إشتباكات السويداءالأحداث التي جرت في الساحل السوريالإعلان الدستوري لسوريا 2025الاتفاق بين الحكومة السورية و"قسد"التدخل الاسرائيلي السافر في سورياالعدالة الانتقاليةالعلاقات السورية-الأميركيةالمقاتلين الأجانب و داعش في سوريةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسةعن أشتباكات صحنايا وجرمانا

“مبادرة المئوية” -مقالات مختارة-

مبادرة المئوية: معًا لإنقاذ وطننا وشعبنا في ذكرى الثورة السورية الكبرى

وقعت سورية خلال الأيام الأخيرة في كارثة وطنية، فقد ألمَّت بشعبها فاجعة مؤلمة هي الأكبر والأشد خطراً منذ سقوط النظام البائد، من جراء ما حدث في مدينة السويداء، ضربت صميم وجدان المجتمع السوري، وخلقت ندباً عميقاً في نسيجه الوطني، وهدَّدت وحدة البلاد.

نجمت هذه الفاجعة في الأساس عن سوء إدارة السلطة السورية المؤقتة لهذا الملف، وتفرّدها بالقرار والرؤية، ولجوئها إلى الحل العسكري الأمني بدلًا من اعتماد الوفاق الوطني أساساً ومرتكزاً لأدائها، وركونها إلى “منطق الفزعة” الذي يتناقض كليّاً مع “عقل الدولة” الذي أشارت إليه هذه السلطة في البدايات ولاقى ترحيباً شعبيّاً، وتجلَّى ذلك في سماحها بدخول العشائر السورية على خط الأزمة، بما لا يتفق مع القانون ومبدأ سيادة الدولة، ما خلق تجييشاً طائفياً مهوِّلاً، وخلَّف جروحاً غائرة في النسيج الوطني، ستحتاج البلاد إلى زمنٍ وجهدٍ كبيرين لتجاوز آثاره التدميرية. ونحن إذ نسلِّط الضوء على أداء السلطة، فإنَّ هذا لا يعفي أية أطرافا أخرى شاركت في هذه الأزمة من المسؤولية، لكن من المنطقي التوجُّه إلى السلطة بوصفها الطرف الذي يملك الإمكانات والمسؤولة عن إدارة البلد.

جاء هذا المشهد الدامي في مدينة السويداء بعد الأحداث والانتهاكات المؤلمة في الساحل السوري في آذار/ مارس الماضي، وكذلك التفجير الإرهابي في كنيسة مار إلياس في 22 حزيران/ يونيو الماضي، وهو ما يشير إلى عدم استفادة السلطة المؤقتة من تجاربها، وإخفاقها في تحقيق السلم الأهلي حتى اللحظة.

مع هذين المشهدين المؤلمين والمدمِّرَين، ومع احتمال تكرار النهج ذاته في معالجة الأزمات الوطنية في أماكن أخرى من بلدنا الحبيب، فإنَّ مصير الوطن السوري كله بات على المحكّ، ما يتطلَّب من السلطة المؤقتة أولًا، ومن السوريين والسوريات كلهم ثانيًا، جهدًا تشاركياً وطنياً إسعافياً، وإجراءاتٍ سريعةً وحازمة لا تحتمل التأخير، ولا سيَّما في ظل تربّص الكيان الإسرائيلي، وسعيه لتخريب سوريا ودفعها باتجاه الفوضى، أكان ذلك عبر العدوان المباشر والمتكرِّر، أو من خلال اللعب بنسيجها الوطني.

