “مباشرة إحالة بعض مرتكبي الانتهاكات إلى النيابة العامة، وتحريك الدعوى العامة بحقهم أمام قاضي التحقيق، تم بالتشاور بينه وبين وزير العدل والنائب العام”.

ونقلت “سانا” عن عبد اللطيف قوله إن “الهيئة لا تزال تحت التشكيل والتحضير لإطلاق أعمالها وتشكيل لجانها، ومنها لجنة المحاسبة والمساءلة التي ستتولّى إدارةَ ملفات الانتهاكات الجسيمة، ومساءلةَ ومحاسبةَ المسؤولين عنها”.

وأشار عبد اللطيف إلى أن “الهيئة ستعمل على بلورة الإطار القانوني بالتعاون مع وزارة العدل، ومجلس القضاء الأعلى فورَ انطلاق عملها ليتمّ مواكبته أصولاً”.

وشدد عبد اللطيف على “ضرورة معالجة الوضع القانوني للمواقف وولاية القضاء السوري ونفاذ القوانين الوطنية بموجب الإعلان الدستوري، ما يشكّل بدايةً مقبولةً يُبنى عليها ريثما يستكمل المسار لتحقيق العدالة الانتقالية”.

وكان النائب العام للجمهورية العربية السورية، القاضي المستشار حسان التربة، قد أعلن، أمس الأربعاء، تحريك دعوى الحق العام بحق عدد من المُدعى عليهم بارتكاب جرائم وانتهاكات بحق الشعب السوري، انطلاقًا من تطبيق العدالة الانتقالية ومحاسبة المتورطين، وضمان حقوق الضحايا وأسرهم.

وشملت الدعوى كلًا من رئيس الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب، بالإضافة إلى المفتي السابق أحمد بدر الدين حسون، ووزير الداخلية السابق محمد الشعار، ورئيس إدارة المخابرات السابق إبراهيم الحويجة.

————————–

 مسؤولون سوريون: الصفقات مع أتباع الأسد شكل من أشكال المساءلة ولا توفر أي حصانة

2025.08.01

نفت الحكومة السورية الاتهامات التي وردت في تحقيق نشرته وكالة “رويترز” بشأن التسويات الجارية مع رجال الأعمال المرتبطين بعهد رئيس النظام المخلوع، بشار الأسد، مؤكدة أن هذه الإجراءات لا تشكّل حصانة لأي من المتورطين، بل تُعدّ شكلاً من أشكال المساءلة الهادفة لاستعادة الأموال المنهوبة من دون الإضرار بالتعافي الاقتصادي.

جاء ذلك في تصريحات نقلها موقع “نيولاينرز” عن مسؤولين سوريين كبار، من دون أن يكشف عن هويتهم، تعليقاً على تحقيق موسع نشرته وكالة “رويترز” كشفت فيه عن تحركات تقودها لجنة غير معلنة رسمياً، تعمل على إعادة هيكلة الاقتصاد السوري بعد سقوط نظام الأسد.

وشدد المسؤولون السوريون على أن الصفقات التي تتم مناقشتها مع رجال أعمال من النظام المخلوع لا تمنح أي عفو أو حماية من الملاحقات القضائية، خاصة تلك المتعلقة بجرائم الحرب والانتهاكات بحق المدنيين.

وقال مسؤول رفيع إن “ما يحدث هو شكل من أشكال المحاسبة، تحديداً في الجرائم المالية والفساد”، مضيفاً أن “هذه التسويات لا تمنح الحصانة من أي جرائم أخرى ارتُكبت ضد الشعب السوري، والسعي لتحقيق العدالة في هذه القضايا مستمر”.

لا تسويات نهائية بعد واللجنة ليست “سرية” أو “غامضة”

كما نفى المسؤول نفسه المزاعم التي تحدثت عن تحصيل 1.5 مليار دولار من رجال الأعمال، مؤكداً أنه حتى تاريخ نشر تحقيق “رويترز”، لم تُبرم أي تسويات رسمية، رغم أن بعض المفاوضات وصلت إلى مراحل متقدمة.

وأشار المسؤول في الحكومة السورية إلى أنه “بمجرد إتمام أي تسويات رسمياً من قِبل الحكومة، ستصدر بيانات رسمية تتضمن مزيداً من المعلومات”.

وانتقد المسؤولون السوريون وصف اللجنة المكلّفة بإعادة هيكلة الاقتصاد السوري بأنها “غامضة” أو تدير عملياتها في الظل، معتبرة أن التقرير “أقرب إلى فيلم إثارة سياسي”.

وأكدت مصادر “نيولاينرز” بأن اللجنة أُنشئت بمرسوم رئاسي رسمي متاح للجمهور ويضم أسماء أعضائها، نافين إشراف شقيق الرئيس السوري على عملها، أو وجود شخصية لبنانية تدعى سكرية على رأسها.

وأكد المسؤول السوري أن إبراهيم سكرية، المعروف باسم أبو مريم الأسترالي، مجرد مستشار، ولا يتمتع بأي سلطة على البنك المركزي، بعكس ما ورد في تقرير “رويترز”.

خيار بين القضاء والتسوية

وأوضح المسؤولون الحكوميون السوريون أن العديد من رجال الأعمال حصلوا على خيارين: إما اللجوء إلى القضاء، أو التوصل إلى تسوية مالية مباشرة بعد تحقيق مفصل في مصادر أموالهم وصلاتهم بالنظام السابق.

