أزمات الداخل السوري الحياتية تحديث 12 شباط 2026

لمتابعة هذا الملف اتبع الرابط التالي
كاميرات على لباس دوريات التموين.. محاولة لتعزيز الشفافية في الأسواق السورية/ مرام عبدو
2026.02.04
تستعد مديرية حماية المستهلك وسلامة الغذاء لتطبيق إجراء جديد يقضي بتركيب كاميرات مراقبة على الڤيست الخاص بعناصر دوريات التموين خلال الجولات الرقابية في دمشق وريفها، في خطوة تهدف بحسب الجهات الرسمية إلى تعزيز الشفافية وتحسين أداء الرقابة التموينية وتوحيد آلية ضبط المخالفات.
ويأتي هذا الإجراء في ظل تحديات معيشية متزايدة، تشهد فيها الأسواق السورية تفاوتاً في الأسعار وعدم استقرار في آليات التسعير، مقابل تراجع ملحوظ في القدرة الشرائية للمواطنين، ما يضع العمل الرقابي تحت ضغط متواصل وتوقعات مرتفعة من الشارع.
بحسب معلومات حصل عليها موقع تلفزيون سوريا، ستقوم الكاميرات المثبتة على لباس عناصر دوريات التموين بنقل الجولات الرقابية بشكل مباشر إلى المركز المختص، إلى جانب تسجيلها تلقائياً وحفظها ضمن أرشيف رقمي.
وتؤكد المديرية أن أي ضبط تمويني لا يترافق مع تسجيل مصوّر عبر الكاميرا يُعد غير معتمد، في محاولة لتقليل الاجتهاد الفردي، وضمان توحيد الإجراءات، ورفع مستوى الدقة في تنظيم المخالفات.
تطبيق تدريجي للكاميرات: 20 جهازاً مخصصاً لدمشق وريفها
وقال مدير مديرية حماية المستهلك وسلامة الغذاء حسن الشوا لموقع تلفزيون سوريا: إن عدد الكاميرات المخصصة للمشروع يبلغ نحو 300 كاميرا موزعة على مختلف المحافظات السورية، في حين تبلغ حصة دمشق وريفها 20 كاميرا فقط.
وأوضح الشوا أن التطبيق سيكون تدريجياً وضمن إطار تجريبي، مشيراً إلى أن هذه الآلية مطبقة في عدد من الدول وأسهمت في تحسين الأداء الرقابي ورفع مستوى الالتزام بالإجراءات المعتمدة.
وتوضح المديرية أن الهدف من المشروع لا يقتصر على مراقبة الفعاليات التجارية، بل يشمل أيضاً توثيق أداء عناصر التموين أنفسهم، بما يسهم في حمايتهم من أي التباسات أو شكاوى غير دقيقة، عبر تسجيل مرئي يوثق مجريات الجولات.
وبحسب الشوا، فإن وجود الكاميرات يهدف إلى تنظيم العلاقة بين الدوريات والتجار والمواطنين وتعزيز بيئة رقابية أكثر وضوحاً وانضباطاً.
الكاميرات.. خطوة تنظيمية ضمن واقع تمويني معقّد
رغم أهمية هذه الخطوة من حيث المبدأ، يشير مراقبون إلى أن التحديات في العمل التمويني لا تقتصر على الجانب التقني، بل تتعلق أيضاً بواقع اقتصادي ضاغط، ورواتب محدودة، وتشريعات متغيرة، وسوق يعاني من ضعف التنظيم.
ووفق هذا الرأي، قد تُسهم الكاميرات في تقليص بعض التجاوزات الفردية وتحسين توحيد الإجراءات الرقابية، إلا أن فعاليتها تبقى مرتبطة بعوامل أوسع تشمل استقرار القرارات التموينية وآليات التسعير، مستوى الدخل مقارنة بكلفة المعيشة، وتوافر قنوات منظمة لتلقي الشكاوى ومتابعتها.
ويشير محللون اقتصاديون إلى أن أي إجراء رقابي تقني يكون أكثر فاعلية عندما يكون جزءاً من منظومة متكاملة تراعي الجوانب الإدارية والتنظيمية والاقتصادية للعمل الرقابي.
وعبّر مواطنون عن ترحيبهم الحذر بالفكرة مع التشديد على أن التجربة السابقة مع الإجراءات الرقابية لم تكن مشجعة. يقول أبو محمد، موظف حكومي من دمشق:”الكاميرا خطوة جيدة، لكن المشكلة ليست بالتصوير بل بما سيحدث بعده. هل سيُحاسب المخالف فعلاً؟”. في حين ترى ربة المنزل ريم الحسن أن: الكاميرات قد تحمي المواطن من سوء المعاملة، لكن إذا بقيت الأسعار بلا ضبط فلن يشعر الناس بأي فرق”.
تجار دمشق بين تنظيم السوق ومخاوف الاستهداف
من جهتهم، أبدى عدد من أصحاب المحال التجارية تخوفهم من أن تتحول الكاميرات إلى أداة ضغط إضافية في ظل غياب تسعيرة واضحة واستقرار تشريعي.
ويقول أبو يوسف، صاحب محل مواد غذائية في ريف دمشق: “التاجر اليوم عالق بين قرارات متغيرة ودوريات مختلفة؛ الكاميرا لن تحل المشكلة إذا لم يكن هناك قانون واضح يُطبق على الجميع”.
ويثير تخصيص 20 كاميرا فقط لدمشق وريفها تساؤلات حول قدرة المشروع على تغطية جميع الدوريات التموينية، خاصة في واحدة من أكثر المناطق كثافة تجارية وسكانية في البلاد.
ويرى المستطلعة آراؤهم أن نجاح المشروع يتطلب توسيع نطاقه، وربط الكاميرات بمنظومة رقمية واضحة تتيح تتبع الشكاوى، ومراجعة التسجيلات ومتابعة نتائج التحقيقات بشكل فعال.
البعد الاقتصادي والاجتماعي لتجربة الكاميرات التموينية
في سياق أوسع، يأتي هذا الإجراء في سياق اقتصادي واجتماعي ضاغط تشهده الأسواق السورية مع استمرار تفاوت الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، ما ينعكس بشكل مباشر على طبيعة العمل الرقابي وحجم التوقعات المعلّقة عليه. ويُدرج تركيب الكاميرات ضمن حزمة الإجراءات الرقابية الرامية إلى تنظيم الأسواق وضبط المخالفات، عبر توثيق الجولات التموينية وربطها بمنظومة تتيح متابعة نتائج الضبط ومراجعة الإجراءات المتخذة بشكل واضح.
وتبدو الخطوة ضمن محاولات السلطة إعادة ضبط الشارع اقتصادياً، واحتواء حالة الاحتقان الشعبي الناتجة عن الغلاء وفوضى السوق، عبر إجراءات رقابية تُظهر جدية شكلية في مكافحة الفساد من دون الدخول في إصلاحات اقتصادية أعمق.
ويشير التجار والموطنون الذين التقاهم موقع تلفزيون سوريا، إلى أن ضبط الأسواق لا يتحقق فقط عبر الرقابة، بل عبر سياسات نقدية مستقرة ورفع الدخل بما يتناسب مع التضخم وإعادة تنظيم السوق وتوحيد المرجعيات الرقابية.
وبين الرهان الرسمي على التكنولوجيا كأداة ضبط، والتشكيك الشعبي بقدرتها على تغيير واقع متجذر، تبقى كاميرات دوريات التموين خطوة تحت الاختبار، ستكشف نتائجها مع بدء التطبيق الفعلي. وفي ظل أزمة معيشية، يبدو أن استعادة ثقة المواطن لا تمر عبر العدسات فقط، بل عبر العدالة والشفافية والمحاسبة الملائمة.
تلفزيون سوريا
حين تدخل المدرسة كل بيت.. كيف تحوّلت المناهج السورية إلى عبء عائلي يومي/ سامر سيف الدين
6 فبراير 2026
في البيوت السورية، لم تعد المدرسة حدثًا يوميًا يبدأ مع رنين الجرس وينتهي مع إغلاق الحقيبة المدرسية. لقد انتقلت، بهدوءٍ ثقيل، إلى قلب المنزل نفسه، واستقرت هناك. صارت تجلس إلى مائدة الطعام، وتشارك العائلة نقاشاتها، وتنام معها على قلقٍ مزمن، وتستيقظ على توترٍ لا يهدأ. فالمناهج السورية، بصعوبتها وكثافتها، وبانفصالها شبه الكامل عن واقع بلدٍ خرج لتوّه من حرب طويلة، لم تعد شأنًا تربويًا يخص الطالب وحده، بل تحوّلت إلى قضية عائلية بامتياز، تستنزف الأعصاب وتعيد تشكيل العلاقات داخل الأسرة.
مناهج ثقيلة لبلدٍ منهك
ما زالت المناهج السورية تُبنى على فلسفة قديمة تقوم على الحشو، والتلقين، وقياس “التفوق” بعدد الصفحات المحفوظة لا بعمق الفهم أو القدرة على التفكير. كان هذا النموذج قاسيًا حتى في سنوات الاستقرار النسبي، فكيف به اليوم في بلدٍ تراجع فيه مستوى التعليم، واكتظت صفوفه بأعداد تفوق طاقتها، وغاب عنه الحد الأدنى من شروط البيئة التعليمية السليمة؟
تقول أم بحر، وهي مدرسة لمادة الفيزياء، في حديثها لموقع “الترا سوريا”، إنها تعود إلى بيتها منهكة كما لو أنها خرجت من معركة صغيرة. وتضيف: “الصفوف مكتظة، والمناهج ثقيلة، ويُطلب من الأهل أن يكونوا شركاء كاملين في التعليم”، وتابعت بمرارة: ” لكن أي أهل؟ معظمهم لا يمتلك القدرة العلمية، وإن امتلكها فهو غارق في همّ تأمين لقمة العيش”.
وفي بيتٍ آخر، تعمل أم كريم ممرضة بنوبات تمتد يومًا كاملًا، فيما زوجها مغترب في الخليج. لم تجد حلًا سوى وضع طفلها الوحيد عند معلمة خاصة، بأجر يتجاوز الأربعين ألف ليرة للدرس الواحد. ومع ذلك، لا يهدأ الصراخ في المنزل. فحتى الدروس الخاصة لا تستطيع أن تعوّض كثافة مناهج لا تراعي طفلًا متوسط الذكاء ولا أمًا غائبة أغلب الوقت.
هذه ليست حالات استثنائية، بل صورة شائعة، خاصة في الريف السوري. فكيف لطفل يعيش في بيتٍ يعاني الفقر، وانقطاع الكهرباء، وضعف الإنترنت، أن يُنجز واجبات تفوق طاقته العمرية، وأن يحفظ كمًا هائلًا من المعلومات، وأن يستعد لامتحانات مصيرية لا تراعي الفروق الفردية ولا الظروف المحيطة؟ هنا، ينتقل العبء تلقائيًا من كتفي الطالب إلى كتفي الأهل.
الأهل.. معلمون رغمًا عنهم
وجد كثير من الأهالي أنفسهم، من دون تدريب أو خيار، في موقع المعلم المساعد، أو المراقب الدائم، أو الخصم. الأم، وهي الأكثر التصاقًا بالتفاصيل اليومية، تتحول إلى حلقة وصل مرهقة بين المنهج والطفل: تشرح، وتعيد الشرح، وتراقب الواجبات، وتعدّ امتحانات منزلية، بينما هي نفسها تعيش تحت ضغط معيشي ونفسي خانق.
تقول إيمان، وهي حاصلة على شهادة جامعية، إن قدرتها على تعليم أولادها تتوقف عند الصف الرابع. وأضافت لـ”الترا سوريا”: “أستعين بزوجي المهندس في تدريس الرياضيات والعلوم والإنكليزية، وحتى العربية أصبحت صعبة”، مشيرةً إلى أن الإنترنت – حين يتوفر – هو المنقذ الأخير.
وتابعت أنه ثم تأتي “المشاريع المدرسية” التي تفترض وجود إنترنت دائم ومعرفة تقنية لدى الأهل. تقول إيمان متسائلة: “كأن واضعي المناهج يعيشون في بلدٍ آخر؟”، قبل أن تستدرك: ” ثم أجد لهم عذرًا.. المنهاج نفسه مفروض عليهم”.
أما الأب السوري، المنشغل طوال النهار بتأمين أساسيات الحياة، فيعود مساءً ليجد نفسه في دور لا يقل إنهاكًا: سلطة انضباط، وقاضٍ منزلي. تراجع العلامات يتحول إلى اتهام، والامتحان إلى محكمة، والتقصير الدراسي إلى أزمة عاطفية. شيئًا فشيئًا، تتآكل العلاقة بين الأهل وأبنائهم، ويُنظر إلى الطفل لا كإنسان يتعلم، بل كمشروع نجاح أو فشل.
حتى المدرسين أنفسهم ليسوا خارج هذه الدائرة. يقول عماد، وهو مدرس للغة الفرنسية، إنه يعمل من الثامنة صباحًا حتى العاشرة ليلًا متنقلًا بين بيوت الميسورين والفقراء. وأضاف لـ”الترا سوريا”: “من يريد مستقبلًا جامعيًا جيدًا لأولاده، عليه أن يؤمن الدروس الخاصة”، وتابع بواقعية قاسية لافتًا إلى أنه هو نفسه يضع دروسًا لأولاده في مواد أساسية، ومضى قائلًا: “المناهج صعبة، والأهالي غير مهيئين، حتى نحن”.
توتر يومي لا يُرى
نادرًا ما يظهر هذا التوتر في شكل شجارٍ واضح. غالبًا ما يتسلل بصمت: نبرة صوت أعلى من المعتاد، ضيق مفاجئ عند ذكر الامتحانات، مقارنات جارحة مع أبناء الأقارب والجيران. ومع الوقت، تتشكل داخل البيت بيئة مشحونة، يرتبط فيها التعلم بالخوف، والنجاح بالرضا المشروط.
الأخطر أن هذا المناخ لا يدمّر التحصيل الدراسي فحسب، بل ينهك الصحة النفسية للأسرة بأكملها. الأهل يشعرون بالعجز أمام منهج لا يستطيعون تغييره، والطفل يشعر بالذنب لأنه لا يرقى إلى التوقعات. وهكذا، تتآكل الثقة، ويحل القلق محلها.
مدرسة افتراضية وواقع مختلف
ترى الآنسة ربيعة، مديرة مدرسة بخبرة تزيد على 15 عامًا، أن المشكلة الجوهرية تكمن في أن المناهج التي ما زالت تُصاغ لبيئة مثالية: صفوف منضبطة، معلمون مدربون، وسائل حديثة، واستقرار نفسي. تقول لـ”الترا سوريا: “معظم هذه الشروط غائبة”، مضيفة “لكن المناهج بقيت، بل ازدادت كثافة”.
هذا الانفصال يجعل الأسرة خط الدفاع الأخير، تحاول تعويض نقص المدرسة وفشل النظام وغياب الدعم النفسي. لكن الأسرة، المنهكة أصلًا، ليست مؤسسة تعليمية، ولا يمكن تحميلها هذا الدور دون ثمن اجتماعي باهظ.
إلى أين؟
ترى الدكتورة عهد، وهي أستاذة في كلية التربية، أن تخفيف العبء لا يبدأ من البيت، بل من إعادة النظر في فلسفة التعليم نفسها: تقليص الحشو، التركيز على الفهم لا الحفظ، إدخال مهارات حياتية، مراعاة الفروق الفردية، وتخفيف مركزية الامتحان. كما أن دعم الأهل نفسيًا وتربويًا لم يعد ترفًا، بل ضرورة.
فالتعليم، في جوهره، يجب أن يكون أداة بناء، لا عامل تصدع أسري. وإذا استمرت المناهج السورية في تجاهل الواقع الاجتماعي والنفسي للطلاب وأهاليهم، فإن ثمن التفوق الورقي قد يكون عائلات أكثر إنهاكًا، وأطفالًا أكثر قلقًا، ومستقبلًا هشًا لا تعالجه الشهادات.
تعميم المصالح العقارية يهدد حقوق المواطنين والمحامين/ ميشال شماس
فبراير 12, 2026
أثار التعميم الصادر عن المديرية العامة للمصالح العقارية بتاريخ 14/ 1/ 2026 موجة من القلق والاستنكار في أوساط المحامين والمواطنين على السواء، بعدما تضمّن تفسيراً جديداً وخطيراً لمفعول الوكالة القضائية، واعتبر أنها تنتهي بمجرد صدور الحكم، وأن الوكالة المقبولة أمام السجل العقاري هي الوكالة العدلية فقط.
هذا التعميم، الذي استند إلى كتاب سابق لوزارة العدل، شكل خروجاً واضحاً عن النصوص القانونية، وتجاوزاً لاختصاصات الإدارة، واعتداءً على مهنة المحاماة وحقوق المتقاضين، الأمر الذي استدعى نقاشاً واسعاً حول مشروعيته وآثاره القانونية والعملية.
إن أول ما يلفت النظر في هذا التعميم هو تجاوز الاختصاص. فمدير المصالح العقارية ووزير العدل جهة إدارية، لا يملكان سلطة تفسير الوكالات القضائية أو تعديل آثارها أو تقييد صلاحيات المحامين أو فرض متطلبات وأعباء جديدة على المواطنين. هذه الصلاحيات هي اختصاص أصيل للسلطة التشريعية.
من الناحية القانونية، التفسير الذي تبنّته وزارة العدل ومديرية المصالح العقارية للمادة 50 من قانون السجل العقاري هو تفسير خاطئ من أساسه. فالمادة 50، المعدلة بتاريخ 19/ 2/ 1953، تنص بوضوح على أنه:
“يتحتم على من يطلب قيداً بصفته وكيلاً عن الغير أن يثبت وكالته بإبراز وكالة رسمية مستوفية للشروط المنصوص عنها في القوانين المرعية، وإذا كان الطلب يتعلق بتسجيل حق عيني فعلى الوكيل أن يبرز وكالة لا يرجع تاريخها إلى أكثر من خمس سنوات”.
وهذا النص لا يذكر إطلاقاً نوع الوكالة، ولا يميز بين الوكالة العدلية والوكالة القضائية، ولا يتحدث عن انتهاء الوكالة، ولا يربطها بصدور الحكم، ولا يضع أي قيد يتعلق بطبيعة السند سوى أن يكون رسمياً وأن لا يتجاوز عمره خمس سنوات عند تسجيل حق عيني. والوكالة القضائية سند رسمي كامل الحجية، مصدّق من نقابة المحامين ومعتمد من وزارة العدل، وبالتالي فهي تدخل مباشرة في نطاق المادة 50 دون أي لبس.
إن القول بأن المادة 50 تعني “الوكالة العدلية فقط” هو إضافة إلى النص من خارجه، وهو ما يخالف أبسط قواعد التفسير القانوني. فالمشرّع لو أراد حصر الوكالة بالوكالة العدلية لنصّ على ذلك صراحة، كما فعل في قوانين أخرى. أما وقد استخدم عبارة “وكالة رسمية”، فإن هذا يشمل كل وكالة تصدر عن جهة رسمية مختصة، بما فيها الوكالة القضائية التي تُعدّ سنداً رسمياً وفق قانون البينات.
إضافة إلى ذلك، فإن سند الوكالة القضائية المصدق من نقابة المحامين يتضمن نصوصاً صريحة لا تقبل التأويل، منها: مراجعة مؤسسات الدولة والوزارات والمؤسسات الخاصة والدوائر العقارية، والقيام بالأعمال والإجراءات اللازمة لإقامة الدعوى ومتابعتها بما فيها تنفيذ الحكم. وهذه العبارات تُثبت بوضوح أن الوكالة القضائية تشمل التنفيذ وتشمل مراجعة المؤسسات العامة والخاصة بما فيها المصالح العقارية وتشمل كل ما يلزم لإتمام أثر الحكم.
وبالتالي، فإن القول بانتهاء الوكالة بمجرد صدور الحكم هو مناقض للنص الحرفي للوكالة، ومخالف لإرادة الموكل، وللنظام الموحد للوكالات القضائية المصادق عليه من وزارة العدل نفسها.
ومن الناحية الإجرائية، فإن الخصومة القضائية لا تنتهي بصدور الحكم، بل تنتهي باكتساب الحكم الدرجة القطعية وتنفيذه وتحقيق أثره القانوني. والتنفيذ جزء أصيل من الخصومة، وليس عملاً مستقلاً عنها. فالحكم الذي لا يُنفّذ هو حكم ناقص الأثر، ولا يحقق الغاية التي من أجلها لجأ المتقاضي إلى القضاء. وبالتالي، فإن الوكالة التي تُعطي المحامي حق إقامة الدعوى ومتابعتها تشمل بالضرورة تنفيذ الحكم، ولا يوجد أي نص قانوني يجيز إنهاء الوكالة عند صدور الحكم سوى اعتزال الوكيل أو عزله.
والمفارقة أن التعميم يستخدم مصطلح “الوكالة النقابية” في إشارة إلى الوكالة القضائية. وهذا التعبير ليس بريئاً، لأن القانون السوري لا يعرف شيئاً اسمه وكالة نقابية. لدينا وكالة عدلية ولدينا وكالة قضائية، وكلا الوكالتين تتمتعان بنفس الحجية أمام القانون.
والوكالة القضائية ليست ورقة داخلية بين المحامي ونقابته، بل هي وكالة رسمية كاملة الحجية، تنظّم علاقة الوكيل بموكله وتخوّله مراجعة القضاء والدوائر الرسمية، ومنها الدوائر العقارية. ولو كانت مجرد “وثيقة نقابية” كما يصفها التعميم لكان بإمكان أي نقابة أخرى، كالأطباء أو الفنانين، تنظيم وكالات مماثلة، لكن القانون خصّ نقابة المحامين وحدها بهذا الدور، لتمثيل الناس أمام القضاء والدوائر الرسمية والخاصة.
لذلك فإن استخدام مصطلح “وكالة نقابية” هو محاولة للتقليل من قيمة الوكالة القضائية واعتبارها أدنى من الوكالة العدلية، لتبرير اعتبارها غير كافية لتسجيل الحقوق أو تنفيذ الأحكام، وهو ما يخالف القانون والواقع معاً.
إن التعميم الصادر عن مدير المصالح العقارية لا يقتصر أثره على المحامين فحسب، بل يمتد ليطال حقوق الموكلين بشكل مباشر. فهو يؤدي إلى تحميل الموكلين أعباء مالية غير مبررة، وإرباك سير العدالة، وتعطيل تنفيذ الأحكام من خلال اشتراط وكالة عدلية جديدة لا يستند إلى أي نص قانوني، ويخالف قانون تنظيم مهنة المحاماة وقانون البينات والنظام الموحد للوكالات القضائية، ويُعدّ إلغاءً غير مباشر للوكالة القضائية عبر تعميم إداري، وهو أمر باطل شكلاً ومضموناً.
إن خطورة هذا التعميم لا تكمن فقط في مخالفته للنصوص القانونية، بل في أنه يفتح الباب أمام اجتهادات إدارية قد تمسّ جوهر النظام القانوني، وتخلق حالة من عدم اليقين القانوني، وتضعف الثقة بالمؤسسات. فالتفسير الإداري لا يمكن أن يحلّ محل النص التشريعي، ولا يمكن أن يقيّد سنداً رسمياً صادراً عن جهة مختصة، ولا يمكن أن يعدّل آثار الوكالة القضائية التي تُعدّ جزءاً من النظام القانوني للمحاماة.