للأسف، جاءت هذه الكارثة ونحن على أعتاب الذكرى المئوية للثورة السورية الكبرى التي انطلقت في 21 تموز/ يوليو 1925 (1925-2025) وشاركت فيها شخصيات من جميع المحافظات، وعلى رأسها عبد الرحمن الشهبندر وحسن الخراط ومحمد العيّاش وإبراهيم هنانو والشيخ صالح العلي وفوزي القاوقجي وغيرهم، بقيادة سلطان باشا الأطرش من مدينة السويداء التي -للمفارقة- تتعرَّض اليوم لمحنة قاهرة هي محنة السوريين جميعهم في الحصيلة. ولذلك، نرى أنَّه من حقِّ السوريين والسوريات جميعهم، ومن واجبهم أيضاً، الاحتفاء بهذه الذكرى العظيمة بوصفها أول عمل حقيقي يصبُّ في إطار بناء الهوية الوطنية السورية، وعدّها مناسبة لإعادة بناء هذه الهوية، كما أرادها أجدادنا قبل 100 عام، فنتجاوز جراحنا معاً ونقف بخشوع أمام الدماء المهدورة، لتكون طريقنا نحو الوطن الذي نحلم به.

نحن، الموقعين على هذا البيان، أفراداً وهيئات وقوى، نطالب السلطة السورية المؤقتة باتِّخاذ الإجراءات الآتية للمرحلة المقبلة ضمن إطار زمني واضح:

1-إتمام الوقف الكامل والنهائي لإطلاق النار في محافظة السويداء، وإدخال المساعدات الطبية والإغاثية إلى أهالي المحافظة مباشرة (المدينة والقرى والعشائر)، واتخاذ إجراءات عاجلة ومحسوسة لتعويض الجميع عن الخسائر البشرية والمادية التي ألمّت بهم.

2-تقديم ضمانات حاسمة بعدم تكرار الخروقات والاعتداءات من أي طرف على آخر برعاية مدنية، وحقوقية سورية، وعربية، وأممية.

3-إيقاف أي عمليات ترحيل لأي فئة أو جماعة سورية من أرضها فوراً، وإدانة أيِّ تغييرٍ ديموغرافيٍّ في أي بقعة من سوريّة، والإقرارُ الواضح بحقِّ كلِّ سوريٍّ في العودة إلى أرضه وبيته في أيٍّ وقت، فكلُّ ما يُفرض بقوة السلاح مرفوضٌ ومدان، وينبغي تجريمُ السلوكيات هذه كلِّها قانونياً.

4-الإقرار المبدئي العام كبادرة حسن نيّة من جميع الفصائل والجماعات المسلحة في سوريا بأنَّ كلَّ سلاحٍ خارج إطار الدولة هو سلاح غير شرعي، وتلتزم القوى العسكرية جميعها تسليمَ سلاحِها إلى الدولة السوريّة الجديدة التي هي وحدها صاحبةُ الحقِّ بحيازة السلاح واستخدامه، على أن تخضع عملية تسليم السلاح هذه، من حيث ترتيباتها وآلياتها وزمنها، لمؤتمر سوري وطني عام وشامل يُعقد في أقرب وقت ممكن.

5-تشكيل لجنة تحقيق مستقلة ومحايدة، مؤلفة من عددٍ من الممثِّلين عن منظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني السوري المعروفة باستقلاليتها ونزاهتها وخبراتها، إضافة إلى حقوقيين ومراقبين من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومن عدد من المنظمات الحقوقية العربية والدولية غير الحكومية.

تقوم اللجنة بإجراء تحقيق شامل في الكارثة المؤسفة في السويداء وأسبابها وتداعيتها، وإصدار تقريرها خلال 3 أشهر، ولائحة اتهام بأسماء مرتكبي الانتهاكات والجرائم من أيّاً كانوا ومن جميع الأطراف، وتحيلهم على القضاء المدني لاتخاذ الإجراءات العقابية اللازمة. لكن هذا لا يمنع من الانتقال إلى المحاسبة مباشرة لمن يثبت تورطهم بالجرائم والانتهاكات بالدليل القاطع، لما لهذا الأمر من دور تطميني للجميع. إضافة، بالطبع، محاسبة جميع المتورطين في الجرائم والانتهاكات في أحداث الساحل السوري في آذار/ مارس الماضي.

6-إجراء تعديلات سريعة في الإعلان الدستوري الذي صدر في آذار/ مارس الماضي لإعطاء الخطوات والإجراءات اللاحقة شرعيتها، من خلال تكليف لجنة جديدة تأخذ في الحسبان بناء الإعلان الدستوري على أساس الوطنية السورية والمساواة الكاملة في المواطنة، بصرف النظر عن الانتماءات الأخرى، وتعديل المواد التي لا تتوافق مع هذه الفكرة المركزية (بناء الإعلان على أساس الحد الأدنى المشترك بين السوريين/ات)، إلى جانب تعديل المادة الخاصة بطريقة تشكيل مجلس الشعب، والإسراع في تشكيله من المؤهلين والأكفاء في القانون والاقتصاد والسياسة والثقافة وعلم الاجتماع، لملء الفراغ التشريعي، وليأخذ على عاتقه إصدار قوانين حديثة للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والإعلام، إضافة إلى المراسيم التشريعية الضرورية.

7-تفعيل بعض القوانين الخاصة، مثل قانون الجرائم الإلكترونية وغيره من القوانين النافذة فيما يتعلَّق بإثارة النعرات الطائفية وخطاب الكراهية، ريثما يتم إصدار مرسوم تشريعي يجرِّم الخطاب الطائفي وخطاب الكراهية بأنواعه وأشكاله وطرائقه كافة، بما يضمن تثبيت قوة القانون وشرعيته واستتباب السلم الأهلي.

8-حلُّ لجنة السلم الأهلي الحالية، وتأليف لجنة جديدة من 25 عضواً موزعين كالآتي:

ممثل عن السلطة المؤقتة، ممثل عن وزارة العدل، ممثل عن نقابة المحامين، 3 ممثلين عن القوى السياسية، 5 ممثلين عن منظمات المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية، وممثل واحد عن كلِّ محافظة سورية (14). تقوم هذه اللجنة بوضع خطة استراتيجية كاملة وتنفيذها لتعزيز السلم الأهلي، ويستمر عملها طوال المرحلة الانتقالية، وتتضمن برامج وندوات وورشات عمل وفعاليات ميدانية ورعاية وتمويل مبادرات مجتمعية، تهدف إلى تعزيز التفاهم والتصالح بين المجتمعات السورية المتنوعة، ودمجها في الإطار الوطني. إضافة إلى ضرورة تعديل مرسوم هيئة العدالة الانتقالية بحيث يضمن استقلاليتها من جهة، ومشاركة المنظمات الحقوقية والمدنية التي عملت طويلًا على هذا الملف وبات لديها خبرة متراكمة من جهة أخرى.

9-تأليف لجنة دائمة لإدارة الأزمات المماثلة، تضمُّ ممثلين من الحكومة (وزارة الداخلية، وزارة الدفاع، وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وزارة الصحة، وزارة الإعلام… إلخ)، إضافة إلى ممثلين من المجتمع المدني بعددٍ مماثلٍ، على أن تكون هذه اللجنة مخوّلة باتخاذ القرارات بما يحافظ على السلم الأهلي، ويمكّنها توزيع المهمات وتنفيذها ومتابعتها بين أعضائها وفق نظام أساسي تعتمده.

10-الإعلان عن عقد مؤتمر وطني سوري عام وشامل خلال ثلاثة أشهر على الأكثر:

تحتاج السلطة المؤقتة إلى البدء من الداخل لقطع الطريق على التدخل الخارجي في سيادة الدولة، وإلى التعامل مع أحداث السويداء والساحل بوصفهما جزءاً من الأزمة السياسية في سوريا، والتي تتطلب التخلِّي بصورة نهائية عن الحلول العسكرية الأمنية، وإعادة النظر في جميع الخطوات التي اتَّخذتها السلطة منذ سقوط النظام البائد في 8 ديسمبر 2024، ويأتي في مقدَّمها ضرورة عقد مؤتمر وطني سوري عام حقيقي خلال مدة لا تزيد على 3 أشهر.

 على أن يكون هذا المؤتمر:

·        عادلًا من الناحية التمثيلية للشعب السوري وقواه السياسية والمدنية وفئاته الاجتماعية المتنوعة دينياً وطائفياً وإثنياً، ومن الجنسين.

·        أن يستمرَّ في أعماله إلى حين الوصول إلى استراتيجية وطنية توافقية واضحة الخطوات، ضمن إطار زمني معقول للمرحلة الانتقالية، باستلهام روح المؤتمر السوري العام الكبير الذي استمرت أعماله لمدة 13 شهراً تقريباً، بدءاً من أواخر حزيران/ يونيو 1919 إلى 19 تموز/ يوليو 1920.

مهمات المؤتمر:

·        تشكيل مجلس عسكري أمني مؤلف من خمسين عضوًا مهمته إعادة بناء الجيش السوري والجهاز الأمني على أسس وطنية، ويلتزم عقيدةً وطنيةً وحسب، بإشراف من قيادة الجيش الحالية وعددٍ من الضباط المنشقين وقادة الفصائل والجماعات المسلحة الأخرى التي ما زالت خارج الجيش، وعلى التوازي يُجمع كامل السلاح الموجود في عموم الأرض السورية، ويُسلَّم إلى الدولة/الجيش الوطني، إضافة إلى إدماج المسلَّحين الراغبين في هذا الجيش.

·        وضع الإطار العام لقوانين حديثة للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والإعلام، وتشكيل لجنة لكتابة الدستور، وتحديد ثوابت السياسة الخارجية ومرتكزاتها الرئيسة في المرحلة المقبلة، وتشكيل اللجنة الوطنية العليا للانتخابات (البرلمان والرئاسة) لإجراء انتخابات على مستوى الإدارة المحلية، وانتخابات لمجلس شعب جديد، وانتخابات رئاسية في نهاية المرحلة الانتقالية.

نحن الموقعين أدناه

ننظر إلى هذه المطالب بوصفها خطوات ضرورية وملحَّة ولازمة لبقاء سورية موحدة، ورأب الصدوع التي ألمَّت بمجتمعها خلال الأعوام الأربعة عشر الماضية وحتى اللحظة الراهنة، ومواجهة أي تدخلات خارجية تطمح للعبث بنسيجنا الوطني، وهي مناسبة لاستعادة الزخم الشعبي الذي عبَّر عن نفسه بقوة بعد إسقاط النظام البائد في 8 ديسمبر الماضي، وفرصة للسلطة لاستعادة الشرعية الشعبية التي حصلت عليها في البدايات، وإثباتِ أهليتها في إدارة البلاد خلال المرحلة الانتقالية.

نحن السوريين اليوم أمام لحظة مفصلية وحاسمة في تاريخنا، لحظة يمكنها أن تنقلنا إلى دولة ديمقراطية حديثة تتخلَّق معها الوطنية السورية، ويُعاد فيها الاعتبار لمعنى الشعب السوري، لحظة يُصبح لدينا فيها وطنٌ حقيقي نحبه ونحترمه وندافع عنه بعقولنا وأرواحنا وأسناننا، لكنَّ هذه اللحظة بمقدار ما تتطلب العقلانية والصبر، فإنَّها تتطلب أيضًا بالقدر نفسه روحاً سوريّة مُحبَّة ومسؤولة وتشاركية وحريصة، بعيداً من الأنانية والاستئثار والتبعية، وكلنا مسؤولون عن عدم تضييع هذه الفرصة التاريخية والثمينة.

إننا نضع هذه المبادرة بين يدي الشعب السوري لتبنّيها واعتمادها بالطرائق الممكنة كافة، ولمنحها الزخم الشعبي والقوة اللازمة في الفضاء السوري العام.

التوقيع مفتوح على المبادرة على الرابط التالي:

مبادرة المئوية: معًا لإنقاذ وطننا وشعبنا في ذكرى الثورة السورية الكبرى

————————————

مبادرة المئوية السورية، مالها وما عليها، حوار مفتوح

———————————————

انقلاب” أم “بيان وطني”؟.. جدل واسع تثيره مبادرة المئوية السورية

2025.07.27

تفجّر جدل واسع حول “مبادرة المئوية السورية”، وسط اتهامات بأنها تمهّد لـ”لجنة إنقاذ” خارج مؤسسات الدولة وتستدعي “وصاية دولية” على القرار السوري، في مقابل تأكيد مطلقيها أنها مبادرة وطنية تحت سقف الدولة، لا علاقة لها بأي أجندات موازية، وأنّ ما يُروّج حولها قائم على “اختلاق وتشويه”. وأطلق المبادرة مجموعة من الحقوقيين والمثقفين والناشطين السوريين، وقاموا بنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي للتوقيع معتبرين أنها تستهدف جميع السوريين بمختلف فئاتهم ومستوياتهم الثقافية.

اتهامات بـ”محاولة انقلاب” وتدويل ملف السويداء

انتقد معارضون ومناصرون للسلطة السورية الجديدة المبادرة بشدة، معتبرين أنها تحمل بصيغة غير مباشرة مشروعاً مشابهاً لما سُمّي بـ”لجنة الإنقاذ” في مصر عام 2013، التي سبقت إسقاط حكومة الرئيس محمد مرسي، كما رأوا فيها محاولة لتدويل الأزمة السورية من بوابة السويداء، بعد دعوة الموقعين إلى لجنة تحقيق تضم ممثلين دوليين، وهو ما اعتبروه مساساً بالسيادة الوطنية وفتحاً لباب التدخل الخارجي.

وحذّر بعض المعارضين من أن المبادرة، وإن بدت بمضمونها إصلاحية، إلا أن توقيتها وسياقها قد يُستغلان من أطراف خارجية، في ظل حساسية المرحلة والاختراقات الإقليمية والدولية.

واعتبرها آخرون أنها “أصوات نشاز تمثل الراغبين بالاصطياد بالماء العكر”، ووصلت الاتهامات إلى حد التخوين واتهام الموقعين بـأنهم “فلول” ويسعون إلى تقسيم سوريا.

المبادرة تحمل الإدارة السورية مسؤولية “الأزمة”

في حين أكد بيان رسمي صادر عن المبادرة أنها “لا تمت بأي صلة، لا من قريب ولا من بعيد، إلى ما يُعرف بـ’جبهة الإنقاذ‘ أو إلى أي مبادرة أخرى مطروحة”. وأضاف أن “كل ما يُتداول خلاف ذلك عارٍ عن الصحة ومنافٍ للواقع”، داعياً الجميع للعودة إلى النص المعلن، وتحميل المبادرة فقط مسؤولية ما تُصدره رسمياً من مواقف وبيانات.

ووصفت المبادرة أحداث السويداء بأنها “أكبر كارثة وطنية منذ سقوط النظام البائد”، ووجّهت انتقادات حادة إلى السلطة السورية، محمّلة إياها مسؤولية “تأزيم الأوضاع من خلال اعتمادها الحل الأمني، وتفرّدها بالقرار، وإدخالها العشائر في الصراع، بما خلق شروخاً طائفية خطيرة”.

وربطت المبادرة بين مشاهد السويداء والانتهاكات السابقة في الساحل السوري وتفجير كنيسة مار إلياس، مشيرة إلى أن السلطة لم تستفد من التجارب السابقة، ولم تحقق السلم الأهلي، وحذّرت من أن “مصير الوطن كله بات على المحك” في ظل التهديدات الداخلية والخارجية.

مطلقو المبادرة: بيان وطني لا علاقة له بـ”جبهة إنقاذ”

رداً على تلك الاتهامات، نفى الصحفي إياد شربجي، أحد أبرز موقّعي المبادرة، وجود أي علاقة للمبادرة بما يُعرف بـ”جبهة الإنقاذ”، مؤكداً أنها وثيقة مستقلة بالكامل، تهدف إلى مراجعة الأداء السياسي والأمني ومحاسبة الأخطاء ضمن الدولة وليس خارجها.

وقال شربجي إن الحملة التي استهدفت المبادرة والموقّعين عليها جاءت نتيجة لما وصفه بـ “إرهاب فكري” طال حتى شخصيات معروفة بتاريخها الثوري، مشدداً على أن غالبية منتقدي المبادرة لم يقرؤوا نصها، بل انجرّوا وراء تأويلات ومعلومات مفبركة وصفها بأنها “خليط متعمّد لتشويه الصورة”. وقال المبادرة شهدت  11 انسحاباً فقط من أصل 2500.

انسحابات تحت ضغط الحملة

سُجّل انسحاب 11 شخصاً فقط من أصل أكثر من 2500 موقّع على البيان، بحسب شربجي، الذي أكّد أن هذه الانسحابات لم تأتِ بسبب مضمون المبادرة، بل بسبب حملات “تشهير وتخوين” واسعة. ونُشر حتى الآن أكثر من 1800 اسم من أسماء الموقّعين، مع استمرار الحملة لتوسيع الدعم الشعبي.

من بين المنسحبين، برز فضل عبد الغني رئيس الشبكة السورية لحقوق الإنسان والإعلامية صبا مدور التي أوضحت أنها وقّعت على بيان يدعو لإجراءات سياسية وأمنية ضمن مؤسسات الدولة، لا خارجها، إيماناً بضرورة فتح نقاش وطني جامع. لكنها انسحبت لاحقاً بسبب ما وصفته بـ”هجمة شعواء” و”كمّ هائل من الشتائم والتخوين”، مؤكدة أن هذا الجو لا يليق بمنطق الثورة ولا يخدم مستقبل سوريا.

وأضافت أن الهجوم تجاوز النص إلى النوايا والتاريخ الشخصي، وسط “محاكم تفتيش وطنية” انطلقت من خلف الشاشات. وقالت: “ما حصل كشف أن الأزمة ليست أزمة نص بل أزمة وعي وذاكرة واستقطاب”.

وقال عبد الغني في بيان على صفحته في فيس بوك “وصلني يوم الثلاثاء بيان موجه للرأي العام من شخص أثق به، ودُعيت للتوقيع عليه. لا أعلم من قام بصياغته أو من قام بالتوقيع عليه سابقاً أو من سيفعل لاحقاً (وهذا ليس جوهرياً في نظري) فالمهم هو المضمون العام. وقد وجدت في محتواه رؤية تستحق الوقوف عندها، رغم تحفظي على بعض التفاصيل القانونية والسياسية، إلا أن الإطار العام الداعي إلى مراجعة وطنية لمسار الانتقال السياسي في سوريا يبدو ضرورياً في هذه المرحلة.

لكن، وبسبب حالة الاحتقان الطائفي والاستقطاب السياسي الحاد، تم تحميل البيان تأويلات بعيدة عن مضمونه الحقيقي. وبما أنني لست سياسياً، وأفضّل الحفاظ على مسافة متساوية من جميع الأطراف التي نتعاون معها في مجال حقوق الإنسان، أعلن سحب توقيعي من البيان/المبادرة، رغم أن توقيعي كان بصفتي الشخصية، إلا أن الفصل بين الشخصي والمهني مستحيل.

لم أتعرض لأي ضغوط، وكل من ناقشي كان ذلك بشكل محترم وبدافع الغيرة والمودة، أوجه لهم/لهن جميعا كل الشكر والتقدير”.

————————-

المئوية” و”الإنقاذ الوطني”… مبادرتان سياسيتان تثيران الجدل في سورية/ محمد كركص

27 يوليو 2025

شهدت الساحة السورية خلال الأيام القليلة الماضية إطلاق مبادرتَين سياسيتَين متزامنتَين، أثارتا تفاعلاً واسعاً ولغطاً إعلامياً كبيراً، نتيجة الخلط بين أهدافهما وتوقيتهما، ما فتح الباب أمام سيل من التأويلات والتخوينات والانسحابات، خاصة بعد الربط بين “مبادرة المئوية السورية”، التي أطلقها عشرات من الشخصيات العامة من داخل سورية وخارجها، وبين “مبادرة الإنقاذ الوطني السوري”، التي أعلنتها مجموعة من أعضاء مؤتمر الحوار الوطني السابق، وتوجهت بخطاب مباشر إلى الرئيس السوري أحمد الشرع.

وفيما أكد القائمون على “مبادرة المئوية” استقلالها الكامل عن أي كيان أو مبادرة أخرى، فإنّ انتشار البيانَين في توقيت واحد وتداول اسميهما على نطاق واسع، دفع بعض الأطراف إلى اتهام الموقعين بمحاولات لتأسيس جبهة إنقاذ أو التمهيد لانقلاب سياسي، وهي اتهامات نفاها القائمون بشدة، مؤكدين أن المبادرتين لا ترتبطان ببعضهما، لا تنظيمياً ولا سياسياً.

وأطلق عدد كبير من السوريين، من مشارب مهنية ومدنية وسياسية متعددة، مبادرة حملت اسم “مبادرة المئوية السورية”، تهدف إلى إعادة الزخم الشعبي للمسار الوطني في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، وتوحيد السوريين حول مشروع ديمقراطي جامع يستند إلى مراجعة نقدية شاملة للمرحلة الانتقالية.

وضمّت قائمة الموقعين سياسيين وحقوقيين وفنانين ومحامين وصحافيين وأطباء ومهندسين من داخل البلاد وخارجها، من أبرزهم: رجل الأعمال أيمن أصفري، والسياسي والممثل جمال سليمان، والمعارض جورج صبرا، والممثل فارس الحلو، والمعارض يحيى العريضي، والكاتب فايز سارة، والدبلوماسي السابق بسام بربندي، والمخرجة ريم علي، والحقوقي ميشيل شماس، والإعلامي إياد شربجي، إلى جانب شخصيات مدنية مستقلة.

وجاء في البيان: “وقعت سورية خلال الأيام الأخيرة في كارثة وطنية، بفعل ما جرى في مدينة السويداء، ما خلق ندباً عميقاً في النسيج الوطني، نتيجة سوء إدارة السلطة السورية المؤقتة، ولجوئها إلى الحل العسكري الأمني بدلاً من اعتماد الوفاق الوطني. نحن إذ نسلّط الضوء على أداء السلطة، فإننا لا نعفي أطرافاً أخرى من المسؤولية، لكن من المنطقي مخاطبة الجهة المسؤولة عن إدارة البلد”.

وأضاف البيان أن ما جرى في السويداء جاء بعد سلسلة مشاهد مؤلمة، منها أحداث الساحل السوري وتفجير كنيسة مار إلياس، محذراً من استمرار هذا النهج في أماكن أخرى من البلاد، ما يجعل “مصير الوطن السوري على المحك”. ودعا الموقعون إلى تجاوز الجراح والوقوف أمام ذكرى الثورة السورية الكبرى (1925–2025) بوصفها فرصة لإعادة بناء الهوية الوطنية السورية، مستحضرين أسماء مَن قادوا الثورة في بدايات القرن الماضي، وعلى رأسهم سلطان باشا الأطرش، في مفارقة تاريخية مع ما تشهده السويداء اليوم.

مبادرة “الإنقاذ الوطني السوري”: دعوة لحوار واسع تحت رعاية الشرع

بالتزامن، أطلقت مجموعة من أعضاء مؤتمر الحوار الوطني السوري السابق مبادرة أخرى حملت اسم “مبادرة الإنقاذ الوطني السوري”، توجهت إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، في ظل ما وصفته بـ”توتر غير مسبوق ينذر بانفجار وشيك ودخول البلاد في دوامة حرب أهلية مدمّرة”.

ودعت المبادرة إلى تشكيل هيئة وطنية رسمية للحوار الوطني السوري، تضم شخصيات مستقلة ومتنوعة فكرياً وسياسياً وقومياً، مع مراعاة تمثيل النساء والشباب. وتهدف هذه الهيئة إلى إدارة حوارات مجتمعية موسعة داخل وخارج البلاد، خلال مدة تتراوح بين عام و18 شهراً، بالشراكة مع النقابات والجامعات ومنظمات المجتمع المدني.

كما اقترحت المبادرة العمل على رؤية وطنية جامعة تتناول أسس العقد الاجتماعي، والحقوق والحريات، وشكل النظام السياسي، واللامركزية، والدستور الدائم، والعدالة الانتقالية، والنموذج الاقتصادي لسورية المستقبل، والترتيبات الأمنية والحكومية، ومواجهة خطاب الكراهية. ومن بين موقّعي المبادرة: بولس حلاق، جمانة سيف، سوسن أبو زين الدين، طارق حمدان، فادي حليسو، معتصم سيوفي، منير الفقير، وغيرهم.

“لا علاقة بين المبادرتَين ولا وجود لكيان موحّد”

في حديث لـ”العربي الجديد”، أوضح الإعلامي إياد شربجي، أحد القائمين على “مبادرة المئوية السورية”، أنهم فوجئوا بمحاولة الربط بين مبادرتهم ومبادرة أخرى أُطلقت تحت اسم “مبادرة الإنقاذ السورية”، موضحاً أن “المبادرتَين جرى تشكيلهما خلال اليومين الماضيين، ولكن جرى ربطهما ببعض من خلال الاسم، مع العلم أنه لا وجود لكيان اسمه جبهة إنقاذ، وإنما هناك مبادرة إنقاذ فقط”.

وأضاف شربجي: “بدأ البعض يروّج أن الموقعين على مبادرة المئوية بصدد تشكيل مجلس عسكري، على غرار ما حدث في الانقلاب العسكري على مرسي في مصر، وكل هذا الكلام غير صحيح مطلقاً”، مشيراً إلى أنهم تعرّضوا لهجوم علني يوم الجمعة عبر منابر بعض المساجد، لا سيّما في حمص، إذ قال: “جرت مهاجمتنا على منابر الخطباء، خاصة من الشيخ محمود الدلالاتي، الذي وجّه لنا اتهامات بأننا نُحضّر لانقلاب ضد الشرع، وسط حملات تعبئة وتخوين غير مبرّرة”.

وبيّن شربجي: “على العكس، فمبادرتنا لا تدعو إلى إسقاط الدولة، بل نحن متهمون من أشخاص يُعتبرون خصوماً للدولة بأننا نوفر لها غطاءً أو فرصة لتبرير الانتهاكات التي حصلت سابقاً”. وفي منشور له على “فيسبوك”، ذكر أن عدد المنسحبين من المبادرة لا يتجاوز 11 شخصاً من أصل أكثر من 2500 موقع، محمّلاً “حملات التخوين والإرهاب الفكري” مسؤولية تلك الانسحابات.

انسحابات وتوضيحات

من بين المنسحبين، أعلن مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني، سحب توقيعه، موضحاً أنه وقّع على البيان بصفته الشخصية بعد استلامه من شخصية يثق بها، إلّا أن تأويلات البيان دفعته إلى الانسحاب. وقال: “لست سياسياً، وأفضل الحفاظ على مسافة متساوية من جميع الأطراف… رغم توقيعي الشخصي، إلّا أن الفصل بين الشخصي والمهني مستحيل”. وأشار إلى أنه لم يتعرض لأي ضغوط، داعياً إلى مراجعة شاملة للمسار السياسي، بما يشمل العدالة الانتقالية، والحوار الوطني، والتدهور الاقتصادي.

كما نفى الفنان عبد الحكيم قطيفان انضمامه إلى أيّ مبادرة، رغم ورود اسمه ضمن الموقعين على “مبادرة المئوية”، وكتب في منشور على صفحته في “فيسبوك”: “لا أنتمي إلى أي حزب أو تيار، لا يساري ولا يميني، وموقفي ليس تهرّباً من المسؤولية، بل حفاظاً على مساحة من الحرية لرؤية الأمور على حقيقتها”، وأضاف: “أنا ابن سورية… وحمضي النووي مزيج من كل ثقافاتها”، مؤكداً دعمه لكل ما يصب في مصلحة استقرار البلاد، “أيّاً كان فاعله”.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى