ذكورة بين حدَّي المِقَص: لماذا الشَعْر؟/ علاء الدين العالم

19-08-2025
في هجائه الطويل مع جرير، يفخر الشاعر الأموي الفرزدق بخاله في زمن المناذرة، الذي جزّ شَعْرَ ملك الغساسنة بعد أن أسره في إحدى المعارك، ما يدلل على أن العرب اعتبرت جزّ الشَعْر نوعاً من ضرب النسب وإصابة الرجولة. لكن هذا وجهٌ أحاديٌ لرمزية الشَعَر في التراث العربي والإسلامي، فالعرب نفسها لطالما احتفلت بيوم القرع الشهير في حرب البسوس، حينما اقترح الحارث بن عباد على أبناء قبيلته جزَّ شعر رؤوسهم بغية تمييز أبناء القبيلة لبعضهم في عتمة ليل المعركة، وذلك ما كان، وحققت قبيلة بكر نصراً كبيراً، ومن هنا صار الصلع علامة فخر وفحولة.
بين مفهومين، وبعد قرون طويلة من العصرين الأموي والجاهلي، عاد السؤال حول الشَعْر ورمزيته في الثقافة العربية والثقافات المشرقية، تحديداً بعد المشاهِد المُهينة التي نُشرت لمقاتلين مسعورين يحلقون شوارب رجال وعجائز في أحداث جرمانا وصحنايا وفي مجازر السويداء، في محاولة لضرب رمزية الآخر وإصابة كرامته. لكن كيف حدث ذلك، وكيف تحوَّلَ قصُّ الشَعَر إلى فعل يضرب جذرَ ذكورة الآخر وتمظهُرها؟ بعبارة أخرى ما هو موقع الشَعَر من الذكورة وما هي رمزيته؟
الحلاقة بما هي مصنع الرجولة الأول
يمر الختان في الديانة اليهودية بمراحل مختلفة، ويتنوع هذا الطقس بتنوع الطوائف الدينية في اليهودية، وربما يكون أحد أبرز ملامح هذا الختان هو الحلاقة الأولى، وهو طقس ديني يهودي لاحقٌ لطقس ختان الذكور، ويُعَدُّ في الثقافة اليهودية واحداً من الطقوس التي يدخل فيها الأطفال الذكور رمزياً ونفسياً عالم الرجال.
يبقى شَعرُ الأطفال الذكور دون قصّ لثلاث سنوات منذ الولادة، وهذه عادةٌ لدى سائر الجماعات والطوائف اليهودية الأرثوذكسية. إذ يُطلقون شَعْرَ أطفالهم الذكور دون تزيين حتى طقس الحلاقة الأولى. وهنا تجدر الإشارة إلى الأصل المشرقي للطقس، حيث يعتمد الاسم العربي للفعل (حلاقة)، ويجري الطقس بالتزامن مع احتفال (لاغ بعومر) اليهودي، حين يصطحب الأباء أبناءهم الذكور إلى الكنيس. الأطفال الذين يدخلون بشعور طويلة ومُسبَلة، يخرجون برأس محلوق إلا من علامات (بايس) وهي خصلات الشعر الجانبي (السوالف)، «وبرغم أن الحلاقة تبدو محور الطقس فإنها في الحقيقة تخدم الهدف النهائي المتمثل في تكوين علامة البايس الظاهرة بشكل بارز فوق الأذنين». 1 وتؤكد بعض المصادر أن قيام طقس الحلاقة في أضرحة الأولياء مارسه اليهود الفلسطينيون منذ العصور الوسطى، ولم يختلف الطقس كثيراً في العصر الحديث، فالآباء يحملون أبناءهم على أكتافهم، ويتجهزون بمقصات معلّقة بشريط على رقابهم، «وهم يمسكون الأطفال بأيديهم بينما تمرر المقصات على الأقارب والضيوف الكبار الذين يمنح كل منهم شرف قص خصلة واحدة»، أما الأمهات فيتابعنَ الاحتفال من خلال ثقوب صغيرة في الحواجز المنصوبة بين الجنسين، ويتلصصّنَ على الطقس الذكوري البحت، وكل ذلك تنفيذاً للأمر التوراتي «لا تقصِّروا رؤوسكم مستديراً ولا تفسد عارضيك». (سفر اللاويين 19: 27).
إن الانتقال الطقسي هذا نحو الرجولة ليس حكراً على اليهودية، إذ نجد تجلياته في الإسلام أيضاً. فمثلما يتطابق اليهودية والإسلام في مسألة ختان الذكور، فهما يتقاربان أيضاً في طقس الحلاقة. نعم لا وجود لطقس حلاقة للأطفال خاص في الإسلام، لكن الثقافة الإسلامية حافظت على هذا الطقس التوحيدي عبر خلق علاقة إشكالية مع الشَعَر. (انظر مثلاً قص خصل شعر الذكور في الحج). وربما يكون المكان الأوضح لارتباط اليهودية والإسلام قي طقس قص الشعر هو التشابه في عادة وزن شعر الطفل المحلوق والتبرع بمقداره، ففي اليهودية «يوزن الشعر المقصوص ثم يُرمى في حلقة من النار، وتُوزَّع لاحقاً صدقات على المساكين بمقادير مساوية لوزن الشعر». يحدث الأمر ذاته في بعض البيئات الإسلامية، حيث يتم وزن شعر الطفل الذكر في أول حلاقة، والتبرع بمقداره للفقراء. في الحالتين، يعمل قص الشعر هنا عمل الفعل الأساس في التحوُّل نحو الذكورة، وإخراج الطفل من المشيمة الرمزية إلى عالم الرجال المنتصب، وإعادة اصطفاف الهوية الذكورية بحيث تظهر الحلاقة وكأنها «ختان ثانٍ»، وينظر إلى الفعلين (الختان والحلاقة) على أنهما فعل تطهير ينطوي على جزّ خارجي/جسدي، وجزّ داخلي/روحي. وبينما يتم الختان الأول لمرة واحدة، فالختان الثاني (الحلاقة) مستمر على الدوام: «والشعر بوصفه جزءاً مرئياً من الجسد، قابلٌ للبتر بلا ألم وللتلاعب به تلاعباً لا حدَّ له وللنمو بلا نهاية». ساهمَ كل ما سبق في بناء معمار رمزي للشَعَر في وجه الذكور، وقدَّمَ بنى رمزية توليدية للشَعَر وحضوره وغيابه.
شوارب مفتولة وشوارب محفوفة
تقع الشوارب في الصُّلب من رمزية الشَعْر الذكورية. في البيولوجيا، يبدأ ظهور شوارب الذكور بالتزامن مع مرحلة البلوغ، وهي الشعرات الأولى التي تنمو في وجه المراهق قبل أن ينطلق شَعر ذقنه. وهو ما جعل من الشارب رمزاً للرجولة، إذ يتحول هذا الخط الشَعري البسيط فوق الشفاه إلى علامة على الذكورة واشتدادها. أثّرَ ذلك في كثير من الثقافات، وخاصة المشرقية منها، حيث تبدّت الشوارب ليس كعلامة بيولوجية على الذكورة وحسب، بل كعلامة على النضج والخبرة والشجاعة، ودليل على الحضور في مجمّع الرجال الكبار الأشداء. ولنا في تاريخ المنطقة الكثير من الأمثلة على دور الشوارب في الثقافة الشعبية ومرجعياتها الذكورية. كذلك للشوارب دلالة الفروسية، وذلك ما ظهر في أوروبا في عصر الإمبراطوريات، إذ يُحيل الشارب الرفيع المحفوف والمبروم من جوانبه إلى فروسية صاحبه الفعلية، وانتمائه إلى طبقة النبلاء والفرسان.
في البلاد الشامية، ومنذ العصر العثماني، أخذت الشوارب قيمة مضافة في المجتمع، هي دليل الرجولة المباشر، ومن له شارب واضح كثّ هو رجل يحفظ كلمته ويفي بها، وله شأن بين أقرانه. ورغم انهيار الإمبراطورية العثمانية، وانتهاء زمنها وتداعي قيمها وموضتها، بقي للشارب دوره الاجتماعي ولو أنه تضاءلَ قليلاً، لكنه بقي يرمز إلى الرجولة والاعتزاز بها. من جهة أخرى، لم يكن للشارب تلك العلاقة الجيدة مع الدين الإسلامي، ولطالما اختلف على حضوره أو غيابه في المذاهب الإسلامية. في الحديث جاء قول الرسول «من لم يأخذ من شاربه فليس منّا» أخرجه ترمذي وأحمد، وهذا الحديث وغيره يفتح التأويل في مسألة الشارب، ويُحدد العلاقة بين الشارب واللحية، فاللحية طَلقاء والشارب محدود أو محفوف.
هذا التباين بين الشارب المحفوف والشارب المبروم، وفي ثنائية شوارب/لحى، ظهر قديماً في الحالة السورية، ودون الدخول في قراءة أنطولوجية لهذه العلاقة، يمكن الإشارة إلى الدور الذي لعبه الصراع بين حافظ الأسد والإخوان المسلمين بداية الثمانينيات، حيث أصبح الشارب المحفوف مع وجود اللحية علامة على التديُّن، حتى أنه تم حَظَرُ إطلاق اللحى في الجيش والمؤسسات الأمنية. ولنا في عمل الباحث السوري الراحل حسان عباس، صاحب الشارب المميز، خير مثال على علاقة الشارب واللحى في الحياة الاجتماعية السورية، إذ رأى أن «شعر الوجه، وتحديداً شعر الشوارب واللحى، من أكثر المظاهر دلالة وترميزاً». وفي كتابه الجسد في رواية الحرب السورية، قرأ عباس هذا التحوّل ودلالته على مستوى شعر الوجه لدى الذكور السوريين، مُستقرِئاً هذه الإشارات عبر دراسة الرواية السورية ونماذج منها. على سبيل المثال، تأتي رواية السوريون الأعداء لفواز حداد على ذكر أحد المخبرين الذين أوقعوا ببعض منتسبي جماعة الأخوان المسلمين، وكان يكفيه فقط أن يُطيل لحيته ويحفّ شاربه. في موقع آخر من كتاب حسان عباس، يستذكر الكاتب الراحل الأثر الذي كرّسه نجل الرئيس حينها باسل الأسد حينما اتخذ خيار إطلاق لحية خفيفة بعد تقليمها بداية التسعينيات، وكيف اندرجَ هذا الشكل على بعض الشباب السوري، تحديداً داخل المؤسسة العسكرية.
إذن الشارب علامة ثقافية، وجودها أو زوالها هو إشارة سيمولوجية، ومن موقعها الحسّاس هذا، أتى التهجّم الهمجي عليها، ولو أن كل هذا التحليل الثقافي لا يفي تفسير الصور السوريالية لمقاتل يحمل معه مقصاً وماكينة حلاقة وهو ذاهب إلى المعركة، وإلى ملاقاة حتفه ربما. لكن، يمكن القول إنه إذا كان دافعُ المقاتل إلى قص شارب رجل أو شيخ، هو الرغبة العمياء في ضرب كرامة الآخر، إصابتها في أكثر أماكنها حساسية، في معقل الذكورة والفخر، ألا يفترض أن الفاعل وبيئته تعرضوا للأذى ذاته؟ ليس قبل قرون أو عقود، بل في الأمس القريب!
الإفراط بالشَعَر، لحى طويلة وحواجب كثيفة
لطالما ارتبطت صورة اللحى الطويلة والحواجب الكثيفة بصورة مُشركي قريش، تلك الصورة النمطية التي كرسها بصرياً فيلم الرسالة للمخرج السوري الراحل مصطفى العقاد، وأزالها المخرج السوري الراحل حاتم علي في مسلسل عمر حينما أنسنَ شخصيات مشركي قريش (أبو الحكم /أبو جهل، أمية بن خلف، أبو سفيان…) وقدَّمها كشخصيات لها وزن وحضور في قريش، ولا شكلاً نمطياً واحداً لها. المفارقة أن صورة كفار قريش النمطية هذه، أُعيد إنتاجها عبر العديد من الفصائل الإسلامية المتطرفة المشاركة في الثورة السورية. الإفراط في الشَعْر، وفوضويته، هي علامة مميزة كانت للكثير من المقاتلين الداخلين إلى دمشق يوم سقوط النظام الأسدي. استغرب البعض تلك العلامات، وبعضهم توجّسَ منها لتاريخها الطويل في التطرف، وارتباطها بصورة مقاتلي تنظيم الدولة وجرائمه. إلا أن الأيام الأولى للسقوط، وحقن الدماء وقتها، دفع بالبعض إلى المطالبة بكسر هذه الصورة النمطية عن الأشعث المتطرف، وأنها حرية شخصية، وربما نتيجة طبيعية للحرب الطويلة التي خاضها هؤلاء المقاتلون ضد النظام. لم يتم استثمار هذا الأمر، على العكس، فبعد مجازر الساحل والسويداء، تم تكريس هذه الشَعْرية على المقاتل المتطرف الذي يقتل الآخر على الهوية بعد أن يُكفِّره.