باختصار، إن التعميم الصادر عن مدير المصالح العقارية باطل وغير ملزم ومخالف للقانون ومتجاوز للاختصاص، ويجب سحبه فوراً وعلى نقابة المحامين التحرك لوقف العمل بهذا التعميم، وإعادة التأكيد على حجية الوكالة القضائية، وحماية حقوق المحامين والموكلين، وضمان عدم تكرار مثل هذه الاجتهادات الإدارية المسيئة للدولة.
الثورة السورية
================
عن السياحة في سوريا
——————————
“السياحة المسؤولة”.. وحراس الأخلاق والفضيلة/ فيصل علوش
11 فبراير 2026
يحار المرء بأيّ من الإيحاءات التعبيرية سيعلق على قرار بلدية سوق وادي بردى (3 شباط/ فبراير 2026)، بشأن المجموعات السياحية المختلطة التي تقيم حفلات رقص وموسيقى؛ هل يضع أحزنني أم أضحكني أم أغضبني، أم يضع كل تلك “الإيموجات” دفعة واحدة، للتعبير عن مدى شعوره بالصدمة والأسى، فضلًا عن حجم المفارقة التي ينطوي عليها القرار.
وقد أثار القرار ردود فعل حادة بين مؤيديه ومعارضيه، مثله مثل كثير من الإجراءات المشابهة. وفيما عدّه بعض السكان المحليين “خطوة إيجابية لحماية الآداب العامة والحفاظ على القيم والتقاليد والهوية الثقافية للمنطقة”، وصفه آخرون بأنه “جائر ويعيق النشاط السياحي في منطقة وادي بردى”، إحدى أبرز الوجهات المعتدلة التي يقصدها الزوار قرب العاصمة دمشق.
تساؤلات سياحية واقتصادية
وفور صدوره، أخذت تطرح أسئلة وتساؤلات كثيرة حول السياحة والحريات في سوريا، وما هو دور وحدود العادات والتقاليد الاجتماعية في تنظيم الشؤون السياحية في هذا البلد. وقد تساءل البعض، بداية، إن كان ثمة “سند قانوني” يخول الجهة التي اتخذت القرار (البلدية) إصداره في الأصل، أم أنه يشكل تخطيًا لحدود المسؤولية التي تتمتع بها، وتعدّيًا، بالتالي، على صلاحيات وزارة السياحة، بوصفه يمثل تدخلًا في تفاصيل السلوكيات داخل المنشآت السياحية الخاصة، بما يشبه “الوصاية الأخلاقية” عليها.
وزادت تصريحات وزير السياحة السوري، مازن الصالحاني، لإحدى الوسائل الإعلامية من الالتباس المتصل بهذه النقطة، إذ قال إنّ ما جرى “حالة فردية جرى تضخيمها”، وإنّ المقصود به “ليس منع الحفلات بحدّ ذاتها، إنّما معالجة حالة محدّدة، جرت خلالها ممارسات تتعارض مع العادات والتقاليد الاجتماعية”، مضيفًا كلمات عامة وفضفاضة حول مهمة وزارته الرئيسة التي تقوم على “تحقيق التوازن بين تنشيط السياحة، واحترام الخصوصية المجتمعية”، وأنّ الوزارة ستعمل في المرحلة المقبلة على “تنظيم هذه الفعاليات، بما يضمن بيئة سياحية منضبطة تحترم المجتمع المحلي، وفي الوقت نفسه تبقى منفتحة ومرحّبة بالجميع”.
وريثما يتم اجتراح صيغة قانونية توفّق بين هذين الأمرين، فقد حذر كثيرون من الانعكاسات السلبية لقرار البلدية على النشاط السياحي، كونه يفرض قيودًا دينية وأخلاقية عامة، مقرونة بعقوبات صارمة مثل “الإغلاق والختم بالشمع الأحمر”، في الوقت الذي لم يُستشر فيه أصحاب المطاعم والمنشآت في اتخاذ القرار، ورأى كثيرون منهم أنه يشكل تضييقًا على ممارسة أعمالهم، ويتناقض مع القوانين الاقتصادية السورية التي تكفل حرية ممارسة تلك الأعمال، وتشجّع السياحة الداخلية والخارجية.
وفي تبريره للإجراء المتخذ، الذي يمنع أصحاب المطاعم الشعبية من استقبال المجموعات المختلطة، قال رئيس البلدية إن القرار جاء من أجل “ضبط سلوكيات دخيلة على ثقافة المنطقة”، خالطًا بين شكاوى الأهالي من الضجيج والموسيقى الصاخبة، (التي قد تكون محقة عمومًا، وخاصة في أوقات الراحة والنوم)، وبين “الرقص المختلط” بوصفه “مخلًا بالآداب وغير لائق”. وهنا يخطر في البال التساؤل إن كان الأمر سينسحب، مستقبلًا، على الأعراس وغيرها من المناسبات، في البيئات والمناطق الاجتماعية الأخرى التي تقيم عادة حفلات مختلطة؟
ولأن الإجراء ينطوي في جوهره على الحد من الحريات الشخصية، ويفرض قيودًا على معتقدات البشر الأخلاقية لدى كثير من القطاعات الاجتماعية، ومن مختلف أطياف المجتمع السوري، فقد اضطر صاحب الأمر إلى التنويه بأن قراره “لا يفعل ذلك”، إنما يهدف، فقط، إلى “تنظيم السياحة بما يتوافق مع القيم والتقاليد المحلية”، مُطلقًا على هذا الصنف من السياحة صفة “السياحة المسؤولة” التي تحترم خصوصية المجتمع.
وفي المقابل، رأى خبراء اقتصاديون أن فرض القيود الاجتماعية الصارمة وحظر استقبال الوفود المختلطة، قد يؤدي إلى خسارة جزء كبير من السياحة الشبابية والعائلية غير المحافظة، وبالتالي تراجع الأنشطة السياحية في وادي بردى، على النحو الذي يضر بالاقتصاد المحلي الذي يعتمد بشكل أساسي على السياحة والمطاعم والفنادق، خصوصًا في ظل الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها السوريون. وأضاف الخبراء أن مثل هذا القرار قد يثير الانقسام الاجتماعي أيضًا، ويخلق حالة من التشنج بين السكان المحليين والزوار، بدلًا من تعزيز صورة المنطقة كوجهة سياحية آمنة ومفتوحة.
وفي الغضون، راح البعض يروج لمصطلح “السياحة المسؤولة المحافظة” التي تحترم القيم المحلية، معتبرين أن هذا النموذج قد يجذب زوارًا من شرائح مجتمعية محافظة داخل سوريا، أو من دول مجاورة، في حين أعرب آخرون عن خشيتهم من أن يزيد القرار من انكماش النشاط السياحي، (المنكمش أصلًا)، ويدفع السياح نحو دول وجهات أخرى أكثر مرونة، وهو ما يحصل عادة، مشيرين إلى أن “السياحة الدينية أو المحافظة” غالبًا ما تكون محدودة الإيرادات، في وقت البلد بأمس الحاجة إلى الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي.
وهنا يتبادر إلى الذهن تساؤل آخر؛ ماذا لو كان الزوار جماعة سياحية مختلطة قدمت من خارج سوريا، (من دول أجنبية، أو حتى من بلدان شقيقة ومجاورة)، ترى هل سيطبق بحقها هذا الإجراء؟ وهل سينبري حراس الفضيلة والأخلاق إلى تعليم هؤلاء السياح أصول الآداب العامة و”السياحة المسؤولة”؟
جدل اجتماعي وحقوقي
وإلى ذلك، فقد فتح قرار البلدية الباب أمام كثير من الأسئلة الأخرى، من قبيل من هي الجهة التي تملك حق تحديد وتعريف “التصرف المخل بالآداب”،داخل المطاعم مثلًا؟ ثم هل نحن بصدد تعميم مبدأ الفصل بين الجنسين وسحبه إلى أماكن ومساحات أوسع؛ مثل الجامعات والمدارس تحت عنوان “منع الإخلال بالآداب”؟ ومن هي المرجعية القانونية والسياسية التي يفترض أن تتحكم بالمجال العام، وتضبط التفاصيل المتصلة بحياة البشر اليومية، في وقت نشهد فيه تزايد القرارات التي تمس الحريات الشخصية. وهل سيفضي هذا بالواقع السوري إلى السير نحو النموذج “السنغافوري”، أم نحو “الأفغنة المتدرجة”؟
وما يغذي هذه المخاوف هو سلسلة الإجراءات المشابهة التي تطال الحياة الاجتماعية في غير مكان، والتي أثارت جدلًا واسعًا في الآونة الأخيرة. من بينها تعميم صادر عن محافظة حماة يُلزم “المرافق العامة والخاصة، من مدرّجات عامة ومطاعم وصالات خاصة، بعدم استقبال أو إقامة أي فعالية غير ما خُصّص له المرفق، إلا بعد إبراز موافقة خطية صادرة عن مكتب الفعاليات”، تحت طائلة التعرّض للمساءلة. وكذلك قرار محافظة اللاذقية بـ”منع وضع المكياج بشكل نهائي خلال الدوام الرسمي”.
القرارات الجزئية تلك، التي تُتخذ هنا وهناك، هي ما يمكن أن يفضي إلى بناء نظام شمولي، (على غرار النموذج الأفغاني أو ما هو شبيه به)، كنتاج منطقي لتراكم المنع والخوف والتوجس في مجتمعٍ معزول وخائف في الأصل، وقد افتقد الأمن الحقيقي لمدة طويلة من الزمن. مجتمع فقد ثقته بنفسه وبالآخرين، وبات يخاف من بعضه البعض، ويخشى الاحتكاك مع الآخر، (المختلف على وجه الخصوص)، ومستعدًا للتخلي عن حريته مقابل وهم الأمان الذي قد تعده به السلطة، كما تقول المفكرة الألمانية حنة آرنت.
قد يفكر المرء بمفهوم “الحرية المسؤولة”، والحدود الواجب توفرها للتمتع بالحرية من جهة، وأن تكون هذه الحرية مسؤولة ولا تتعدى على حريات الآخرين، من جهة ثانية، أما مصطلح “السياحة المسؤولة”، والذي يَفترض، في المقابل، أن تكون هناك “سياحة منفلتة” من الواجب ضبطها والحد من آثارها، فهو مفهوم جديد، يوحي بإعطاء الأولوية لحماية “الحدود الأخلاقية” في وقت تتراكم فيه أولويات أخرى؛ (معيشية واقتصادية وتعليمية وصحية، ناهيكم عن أحوال الناس التي لا زالت في المخيمات)، يفترض أنها أكثر أهمية وإلحاحًا؟!
—————————–
سورية: تعميم “مقيّد” للسياحة في ريف دمشق يثير جدالاً حول الحريات/ نور ملحم
06 فبراير 2026
أُثير الجدال في سورية أخيراً حول الحريات، بعد تعميم أصدرته بلدية سوق وادي بردى في ريف دمشق يقضي بمنع إقامة حفلات رقص مختلطة بين الجنسَين في المطاعم الشعبية بالمنطقة التي تُعَدّ سياحية، تحت طائلة إغلاقها وختمها بالشمع الأحمر. وبرّر رئيس البلدية أحمد شن علي هذا التعميم، الصادر في الثالث من فبراير/ شباط الماضي، بأنّه يهدف إلى ضبط سلوكات وصفها بـ”الدخيلة” على ثقافة سوق وادي بردى وتُخرج المكان عن طابعه الثقافي والاجتماعي، مبيّناً أنّه أتى استجابة لشكاوى تقدّم بها الأهالي بسبب الضجيج والموسيقى الصاخبة الصادرَين عن المجموعات السياحية.
وكان تسجيل أخير قد تضمّن مشاهد رقص من حفل أقيم في أحد مطاعم سوق وادي بردى التابع لمنطقة الزبداني بمحافظة ريف دمشق، الأمر الذي استنفر البلدية فاعترضت على “الرقص المختلط بين الجنسَين المخلّ بالآداب وغير اللائق”، ومن ثم قرّرت “منع استقبال المجموعات السياحية المختلطة التي تقوم بحفلات الرقص المختلط والاندماج من دون وضع رادع أخلاقي في المطاعم الشعبية وغيرها”. لكنّ أسئلة كثيرة راحت تُطرَح حول السياحة في سورية وشكلها، وحول الحريات، وحول من الذي يملك حقّ تنظيم الشؤون السياحية، وأين تقف حدود العادات الاجتماعية أمام الانفتاح السياحي.
وفي إطار تبرير التعميم الصادر عن بلدية سوق وادي بردى، أشار رئيسها إلى أنّه “لا يعيق السياحة ولا يحدّ من حرية أحد”، بل يهدف إلى تنظيمها بما يتوافق مع قيم المنطقة وعاداتها وتقاليدها. أضاف شن علي أنّ بلديته لا تفرض قيوداً على المعتقدات الشخصية، إنّما تعمل على تنظيم السلوك العام في أماكن محدّدة، واصفاً احترام الخصوصية الثقافية بأنّه “حقّ إنساني عالمي” ويندرج من ضمن مفهوم “السياحة المسؤولة” والسعي إلى “سياحة مستدامة لا تستغل المجتمع بل تثريه”.
ووسط الجدال حول تعميم بلدية سوق وادي بردى، قال وزير السياحة السوري مازن الصالحاني لـ”العربي الجديد” إنّه “فُهم بطريقة غير دقيقة، وأُخرج عن سياقه الحقيقي”. وأوضح أنّ “المقصود لم يكن منع الحفلات بحدّ ذاتها، إنّما معالجة حالة محدّدة، جرى في خلالها تجاوز واضح في إحدى الحفلات التي أُقيمت من ضمن منطقة غير مرخّصة لمثل هذا النوع من الفعاليات”، متحدّثاً عن ممارسات وصفها بأنّها “تتعارض مع العادات والتقاليد الاجتماعية لأهالي المنطقة”.
أضاف وزير السياحي السوري أنّ “الانفعال الشعبي كان كبيراً جداً تجاه ما جرى، وهذا ما استدعى تدخّل الجهات المعنية وصدور القرار”. ولفت إلى أنّ “دور وزارة السياحة لا يقوم على المنع أو التضييق، بل على تنظيم هذه الأنشطة بطريقة فضلى، سواء لجهة اختيار الأماكن المناسبة أو توجيه المجموعات السياحية إلى الالتزام بالانضباط واحترام خصوصية كلّ منطقة وطبيعتها الاجتماعية”.
وأفاد الصالحاني بأنّ سورية “منفتحة على العالم وترحّب بجميع الزائرين، من مختلف الجنسيات والثقافات”، مشيراً إلى أنّ “هذا الانفتاح لا يتناقض مع ضرورة الحفاظ على العادات والتقاليد المحلية، ولا سيّما في المناطق ذات الطابع الاجتماعي المحافظ”. وتابع أنّ “تحقيق التوازن ما بين تنشيط السياحة واحترام الخصوصية المجتمعية يُعَدّ جزءاً أساسياً من مسؤولية وزارة السياحة”.
وعن تسجيل الفيديو الذي استدعى إصدار تعميم بلدية سوق وادي بردى، قال الصالحاني إنّه وصل إلى الوزارة، موضحاً أنّ الوزارة رفضت نشره أو تداوله، “لأنّ أحداً لا يمكنه أن يتقبّل ما حدث في تلك الحفلة، وما ظهر فيها من مجون تَمثّل بقلة الحياء”. وأكد أنّ “هذا القرار جاء انطلاقاً من رفض ما جرى، وفي الوقت نفسه من الحرص على عدم الإساءة أو التشهير، واحترام خصوصية الأشخاص الذين كانوا موجودين في المكان”.
في سياق متصل، نفى الصالحاني ما يُتداوَل عبر وسائل التواصل الاجتماعي حول فرض وجود “محرم” أو قيود على اختلاط بين الجنسَين في خلال زيارة بعض المناطق، مؤكداً أنّها “غير صحيحة على الإطلاق”. وأشار إلى أنّ “الجميع يذهب إلى المطاعم والمقاهي والأماكن العامة ويجلس فيها بحرية كاملة، ولا أحد يعترضهم أو يحدّ من حريتهم الشخصية”.
وشدّد وزير السياحة على أنّ “الأمور في سورية قائمة على التعايش، ولا نيّة لتقييد حرية أيّ شخص”، لافتاً إلى أنّ ما جرى “حالة فردية جرى تضخيمها”. وأكمل الصالحاني أنّ وزارته تعمل في المرحلة المقبلة لـ”تنظيم هذا النوع من الفعاليات بطريقة أكثر وضوحاً، بما يضمن بيئة سياحية منضبطة تحترم المجتمع المحلي، وفي الوقت نفسه تبقى منفتحة ومرحّبة بالجميع”.
في المقابل، رأى ناشطون ومراقبون أنّ التعميم، الذي انتقدوه، هو تعدّ على صلاحيات وزارة السياحة في سورية وقرار “من دون سند قانوني واضح”. وحذّروا من انعكاساته السلبية على النشاط السياحي في كل البلاد. كذلك رأى آخرون أنّ ما يجري يرسّخ سلطة محلية تفرض قيوداً دينية وأخلاقية من خارج إطار القانون، وسط تساؤلات عن حدود صلاحيات المسؤولين المحليين ودور الحكومة السورية في ضبط هذه القرارات.
يُذكر أنّ تعميم بلدية سوق وادي بردى أتى في سياق سلسلة قرارات مشابهة راحت تثير جدالاً واسعاً في الفترة الماضية، من بينها تعميم صادر عن محافظة حماة يُلزم المرافق العامة والخاصة، من مدرّجات ومطاعم وصالات، بعدم استقبال أو إقامة أيّ فعالية باستثناء ما خُصّص له المرفق المحدّد، إلا بعد إبراز موافقة خطية صادرة عن مكتب الفعاليات تحت طائلة مساءلة المخالفين.
العربي الجديد
————————————
==========================
==========================
مقالات تناولت التعيينات في الحكومة السورية
———————————
الدبلوماسية السورية: بين منطق الدولة ومنطق الولاء/ ميشال شمّاس
الأربعاء 2026/02/11
تدخل سوريا مرحلة دقيقة من إعادة بناء مؤسساتها بعد سنوات طويلة من التفكك والعزلة، وتبرز وزارة الخارجية بوصفها إحدى أكثر المؤسسات حساسية، لأنها الواجهة التي ستتقدم بها البلاد نحو العالم. غير أن التعيينات الدبلوماسية الأخيرة أثارت نقاشاً واسعاً، ليس بسبب الأشخاص الذين تم تعيينهم، بل بسبب الطريقة التي تمت بها، وما تكشفه من رؤية السلطة لطبيعة الدولة التي تريد تشكيلها في هذه المرحلة الانتقالية.
فالمشكلة لم تكن يوماً في أسماء المعيّنين، ولا في خلفياتهم الاجتماعية أو السياسية. لم يقل أحد إن فلاناً لا يستحق أن يكون في الصين أو إن آخر لا يليق به تمثيل سوريا في ألمانيا. الاعتراض الحقيقي كان على غياب أي آلية واضحة أو شفافة للتعيين. لم تُعلن مسابقة، لم تُحدَّد معايير، لم يُفتح باب الترشّح. ما جرى كان تعيينات مباشرة بلا إطار مؤسسي، في سابقة لا تنسجم مع أي نموذج إداري محترف، ولا مع خطاب سلطة تقول إنها تريد بناء دولة جديدة.
الدبلوماسية، في جوهرها، مهنة تقوم على تراكم الخبرة والمعرفة. لا تكفي الحماسة ولا الخلفية السياسية ولا السلوك الجيد، ولا يمكن اختصار المسار الدبلوماسي بدورات سريعة أو بقدرة على الخطابة. في الأعراف الدولية، يمرّ الدبلوماسي بمسار طويل داخل الوزارة وفي بعثاتها، يبدأ من الملحق وينتهي بالسفير، مروراً بدرجات متصاعدة تمنحه القدرة على إدارة الملفات الحساسة، وفهم البروتوكول، والتفاوض، وقراءة البيئة السياسية للبلد المضيف. القفز فوق هذا المسار، وتعيين أشخاص بلا خبرة في مواقع قيادية، يعني عملياً إلغاء الفكرة الأساسية بأن الدبلوماسية اختصاص لا يُعوَّض بالنيات الطيبة.
حين تُدار الخارجية بمنطق “أهل البيت”
لكن الإشكال لا يقف عند حدود الخبرة. فطريقة إدارة الملف الدبلوماسي نفسها تكشف عن منطق مختلف عن منطق الدولة. حين تُدار وزارة الخارجية من قبل أشخاص لم يعملوا يوماً في السلك الدبلوماسي، يصبح معيار الكفاءة ثانوياً، ويحلّ محله معيار الثقة الشخصية والولاء التنظيمي والقرابة. في مثل هذا السياق، لا يعود السؤال: من هو الأقدر على إدارة سفارة معقّدة مثل برلين أو واشنطن؟ بل يصبح: من هو الأقرب ولاءً إلى السلطة؟ وهكذا تتحول الوزارة إلى فضاء مغلق، يُستبعَد فيه أصحاب الخبرة لأن وجودهم يحرج من يدير الوزارة، في حين يُفضَّل الأقل خبرة لأنهم أكثر قابلية للضبط والسيطرة.
ويزداد المشهد تعقيداً حين تمارس الوزارة أدواراً ليست من اختصاصها أصلاً، عبر “الأمانة العامة للشؤون السياسية” التي أنشأها الوزير الشيباني في آذار العام الماضي ومنحها سلطة التدخل في النشاطات السياسية والثقافية والنقابية داخل البلاد، من دون أي سند قانوني أو دستوري. فحين تنشغل الوزارة بأدوار سياسية وثقافية ونقابية داخلية لا تمتّ لعملها الدبلوماسي بصلة، يتراجع الاهتمام بالملفات الخارجية، وتضعف القدرة على بناء جهاز محترف قادر على تمثيل سوريا في العالم.
تعيين أبناء المسؤولين… بين القرابة وتضارب المصالح
وتزداد الشبهات حين تتكرر ظاهرة تعيين أبناء المسؤولين في مواقع دبلوماسية حساسة، خارج أي مسار مهني أو منافسة شفافة. الانتماء العائلي ليس تهمة، ومن الطبيعي أن تضم العائلات السورية كفاءات عديدة، لكن حين يُعيَّن ابن وزير مباشرة في منصب سفير أو قائم بالأعمال، ينتقل الأمر من “القرابة الطبيعية” إلى تضارب المصالح وتوريث النفوذ.
إن استمرار هذه الممارسات ستكون له آثار عميقة على السياسة الخارجية السورية: ضعف في التفاوض مع الدول الكبرى، وارتباك في إدارة الملفات الحساسة، وفقدان ثقة العواصم المؤثرة، وشعور بالإقصاء لدى شرائح واسعة من السوريين، وتغذية الانقسام داخل النخب. الأخطر من ذلك أنه يرسّخ انطباعاً بأن السلطة تُدار بعقلية الفصيل لا الدولة، وأن المؤسسات تُبنى على الولاء لا على الكفاءة.
في موازاة ذلك، يبرز سؤال مشروع طرحه كثير من السوريين: لماذا تم تجاهل الدبلوماسيين المنشقين؟ فهؤلاء يملكون خبرة تمتد لعقود، وتمرّسوا في إدارة السفارات، ويدركون تفاصيل العمل الدبلوماسي، ودفع بعضهم ثمن انشقاقه غالياً. معظهم لبى دعوة الوزارة للعودة والعمل فيها، وتركوا أعمالهم في بلدان اللجوء، ودخلوا إلى مبنى الخارجية على أمل أن يكونوا جزءاً من عملية إعادة البناء. لكنهم وجدوا أنفسهم بلا مهمة حقيقية، بعد انتظار امتد لأشهر من دون أي تكليف، المهمة الوحيدة التي كلفوا بها هي التقاط صورة جماعية مع وزير الخارجية أراد من خلالها القول إن “الجميع عاد”، فيما لم يتعدَّ وجودهم الفعلي داخل الوزارة حدود تلك الصورة. وفي المقابل، جرى الدفع بأشخاص بلا مسار مهني إلى مواقع قيادية، في مفارقة لا توحي بوجود رؤية مؤسسية، بل برغبة في تشكيل جهاز خارجي يقوم على الولاء والانتماء الضيق، لا على الكفاءة والخبرة.
يقول البعض إننا “دولة ناشئة” لا تملك ترف انتظار خمس سنوات أو أكثر لتخريج جيل جديد من الدبلوماسيين، وإن الضرورات تفرض تعيين من هو متاح اليوم ولو لم يمرّ بالمسار المهني الطبيعي. لكن تجارب دول خرجت من أنظمة عنصرية أو شمولية، من جنوب أفريقيا بعد الفصل العنصري إلى دول أوروبا الشرقية بعد الشيوعية، أظهرت أن الطريق ليس في حرق المراحل أو تجاوز الخبرة، بل في بناء نموذج مهني مختلط يقوم على:
– الاستفادة القصوى من الكفاءات الموجودة، بما فيها الدبلوماسيون المنشقون الذين أثبتوا استقلاليتهم ودفعوا أثماناً شخصية وسياسية.
– فتح مسار واضح لتدريب جيل جديد يبدأ من الداخل، من العمل في الإدارات والبعثات الصغيرة، لا من القمة.
– إنشاء معهد دبلوماسي جدي يقدم تدريباً حقيقياً، نظرياً وعملياً، لا دورات شكلية للاستهلاك الإعلامي.
– تدرّج وظيفي ملزِم يربط كل منصب بخبرة محددة ومسار سابق، بحيث لا يُقفز مباشرة إلى المواقع القيادية من دون رصيد مهني.
إن ما تحتاجه سوريا اليوم، هو إعادة تعريف وظيفة الدبلوماسية في مشروع الدولة الجديدة. فالدول تُبنى بمؤسسات مهنية قادرة على تمثيل مصالحها في عالم شديد التعقيد والتنافس. وإذا كانت السلطة جادة في فتح صفحة جديدة، فإن أول اختبار حقيقي على صدقية هذا الادعاء هو طريقة بناء الجهاز الدبلوماسي: هل يُبنى بمعايير مهنية شفافة، أم يُعاد تشكيله بمنطق الولاء؟ فالدبلوماسية هي مرآة الدولة أمام العالم، وأي خلل فيها سينعكس فوراً على صورتها ومكانتها، في ساحة لا يمكن فيها إخفاء العيوب ولا تجميلها بالشعارات.
المدن
———————————-
التعيينات الثقافية في المرحلة الانتقالية.. سؤال الكفاءة أم سؤال الدولة؟/ علي سفر
2026.02.10
بقيت الثقافة في سوريا دهراً كاملاً بعيدة عن أن تكون مجالاً محايداً أو فضاءً مستقلاً، فقد شكّلت على الدوام ساحة صراع مفتوح بين وجهتين متناقضتين: ثقافة تسعى إلى الحرية بكونها فعلاً نقدياً وحقاً إنسانياً، وأخرى كرّسها الاستبداد باعتبارها أداة ضبط وتجميل وإعادة إنتاج للسلطة. ومنذ عقود، جرى التعامل مع الثقافة الرسمية كامتدادٍ للسياسة، لا بوصفها مجالاً قادراً على مساءلتها أو الوقوف على مسافة منها.
ضمن هذا السياق، كانت المؤسسات التابعة لوزارة الثقافة مجرد هياكل إدارية، وفضاءات مشحونة دائماً بأسئلة الخلفيات السياسية والأمنية لإداراتها، ومدى قرب القائمين عليها من مراكز القوة والنفوذ. وغالباً ما خضعت الوظائف الكبرى فيها لمنطق الولاء والمحسوبيات أكثر من خضوعها لمعايير الكفاءة أو الرؤية الفنية.
ومع اندلاع الثورة السورية، لم تُعلّق هذه الإشكاليات، بل تكرّست وتعمّقت، إذ تحولت المؤسسات الثقافية إلى ساحات كشف واختبار تأييد القائمين عليها بشكل مطلق للنظام الأسدي، واتسعت الفجوة بين ثقافة رسمية مؤيدة أو مبرّرة للعنف، وثقافة أخرى هامشية أو منفية، حاولت أن تحافظ على معنى الحرية في أكثر اللحظات قسوة.
من هنا، فإن أي قراءة للتعيينات الثقافية التي جرت بعد سقوط النظام البائد بمعزل عن هذا التاريخ الطويل من التسييس والتشظي، أو اعتبارها مسألة إدارية معزولة، تبدو غير واقعية، فهي حلقة جديدة في صراع مستمر حول معنى الثقافة، ودورها، ومن يملك حق تمثيلها في مرحلة انتقالية لم تُحسم ملامحها بعد.
في هذا الإطار، أقدمت الوزارة وبقرارات من الوزير محمد ياسين صالح على تعيين عدد من الأسماء الفنية المعروفة في مواقع قيادية للمؤسسات، من بينها تعيين الفنان جهاد عبدو مديراً عاماً للمؤسسة العامة للسينما، والممثل والمخرج غطفان غنّوم عميداً للمعهد العالي للفنون المسرحية، والممثل نوار بلبل مديراً لمديرية المسارح والموسيقى. وقد جرت هذه الخطوات في لحظة مشحونة بتوقعات عالية، إذ ساد تعويل واسع على أن سقوط النظام سيقود فوراً إلى نهوض المشهد الثقافي الذي تسيطر عليه الدولة، وأن من سيتولى إدارة المديريات الفاعلة سيحظون بقدر من التوافق بين أطياف مختلفة، أي من المعارضين، والرماديين، وحتى أولئك الذين التزموا الصمت خلال سنوات الثورة.
من هنا، يظهر أن الجدل لم يأتِ فقط من طبيعة الأسماء المختارة، وإنما من اصطدام هذه التكليفات بتلك التوقعات، وبما حمله توقيتها من دلالات سياسية ومؤسسية.
الاعتراض جاء من جهتين أساسيتين: الأولى، شخصيات عملت داخل هذه المؤسسات طوال سنوات الحرب، لم تكن منخرطة في المعارضة العلنية للنظام، لكنها تعتبر نفسها قد حافظت على ما تبقى من البنية المؤسسية، وترى أن لها أحقية أخلاقية أو مهنية في إدارة هذه المرحلة. والثانية، أطراف منافسة ترى في هذه التعيينات إقصاءً أو تجاوزاً لمبدأ الكفاءة والخبرة الأكاديمية والإدارية.
غير أن اختزال النقاش في سؤال “الكفاءة” وحده يبدو مضللاً. ففي المراحل الانتقالية، لا تقوم القرارات العامة فقط على معايير مهنية بحتة، بل على اعتبارات رمزية وسياسية تهدف إلى كسب ثقة جمهور واسع، هو حشد الثائرين المنتصرين أو المتضررين من النظام السابق. ومن الصعب تصور إدارة ثقافية تحظى بقبول هذا الجمع من دون أن تضم أسماء كانت واضحة الموقف في رفض النظام البائد.
في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن المؤسسات الثقافية السورية لم تكن يوماً خلال أكثر من نصف قرن محايدة أو سليمة، بل كانت، في جوهرها، أدوات سياسية تعاني من ترهل إداري وخلل بنيوي عميق. وعليه، فإن تصوير الأحوال الراهنة كأنها بداية الانهيار هو تجاهل لحقيقة أن هذا الوضع سابق ومستمر.
ومن جهة أخرى، لا يمكن المراهنة على أفراد، مهما كانت نياتهم، لإنقاذ مؤسسات بهذا الحجم من الدمار. فلا جهاد عبدو يستطيع إنقاذ السينما السورية، ولا غطفان غنّوم قادر وحده على إصلاح المعهد العالي، ولا نوار بلبل قادر على انتشال المسرح السوري. والدور الممكن حالياً لهؤلاء يقتصر على إدارة الشؤون اليومية ومحاولة وضع تصورات أولية وخطط انتقالية، لا أكثر؛ لا لعجز في قدراتهم، بل لأن السياق نفسه، أي المرحلة الانتقالية، تتركز على شؤون الحياة اليومية واستعادة البلد من خرابه الكبير، من دون إهمال الضروري والملح في الشؤون الأخرى.
الإشكال الأكبر اليوم لا يتمثل في إصلاح الوضع الثقافي بحد ذاته، وإنما في قدرة الدولة على خلق بيئة جاذبة للسوريين، داخل البلاد وخارجها، للمشاركة الفعلية في إعادة البناء الثقافي من دون حسابات صغيرة، وفي تأمين الحد الأدنى من الميزانيات الضرورية لانطلاق أي مشروع جاد.
ورغم أن بعضهم يستخف بما نشهده حالياً من توجه واضح نحو المظاهر الاحتفالية: إعادة افتتاح المعارض، تنظيم فعاليات كبرى، عرض أفلام كانت ممنوعة، ومحاولات استعادة حضور دار الأوبرا، إلا أن هذه الخطوات ذات قيمة رمزية كبيرة، لكنها في الوقت ذاته، غير قابلة للاستمرار ما لم تُدعَم برؤية طويلة الأمد، وخطط واضحة، وإرادة سياسية ومالية حقيقية.
في المحصلة، لا ينبغي تحويل هذه التعيينات إلى معركة كسر عظم مبكرة، ولا إلى إدانة استباقية للتجربة الانتقالية. الأهم هو الاعتراف بأننا في مرحلة “كومون” ضرورية: مرحلة تحضير، قراءة، وتجميع معطيات، لا مرحلة إنجازات كبرى. وبالتأكيد فإن كل حكم نهائي بالفشل قبل انقضاء هذه المرحلة، سيكون أقرب إلى تصفية حساب منه إلى نقد مسؤول.
تلفزيون سوريا
—————————–
توظيف الأقارب في سوريا الجديدة.. هل يؤسس بيئة للفساد؟/ حسن إبراهيم
2 فبراير ,2026
أجرت الإدارة السورية الجديدة خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، سلسلة تعيينات في المناصب الحكومية بعضها تربطها دوائر قرابة ومصاهرة وعلاقات اجتماعية متداخلة، وتكررت عبر مستويات مختلفة من الإدارة، بدءًا من أعلى هرم السلطة ممثلًا بالرئيس أحمد الشرع، وصولًا إلى هياكل ومؤسسات متعددة.
جاءت هذه التعيينات في سياق سياسي وإداري جديد تشكّل عقب إنهاء 53 عامًا من حكم عائلة الأسد، بعد معركة “ردع العدوان” التي قادتها فصائل عسكرية كان في مقدمتها “هيئة تحرير الشام”، لتدخل البلاد مرحلة انتقالية بإدارة سياسية مختلفة تشكّلت نواتها من كوادر كانت تدير الحكم في إدلب ضمن حكومة “الإنقاذ” و”هيئة تحرير الشام”.
تولى الرئيس أحمد الشرع إدارة هذه المرحلة، حيث جرى تشكيل حكومة تصريف أعمال لمدة ثلاثة أشهر، قبل الإعلان عن حكومة مؤلفة من 23 وزيرًا، في مرحلة توصف بحساسيتها العالية نظرًا للإرث الإداري والاقتصادي المتراكم، وواقع المؤسسات التي عملت لعقود في بيئة اتسمت بهشاشة الحوكمة وتفشي الفساد.
ويستمر هذا النمط من التعيينات في مواقع حكومية مختلفة، من دون الإعلان عن آليات واضحة أو معايير محددة تحكمها، وجرى الكشف عن بعضها من خلال صور نُشرت لشخصيات خلال زيارات رسمية، أو عبر تدوينات مباركة وتهنئة نشرها أفراد على وسائل التواصل الاجتماعي، أو ما تسرَّب عبر الإعلام غير الرسمي.
يسلّط هذا التقرير الضوء على عدد من حالات تعيين الأقرباء في المناصب الحكومية، دون اعتبار أن صلة القرابة دليل فساد، ويستعرض الأسباب وتأثير هذه التعيينات على احتمالية تفشي المحسوبية، وقانونيتها، والمخاطر المحتملة في حال تفضيل القرابة على الكفاءة.
من الرئاسة إلى مجلس المدينة
بعد أن شغل منصب القائم بأعمال وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال، تولى ماهر الشرع (53 عامًا)، شقيق الرئيس، منصب الأمانة العامة للرئاسة في أبريل/نيسان 2025، من دون إعلان رسمي. وكان ماهر الشرع قد شغل سابقًا منصب مستشار وزير الصحة في حكومة “الإنقاذ” بإدلب، التي وصل إليها عام 2022، وأثار وجوده حينها جدلًا على اعتبار أنه يخالف قرارات “الإنقاذ”، إذ كان يعمل في مناطق سيطرة النظام السوري المخلوع حتى عام 2020.
ويعد ماهر الشرع طبيبًا متخصصًا في الجراحة النسائية وعلاج العقم والإخصاب وجراحة الأورام، وحاصل على الدكتوراه في العلوم الطبية، ودبلوم في إدارة النظم الصحية.
أما الشقيق الآخر للرئيس، حازم الشرع (51 عامًا)، فكان حاضرًا خلال أول زيارات أحمد الشرع الرسمية الخارجية إلى السعودية وتركيا في فبراير/شباط 2025، من دون أي إعلان عن منصب حكومي، وتتابع الكشف لاحقًا عن حضوره ومنصبه على النحو التالي:
في 24 يوليو/تموز 2025، كشف تحقيق لوكالة “رويترز” أن حازم الشرع هو الشخص الذي يشرف سرًا على إعادة هيكلة الاقتصاد في سوريا، إذ يشرف على صفقات تهدف إلى السيطرة على شركات كبرى، وفك رموز الإرث الاقتصادي من حقبة الأسد، والاستحواذ على حصص في شركات، ومصادرة أموال نقدية تتجاوز قيمتها 1.6 مليار دولار أميركي من رجال أعمال وشركات تابعة لتكتل كان يسيطر عليه سابقًا مقربون من نظام الأسد.
في 5 ديسمبر/كانون الأول 2025، ظهر حازم الشرع في صورة إلى جانب المدير العام لصندوق التنمية السوري صفوت رسلان، والمدير العام لهيئة الاستثمار السورية طلال الهلالي، داخل طائرة خلال رحلة إلى السعودية.
في 15 ديسمبر/كانون الأول 2025، عرّفت “رابطة رجال الأعمال القطريين” حازم الشرع بأنه نائب رئيس المجلس الأعلى للتنمية الاقتصادية في سوريا، في أول تحديد علني لمنصبه يصدر عن جهة غير سورية.
وكان المجلس قد أُحدث بموجب المرسوم رقم “115” لعام 2025، ويرأسه الرئيس أحمد الشرع، ويضم في عضويته 16 عضوًا، من بينهم ثمانية وزراء، ويهدف، وفق نص المرسوم، إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتنشيطه وتطويره، وإنشاء خارطة اقتصادية، وإقرار الاستراتيجيات والخطط العامة المتعلقة بالاستثمار.
ويحمل حازم الشرع شهادة الدكتوراة في العلوم الاقتصادية والقانونية من “الجامعة المصرية الأميركية الدولية”، إلى جانب درجة الماجستير في القانون من الجامعة نفسها، وبكالوريوس في الحقوق من جامعة “دمشق”.
وبعد أيام من سقوط نظام بشار الأسد، جرى تعيين ماهر محمد مروان إدلبي محافظًا للعاصمة دمشق، وهو من أبناء المدينة، وزوج شقيقة زوجة الرئيس أحمد الشرع (وفق العرف السوري يُسمى “عديله“)، وشغل مناصب في حكومة “الإنقاذ” بإدلب، منها عضو في مجلس القضاء الأعلى، ونائب وزير الأوقاف، ورئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للزكاة.
من هو محافظ دمشق؟
وفي سبتمبر/أيلول 2025، جرى تعيين أيمن أبو قصرة، شقيق وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، مديرًا لمعبر “جرابلس” الحدودي مع تركيا من جهة ريف حلب الشمالي الشرقي، من دون صدور أي إعلان رسمي عن القرار من إدارة المعبر أو الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، ولا تقديم سيرة ذاتية تعريفية به، فيما أشار إعلاميون وناشطون إلى أن خلفيته المهنية السابقة في مختبر للتحليلات الطبية بأحد مستشفيات ريف حلب الغربي تختلف عن طبيعة مهام المنصب الحالي.
وإلى جانب عمله مستشارًا لوزير الاتصالات وتقانة المعلومات لشؤون الروبوتيك والأنظمة الذكية في سوريا، تم تعيين المهندس عبد الله العلبي رئيسًا لمجلس إدارة المصرف الصناعي السوري، في يناير/كانون الثاني 2026، وهو شقيق مندوب سوريا في الأمم المتحدة، إبراهيم العلبي.
عبد الله العلبي حاصل على ماجستير تنفيذي في إدارة الأعمال من “الجامعة الأميركية في الشارقة”، إلى جانب شهادة في هندسة البرمجيات من الجامعة نفسها، وقد أسس عددًا من الشركات، من بينها شركة “توليب” في الرياض.
أما منصب مدير المؤسسة العربية للإعلان، فيشغله رأفت حسن ويُعرَف في المعاملات الرسمية باسمه من دون استخدام كنية الشيباني، وهو شقيق وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني، وفق ما أوردته منصة “شارع”، في ظل محدودية المعلومات المتاحة عنه، إذ يقتصر ظهوره العلني على صورة واحدة تعود إلى 7 يوليو/تموز 2025، نشرتها المؤسسة القطرية للإعلام خلال زيارته لها في الدوحة.
ولم يتمكن “نون بوست” من التحقق من مصادر أخرى بشأن صلة القرابة، مع اقتصار حضور رأفت حسن على اسمه الوارد في تعميمات وقرارات المؤسسة، في حين أشارت جمعية حماية الآثار السورية، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، إلى مشاركة رأفت الشيباني، بوصفه شقيق وزير الخارجية، ضمن وفد رسمي للمديرية العامة للآثار والمتاحف إلى مؤتمرين في لوزان ونابولي، رغم عدم كونه من ملاك المديرية أو من المختصين في شؤون الآثار، وذلك في سياق حديث الجمعية عن محسوبيات وسوء إدارة في هذا الملف.
وبعد سقوط نظام بشار الأسد، تنقّل محمد براء شكري، نجل وزير الأوقاف السوري محمد أبو الخير شكري، بين عدة مناصب في وزارة الخارجية، بدأت بتعيينه مديرًا للإدارة القنصلية والمغتربين في يناير/كانون الثاني 2025، قبل أن يُعلن في 28 مايو/أيار 2025 تعيينه مديرًا لإدارة الشؤون الأوروبية ضمن لائحة تعيينات رسمية، ثم تعيينه في 28 يناير/كانون الثاني 2026، قائمًا بأعمال السفارة السورية في برلين.
تكليفات الإدارات والمكاتب في وزارة الخارجية والمغتربين pic.twitter.com/0GTjw4tjH5
— وزارة الخارجية والمغتربين السورية (@syrianmofaex) May 28, 2025
وحصل محمد براء شكري على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة “صباح الدين زعيم” في تركيا عام 2019، ثم نال درجة الماجستير في التخصص نفسه من الجامعة ذاتها عام 2022.
وبموجب المرسوم رقم “20” لعام 2025، القاضي بتشكيل “الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية”، عُيّن عبد الباسط عبد اللطيف رئيسًا لها، في 17 مايو/أيار 2025، وهو ابن عم وزير العدل السوري مظهر الويس، ويَرِد اسمه في التعريفات والمصادر المتاحة من دون اقترانه بكنية الويس، وقد شغل سابقًا عدة مناصب، من بينها منصب الأمين العام السابق للائتلاف الوطني السوري المعارض، وهو حاصل على إجازة في الحقوق من جامعة حلب عام 1986.
ويقول صحفي من دير الزور لـ”نون بوست” إن هناك عدة مناصب حكومية تشغلها شخصيات من دير الزور تربطها صلة قرابة، إلا أن هذا الأمر “لا يثير غضبًا أو حساسية كبيرة”، خاصة عند الأخذ بعين الاعتبار خبرة الشخص أو تاريخه الثوري وكفاءته. وفي الوقت نفسه، توجد انتقادات متباينة بين من يطالب بعدم وجود صلات قرابة خشية انتشار “الواسطة والمحسوبية”، وبين من يثق بأبناء المدينة وقدرتهم على العمل، خاصة بعد تجربتهم في ظروف قاسية خلال السنوات الماضية.
ومن الأمثلة، يشير الصحفي إلى أن خليل عبد المنعم الأيوب يشغل منصب مدير منطقة الميادين، ويحمل شهادة إدارية في التطوير المهني من جامعة “إدلب”، فيما يشغل ابن عمه يعقوب الأحمد الأيوب منصب رئيس مجلس المدينة، كما أن رئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة هو ابن خالة مدير الشؤون الخارجية في وزارة الخارجية، يوسف الهجر. ولم يتمكن “نون بوست” من التحقق من هذه المعلومة عبر مصدر آخر.
وفي محافظة درعا، يحضر جعفر وصهيب، نجلا المحافظ أنور الزعبي، إلى جانب والدهما في عدد من الاجتماعات واللقاءات الرسمية، بما في ذلك جلسات تُعقد داخل مبنى المحافظة، ولا يشغل أيٌّ منهما منصبًا رسميًا أو صفة معلنة ضمن مديرية الإعلام أو مجلس المحافظة، إلا أن وجودهما يتكرر في معظم نشاطات المحافظ ذات الطابع الرسمي، وفق ما أكده صحفي من مدينة درعا لـ”نون بوست”.
وفي أبريل/نيسان 2025، تداول ناشطون وصفحات تواصل محلية تسجيلًا مصوّرًا يُظهر جعفر الزعبي وهو يمنع أحد المواطنين من تصوير لقاء جمع المحافظ بعدد من الأهالي، رغم وجود أشخاص آخرين كانوا يصوّرون في الموقع نفسه. ويُظهر التسجيل قيام جعفر بحجب الكاميرا بيده، وقوله إن التصوير ممنوع، وتقديم نفسه على أنه “إعلامي المحافظة”، ما خلق حالة من الغضب والاستنكار.
وفي سياق متصل، شغل المحامي عبد المنعم فالح الخليل منصب الشؤون الصحفية والإعلامية في مديرية الإعلام بمحافظة درعا، فيما عمل ابنه ضمن أحد مكاتب المديرية نفسها. ولاحقًا، جرى تعيين عبد المنعم رئيسًا لمديرية الشّؤون القانونية في مجلس المحافظة، بينما واصل ابنه عمله في مديرية الإعلام، دون وجود آلية واضحة للتعيينات أو المعايير المعتمدة للفصل بين القرابة والموقع الوظيفي داخل المؤسستين.
ضعف حوكمة واعتبارات المرحلة الانتقالية
اتخذت الإدارة السورية الجديدة عدة إجراءات مبكرة لمحاولة مكافحة الفساد، بدأتها حين أعلن وزير المالية خلال فترة حكومة تصريف الأعمال أن 900 ألف موظف فقط من أصل مليون و300 ألف موظف حكومي يعملون بشكل فعلي، بينما يوجد 400 ألف موظف يُصنفون على أنهم “موظفون أشباح”، وأبعدت عشرات الآلاف عن وظائفهم لحين دراسة وضعهم.
وفي فبراير/شباط 2025، قال الرئيس أحمد الشرع إنه يحاول تجنيب سوريا حالة المحاصصة في المناصب، وإن الكفاءة ستكون المعيار في التعيينات، قبل أن يصدر في مايو/أيار المرسوم رقم “45“، الذي ينظم آلية شغل الوظائف القيادية ضمن مستوى الإدارة التنفيذية، محددًا معايير الترشيح وآليات تقييم الأداء، بما يهدف إلى ترسيخ مبدأ الجدارة والكفاءة ورفع مستوى الأداء المؤسسي وضمان الاستقرار الوظيفي في الجهات العامة.
كما دعا الرئيس المسؤولين إلى الكشف عن استثماراتهم ومنعهم من الانخراط في مشاريع خاصة أو علاقات تجارية مع رجال الأعمال، مؤكدًا عدم الرغبة في تكرار الممارسات السابقة في عهد الأسد.
وتعلن مؤسسات مثل الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ووزارات الإعلام والخارجية عن شواغر وظيفية عبر روابط تتضمن المسمى الوظيفي والشروط المطلوبة، مع تعبئة المتقدم معلوماته الشخصية وخبراته ومؤهلاته، كما تنشر وزارة التنمية الإدارية بشكل دوري فرص العمل في الجهات العامة، متضمنة شروط التقديم ومعايير المفاضلة بين المتقدمين.
مقابلة خاصة مع الرئيس السوري أحمد الشرع
ورصد “نون بوست” حالة مختلفة في معبر “باب الهوى” الحدودي مع تركيا من جهة إدلب، إذ اضطر مخلّص جمركي إلى الاختيار بين الاستمرار في عمله أو بقاء ابنه في المعبر، لكونهما يعملان في الموقع نفسه، فاختار الأب الاستمرار، بينما ترك الابن العمل، وفق قواعد الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية التي تمنع وجود شخصين تجمعهما قرابة عائلية في الموقع ذاته.
وتواصل “نون بوست” مع مدير العلاقات في هيئة المنافذ، مازن علوش، للاستفسار عن أبرز المعايير المعتمدة لتعيين الموظفين، وعددهم يتجاوز عشرة آلاف موظف، ومدى اعتماد الهيئة معايير متعلقة بوجود صلة قرابة بين الموظفين، إلا أن الرد لم يصل حتى لحظة نشر التقرير.
كما حاول “نون بوست” الحصول على توضيحات من المكتب الإعلامي لوزارة التنمية الإدارية حول آليات التعيين وأبرز المعايير المعتمدة لملء شواغر الوظائف، ووجود أي ضوابط تتعلق بالقرابة بين الموظفين في نفس المؤسسة أو المديرية، دون أن يصل أي رد رسمي.
ورغم الإجراءات المعلنة لتعزيز الشفافية والكفاءة، لا تزال بعض التعيينات في المناصب الحكومية محط انتقاد، سواء لأسباب تتعلق بالكفاءة أو لتلك التي أثارت جدلًا أكبر بسبب ارتباطها بصلة القرابة، كما أبرزت أحدث التسريبات غير الرسمية للقائمين بالأعمال في السفارات السورية، شملت محمد براء شكري في ألمانيا، ومحمد قناطري في الولايات المتحدة، ومحسن مهباش في السعودية، ومحمد الأحمد في مصر، وإياد هزاع في لبنان، وزكريا لبابيدي في الصين، وأشهد صليبي مديرًا لإدارة “أفرو-آسيا”.
ويعزو الباحث المتخصص في الاقتصاد السياسي والإدارة المحلية، أيمن الدسوقي، اللجوء إلى نمط التعيينات القائمة على دوائر القرابة والروابط الاجتماعية إلى ضعف الحوكمة والإطار القانوني الناظم للتعيينات في مؤسسات الدولة خلال المرحلة الانتقالية، في ظل غياب تقاليد مؤسساتية راسخة، وعدم وجود إطار قانوني نافذ يعالج هذه الظاهرة.
ويقول الدسوقي، في حديثه لـ”نون بوست”، إن طبيعة المرحلة الانتقالية نفسها وضروراتها تُعد سببًا آخر لذلك، لا سيما من حيث السعي إلى الحفاظ على أمن واستقرار السلطة وفق قاعدتي الانسجام والولاء، فضلًا عن الإرث السائد في الثقافة السورية في التعامل مع الشأن العام وفق منطق العلاقات الشخصية والروابط الاجتماعية.
ويعتقد الباحث أن العديد من الشخصيات التي أُنيط بها مناصب في المؤسسات العامة تمتلك الكفاءات اللازمة لشغل هذه المناصب، إلا أن نقص الشفافية في عملية التعيينات، سواء من حيث الإجراءات الواجب اتباعها أو المعايير المطلوبة أو الإطار الزمني، يجعل هذه الأخبار مثار نقاش وتساؤل لدى السوريين.
ويشير إلى أن تلافي هذه المشكلة يستلزم ضبط عملية التعيين ضمن إطار مؤسساتي وقانوني واضح، مع إقرار إجراءات معلنة وإتاحة حق التظلم عند وجود مخالفات، مضيفًا أن لدى السوريين ذاكرة سلبية تجاه منطق القرابة والمحسوبيات على حساب الكفاءات، أدت إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات العامة، باعتبارها انعكاسًا لمصالح شخصية أكثر من كونها خدمة للمصلحة العامة، معتبرًا أنها نقطة في غاية الأهمية ولها أثر سلبي على الاستقرار وعلى إعادة الإعمار.
“لا مخالفة قانونية”.. بانتظار “البرلمان” لمساءلة فعّالة
ذكرت أكثر من ثمانية مصادر صحفية وإدارية حكومية متقاطعة لـ”نون بوست” حصول عملية “تزكية” للحصول على بعض المناصب أو ملء الشاغر الوظيفي، بالاستناد إلى معرفة سابقة بطبيعة مهارات الشخص والقدرة على الإنجاز وخبرته المكتسبة خلال سنوات الثورة.
ويطرح اللجوء إلى “التزكية” أو تعيين الأقارب، خاصة عند الكشف عن الأمر عبر تسريبات غير رسمية، تساؤلات حول الوضع القانوني لهذه التعيينات، لا سيما في مرحلة انتقالية تهدف إلى تأسيس دولة قانون ومؤسسات، مع تأكيدات رسمية متكررة على ضرورة الانتقال من العمل الثوري إلى بناء الدولة وإرساء أسس الحوكمة والعدالة لضمان مستقبل سوريا.
ويقول الباحث والدكتور في القانون العام أحمد قربي إن آليات التعيين في المرحلة الانتقالية تتجاوز الأطر القانونية السابقة، نظرًا لوجود مبدأ استمرارية مؤسسات الدولة بعد إسقاط نظام بشار الأسد، قائلًا إن بعض القوانين أصبحت “ساقطة وملغاة ضمنيًا” وفق الاجتهاد القانوني.
ويشير قربي في حديثه لـ”نون بوست” إلى أن التعيينات الأخيرة في وزارة الخارجية لا تتوافق مع الأطر القانونية السابقة (في عهد الأسد)، إذ لا يمكن القبول بالأطر نفسها، لكنه يوضح أن التعيينات لا تشكل أي مخالفة قانونية في السياق الحالي، إذ تُعتبر القوانين التي تتناقض مع أهداف الثورة ملغاة ضمنًا، مضيفًا أن الرأي القانوني يرى أن الثورات تسقط النصوص الدستورية، بينما تبقى التشريعات سارية ما لم تتناقض مع الهدف الأساسي للثورة.
ويرى قربي أن “الثقة” تمثل معيارًا أساسيًا في التعيينات خلال المرحلة الحالية، وهو أمر متوقع عند وصول أي شخص إلى الحكم، حيث من الطبيعي أن يجلب الكادر الذي يثق به، لكن بعد مرور سنة على سقوط نظام الأسد يجب أن يقترن معيار الثقة بالكفاءة، وهو أمرٌ يُترك لتقدير الحكومة.
ويضيف أن من حق السوريين نقد التعيينات الأخيرة ومساءلة الحكومة عنها في الفضاء العام، وهو حق كفله “الإعلان الدستوري”، كما من حق السلطة أن تختار من تراه مناسبًا، بما يوازن بين حقوق الرأي العام وحق الحكومة في التعيين.
ويؤكد قربي أن تسريب التعيينات عبر الإعلام ليس بالمسألة الجوهرية طالما أن الشخص مستوفٍ للشروط ويملك الحد الأدنى من الكفاءة، مشيرًا إلى أن مساءلة الحكومة تصبح أكثر فاعلية بعد تشكيل مجلس الشعب، وما يفرزه من إجراءات مساءلة وعقد جلسات استماع وربما تشكيل لجان تحقيق فيما يتعلق ببعض القرارات ومنها التعيينات.
نون بوست
————————–
سوريا تُدار بعقلية جبهة النصرة وليست بعقلية الدولة/ عبد القادر العبيد
يبدو أن السلطة الجديدة في سوريا لم تنجح بعد في الانتقال من عقلية الفصيل إلى عقلية الدولة. هذه الإشكالية ليست تفصيلًا إداريًا، بل مسألة بنيوية تمس جوهر بناء الدولة ومستقبلها. فالدولة لا تُدار بعلاقات الولاء، ولا تُبنى بعقلية الغلبة، بل تقوم على القانون، والمؤسسات، والكفاءة.
في الأيام الأولى لما سُمّي بتحرير سوريا، صرّح الرئيس الشرع بوضوح أن المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة دولة لا مرحلة ثورة. هذا الكلام لاقى ترحيبًا واسعًا. لكن المفارقة أن كثيرًا من السوريين باتوا اليوم يحنّون إلى عقلية الثورة الأولى، لا لأنها كانت مثالية، بل لأنها رفعت شعارًا جامعًا. شعار يقول إن الشعب السوري واحد، وإن الانتماء للوطن يسبق أي انتماء آخر.
ما يجري اليوم على الأرض يناقض هذا الخطاب. التعيينات في مؤسسات الدولة تعكس إصرارًا واضحًا على إدارة البلاد بعقلية الفصيل. معظم الوزارات يقودها أشخاص محسوبون على فصيل واحد بعينه. وجود عدد محدود من وزراء من طوائف أخرى لم يغيّر الصورة. بل بدا وكأنه محاولة تجميل شكلية لا أكثر.
الأخطر من ذلك أن بعض هذه الوزارات لم تُترك لإدارتها القانونية الطبيعية. تم إدخال ما يسمى بالمكتب السياسي داخلها. هذا المكتب يقوده شيخ تابع لهيئة تحرير الشام. هو من يقرر. الوزير يصبح واجهة. القرار لا يصدر عن المؤسسة، بل عن الفصيل. هنا تنتفي فكرة الدولة من أساسها.
لم يتوقف الأمر عند الوزارات. المدراء العامون. المدراء الفرعيون. النقابات. مسؤولو العلاقات العامة. أغلبهم يتبعون للفصيل نفسه. كثير منهم لا يملكون أي مؤهلات علمية أو خبرات إدارية. بعضهم لم يعمل يومًا في إدارة عامة. معيار الاختيار لم يكن الكفاءة، بل الولاء.
الأكثر صدمة أن أحد الوزراء الحاليين لا يحمل أي مؤهل علمي. تاريخه الوحيد أنه كان عضوًا سابقًا في جبهة النصرة. في أي دولة محترمة، المنصب العام مسؤولية. يحتاج إلى علم وخبرة. في سوريا الجديدة، يبدو أن الانتماء التنظيمي يكفي.
وزارة الخارجية مثال صارخ على ذلك. هذه الوزارة تمثل الدولة في الخارج. يفترض أن تكون الأكثر مهنية. لكن التعيينات الأخيرة كشفت حجم المحسوبية. تعيين مندوب سوريا الدائم بصفة سفير مفوض فوق العادة أثار تساؤلات واسعة. هذا اللقب في الأعراف الدبلوماسية لا يُمنح إلا بعد مسيرة طويلة. غالبًا بعد أكثر من عشرين عامًا من العمل الدبلوماسي. هنا مُنح دون هذا المسار.
لم تتوقف التعيينات المثيرة للجدل عند هذا الحد. شملت وزارة الخارجية أبناء وأقارب شخصيات نافذة. ابن وزير الأوقاف. أخ أحد مشايخ جبهة النصرة. شخص ثالث مزكّى من شيخ آخر. لا مسابقة. لا معايير واضحة. فقط توصيات.
حتى المشاركات الدولية لم تسلم من هذا النهج. تم إرسال وفد لحضور مؤتمر علمي متخصص في التكنولوجيا. الوفد ضم شيخين من الإخوان المسلمين. شخصًا من جبهة النصرة. وطبيب أشعة محسوب على السلطة الجديدة. لا أحد منهم مختص بالتكنولوجيا. الرسالة كانت واضحة. التمثيل لا يقوم على الاختصاص، بل على الانتماء.
عندما يُنتقد هذا المسار، تكون التهمة جاهزة. أنت تنتقد لأنك تريد منصبًا. هذا منطق خطير. النقد ليس طمعًا بالسلطة. النقد في الدول السليمة واجب وطني. كثير من السوريين لا يريدون مناصب. يريدون وطنًا. وطنًا يُدار بالقانون. لا بعقلية الفصيل.
المناصب العامة ليست غنائم. هي أدوات إدارة. عندما توضع في أيدي غير الأكفاء، تتحول إلى أدوات هدم. الدولة لا تخسر فقط كفاءتها. تخسر ثقة الناس. تخسر صورتها. تخسر مستقبلها. وهذا هو الأخطر.
التاريخ مليء بالأمثلة. دول كثيرة لم تسقط بسبب الحروب فقط. سقطت بسبب سوء الإدارة. بسبب تفضيل الولاء على الكفاءة. بسبب إقصاء العقول. عندما تُدار الوزارات بعقلية تنظيم، تتحول الدولة إلى هيكل فارغ.
الدولة الحديثة تقوم على مبدأ الجدارة. الشخص المناسب في المكان المناسب. هذا ليس شعارًا أخلاقيًا. هذا شرط بقاء. عندما يُقصى الأكفاء، يهاجرون أو يصمتون. وعندما يُمكّن غير المؤهلين، تتراكم الأخطاء. ومع الوقت، يصبح إصلاحها مستحيلًا.
المشكلة اليوم ليست في شخص أو اسم. المشكلة في النهج. في الإصرار على إعادة إنتاج تجربة الفصيل داخل الدولة. هذا النهج إن استمر، سيقود إلى نتيجة واحدة. خسارة الوطن. لا دفعة واحدة، بل تدريجيًا.
كثير من السوريين مستعدون للتنازل عن المناصب. عن المواقع. عن المكاسب الشخصية. مقابل وطن حقيقي. وطن تحكمه القوانين. وطن تكون فيه الوظيفة العامة خدمة لا امتيازًا. وطن لا يُسأل فيه المرء عن انتمائه، بل عن كفاءته.
لهذا يعلو هذا الصوت اليوم. خذوا المناصب وأعطونا وطنًا. لأن الوطن إذا ضاع، لن يبقى منصب. ولن يبقى فصيل. ولن يبقى شيء.
عنب بلدي
——————————
التعيين بين الدولة والقرابة: كيف تكشف الوظيفة شكل السلطة في سوريا/ مهيب الرفاعي
7 فبراير 2026
بعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، وانتقال العمل الإداري إلى حكومة مؤقتة، تُقرأ التعيينات بوصفها ملفًا إداريًا، إلى جانب كونها أول مساحة تظهر فيها طبيعة السلطة بعد الحرب. فقبل الدستور والانتخابات وإعادة الإعمار، تتشكّل الدولة فعليًا في قرارات تبدو صغيرة، مثل: من يوقّع باسمها، من يمثّلها في الخارج، ومن يملك حق اتخاذ القرار داخل الجهاز، أو من يعيّن الإدارات الصغيرة.
لذلك، فإن موجات التعيين التي طاولت مواقع وزارية ودبلوماسية حساسة في المدة الأخيرة، ولا سيما حين شملت أقارب أو أصهار شخصيات نافذة، ليست مجرّد جدل أخلاقي حول المحسوبية، بل تمثل مؤشرًا مبكرًا على نموذج الحكم الذي يتبلور في دمشق، بحيث تتشكّل لدى السوريين نظرة حول ما إذا كان سيُبنى جهاز عام مستقل، أم ستُعاد تركيب السلطة عبر شبكة ثقة شخصية.
جدل الكفاءة والاستحقاق
يظهر في الدول الخارجة من النزاع، عمومًا، توترٌ دائم بين منطق الاستحقاق، حيث يصبح المنصب وظيفة عامة مؤقتة تشغلها الكفاءة المهنية وتبقى مستقلة عن الأشخاص؛ وبين منطق الطمأنة السياسية، حيث تتحول الوظيفة إلى ضمانة داخل دائرة الحكم.
أما في سوريا، وبعد سنوات من التفكك المؤسسي والانقسام الأمني والعسكري، وتغوّل حزب البعث العربي الاشتراكي في مفاصل إدارات الدولة، فتبدو الحاجة إلى الثقة وبنائها أكثر تفهّمًا وضرورة؛ إذ تخشى السلطة الجديدة أجهزةً لم تُختبر ولاءاتها بعد، ولا تثق إلا بجهازها القديم الموجود في إدلب. لكن حين تصبح الثقة معيار الاختيار الأساسي، يتحول الجهاز الإداري من مؤسسة دولة إلى نظام أمان سياسي، ويميل الميزان هنا على حساب الكفاءة لمصلحة الأمان.
المفارقة أن الجدل العام يدور غالبًا حول كفاءة الأفراد؛ من قبيل: هل يحملون شهادات؟ هل يتحدثون لغات؟ هل يمتلكون خبرات خارجية؟ هل سبق لهم أن دخلوا معترك الحياة المهنية؟ هل يتمتعون بكاريزما إدارية؟ غير أن المشكلة الحقيقية أعمق من ذلك؛ إذ إن الدولة الحديثة التي تسعى الحكومة السورية المؤقتة إلى تقمّص نهجها لا تُبنى بكفاءة الأشخاص، بل بقابلية الإجراءات للتكرار. أي أن الشرعية تأتي من مسار واضح يتمثل في الإعلان عن شاغر، والتنافس على التقديم، والتقييم العادل، ثم المفاضلة والاختيار.
وحتى لو عُيّن الشخص ذاته في النهاية، فإن المرور عبر آلية مفتوحة يخلق سلطة للقواعد لا للأفراد. أما في غياب هذه الآلية، فيصبح القرار صحيحًا ونافذًا فقط لأنه صدر ويجب الالتزام به دون اعتراض، لا لأنه مرّ عبر نظام يمكن التحقق منه. وهنا تنتقل سوريا من إعادة بناء المؤسسات إلى إعادة بناء مركز القرار.
بين المعرفة والخبرة
تتضح خطورة ذلك في الفرق بين المعرفة والخبرة المؤسسية؛ إذ إن الشهادة الأكاديمية تمنح شرعية رمزية للدولة الجديدة، لكنها لا تعوّض ذاكرة الجهاز التي تآكلت خلال الحرب. فالدبلوماسية، والوزارات السيادية، وإدارة التفاوض الدولي تقوم جميعها على تراكم طويل من الممارسة، لا على القدرة النظرية، ولا على الإملاءات، ولا على الجلسات، ولا على شبكات العلاقات العامة، ولا على إمبراطوريات النفوذ والمال والسمعة. وبالتالي، فإن إدخال كوادر جديدة مباشرة إلى القمة لا يُجدّد الإدارة بقدر ما يقطع استمراريتها، لأن المؤسسة تفقد خبرتها في لحظة هي أحوج ما تكون فيها إلى الاستمرارية. وهكذا يظهر جهاز يبدو حديثًا في الشكل، لكنه بلا ذاكرة إجرائية، أي دولة من دون تقاليد عمل.
هنا يبرز التناقض بين الشرعية الثورية والشرعية المؤسسية؛ ففي المراحل الانتقالية تعتمد السلطات الجديدة على الثقة لتعويض هشاشة الجهاز، وهو نمط عرفته معظم الدول الخارجة من الحروب. غير أن الفرق بين مرحلة انتقالية ونظام حكم دائم، وبين إدارة ظرفية وقوانين حكم رشيد، يتحدد بقدرة السلطة على تقييد نفسها لاحقًا. وبالمحصلة، إذا استمرت التعيينات السياسية بعد بدء الاستقرار، فإن الثورة لا تتحول إلى دولة، بل تبقى آلية حكم، وعندها يصبح الولاء مصدرًا للشرعية لا القانون.
ويظهر الأثر سريعًا في السياسة الخارجية السورية؛ فالدبلوماسية ليست مجرد امتداد للخطاب السياسي، بل جهاز تفاوض طويل النفس، يعتمد على ذاكرة تفاوضية وشبكات اتصال تراكمية مع الدول والمنظمات. وعندما تُدار هذه المساحات بمنطق الثقة، تتحول إلى ردّ فعل على الأحداث أكثر من كونها سياسة قائمة بذاتها. عمومًا، لا يقرأ الخارج الخطابات التقليدية والرنانة في القاعات الدولية، بل يقيس قابلية التنبؤ بالسلوك، وهذه القابلية لا يوفرها الممثل السياسي، بل المؤسسة المستقرة. لذلك، فإن اختيار ممثلين بلا مسار مهني واضح يرسل إشارة عن طبيعة الدولة أكثر مما يرسل عن كفاءة الأفراد: دولة مركز قرار، لا جهاز سياسة.
ومع تراكم هذه الممارسات، يبدأ نمط مألوف في التاريخ السوري بالظهور مجددًا: الدولة بوصفها تحالف ولاءات. تتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة لدمج النخبة داخل السلطة، لا إلى أداة لخدمة المجال العام. ويكون الاستقرار الناتج عن ذلك سريعًا، لكنه هشّ، إذ يعتمد على تماسك الشبكة لا على قوة القواعد. وحين تتغير موازين القوة داخل هذه الشبكة، تتفكك الإدارة معها، لأن المؤسسات لم تُبنَ أصلًا لتعيش خارج الأشخاص.
التزكية والتبرير
في علم الإدارة، لا تُفهم عبارات مثل “أنا أعرفه وأزكّيه، وشهادتي مجروحة به” بوصفها مجاملة اجتماعية فقط، بل تذهب أبعد من ذلك لتصبح آلية اختيار كاملة، تقوم على الاستعاضة عن التحقق المؤسسي بالضمان الشخصي؛ أي نقل عملية التوظيف من تقييم قائم على قواعد إلى علاقة ثقة بين أفراد. هنا ينتقل القرار من ثقة مبنية على القانون (rule-based trust) إلى ثقة مبنية على القربى (relationship-based trust). فالمسؤول لا يختبر الكفاءة عبر معايير قابلة للمراجعة، بل يضع سمعته مكان النظام، وبذلك لا تحصل المنظومة الإدارية على معلومة مهنية واضحة، إذ يصبح الضامن جزءًا من القرار نفسه.
هذا النمط يبدو فعالًا على المدى القصير، لأنه سريع، ويوفّر طمأنينة سياسية، ويقلّل احتمال الخيانة؛ لذلك يظهر في الدول الخارجة من النزاعات، أو في الشركات العائلية، أو في الأجهزة الأمنية. لكنه يغيّر وظيفة المنصب؛ فشاغله يصبح مدينًا لراعيه لا للمؤسسة، ويتحوّل القرار الإداري إلى شبكة التزامات متبادلة. حتى عبارة “شهادتي مجروحة به” لا تعبّر عن نزاهة مؤسسية، بل عن بديل لآليات النزاهة، لأن الحوكمة الحديثة تقوم على الرقابة، والفصل بين الصلاحيات، وقابلية التدقيق، لا على سمعة الفرد. ولهذا تفرّق أدبيات الحوكمة والحكم الرشيد بين الاختيار الموثوق والاختيار القابل للمراجعة.
قد تنتج التزكية شخصًا جيدًا، لكنها لا تنتج نظامًا جيدًا، لأنها غير قابلة لإعادة الإنتاج. وعندما تتوسع التعيينات المعتمدة على التزكية، تتحول الإدارة إلى جهاز يعمل بالضامنين لا بالقواعد، فتُحل المشكلات عبر الاتصالات، وشبكات التفاهمات، والجلسات التقليدية، لا عبر المؤسسات؛ أي تصبح التزكية، إداريًا لا أخلاقيًا، بديلاً عن المؤسسة. وكلما نجحت هذه الآلية على المدى القصير، أخّرت ولادة جهاز قادر على العمل من دونها.
يبقى المهم أن المعيار الحاسم يتعلّق بطبيعة هذه التعيينات: هل هي تدبير مؤقت أم نمط دائم؟ فالحكومات الانتقالية، عمومًا، تحتاج قدرًا من الثقة السياسية في بدايتها، لكن لحظة قيام الدولة تبدأ عندما تغدو هذه الثقة غير لازمة، ويحل محلها الإجراء العام. وعندما لا تتحول التعيينات إلى آليات قابلة للتطبيق على الغرباء قبل المقرّبين، فإن ما يتشكّل في سوريا لا يكون جهازًا عامًا، بل صيغة حكم جديدة تُدير الدولة القديمة بأسماء مختلفة.
الترا صوت
——————————
=========================
=================
مقالات تناولت حالة المرأة في سوريا
—————–
رأس مغطى تحت طائلة المسؤولية/ إسلام أبو شكير
فبراير 8, 2026
يبقى سؤال الحرّيّة واحداً من أكثر الأسئلة سخونة وإثارة في النقاشات المطروحة، سواء على المستوى العامّ: الإعلام، والمنتديات الفكريّة، ومواقع التواصل الاجتماعيّ، والتشكيلات السياسيّة، وحتّى الجامعات والمؤسّسات العلميّة والثقافيّة.. أو الخاصّ: الجلسات الضيّقة، والحوارات الفرديّة، وتفاصيل الحياة اليوميّة..
ولأنّ السؤال إشكاليّ بطبيعته فإنّه يتشعّب، وتتنوّع اتّجاهات الحوار حوله، لتشمل الحرّيّات السياسيّة، وحرّيّة الصحافة والإعلام، وحقّ الاجتماع والتظاهر، وحرّيّة تكوين الجمعيّات، وما إلى ذلك من الحقوق التي افتقدها المواطن السوريّ عقوداً طويلة، ويشعر الآن أنّ الفرصة مؤاتية لاستعادتها وتثبيتها للانتقال بالبلد من مرحلة العزلة والانكفاء إلى مرحلة الانفتاح على العالم، والتفاعل معه.
ثمّ إنّه يشمل إلى جانب ذلك، وربّما قبله، مستوى أضيق وأوسع في وقت واحد، نعني به حيّز الحرّيّة الخاصّ بخيارات الإنسان في مظهره الشخصيّ، أو طعامه وشرابه، أو حرمة مسكنه، أو حقّه في ممارسة الشعائر الدينيّة التي يؤمن بها.. ذلك الحيّز الذي يسمّى (الحرّيّة الشخصيّة) والذي يختلف عن حيّز (الحرّيّات العامّة) لا سيّما في درجة الحساسيّة، وحجم الأثر الذي يمكن أن يتركه في حال تعرّضه لأيّ أذى.
فإذا كان البتّ بأيّ جانب يتّصل بالحرّيّات العامّة يحتاج إلى وقت تتخمّر فيه الأفكار، وتنضج، خصوصاً عندما نصل إلى مرحلة تعيين آليّات التنفيذ وشروطه والقوانين الناظمة له، فإنّ الحرّيّة الشخصيّة لا تحتمل شيئاً من ذلك، لأنّها تبدأ منذ لحظة استيقاظ الفرد من النوم، ووقوفه أمام المرآة ليغسل وجهه، ولا تنتهي بخلوده إلى النوم ثانيةً في المساء.
إنّ أيّ قرار يمسّ المظهر على سبيل المثال (اللباس، الشعر، الزينة..) من شأنه أن يحدث أثراً نفسيّاً مباشراً يفوق في حساسيّته القرارات السياسيّة الكبرى، من نوع قانون معيّن للأحزاب، أو إعلان انتخابات برلمانيّة، أو تشكيل هيئة لتنظيم العمل الإعلاميّ.. فقانون الإعلام على سبيل المثال قد لا يشعر الإنسان الفرد بأثره الإيجابيّ أو السلبيّ إلّا عندما يقرأ صحيفة أو يكتب مقالاً، لكنّ قراراً يتعلّق بزينته أو لباسه سيكون له أثره المباشر والسريع والعميق مع كلّ نظرة يرمقه بها شخص ما سواء في الشارع أو مكان العمل أو المقهى أو أيّ فضاء آخر..
والواقع أنّ هناك مسافةً على الدوام تفصل بين الإنسان وعناصر الوجود الأخرى: الجدار، الشارع، الصديق، الهاتف، المكتب..، باستثناء الجسد، فالمسافة هنا معدومة، بل إنّ الإنسان هو جسده، والجسد هو الإنسان. من هنا جاءت العقوبات مغلّظةً في جميع التشريعات الدينيّة والدنيويّة في تحريم الاعتداء على الجسد، لأنّ المساس به هو مساس مباشر بكينونة الإنسان، لا بمحيطه الخارجي مهما كان قريباً منه.
وبناء على هذه المسافة الصفريّة، فإنّ أيّ محاولة للتدخّل في تشكيل الجسد عبر تشريعات أو حتّى اجتهادات شخصيّة تخصّ المظهر، ينبغي أن تكون مدروسة وحذرة ومشروطة كي لا تتحوّل إلى اعتداء.
والذاكرة السوريّة بالذات مليئة بالندوب النازفة التي خلّفتها فيها ممارساتٌ من هذا النوع خلال الحقبة الأسديّة عبر جرائم تمزيق الحجاب في الشوارع في ثمانينيّات القرن الماضي، أو اضطهاد الملتحين والتضييق عليهم، أو سياسات التفضيل التي يحظى بها مظهر دون آخر أو غيرها.
والاعتداء على حرّيّة الإنسان الشخصيّة فيما يتّصل بالمظهر أو الطعام والشراب، يختلف بطبيعة الحال عن الإجراءات التنظيميّة التي تمسّ الحاجة إليها في كثير من الحالات لضمان انسيابيّة الحياة العامّة، ففي مؤسّسات الدولة، والمستشفيات، والمصانع، والقطاعات العاملة في مجالات السياحة، وحتى بعض المرافق التعليميّة، قد تفرض الضرورة إقرار تشريعات خاصّة بالمظهر، بما يضمن السلامة مثلاً كما في مواقع العمل الإنشائيّ أو المستشفيات، أو يسهّل عمليّة التمييز بين الموظّف العامل والمراجع العاديّ في الدائرة أو المؤسّسة، أو يساعد في إشاعة درجة من الإحساس بالانضباط والجدّيّة داخل مكان العمل، أو يعزّز حضور الهويّة البصريّة الخاصّة بالمؤسّسة.
غير أنّ ذلك كلّه ينبغي أن يكون وفق قواعد ولوائح تنفيذيّة واضحة ومفصّلة تمنع التحايل من جهة، وتحول من جهةٍ أخرى دون أن ينقلب الإجراء إلى قهر واعتداء. كما ينبغي أن يكون في حدوده الدنيا التي تحقّق الغرض المراد، وفي الوقت نفسه لا تمسح شخصيّة الفرد، وتحوّله إلى مجرّد قطعة أثاث، أو أداة من أدوات العمل.
ومن الضروريّ أيضاً عندما يصدر قرار إداريّ بذلك أن يحدّد القطاع الذي سيطبّق عليه، فمن غير المعقول مثلاً أن يحظر على (جميع العاملات)، و(بشكل نهائيّ)، وضع (المكياج) خلال أوقات الدوام الرسميّ، دون تحديد القطاع الذي يشمله الحظر، ودون توضيح المقصود بالمكياج.
الأمر أشبه ما يكون بقرار يحظر على جميع العاملين الدوام برأس حاسر، دون أن يبيّن أنّ المقصود هم العاملون في قطاع المطابخ، أو الأطبّاء والممرّضون في غرف العمليّات، أو المهندسون وعمّال البناء في مواقع العمل.
إنّ أيّ قرار يخصّ مظهر الإنسان ينبغي أن يكون مدروساً على نحو شديد الدقّة، لأنّ الأمر متّصل بمنطقة حسّاسة في علاقة المرء بذاته ووجوده، وتقع في صميم الكرامة الإنسانيّة التي يجب أن تكون مصانةً على الدوام. لذا فإنّ الاقتراب من هذه المنطقة يحتاج حتماً إلى مسوّغات منطقيّة وموضوعيّة مقنعة، وإلى صيغ لغويّة منضبطة ومحدّدة تقدّم الفكرة على نحو غير جارح، ولا مساس فيه بالحرّيّة أو الكرامة.
وفي النهاية، لا مفرّ من احترام تلك اللحظة التي يقف فيها الإنسان أمام مرآته صباحاً، ليقرّر كيف سيخرج إلى العالم بملء إرادته، لا بناء على قائمة تعليمات إداريّة أمليت عليه من جهة ما. فهنا تماماً يكمن الفرق بين الإحساس بالطمأنينة والثقة بالنفس، وبين الإحساس بالقهر والخوف والشكّ..
الثورة السورية
——————–
أجساد نساء سوريات كـ”عملة” في “سوق الشرف”/ ابراهيم زرقه
05.02.2026
يتجلى التلاعب في “سعر صرف” هذا “الشرف” والمدافعين عنه، عندما تُنتهك كرامة المرأة في أماكن لا تحرك فيها الإهانة “فزعةً”؛ في قاعات المحاكم حيث تُحرم من ميراثها، أو في قوانين الجنسية التي تنكر أمومتها، أو في البيوت حين يصبح العنف “شأناً خاصاً”. إنه “شرفٌ” انتقائي بامتياز: ينتفض عنيفاً عند الحديث عن الحرية الجسدية، وينام نوماً عميقاً أمام انتهاك الحقوق.
لم تكن موجة الاستنكار التي واجهت مقاطع “الشاب السوري المغترب” وهو يشتم النساء عموماً والعلويات خصوصاً؛ دفاعاً عن كرامتهن، بل كانت أشبه بصفقة مقايضة في سوق وهمي: إهانة مقابل إهانة، وعرض مقابل عرض.
رداً على الشتيمة، هبّ “مدافعون عن الشرف” شاتمين نساء عائلة الشاب المذكور، وكأنهم يقدمون عرضاً بديلاً في السوق نفسها. وبعد اعتذار أهله وتراجع المهاجمين، لم تُلغَ الصفقة، بل أُنهيت جولة “البازار” الأولى، فاللافت لم يكن البذاءة بل آلية الرد، إذ تحوّل “الدفاع عن الشرف” إلى تجارة أعراض وشتائم، والمرأة عملة في “سوق الشرف ” هذا!
طبقات الشرف
المشهد السابق يشير بوضوح إلى حضور “الشرف” في أنماط شائعة من تعامل المجتمع مع المرأة، إذ لا يعامل كقيمة ثابتة، بل حساسية انتقائية، لا تستيقظ إلا عند التعدي على حدود الجسد الأنثوي، أو تداول سمعته في العلن. نظام الرجولة المفرطة، يرفع من شأن “العذرية” كأغلى عملة، بينما يُهمّش حقوقاً أساسية كالميراث والتعليم ومنح الجنسية والولاية على الأبناء والقرار الشخصي إلى درجة الابتذال.
المرأة تُحرم أحياناً من ميراثها القانوني، ويُمنع عنها الحق في منح الجنسية لأولادها، وتُسلب قدرتها على اتخاذ القرارات حول أمومتها من دون ضجيج، بينما يثار الغضب على مجرد إشاعة عن جسدها.
هذا “الشرف” عملة رمزية تُتداول في سوق “تجارة الجسد الأنثوي”، سوق تُغلق أبوابها بإحكام أمام انتهاك الكرامة الإنسانية اليومي، وتُفتح على مصاريعها لأي صفعة توجه لسمعة المرأة أو “شرفها”، في حين أن الصمت غالباً ما يكون مطبقاً على من تُحرم من حقوقها، لأن هذا الحرمان نفسه، جزء من “الوضع القائم” والأعراف التي تحكم أجساد النساء.
الدولة تضارب في “سوق الشرف”!
لا تبقى أعراف “سوق الشرف” حبيسة الشارع وردود الفعل الغوغائية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل تجد طريقها أحياناً إلى سياسات رسمية، توظف أيضاً رأس مال شرف النساء، “عملة” يجب تنظيمها وأسلوب تبادلها واستعراضها، وظهر ذلك جلياً في قرارين يبدوان “إداريين”؛ منع المكياج في الدوائر الحكومية باللاذقية، ومنع الرجال من العمل في محلات الملابس النسائية في التل( ريف دمشق)، التحليل السطحي يسميهما “حماية”، لكن منطق السوق يكشف حقيقتهما.
القرار الأول لا يحمي المرأة من التحرش، بل يُخفي “السلعة” عن الأنظار العامّة، كتاجر يخبئ بضاعته الثمينة خوفاً من اللصوص، خصوصاً أن هذه “السلعة” تسبب “الفتنة” حسب رأي البعض، أو تلفت النظر، لكن، هل يهدد المكياج (مهما كان شكله) المهارة والقدرة على أداء الوظيفة؟ ولمَ التركيز على اللاذقية فقط؟
الكياسة والأناقة والاحتراف كلها أمور مطلوبة في مؤسسات الدولة، أي دولة كانت، وهنا المفارقة، عوضاً عن نشر تعميم عن مهام الموظف وأخلاقياته، استُهدف وجه المرأة وشكله في محافظة واحدة فقط!
القرار الثاني لا يحمي المرأة من التحرش، بل يعتبر الرجل كوحش لا يمكن الثقة به، لا تصدر قوانين لترويضه أو ردعه، بل عزله خارجاً بعيداً ، والأهم تأكيد مفهوم “التستر”، علماً أن باعة الثياب الداخلية النسائية في أشهر أسواق دمشق (سوق تفضّلي) غالبيتهم من الرجال!
كلا القرارين لا يصدران عن رغبة في العدالة، بل عن إدارة للخوف، خوف يبدو أنه يحضر في مناطق ويختفي في أخرى، خوف من الجسد الأنثوي، وخوف من الرغبة الذكورية المفترضة. وهكذا تتحول مؤسسات رسمية، في بعض السياقات، إلى ناظم لهذه السوق السوداء، فبدلاً من محاربة منطق المقايضة بالإهانة، تقننه وتعمقه، معززةً عزلة الجنسين ورفعاً للقيمة الوهمية لتلك “العملة” التي لا تُصرف إلا في سوق واحدة.
المشاركة كشرط للنجاة!
في هذه السوق الوهمية حول “الشرف”، لا منتصرون سوى “الرجال”، أما النساء فضحايا، يُختزلن إلى “عملة” أو “سلعة”، وأيضاً يُجبرن غالباً على المشاركة في اللعبة نفسها كشرط للبقاء. فالتي قد تُحرم من ميراثها بالقانون، أو وُصِم وجهها في الدوائر الحكومية، تتعلم أن القيمة الاجتماعية الوحيدة المتبقية لها ولبناتها مرتبطة بذلك “العرض”، فتدرّبهن على أن جسد الفتاة سلعة يجب حراستها، ويكرّرن المنطق نفسه الذي سجنهن، ليس اختياراً بل نجاة في نظام اجتماعي معتّل يعتاش على أجسادهن.
كثيرات من النساء لا يعدن إنتاج القمع لأنهن يؤمنَّ به، بل لأن النظام الاجتماعي يجعل من إعادة إنتاجه وسيلتها الوحيدة للنجاة الفردية، حلقة مفرغة من المعاناة المُعاد تدويرها، حلقة أحياناً تدفع الكثيرات الى التمسك بالوضع القائم، وأحياناً الدفاع عنه!
أما “الرجل” في هذا السوق، فيُختزل إلى دورين: إما حارس يراقب أجساد الآخرين، أو سجينٌ لشهوة مفترضة كما في قرار منع الرجال من بيع الملابس النسائية. يُطلب من الرجل، ضمن هذا المنطق السائد، حراسة “شرف” وهمي، وإثبات “رجولة” عبر الانتقام بأدوات أبرزها “الطعن بشرف” نساء أخريات!
هكذا تُسلب المرأة إنسانيتها لتصبح جسداً، والرجل حارساً أو مصدراً للتهديد. فهل هذا تهرّب من المسؤولية الأخلاقية أم تواطؤ ذكوري؟ أم خوف من العار؟
هرمية “شرف المرأة”
يتجلى التلاعب في “سعر صرف” هذا “الشرف” والمدافعين عنه، عندما تُنتهك كرامة المرأة في أماكن لا تحرك فيها الإهانة “فزعةً”؛ في قاعات المحاكم حيث تُحرم من ميراثها، أو في قوانين الجنسية التي تنكر أمومتها، أو في البيوت حين يصبح العنف “شأناً خاصاً”. إنه “شرفٌ” انتقائي بامتياز: ينتفض عنيفاً عند الحديث عن الحرية الجسدية، وينام نوماً عميقاً أمام انتهاك الحقوق.
وهذا يقود إلى سؤال: من المستفيد؟ الإجابة: المنظومة الذكورية نفسها، التي توظف “شرفاً مُزيفاً” في حالات التباهي والتفاخر الرجولي، وفي معارك تدفعُ ثمنها النساء بدرجات متفاوتة ضمن منظومة تعيد تدوير القهر تحت أسماء برّاقة.
درج
———————–
من تعميم محافظ اللاذقية إلى سياسة أوسع.. المرحلة الانتقالية تحت مجهر النساء/ جولي بيطار و وفاء عبيدو
2026.02.03
أثار تعميم صادر عن محافظ اللاذقية يمنع الموظفات من وضع المكياج في أثناء الدوام الرسمي جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، باعتباره إجراءً يمس المظهر الشخصي للنساء داخل أماكن العمل الحكومية، ويتدخل في خياراتهن الفردية، ويعيد إلى الواجهة أسئلة أعمق حول حدود صلاحيات السلطات المحلية، وطبيعة القرارات التي تُتخذ في المرحلة الانتقالية، ومدى انسجامها مع مبادئ المساواة وعدم التمييز التي يُفترض أن تشكل أساساً لإعادة بناء الدولة.
وفي حين جرى التعامل مع التعميم من قبل بعض الجهات بوصفه إجراءً تنظيمياً محلياً، ترى ناشطات ومحامون أن خطورته لا تكمن فقط في مضمونه، بل في كونه جزءاً من نمط أوسع في صناعة القرار، تُتخذ فيه قرارات تمس النساء مباشرة، من دون إشراكهن في صياغتها، أو تمثيلهن في مواقع التأثير، أو مراعاة انعكاساتها القانونية والاجتماعية والاقتصادية.
قرار محافظ اللاذقية: صلاحيات محل جدل
تؤكد المحامية سوفانا خليل لموقع تلفزيون سوريا، أن التعميم الصادر عن محافظ اللاذقية بمنع المكياج للموظفات “مخالف للقانون”، كونه صدر عن جهة غير مختصة ويفتقر إلى أي سند قانوني.
وتوضح خليل أن التعميم “ينتهك مبادئ الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية، وينطوي على تمييز قائم على الجنس، كما يمس الحرية الشخصية والكرامة الإنسانية”.
وبحسب خليل، يُعدّ هذا التعميم “باطلاً بطلاناً مشروعاً، وقابلاً للطعن والإلغاء أمام الجهات المختصة”، مؤكدةً أنه “لا يجوز ترتيب أي جزاءات إدارية على أساسه”.
وتشير إلى أن الوثائق الدستورية المؤقتة تتضمن بالفعل مبادئ عامة حول المساواة وعدم التمييز، لكنها تبقى نصوصاً عامة ما لم تُرفق بآليات تنفيذ واضحة، ومعايير رقابة ومساءلة تضمن التزام السلطات التنفيذية بها.
وبرأيها، فإن غياب هذه الآليات يفتح الباب أمام صدور تعميمات وقرارات محلية تتعارض مع روح المساواة، من دون أن تواجه اعتراضاً مؤسسياً فعالاً، أو مساراً واضحاً للمحاسبة.
تغييب النساء عن مواقع صنع القرار
في هذا السياق، تقول الناشطة النسوية هيام حاج علي إن تمثيل النساء في مواقع صنع القرار خلال المرحلة الانتقالية في سوريا “لا يزال مخجلاً”.
وتوضح أن العمل خلال السنوات الماضية كان يهدف إلى الوصول إلى تمثيل لا يقل عن 30 في المئة للنساء في مؤسسات الدولة والهيئات ذات الصلة، بوصف هذه النسبة حداً أدنى لضمان حضور النساء في النقاشات والسياسات العامة.
وتضيف: “بعد خلع النظام وبدء مرحلة التطبيق العملي لكل ما طالبنا به، لم تكن النسب التي تحققت مرضية، ولا ترقى إلى مستوى التزامات المرحلة الانتقالية”.
وترى حاج علي أن غياب النساء عن مواقع صنع القرار لا ينعكس فقط على قضايا النساء، بل يؤدي إلى “إقصاء شريحة واسعة من المجتمع، وإضعاف الحياة السياسية، وتقويض شرعية المؤسسات والقرارات الصادرة عنها، إضافة إلى عدم تمثيل احتياجات النساء بشكل كاف في صياغة القوانين والقرارات”.
وفي هذا السياق، تركت مسألة تمثيل النساء في مجلس الشعب لتدخلات من قبل رئيس الجمهورية، بدلاً من تثبيتها ضمن قواعد واضحة وملزمة في النظام الانتخابي، ما حوّل التمثيل إلى استثناء مرتبط بإرادة سياسية، لا حقاً مضموناً بقوة القانون.
وبالتوازي مع ذلك، كان رئيس لجنة الانتخابات محمد طه الأحمد قد وصف مشاركة النساء في الانتخابات بأنها “محدودة”، مرجعاً ذلك إلى “عادات المجتمع السوري التي ما تزال تشكّل عائقاً أمام انخراط النساء في الحياة السياسية بشكل أوسع”.
ويطرح هذا التوصيف، بحسب متابعين، سؤالاً أوسع حول الدور المؤسسي: هل تكتفي الجهات المعنية بوصف الواقع القائم، أم تتحمل مسؤولية التدخل لتغييره عبر سياسات وإجراءات ملموسة؟
فحصر العائق في البعد الثقافي وحده قد يتحول عملياً إلى مبرر لغياب سياسات دعم حقيقية، مثل تخصيص نسب تمثيل (كوتا) أو إطلاق برامج تمكين سياسي، ما قد يفضي في النهاية إلى تحويل التفسير الاجتماعي إلى نهج مؤسسي غير معلن يكرّس محدودية مشاركة النساء بدلاً من العمل على تفكيك أسبابها البنيوية.
ويعكس ذلك، بحسب ناشطات، مقاربة مؤسسية لا تزال تتعامل مع مشاركة النساء باعتبارها ملفاً قابلاً للإدارة من الأعلى، لا استحقاقاً ينبغي تنظيمه وضمانه تشريعياً.
ويقول مركز (كرم شعار) للدراسات والاستشارات حول تمثيل النساء وانتخابات مجلس الشعب: “لا تتجاوز نسبة النساء 4.9% من إجمالي الأعضاء المنتخبين (6 نساء من أصل 122)، مقارنةً بنسبة 11.2% (28 امرأة من أصل 250) في مجلس عام 2020، وهو آخر مجلس تشريعي تتوافر بشأنه بيانات قابلة للمقارنة. ويُعزى هذا التراجع جزئيًا إلى تركيبة قاعدة المرشحين نفسها، حيث لم تتجاوز نسبة النساء بين المرشحين 14.1% (221 مرشحة من أصل 1,571). وتشير التصريحات الرسمية إلى أن التعيينات الرئاسية ستسهم في معالجة هذا الاختلال في التمثيل.
ويرى أن “هذا التمثيل المتدنّي للنساء يعكس وجود عوائق اجتماعية متجذّرة، إلى جانب اختلالات إجرائية في تصميم العملية الانتخابية. فقد ضمّت اللجنة العليا للانتخابات امرأتين فقط من أصل أحد عشر عضوًا، في حين كانت الهيئات الناخبة المسؤولة عن اختيار المرشحين ذات طابع ذكوري شبه كامل، إلى جانب المجتمعات المحلية المغلقة التي تحدّ من قدرة النساء على خوض منافسة حقيقية وفعّالة. ويُعدّ هذا النمط سمةً شائعة في المجتمعات الذكورية حول العالم، بما في ذلك بلدان الشرق الأوسط”.
من القرار إلى الواقع.. بيئات عمل طاردة للنساء
لا يقتصر أثر التعميمات الإدارية أو القرارات المحلية التي تُقصي النساء أو تحدّ من حركتهن على الجانب الوظيفي فحسب، بل يمتد ليشكّل عاملاً مباشراً في سحب النساء من سوق العمل المنظم، وتقليص فرص وصولهن إلى دخل ثابت واستقلال اقتصادي.
فعندما تُهمش النساء في المؤسسات المحلية، أو تُفرض عليهن بيئات عمل طاردة، يُعاد دفعهن قسراً إلى دائرة الإعالة أو الاقتصاد غير المنظم، حيث تنعدم الحماية القانونية، ويغيب الاستقرار المالي، وتتضاعف المخاطر.
ومع تزايد عدد النساء المعيلات لأسرهن بعد سنوات الحرب، تتحول هذه السياسات إلى أدوات تعميق للهشاشة وعدم المساواة، بدلاً من أن تكون جزءاً من سياسات تعافٍ اقتصادي واجتماعي.
تجارب من الميدان: وجوه الإقصاء اليومية
دعاء، شابة كانت موظفة في إحدى المؤسسات، تقول إن الواقع الذكوري في العمل ليس جديداً، لكنه أصبح اليوم يُمارس بشكل أكثر فجاجة.
وتضيف:
“كنت أعمل بعقد مؤقت، وعندما انتهى لم أسعَ لتجديده، لأن الضغط النفسي والمهني الذي نتعرض له النساء أصبح غير مقبول، الرجل في المؤسسة غالباً ينسى أنني أم وأني إنسانة، ويتعامل معي كأنني مجرد قيد”.
وبالمثل، اضطرت سلمى، وهي امرأة معيلة لأسرتها، للعمل في سوق محلي بأجور غير مستقرة وظروف صعبة لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم.
تقول سلمى: “مع كل يوم يمر، يتضح لي بأن هذا الإقصاء لا يقتصر على مهنتي فقط، بل يعيد إنتاج الفقر بشكل ممنهج، ويضعني تحت ضغط مزدوج اقتصادياً واجتماعياً”.
أما ليلى، فاختارت أن تعمل بشكل مستقل بعيداً عن المؤسسات، بعد تجربة وصفتها بالصعبة.
وتوضح: “بعد عدة أشهر قضيتها في مؤسسة، لاحظت نظرات لا تُطاق بسبب لبسي المختلف، وكان يُقال أشياء مثل الزلم أسمعها بأذني، فقط لأن ستايل لبسي يُعتبر رجاليًا في نظرهم”.
وترى ليلى أن هذه الضغوط تدفع كثيراً من النساء إلى البحث عن أماكن عمل أقل قسوة، حتى لو كانت أقل استقراراً، محذرةً من أن استمرار هذا النمط يضعف المجتمع بكامله، لأن المرأة جزء أساسي من نسيجه الاقتصادي والاجتماعي.
الإقصاء القانوني: مثال آخر على النهج ذاته
إلى جانب التعميمات الإدارية المحلية، أثار التعميم رقم 17 لعام 2025 الصادر عن وزارة العدل جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية والاجتماعية، إذ يُنظر إليه كإجراء لا يقتصر على تنظيم إداري، بل كقرار يحدّ من استقلالية الأم في تسيير شؤون أبنائها أمام الدولة.
هاجر تقول إن هذا التعميم أعاد إليها مخاوف كانت تعتقد أنها تجاوزتها، حتى أنها بدأت تعيد التفكير في فكرة العودة إلى سوريا بعد سنوات من الابتعاد.
وتضيف: “بدل أن يتغير القانون لينصف، أصبح أكثر قسوة، وبدل أن يُنظر إلى المرأة التي تعبت وربّت وسهرت بوصفها أمانة ومسؤولية جماعية، يوضع مصيرها تحت سلطة من قد يستغل ضعفها ويأكل حقي وحق أطفالي”.
وبرأي هاجر، فإن ما تحتاجه المرحلة الراهنة هو تشريعات تعزز التكافل الأسري ودعم النساء، لا نصوص تعمّق الانقسامات أو تحد من استقلاليتهن.
سياق أوسع: هشاشة متداخلة
تشير دراسات حديثة إلى أن النساء في سوريا يواجهن هشاشة متداخلة قانونياً واجتماعياً واقتصادياً بعد خلع النظام، تمتد آثارها إلى التعليم والعمل والصحة النفسية، وتغذي دورة فقر نسائي مستمرة.
كما تؤكد تقارير حقوقية أن غياب حماية قانونية واضحة، إلى جانب ضعف الوصول إلى الوظائف الرسمية، يدفع النساء نحو العمل غير الرسمي بأجور غير مستقرة وظروف صعبة، ما يضاعف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية عليهن.
هل يتحول التعميم إلى منظومة؟
تُظهر هذه الصورة المترابطة أن تعميم محافظ اللاذقية، وغيره من القرارات المشابهة، ليست استثناءات معزولة، بل مؤشرات على منظومة لم تُحسم فيها بعد علاقة الدولة بالنساء بوصفهن مواطنات كاملات الحقوق.
وفي حين يُفترض أن تشكّل المرحلة الانتقالية فرصة لإعادة بناء المؤسسات على أسس المساواة والعدالة، يكشف الواقع أن غياب النساء عن مواقع صنع القرار، وضعف الضمانات القانونية، واستمرار المقاربات التقليدية، يهدد بإعادة إنتاج اختلالات قديمة بصيغ جديدة.
تلفزيون سوريا
————————
======================
========================
عن أزمة مخيمات الشمال السوري
——————————–
المخيمات خارج الحسابات… شتاء بلا تدفئة وتعليم معلَّق/ هاديا المنصور
11 فبراير 2026
مع كل شتاء، تعود مخيمات النزوح في شمال غرب سورية إلى صدارة المشهد الإنساني، لا بوصفها قضية طارئة، بل كأزمة مزمنة تتجدد فصولها دون حلول جذرية. ورغم مرور أكثر من عقد ونيف على نشوء هذه المخيمات، إلا أن سكانها لا يزالون يعيشون على هامش السياسات الحكومية، وخارج أولويات الخطط التنموية، في وقت تتراجع فيه الاستجابة الإنسانية وتضيق خيارات الدعم، تاركة مئات آلاف العائلات في مواجهة البرد والفقر وانعدام الأمان الغذائي.
في ظل إعلان الحكومة السورية إطلاق صندوق تنموي لدعم الفئات الأشد هشاشة، تبرز أسئلة ملحّة: أين المخيمات من هذا الصندوق؟ وأين الدولة السورية من واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية المستمرة في البلاد؟ أسئلة تتقاطع مع تراجع دور المنظمات الإنسانية، وتحول الاستجابة من دعم مستدام، إلى تدخلات محدودة لا تكفي لتغطية الحد الأدنى من الاحتياجات، خصوصاً لدى النساء والأطفال والطلاب.
ورغم الحديث المتكرّر عن “حركة العودة”، لا تزال المخيمات تضم أكثر من 1.5 مليون نازح في شمال سورية، أي ما يزيد على ثلاثة أرباع العدد المسجل سابقاً، بحسب بيان لفريق “منسقو استجابة سوريا” صدر أواخر العام الماضي. وتعود أسباب بقاء هؤلاء إلى الدمار الواسع في مناطقهم الأصلية، وغياب القدرة المالية على الترميم، وانعدام فرص العمل والخدمات الأساسية.
ورغم قساوتها، لا تختصر هذه الأرقام حجم المأساة، فالمخيمات لم تصمم للإقامة الطويلة، ومع ذلك تحولت إلى أماكن سكن شبه دائمة، تفتقر إلى أبسط مقومات العيش الكريم، خيام مهترئة، بنى تحتية هشة، وشبكات خدمات بالكاد تعمل.
وتتحمّل النساء في المخيمات العبء الأكبر للأزمة، فإلى جانب مسؤوليات الرعاية اليومية، تجد كثيرات أنفسهن معيلات لأسر فقدت معيلها، أو تعتمد على دخل متقطع لا يتجاوز في أفضل الأحوال عشرات الدولارات شهرياً.
وتنعكس هشاشة الوضع الاقتصادي على النساء مباشرةً، سواء عبر انعدام الخصوصية، ضعف الخدمات الصحية الإنجابية، أو اضطرار بعضهن إلى العمل في ظروف غير آمنة. كذلك تؤدي الضغوط المتراكمة إلى تفاقم الأزمات النفسية، في ظل غياب شبه كامل لخدمات الدعم النفسي والاجتماعي.
وقالت إخلاص خليل، وهي نازحة من ريف إدلب الجنوبي، إن “العبء الأكبر يقع على النساء داخل المخيمات، خصوصاً مع غياب المعيل أو ضعف الدخل. أنا أم لأربعة أطفال، زوجي مريض، ولا يستطيع العمل، كل يوم أفكر كيف أوزع القليل الذي نملكه على طعام، ماء، حطب، لا شيء يكفي”.
وتضيف لـ”سورية الجديدة”: “نقص التدفئة يضاعف معاناة النساء. ففي الشتاء نبقى ساعات طويلة داخل الخيمة، الرطوبة عالية والبرد شديد، الأطفال يمرضون، وأنا أخاف عليهم أكثر من نفسي، لا توجد خصوصية، ولا خدمات صحية كافية للنساء، فضلاً عن غياب الدعم النفسي والاجتماعي، في الوقت الذي نعيش فيه توتراً دائماً، المرأة هنا مطالبة بأن تكون أماً وممرضة ومعيلة، وكل ذلك من دون أي أمان، نشعر أننا منسيات في هذا المنفى”.
لا يقل واقع التعليم سوءاً عن بقية القطاعات. فآلاف الأطفال في المخيمات يواجهون خطر التسرب المدرسي، نتيجة الفقر، وبعد المراكز التعليمية، وضعف الدعم المقدم للمدارس المؤقتة، حيث يواجه قطاع التعليم في سورية واحداً من أخطر تحدياته منذ سنوات، مع نحو 2.4 مليون طفل سوري خارج المدرسة، في ظل تداخل عوامل اقتصادية وبنيوية واجتماعية، وفقاً لبيانات وزارة التربية والتعليم.
ومع حلول الشتاء، تتحول الخيام الصفّية إلى أماكن غير صالحة للتعليم: برد قارس، غياب التدفئة، وانعدام المستلزمات الأساسية، وفي كثير من الحالات، تجبر العائلات على المفاضلة بين إرسال أطفالها إلى المدرسة، أو تأمين الحد الأدنى من الغذاء والتدفئة.
لأحمد الموسى (10 سنوات) حكاية تختصر جانباً من معاناة الأطفال في مخيمات النزوح، حيث تتحول الطفولة إلى انتظار طويل بين البرد والحاجة. يعيش أحمد في مخيم النهضة، أحد مخيمات ريف إدلب الشمالي، داخل خيمة لا تقي من قسوة الشتاء، ولا تشبه صفوف المدارس التي يتخيلها حين يتحدث عن حلمه بأن يصبح معلماً.
كل صباح شتوي، يبدأ يوم أحمد بسؤال واحد: هل يستطيع الذهاب إلى المدرسة اليوم أم لا؟ فطريقه إلى التعليم يمر عبر خيمة أخرى تُستخدَم لتكون صفاً دراسياً، بلا تدفئة ولا تجهيزات أساسية، ومع انخفاض درجات الحرارة، يصبح الجلوس فيه لساعات أمراً يفوق طاقة طفل في عمره. يقول أحمد: “أحب المدرسة، لكن في الشتاء لا أذهب كثيراً، الصف خيمة، والبرد قوي، ولا توجد مدفأة. أحياناً أبقى في البيت، أو أخرج لأساعد أهلي في جمع ما تيسّر من أخشاب ونايلون لحرقه والتدفئة عليه”.
ولا تقتصر الصعوبات على البرد وحده، إذ يعاني أحمد من نقص واضح في المستلزمات التعليمية، ما يضعه في موقف محرج أمام زملائه، فالدفتر الذي يفترض أن يكون رفيق يومه الدراسي تحول إلى رفاهية نادرة، بينما باتت الأوراق القديمة بديلاً اضطرارياً للكتابة.
ورغم هذه الظروف القاسية، لا يزال أحمد يتمسك بحلمه بأن يكون له بيت حقيقي، وأن يدرس مثل باقي الأطفال، دون برد ولا خوف. حلم بسيط، لكنه في واقع المخيمات يبدو بعيد المنال، في ظل غياب التدفئة، وضعف الدعم التعليمي، واستمرار الأزمات التي تجعل من التعليم ترفاً مؤجلاً، لا حقّاً أساسياً لطفل لم يعرف من المدرسة سوى خيمة، ومن الشتاء سوى البرد.
ويعد ملف التدفئة أحد أكثر الملفات إلحاحاً، ووفق تقديرات منسقي الاستجابة، أكثر من 95% من العائلات غير قادرة على تأمين مواد التدفئة، بينما لم تحصل الغالبية على أي دعم شتوي. وتؤدي هذه الفجوة إلى نتائج كارثية، وانتشار الأمراض، جراء لجوء العائلات إلى وسائل تدفئة بدائية وخطرة، كذلك تسببت العواصف المطرية والثلجية خلال الشتاء بتضرر مئات المخيمات، ما فاقم هشاشة الوضع الإنساني.
وقال عمر جاويش، نازح من ريف حماة الشمالي وأب لخمسة أطفال، إن “الحياة في المخيم تحولت إلى حالة دائمة من القلق والترقب. منذ سبع سنوات ونحن هنا، كل شيء مؤقت، الخيمة، الطعام، وحتى المساعدات، كنا نعتمد على السلة الغذائية، واليوم توقفت، ولا أحد يخبرنا متى تعود، أعمل يوماً وأتعطل عشرة، والدخل لا يكفي خبزاً وخضاراً”.
ويضيف لـ”سورية الجديدة”: “الشتاء هو التحدي الأكبر، في البرد القارس نضطر إلى اختيار الأسوأ من خيارين: إما نشتري وقوداً للتدفئة وننام بلا طعام كافٍ، وإما نوفر الطعام ونتحمل البرد. أطفالي مرضوا أكثر من مرة، ولا نملك ثمن الدواء”. ويرى جاويش أن الحديث عن مشاريع تنموية لا يلامس واقع المخيمات، قائلاً: “أي تنمية يتحدثون عنها ونحن بلا بيوت ولا كهرباء ولا استقرار. قبل المشاريع نحتاج أن نعيش”.
ووسط حياة الخيام القاسية تتجسد معاناة كبار السن في المخيمات بأوضح صورها. فبالنسبة إلى المسنين المصابين بأمراض مزمنة، لا يقتصر الشتاء على قسوة الطقس، بل يتحول إلى عبء صحي مضاعف، في ظل غياب التدفئة المنتظمة وصعوبة الوصول إلى العلاج.
عزيزة المحمود (68 عاماً) تجلس داخل خيمتها في مخيم الرحمة، أحد مخيمات ريف إدلب، تلف جسدها ببطانية مهترئة لا تكاد تحجب برد الشتاء، تعاني من السكري وارتفاع ضغط الدم، أمراض مزمنة تحوّل فصل الشتاء بالنسبة إليها إلى اختبار يومي للبقاء. تقول إن “الحصول على الدواء بات معاناة بحد ذاته، في ظل ضعف الدخل وغياب الدعم الصحي المنتظم، أحياناً أضطر إلى أن أختار بين شراء الدواء أو شراء شيء نتدفأ به، البرد يسبق الدواء، وإذا بردت أتعب أكثر”.
وتضيف أن الخيمة لا تحميها من الرطوبة وتسرب المياه، ما يفاقم آلام المفاصل ويضاعف التعب، الأرض رطبة دائماً، وهي لا تستطيع الوقوف طويلاً، وتمر عليها ساعات الليل دون أن تستطيع النوم من البرد والوجع”.
وتتابع: “وسائل التدفئة البديلة التي يلجأ إليها السكان خطرة، لكنها مفروضة علينا، نحرق نايلون وبقايا بلاستيك مثل غيرنا، نعرف أنه مضر، لكن ماذا نفعل، لا يوجد مازوت ولا حطب، نحن كبار في السن، لم نعد نحتمل، نريد دواءً وتدفئة، أو مكاناً يحمي أجسامنا من هذا البرد، تعبنا من الانتظار”.
وفي السياق، قال قتيبة علوش، مدير مخيم الأنصار الشمالي في دير حسان، إن واقع المخيم يعكس فجوة واضحة بين من استطاع العودة إلى قريته ومن اضطر إلى البقاء، ذلك أن العائلات التي امتلكت الحد الأدنى من الإمكانات عادت إلى مناطقها، فيما بقيت الأسر الأشد فقراً في المخيمات، لتواجه أوضاعاً إنسانية بالغة السوء. ويضيف علوش في حديثه لـ”سورية الجديدة”، أن نقص التدفئة من أبرز التحديات، خصوصاً أن أغلب المقيمين في المخيم يعتمدون على حرق النايلون وبقايا المواد البلاستيكية للتدفئة، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب أي بدائل آمنة، ما يعرضهم لمخاطر صحية جسيمة، خصوصاً الأطفال وكبار السن. ويفيد بأن المخيم يشهد غياباً شبه كامل للمنظمات الإنسانية، وعدم وجود تدخلات فعلية تواكب حجم الاحتياج المتزايد، مؤكداً أن السكان يشعرون بأنهم متروكون لمواجهة مصيرهم وحدهم. وفي رسالة يوجهها إلى الجهات المعنية، يشدد علوش على ضرورة إعادة النظر بأوضاع سكان المخيمات بجدّية، والعمل على إيجاد حلول جذرية ومستدامة، لا تقتصر على الاستجابة الطارئة، بل تفتح الباب أمام عودة آمنة وكريمة للنازحين إلى مناطقهم.
ويلفت إلى أن نحو 99% من العائلات المقيمة في المخيم تمتلك منازل مدمّرة أو متضررة، ولا تملك القدرة المالية على ترميمها، ما يجعل البقاء في المخيم خياراً قسرياً لا إرادياً، في ظل غياب سياسات حكومية واضحة وخطط تنموية حقيقية تعالج جوهر الأزمة.
من جهة أخرى، أوضح رئيس دائرة الاحتياج والتوجيه في إدلب، بهاء مغلاج، أن نقص التمويل يعد السبب الرئيسي وراء تقليص أو إيقاف السلال الغذائية في عدد من المخيمات، خصوصاً أن بعض الجهات المانحة اتجهت نحو تحويل الدعم من المساعدات الإغاثية إلى مشاريع تنموية طويلة الأمد، مثل سبل العيش.
ويضيف لـ”سورية الجديدة”، أن الجهات المعنية تحاول البحث عن بدائل عاجلة، تشمل المساعدات النقدية والقسائم الشرائية، والتنسيق مع منظمات أخرى لتخفيف الأثر، إلا أن تقليص الدعم ترك تأثيراً مباشراً في الأمن الغذائي، مع ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي وتدهور القدرة الشرائية للأسر.
ويحذر عبد الرحمن جنيد، معاون مدير الشؤون الاجتماعية والعمل في محافظة إدلب، من التداعيات الخطيرة لتراجع دور المنظمات الإنسانية في شمال غرب سورية، ويؤكد أن المشكلة لا تقتصر على انخفاض التمويل، بل تشمل تراجع فعالية البرامج وآليات التدخل. ويشير جنيد في حديثه لـ”سورية الجديدة”، إلى أن كثيراً من المشاريع تحولت إلى استجابات طارئة محدودة لا تغطي سوى جزء يسير من الاحتياجات، فيما يقتصر دور المديرية على التنسيق بين الجهات الفاعلة لتحديد الأولويات ومنع ازدواجية العمل.
ورغم محاولات تعويض بعض الفجوات عبر مبادرات محلية، وتحسين إدارة الموارد، واللجوء إلى مشاريع منخفضة التكلفة، يؤكد جنيد أن هذه الحلول غير قادرة على سد الفجوة الكبيرة التي خلفها تراجع الدعم الدولي.
وكشفت مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل في إدلب، أحلام الرشيد، عن الجهود التي تبذلها المديرية بالتنسيق مع المنظمات والجمعيات الداعمة لوضع خطة دعم تقوم على مبدأ الاحتياج الفعلي ونوعية الخدمة المقدّمة. وأوضحت أن هذا التنسيق يستند إلى إحصائيات تحدث باستمرار، بما يضمن توجيه المساعدات نحو المخيمات الأكثر احتياجاً، ولا سيما تلك التي لم تتلقّ أي دعم سابق، مشيرة إلى وجود فريق مختص بالمساءلة يتابع آليات التوزيع ويدقق فيها، إضافة إلى تخصيص رقم لاستقبال الشكاوى.
وتتابع الرشيد، في حديثها لـ”سورية الجديدة”، قائلة إن الخطة المعتمدة تهدف إلى التأكد من وصول المواد الإغاثية إلى مستحقيها، وذلك من خلال قوائم ترفع من الدوائر الفرعية ومديري المخيمات، حيث توزع المواد على قاطني المخيمات وفق هذه القوائم. أما بالنسبة إلى العائلات التي عادت إلى بلداتها، فتُمنَح براءة ذمة تتيح تخديمها في مناطق عودتها إن شملها الدعم، بما يضمن شمول هذه الفئة بالخدمات المقدمة وعدم حرمانها حقها في الاستفادة من برامج الدعم.
وسط هذا المشهد، يبرز الغياب الحكومي عاملاً مركزياً في تعقيد الأزمة، فرغم الإعلان عن صندوق تنموي لدعم الفئات الأشد فقراً، لا تظهر المخيمات ضمن أولويات هذا الصندوق، ولا توجد سياسات واضحة لمعالجة أوضاع سكانها. وبين تقليص الدعم، وغياب السياسات الحكومية، وتراجع الاستجابة الإنسانية، يقف سكان المخيمات أمام مواجهة مصيرهم بلا ضمانات، فهل ستبقى المخيمات خارج الحسابات، أم أن الوقت قد حان لإدماجها ضمن خطط حقيقية تعترف بسكانها باعتبارهم مواطنين لهم حقوق، لا أرقاماً مؤقتة في تقارير الطوارئ.
العربي الجديد
—————————
الأزمات كاختبار للمسؤولية العامة/ نور عبد الغني عربو
فبراير 11, 2026
مع كل موسم شتاء، تعود المخيمات إلى واجهة المشهد العام بوصفها المساحة الأكثر هشاشة في مواجهة الكوارث الطبيعية. الأمطار الأخيرة والسيول التي اجتاحت عدداً من المخيمات لم تكن حدثاً استثنائياً بقدر ما كانت تكراراً متوقعاً لواقع معروف، حيث الخيام المؤقتة تتحول بسرعة إلى أماكن غير صالحة للحياة، وتُترك آلاف العائلات أمام خسائر جديدة تضاف إلى سجل طويل من المعاناة.
غير أن ما أعاد هذه الحادثة إلى قلب النقاش العام لم يكن حجم الضرر وحده، بل طريقة التعاطي معه، وما كشفه ذلك من أسئلة حول الأولويات والمسؤولية العامة.
الاستياء العام وجه نحو الحكومة، بسبب ما اعتُبر إنفاقاً على المراسم والاحتفالات والأنشطة الرسمية، في وقت بدت فيه المخيمات خارج دائرة الاهتمام العاجل. هذا الغضب لم يكن مجرّد رد فعل عاطفي، بل حمل في طياته شعوراً متراكماً بأن الفئات الأضعف تُستحضر في الخطاب، لكنها تُؤجَّل في التطبيق.
اللافت أن هذا الخطاب ذاته كان حاضراً في سنوات سابقة، حين وُجّهت انتقادات مشابهة للمنظمات الإنسانية بسبب إنفاقها على فعاليات ومؤتمرات، مقابل ضعف الاستثمار في تحسين واقع المخيمات. تغيّرت الجهة المسؤولة في نظر الناس، لكن المطلب بقي واحداً: أولوية الإنسان.
في المقابل، تطرح الحكومة جملة من التبريرات التي لا يمكن تجاوزها عند تناول القضية بمهنية. فهي تشير إلى محدودية الموارد، وضغط اقتصادي خانق، وتراكم أزمات معقّدة تجعل من المستحيل الاستجابة الفورية لكل طارئ. كما تؤكد أن المراسم والفعاليات ليست ترفاً بالمعنى البسيط، بل جزء من متطلبات العمل السياسي والمؤسسي، ووسيلة لترسيخ الشرعية، وإدارة العلاقات العامة، وخلق فرص دعم واستقرار على المدى المتوسط والبعيد. ووفق هذا المنطق، فإن إدارة الكوارث تحتاج إلى خطط وتنظيم وتدرّج، لا إلى قرارات ارتجالية مدفوعة بالضغط الشعبي.
هذه التبريرات، رغم واقعيتها في بعض جوانبها، لا تُغلق باب النقاش، بل تعيد صياغته. فالقضية لا تتعلق بوجود موارد كافية من عدمه، بقدر ما تتعلق بكيفية توزيع ما هو متاح، وبالرسائل التي يبعثها القرار العام إلى المجتمع.
في المعايير الحقوقية، تُقاس المسؤولية العامة بقدرة السلطة على حماية الفئات الأكثر هشاشة، لا سيما في أوقات الطوارئ، وبمدى إدماج هذه الفئات في صلب السياسات الوقائية، لا التعامل معها كملف ثانوي يُعاد فتحه عند وقوع الكارثة.
لا تُعد حماية الفئات الأشد هشاشة خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل التزاماً إيجابياً على عاتق السلطات العامة، خصوصاً في حالات الطوارئ والكوارث. فالحق في الحياة، والحق في السكن اللائق، والحق في الحماية من المعاملة القاسية أو اللاإنسانية، تفرض على الدولة اتخاذ تدابير وقائية معقولة ومتناسبة، حتى في ظل شح الموارد. وفي هذا الإطار، لا يُقاس التقصير فقط بنتائج الكارثة، بل بمدى الجدية في منع تكرارها.
المخيمات، بحكم طبيعتها، ليست مفاجأة. هشاشتها معروفة، وتأثرها بالأمطار والسيول متوقّع، ما يجعل تكرار المشهد مؤشراً على خلل في التخطيط المسبق، لا مجرد تقصير ظرفي. فالاستجابة الفعّالة للكوارث لا تبدأ بعد وقوعها، بل قبل ذلك، عبر بنية تحتية مناسبة، وخطط طوارئ واضحة، وآليات سريعة للتدخل. وعندما يغيب هذا البعد الوقائي، يتحول كل شتاء إلى اختبار جديد، وكل كارثة إلى نقاش مؤجل.
في هذا السياق، يمكن فهم الغضب الشعبي بوصفه تعبيراً عن فقدان الثقة بترتيب الأولويات، لا رفضاً مطلقاً لكل ما هو رسمي أو مؤسسي. فحين يرى الناس أن تنظيم المراسم يتم بسلاسة، بينما تُدار الأزمات الإنسانية ببطء، يتشكّل انطباع بأن الصورة تتقدّم على الحياة، حتى لو لم يكن ذلك هو القصد المعلن.
و”الصورة” هنا لا تقتصر على بعدها الإعلامي أو الشكلي، بل تشمل أيضاً السعي إلى إظهار القدرة على الحكم، والانضباط المؤسسي، والاستقرار السياسي. غير أن الإشكال يبدأ حين تُفصل هذه الصورة عن مضمونها الإنساني، أو حين تتحول إلى غاية بحد ذاتها، لا وسيلة لخدمة الإنسان في لحظات الاختبار.
هذا الانطباع، سواء كان دقيقاً أم لا، له أثر مباشر على العلاقة بين المجتمع والسلطة، ويغذّي شعوراً عاماً بالتهميش. من ناحية أخرى، لا يمكن إغفال تعقيد المشهد العام، ولا اختزال المسؤولية في طرف واحد. فإدارة الأزمات في سياق هش ومثقل بالأزمات تتطلب توازناً دقيقاً بين متطلبات الاستقرار السياسي والحاجات الإنسانية العاجلة.
غير أن هذا التوازن يفقد معناه حين لا يشعر الأضعف بأنه في مقدمة الاهتمام. هنا تحديداً، يصبح النقاش مشروعاً: هل تُدار الأزمات بمنطق الحفاظ على المشهد العام، أم بمنطق حماية الإنسان أولاً؟
في الخلاصة، تكشف أزمة المخيمات الأخيرة أكثر مما تُظهر. فهي لا تطرح سؤالاً عن حدث بعينه، بل عن فلسفة إدارة الشأن العام. فالمسؤولية لا تُقاس بعدد البيانات الصادرة، ولا بحجم التبريرات، بل بمدى قدرة القرار العام على أن يعكس أولوية الحياة والكرامة في اللحظات الحرجة. وعندما يغرق الأضعف أولاً، يصبح من حق المجتمع أن يسأل: من نضع في المقدمة عندما تختبرنا الأزمات؟
وربما لا يكون السؤال الحقيقي: من المسؤول؟ بل أي تصور للمسؤولية نريد أن يحكم إدارة الأزمات في مجتمع ما زال الأضعف فيه يدفع الكلفة الأعلى؟
الثورة السورية
———————————-
صِفْر مخيّمات/ سمر يزبك
10 فبراير 2026
بعد أكثر من عام على التحرير، لا يزال أكثر من مليون سوري يعيشون في الخيام. ومع ذلك، جرى التعامل مع هذا الرقم بوصفه ملفّاً قابلاً للتأجيل. وإذا استطعنا مؤقّتاً تجاوز البعد الإنساني الطارئ لهذه المخيّمات، لن نستطيع تجاوز فكرة أنها الاختبار الأكثر مباشرةً على الإطلاق لمعنى الانتصار والتحوّل السياسي. هنا لا يعود النقاش تقنياً، بل معيارياً: كيف جرى ترتيب الأولويات، وعلى أي أساس؟
ومن ثم، في مخيّمات خربة الجوز شمال سورية، جاءت السيول هذا الأسبوع لتعيد هذا السؤال إلى السطح بلا مواربة. خيام جرفتها المياه، وأناس عادوا إلى الوحل نفسه الذي يعيشون فيه منذ سنوات. الحدث لا يحتاج إلى توصيف إنساني إضافي، لأن دلالته السياسية مكتملة بذاتها.
كانت وزارة المالية، في بداية هذا العام، قد أطلقت ورش عمل موسّعة حضرها عدة وزراء ومسؤولين تحت عنوان “الوصول إلى صِفْر مخيّمات” مع نهاية عام 2026، أي بعد سنة، وبعد قرابة عامين على التحرير، لكن حين يُقرأ هذا الخبر من زاوية اجتماعية وسياسية أعمق، يتحوّل سؤالاً لا يمكن تجاوزه: لماذا كان على أهل الخيام أن ينتظروا سنةً أخرى؟ ولماذا لم يكونوا أولوية السنة الأولى؟ هذا السؤال لا يطعن في النيّات، ولا يتجاهل تعقيد الواقع، وإنما يذهب مباشرةً إلى جوهر المرحلة، لأن ما تُسمّى المرحلة الانتقالية لا تُقاس فقط بما تُنجزه من ملفّات، بقدر ما يتعلّق بما تختاره نقطة بدء. والخيام، بما تمثّله من اختزال مكثّف لتجربة التهجير، كانت أكثر الوقائع وضوحاً، وأكثرها أهليةً لأن تكون أساس هذا البدء.
العدالة الانتقالية بدورها، إذا أُخذت بمعناها الجوهري، لا تبدأ من لحظة القبض على الجناة وإنزال العقوبة بهم، وإنما تبدأ من لحظة الأخذ بيد الضحايا وتأمينهم. جبر الضرر هو الشرط التأسيسي لأي عدالة انتقالية، لأنه يُعيد إدخال الضحية في الفضاء الاجتماعي، بوصفها جزءاً من الحاضر والمستقبل، لا مجرّد دليل على الجريمة، لكن حين يُترك ضحايا التهجير في الخيام، يكون الحديث عن العدالة حديثاً منفصلاً عن الواقع، مهما بلغت دقته القانونية.
الحياة في المخيّم هي حياة حرمان خارج الزمن الاجتماعي، زمنٌ بلا تراكم، ولا يسمح بالانتقال، ولا يفتح أفقاً للتخطيط. الإنسان الذي يعيش في خيمة منذ 15 عاماً ليس في أزمة مؤقّتة، وكلُّ سنة إضافية تنزع شيئاً من معنى الانتماء، ومن الثقة في أن هذا المجتمع يتّسع له فعلياً. الأثر الأعمق لهذا الوضع لا يظهر فوراً، وإنما يتراكم. فالمخيّم ليس فراغاً اجتماعياً؛ إنه بيئة تُعيد تشكيل من يعيشون فيها. الطفل الذي يكبر في الخيمة يختبر الدولة بوصفها كياناً غائباً يظهر في الوعود المؤجّلة أكثر ما يظهر بوصفه إطاراً للحماية والتنظيم. ومع الوقت، يتحوّل هذا الغياب إلى تصوّر راسخ لا يمكن معالجته لاحقاً بخطاب سياسي أو بإجراءات متأخّرة.
حين يُقال لأهل الخيام إن الحلّ بعد سنة، فإن الرسالة الضمنية تتعلّق بالمكانة والأولوية، فأن يكون هذا الملفّ خارج أولوية السنة الأولى يعني أنه لم يُنظر إليه بوصفه حجر الأساس للمرحلة الجديدة، وهذا ما يجعل وعد “صِفْر مخيّمات قبل نهاية 2026” وعداً مختلَّ البنية.
من هنا، لا يمكن فصل ملفّ المخيّمات عن سؤال الاستقرار. الاستقرار الذي يُبنى من دون معالجة هذا الجرح يبقى هشّاً، مهما بدا متماسكاً في ظاهره، لأن المجتمع الذي يترك جزءاً منه في حالة تعليق دائم لا يُغلق أزمته، وإنما يُعيد إنتاجها بأشكال مؤجّلة. العدالة الاجتماعية هنا ليست حصيلة تلقائية لمسارٍ ناجح، بقدر ما هي شرط مسبق لنجاحه.
اللغة التي تتحدّث عن “الانتصار” تفقد معناها حين لا تجد ما يسندها في تجربة البشر اليومية. ليس لأن الناس لا يدركون التحوّلات الكبرى، وإنما لأن المفاهيم ولغة الوعود لا يمكن أن تحلّ محلّ الشروط الأساسية للعيش.
العربي الجديد
—————————–
الشام بخير.. ماذا عن سوريا؟/ عمر قدور
الثلاثاء 2026/02/10
أتت صادمةً جداً صورُ وتسجيلات مخيمات إدلب الغارقة بالسيول، وزادت فداحة البؤس بمقارنتها مع العديد من الاحتفالات والمهرجانات التي أُقيمت منذ إسقاط بشار الأسد حتى الآن، وآخرها معرض دمشق الدولي للكتاب المُقام حالياً. وبالطبع، لم تكن المقارنة تهدف إلى عدم إقامة المعرض، بل أتى الاعتراض على البذخ الذي يرافقه، وما أُنفق على دعوات لأشخاص كان يمكن الاستغناء عنها. وكان يمكن للمعرض أن يحقق المبتغى من دونها، بوصف المعرض في المقام الأول تظاهرة تهدف إلى وصل دور النشر بالقراء، وأيضاً وصل دور النشر بالمكتبات السورية، وهو الدور الذي اضطلع به منذ دوراته الأولى.
منذ افتتاح الدورة الحالية لمعرض الكتاب لم يتوقف الإعلام الرسمي عن نقل صور المسؤولين الذين يزورونه، والاستقبالات التي يلقاها البعض منهم من زملائهم في الحكومة. ذلك بالمقارنة مع شحّ تام بصور المسؤولين الذين يُفترض بهم الذهاب إلى موقع الكارثة في المخيمات، للوقوف في الأوقات العصيبة مع المنكوبين، وأيضاً لاستكشاف الواقع والبحث في آفاق معالجته. مع التنويه بأن مشكلة المخيمات خلال فصل الشتاء مزمنة، ومتكررة بحيث كان من الواجب استباقها بما يخفف وطأتها، إذا لم تكن المعالجة الجذرية متاحة.
ومثال إدلب نموذجي، إذ لطالما تغنّى مسؤولون بفضل إدلب على سوريا بأكملها، لأن هيئة تحرير الشام انطلقت منها لإسقاط الأسد، ما يفترض أنها تحظى بانتباه خاص، أو على الأقل لا تُترك مهملة. وإذا تجاوزنا مثال إدلب، نستطيع بسهولة استعادة أمثلة عديدة، ومعظمها يحدث باستمرار خارج العاصمة دمشق، بينما الوضع في الأخيرة يوحي بأنها بخير، ويوحي لزائريها أيضاً بأن سوريا بأكملها بخير، وعلى نحو يطعن بما كان يعرفه الجميع ويكررون قوله عن التدهور الشامل الذي وصلت إليه الأوضاع مع نهاية حكم الأسد.
من المؤكد أن دمشق شهدت منذ سقوط الأسد إقبالاً واسعاً جداً من الزوار غير السوريين، ومن سوريين مقيمين في الخارج يضعونها ضمن برامج زياراتهم، حتى إذا كانوا يقصدون أساساً أماكن أخرى. أي إن العاصمة استفادت من إنفاق أعداد كبيرة من الزائرين، وهذا ما جعل الوضع المعيشي فيها يشهد تحسناً نسبياً بالمقارنة مع باقي أنحاء سوريا. والأهم هي السلطة نفسها بوصفها مصدراً أكثر استدامة للإنفاق، والحديث هو عن عشرات الألوف من المنتسبين لجميع الوزارات، خصوصاً وزارتي الدفاع والداخلية، حيث الحد الأدنى للرواتب يفوق نظيره في المؤسسات الحكومية الأخرى.
على الصعيد المعنوي، كانت واضحةً (منذ اللحظات الأولى لإسقاط الأسد) محاولةُ الوافدين إعلانَ انتمائهم إلى الشام؛ مباشرةً أو عبر الانتساب إلى إرثها الأموي. وهذا أيضاً ليس بجديد، فالإعلاء من شأن دمشق بوصفها المركز كان حاضراً لدى رجالات العهد السابق، خصوصاً الجيل الثاني منهم، ويُذكر أن الفصائل والكاميرات التي دخلت القرداحة، مسقط رأس الأسد الأب، نقلت أحوالاً معيشية متردّية، بخلاف ما كان متخيَّلاً عن بلدة “رئاسية”. وخلال العهد السابق كله حدث تمركز شديد للسلطة، وللقطاعات الاقتصادية الأكثر ربحية، في دمشق. وحتى قطاع الثقافة صار مركزياً جداً، بحيث أضحت الشام ممراً إلزامياً لمعظم الكتّاب السوريين.
هي ليست سمة سوريةً فقط، ففي الكثير من البلدان يحدث هذا التمركز الشديد في العاصمة، متضمناً الرأسمال المالي والرمزي. إلا أن الحديث عن سوريا اليوم له خصوصية آتية من حساسية الوضع الانتقالي الذي تعيشه، والذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه تأسيساً لعهد جديد. يجدر التنويه أيضاً بأن أخذ الشام نموذجاً معبِّراً عن سوريا تكتنفه أخطاء غير واردة في بلدان مستقرة، فسوريا ليست مستقرة حتى الآن، لا جنوباً ولا ساحلاً ولا في شمالها الشرقي.
وإذا أخذنا الشام نفسها نموذجاً عشية اندلاع الثورة، فالحق أنه لم يكن فيها آنذاك ما يشي باندلاع الثورة، والمؤشرات المعيشية لم تكن متردية على النحو الذي سيحدث لاحقاً في عموم سوريا. وفي الشام وضواحيها، آنذاك وفي كل وقت، توجب الدقةُ التمييز بين مستويات وأنماط من العيش، فالذين يستطيعون قضاء أمسياتهم بين مقهى الروضة ومطاعم باب توما وباب شرقي هم أبناء شريحة قادرة على الدفع، وقد لا يكون أفرادها على دراية بأحوال العشوائيات الموجودة على بُعد كيلومترات قليلة. وهذا لا يعني الانتقاص من وعيهم السياسي جميعاً، فعشية الثورة كان لدى بعض رواد هذه المقاهي والمطاعم “ترف” انتقاد السلطة ومعارضتها، والأخيرة لم تكن تكترث بحفنة من “الثرثارين”، بخلاف ردّ فعلها عليهم عندما شاركوا في المظاهرات.
من الظلم الشديد اختزال سوريا بدمشق، ثم اختزال الأخيرة بأحياء تسكنها شرائح ميسورة نسبياً. هذا الاختزال يقوم به زوّار لا يعرفون البلد جيداً، والبعض منهم مدفوع بحسن النوايا والأمنيات، ويقوم بها أيضاً مقيمون في الأحياء المذكورة، لا دراية لهم بما هو خارجها، والبعض منهم مدفوع أيضاً بحسن النوايا والأمنيات. في الحالتين يخدم الاختزالُ تلك الرغبة في أن يكون الوضع في عموم سوريا كما هو في أماكن محدودة من العاصمة، إلا أنه (بوعي أو من دونه) يعيد تهميش القسم الأكبر من البلد، وهذه المرة بحرمانه من الاهتمام المعنوي على الأقل، أي بعدم الانتباه أو الاعتراف بتهميشه، بعد تهميشه فعلياً.
إعادة تكريس العاصمة على أنها مكان يحظى بامتيازات لن تكون بالضرورة مكسباً لها، إذ من المعتاد أن تصبح بسبب الامتيازات ذاتها مقصداً للكثير من السوريين في المناطق المهمشة ضمن نظام شديد المركزية، وغير متوازن على مختلف الأصعدة الاقتصادية والخدمية. شيء من هذا كان يحدث طوال عقود، وهو ما يفسّر وجود العشوائيات ذات الفقر المدقع على تخوم دمشق، واستمرار التفاوت سيدفع المزيد من المهاجرين إلى المجيء طمعاً بالحصول على حصة أو فتات من الامتيازات.
وللوهلة الأولى يبدو الكلام عن امتيازات مدعاةً ليغبط بقية السوريين أهلَ الشام الذين يحظون بما يحظون به، اقتصادياً ومعنوياً. إلا أن أهل الشام ليسوا جميعاً على هذا الحال، ومنهم نسبة كبيرة غير مستفيدة من مكاسب تمركز السلطة، بل يتذمّر أبناء هذه النسبة من أعباء “العاصمة” التي تضغط على مدينتهم. وفي العديد من المناسبات تلقّى “الشوام” توبيخاً قاسياً من هنا أو هناك، عندما سوّلت لشامي نفسه الشكوى من الضغط الذي يأتي مع كثرة الوافدين الجدد.
تستحق الشام أن تُعفى من عبء الامتيازات، ومن تسييسها بلا رأفة. تستحق من ضيوفها حماسةً بعيون مفتوحة، وبقلوب أرحم وأرحب، لأنه من الغبن الظنّ أنها بخير بينما سوريا ليست كذلك بعد.
المدن
———————–
الحكومة السورية وتراجع أثر “الإنجاز العسكري” وانخفاض التهديدات الأمنية/ فراس فحام
2026.02.10
لم تجد إدارةُ العمليات العسكرية التي قادت عملية إسقاط نظام الأسد أواخر عام 2024 عوائقَ تُذكر في طريقها لتولي السلطة التنفيذية، نظراً لحداثة أثر “الإنجاز العسكري” المتمثل بإزاحة نظام مارس كل أنواع القمع والجرائم بحق الشعب السوري، إلى جانب وجود تهديدات أمنية حقيقية مصدرها الخشية من الفراغ الأمني الذي قد يتيح المجال لعودة نشاط تنظيم الدولة، ووجود سلاح غير منضبط، وتفشي الحالة الميليشياوية.
ومع دخول أجهزة الدولة إلى محافظة الحسكة، آخر معاقل تنظيم قسد، طفا على سطح المشهد السوري سيلٌ من الانتقادات لأداء الحكومة السورية على خلفية مشاهد غرق المخيمات في ريف إدلب، واللافت أن شريحة واسعة من قادة الرأي في الشمال السوري – الذي يوصف بأنه كان منطلقاً لتحرير كامل سوريا من نظام الأسد – شاركوا في انتقاد تراجع اهتمام الحكومة المتزايد بمنطقة الشمال.
حقبة جديدة تدخلها سوريا
طيلة عام وربع تقريباً من إدارة الحكومة السورية الجديدة للبلاد، كانت تظهر انتقادات من حين لآخر لبعض الممارسات أو القرارات الحكومية، لكن هذه الانتقادات لم تكن تجد طريقها إلى عمق القاعدة الشعبية، التي لا تزال تعقد المقارنات بشكل لا إرادي بين سلوك الحكومة الجديدة والحقبة السابقة التي عاشتها سوريا لعدة عقود، وهذه المقارنة بطبيعة الحال كانت كفتها راجحة وبقوة لصالح الحكومة الجديدة.
أيضاً، من العوامل التي ساهمت في عدم حصول تفاعل شعبي واسع مع الانتقادات الموجهة لممارسات الحكومة السورية الجديدة المتعلقة بإدارة البلاد، التعويل على قدرتها العسكرية والأمنية لإنهاء فوضى انتشار السلاح، واستكمال توحيد الجغرافيا السورية، بما يتيح لعموم المناطق السورية، بما فيها محافظات الجزيرة، التخلص من سلطات تقمع إرادتها.
بعد الهزيمة العسكرية التي ألحقتها الحكومة السورية بتنظيم قسد، والتوصل إلى اتفاق أتاح للحكومة دخول مؤسساتها إلى مركز محافظة الحسكة، قفزت إلى الواجهة الاحتياجات والمتطلبات الشعبية المؤجلة، وتم التعبير عنها من خلال احتجاجات المعلمين في الشمال السوري على واقع التعليم عموماً ومعاشات المعلمين، أو عبر الانتقادات الشعبية للحكومة بسبب عدم الإعلان عن خطط واضحة وجدول زمني لإنهاء انتشار المخيمات في سوريا، بالإضافة إلى انتقاد آلية تعيين المسؤولين الحكوميين وموظفي السلك الدبلوماسي، وغياب الشفافية، والتشكيك بتكافؤ الفرص، مما أعطى مؤشرات واضحة على أن سوريا تدخل حقبة جديدة بمتطلبات محددة لضمان استدامة الاستقرار.
ضعف استراتيجية الحكومة في إدارة الانطباع الشعبي
من المؤكد أن الحكومة السورية تقوم بجهود معقولة لتحسين واقع الخدمات والاستقرار في سوريا ضمن المتاح، لكن من القواعد العامة والمهمة في علم الاجتماع أن “الانطباعات تتفوق على الحقائق”، لذا ففي الحالة السورية بشكل خاص تبرز أهمية الاعتناء باستراتيجية “إدارة الانطباع الشعبي”، في ظل الانكشاف الكبير أمام الحملات التي تستهدف تغيير الانطباع الشعبي تجاه الحكومة السورية من محيط يتبنى نهجاً عدائياً تجاه استعادة دور الدولة السورية، سواء الفصائل السياسية المدعومة من إيران، أو اللجان الإلكترونية المرتبطة بإسرائيل، حيث تقوم هذه الأطراف بالتقاط أي هفوة أو خلل وتسلط الضوء عليه بشكل مكثف، مع تزوير بعض المعلومات أحياناً.
منذ الأيام الأولى لتولي إدارة العمليات العسكرية الحكم في سوريا، ركزت بشكل كبير على الترويج للجهد العسكري في عملية إسقاط الأسد، دون الإشارة مطلقاً إلى الجهدين الأمني والسياسي، اللذين ساهما في تفكيك الكتلة الصلبة التابعة لقوات الأسد، سواء من خلال عقد تفاهمات مع روسيا مقابل ثنيها عن دعم الأسد في التصدي للهجوم، أو عبر تحييد ألوية عسكرية مؤثرة مقابل إعطاء قادتها الأمان. ثم لاحقاً انصدم الجمهور السوري باتصالات الحكومة الجديدة مع روسيا، وحجم العفو عن منتسبين سابقين للمؤسسة العسكرية التابعة للأسد، فتنامت مشاعر السخط الشعبي بدلاً من الثناء على إدارة العمليات العسكرية على جهدها الأمني والسياسي الذي ساهم في حسم المعركة، وهذا نابع من عدم تقديم سردية واضحة وحقيقية للجمهور منذ البداية.
أيضاً، عملت الحكومة السورية الجديدة على رفع سقف الطموحات الشعبية من خلال إطلاق وعود كبيرة يصعب تحقيقها حتى في بلدان مستقرة اقتصادياً، بدلاً من مكاشفة الجمهور والعمل على تطوير قدرتهم على الصبر، وتحميلهم جزءاً من المسؤولية تجاه إعادة الاستقرار في سوريا.
تعطي الحكومة باستمرار رسائل تؤكد من خلالها أن تركيزها منصب على تطوير قدرات المؤسستين العسكرية والأمنية، وهذا ظهر من خلال عدم التجاوب مع مطالب العاملين في القطاع التعليمي ورفع مستوى معيشتهم، في حين استمر تدفق الآليات والمعدات الخاصة بالأمن الداخلي. وهذا لا يعني المطالبة بإغفال القطاع الأمني المهم للاستقرار، لكنه دعوة للاستجابة المعقولة لاحتياجات القطاع التعليمي، بهدف إرسال رسائل لمختلف شرائح الشعب تؤكد الاهتمام باحتياجاتهم.
خلال عام سابق، ركزت الحكومة السورية الكثير من جهودها الاقتصادية والإعلامية والخدمية على مدينتي حلب ودمشق، وهذا مفهوم في ظل الكثافة السكانية العالية في هاتين المدينتين، ولوجود شرائح تساهم في الاقتصاد السوري، إلا أن هذا التركيز ترافق مع إيحاء بإهمال باقي المناطق التي كانت بالأصل تحظى بخدمات جيدة، حيث تقلصت ساعات وصول الكهرباء إلى محافظة إدلب على سبيل المثال، مما أعطى انطباعاً بأننا مقبلون على حقبة جديدة من الاهتمام بالمراكز، والتعاطي مع الأطراف في حدود أنها مصدر للموارد لخزينة الدولة، كما هو الحال مع الرقة ودير الزور والحسكة. ومن المعلوم أن إهمال نظام الأسد للريف وتنميته كان من أحد أهم أسباب اندلاع الثورة السورية.
على العموم، لا تتحمل الحكومة السورية الحالية الأوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب السوري حالياً، لأن نظام الأسد وداعميه هم من دمروا المدن والبلدات، وتسببوا بنزوح مئات الآلاف ضمن المخيمات، ووجود الملايين في بلدان اللجوء، وجعلوا البلد بحاجة إلى إنفاق عشرات مليارات الدولارات من أجل استعادة الخدمات. لكن المنتظر اليوم من الحكومة الجديدة هو بناء الثقة مع الشعب بخطوات لا تتطلب الكثير من الإمكانيات، مثل تقليص مظاهر الرفاهية التي قد تظهر على مسؤولي الدولة ومواكبهم، وتوسيع دائرة الكفاءات المشاركة في العمل الحكومي، والتعامل بشفافية فيما يتعلق بالاستثمارات وكيفية منحها، وتجنب أي مؤشر يدل على تفشي المحسوبية، من قبيل كثرة التعيينات في المناصب الحكومية لأفراد العائلة الواحدة، وإعلان خطط ممكنة وقابلة للتنفيذ لحل المشاكل الملحة، مثل قضية توفير الكهرباء بأسعار مقبولة بحسب الشرائح.
تلفزيون سوريا
——————————–
إدلب…حيث يتحول المطر إلى حكم بالإعدام
الثلاثاء 2026/02/10
أثارت صور ومقاطع الفيديو المؤلمة والمتداولة للسيول التي اجتاحت مخيمات النازحين في ريف إدلب، موجة غضب واسعة في مواقع التواصل، وأعادت فتح ملف النازحين بوصفه أحد أكثر الملفات إهمالاً بعد أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، وسط تساؤلات متصاعدة عن غياب أي معالجة جدية تضع حداً لاستمرار العيش في الخيام رغم تغير المعادلات السياسية.
وتداول ناشطون على نطاق واسع مقطعاً مصوراً للسيول التي أغرقت الخيم، وفي الخلفية إمرأة تبكي بحرقة وتكرر فيه سؤالاً بسيطاً ومفزعاً في آن: “إلى أين أذهب؟”، في مشهد اختزل حجم العجز الذي يعيشه آلاف النازحين، في ظل أزمة مخيمات مفتوحة بلا نهائية.
وفي الميدان، تضررت مخيمات عديدة في ريف إدلب نتيجة السيول الأخيرة، وسُجلت وفاة طفلين غرقاً، إضافة إلى إصابات في صفوف المدنيين ومتطوعين من فرق الإنقاذ، بينما اكتفت الجهات الحكومية حتى الآن بإجراءات محدودة الطابع، تمثلت في استجابات إسعافية مؤقتة لم تترافق مع إعلان خطة واضحة لإعادة إسكان المتضررين أو معالجة بنيوية لمشكلة المخيمات، رغم التحذيرات المتكررة من تكرار الكارثة مع كل منخفض جوي.
وفي هذا السياق المشحون بالغضب والتعاطف الإنساني، أطلق ناشطون وقادة رأي، حملة رقمية شارك فيها ممثلون سوريون، هدفت إلى تسليط الضوء على هذه الكارثة الإنسانية ورفعت شعارات تؤكد أن النجاة المؤقتة لا تمثل حلاً، وأن المطلوب مقاربة جذرية تعالج أصل المشكلة بعيداً من الاكتفاء بإجراءات إسعافية سرعان ما تنهار مع أول عاصفة مطر.
حملة رقمية
وكتب الممثل السوري مكسيم خليل، عبر خاصية ستوري في حسابه في “إنستغرام”، منشورا مطولاً وجّه فيه نقداً حاداً لتجاهل الحكومة ملف النازحين، متوقفاً عند المفارقة بين غرق المخيمات بأهلها واستمرار إنفاق الأموال على تجديد مكاتب ومنازل مسؤولين جدد، معتبراً أن المشكلة لا تكمن في الأبنية وإنما في العقلية التي تديرها.
وتساءل خليل عن أسباب بقاء سوريين على أرض سوريا في الخيام، بعد مرور سنة وشهرين على سقوط نظام الأسد، وعن مصير عشرات حملات التبرع والمبالغ الكبيرة التي جُمعت تحت عناوين مختلفة، من دون أن تنعكس على واقع الأطفال والنساء في المخيمات، مؤكداً أن أولوية أي سلطة يجب أن تبدأ بالملف الإغاثي ثم التنموي، وأن جوهر سوريا يبقى الإنسان السوري.
ولم تتوقف الانتقادات عند الحكومة، إذ وُجهت أسئلة مباشرة إلى فريق “ملهم التطوعي” الذي حمل سابقاً شعار “حتى آخر خيمة”، وكتبت الممثلة السورية ليلى عوض منشوراً تساءلت فيه بلهجة غاضبة عن مصير حملة التبرع، بعد غرق سكان الخيام وأطفالهم، وسقوط قتلى وجرحى بينهم عناصر من الدفاع المدني، معتبرة أن ما يحدث يعكس استمرار معاناة أهل المخيمات صيفاً وشتاءً، وأن مصيرهم بدا وكأنه انتقال من القصف والقتل في زمن النظام إلى الغرق بعد سقوطه.
بالتوازي، أعاد رواد مواقع التواصل التذكير بحملة “الوفاء لإدلب”، التي أُعلن سابقاً أن حجم التبرعات فيها تجاوز مئتي مليون دولار، متسائلين عن مصير هذه الأموال، وأكدوا أن استثمارها في مشاريع إسكان حقيقية كان كفيلاً بإخراج آلاف العائلات من الخيام لو وُجدت إرادة فعلية لإغلاق هذا الملف بدلاً من تدويره واستثماره سياسياً.
كما طاولت الانتقادات صانعي محتوى وشخصيات عامة غادرت الشمال السوري إلى دمشق بعد سقوط النظام، متجاهلة السنوات التي احتضنتهم فيها إدلب، حيث ركز مدونون على ما وصفوه بتحول بعض من كانوا يقدمون أنفسهم بوصفهم “رجال الثورة” إلى واجهات رسمية أنيقة، في وقت لم تعد فيه المخيمات ولا المأساة اليومية لسكانها تحت المطر والثلج، ضمن أولوياتهم أو خطابهم العام.
كما حذر ناشطون وصانعو محتوى من إدلب الحكومة من أن تفقد أقوى قاعدة شعبية لها في المحافظة، لأنها ستكون بداية النهاية.
المدن
——————–
========================
حق الأم السورية في نقل جنسيتها اختبار المواطنة المتساوية في المرحلة الانتقالية/ د. إبراهيم دراجي
9 شباط/فبراير ,2026
يعالج هذا البحث مسألة حرمان الأم السورية من حق نقل جنسيتها إلى أبنائها بوصفها أحد أكثر أشكال التمييز التشريعي رسوخًا في النظام القانوني السوري، ويحللها باعتبارها اختبارًا حاسمًا لمبدأ المواطنة المتساوية في المرحلة الانتقالية. يقدّم البحث قراءة قانونية ودستورية نقدية لقانون الجنسية، ويفكك المبررات الرسمية التي استُخدمت لتبرير التمييز، ثم يقوّمها في ضوء الإعلان الدستوري لعام 2025 والالتزامات الدولية لحقوق الإنسان. كما يربط إصلاح قانون الجنسية بمنطق العدالة الانتقالية، باعتباره شكلًا من جبر الضرر البنيوي وضمانة لعدم تكرار الإقصاء القانوني، وخطوة أساسية لإعادة بناء رابطة المواطنة على أساس المساواة
حق الأم السورية في نقل جنسيتهااختبار المواطنة المتساوية في المرحلة الانتقالية
تحميل البحث كاملا
المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة
سورية… احتجاجات اجتماعية وهامشية المعارضة السياسية/ عمار ديوب
08 فبراير 2026
شكّل الجمود في انطلاقة النهوض الاقتصادي وإيجاد فرص عمل لأكثرية السوريين خذلاناً إزاء الآمال الكبيرة مع بداية العهد الجديد والخلاص من سلطة بشار الأسد. ظهر تذمّر مجتمعي واسع في كل المدن السورية من جرّاء رفع تسعيرة الكهرباء (600 ضعف) في وقت فيه أكثر من 90% من السوريين عند خط الفقر، وبطالة عالية بين صفوف الشباب وأجور متدنية، رغم رفعها خلال 2025، بالمقارنة مع أسعار الاحتياجات الأساسية، كالخبز والغاز المنزلي والاتصالات وأخيراً الكهرباء ومع ارتفاع الأسعار بعامة.
لم تتوقف احتجاجات المعلمين في أرياف حلب وإدلب وحماه، في البلدات التي كانت خارج سلطة بشّار الأسد! بسبب انخفاض الأجور، ولتثبيتهم بعقود دائمة في الدولة، بين 90 و140 دولاراً، بينما الحد الأدنى للأجور يجب أن يكون 650 دولاراً. برزت احتجاجات جديدة للمعلمين في مدن الساحل، بين العلويين خصوصاً، وتتعلق بالاستغناء عنهم أو دفعهم إلى الاستقالة عبر تعيينهم في أماكن بعيدة عن مدنهم، وتكرّرت وقفاتهم الاحتجاجية؛ وكذلك لم تتوقف احتجاجات المطرودين من العمل في كل المدن السورية، وجديدهم أخيراً الموظفون في مديرية البحوث الزراعية في القنيطرة.
هذه الاحتجاجات تعبير عن تمسّك الناس بحقوقهم في العمل، وهي رفض سياسات السلطة الاقتصادية، المُحرِّرة للسوق من دون ضوابط، كتأمين فرص عمل بديلة أو أجور شحيحة ريثما يستطيع الأفراد تدبر أعمال أخرى، والأسوأ أن هذا التحرير يجري في شروط اقتصادية واجتماعية في غاية الانهيار، هي شروط خلقها بشار الأسد منذ 2011، والدمار في المدن، وارتفاع نسبة المستأجرين لأكثر من 50% من السوريين، والاقتصاد المدمّر وتوقف دورة الحياة الاقتصادية، وتأخّر استجلاب الاستثمارات أو وضع خطة وطنية لإشراك أغلبية السوريين في النهوض بالاقتصاد “زراعة، وصناعة خاصة”.
بدا التذمر الواسع من تسعيرة الكهرباء مؤشراً دقيقاً على بداية تراجع الثقة بالسلطة الجديدة، وزاد الأمر سوءاً إعلام السلطة، الذي ركز وجهته نحو العقوبات بوصفها سبباً للأوضاع الكارثية فرُفعت، ونحو الثروات التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فاستُعيدت. وبالتالي؛ وجدت الأكثرية أنّه لا مبرّرات أبداً في رفع التسعيرة تلك، ولكن التذمّر اقتصر على وزير الطاقة بصورة أساسية. تفسير ذلك متعدّد الأسباب، وهناك “برغماتية” لدى الشعب في إنذارٍ كهذا للسلطة وعبر نقد وزير الطاقة و”إسقاطه”.
لم تترافق الاحتجاجات المطلبية أعلاه مع احتجاجات على المسار السياسي للسلطة، وهيمنة شخصيات قادمة من هيئة تحرير الشام على السلطة أو مسك الرئيس ملفات حساسة في إدارة شؤون السلطة والاقتصاد السوري. غاب هذا النوع من الاحتجاجات، وهو تعبير مكثف عن هامشية السياسة لدى أغلبية السوريين، واكتفائهم بما يُحسن حياة الأفراد بالمعنى الاقتصادي والاجتماعي، وشيء من القلق تجاه مستقبل السلطة ذاته.
طبيعة المرحلة الانتقالية في سورية كطبيعة مفتوحة على خيارات متعدّدة، وفي المجالات كافة، هو سياق معيق لتشكل السياسة الثابتة، المحدّدة بمشاريع سياسية مختلفة، وبالتالي؛ هناك عدم استقرار في سياسات السلطة يؤدي إلى عدم تبلور معارضة سياسية ببرامج ثابتة.
تستفيد السلطة كثيراً من الحالة السائلة للانتقال السياسي، ومن الحالة الهامشية للقوى المعارضة، وتُعزّز من هيمنتها على السلطة والدولة معاً، وتستفيد كذلك من اقتصار الاحتجاجات على الجانبين، الاقتصادي والاجتماعي. ستواجه السلطة مشكلاتٍ كبرى في استمرارها في السياسات الاقتصادية والاجتماعية نفسها، إذ تتضرّر منها الأغلبية السورية، وكذلك في توهمها أنّ الشعب سيظلُّ في أغلبيته إلى جانبها. يشكل رفض السلطة لتشكيل نقابات مستقلة، وتعيين مجالس النقابات في عموم سورية خطأً استراتيجياً في احتواء الاحتجاجات، إذ تشكّل النقابات المستقلة والدفاع عن مصالح الناس شكلاً مدنياً ومنضبطاً، بينما الاحتجاجات الشعبية قد تأخذ أشكال انفجارية “لم تحدث حتى الآن” تُخلخل الاستقرار الهش أصلاً. تتوهم السلطة أن الناس لن يطوّروا احتجاجاتهم، وكذلك في أنها لن تُستغل من قوى داخلية أو حتى خارجية كذلك، ومن قوى سلفية أو حتى جهادية. هنا نشير إلى أنّ وجود النقابات أو الاتحادات المستقلة أو حرية الأحزاب السياسية سيشكل دافعاً كبيراً لبروز هوية وطنية، ووعي وطني، وسياسات وطنية، والأمر نفسه سيشمل الاحتجاجات بمختلف أشكالها.
تستفيد السلطة من أوضاع المعارضة، التي تُركز أكثر على المسار السياسي للسلطة، بينما تُهمش التركيز على الأسباب الاجتماعية للاحتجاجات أو على أوضاع الأكثرية المُفقرة، 90% من السوريين، وهو ما سيشكل لها أرضية صلبة في مواجهة سياسات السلطة. هل هذا سيستمر؟ ربما، ولكن الخطر يكمن في تأزّم مشكلات سورية الاقتصادية والاجتماعية، وفي رغبة السلطة في الاستمرار في الاستئثار بكل السلطات، وقد برزت أخيراً انتقادات واسعة على خلفية عدم الاستعانة بالدبلوماسيين المنشقين، وتعيين دبلوماسيين غير مختصين في الشؤون الدولية في دول كبرى عدّة، والأمر نفسه يخص أغلبية التعيينات في إدارات الدولة، وأيضاً بدأ الأمر يثير انتقادات واسعة ولا سيّما من جمهور الثورة في 2011، الذين يشعرون بالاستبعاد والتهميش.
استفادت السلطة من شكل المواجهات في الساحل والسويداء ومع “قسد”، فقد بدت مدافعة عن الثورة والطائفة السنية، ولكن تلك الاستفادة، مع إخماد الوضع في الساحل، أو الاتفاق مع “قسد”، وربما يحدُث اتفاق ما مع السويداء، ستبدأ بالتراجع وستضعف “السنيّة السياسية”، وستتعزّز قضية الحقوق العامة من جديد؛ ليست الاجتماعية والاقتصادية فحسب، بل وكذلك ضرورة المشاركة السياسية، والإقرار بحقوق كل الجماعات السورية بتلك المشاركة.
ارتفع مؤشّر الطائفية كثيراً ولدى كل الجماعات السورية. رغم هذا الارتفاع فقد شكلت الأوضاع الاقتصادية الكارثية سبباً للاحتجاجات، التي تتطلب حلاً، ومشاريع اقتصادية لإخمادها، ومن دون ذلك، لن يتراجع هذا المؤشّر، سيّما إن استطاع الرئيس الشرع فرض سيطرته على الشرق والجنوب كذلك، وهذه مفارقة. فهل تغيّر السلطة سياساتها وتتجه إلى إشراك الشعب، واعتماد الشفافية معه في كل سياساتها؟ هذا هو الطريق الوحيد لتعزيز سيطرتها، ورفع ثقل الضغوط الإقليمية والدولية عنها ومواجهة الخطر الصهيوني خصوصاً، ومن دون ذلك ستتزايد الأثقال عليها، وقد تتضرّر منها سورية بأكملها وليس السلطة فحسب.
العربي الجديد



