التجنيد وصناعة الأسلحة وأكثر…هكذا يستخدم “داعش” الذكاء الاصطناعي

السبت 2025/07/26
دأبت الجماعات الإرهابية في العالم على استغلال تقنيات التكنولوجيا الحديثة بشكل مستمر ومتصل لتعزيز عملياتها، بدءاً من استخدام العملات الرقمية لنقل الأموال وحتى استخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة الأسلحة، وباتوا اليوم يستخدمون تقنيات الذكاء الاصطناعي أيضاً، وهو ما راقبه الباحثون والخبراء في الجماعات المتطرفة طوال سنوات.
وبدأت الجماعات الإرهابية، بما في ذلك تنظيم “داعش” باستغلال الذكاء الاصطناعي للتخطيط لهجماتهم وعملياتهم المختلفة، بحسب تصريحات هيئات مكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة نقلتها صحيفة “غارديان” البريطانية.
وقال مؤسس ومدير منظمة “تكنولوجيا ضد الإرهاب” آدم هادلي، وهي منظمة رقابية لمكافحة الإرهاب عبر الإنترنت مدعومة من المديرية التنفيذية للجنة مكافحة الإرهاب التابعة للأمم المتحدة: “توقعت أبحاثنا تماماً ما نلاحظه حالياً: استخدام الإرهابيين للذكاء الاصطناعي لتسريع الأنشطة القائمة بدلاً من إحداث ثورة في قدراتهم العملياتية”. وأضاف: “تشمل المخاطر المستقبلية اعتماد الإرهابيين على الذكاء الاصطناعي لتطوير التطبيقات والمواقع الإلكترونية بسرعة، ورغم ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي يضخم التهديدات التي تفرضها التقنيات الحالية بدلاً من أن يخلق فئات تهديد جديدة كلياً”.
وبدأت مجموعات مثل تنظيم “داعش” وكيانات مرتبطة به باستخدام الذكاء الاصطناعي، وبالتحديد روبوت الدردشة “تشات جي بي تي” لتضخيم الدعاية الموجهة للتجنيد عبر وسائط متعددة وبطرق جديدة وواسعة النطاق. وتعتمد الجهات الإرهابية بشكل كبير على جذب المتطوعين من مختلف بقاع الأرض والترويج لأعمالهم باستعراضها، وبينما كان الأمر يحتاج إلى مجهود كبير لالتقاط الصور والمقاطع وتجهيز الدعاية المباشرة لهذه العمليات، إلا أن الأمر اختلف بعد انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وعلق المدير التنفيذي لإفريقيا والشرق الأوسط وآسيا في “معهد الحوار الاستراتيجي” مصطفى إياد: “يمكن تحويل نشرة أخبار من تنظيم داعش، إلى مقطع صوتي. شاهدنا مؤيدين ومجموعات دعم يفعلون ذلك، بالإضافة إلى إنشاء مجموعات من الصور يتم إنتاجها مركزياً… العديد مما يقوم به الذكاء الاصطناعي هو تمكين ما هو موجود بالفعل. كما أنه يدعم قدرتهم من حيث الدعاية والنشر، وهو جزء أساسي من ذلك”.
ولا يخفي تنظيم “داعش” تحديداً افتتانه بالذكاء الاصطناعي، وبدأ مؤخراً بالاعتراف علناً بالفرص المتاحة للاستفادة مما يقدمه حالياً، حتى أنه وزع على أنصاره عبر قناة مشفرة دليلاً بعنوان “أدوات ومخاطر الذكاء الاصطناعي”. وفي إحدى مجلاته الدعائية الأخيرة، شرح التنظيم مستقبل الذكاء الاصطناعي والحاجة إلى دمجه في عملياته. وكتب التنظيم في أحد المقالات: “لكل فرد، بغض النظر عن مجاله أو خبرته، أصبح فهم تعقيدات الذكاء الاصطناعي أمراً لا غنى عنه. الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية، بل أصبح قوة تُشكل الحروب”. وفي نفس المجلة، شرح أحد كتاب التنظيم أن خدمات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون “مستشارين رقميين” و”مساعدين بحثيين” لأي عضو.
وضمن غرفة دردشة نشطة يستخدمها تنظيم “داعش” للتواصل مع أنصاره والمجندين، بدأ المستخدمون مناقشة الطرق العديدة التي يمكن أن يكون فيها الذكاء الاصطناعي مورداً مفيداً، لكن بعضهم كان حذراً. سأل أحد المستخدمين عما إذا كان استخدام “تشات جي بي تي” آمناً للاستفسار عن “كيفية صنع المتفجرات”، لكنه لم يكن متأكداً مما إذا كانت وكالات الأمن تراقب هذه الأنشطة، وهو ما أصبح من بين الهواجس الأوسع المتعلقة بالخصوصية منذ إطلاق الروبوت.
لكن مستخدماً آخر وجد طريقة أقل وضوحاً لتجنب إثارة الشبهات في حال تمت مراقبته، عبر نشر المخططات والتعليمات الخاصة بكيفية إنشاء “مخطط أولي بسيط لمركبة متحكم بها عن بُعد حسب تشات جي بي تي”. وتُعتبر الهجمات باستخدام الشاحنات أحد الأساليب المفضلة للتنظيم في الهجمات الأخيرة التي نفذها أتباعه وعناصره. وفي آذار/مارس الماضي، نشر حساب مرتبط بالتنظيم فيديو تم إنشاؤه بالذكاء الاصطناعي يُظهر كيفية صناعة قنبلة باستخدام شخصية افتراضية، وكانت “الوصفة” تتضمن مكونات منزلية.
كما أبدت الجماعات اليمينية المتطرفة اهتماماً باستخدام الذكاء الاصطناعي، حيث وجه بعضها أتباعه لكيفية إنشاء “ميمز” تضليلية، في حين لجأ آخرون إلى الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور دعائية لأدولف هتلر. وقال إياد أن بعض هذه الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي كانت بمثابة “نعمة” للجماعات المتطرفة من حيث الأمن العملياتي، أي تقنيات التواصل الآمن من دون عيون المتطفلين، مثل أجهزة تعديل الصوت المشفرة التي تُخفي الهوية الصوتية، وكلها “تساعدهم في تعزيز التمويه وتحسين أمنهم العملياتي” ومهاراتهم اليومية.
والحال أن الجماعات الإرهابية كانت دائماً في مقدمة الجهات التي تستغل الفضاء الرقمي في توسعها، ويُعتبر الذكاء الاصطناعي مجرد مثال حديث. ففي حزيران/يونيو 2014، ومع بداية بروز تنظيم “داعش” في الوعي العالمي، بث التنظيم صوراً ورسائل مباشرة عبر “تويتر” عن إعدامات جماعية لأكثر من ألف رجل أثناء اجتياحه لمدينة الموصل، ما دفع جنود الجيش العراقي إلى الفرار من الخوف. وبعد إعلان ما يسمى بـ”الخلافة” وتكثيف العمليات السيبرانية، بدأت جهود متضافرة ومنسقة بين الحكومات و”وادي السيليكون” لإغلاق جميع حسابات التنظيم عبر الإنترنت. ومنذ ذلك الحين، ركزت وكالات الاستخبارات الغربية على مراقبة العملات الرقمية، وتطبيقات الرسائل المشفرة، والمواقع التي تقدم نماذج طباعة أسلحة ثلاثية الأبعاد، وغيرها من المساحات الرقمية.
لكن التخفيضات الأخيرة في ميزانيات عمليات مكافحة الإرهاب في عدد من حكومات العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة، أدت إلى تراجع هذه الجهود. وقال هادلي: “الثغرة الأكثر إلحاحاً تكمن في تدهور بنية مكافحة الإرهاب. المعايير تراجعت بشكل ملحوظ مع تراجع تركيز المنصات والحكومات على هذا المجال”. وأوضح هادلي كيف أن التدهور يتزامن مع “ارتفاع مستوى تعقيد المحتوى المُمكن بالذكاء الاصطناعي”، داعياً شركات مثل “ميتا” و”أوبن إيه آي” إلى “تعزيز الآليات الحالية، بما في ذلك تبادل بصمات البيانات والقدرات التقليدية للكشف”، والعمل على تطوير مزيد من “آليات الإشراف على المحتوى” المتعلق بالذكاء الاصطناعي. وختم قائلاً: “مكمن ضعفنا ليس في قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، بل في انخفاض قدرتنا على مقاومة الأنشطة الإرهابية القائمة عبر الإنترنت”.
المدن