مع بداية الثورة السورية، حصل صراع رمزي على اللحية، صراع تمثّلَ باللحية المطلقة من قبل الثوار المسلحين الذين كان أغلبهم ذا توجه إسلامي، يُوصي بإطالة اللحى وإطلاقها كما ذُكر سالفاً، وبين الشبيحة الذين اعتمدوا اللحية الطويلة الكثّة كدلالة على الرجولة المتوحشة. وكما حصل سابقاً، تسلل هذا الفعل إلى المؤسسة العسكرية للنظام البائد، إذ أتاحت ظروف الحرب إطلاق لحى العساكر، مع ما يحمله هذا من علامات عسكرية ذكورية واضحة، لكن الأساس في كل ذلك، وحسب عباس أيضاً، هو أن «الشبيحة بالغوا بإطالة اللحى، وكأنهم يحاولون انتزاع رمزيتها من الجهاديين». وذلك ما حصل، حاولوا انتزاعها رمزياً، وفعلياً، حينما أقدم شبيحة الأسد على نتف اللحى.
لا ينفصل مشهدُ قصِّ الشوارب عن مشهد نتف اللِّحى زمن الأسد، وربما كان قص شوارب بعض الشبان في هجمات جرمانا وصحنايا، والتعرّض للشيخ لاحقاً في السويداء، هي العلامات الأولى على امتداد عهد الفاشية السورية وعدم انتهائه. فقبل سنوات عدة، انتشرت فيديوهات لشبيحة الأسد وهم ينتفون بأيديهم لحى شيوخ قبل اعتقالهم. أثارت تلك الفيديوهات حفيظة الجميع، لكنها أصابت بشكل خاص «اللحية الإسلامية». كان نتف اللحية حينها إشارة على ضرب كرامة الآخر واستهدافها، استهدافها بما هي رمز ديني وانتمائي، وهو ما أعيد إنتاجه اليوم بصورة كربونية، فاستهداف شوارب الدروز جاء بما هو استهداف العلامة الثقافية المميزة لهذه الجماعة، ومحاولة لضرب كرامتها وجرحها، وذلك أخطر ما فيه، لأنه أعاد إنتاج العنف ذاته، بالطريقة ذاتها، وكأننا أمام دورة من العنف والعنف المضاد لم يكن السقوط فيها إلا بداية دورة جديدة.
يستخدم السوريون أمثلة كثيرة تتناول مسألة الشَعّر منها «طلع على لساني شعر»، ما يعني أن القائل قدَّمَ نصائح متكررة دون جدوى، أو كأن يقول «إمسك على شواربك» في دلالة على كلمة الشرف، وفي القول العامي «انحلّت بتبويس الشوارب» وهي دلالة على حل سلمي للمعركة تم عبر رجال لهم وزنهم وشواربهم وقادرون على إصلاح ذات البين. ولربما يكون هذا المثل الأخير قد قيل عن سلطة دمشق كثيراً، إذ أنها لجأت إلى سلوك كهذا في أكثر من موقف، إلّا أن ما ظهر في السويداء كان العكس: أين تبويس الشوارب والحلّ السلمي مما شهدناه؟! أينه من شهوة فحولية مسعورة للحلق والقصّ والتلويح بالمقص كأداة لجرح كرامة الآخر وجزّها. جرح كرامة الآخر باللسان والسلاح والمقصّ.
1.الرجولة المتخيلة، الهوية الذكرية والثقافة في الشرق الأوسط الحديث، إعداد: مي غصوب وإيما سنكليرويب، دار الساقي، بيروت، 2002.
موقع الجمهورية