وذكر المسؤول السوري الرفيع أن بعض رجال الأعمال هؤلاء هم من بادروا بالاتصال بالدولة السورية سعياً لتسوية أوضاعهم.

وأكد المسؤولون أن الغاية من هذه الخطوة ليست تفكيك الشركات أو الاقتصاص، بل ضمان استمرار عمل المؤسسات الاقتصادية والحفاظ على الموظفين، في محاولة لتحقيق توازن دقيق بين المحاسبة واستقرار الاقتصاد.

وأشاروا إلى أنه “من البديهي أن العديد من رجال الأعمال المرتبطين بنظام الأسد جمعوا ثروات طائلة بوسائل غير مشروعة، بما في ذلك تمويل آلة الأسد الحربية”، مؤكدين أن اللجنة تسعى إلى استرجاع هذه الأموال وإعادة توجيهها للصالح العام.

وأقر المسؤول السوري الرفيع أن الشركات التي تدور حولها التسويات عملت خارج إطار القانون والمنافسة النزيهة، وأن بعضها أسهم في تمويل فظائع النظام عبر الرشى والاحتكار وشراء العقود بوسائل غير قانونية، مشيراً إلى أن بعض العقود الحكومية مُنحت لكيانات مرتبطة بجهات متورطة في جرائم حرب مثل حزب الله وإيران وروسيا.

يشار إلى أن تحقيق “رويترز” زعم أن اللجنة جمعت أصولًا تُقدّر قيمتها بأكثر من 1.6 مليار دولار، من بينها 1.5 مليار تمت مصادرتها من ثلاثة رجال أعمال بارزين، فضلًا عن شركات حيوية في قطاعات الاتصالات والمصارف والعقارات.

وقال التحقيق إن الهدف المعلن من هذه التحركات هو فك التشابكات التي كانت قائمة بين الاقتصاد والسلطة، ومعالجة ملفات الفساد المتراكمة من دون اللجوء إلى تصفيات علنية قد تؤدي إلى اضطرابات.

كما ذكر التحقيق أن حازم الشرع، شقيق الرئيس السوري، أحمد الشرع، يتولى الإشراف العام على خطة إعادة الهيكلة، في حين يتولى التنفيذ الميداني إبراهيم سكريه، المعروف باسم “أبو مريم”.

وبحسب مصادر “رويترز”، يضطلع الشرع وأبو مريم الأسترالي بدور محوري في صياغة السياسات الاقتصادية الجديدة، بما في ذلك التعديلات الأخيرة على قانون الاستثمار.

——————————

 نقيب محامي دمشق: مسار العدالة الانتقالية بدأ وأدعو لإحداث دائرة خاصة بالمتهمين

2025.08.02

أكد رئيس فرع نقابة المحامين في دمشق، محمد دحلا، أن مسار العدالة الانتقالية في سوريا بدأ، داعياً إلى إحداث دائرة خاصة في وزارة العدل للنظر في الدعاوى ضد المتورطين بالجرائم.

وفي تصريحات نقلتها صحيفة “الوطن” المحلية، دعا دحلا إلى إحداث دائرة خاصة في وزارة العدل ضمن الجسم القضائي، مؤلفة من نيابة عامة وقضاة تحقيق ومحكمة جنايات، للنظر في الدعاوى الخاصة بالمتورطين في جرائم خلال زمن نظام الرئيس المخلوع، بشار الأسد، مؤكداً أن مسار العدالة الانتقالية بدأ من خلال البدء بالمحاكمات.

والأسبوع الماضي، أحال النائب العام للجمهورية العربية السورية، القاضي المستشار حسان التربة، أربع شخصيات بارزة في النظام المخلوع إلى قاضي التحقيق المختص، وذلك بسبب تورطها في انتهاكات بحق الشعب السوري، شملت كلا من عاطف نجيب وأحمد بدر الدين حسون، وسميح نجيب إبراهيم، وإبراهيم الحويجة.

وتعليقاً على ذلك، قال نقيب محامي دمشق إن تحويل المتهمين الأربعة إلى القضاء “خطوة طبيعية”، مضيفاً أن “ما يراه البعض أن هناك تأخراً في موضوع المحاسبة لتحقيق العدالة الانتقالية له مبرراته القانونية من إصلاح للجسم القضائي والكثير من الأمور اللوجستية التي يتطلبها موضوع المحاسبة”.

المحاسبة ليست كل العدالة الانتقالية

واعتبر دحلا أن “المحاسبة هي ليست كل العدالة الانتقالية، بل هي جزء منها”، موضحاً أن “العدالة الانتقالية تتضمن أيضاً كشف الحقيقة وكذلك جبر الضرر وتخليد الذكرى والإصلاح المؤسسي وصولاً للمصالحة الوطنية  ثم السلم الأهلي، فالمصالحة الوطنية هي بوابة للسلم الأهلي”.

وشدد على ضرورة أن تكون المحاسبة أمام القضاء الوطني، مشيراً إلى أنه يمكن الاستفادة من المعاهدات والاتفاقيات الدولية والخبراء الدوليين في هذا الخصوص، فالأمر بحاجة إلى مواءمة بين هذا القانون.

ولفت نقيب محامي دمشق إلى أن الإعلان الدستوري أجاز النظر في الاتفاقيات الدولية، وسيكون هناك دور لنقابة المحامين في متابعة هذه القضايا لأنها تهم الرأي العام، مضيفاً أنه يحق للنقابة أن تفوض أحد أعضائها لتحريك الدعوى العامة.

———————————-

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى