أبحاثتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوععام على انتصار الثورة في سوريا

حين فقدنا لغتنا السياسيّة…/ مازن عزي

30.01.2026

حين يهيمن أحد هذه القطاعات على غيره، لا يؤدي ذلك إلى تعزيز فعاليته، بل إلى إرباك الاثنين معاً، وإلى إنتاج معرفة مختلّة لا هي سياسية بالكامل ولا حقوقية في معناها الدقيق.

تهيمن اللغة الحقوقية، المستمدة من مفردات المنظمات المدنية غير الحكومية “الأنجيؤزية”، على الخطاب السياسي السوري منذ أعوام. ويبدو هذا التحول، في ظاهره، ضرورياً ومفهوماً في سياق حرب طويلة الأمد وما رافقها من عنف واسع النطاق.

لكن هذه الهيمنة لا تقتصر على سدّ فراغ لغوي أو أخلاقي، بل تترافق مع تحييد تدريجي لمضمون القول السياسي نفسه. المسألة هنا لا تتعلق بصحة اللغة الحقوقية أو مشروعيتها، فذلك محسوم، بل بما يترتب على توسعها من إزاحة لوظائف أساسية يفترض أن يضطلع بها الحقل السياسي.

يفترض من حيث المبدأ أن يتمتع الحقلان الحقوقي والسياسي باستقلالية نسبية، وأن يحتكم كل منهما إلى منطقه الداخلي وأدواته الخاصة، مع وجود حدود بينية تنظّم تداخلهما. هذا التصور قريب مما يطرحه عالم الاجتماع السياسي، الفرنسي Michel Dobry في كتابه Sociologie des crises politiques الذي بنى فيه تحليله القطاعات الاجتماعية بوصفها فضاءات متمايزة، لا تعمل بكفاءة إلا حين تحترم منطقها الداخلي.

حين يهيمن أحد هذه القطاعات على غيره، لا يؤدي ذلك إلى تعزيز فعاليته، بل إلى إرباك الاثنين معاً، وإلى إنتاج معرفة مختلّة لا هي سياسية بالكامل ولا حقوقية في معناها الدقيق.

يتجلى هذا الخلل بوضوح في الخطابات المتداولة بين جماهير الأطراف المتحاربة اليوم على أسس طائفية وإثنية. تبادل الاتهامات بالانتهاكات أصبح اللغة المشتركة بين هذه الجماهير، سواء في مخاطبة الخصوم أو في ممارسة النقد الذاتي داخل كل معسكر. هذه اللغة لا تنشأ عفوياً فقط، بل تجد مرجعيتها في أطراف حقوقية عابرة للهويات، باتت تشكل المصدر شبه الرسمي لتوليد المفردات والمعايير.

في المقابل، يتراجع الخطاب السياسي بوصفه خطاباً معنياً بالمشاريع، وبنى الحكم، وإدارة النزاعات، والهوية السياسية، ليصبح خطاباً ملحقاً، يستعير أدواته من الحقل الحقوقي ويتكيّف مع منطقه.

هذا التراجع يعني فقدان خطاب سياسي مستقل، وفقدان القدرة على التسمية السياسية. فاللغة الحقوقية بطبيعتها لغة توصيف وتوثيق، تُعرّف الأفعال بوصفها انتهاكات، وتُصنّف الوقائع وفق معايير معيارية، لكنها لا تنتج تسميات سياسية للصراع، ولا تعيّن الفاعلين بوصفهم قوى تتنازع السلطة أو الحكم. ما يحدث هو إزاحة التسمية السياسية لصالح توصيفات أخلاقية متراكمة، لا تتجمع في سردية سياسية جامعة. وبهذا المعنى، يُحجَب الصراع السياسي، ويُعاد تعريفه بلغة لا تسمح بفهمه كصراع على السلطة أو على شكل الحكم.

في هذا السياق، تتأثر أيضاً مواقع الفاعلين السياسيين أنفسهم. فكما يشير دوبري في تحليله الأزمات السياسية، تؤدي لحظات الانفلات القطاعي إلى إرباك مواقع الفواعل وإضعاف قدرتهم على إدراك أدوارهم وحدودها. الفاعل السياسي، حين يتبنى منطقاً غير منطق قطاعه، يفقد بوصلته العملية.

في الحالة السورية، يتحول السياسي تدريجياً إلى فاعل حقوقي، والمعارضة إلى جهة توثيق ومناشدة، وتُستبدل أدوات التنظيم والصراع بأدوات الرصد والإدانة. هذا التحول لا يحدث بقرار واعٍ، بل نتيجة انهيار المرجعيات القطاعية التي كانت تحدد ما يعنيه الفعل السياسي في ظروف أقل سيولة.

يساعدنا دوبري هنا على فهم هذه الدينامية من خلال تحليله الأزمات بوصفها لحظات سيولة بين القطاعات. الأزمات الكبرى، كالحروب أو العنف الأقصى، لا تكتفي بإضعاف الحدود الفاصلة بين الحقول الاجتماعية، بل تعيد ترتيب الهرمية بينها. في الحالة السورية، أفضت هذه السيولة إلى صعود الحقل الحقوقي إلى موقع مهيمن، نسبياً بفعل تفوقه الأخلاقي، وأيضاً بسبب قابليته العالية للتدويل، والتمويل، والترجمة إلى لغة كونية مفهومة لدى الفاعلين الدوليين. بهذا المعنى، تصبح الهيمنة الحقوقية نتيجة بنيوية لمسار الأزمة، لا مجرد خيار أخلاقي أو انحراف في الخطاب.

غير أن انتقال منطق قطاع إلى قطاع آخر لا يفضي فقط إلى خلل وظيفي، بل إلى إساءة قراءة للواقع نفسه. يشدد دوبري على أن إسقاط أدوات تحليل قطاع ما على قطاع آخر يؤدي إلى تشويه فهم الوقائع. في السياق السوري، تُقرأ الديناميات السياسية بوصفها سلسلة انتهاكات متقابلة، لا كبنية صراع على السلطة، ولا كتنازع على شكل الحكم أو توزيع القوة. هذا النمط من القراءة ينتج حلولاً تقنية أو أخلاقية، تتعلق بالتحقيق والتوثيق والمساءلة، ويهمّش التفكير في التسويات السياسية أو إعادة بناء الفضاء السياسي ذاته.

لا تقتصر هذه الهيمنة على مستوى اللغة، بل تمتد إلى مستوى الممارسة. تبدأ المؤسسات السياسية لدى أطراف النزاع باستعارة خطاب الحقل الحقوقي، ثم بإعادة ترتيب أولوياتها وبرامجها وفق منطقه. الإفراج عن المعتقلين أو المخطوفين، التحقيق في الانتهاكات، تشكيل لجان تحقيق، إدخال المساعدات، كلها مطالب محقة ومُلحّة ومتصلة مباشرة بالواقع السوري. غير أن انتقال هذه المطالب إلى صدارة الحقل السياسي، في ظل ضعف هذا الحقل في إنتاج تصورات متماسكة حول الحكم والسلطة وإدارة النزاعات، يؤدي إلى إعادة تشكيل السياسة كفضاء معياري مستقر.

هنا يبرز عنصر آخر ناقشه دوبري مطولاً، وهو مسألة اللايقين الاستراتيجي أثناء الأزمات. الأزمات السياسية تفتح لحظات غموض في موازين القوى، وتخلق مساحات لإعادة التموضع والمبادرة. غير أن هيمنة الخطاب الحقوقي تميل إلى تثبيت الوقائع في صيغ تقريرية وأحكام نهائية، ما يضيّق هامش التعامل مع هذا اللايقين بوصفه مورداً سياسياً. السياسة، في هذا المعنى، تتطلب الاشتغال على الاحتمال والمجهول، بينما يميل الخطاب الحقوقي إلى تثبيت السردية وإغلاقها.

يتقاطع ذلك مع إعادة تعريف الشرعية السياسية على نحو إشكالي. إذ تغدو الشرعية مرتبطة بانعدام الانتهاكات أو بانخفاضها، لا بالتمثيل أو التفويض أو القدرة على الحكم. السياسة هنا تُعاد صياغتها ضمن منطق أخلاقي مستقر، يوفر وضوحاً رمزياً في لحظة فوضى، لكنه يُقلّص مساحة الصراع السياسي غير المحسوم. هذا الاستقرار الخطابي، الذي يتيحه الحقل الحقوقي، يفسر جزئياً انجذاب الفواعل والجماعات إليه، بوصفه لغة تُعيد ترتيب العالم أخلاقياً في لحظة انهيار.

يتكامل هذا المسار مع معطى بنيوي آخر يتمثل في مسألة التمويل وتراكم رأس المال القطاعي. خلال العقد الماضي، كانت المنظمات الحقوقية المدنية غير الحكومية من أكثر الجهات السورية تلقياً للتمويل والدعم الدولي. هذا التمويل لم يكن مادياً فقط، بل راكم خبرة، وشبكات، وشرعية، ولغة، وقدرة على فرض المعايير.

 في المقابل، لم يُتح للحقل السياسي السوري، وخصوصاً على المستوى المحلي، أن يراكم رأس مال سياسياً مماثلاً. الأحزاب والتيارات السياسية بقيت ضعيفة التنظيم، محدودة الموارد، ومحرومة من الشرعية العابرة للحدود. حتى مراكز الأبحاث ووسائل الإعلام المستقلة، الممولة من القنوات نفسها، تبنّت الخطاب الحقوقي وعممته على الفضاء المعرفي والإعلامي.

هذا التفاوت في تراكم رأس المال يفسر كيف تحوّل الحقل الحقوقي إلى مرجعية شبه تحكيمية في النزاعات السياسية. في لحظات كثيرة، بات يُنظر إلى الفاعلين السياسيين من خلال سجل انتهاكاتهم فقط، لا من خلال مشاريعهم أو تمثيلهم الاجتماعي. هذا لا يعني تبرير العنف أو إنكاره، بل توصيف انتقال وظيفة التحكيم من الحقل السياسي إلى حقل آخر، يمتلك أدوات مختلفة ومنطقاً مغايراً.

فشل المجتمعات المحلية في بناء مؤسسات سياسية ذات شرعية لا يمكن فصله عن هذا السياق. اللوم لا يقع على الفاعلين المحليين وحدهم، بل على بنية أزمة طويلة أعاقت تراكم السياسة بوصفها ممارسة وخطاباً. ما جرى هو تضخم للحقل الحقوقي مقابل ضمور الحقل السياسي، في لحظة كان يفترض فيها أن تتبلور أشكال جديدة من التنظيم والتمثيل.

يُضاف إلى ذلك بعد زمني أساسي. يبيّن دوبري أن الأزمات تعيد تشكيل العلاقة مع الزمن، وتدفع الفاعلين إلى التركيز على الحاضر الآني. الخطاب الحقوقي بطبيعته متمركز حول اللحظة، يوثق الانتهاك فور وقوعه ويؤرشفه. في المقابل، يحتاج الخطاب السياسي إلى أفق زمني ممتد، إلى تصور المستقبل، وإلى بناء سرديات تتجاوز الطوارئ. هيمنة الأول تعمّق العيش في حاضر دائم، وتضعف القدرة على تخيّل مسارات سياسية طويلة الأمد.

كل ذلك يقود إلى أزمة سياسية خانقة تفتقر إلى تعبيراتها السياسية الواضحة. أزمة لا تعود فقط إلى ضعف الفاعلين، بل إلى اختلال العلاقة بين الحقول. استعادة السياسي من الحقوقي تعني إعادة ترسيم الحدود بينهما، بما يسمح لكل حقل أن يعمل وفق منطقه، وبما يعيد الى السياسة لغتها، ووظيفتها، وقدرتها على إنتاج معنى وفعل في آن واحد.

درج

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى